← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

آخر فأخذه فقد اعترضت يد اللص الأخير يد اللص الأول الذى أخرج المسروق, ولم يدخل المسروق فى حيازة السارق وإنما دخل فى حيازة اللص الثاني, ويسمى أبو حنيفة هذه النظرية بنظرية اليد المعترضة, ويترتب عليها عدم قطع يد السارق ولو أنه أخرج المسروق من الحرز, ويرى أن العقوبة هى التعزير (١) . وإذا ألقى السارق بالمسروق خارج الحرز ثم ضبط قبل أن يخرج ليأخذه فلا يعتبر أن المسروق دخل فى حيازته لأن يده لم تكن ثابتة عليه وقت إخراجه ولو بقى الشىء فى خارج الحرز لم يأخذه أحد حتى ضبط السارق (٢) , أما إذا رمى بالشىء خارج الحرز ثم خرج فأخذه فعليه القطع. ولكن زفر يرى أن لا يقطع السارق فى هذه الحالة, وحجته أن الأخذ من الحرز لا يتم إلا بالإخراج منه, والرمى ليس بإخراج, والأخذ من الخارج ليس أخذاً من الحرز. ورد عليه بأن المال بإلقائه فى الخارج أصبح فى حكم يد السارق وإن كانت يده غير ثابتة عليه, فإذا خرج فأخذه فقد ثبتت يده عليه وأن الرمى ليس إلا الأخذ من الحرز (٣) , ولكن مالكاً والشافعى وأحمد يرون أن المسروق يدخل فى حيازة السارق حكماً بمجرد خروجه من حيازة المجنى عليه ولو لم يضع السارق يده عليه وضعاً مادياً، وإذن فاليد المعترضة لا يحتاز المسروق إلا بعد دخوله فى حيازة السارق (٤) . ومن ثم تتم شروط الأخذ خفية، وعلى هذا مذهب الشيعة الزيدية (٥) ، فهم يرون أنه يكفى لقطع السارق أن يخرج المسروق بأى وسيلة وأن يكون الإخراج بفعله حملاً أو رمياً أو جراً أو إكراهاً أو تدليساً سواء أخذه بعد إخراجه أو تركه أو أخذه، غيره ويعتبر الأخذ تاماً عندهم بالإخراج ولو رد الجانى المسروق لحرزه بعد إخراجه.

стр. 1297

والأخذ خفية على نوعين: فهو إما أن يكون أخذاً مباشراً، وإما أن يكون أخذاً بالتسبب. فأما الأخذ المباشر فهو أن يتولى السارق أخذ المتاع وإخراجه من الحرز بنفسه، أو أن يؤدى فعله مباشرة إلى إخراجه كأن يدخل الحرز فيحمل المسروق أو يلقى به إلى خارج الحرز، أو أن يدخل يده فى الحرز فيأخذ المسروق أو يلتقطه بِمحْجَن، أو أن يبطر جيباً فيسقط منه المال، أو ينقب حرزاً فيه طعام أو حب فينثال منه إلى الخارج، إلا أن بعض الفقهاء يجعل لهذه القاعدة استثناءات سنتحدث عنها فيما بعد، وإذا حمل السارق المسروق إلى خارج الحرز، أو ألقى بالمسروق إلى خارج الحرز، أو أدى فعله المباشر إلى إخراج المسروق من الحرز، فإن شروط الأخذ خفية تكون تامة ويقطع السارق بسرقته (١) . أما إذا ضبط قبل أن يخرج المسروق من الحرز أو قبل أن يؤدى فعله إلى إخراجه فلا قطع عليه إلا فى رأى الظاهريين وحدهم؛ لأنهم يعتبرون السرقة تامة بمجرد تناول الجانى للشىء المسروق ولأنهم لا يعتبرون الحرز. وعند باقى الفقهاء على الجانى التعزير ولا قطع عليه لأن شروط الأخذ خفية لن تتم، وقد سبق الكلام على هذه النقطة. وإذا ضبط السارق بعد إلقاء المتاع المسروق خارج الحرز وقبل أن يخرج من الحرز لأخذه، فيرى أبو حنيفة أن الأخذ لم يتم لأن المسروق وإن كان قد أخرج من الحرز ومن حيازة المجنى عليه إلا أنه لم يدخل فى حيازة السارق الفعلية أو لأن يد السارق لم تثبت على المسروق فلا يعتبر فى حيازته (٢) فعلاً، وإن كان الحنفية يعتبرون الشىء فى حيازة السارق حكماً بإلقائه ما لم تكن هناك يد معترضة؛ أى شخص يضع يده على الشىء (٣) ، وهم متفقون على قطع السارق فيما ألقاه خارج الحرز ثم خرج فأخذه، ولا يخالفهم فى هذا إلا زفر، وقد بينا من قبل سبب خلافه.

