← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

إذ الحد وإن كان والآدمى يرث الآدمى فيما كان مالا أو متصلا بالمال وحق المخاصمة ليس شيئًا من هذا. ٢ - العفو: فمن غلب حق الله على حق الآدميين كأبى حنيفة رأى أن المقذوف ليس له أن يعفو عن القاذف بعد ثبوت الجريمة عليه، فإن عفا كان عفوه باطلا، لأن الحد حق من حقوق الله فليس للفرد أو الجماعة إسقاطه ولا يسقط بالعفو كسائر الحدود. ومن غلب حق العبد على حق الله كالشافعى وأحمد رأى المقذوف له أن يعفو عن القاذف إلى وقت إقامة الحد، فإن عفا عنه سقط الحد، على إنه إذا تعدد المقذوفين وكانت الجريمة محكومًا فيها بحد واحد فيشترط لسقوط الحد أن يكون العفو من جميع المقذوفين، فإذا عفا البعض دون البعض وجب الحد لمن لم يعف ولم يسقط بعفو من عفا (١) . ولمالك آراء متعددة فى العفو أولها: أن العفو يصح إلى ما قبل التبليغ فإذا لم يعف المقذوف وبلغ عن الحادث فلا عفو بعدها. وثانيها: أن العفو يصح إلى ما قبل سماع الشهود، فإن أدى الشهود شهادتهم فلا عفو بعدها. وثالثها: أن العفو جائز قبل التبليغ وبعده كلما قصد المقذوف من العفو أن يستر على نفسه (٢) . والقائلون بالعفو يجيزون أن يكون العفو صريحًا أو ضمنيًا، ويرتبون على العفو قبل التبليغ عدم جواز رفع الدعوى لسقوط حق المقذوف فى الشكوى بالعفو. * * *

стр. 1262

المبحث الثالث الأدلة على القذف يثبت القذف بالطرق الآتية: ٥٧١ - أولا شهادة الشهود: ويشترط فى شهود القذف ما يشترط فى شهود الزنا من البلوغ والعقل والحفظ والقدرة على الكلام والعدالة والإسلام وانعدام القرابة وانعدام العداوة وانعدام التهمة. كذلك يشترط فى شهود القذف الذكورة والأصالة، وقد تكلمنا عن هذه الشروط جميعًا بمناسبة الكلام على الشهادة فى الزنا. عدد الشهود: فيما يختص بإثبات التهمة يكفى لإثبات واقعة القذف على القاذف شهادة شاهدين فقط. أما فيما يختص بنفى التهمة فللمتهم بالقذف أن يتبع إحدى الطرق الآتية: الأولى: أن ينكر واقعة القذف ثم يستشهد على عدم حصول القذف بمن شاء من الرجال والنساء دون التقيد بعدد معين. الثانية: أن يدعى أن المقذوف اعترف بصحة القذف، ويكفى لتأييد هذا الدفاع شهادة رجلين أو رجل وامرأتين (١) . الثالثة: أن يعترف بالقذف ويبدى استعداده لإثبات صحة القذف، وفى هذه الحالة يجب عليه أن يستشهد على صحة الواقعة المقذوف بها أربعة شهود يشترط فيهم ما يشترط فى شهود إثبات جريمة الزنا على أن لا يكون القاذف أحدهم لأنه لا يعتبر شاهدًا. الرابعة: إذا كان زوجًا فاعترف بالقذف فله أن يلاعن الزوجة، ويرى أبو حنيفة أن للقاذف أن يثبت صحة القذف بأربعة شهود غيره، فإن شهدوا بصحة القذف فلا يحد المقذوف حد الزنا إذا كانت الشهادة على زنًا متقادم (٢) .

стр. 1263

لأن الأصل عنده أن الشهادة لا تقبل عند التقادم ولكنها قبلت هنا لإسقاط الحد عن القاذف وليس لإيجاب الحد على المقذوف. ويخالف أبا حنيفة فى هذا الأئمة الثلاثة ويرون حد المقذوف حد الزنا إذا ثبت الزنا عليه ولو كان متقادمًا لأنهم لا يعترفون بالتقادم "إلا على رأى لأحمد كما ذكرناه". ويرى أبو حنيفة أن لا أثر للتقادم على القذف لأن الدعوى فى القذف شرط فلا يمكن التقدم بالشهادة حسبة ولا تقبل مثل هذه الشهادة قبل الدعوى، وما دامت الدعوى تأخرت لأسباب خاصة بالمقذوف فليس من هذا ما يدعو إلى اتهام الشهود وليس فيه ما يفيد معنى الضغينة والتهمة كما هو الحال فى الزنا والشرب مثلًا، إذ الدعوى فى هاتين الجريمتين ليست شرطًا (١) . ٥٧٢ - ثانيًا: الإقرار: يثبت القذف بإقرار القاذف أنه قذف المجنى عليه، ولا يشترط العدد فى الإقرار فيكتفى أن يقر مرة واحدة فى مجلس القضاء (٢) . ويرى أبو حنيفة جواز الشهادة على الإقرار فى القذف إذا حدث فى غير مجلس القضاء؛ لأن إنكار الإقرار بالقذف لا قيمة له ولا يعتبر رجوعًا عن الإقرار (٣) ، ولأن الرجوع عن الإقرار فى القذف لا أثر له على الحد لأن حد القذف حق العبد من وجه، وحق العبد لا يحتمل السقوط بالرجوع بعد ثبوته كما هوالحال فى القصاص (٤) . ولا يقبل الرجوع عند أحمد (٥) .

стр. 1264

ويصح الإقرار فى القذف ولو مع السكر كما هو الحال فى الخصومة المالية؛ لأن للعبد حقًا فى القذف (١) . ومن المتفق عليه فى مذهب أبى حنيفة أن للقاضى أن يقضى بعلمه فى القذف على أن يكون العلم فى زمان القضاء ومكانه، ولكنهم اختلفوا على جواز القضاء بعلمه إذا كان العلم فى غير زمان القضاء أو مكانه (٢) . ٥٧٣ - ثالثًا: اليمين: يثبت القذف عند الشافعى باليمين إذا لم يكن لدى المقذوف دليل آخر فله أن يستحلف القاذف فإن نكل القاذف ثبت القذف فى حقه بالنكول. ويرى الشافعى أيضًا أن يستحلف القاذف المقذوف إذا لم يكن لدى القاذف بينة على صحة القذف، فإن نكل المقذوف عن اليمين اعتبر القذف صحيحًا ودرئ الحد عن القاذف، ولا يرى الشافعى الاستحلاف فى شئ من الحدود إلا فى القذف فقط لأنه حق العبد ولأن الرجوع عن الإقرار فى القذف باطل ولأن النكول عن اليمين بمثابة الإقرار. أما فى الحدود الأخرى فلا يرى الاستحلاف فيها لأنها حق الله من ناحية ولأن الرجوع عن الإقرار فيها صحيح (٣) . وفى مذهب أبى حنيفة يرى بعضهم الاستحلاف ولا يراه البعض الآخر، فمن قال بالاستحلاف اعتبر ما فى القذف من حق العبد، على أن القائلين بالاستحلاف اختلفوا فمنهم من رأى القضاء بالحد بالنكول، ومنهم من رأى القضاء بالتعزير عند النكول بدلًا من الحد، ومن قال بعدم الحلف اعتبر حق الله وأنه هو الحق الغالب فألحقه بسائر حقوق الله تعالى الخالصة وهى لا تقضى بها باليمين ولا بالنكول (٤) . ولا يرى مالك وأحمد جواز الإثبات باليمين فى القذف فليس للقاذف أو

стр. 1265

المقذوف أن يستحلف الآخر (١) . ولأحمد رأى قديم بجواز القضاء بالنكول فى القذف، ولكن المذهب أنه لا يقضى بالنكول فى غير المال وما يقصد به المال (٢) . * * * المبحث الرابع عقوبة القذف ٥٧٤ - للقذف عقوبتان: الأولى أصلية وهى الجلد والثانية تبعية وهى عدم قبول الشهادة والأصل فى العقوبتين قوله تعالى: ﴿وَالَّذيِنَ يَرْمُنَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةُ وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥] . عقوبة الجلد: عقوبة الجلد مقدارها ثمانون جلدة، وهى لا تقبل استبدالا ولا إنقاصًا، ليس لولى الأمر حق العفو عن العقوبة، أما المقذوف فله الحق فى العفو عنها على رأى البعض وليس له العفو على رأى البعض الآخر، كما بينا من قبل. عدم قبول الشهادة: من المتفق عليه أن القاذف يجب عليه مع الحد سقوط شهادته لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ . وقد اختلفوا فى سقوط الشهادة مع التوبة، فرأى أبو حنيفة أن شهادة القاذف تسقط وإن تاب، ورأى مالك والشافعى وأحمد أن القاذف تقبل شهادته إن تاب، وأساس اختلافهم فى هذه المسألة هو اختلافهم فى تفسير قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ ، فمن رأى أن الاستثناء يعود إلى أقرب مذكور فى قوله تعالى ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ قال: التوبة ترفع الفسق ولا تؤثر على عدم قبول

стр. 1266

الشهادة، ومن رأى أن الاستثناء يعود إلى الجملة السابقة كلها ويتناول الأمرين جميعًا قال: التوبة ترفع الفسق وتمنع من رد الشهادة. ويرى أبو حنيفة ومالك أن شهادة القاذف لا تسقط إلا بالحد. أما الشافعى وأحمد فيسقطان شهادة القاذف بثبوت المعصية عليه؛ أى بعجزه عن إثبات صحة القذف ولو لم يحد (١) . ٥٧٥ - تعدد العقوبات: إذا تعددت العقوبات، فإما أن تكون كلها عن جرائم قذف، وإما أن تكون عن جرائم قذف وجرائم أخرى، وفى الحالتين تتداخل العقوبات على الوجه الآتى: ٥٧٦ - تداخل عقوبات القذف: اختلف فى تداخل عقوبات القذف، فرأى مالك وأبو حنيفة أن عقوبات القذف تتداخل إلى وقت تنفيذها، فمن قذف غير مرة فحد فهو لذلك كله، سواء قذف فردًا واحدًا أو أفرادًا، وسواء كان القذف بكلمة أو بكلمات فى يوم واحد أو أيام مختلفة، وسواء اتحدت عبارات القذف أم اختلفت، طلب بعضهم الحد أم كلهم، فإذا أقيم الحد فقذف أحدًا بعد ذلك حُد له من جديد. وإذا كان مالك وأبو حنيفة قد اتفقا فى هذا فإنهما اختلفا فيما إذا قذف أحدًا أثناء تنفيذ العقوبة، فرأى مالك أن القذف إذا كان بعد تنفيذ أكثر الحد كمل الحد الأول ووجب للقذف الثانى حد كامل، وإن كان بعد تنفيذ أقل الحد وجب للقذف الجديد حد جديد إلا بقدر ما استوفى من الحد الأول. وظاهر مما سبق أن مالك لا يرى التداخل بعد بدء التنفيذ إذا كان قد نفذ أكثر الحد ويرى التداخل بقدر ما بقى من الحد إذا كان قد نفذ أقله. أما أبو حنيفة فيرى التداخل ما دام لم يتم التنفيذ ولو كان الباقى من الحد سوط واحد فلو ضرب

стр. 1267

القاذف تسعة وسبعين سوطًا ثم قذف قذفًا لا يضرب إلا ذلك السوط الواحد للتداخل (١) . ويرى الشافعى أنه إذا قذف شخصًا واحدًا عدة مرات قبل أن يحد فإن العقوبات تتداخل ويجرى عنها جميعًا حد واحد إذا كان القذف بزنًا واحد، وكذلك الحكم على الرأى الراجح ولو قذفه كل مرة بزنًا آخر لأن العقوبات كلها من جنس واحد لمستحق واحد فتتداخل كما لو زنا ثم زنا، أما الرأى المرجوح فيرى أصحابه تعدد الحد بتعدد وقائع القذف لأن القذف من حقوق الآدميين ولا تداخل فيها. إذا قذف جماعة فوجه لكل واحد منهم القذف على انفراد وجب لكل واحد منهم حد ولا تداخل مهما تعددت الحدود، وإن قذفهم بكلمة واحدة فيه قولان، قال فى القديم: يجب حد واحد لأن كلمة القذف واحدة فوجب حد واحد كما لو قذف امرأة واحدة. وقال فى الجديد: يجب لكل واحد منهم حد لأنه الحق العار بقذف كل واحد منهم فلزمه لكل واحد منهم حد كما لو انفرد بقذف كل واحد منهم، وهذا هو الرأى المعمول به فى المذهب. وإذا كانت كلمة عبارة القذف تعتبر قذفًا لشخصين كما لو قذف زوجته برجل ولم يلاعن، فيرى البعض أن على القاذف حدين لأنه قذف شخصين، ويرى البعض أن على القاذف حدًا واحدًا لأن القذف بزنًا واحد. أما إذا كان عبارة القذف تعتبر قذفًا لشخصين وكان القذف بأكثر من زنًا واحد فلا خلاف فى أن على القاذف حدين، كما لو قال لزوجته: يا زانية بنت الزانية. وإن وجب عليه حد لاثنين فإن وجب لأحدهما قبل الآخر وتشاحنا قُدِّم السابق منهما لأن حقه أسبق، وإن وجب عليه لهما فى حالة واحدة بأن قذفهما معًا وتشاحنا أقرع بينهما.

стр. 1268

وإن وجب حدان فحد لأحدهما لم يحد للآخر حتى يبرأ ظهره من الحد الأول؛ لأن الموالاة بين الحدين تؤدى إلى التلف (١) . ويرى أحمد أنه إذا قذف رجل شخصًا مرات فم يحد فحد واحد سواء قذفه بزنًا واحد أو بزينات، وإذا قذف جماعة بكلمات فلكل واحد منهم حد ولا تتداخل الحدود فى هذه الحالة مهما تعددت لأنها من حقوق الآدميين. وإذا قذف الجماعة بكلمة واحدة فحد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم، وهناك رواية عن أحمد أنه يلزمه لكل واحد منهم حد كامل، وإذا طلبوا الحد جملة حد لهم، فإن طلبه أحدهم أقيم الحد لأن الحق ثابت لهم على سبيل البدل فأيهم طالب به استوفاه وسقط باستيفائه فلم يكن لغيره أن يطالب به، وإن أسقطه أحدهم كان لغيره أن يطالب به ويستوفيه. وروى عن أحمد رواية أخرى: أنهم إذا طلبوه دفعة واحدة فحد واحد، وكذلك إن طلبوه واحدًا بعد واحد إلا أنه لم ينفذ حتى طلبه الكل فحد واحد، وإن طلبه واحد فأقيم له ثم طلبه آخر أقيم له، وكذلك جميعهم لأنهم إذا اجتمعوا على طلبه وقع أستيفاؤه بجميعهم، وإذا طلبه واحد منفردًا كان استيفاؤه له وحده فلا يسقط حق الباقين بغير استيفائهم أو إسقاطهم. وإذا قال لرجل يا ابن الزانيين فهو قاذف لهما بكلمة واحدة فإن كانا ميتين ثبت الحق لولدهما ولم يجب إلا حد واحد. وإن قال يا زانى ابن الزانى فهو قذف لهما بكلمتين فإن كان أبوه حيًا فلكل واحد منهما حد، وكذلك لو قال يا زانى ابن الزانية وكانت أمه على قيد الحياة وإن كانت ميتة فالقذفان جميعًا له، وإن قال زنيت بفلانة فهو قذف لهما بكلمة واحدة (٢) . ٥٧٧ - هل تتداخل عقوبة القذف مع عقوبات الجرائم الأخرى؟: يرى مالك أن حد القذف يتداخل مع حد الشرب لاتحاد الموجب أى أن

стр. 1269

موجب كل من الحدين ثمانون جلدة فإذا أقيم عليه أحدهما سقط عنه الآخر، ولو لم يقصد عند إقامته الحد إلا واحدًا فقط ثم ثبت أنه شرب أو قذف فإنه يكفى بما ضرب له عما ثبت، وكذلك الحكم لو سرق لأول مرة وقطع يمين آخر فإن الحدين يتداخلان لاتحاد الموجب (١) . ولا يرى الأئمة الثلاثة ما يراه مالك من التداخل بين حد القذف وحد الشرب وفيما عدا ما سبق فإن من المتفق عليه أن حد القذف لا يتداخل مع أية عقوبة أخرى ولو كانت القتل؛ سواء كان القتل حقًا لله كرجم الزانى المحصن أو حقًا للعبد كالقصاص، فحد القذف ينفذ مع القتيل ومع غيره ويقدم على القتل لأن فيه حق الآدمى وحقوق الآدميين لا يتسامح فيها كما يرى أبو حنيفة والشافعى وأحمد، ولأن حد القذف جُعل لدفع العار فلا يجبه القتل لئلا يقال للمقذوف: ما لك لم يُضرب لك فلان حد الفرية (٢) ؟! كيفية تنفيذ العقوبة: راجع ما كتب عن الجلد فى الزنا وما كتب خاصة عن القذف. ٥٧٨ - مسقطات العقوبة: ١ - رجوع الشهود عن شهادتهم. ٢ - تصديق المقذوف للقاذف. ٣ - تكذيب المجنى عليه لشهوده. وهذا عند أبى حنيفة خاصة، ويرى مالك أنه إذا كذب شهوده قبل سماعهم لم تسمع شهادتهم، فإذا كذبهم بعد الشهادة لم يلتفت لقوله. ٤ - بطلان أهلية الشهود قبل التنفيذ، وهو شرط خاص بأبى حنيفة لأن القاعدة عنده أن الإمضاء من القضاء. * * *

стр. 1270

الكتاب الثالث الشرب ٥٧٩ - حرمت الشريعة الإسلامية الخمر تحريمًا قاطعًا لأنها تعتبر الخمر أم الخبائث وتراها مضيعة للنفس والعقل والصحة والمال. وقد حرصت الشريعة على أن تبين للناس من أول يوم أن منافع الخمر مهما يقال فى منافعها ضئيلة لا تتعادل مع أضرارها الجسيمة، وذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِماَ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُماَ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِماَ﴾ [البقرة: ٢١٩] . ولقد حرمت الشريعة الإسلامية الخمر من ثلاثة عشر قرنًا، ووضع التحريم موضع التنفيذ من يوم نزول النصوص المحرمة، وظل العالم الإسلامى يحرم الخمر حتى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن العشرين حيث بدأت البلاد الإسلامية تطبق القوانين الوضعية وتعطل الشريعة الإسلامية، فأصبحت الخمر مباحة لشاربيها كما هو الحال فى مصر ولا عقاب علىشربها أو السكر منها اللهم إلا إذا وجد شاربها فى حالة سكر بِّين فى محل عام، فإن كان السكر بينًا وكان السكر فى محل خاص فلا عقاب عليه؛ أى أن العقوبة التى يقررها القانون المصرى ليست على شرب الخمر ولا على السكر وإنما على وجود السكران فى محل عام. وفى الوقت الذى يستبيح فيه المسلمون الخمر بالرغم من تحريم الإسلام لها تنتشر الدعوة إلى تحريم الخمر فى كل البلاد غير الإسلامية، فلا تجد بلدًا ليس فيه جماعة أو جماعات تدعو إلى تحريم الخمر وتبين بكل الوسائل أضرارها العظيمة التى تعود على شاربيها بصفة خاصة وعلى الشعوب بصفة عامة،