стр. 1298

ويرى بقية الأئمة ومعهم الشيعة الزيدية أن الشىء المسروق يدخل فى حيازة السارق حكماً بمجرد إلقائه إلى خارج الحرز وأن الحيازة الحكمية تكفى لاعتبار الأخذ تاماً كالحيازة الفعلية سواء بسواء، فإذا ألقى السارق بالمسروق خارج الحرز فقد تمت السرقة سواء خرج السارق فأخذه أو وجد أن غيره قد استولى عليه، وسواء ضبط السارق قبل خروجه من الحرز أم لم يضبط. إلا أن الإمام مالكاً تردد فى اعتبار السرقة تامة فى حالة ضبط السارق داخل الحرز بعد إلقاء المسروقات فى خارجه، ولكن المذهب على اعتبار السرقة تامة (١) ، وإذا أخرج السارق المتاع المسروق من بعض الدار إلى ساحتها فلا يعتبر الأخذ تاماً لأن الدار جميعها حرز واحد ولأن المتاع لم يخرج بعد من الحرز. ولا يخالف فى هذا إلا الظاهريون؛ لأنهم يعتبرون السرقة تامة بمجرد تناول السارق للشىء المسروق ولو لم يبرح مكانه. أما إذا كانت الدار مكونة من بيوت أو غرف مستقلة يعتبر كل منها مسكناً مستقلاً فالأخذ من أحد البيوت أو الغرف يعتبر تاماً إذا أخرج السارق المتاع المسروق إلى ساحة الدار المشتركة أو ضبط فيها ومعه المسروقات؛ لأن كل بيت أو غرفة حرز مستقل وليس له علاقة بساحة الدار، فإذا أخرج السارق المسروقات إلى ساحة الدار فقد أخرج المسروق من حرزه (٢) . وإذا استهلك الجانى الشىء أو أتلفه داخل الحرز فهو متلف للشىء لا سارق له، فأما إذا خرج بشىء منه بعد إتلافه فهو سارق لما خرج به إذا بلغ نصاباً، وتقدر قيمة المسروق بما خرج به لا بما أتلفه، وهذا هو رأى مالك والشافعى وأحمد (٣) ،

стр. 1299

وبهذا الرأى تأخذ الشيعة الزيدية (١) . وهذا ما يراه أبو حنيفة ومحمد إلا أن أبا يوسف يرى أن من أتلف الشىء داخل الحرز ثم خرج بالمتلف وقيمته نصاباً فإنه لا يقطع لأنه بالإتلاف ضمن قيمة الشىء والمضمونات تملك عند أداء الضمان أو اختياره من وقت الأخذ، فلو ضمن السارق قيمة المسروق لملكه من وقت الأخذ فلو قطع لقطع فى ملك نفسه (٢) . وإذا ابتلع الجانى المسروق داخل الحرز فيفرقون بين ما يفسد بالابتلاع كالطعام والشراب وما لا يفسد به كالجواهر والنقود، فأما ما يفسد بالابتلاع فلا يعتبر ابتلاعه أخذاً أى سرقة وإنما يعتبر إتلافاً ويعاقب عليه بعقوبة التعزير، وأما ما لا يفسد بالابتلاع ففيه آراء: أولها: الابتلاع يعتبر استهلاكاً للشىء فهو إتلاف لا سرقة، وتظهر وجاهة هذا الرأى فى حالة ما إذا لم يخرج الشىء من جوف الجانى وبقى به. وثانيهما: أن الابتلاع يعتبر أخذاً كما لو خرج الشىء فى وعاء، وتظهر وجاهة هذا الرأى فى حالة خروج المسروق من جوف الجانى، وعلى هذا الرأى المالكية وبعض الشافعية (٣) . وثالثهما: يفرق بين خروج المسروق بعد ابتلاعه وعدم خروجه فإن خرج فالفعل سرقة وإن لم يخرج فالفعل إتلاف (٤) . ورابعها: وهو للحنابلة، فبعضهم يعتبر الفعل إتلافاً فى كل حال، وبعضهم يعتبره سرقه إذا خرج الشىء الذى بلع فإذا لم يخرج فهو إتلاف (٥) . وإذا استهلك الجانى أو ابتلع بعض الشىء ثم خرج ببعضه الباقى فهو متلف لما استهلك أو ابتلع إن كان يفسد بالابتلاع وسارق لما خرج به من الحرز إذا تمت فيه شروط الأخذ خفية، مع مراعاة وجود الخلاف والآراء المختلفة التى سبق

стр. 1300

عرضها، وإذا كان للإخراج من الحرز أهمية فى بيان الأخذ التام من غيره فإن له أهمية قصوى فى حالة تعدد الجناة؛ لأن القاعدة فى الشريعة أن عقوبة القطع على من أخرج الشىء المسروق من حرزه فقط أما من لم يخرجه فعليه التعزير. ٥٩٩- نظرية الهتك المتكامل: وإذا كان السارق واحداً فنقب الحرز كما لو كان منزلاً مثلاً وأدخل يده فى الثقب وأخذ المتاع أو مد قصبة أو محجناً فأخذه به، فيرى أبو حنيفة أن الأخذ لم يتم لأن السارق لم يدخل الحرز وهتك الحرز هتكاً متكاملاً شرط لتكامل الجناية ولا يتصور تكامل الهتك فيما يمكن الدخول منه إلا بالدخول فعلاً، أما مثل الصندوق والغرارة فلا يمكن الدخول فيهما فالأخذ التام منهما باليد دون دخول يعتبر هتكاً متكاملاً، وتسمى هذه النظرية بنظرية الهتك المتكامل (١) ، ولكن الأئمة الثلاثة ومعهم أبو يوسف من أصحاب أبى حنيفة والشيعة الزيدية يرون الأخذ تاماً سواء دخل السارق الحرز أو لم يدخله؛ لأن ركن السرقة الأخذ من الحرز وليس دخول الحرز، فكلما أمكن الأخذ من الحرز دون دخوله فهو أخذ تام (٢) . ٦٠٠- تعدد الجناة: وإذا اشترك فى السرقة اثنان فدخل أحدهما الحرز وبقى الثانى فى خارجه وناول الداخل للخارج المسروق من وراء الجدار أو من فتحة الباب أو من نقب فى الحائط، فيرى أبو حنيفة أن الأخذ غير تام بالنسبة للداخل والخارج معاً؛ فأما بالنسبة للداخل فلأنه وإن كان قد أخرج المتاع بفعله من الحرز ومن حيازة المجنى عليه إلا أن المتاع لم يدخل فى حيازة الداخل وإنما دخل فى حيازة زميله الذى كان فى الخارج ومن ثم فالأخذ غير تام بالنسبة للداخل. ورأى أبى حنيفة فى هذه المسألة تطبيق لنظرية اليد المعترضة التى سبق