стр. 1271

وقد اندفعت هذه الجماعات إلى المناداة بتحريم الخمر بعد ما أثبته العلم من أن شرب الخمر مضر بالصحة وأنه يضعف الجسم والعقل بصفة عامة ويؤدى إلى قلة النسل وانحطاطه من الناحيتين الجسمانية والعقلية، وكذلك ثبت أن شرب الخمر يؤدى إلى ضعف الإنتاج، وهذا الذى أثبته العلم الحديث يؤيد مطلقًا نظرية الشريعة الإسلامية. وقد ترتب على الدعوة القوية لتحريم الخمر أن ابتدأت الدول غير إسلامية تضع فكرة تحريم الخمر موضع تنفيذ من القرن الحالى. فالولايات المتحدة الأمريكية أصدرت من عدة سنين قانونًا يحرم الخمر تحريمًا تامًا. وقد أصدرت الهند من سنتين قانونًا مماثلا. وهاتان هما الدولتان الكبيرتان اللتان حرمتا الخمر، أما أكثر الدول فقد استجابت للدعوة استجابة جزئية فحرمت تقديم الخمر وتناولها فى المحلات العامة فى أوقات معينة من النهار أو أيام معينة من العام، كما حرمت تقديمها أو بيعها لمن لم يبلغوا سنًا معينة. ونستطيع أن نقول بعد ذلك إن العالم غير الإسلامى أصبح اليوم مهيئًا لفكرة تحريم الخمر بعد أن ثبت علميًا أنها تضر بالشعوب ضررًا بليغًا، وأن الدعوة إلى التحريم تأخذ طريقها ويشتد ساعدها كل يوم وتجد من العلماء والمصلحين كل تعضيد، وأن اليوم الذى تحرم فيه كل الدول الخمر تحريما ً قاطعًا لم يعد بعيدًا، وأن العالم غير الإسلامى قد بدأ يأخذ بنظرية الشريعة الإسلامية ويسير على أثرها فسجل على نفسه بذلك أنه استجاب للحق بعد أن ظل يدعى إليه ثلاثة عشر قرنًا فلا يستجيب. ولقد كان هذا حريًا أن يدفع البلاد الإسلامية إلى المسارعة بتحريم الخمر وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ولكن المسلمين لا يزالون يغطون فى نومهم، عاجزين عن الشعور بما حولهم، بل عاجزين عن الشعور بأنفسهم، وسيأتى قريبًا اليوم الذى يصبح فيه تحريم الخمر عامًا فى كل الدول فتتم معجزة الشريعة الإسلامية

стр. 1272

ويتحقق ما نادت به من ثلاثة عشر قرنًا على أيدى أناس لا ينتمون للإسلام ولا يعرفون من حقائقه شيئًا. ٥٨٠ - النصوص الخاصة بالخمر: الأصل فى التحريم القرآن والسنة، على أن نصوص القرآن لم تحرم الخمر دفعة واحدة بل جاء التحريم تدريجيًا، وأول نصوص التحريم قوله تعالى: ﴿ياَ أَيُّهَا الَّذِين آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاة َ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] ثم جاء القرآن بعد ذلك بتأثيم شاربها فى قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْر وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نًَّفْعِهِماَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ثم نزل التحريم القاطع فى قوله تعالى: ﴿ياَ أَيُّهَا الَّذِين آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِرِ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوُه﴾ [المائدة: ٩٠] . أما السنة: فيقول النبى ﷺ : "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" عن ابن عمر، وقوله: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" عن جابر، وعن عائشة قوله: "كل مسكر حرام وما أسكر منه الغرف فملء الكف منه حرام"، وعن عبد الله بن عمر: "لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه". وقوله: "من شرب الخمر فاجلدوه". ٥٨١ - معنى الشرب عند الفقهاء: اختلف الفقهاء فى تحديد معنى الشرب، فهو عند مالك والشافعى وأحمد: شرب المسكر سواء سمى خمرًا أم لم يسم خمرًا، وسواء كان عصيرًا للعنب أو لأى مادة أخرى كالبلح والزبيب والقمح والشعير والأرز، وسواء أسكر قليله أو أسكر كثيره (١) . أما أبو حنيفة: فالشرب عنده قاصر على شرب الخمر فقط، سواء كان ما شرب كثيرًا أو قليلا والخمر عنده اسم لما يأتى: ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد. وعند أبى يوسف ومحمد: ماء العنب إذا غلا واشتد فقد صار خمرًا قذف بالزبد أو لم يقذف به. ماء العنب إذا طبخ فذهب أقل من ثلثيه وصار مسكرًا. نقيع البلح والزبيب

стр. 1273

إذا غلا واشتد وقذف بالزبد على رأى أبى حنيفة أو إذا غلا واشتد ولو لم يقذف بالزبد على رأى أبى يوسف ومحمد، ويستوى أن يكون البلح رطبًا أو بُسْرًا أو تمرًا. وما عدا هذه الأنواع الثلاثة لا يعتبر خمرًا عند أبى حنيفة، فعصير العنب إذا طبخ فذهب ثلثاه، ونقيع البلح والزبيب إذا طبخ وإن لم يذهب ثلثاه، ونبيذ الحنطة والذرة والشعير وغير ذلك من المواد نقيعًا كان أو مطبوخًا؛ كل ذلك لا يعتبر خمرًا وشربه حلال إلا ما بلغ السكر، فإن أسكر فلا يعاقب على شربه وإنما يعاقب على السكر منه. وحجة أبى حنيفة فى هذا الرأى ما روى عن النبى ﷺ أنه أشار إلى النخلة والكرمة وقال: "الخمر من هاتين الشجرتين"، وما روى عنه من قوله: "حرمت الخمرة لعينها، والمسكر من كل شراب" (١) . فأبو حنيفة إذن يفرق بين الخمر والمسكر ويحرم شرب الخمر قليلًا كان أو كثيرًا أما ما عدا الخمر من المواد المسكرة فيسميه مسكرًا لا خمرًا، والمسكر عنده لا يعاقب على شربه كالخمر وإنما يعاقب على السُّكر منه؛ لأن المسكر ليس حرامًا فى ذاته وإنما الحرام هو الكمية الأخيرة منه التى تؤدى للسكر، فلو شرب شخص ثلاثة أقداح ولم يسكر ثم شرب الرابع فسكر فالمحرم هو القدح الرابع. ولقد أدت التفرقة بين الخمر والمسكر إلى أن يفرق أبو حنيفة بين عقوبة الشرب وعقوبة السكر، وأن يقول بأن الحد حدان: حد الشرب وهو قاصر على شرب الخمر سواء سكر الشارب أم لم يسكر، قلَّ ما شربه أو كَثُر. وحد السكر فلا عقاب عليه. أما باقى الأئمة فلحد عندهم واحد هو حد الشرب. ويجب على كل من شرب مسكرًا سواء سمى خمرًا أو سمى باسم آخر، وسواء سكر الشارب أم لم يسكر ما دام أن الكثير من الشراب يسكر؛ لأن القاعدة عندهم أن ما أسكر كثيره فقليلة حرام. ورأى الأئمة الثلاثة هو الرأى المتبع فى العالم الإسلامى، إلا أننا رأينا أن

стр. 1274

نتكلم على حد الشرب وحد السكر معًا ببيان رأى الحنفيين، ولأن بعض الفقهاء يرى حد غير المسلم إذا سكر (١) ، فكان الكلام على حد السكر واجبًا من هذين الوجهين، على أن البعض الآخر يرى تعزير الذمى على السكر (٢) . والقاعدة عند فقهاء الشريعة أن الخمر مباح لغير المسلمين ما دام دينهم لا يحرمها تطبيقًا لقول الرسول ﷺ : "أمرنا بتركهم وما يدينون" ولكن لما كان السكر مما تحرمه الأديان جميعًا فقد رأى بعض الفقهاء حد غير المسلم على السكر ورأى البعض تعزيره، ولا خلاف فى أن غير المسلم يعزر على التظاهر بالشرب ولو لم يسكر ولو أن الشرب مباح له. على أنه ليس فى قواعد الشريعة ما يمنع من تطبيق حد الشرب على غير المسلمين إذا تبين أن السماح لهم بشرب الخمر يؤدى إلى الفساد الاجتماعى، ولا شك أن عدم تحريم الشرب عليهم يؤدى هذا إلى الفساد؛ لأن السماح لهم بالشرب يقتضى وجود الخمر فى البلاد ويشجع المسلمين على شرب الخمر، وهذا وحده يؤدى إلى هدم قواعد التحريم. وإذا كانت الدول المسيحية والبوذية تحرم الخمر على رعاياهم مسيحيين وبوذيين ومسلمين فأولى بالدول الإسلامية أن تحرم الخمر على رعاياها أيًا كانت ديانتهم ومذاهبهم. * * *

стр. 1275

المبحث الأول أركان الجريمة لجريمة الشرب ركنان: الأول الشرب الثانى: القصد الجنائى. الركن الأول: الشرب ٥٨٢ - يتوفر هذا الركن عند مالك والشافعى وأحمد كلما شرب الجانى شيئًا مسكرًا، ولا عبرة باسم المشروب ولا بالمادة التى استخرج منها، فيستوى أن يكون المشروب مستخرجًا من العنب أو البلح أو القمح أو الشعير أو القصب أو التفاح أو أى مادة أخرى، كذلك لا عبرة بقوة الإسكار فى المشروب فما أسكر كثيره فقليلة حرام ولو كان لا يؤدى فعلا للإسكار، فإذا كان المشروب لا يسكر منه الإنسان عادة إلا إذا شرب عشرة أقداح أو أكثر، فالقدح الواحد محرم ولو أنه لا يسكر فعلًا وبعض القدح محرم كذلك فيتوفر ركن الشرب بشرب القليل أو الكثير مادام الكثير من المشروب يؤدى إلى الإسكار، فإذا كان الكثير من الشراب لا يؤدى للسكر فهو غير محرم (١) . ولا يتوفر ركن الشرب عند أبى حنيفة إلا إذا كان المشروب خمرًا، وقد علمنا فيما سبق معنى الخمر عنده، فإن لم يكن المشروب خمرًا لم يتوفر ركن الشرب ولو كان الشرب مسكرًا ولو أدى للسكر فعلا (٢) .

стр. 1276

ومن المتفق عليه أنه لا يشترط لتوفر ركن الشرب أن يؤدى الشرب للسكر، فيكفى لقيام الجريمة مجرد الشرب ولو كان من المستحيل أن تؤدى الكمية التى شربت للسكر لأن الشرب محرم لعينه (١) . ولا عقاب إذا لم يكن المشروب مسكرًا أصلا ولو شرب على أنه مسكر، وإن كان الشارب يأثم فيما بينه وبين ربه. ويشترط أن تكون المادة المسكرة مشروبًا، فإن لم تكن كذلك فلا حد فيها وإنما فيها التعزير كالحشيش والداتورة (٢) . ويحد على الشرب ولو أن المادة المسكرة دخلت الفم أو الجوف على غير هيئة الشراب، فخلط المسكر بالطعام أو عجنه به (٣) . وتعتبر المادة المسكرة ولو خلطت بماء ما دامت مميزاتها محفوظة من رائحة ولون وطعم وتأثير، فإن خلطت بماء حتى زالت كل مميزاتها زوالا تامًا فلا يعتبر الخليط مسكرًا وإنما هو ماء عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد (٤) . والراجح فى مذهب مالك تحريم المخلوط ولو استهلك فيه المسكر (٥) . ويكفى لاعتبار الجانى شاربًا أن يصل المشروب إلى حلقة ومن باب أولى إلى جوفه، فإن لم يصل المشروب إلى الحلق كأن تمضيض به ثم مجه فلا يعتبر شاربًا (٦) . ويشترط المالكية والحنيفة أن تصل الخمر إلى الجوف عن طريق الفم، فإن وصلت عن غير هذا الطريق كالأنف أو الشرج مثلًا درئ الحد للشبهة، على أن

стр. 1277

درء الحد لا يمنع من التعزير (١) . وفى مذهب الشافعى ثلاثة آراء أحدها كرأى المالكى، والثانى: يحد ولو لم تصل الخمر للجوف عن طريق الفم كما لو استعط أو احتقن، والثالث: يحد فى السعوط دون الحقنة (٢) . وفى مذهب أحمد رأيان: أن ما وصل عن طريق الحلق فيه الحد كالشرب والاستعاط، وما وصل عن طريق الشرج فلا حد فيه. والرأى الثانى يوجب الحد فى الحالين (٣) . ويعتبر شاربًا من شرب الخمر أو المسكر لدفع العطش وهو يستطيع استعمال الماء، وكن من يشرب مضطرًا لدفع غصته لا حد عليه للاضطرار لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وكذلك حكم من أكره على الشرب سواء كان الإكراه ماديًا أو أدبيًا لقول النبى ﵊: "عفى لأمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، واختلف فيمن شرب لدفع عطش مهلك، فمذهب أبى حنيفة وهو يتفق مع الرأى الراجح فى مذهب مالك والشافعى أن لا حد على الشارب (٤) . أما أحمد فيفرق بين ما إذا شربها الشارب صرفًا أو ممزوجة بشىء يسير لا يروى من العطش، ففى هذه الحالة على الشارب الحد، أما إذا شربها ممزوجة بما يروى من العطش أبيح الشرب لدفع الضرورة (٥) . وفى التداوى بالخمر خلاف، فالرأى الراجح فى مذهب مالك والشافعى أن التداوى بالخمر فيه الحد إذا شربها المريض، أما إذا استعملها لطلاء جسمه فلا حد؛ لما روى عن رسول الله ﷺ : "من تداوى بالخمر فلا شفاه الله"،

стр. 1278

"إن الله لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها" (١) . ويرى أبو حنيفة إباحة الشرب للتداوى، أما أحمد فيحرمه ويرى فى الشرب للتداوى الحد (٢) . السكر ٥٨٣ - لا وجود لحد السكر إلا إذا كان الشرب مباحًا، والسكر هو المحرم كما هو الحال عند غير المسلمين أو كما يقول أبو حنيفة وأصحابه فى غير الخمر، فإن كان الشرب غير مباح فالحد حد الشرب لا حد السكر ولو أدى الشرب إلى السكر فعلا. فالسكر إذا درجة تأتى بعد الشرب وهى نتيجة له، ولذلك يجب أن تتوفر فى جريمة السكر أركان جريمة الشرب وأن يؤدى الشرب بعد ذلك إلى السكر، فإن لم يؤد للسكر فلا حد على الشرب ولا على السكر ولو قصد الجانى أن يشرب ليسكر. ويحد الجانى على السكر إذا شرب المادة المسكرة وهو عالم بأن كثيرها مسكر ولو شرب منها قليلا ما دام أن الشرب قد أدى فعلا للسكر، ويحد كذلك ولو لم يقصد من الشرب السكر ما دام قد سكر وذلك أخذًا بقصده الاحتمالى إذ كان عليه أن يتوقع أن الشرب ربما أدى للسكر (٣) . واختلف فى بيان السكر المستوجب للحد، فرأى أبو حنيفة أن السكران هو من فقد عقله فلم يعد يعقل قليلًا لا وكثيرًا ولا يميز الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة (٤) . ويرى أبو يوسف ومحمد أن السكران هو الذى يغلب على كلامه الهذيان وحجتهما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاة َ وأَنتُمْ سُكَاَرَى حَتَّى تََعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فمن لم يعلم ما يقول فهو سكران، ورأيهما يتفق مع رأى بقية الأئمة (٥) . * * *

стр. 1279

الركن الثانى: القصد الجنائى ٥٨٤ - يتوفر القصد الجنائى عند الفاعل كلما أقدم على الشرب عالمًا أنه يشرب خمرًا أو مسكرًا، فإن شرب المادة المسكرة وهو لا يعلم أن كثيرها مسكر فلا حد عليه ولو سكر فعلا. كذلك لا حد إذا شرب مادة مسكرة وهو يظنها مادة أخرى لا تسكر، ولا عقاب على الفاعل فى هذه الحالة ولو تبين أن الشرب كان نتيجة لخطأ جسيم أو لعدم الاحتياط؛ لأن الجريمة عمدية فيشترط فيها تعمد الفعل. ويعتبر القصد الجنائى غير متوفر إذا كان الجانى يجهل تحريم الشرب، ولو كان يعلم أن المشروب مسكر، ولكن لا يقبل الجهل ممن نشأ فى بلاد المسلمين لأن نشأته بينهم تجعل العلم بالتحريم مفروضًا فيه، أما من نشأ فى بلاد غير إسلامية فيقبل منه الادعاء بالجهل إذا ثبت أنه يجهل حقيقة تحريم الشرب، ويرى مالك جواز الاحتجاج بجهل العقوبة (١) . ويقبل الادعاء بجهل التحريم لكن لا يقبل منه الادعاء بجهل العقوبة (٢) . عقوبة الشرب ٥٨٥ - يعاقب على الشرب بالجلد ثمانين جلدة عند مالك وأبى حنيفة، وهو رواية عن أحمد. ويرى الشافعى وقوله رواية أخرى عن أحمد أن الحد أربعون جلدة فقط، ولكن لا بأس عنده من ضرب المحدود ثمانين جلدة إذا رأى الإمام ذلك، فيكون الحد أربعين وما زاد عليه تعزير. ويعاقب على السكر عند أبى حنيفة بنفس عقوبة الشرب فالحد عنده مقرر للسكر والشرب معًا.

стр. 1280

سبب اختلاف الفقهاء فى مقدار الحد أن القرآن لم يحدد العقوبة وأن الروايات لا تقطع بإجماع الصحابة على رأى فى حد الخمر، فالقرآن وإن كان قد حرم الخمر فإنه لم يعين لها حدًا، كما أن النبى ﷺ لم يعين للخمر حدًا فكان يضرب فيها القليل والكثير ولكنه لم يزد عن أربعين، وجاء أبو بكر وضرب فى الخمر أربعين، وروى عن أبى بكر أنه سأل أصحاب الرسول كم بلغ ضربه لشرب الخمر، فقدوره بأربعين وروى عن أبى سعيد الخدرى وعن على أن النبى ﷺ ضرب فى الخمر أربعين. فلما جاء زمن عمر رضى الله عنه تحير أمر الناس على شرب الخمر، فاستشار عمر الصحابة فى حد الخمر فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب عمر ثمانين وكتب به إلى خالد وأبى عبيدة بالشام. وروى أن عليًا رضى الله عنه قال فى المشورة: نرى أن نجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هَذَى، وإذا هذى افترى وعلى المفترى ثمانون. وقد روى عن معاوية بن حصين بن المنذر الرقاش أنه قال: شهدت عثمان رضى الله عنه وقد أُتى بالوليد بن عقبة فشهد عليه حمران ورجل آخر فشهد أنه رآه يشرب الخمر وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال لعلى: أقم عليه الحد، فقال على لعبد الله ابن جعفر: أقم عليه الحد فأخذ السوط وجلده، وعلىُّ يعد إلى أن بلغ أربعين قال حسبك، جلد النبى ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة وهذا أحب إلىَّ. وكذلك روى عن على ٍّ رضى الله عنه أنه قال: ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت فأجد فى نفسى منه شيئًا إلا صاحب الخمر ولو مات وديته؛ لأن النبى ﷺ لم يسنه لنا. فمن رأى من الفقهاء أن حد الخمر ثمانون اعتبر أن الصحابة أجمعوا على هذا, والإجماع مصدر من المصادر التشريعية, ومن رأى أن الحد أربعون احتج بما فعله على من جلد الوليد بن عقبة أربعين جلدة, وقوله: جلد النبى أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة، وهذا أحب إلى. ويرى أصحاب هذا الرأى

стр. 1281

أن فعل النبى ﷺ حجة لا يجوز تركه بفعل غيره، وأن الإجماع لا ينعقد على ما يخالف فعل النبى وأبى بكر وعلى، ويحملون الزيادة من عمر على أنها تعزير يجوز إذا رآه الإمام (١) . والأصل فى الحدود أنها لا تقبل عفواً ولا صلحاً ولا إسقاطاً إذا كانت من حقوق الله الخالصة، ولما كان حد الشرب من حقوق الله الخالصة فليس للأفراد أو الجماعة إسقاطه أو العفو عنه، على أننا إذا اعتبرنا رأى الشافعى فى أن الحد أربعون جلدة فقط وأن مازاد على ذلك تعزير فإنه يجوز لولى الأمر أن يعفو عن العقوبة المعتبرة تعزيراً كلها أو بعضها؛ لأن الشريعة تجعل لولى الأمر أن يعفو عن العقوبة فى جرائم التعزير، أما الجزء المعتبر حداً فلا يمكن إسقاطه ولا العفو عنه. ومن المتفق عليه أن العقوبة لا تنفذ على السكران حتى يفيق؛ لأن العقوبة جعلت للتأديب والزجر، والسكران لا يشعر تماماً بما يحدث له (٢) . ويرى البعض أنه إذا جلد قبل الإفاقة أجزأ واعتد به، ويرى البعض أن يعاد الحد ولا يقيد بالتنفيذ الحادث وقت السكر، ويفرق البعض بين ما إذا كان عنده ميز أم لا، فإن كان عنده ميز وقت الجلد ولو كان قبل صحوه، وأما إن كان طافحاً أعيد عليه الحد، وإن لم يحس فى أوله وأحس فى أثنائه حسب له من أول إحساسه بالضرب (٣) . ٥٨٦- التداخل: إذا تعددت جرائم الشرب والسكر قبل تنفيذ الحكم فى إحداها تداخلت عقوبات هذه الجرائم، سواء حكم بها أولم يحكم بها ما دامت