стр. 1301

بيانها، أما بالنسبة للخارج فإن المسروق قد دخل فى حيازته فإنه لم يخرج المسروق من حرزه ومن حيازة المجنى عليه، ومن ثم كانت شروط الأخذ غير تامة بالنسبة له. ويتفق الأئمة الثلاثة والشيعة الزيدية وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبى حنيفة على اعتبار الأخذ تاماً بالنسبة للداخل، ويرون أن المتاع المسروق يدخل فى حيازة الداخل الذى أقام زميله الخارج مقامه بتسليم المسروقات إليه، ولكنهم إذا خالفوا رأى أبى حنيفة بالنسبة للداخل فإنهم يرون رأيه بالنسبة للخارج (١) . والمفروض فى المسألة السابقة أن الداخل أخرج يده بالمسروقات إلى خارج الحرز فناولها زميله الخارج، أما إذا أدخل الخارج يده فى الحرز فأخذ المتاع المسروق من يد زميله الموجود داخل الحرز، فيرى أبو حنيفة أن الأخذ لا يعتبر تاماً بالنسبة لأيهما، فأما الخارج فلأنه لم يدخل الحرز فيهتكه هتكاً متكاملاً، وهذا تطبيق لنظرية الهتك المتكامل، وأما الداخل فلأنه لم يخرج المسروق من الحرز ولكن الأئمة الثلاثة والشيعة الزيدية وأبا يوسف صاحب أبى حنيفة يرون أن الأخذ يعتبر تاماً بالنسبة للخارج لأنه أخرج المتاع المسروق من الحرز ومن حيازة المجنى عليه وأدخله فى حيازة نفسه، ولأن ركن السرقة هو الأخذ وقد أخذ المسروق وليس ركن السرقة الدخول فى الحرز، أما بالنسبة للداخل فيتفق رأى هؤلاء الفقهاء مع رأى أبى حنيفة (٢) . وإذا وضع الداخل المسروقات فى وسط الثقب فمد الخارج يده لأخذها بحيث اجتمعت أيديهما فى الثقب بموضع لم يخرجه الداخل من الحرز ولم يخرجه الخارج من الحرز فتعاونا معاً على إخراجه وأخرجاه من الحرز فالأخذ تام

стр. 1302

بالنسبة لكليهما فى رأى مالك (١) ، وهو كذلك عند أحمد وأبى يوسف من فقهاء الحنفية (٢) ، ولكن الشافعى يرى أن الأخذ لا يعتبر تاماً بالنسبة للداخل والخارج معاً؛ لأن الداخل لم يخرجه من تمام الحرز ولأن الخارج لم يأخذه من داخل الحرز (٣) . أما عند أبى حنيفة فلا يعتبر أحدهما آخذاً؛ لأن الخارج لم يدخل الحرز ويهتكه هتكاً متكاملاً ولأن الداخل لم يخرجه من الحرز، وعلى فرض أنه أخرجه فإن يداً أخرى اعترضت يده. وإن دخل أحدهما إلى الدار فربط المسروقات بحبل وكان طرف الحبل مع آخر فى الخارج فجر المسروقات حتى أخرجها من الحرز، فالأخذ تام بالنسبة للخارج عند الشافعى وأحمد وأبى يوسف والشيعة الزيدية وليس تاماً بالنسبة للداخل. أما عند أبى حنيفة فالأخذ ليس تاماً أيضاً بالنسبة للخارج تطبيقاً لنظرية الهتك المتكامل (٤) . وإذا دخلا معاً فى الحرز فصعد أحدهما إلى سطح المنزل وجمع الثانى المتاع المسروق فربطه بحبل فجره على السطح وألقى به إلى الخارج, فالأخذ تام بالنسبة لكليهما عند مالك وأبى حنيفة وأحمد وليس تاماً عند الشافعى إلا بالنسبة لمن ألقى به إلى الخارج (٥) , فأما الشافعى فيرى أن الأخذ تام لمن أخرج المسروق أما من لم يخرجه فلا يعتبر الأخذ تاماً له, وهو يسير فى هذا على القاعدة العامة, أما من اعتبروا الرابط مخرجاً للمتاع فإنهم يعتبرونه كذلك على أسس مختلفة, فمالك يعتبره مخرجاً لأن فعل الربط جاء مصاحباً للإخراج وهو يعتبر الشخصين مخرجين كلما تصاحب فعلاهما الإخراج, وأبو حنيفة وأحمد