стр. 1282

كلها قد وقعت قبل تنفيذ إحدى العقوبات واكتفى فيها بتنفيذ عقوبة واحدة، فإذا وقعت جريمة أخرى بعد تنفيذ العقوبة وجبت لها عقوبة خاصة. والتداخل يكون من ثلاثة وجوه: أولاً: تتداخل عقوبات الشرب كما تتداخل عقوبات السكر المتعدد إلى الوقت الذى تنفذ فيه إحداها. ثانياً: تتداخل عقوبة السكر مع عقوبة الشرب، فلو سكر ذمى ثم أسلم قبل تنفيذ العقوبة وشرب تداخل حد السكر مع حد الشرب، وكذلك الحال عند الحنفية فإن حد السكر يتداخل مع حد الشرب، فلو سكر شخص ثم شرب قبل تنفيذ عقوبة السكر اكتفى بتنفيذ عقوبة واحدة. ثالثاً: يتداخل حد الشرب مع حد القتل سواء كان القتل من حدود الله أو حقاً لآدمى، كما لو شرب وزنا وهو محصن أو شرب وقتل شخصاً، فلا تنفذ إلا عقوبة القتل التى تجب عقوبة الشرب؛ لأن كل عقوبة يقصد بها التأديب والزجر ولا حاجة مع القتل للزجر ولا فائدة فى تنفيذ ما دون القتل، وإذا انعدمت الفائدة التى شرع الحد من أجلها أصبح تنفيذه غير مشروع. وهذا هو رأى مالك وأبى حنيفة وأحمد (١) . أما الشافعى فيرى أن عقوبة القتل لا تجب ما دونها ويجب تنفيذ العقوبات كلها، فمثلاً إذا شرب شخص وسرق وزنا وهو محصن جلد للشرب وقطع للسرقة ثم قتل بعد ذلك (٢) . ولا يتداخل حد الشرب عند أبى حنيفة وأحمد مع أى عقوبة أخرى إلا مع عقوبة القتل، ولكن مالكاً يرى أن حد الشرب يتداخل مع القذف لأن موجبهما واحد، والقاعدة عنده: تتداخل الحدود كلما اتحدت موجباتها (٣) . ٥٨٧- كيفية تنفيذ الجلد: ينفذ الجلد على الوجه الذى سبق ذكره فى تنفيذ الجلد فى الزنا، ويرى البعض أن المحدود فى الخمر لا يجرد من ملابسه لأن

стр. 1283

حد الخمر من أخف الحدود فوجب إبقاء ملابسه عليه إظهاراً لتتخفيف، ولكن الرأى الراجح هو أن لا فرق فى التنفيذ بين حد الخمر وغيره وأن الشارع أظهر التخفيف فى نقصان عدد الجلدات (١) . ويرى البعض أنه إذا اجتمعت حدود لله من أجناس مختلفة أخر حد الشرب عنها جميعا لأنه ثابت بما لا يتلى (٢) . وهو رأى أبى حنيفة، ولكن البعض يرى تقديم حد الشرب على غيره على أنه إذا تأخر فليس للتأخير أثر ما ووقع الموقع (٣) ، وهذا هو رأى الشافعى وأحمد لأنهما يريان تقديم الأخف على الخفيف، أما مالك فيستوى عنده أن يقدم الأخف أو الأشد ولولى الأمر أن يبدأ بأيهما أراد (٤) . * * * المبحث الثاني الأدلة على الشرب ٥٨٨- أولاً: شهادة الشهود: يثبت الشرب والسكر بشهادة الشهود ويشترط أن لا يقل عدد الشهود على رجلين تتوفر فيهما شروط الشهادة التى سبق ذكرها بمناسبة الكلام عن الزنا. ويشترط أبو حنيفة وأبو يوسف أن تكون الرائحة قائمة وقت الشهادة أى رائحة الخمر أو السكر, فالشهادة عندهما مقيدة بوجود الرائحة ولا يشترط أن توجد الرائحة فعلاً وقت التحقيق ويكقى أن يشهد بها الشاهدان, فيجوز أن يشهد الشاهدان بالشرب أو السكر فيشم المحقق رائحة الخمر أو المسكر, ويجوز أن يشهد الشهود على الشرب أو على السكر وعلى وجود الرائحة وقت أخذ الجاني, أما محمد فلا يشترط وجود الرائحة مع الشهادة بالشرب أو السكر, وحجة أبى

стр. 1284

حنيفة وأبى يوسف أن حد الشرب ثبت بإجماع الصحابة وأن ابن مسعود كان يشترط الرائحة ولا إجماع إلا برأيه (١) . ويشترط أبو حنيفة وأصحابه لقبول الشهادة عدم التقادم أى مضى زمن على وقوع الجريمة, وقد تكلمنا عن التقادم على الكلام على الزنا, ولكن أبا حنيفة وأبا يوسف يجعلان مدة التقادم فى الشرب والسكر مقدرة بزوال الرائحة، فإذا سكت الشهود عن الحادث حتى زالت الرائحة فقد تقادمت الشهادة وامتنع قبولها. ولكن محمداً يقدر مدة التقادم بشهر (٢) . "على أنه من المسلم به لدى الجميع أنه لا تقادم إذا أخذ الشهود الجانى وريحها توجد فيه أو سكران من غيرها وريح ذلك الشراب يوجد منه وذهبوا به إلى الإمام فى مكان بعيد فانقطع الريح قبل أن ينتهوا به؛ لأن التأخير ليس أساسه سكوت الشهود على الجريمة وإنما يرجع لبعد المسافة فلا تهمة فى هذا التأخير. ومما يؤثر فى ذلك أن قوماً شهدوا عند عثمان على عقبة بشرب الخمر وكان بالكوفة فحمل إلى المدينة فأقام عليه الحد, ولا شك أن الرائحة قد زالت عندما وصل الشهود إلى المدينة ولكن التقادم لم يعتبر لأن التأخير كان بعذر وهو بعد المسافة عن الإمام" (٣) . ولا يسلم بقية الأئمة بنظرية أبى حنيفة فى عدم قبول الشهادة بالتقادم, وإن كان هناك رأى لأحمد يتفق مع رأى أبا حنيفة ولكنه غير معمول به فى المذهب, وقد سبق أن بينا ذلك عند الكلام عن الزنا. ٥٨٩- ثانياً: الإقرار: تثبت الجريمة بإقرار الجاني, ويكفى فى الإقرار مرة واحدة فى المذاهب الأربعة, وإن كان أبو يوسف يرى أن كل إقرار يسقط بالرجوع بعدد الإقرار فيه كعدد الشهود (٤) . ويسرى على

стр. 1285

الإقرار هنا ما يسرى على الإقرار فى الزنا. وإذا أقر الجانى وهو سكران فحكم إقراره [يراجع ما كتب فى القتل عن إقرار السكران] . ويشترط أبو حنيفة وأبو يوسف أن لا يكون الإقرار قد تقادم, فإذا كان قد تقادم لم يقبل من المقر, وحد التقادم عندهما هو ذهاب الرائحة, فمن أقر بشرب الخمر أو السكر بعد ذهاب الرائحة لم يقبل إقراره, ولكن محمداً لا يرى بطلان الإقرار بالتقادم لأن عدم القبول للتقادم سببه التهمة والإنسان لا يتهم على نفسه فإذا أقر أخذ بإقراره مهما مضى على الحادث (١) . ٥٩٠- الرائحة: يرى مالك أن الرائحة وحدها تعتبر دليلاً على الشبر ولو لم يشهد أحد برؤية الجانى وهو يشرب, فإن شهد شخصان بقيام الرائحة فى فم الشارب أو شهد أحدهما برؤيته يشرب وشهد الثانى بأنه شم من فيه رائحة الخمر فعلى الجانى الحد, وهذا الرأى رواية عن أحمد. ولكن أبا حنيفة والشافعى ورأيهما الرواية الراجحة لأحمد يريان أن الرائحة لا تعتبر وحدها دليلاً على الشرب, ويرى أبو حنيفة كما قدمنا أن الرائحة يجب أن يثبت وجودها مع الشهادة بالشرب, وهو يخالف فى هذا الشافعى وأحمد, والقائلون بالحد بالرائحة يحتجون بأن ابن مسعود جلد رجلاً وجد فيه رائحة الخمر, وبما روى عن عمر أنه قال: إنى وجد من عبيد الله ريح شراب فأقر أنه شرب الطلا, فقال عمر: إنى سائل عنه فإن كان مسكراً جلدته, ويحتجون بأن الرائحة تدل على الشرب فجرى مجرى الإقرار. أما الذين لا يقبلون الرائحة دليلاً فيرون أن الرائحة يجوز أن تكون من غير الشرب فيحتمل أنه تمضمض بها أو حسبها ماء فلما صارت فى فيه مجها, أو أكل نبتاً أو شرب شراب التفاح فإنه يكون منه كرائحة الخمر, وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد لأن الحد يدرأ بالشبهات (٢) . ٥٩١- السكر: يعتبر أبو حنيفة وجود الشخص فى حالة سكر دليلاً

стр. 1286

على أنه سكر من غير الخمر, فإذا شهد اثنان على شخص بأنهما وجداه فى حالة سكر ووجدت فيه رائحة المسكر عند هذا الشخص أو شهد الشاهدان بأنهما اشتما رائحة المسكر وجب عليه حد السكر (١) . ولا يرى الشافعى فى السكر دليلاً على الشرب لاحتمال أنه احتقن أو استعط أو أنه شربها لعذر من غلط أو إكراه (٢) , ورأى الشافعى رواية فى مذهب أحمد (٣) . وإذا كان مالك يرى الحد لمجرد الرائحة كما يراه أحمد فى أحد رأييه فإن الحد يجب عندهما لوجود الشخص فى حالة سكر من باب أولى؛ لأن السكر لا يكون إلا بعد الشرب (٤) . ٥٩٢- القىء: لا يعتبر القىء وحده دليلاً عند أبى حنيفة لكن إذا ثبت من القىء وجود رائحة الخمر وكان الجانى أخذ فى حالة سكر أو شهد عليه شاهدان بالشرب فإن الجريمة تثبت عليه؛ لأن أبا حنيفة كما ذكرنا يشترط مع الشرب ومع السكر الرائحة (٥) . أما الشافعى فلا يرى القىء دليلاً على الشرب لما سبق ذكره, وهذا رأى لأحمد. أما مالك وهو يوجب الحد بالرائحة كما يوجبه أحمد فى أحد رأييه فيجب أن يكون القىء عندهما دليلاً يثبت به الحد من باب أولى لأنه لا يتقيأ إلا بعد الشرب. ومن يثبت الحد بالقىء فإنه يحتج بما حدث فى محاكمة قدامة والوليد بن عقبة فقد شهد علقمة الخفى على قدامة فقال: أشهد أنى رأيته يتقيؤها فقال عمر: من قاءها فقد شربها وضربه الحد. أما ما حدث فى محاكمة الوليد بن عقبة فقد شهد عليه رجلان فشهد أحدهما أنه رآه يشربها، وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها, فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها, وكان ذلك كله بمحضر من الصحابة فلم ينكره أحد فكان إجماعاً (٦) , أما من