стр. 1303

يعتبران من يدخل الحرز مخرجاً للمسروق ولو لم يحمل من المسروق شيئاً ما دام شريكه أو شركاؤه قد احتملوه (١) . وسنتكلم على هذه القاعدة بتوسع عند الكلام على الإعانة, وتأخذ الشيعة الزيدية بهذه القاعدة (٢) على أن فيهم من يأخذ برأى الشافعى. وإذا بطل الحرز قبل إخراج المسروقات منه فلا تتم شروط الأخذ خفية لأن شروط الإخراج من الحرز تنعدم وتكون السرقة سرقة مال غير محرز ولا قطع فيها وإنما فيها التعزير, ومثل ذلك أن يؤذن للسارق بدخول الحرز لأن الإذن يبطل الحرز فى حق المأذون له, وكذلك الحارس على الشىء المسروق فى حالة ما إذا كان المال محرزاً بحارس. أما إذا بطل الحرز بعد إخراج المسروقات فإن ذلك لا يؤثر على السرقة التى تمت بتمام شروط الأخذ خفية. وسنتكلم على ما يبطل الحرز عند الكلام عن الحرز. ويبطل الحرز عند الشافعى وأحمد والشيعة الزيدية بفتح الباب والثقب ولكنه لا يبطل بهما عبد مالك وأبى حنيفة, فإذا ثقب شخص حرزاً أو فتح بابه ولم يسرق شيئاً فجاء آخر ودخل الحرز وسرق منه متاعاً فلا قطع على أحدهما عند الشافعى وأحمد والشيعة الزيدية؛ لأن الأول لم يأخذ شيئاً فلا يسأل عن السرقة وإنما يسأل عن إتلاف الحائط, ولأن الثانى أخذ المتاع من غير حرز والسرقة من غير حرز لا قطع فيها. أما مالك وأبو حنيفة فيريان أن الأخذ تام بالنسبة للثانى الذى دخل الحرز وأخذ المتاع لأن الثقب لم يخرج المكان عن كونه حرزاً (٣) . ويرتب الحنابلة على القول بأن الثقب يبطل الحرز أن الجانى لو ثقب فى ليلة ولم يأخذ شيئاً فعلم المالك بهتك الحرز وأهمله ثم جاء الناقب فى ليلة تالية قبل إعادة الحرز فسرق ما فى المنزل أو جاء فى نفس الليلة من إحداث الثقب فسرق فإن الأخذ لا يعتبر تاماً لأن السرقة من غير حرز. وكذلك الشأن عند الحنابلة

стр. 1304

فى حالة الإخراج على دفعات فإذا نقب الجانى الحرز فأخرج ما دون النصاب ثم دخل فأخرج ما يتم به النصاب, فإن كان ذلك فى وقتين متباعدين أو ليلتين لم يجب القطع لأن كل واحدة منهما سرقة مفردة والأولى دون النصاب هو والثانية, وكذلك إن كانا فى ليلة واحدة وبينهما مدة طويلة, أما إذا تقاربا فهما سرقة واحدة لبناء الفعلين أحدهما على الآخر, وإذا بنى فعل أحد الشريكين على فعل شريكه فبناء فعل الواحد بعضه على بعض أولى (١) . أما إذا علم المالك بهتك الحرز وأهمله فكل أخذ يعتبر مستقلاً مهما تقاربت المدة بين الأخذين, والأخذ بعد العلم أخذ من غير حرز (٢) . ويلاحظ أن الحرز لا يبطل بالنسبة لمحدث النقب إلا بعلم المالك أو باستشهار هتكه, أما بالنسبة للغير فيبطل فى الحال. ويرتب الشافعية على القول بأن النقب يبطل الحرز بأن الجانى لو نقب فى ليلة وسرق فى أخرى كان أخذه تاماً موجباً للقطع, إلا إذا كان النقب ظاهراً يراه الطارقون والمارة أو علم المالك به بعد الحرز (٣) . أما الشأن عندهم فى حالة الإخراج على دفعات فلم يتفقوا عليه. فإذا نقب شخص حرزاً ثم أخرج منه نصاباً على دفعات, فبعضهم يرى الأخذ تاماً ولو أن الإخراج على دفعات لأن بعض فعله ينبنى على البعض الآخر. والبعض يرى أن ما أخذه بعد الدفعة الأولى لا يعتبر أخذاً تاماً لأنه أخذ من حرز مهتوك. والبعض يرى أن ما أخذ قبل اشتهار هتك الحرز أو علم المالك بع يعتبر أخذاً تاماً, وما أخذ بعده لا يعتبر كذلك (٤) . ويتفق رأى الشيعة الزيدية مع ما يراه الحنابلة (٥) . ويلاحظ أن الحرز يبطل فى الحال بالنسبة للغير أما بالنسبة للناقب فلا يبطل

стр. 1305

إلا على الوجه الذى سبق بيانه وطبقاً للآراء المختلفة التى عرضناها, فلو نقب شخص حرزاً فجاء آخر وسرق ما فى داخل الحرز فلا يعتبر أخذه تاماً لأنه أخذ من غير حرز. أما الإخراج على دفعات عند مالك وهو لا يرى بطلان الحرز بالنقب ولا فتح الباب فحكمه أن العبرة بقصد الجاني, فإن قصد الجانى ابتداء أخذ المسروق ولكنه أخرجه على دفعات فالأفعال كلها سرقة واحدة, ويستدل على قصد الجانى بإقراره أو القرائن سواء كان يستطيع أن يخرج المسروق كله مرة واحدة ولكنه لم يخرج أو كان لا يستطيع أن يخرج إلا على دفعات, أما إذا قصد الأخذ فى كل دفعة قصداً مستقلاً فكل دفعة تعتبر سرقة مستقلة فإن أخرج فيها نصاباً قطع وإلا لم يقطع (١) . أما أبو حنيفة فيرى فى حالة الإخراج على دفعات اعتبار كل دفعة وحدها, فإن بلغ النصاب وحدها استحق المخرج القطع وإلا فلا, ولو أن المخرج قصد أن لا يخرج فى كل مرة نصاباً تحايلاً منه (٢) . والإخراج من الأحراز يختلف باختلاف نوع الحرز, فإذا كان الحرز حرزاً بالمكان كالمنزل أو الدكان فيجب أن يخرج السارق بالسرقة من جميع الحرز حتى يعتبر الأخذ تاماً, فمن سرق متاعاً من منزل يجب أن يخرج به إلى الخارج من المنزل, فإن نقله من غرفة إلى أخرى فلا يعتبر الأخذ تاماً ما لم تكن الغرفة التى نقل إليها المتاع المسروق حرزاً مستقلاً عن الغرفة التى كان فيها, وإذا نقله إلى ساحة المنزل فلا يعتبر الأخذ تاماً إلا إذا كان المنزل مكوناً من مساكن مختلفة والساحة مشتركة للجميع ففى هذه الحالة يعتبر الأخذ تاماً. أما إذا كان الحرز حرزاً بالحافظ فإنه يكفى لاعتبار الأخذ تاماً أن يفصل بالمسروق عن مكانه أو ينفصل به عن الحارس, فالنشال يعتبر أخذه تاماً بمجرد أخذه النقود من جيب المجنى عليه وبمجرد شق الجيب وسقوط النقود منه ولو على الأرض. ٦٠١- التعاون على الإخراج: الأصل أنه لا يقطع فى السرقة إلا

стр. 1306

الشخص الذى يخرج المسروق من الحرز سواء حمله إلى خارج الحرز أو رماه إلى الخارج, ولكن الكثيرين من الفقهاء جروا على قطع كل من تعاونوا على إخراج المسروق وإن كان بعضهم لم يحمل بالذات شيئاً؛ لأن الحمل والإخراج يعتبر حاصلاً منهم معنى لا مادة. وفى اصطلاح هؤلاء الفقهاء أن المعين على إخراج المسروق هو من يعين السارق على إخراج الشىء المسروق من الحرز سواء كانت الإعانة مادية أو معنوية, وهم يلحقون المعين على السرقة بمن يباشر السرقة ويعطونه حكمه لأن السارق وحده غالباً وإنما يتعاون مع غيره, فلو جعل القطع على المباشر وحده لانفتح باب السرقة وانسد باب القطع (١) . والفقهاء الذين يلحقون المعين بالمباشر متفقون على أن القطع على من يعين فقط فى إخراج الشىء المسروق من الحرز لأنه يعتبر مخرجاً له, فإن كان العون فى غير ذلك كاشتراك فى النقب أو كسر الباب أو فتحه بمفتاح مصطنع أو مساعدة على تسلق الحائط للدخول فى الحرز أو مساعدة فى حمل المسروقات بعد إخراجها من الحرز لم يقطع المعين على كل ذلك وأشباهه, فلو اتفق اثنان مثلاً على سرقة منزل وتعاونا على نقب الحائط ثم دخل أحدهما وبقى الآخر فى الخارج يرقب الطريق وأخرج الداخل المسروقات من الحرز مرة بعد أخرى دون أن يستعين بزميله وبعد إخراجها تعاونا على حملها, فالقطع على الداخل وحده وعلى الخارج التعزير؛ لأنه لا يعتبر معيناً على الإخراج ما دام لم يتعاون مع المباشر فى إخراج الشىء المسروق من الحرز. ومع أن الفقهاء يتفقون على ما سبق إلا أنهم اختلفوا فى الأفعال التى تعتبر إعانة بحيث لا يتفق مذهب مع آخر فى تحديد هذه الأفعال, وسنستعرض فيما يلى آراء المذاهب المختلفة فيمن يعتبر معيناً على إخراج المسروق. فمالك يرى أن المعين على الإخراج قد تحدث منه الإعانة وهو فى خارج