стр. 1287

لا يرى القىء دليلاً على الشرب فيرى أن هذا من عمر وعثمان اجتهاد وليس فيه إجماع (١) . ٥٩٣- هل يقضى القاضى بعلمه؟: وليس للقاضى أن يقضى بعلمه فى الشرب والسكر ولو عاين الحادث بنفسه أو أقر له به الجانى ما دام ذلك فى غير مجلس القضاء. ٥٩٤- امتناع التنفيذ: يمتنع التنفيذ كلما سقطت العقوبة, وهى تسقط بما يأتى: ١- الرجوع عن الإقرار إذا لم يكن دليل إلا هو. ٢- رجوع الشهود عن شهادتهم إذا لم يكن دليل إلا الشهادة. ٣- بطلان أهلية الشهود للشهادة بعد الحكم وقبل التنفيذ, وهو شرط أبى حنيفة خاصة. * * *

стр. 1288

الكتاب الرابع السرقة ٥٩٥- أنواع السرقة: السرقة فى الشريعة الإسلامية نوعان: (١) سرقة عقوبتها حد. ... ... (٢) سرقة عقوبتها التعزير. والسرقة المعاقب عليها بالحد نوعان: أ - سرقة صغرى ... ب - سرقة كبرى. فأما السرقة الصغرى فهى أخذ مال الغير خفية أى على سبيل الاستخفاء (١) . أما السرقة الكبرى فهى أخذ مال الغير على سبيل المغالبة, وتسمى السرقة الكبرى حرابة. وسنفصل القول فيها فيما بعد. والفرق بين السرقة الصغرى والسرقة الكبرى هو أن السرقة الصغرى يؤخذ فيها المال دون علم المجنى عليه ودون رضاه, ولابد لوجود السرقة الصغرى من توفر هذين الشرطين معاً فإذا لم يتوفر أحدهما فلا يعتبر الفعل سرقة صغرى, فمن سرق من دار متاعاً على مشهد من صاحب الدار دون استعمال القوى والمغالبة لا يعتبر فعله سرقة صغرى وإنما يعتبر فعله اختلاساً, ومن خطف مالاً من آخر لا يعتبر فعله سرقة صغرى وإنما يعتبر فعله خطفاً أو نهباً, والاختلاس والغصب والنهب كلها صور من صور السرقة ولكن لا حد فيها, ومن أخذ متاعاً من دار برضاء صاحبها وفى غير حضوره لا يعتبر سارقاً. أما السرقة الكبرى فيأخذ فيها المال بعلم المجنى عليه

стр. 1289

ولكن بغير رضاه وعلى سبيل المغالبة. فإن لم تكن مغالبة فالفعل اختلاس أو غصب أو نهب ما دام الرضاء غير متوافر. ٥٩٦- السرقة المعاقب عليها بالتعزير: هى نوعان: أولهما: يدخل فيه كل سرقة ذات حد لم تتوفر شروط الحد فيها أو درأ فيها الحد للشبهة كأخذ مال الابن وأخذ المال المشترك, ويستوى أن تكون السرقة فى الأصل صغرى أو كبرى. وثانيهما: هو أخذ مال الغير دون استخفاء؛ أى بعلم المجنى عليه وبدون رضاه وبغير مغالبة, ويدخل تحت هذا النوع الاختلاس والغصب والنهب, مثل أن يأخذ السارق ملابس آخر خلعها ووضعها بجواره ثم يهرب بها على مرأى من المجنى عليه, ومثل أن يخطف شخص من آخر ورقة مالية كان يمسكها بين أصابعه. وهذا النوع من السرقة لا حد فيه أى لا قطع فيه لقول الرسول ﷺ : "لا قطع على نباش ولا منتهب ولا خائن", ولا تخرج السرقات فى الشريعة الإسلامية عن هذه الأنواع الأربعة, ويطلق الفقهاء عادة لفظ السرقة دون تمييز على السرقة الصغرى, وإذا تكلموا على السرقة وأحكامها فإنما يقصدون السرقة الصغرى بينما يسمون السرقة الكبرى الحرابة أو قطع الطريق, أما ما عدا ذلك من نهب وغصب واختلاس فيطلقون عليه لفظ الاختلاس بصفة عامة. والسبب الذى دعا الفقهاء إلى إطلاق لفظ السرقة على السرقة الصغرى دون تمييز أن عقوبتها قطع اليد, وأن أكثر السرقات تقع على سبيل الاستخفاء أى تقع سرقة صغرى. والقاعدة العامة التى يسير عليها الفقهاء أنهم يعنون عناية تامة بالجرائم المعاقب عليها بحد أو قصاص, فيبينون أركانها وشروطها ويفصلون أحكامها ولا يتركون صغيرة ولا كبيرة إلا بينوا حكمها. أما الجرائم المعاقب عليها بالتعزير فلا يعنون بها تلك العناية ولا يتعرضون إلا للمهم منها, وما يتعرضون له يكتفون ببيان أحكامه مجملة, وإن كانوا قد عنوا بالتعازير عامة فيما يختص بأنواع العقوبات وحد كل عقوبة وسلطة القاضى وولى الأمر. ولعل عذر الفقهاء فى أخذهم بهذه الطريقة أن أكثر جرائم التعزير يترك لأولى الأمر تحديد الأفعال المكونة لها

стр. 1290

والعقوبات التى تقع على مرتكبيها, وأن هذه الجرائم يختلف النظر إليها باختلاف البلدان ونوع الحكومات, فكان من المعقول أن لا يهتم بتفصيل أحكام الجرائم التعزيرية كما تفصل أحكام الجرائم الثابتة وهى جرائم الحدود والقصاص, خصوصاً وأن فكرة تجميع الأحكام التشريعية والأفعال المحرمة فى مجامع تنشر على الناس لم تكن ظهرت بعد. ويجب أن نلاحظ أن الفقهاء حين يتكلمون على السرقة الصغرى يتناول كلامهم بالضرورة السرقة المعاقب عليها بالتعزير بنوعيها, إذ النوع الأول ليس إلا سرقة فيها الحد تخلف فيها شرط من شروط الحد, ولأن النوع الثانى وهو ما يطلق عليه الاختلاس ولا يختلف عن السرقة الصغرى إلا فى بعض الشروط التى يجب توفرها فى السرقة دون الاختلاس, فكان الكلام على السرقة شاملاً للاختلاس فكل سرقة صغرى إذا انتفت بعض شروطها تصبح اختلاساً. ويمكننا أن نحصر أوجه الخلاف بين السرقة الصغرى والاختلاس فيما يأتى: ١- عقوبة السرقة القطع وعقوبة الاختلاس التعزير. ٢- الركن المادى فى السرقة الأخذ على سبيل الاستخفاء, وفى الاختلاس الأخذ دون استخفاء. ٣- يشترط فى السرقة أن سكون المسروق فى حرز ولا يشترط ذلك فى الاختلاس. ٤- يشترط فى السرقة أن يبلغ المسروق نصاباً معيناً ولا يشترط ذلك فى الاختلاس. ونستطيع بعد معرفة الفرق بين السرقة والاختلاس أن نقول بأن أحكام الاختلاس فى الشريعة تكاد تكون نفس أحكام القانون المصرى فى السرقات المعتبرة جنحاً, وإذا كان ثمة فرق بين الشريعة والقانون فى بعض الحالات كما فى حالة اعتبار القانون للاختلاس الحاصل على متعهد النقل سرقة وعدم اعتباره خيانة أمانة كما هو الحال فى الشريعة فإن القانون يجب اتباعه فى هذه الحالة لأن الجريمة من الجرائم التعزيرية وهى محرمة اعتبرت فى تكييفها سرقة أو خيانة أمانة, ولولى

стр. 1291

الأمر سلطة كبرى فى تحديد عقوبات الجرائم التعزيرية فإذا عاقب عليها بعقوبة السرقة فإن أمره يجب أن يطاع. وإذا قارنا الشريعة الإسلامية بالقانون المصرى فيما يختص بالسرقات وجدنا أن الشريعة تعاقب على نفس الأفعال التى يعاقب عليها القانون باعتبارها سرقة, فالشريعة تعاقب على أخذ المال خفية (السرقة الصغرى) , وعلى أخذه مغالبة أى بإكراه وتهديد فى طرق العامة وغيرها (السرقة الكبرى أو الحرابة) , وعلى أخذه بغير استخفاء وبغير مغالبة (الاختلاس) , وكذلك القانون يعاقب على اختلاس المال سواء كان الاختلاس بعلم المجنى عليه أو بغير علمه, أى سواء أخذ خفية أو غير خفية, ما دام ذلك دون رضاه وبغير إكراه, ويعتبر القانون الأفعال التى من هذا النوع جنحاً, كذلك يعاقب القانون على الاختلاس مغالبة أى بإكراه أو تهديد فى الطرق العمومية وغيرها وتعتبر الأفعال التى من هذا النوع جنايات. ولقد كانت القوانين الوضعية تعاقب حتى الثورة الفرنسية على اختلاس منفعة الشىء على اختلاس حق حيازته, على اعتبار أن اختلاس المنفعة واختلاس الحيازة سرقة, كذلك كانت هذه القوانين تخلط بين السرقة والتبديد والغصب وتعتبرها جميعاً سرقة متأثرة فى ذلك بأحكام القانون الرومانى الذى أخذت عنه, أما الشريعة الإسلامية فإنها على قدمها وقد وجدت من أكثر من ثلاثة عشر قرناً لم تخلط بين سرقة الشىء والانتفاع به أو استرداد حيازته, ولم تخلط بين السرقة وبين الجرائم الأخرى الواقعة على الأموال كالغصب والتبديد. وسنرى عندما نستعرض الأفعال المكونة لجريمة السرقة على وجه التفصيل أنها لا تختلف شيئاً عما وصلت إليه أرقى القوانين الوضعية الحديثة, ولست أريد من هذا أن أبين للناس مدى دقة فقه الشريعة وصفاته وإنما أريد أن أبين للناس أن القانون الوضعى حين يتطور مرة بعد مرة إنما يسير فى أثر الشريعة ويأخذ بمبادئها. وحين يقال إنه وصل إلى الكمال يكون قد أوشك

стр. 1292

أن يبلغ فقط بعض ما بلغته الشريعة, وأن اليوم الذى تأخذ فيه القوانين الوضعية عن الشريعة قد أصبح قريباً جداً وأقرب مما يظن أكثر الناس. * * * المبحث الأول أركان السرقة ٥٩٧- عرفنا السرقة فيما سبق بأنها أخذ مال الغير خفية. وظاهر من هذا التعريف أن أركان السرقة أربعة: (١) الأخذ خفية. ... ... ... (٢) أن يكون المأخوذ مالاً. (٣) أن يكون المال مملوكاً للغير. ... ... (٤) القصد الجنائى. الركن الأول: الأخذ خفية ٥٩٨- معنى الأخذ خفية: هو أن يأخذ الشىء دون علم المجنى عليه ودون رضاه, كمن يسرق أمتعة شخص من داره فى غيبته أو أثناء نومه, أو من يسرق حاصلات من جرن فى غيبة صاحبها أو أثناء نومه, فإن كان الأخذ فى حضور المجنى عليه ودون مغالبة فالفعل اختلاس لا سرقة, وإن كان الأخذ دون علم المجنى عليه ولكن برضاه فالفعل لا يعتبر جريمة. ويجب فى الأخذ أن يكون تاماً, فلا يكفى لتكون الجريمة أن تصل يد الجانى للشىء المسروق بل لابد أن يكون الأخذ بحيث تتوفر فيه ثلاثة شروط: أولها: أن يخرج السارق الشىء المسروق من حرزه المعد لحفظه. ثانيهما: أن يخرج الشىء المسروق من حيازة المجنى عليه. ثالثها: أن يدخل الشىء المسروق فى حيازة السارق. فإذا لم يتوفر أحد هذه الشروط اعتبر الأخذ غير تام, وكانت عقوبته التعزير لا القطع. فمن تسور داراً ليسرق منها فضبط قبل أن يصل إلى شىء مما فى الدار أو ضبط وهو يجمع المتاع, ومن دخل زريبة ليسرق

стр. 1293

منها دابة ففك قيدها أو اعتلى ظهرها ثم ضبط قبل أن يخرج بها, ومن دخل جرناً ليسرق منه قمحاً فى غرارة مثلاً فضبط وهو يملأ الغرارة أو ضبط بعد ملئها وهو يحاول أن يحملها أو ضبط بعد أن حملها وقبل أن يخرج بها من الجرن- فكل هؤلاء لا يعتبر أحدهما آخذاً خفية لأن ما أتاه من الأفعال لم يخرج الشىء المراد سرقته من حرزه أى المحل المعد لحفظه وما دام المال لم يخرج من حرزه فهو لم يخرج من حيازة المجنى عليه ولم يدخل فى حيازة الجاني (١) . ويترتب على اشتراط الأخذ التام أن لا يقطع فى سرقة لم تتم, فكل ما نعتبره اليوم شروعاً فى سرقة يعاقب عليه بالتعزير ولا يعاقب عليه بالقطع. ولكن أصحاب المذهب الظاهرى يوجبون القطع فى الشروع كلما وضع السارق يده على الشىء المسروق ولو لم يخرج به من حرزه, فمن أخذ وهو يجمع المتاع من منزل المجنى عليه وقبل أن يحمله ويخرج به أو أخذ وهو يحمله وقبل أن يخرج به قطع ما دام قد بدأ فعل السرقة؛ لأن ما وقع منه يجعله سارقاً وأن الظاهريين لا يشترطون الحرز فى السرقة, ولهذا فهم يعتبرون الأخذ تاماً بمجرد تناول الشىء المسروق بقصد سرقته ولو لم يخرج الشىء من حيازة المجنى عليه ويدخل فى حيازة الجانى حيازة فعليه ونهائية (٢) , وإن كانوا يفرقون بين السرقة والاختلاس ويرون القطع فى السرقة دون الاختلاس. وعبارة الأخذ خفية فى الشريعة يقابلها الاختلاس فى القوانين الوضعية, ويشترط ليكون الاختلاس تاماً فى القانونين المصرى والفرنسى أن يخرج الشىء من حيازة المجنى عليه وأن يدخل فى حيازة الجاني, ومعنى هذا أن الشريعة

стр. 1294

تشترط زيادة على ما تشترطه القوانين الوضعية أن يخرج السارق الشىء المسروق من حرزه, وهذه الزيادة شرط لابد من توفره فى كل سرقة معاقب عليها بالقطع عند أصحاب المذاهب الأربعة والشيعة الزيدية, أما الظاهريون فلا يشترطون الإخراج من الحرز كما قدمنا بل أنهم لا يشترطون للقطع إخراج الشىء من حيازة المجنى عليه وإدخاله فى حيازة الجاني, ويكتفون بأن يتناول الجانى الشىء بقصد سرقته لاعتباره آخذاً له خفية ومستحقاً لعقوبة القطع. وتتفق المذاهب الأربعة والشيعة عدا مذهب الظاهريين, وتتفق الشريعة مع القانون المصرى والفرنسى إذا كانت السرقة واقعة على مال غير محرز. فهذه السرقة لا قطع فيها وعقوبتها التعزير, ويكفى فيها لاعتبار الأخذ تاماً أن يخرج الشىء المسروق من حيازة المجنى عليه ويدخل فى حيازة السارق, فمثلاً إذا سرق الجانى دابة المجنى عليه أثناء سيرها فى الطريق دون حارس فإن مجرد ركوبه للدابة يعتبر أخذاً تاماً لها لأنه يدخلها فى حيازة الجانى ويخرجها من حيازة المجنى عليه. وتتفق الشريعة أيضاً مع القانون المصرى والفرنسى إذا كان الفعل الحاصل من الجانى مما يعتبر فى الشريعة اختلاساً فإن الاختلاس عقوبته التعزير لا القطع, ويكفى فى حالة الاختلاس لاعتبار الفعل تاماً أن يخرج الشىء المختلس من حيازة المجنى عليه ويدخل فى حيازة المختلس, فمن خالس المجنى عليه وخطف من يده ورقة مالية أو أخذ ثوبه من جواره فإن الاختلاس يعتبر تاماً بمجرد دخول الورقة المالية أو الثوب فى حيازة المختلس ولو لم يبرح محل الاختلاس. وإخراج الشىء المسروق من حرزه يتبعه دائماً إخراج هذا الشىء من حيازة المجنى عليه, فمن سرق من زريبة أو منزل أو دكان يعتبر أنه أخرج المسروق من حيازة المجنى عليه بمجرد إخراج المسروقات من الزريبة أو المنزل أو الدكان, وكذلك من يسرق من جيب إنسان يعتبر أنه أخرج المسروقات من حيازة المجنى عليه بمجرد إخراج المسروقات من الجيب؛ لأن الجانى فى هذه الأحوال جميعاً يزيل عن المسروقات يد المجنى عليه.

стр. 1295

وإخراج الشىء المسروق من حيازة المجنى عليه لا يتوقف دائماً على خروج السارق به من الحرز, فقد يخرج المسروق من حيازة المجنى عليه مع بقاء الجانى فى الحرز ومع عدم خروج المسروق من الحرز, ومثال ذلك أن يبتلع السارق المسروقات فى الحرز إذا كانت مما لا يفسد بالابتلاع كجواهر أو نقود ابتلعها السارق داخل الحرز, ففى هذه الحالات وأشباهها تدخل المسروقات فى حيازة السارق وتخرج من حيازة المجنى عليه قبل أن يخرج السارق من الحرز وقبل أن يعتبر الأخذ تاماً لأنه لا يتم إلا بالخروج من الحرز (١) . أما إذا كان الشىء الذى ابتلع فى الحرز مما يفسد بالابتلاع كاللبن أو الحلوى وما أشبهه فالفعل لا يعتبر سرقة فى الشريعة وإنما هو إتلاف, والقاعدة فى الشريعة أن كل ما استهلك فى محل الحادث فهو متلف أو مسروق, سواء استهلك بواسطة أكله أو شربه أو تمزيقه أو تحريفه إلى غير ذلك (٢) . ويرى أبو حنيفة أن إخراج الشىء المسروق من حرزه ومن حيازة المجنى عليه لا يستتبعه حتماً دخوله فى حيازة الجاني, ومثل ذلك أن يأخذ السارق متاعاً ويلقى به إلى خارج المنزل ثم يخرج ليأخذه فيجد أن غيره عثر عليه وأخذه, أو أن يسرق اللص دابة حتى يخرجها من الزريبة فإذا خرجت تلقاها لص آخر فأخذها. ففى هاتين الحالتين وأمثالهما يرى أبو حنيفة أن المسروق لم يدخل فى حيازة السارق لأنه لا يدخل فى حيازة السارق إلا إذا خرج من حيازة المجنى عليه ويد الآخر تظل قائمة على الشىء حتى يخرج من حرزه, فبالإخراج تزول يد المالك (٣) . فإذا أخرج اللص الشىء من الحرز زالت عنه يد المالك فإذا عثر عليه لص

стр. 1296

آخر فأخذه فقد اعترضت يد اللص الأخير يد اللص الأول الذى أخرج المسروق, ولم يدخل المسروق فى حيازة السارق وإنما دخل فى حيازة اللص الثاني, ويسمى أبو حنيفة هذه النظرية بنظرية اليد المعترضة, ويترتب عليها عدم قطع يد السارق ولو أنه أخرج المسروق من الحرز, ويرى أن العقوبة هى التعزير (١) . وإذا ألقى السارق بالمسروق خارج الحرز ثم ضبط قبل أن يخرج ليأخذه فلا يعتبر أن المسروق دخل فى حيازته لأن يده لم تكن ثابتة عليه وقت إخراجه ولو بقى الشىء فى خارج الحرز لم يأخذه أحد حتى ضبط السارق (٢) , أما إذا رمى بالشىء خارج الحرز ثم خرج فأخذه فعليه القطع. ولكن زفر يرى أن لا يقطع السارق فى هذه الحالة, وحجته أن الأخذ من الحرز لا يتم إلا بالإخراج منه, والرمى ليس بإخراج, والأخذ من الخارج ليس أخذاً من الحرز. ورد عليه بأن المال بإلقائه فى الخارج أصبح فى حكم يد السارق وإن كانت يده غير ثابتة عليه, فإذا خرج فأخذه فقد ثبتت يده عليه وأن الرمى ليس إلا الأخذ من الحرز (٣) , ولكن مالكاً والشافعى وأحمد يرون أن المسروق يدخل فى حيازة السارق حكماً بمجرد خروجه من حيازة المجنى عليه ولو لم يضع السارق يده عليه وضعاً مادياً، وإذن فاليد المعترضة لا يحتاز المسروق إلا بعد دخوله فى حيازة السارق (٤) . ومن ثم تتم شروط الأخذ خفية، وعلى هذا مذهب الشيعة الزيدية (٥) ، فهم يرون أنه يكفى لقطع السارق أن يخرج المسروق بأى وسيلة وأن يكون الإخراج بفعله حملاً أو رمياً أو جراً أو إكراهاً أو تدليساً سواء أخذه بعد إخراجه أو تركه أو أخذه، غيره ويعتبر الأخذ تاماً عندهم بالإخراج ولو رد الجانى المسروق لحرزه بعد إخراجه.