стр. 1307

الحرز وقد تحدث منه الإعانة وهو فى داخل الحرز. فأما الإعانة من خارج الحرز فمثله أن يضع الدخل المتاع المسروق فى وسط النقب ويمد الخارج يده لأخذه فتجتمع أيديهما فى النقب بموضع لم يخرجه الداخل من الحرز ولم يخرجه الخارج من الحرز وإنما هو بين, فإذا تناول الخارج المتاع على هذا الوجه فهو معين على إخراجه لأن فعل كل منهما لم يستقل بإخراج المسروق ولأن فعل كل منهما جاء مصاحباً لفعل الآخر. ومثل ذلك أن يربط الداخل المتاع بحبل يجره من فى الخارج فإذا فعل فهو معين على الإخراج. فالقاعدة إذن عند مالك أن الخارج يعتبر معيناً على الإخراج إذا كان فعل الداخل لا يجعله مستقلاً بالإخراج وإذا تصاحب فعلاهما فى حال الإخراج (١) . أما الإعانة من داخل الحرز فتكون بالتعاون فى حمل المسروق إلى خارج الحرز أو بالتعاون فى حمله على أحد السارقين أو بعضهم أو فى حمله على دابة وبشرط أن يكون هذا التعاون ضرورياً, كأن يكون المسروق ثقيلاً فلا يستطيع إخراجه إلا كثيرون أو لا يستطيع حمله شخص واحد إلا أن يضعه عليه اثنان أو ثلاثة أو أكثر, فإذا كان المسروق خفيفاً فحمله واحد فخرج به وهم معه أو أعانوه على حمله وهو يستطيع حمله دون إعانة كالثوب والصرة فلا إعانة لأن التعاون على الإخراج ليس ضرورياً ولا قطع إلا على من حمل المسروق فأخرجه. وإذا اقتضى إخراج المسروق التعاون فى حمله لإخراجه فالحاملون جميعاً مباشرون للسرقة ما دام أنهم قد حملوه حتى أخرجوه من الحرز, فإذا حملوه فوضعوه على شخص منهم أو على دابة فالمباشر هو مخرج والباقون معينون, وفى هاتين الحالتين يكفى لقطع المباشرين والمعينين أن تبلغ قيمة المسروق نصاباً واحداًً. وإذا اشترك كثيرون فى إخراج المسروقات من الحرز ولم تكن هناك ضرورة للتعاون وإنما أخرج كل منهم شيئاً يحمله وهم شركاء فى كل ما أخرجوه فالمخرجون جميعاً مباشرون ولا يقطع منهم إلا من بلغت قيمة ما أخرجه نصاباً,

стр. 1308

ويعزر من أخرج دون النصاب. ولا يعتبر معيناً عند مالك من يدخل الحرز أو يبقى فى خارجه دون أن يأتى عملاً مادياً يشترك به فى إخراج المسروقات على الوجه الذى سبق بيانه, فمن وقف داخل الحرز ليحمى حامل المسروقات, أو ليمنع السكان من الحركة أو الاستغاثة, أو ليرشد اللصوص على مكان النقود, فإنه لا يعتبر مباشراً ولا معيناً ولا قطع عليه وإنما عليه التعزير (١) . ويشترط أبو حنيفة لاعتبار الشخص معيناً أن يدخل الحرز, فإن لم يدخل الحرز فلا يعتبر معيناً ولو ساعد فعله على إخراج المسروقات من الحرز. ورأيه هذا تطبيق آخر لنظريته فى هتك الحرز هتكاً متكاملاً. والمعين فى مذهب أبى حنيفة هو من دخل الحرز مطلقاً, سواء أتى عملاً مادياً عاون به على إخراج المسروقات كأن وضعها على ظهر آخر فأخرجها الآخر, أو أتى عملاً معنوياً يساعد على إخراج المسروقات من الحرز كوقوفه للحراسة أو لمنع الغوث أو للإشراف على نقل المسروقات من الحرز, ويعتبر مجرد وجوده داخل الحرز إعانة معنوية على إخراج المسروقات من الحرز ولو كانت الحالة لا تقتضى وجود المعين (٢) . على أن الإعانة لا يجب فيها القطع فى مذهب أبى حنيفة إلا إذا خص كل مباشر وكل معين نصاب, فإذا كانت قيمة ما أخرج لا تكفى ليصيب كل منهم نصاباً فلا قطع وإنما التعزير (٣) . وإذا اشترك جماعة فى سرقة فخرج كل منهم ببعض المسروقات وبعضهم يحمل ما قيمته نصاباً فأكثر وبعضهم يحمل أقل من نصاب فعليهم القطع جميعاً إذا كانت قيمة المسروقات فى مجموعها تكفى لأن يصيب كل منهم نصاباً (٤) . وفى هذا يختلف مذهب مالك عن مذهب أبى حنيفة.

стр. 1309

أما مذهب أحمد فيتفق أولاً مع مذهب مالك فى أن الإعانة قد تحدث من شخص خارج الحرز وقد تحدث ممن فى داخله, وكذلك يتفق المذهبان فى تحديد الإعانة من الخارج ولكنهما يختلفان فى الإعانة ممن فى الداخل. ويتفق مذهب أحمد مع مذهب أبى حنيفة فى الإعانة من الداخل فيعتبر معيناً عند أحمد كل من يدخل الحرز, سواء أتى عملاً مادياً كإعانة غيره على حلم المسروقات أو أتى عملاً معنوياً تمنع الغوث أو لم يأت عملاً ما. وفى مذهب أحمد يقطع المباشر والمعين إذا بلغت قيمة ما أخرج نصاباً واحداً, وإذا اشترك جماعة فى السرقة فليس من الضرورى أن يبلغ ما حمله كل منهم نصاباً بل يكفى أن يبلغ كل ما أخرجوه من الحرز نصاباً واحداً لا غير ليقطعوا به هم ومن أعانوهم على الإخراج, سواء من الداخل أو من الخارج. وفى هذا يخالف مذهب أحمد مذهبى مالك وأبى حنيفة (١) . أما فى مذهب الشافعى فلا يعترفون بالإعانة من خارج الحرز ولا بالإعانة من داخله, والمعين فى كل الأحوال عليه التعزير ولا قطع عليه, ويقطع الشافعى المشتركين فى السرقة بشرطين: أولهما: أن يشترك السارق فى إخراج المسروق من الحرز كأن يكون شيئاً ثقيلاً فيتعاون السارقون عل حمله لخارج الحرز أو أشياء متعددة فيحمل كل منهما شيئاً, فمن أخرج منهم شيئاً خارج الحرز فهو سارق. ثانيهما: أن يختص كل من السارقين نصاباً إذا وزعت عليهم قيمة كل ما أخرجوه بغض النظر عما أخرجه كل منهم, فقد يخرج أحدهم نصاباً أو أكثر وقد يخرج أقل من نصاب (٢) . وإذا لم يشترك السارقون وكان كل منهم مستقلاً فى فعله وقصده عن الآخر فالعبرة بما يخرجه كلٌّ. فمن أخرج نصاباً قطع إذا توفرت الشروط الأخرى, ومن

стр. 1310

أخرج أقل من نصاب لم يقطع (١) , ويتفق مذهب الشيعة الزيدية مع مذهب مالك فهم يرون قطع المعين من الخارج أو من الداخل بنفس الشروط وعلى الكيفية التى يراها المالكيون (٢) . هذا هو حكم الإعانة على الإخراج فى مختلف المذاهب الإسلامية, وظاهر منه أن المعين على الإخراج يعتبر فاعلاً أصلياً للسرقة ويعاقب بالقطع كمباشر السرقة, أما الشريك بالاتفاق أو التحريض أو المساعدة كما نعرفه فى القوانين الوضعية فلا قطع عليه وعليه التعزير ما دام أنه لا يعين على إخراج المسروق من الحرز, والشريك على أحد هذه الوجوه يسمى فى الشريعة الإسلامية الشريك بالتسبب أما الفاعل الأصلى المشترك مع غيره فيسمى الشريك المباشر. ٦٠٢- الأخذ بالتسبب: معناه أن لا يباشر السارق إخراج المسروقات من الحرز بنفسه وإنما يؤدى فعله بطريق غير مباشر إلى إخراج المسروقات, مثل أن يضع المسروق على ظهر دابة ويسوقها فتخرج منه من الحرز, أو يلقى بالمسروق فى ماء جار إلى خارج المنزل فيخرجه التيار, أو يرميه فى ماء راكد ثم يفتح مجرى الماء, أو يعرض المسروق لريح هابة فتطير المسروق إلى الخارج, أو يربطه على طائر ويطيره فيخرج المسروق, أو يأمر صغيراً أو معتوهاً بإخراج المسروق فيخرجه, أو أن يستتبع سَخْلَ شاة أو فصيل ناقة أو غيرها مثل أن يشترى الأم والسخل على ملك الغير فى حرز فيأتى بالأم إلى مكان السخل ويريه أمه حتى يتبعها, وكذلك العكس نحو أن يأتى فى مكان أمه وهى فى حرز مالكها حتى يستتبع الأم سخلها بأن يبعثه عليها حتى تتبعه, أو أشار لشاة فى الحرز بالعلف حتى خرجت إليه فأخذها (٣) . والأخذ بالتسبب كالأخذ المباشر عقوبته القطع بشرط أن تتم شروط

стр. 1311

الأخذ فيخرج المسروق من حرزه ومن حيازة المجنى عليه ويدخل فى حيازة الجاني, ويراعى فى الأخذ بالتسبب ما سبق ذكره من وجوه الخلاف بين الفقهاء وعلى الأخص نظرية أبى حنيفة فى هتك الحرز هتكاً متكاملاً ونظريته فى المعترض, فمثلاً فى حالة استتباع السخل أو تفصيل يرى أبو حنيفة أن الأخذ غير تام لأن الجانى لم يهتك الحرز هتكاً متكاملاً, ويخالفه أبو يوسف فى هذا ويرى كما يرى فقهاء المذاهب الأخرى بأن الأخذ تام. وفى حالة وضع المسروق فى ماء جار وعثور آخر عليه وأخذه, برى أبو حنيفة أن الأخذ غير تام لأن يداً اعترضت يد السارق. ويشترط فى الأخذ خفية أن يفعل الحيازة كاملة دون حق من المجنى عليه للجانى أى أن ينقل الحيازة بعنصريها المادى والمعنوى عنصر التبعة وعنصر الملك, فإن نقل أحد العنصرين دون الآخر ولو بغير حق فلا يعتبر الفعل سرقة, فالمعير الذى يأخذ متاعه خفية عن المستعير, والمؤجر الذى يأخذ متاعه خفية عن المستأجر, والأصيل الذى يأخذ متاعه خفية عن الوكيل, والمودع الذى يأخذ متاعه خفية عن المودع لديه, والراهن الذى يأخذ المرهون خفية عن المرتهن, والمشترى الذى يأخذ المبيع خفية عن البائع ولو أن ميعاد لتسليم لم يحل بعد, والمستأجر أو المرتهن أو المودع لديه أو المستعير الذى يأخذ الشىء المؤجر أو المرهون أو المودع أو المعار فى خفية عن المالك, والمشترى الذى يأخذ المبيع قبل تسليم الثمن أو فى زمن الخيار, والموهوب له الذى يأخذ ما وهب له خفية -كل هؤلاء لا يعتبر أحدهم آخذاً خفيه لأن أخذه لا ينقل إلا أحد عنصرى الحيازة فقط (١) . ويشترط فى المسروق أن يكون مما هو خالص لغيره أى ليس للسارق فيه ملك ولا حق بل المستحق له غيره. ويشترط فى الأخذ خفية أن يكون الشىء