стр. 1297

والأخذ خفية على نوعين: فهو إما أن يكون أخذاً مباشراً، وإما أن يكون أخذاً بالتسبب. فأما الأخذ المباشر فهو أن يتولى السارق أخذ المتاع وإخراجه من الحرز بنفسه، أو أن يؤدى فعله مباشرة إلى إخراجه كأن يدخل الحرز فيحمل المسروق أو يلقى به إلى خارج الحرز، أو أن يدخل يده فى الحرز فيأخذ المسروق أو يلتقطه بِمحْجَن، أو أن يبطر جيباً فيسقط منه المال، أو ينقب حرزاً فيه طعام أو حب فينثال منه إلى الخارج، إلا أن بعض الفقهاء يجعل لهذه القاعدة استثناءات سنتحدث عنها فيما بعد، وإذا حمل السارق المسروق إلى خارج الحرز، أو ألقى بالمسروق إلى خارج الحرز، أو أدى فعله المباشر إلى إخراج المسروق من الحرز، فإن شروط الأخذ خفية تكون تامة ويقطع السارق بسرقته (١) . أما إذا ضبط قبل أن يخرج المسروق من الحرز أو قبل أن يؤدى فعله إلى إخراجه فلا قطع عليه إلا فى رأى الظاهريين وحدهم؛ لأنهم يعتبرون السرقة تامة بمجرد تناول الجانى للشىء المسروق ولأنهم لا يعتبرون الحرز. وعند باقى الفقهاء على الجانى التعزير ولا قطع عليه لأن شروط الأخذ خفية لن تتم، وقد سبق الكلام على هذه النقطة. وإذا ضبط السارق بعد إلقاء المتاع المسروق خارج الحرز وقبل أن يخرج من الحرز لأخذه، فيرى أبو حنيفة أن الأخذ لم يتم لأن المسروق وإن كان قد أخرج من الحرز ومن حيازة المجنى عليه إلا أنه لم يدخل فى حيازة السارق الفعلية أو لأن يد السارق لم تثبت على المسروق فلا يعتبر فى حيازته (٢) فعلاً، وإن كان الحنفية يعتبرون الشىء فى حيازة السارق حكماً بإلقائه ما لم تكن هناك يد معترضة؛ أى شخص يضع يده على الشىء (٣) ، وهم متفقون على قطع السارق فيما ألقاه خارج الحرز ثم خرج فأخذه، ولا يخالفهم فى هذا إلا زفر، وقد بينا من قبل سبب خلافه.

стр. 1298

ويرى بقية الأئمة ومعهم الشيعة الزيدية أن الشىء المسروق يدخل فى حيازة السارق حكماً بمجرد إلقائه إلى خارج الحرز وأن الحيازة الحكمية تكفى لاعتبار الأخذ تاماً كالحيازة الفعلية سواء بسواء، فإذا ألقى السارق بالمسروق خارج الحرز فقد تمت السرقة سواء خرج السارق فأخذه أو وجد أن غيره قد استولى عليه، وسواء ضبط السارق قبل خروجه من الحرز أم لم يضبط. إلا أن الإمام مالكاً تردد فى اعتبار السرقة تامة فى حالة ضبط السارق داخل الحرز بعد إلقاء المسروقات فى خارجه، ولكن المذهب على اعتبار السرقة تامة (١) ، وإذا أخرج السارق المتاع المسروق من بعض الدار إلى ساحتها فلا يعتبر الأخذ تاماً لأن الدار جميعها حرز واحد ولأن المتاع لم يخرج بعد من الحرز. ولا يخالف فى هذا إلا الظاهريون؛ لأنهم يعتبرون السرقة تامة بمجرد تناول السارق للشىء المسروق ولو لم يبرح مكانه. أما إذا كانت الدار مكونة من بيوت أو غرف مستقلة يعتبر كل منها مسكناً مستقلاً فالأخذ من أحد البيوت أو الغرف يعتبر تاماً إذا أخرج السارق المتاع المسروق إلى ساحة الدار المشتركة أو ضبط فيها ومعه المسروقات؛ لأن كل بيت أو غرفة حرز مستقل وليس له علاقة بساحة الدار، فإذا أخرج السارق المسروقات إلى ساحة الدار فقد أخرج المسروق من حرزه (٢) . وإذا استهلك الجانى الشىء أو أتلفه داخل الحرز فهو متلف للشىء لا سارق له، فأما إذا خرج بشىء منه بعد إتلافه فهو سارق لما خرج به إذا بلغ نصاباً، وتقدر قيمة المسروق بما خرج به لا بما أتلفه، وهذا هو رأى مالك والشافعى وأحمد (٣) ،

стр. 1299

وبهذا الرأى تأخذ الشيعة الزيدية (١) . وهذا ما يراه أبو حنيفة ومحمد إلا أن أبا يوسف يرى أن من أتلف الشىء داخل الحرز ثم خرج بالمتلف وقيمته نصاباً فإنه لا يقطع لأنه بالإتلاف ضمن قيمة الشىء والمضمونات تملك عند أداء الضمان أو اختياره من وقت الأخذ، فلو ضمن السارق قيمة المسروق لملكه من وقت الأخذ فلو قطع لقطع فى ملك نفسه (٢) . وإذا ابتلع الجانى المسروق داخل الحرز فيفرقون بين ما يفسد بالابتلاع كالطعام والشراب وما لا يفسد به كالجواهر والنقود، فأما ما يفسد بالابتلاع فلا يعتبر ابتلاعه أخذاً أى سرقة وإنما يعتبر إتلافاً ويعاقب عليه بعقوبة التعزير، وأما ما لا يفسد بالابتلاع ففيه آراء: أولها: الابتلاع يعتبر استهلاكاً للشىء فهو إتلاف لا سرقة، وتظهر وجاهة هذا الرأى فى حالة ما إذا لم يخرج الشىء من جوف الجانى وبقى به. وثانيهما: أن الابتلاع يعتبر أخذاً كما لو خرج الشىء فى وعاء، وتظهر وجاهة هذا الرأى فى حالة خروج المسروق من جوف الجانى، وعلى هذا الرأى المالكية وبعض الشافعية (٣) . وثالثهما: يفرق بين خروج المسروق بعد ابتلاعه وعدم خروجه فإن خرج فالفعل سرقة وإن لم يخرج فالفعل إتلاف (٤) . ورابعها: وهو للحنابلة، فبعضهم يعتبر الفعل إتلافاً فى كل حال، وبعضهم يعتبره سرقه إذا خرج الشىء الذى بلع فإذا لم يخرج فهو إتلاف (٥) . وإذا استهلك الجانى أو ابتلع بعض الشىء ثم خرج ببعضه الباقى فهو متلف لما استهلك أو ابتلع إن كان يفسد بالابتلاع وسارق لما خرج به من الحرز إذا تمت فيه شروط الأخذ خفية، مع مراعاة وجود الخلاف والآراء المختلفة التى سبق

стр. 1300

عرضها، وإذا كان للإخراج من الحرز أهمية فى بيان الأخذ التام من غيره فإن له أهمية قصوى فى حالة تعدد الجناة؛ لأن القاعدة فى الشريعة أن عقوبة القطع على من أخرج الشىء المسروق من حرزه فقط أما من لم يخرجه فعليه التعزير. ٥٩٩- نظرية الهتك المتكامل: وإذا كان السارق واحداً فنقب الحرز كما لو كان منزلاً مثلاً وأدخل يده فى الثقب وأخذ المتاع أو مد قصبة أو محجناً فأخذه به، فيرى أبو حنيفة أن الأخذ لم يتم لأن السارق لم يدخل الحرز وهتك الحرز هتكاً متكاملاً شرط لتكامل الجناية ولا يتصور تكامل الهتك فيما يمكن الدخول منه إلا بالدخول فعلاً، أما مثل الصندوق والغرارة فلا يمكن الدخول فيهما فالأخذ التام منهما باليد دون دخول يعتبر هتكاً متكاملاً، وتسمى هذه النظرية بنظرية الهتك المتكامل (١) ، ولكن الأئمة الثلاثة ومعهم أبو يوسف من أصحاب أبى حنيفة والشيعة الزيدية يرون الأخذ تاماً سواء دخل السارق الحرز أو لم يدخله؛ لأن ركن السرقة الأخذ من الحرز وليس دخول الحرز، فكلما أمكن الأخذ من الحرز دون دخوله فهو أخذ تام (٢) . ٦٠٠- تعدد الجناة: وإذا اشترك فى السرقة اثنان فدخل أحدهما الحرز وبقى الثانى فى خارجه وناول الداخل للخارج المسروق من وراء الجدار أو من فتحة الباب أو من نقب فى الحائط، فيرى أبو حنيفة أن الأخذ غير تام بالنسبة للداخل والخارج معاً؛ فأما بالنسبة للداخل فلأنه وإن كان قد أخرج المتاع بفعله من الحرز ومن حيازة المجنى عليه إلا أن المتاع لم يدخل فى حيازة الداخل وإنما دخل فى حيازة زميله الذى كان فى الخارج ومن ثم فالأخذ غير تام بالنسبة للداخل. ورأى أبى حنيفة فى هذه المسألة تطبيق لنظرية اليد المعترضة التى سبق
следующие страницы →