стр. 1312

المسروق فى يد المجنى عليه أو أى شخص آخر يقوم مقامه كالمستأجر والمستعير كما يشترط أن لا يكون فى يد الجانى ولا تحت سلطانه, فإذا كان الشىء فى يد الجانى أو تحت سلطانه من قبل فلا يعتبر الفعل السرقة تقتضى الأخذ خفية والأخذ خفية لا يكون إلا من يد المجنى عليه أو من يمثله, ولا يعتبر الجانى آخذاً خفية إذا كان يمثل المجنى عليه فى حيازة الشىء أو كان المجنى عليه قد مكنه من الشىء ومنحه سلطة عليه, وعلى هذا لا يعتبر الوكيل سارقاً لأنه يمثل المجنى عليه, ولا يعتبر الخادم سارقاً مما وضع فى يده أو أمكن منه ومنح سلطة عليه. وما يشترط فى الشريعة من أن ينقل الآخذ الحيازة كاملة بعنصريها المادى والمعنوى هو نفس النظرية التى قال بها جارسون لتحديد الأفعال التى تعتبر سرقة. فهو يفرق بين الحيازة الكاملة التى تشمل الركن المادى والركن المعنوى للحيازة وهى حيازة المالك, وبين الحيازة المؤقتة التى تشمل الركن المادى فقط كحيازة المستأجر والمرتهن والمستعير, كما يفرق بين هذين الفرعين من الحيازة وبين اليد المعارضة التى لا تمنح صاحبها أى حق أو سلطة على شىء. ويعرف جارسون الاختلاس وهو الفعل المادى المكون للسرقة بأنه الاستيلاء على حيازة الشىء الكاملة, أو هو اعتيال الحيازة ركنيها المادى والمعنوى. فالنظرية التى وصل إليها الفقه والقضاء أخيراً وتولى تنظيمها وشرحها جارسون هى نظرية الفقه الإسلامى. ٦٠٣- التسليم ينفى الأخذ خفية: واضح من كل ما سبق أن التسليم يمنع من القول بأن الشىء أخذ خفية لأن الأخذ يقتضى أن يؤخذ الشىء من يد المجنى عليه أو من يمثله دون علمه ودون رضاه معاً, والتسليم يجعل المجنى عليه عالماً بأخذ الشىء سواء توفر الرضاء أو انعدم, ويستوى أن يكون المجنى عليه راضياً بالتسليم أو مكرهاً عليه, فالفعل فى الحالين ليس سرقة. وإن كان من الممكن أن يكون الفعل حرابة فى حالة الإكراه إذا توفرت بقية أركان جريمة الحرابة؛ لأن جريمة الحرابة لا يشترط فيها الأخذ خفية وإنما يكون الأخذ فيها مغالبة, ويمنع التسليم من توفر ركن الأخذ خفية سواء نقل التسليم الحيازة كاملة أو ناقصة أو ترتب

стр. 1313

عليه تمكين الجانى من الشىء أو منحه سلطة عليه كحالة الطباخ مثلاً تسلم إليه أدوات المطبخ لاستعمالها. ويسوى أن يكون التسليم ناشئاً عن خطأ أو عن غش أو قصد به مجرد تمكين الجانى من الاطلاع على الشىء المسروق أو التفرج عليه أو فحصه. ففى هذه الحالات جميعاً يمنع التسليم من اعتبار الشىء مأخوذاً خفية لأن الأخذ خفية يجب أن يكون بغير علم المجنى عليه وبغير رضاه معاً, وإذا كان لم يمكن اعتبار الشىء الذى سلم للجانى للفحص والتفرج والاطلاع مسروقاً طبقاً للشريعة فإن هذا الشىء يمكن اعتباره مختلساًَ طبقاً للشريعة. والاختلاس كما قلنا نوع من السرقة لا يشترط فيه العلم ويشترط فيه عدم الرضاء فقط وعقوبته التعزير لا القطع. والاختلاس فى الشريعة يتفق فى شروطه وأحكامه مع شروط وأحكام جريمة السرقة فى قانونى العقوبات المصرى والفرنسى. ولا يعتبر الفعل سرقة إذا تسلم الجانى المبيع على أن يدفع ثمنه فوراً فأخذه وهرب, أو إذا تسلم ورقة مالية أو قطعة نقود كبيرة ليصرفها نقوداً صغيرة فأخذها وهرب, والمانع من اعتبار الفعل سرقة هو التسليم لأن فى التسليم علم المجنى عليه بالفعل والعلم يمنع من تكون ركن الأخذ خفية, وإذا كان الفعل لا يعتبر سرقة فمن الممكن أن يعتبر اختلاساً طبقاً لقواعد الشريعة. وإذا كان التسليم ممن لا شعور له أو اختيار, كسكران أو مجنون أو طفل غير مميز, فإنه يمنع أيضاً من تكون ركن الأخذ خفية لأن فقد الشعور والاختيار إذا كان يمنع من حصول التسليم اختياراً فإنه لا يمنع غالباً من العلم بحصول التسليم, وإذا توفر العلم بالأخذ انعدم أحد أركان السرقة وهو الأخذ خفية, وحتى إذا أمكن القول بأن علم الصغير والمجنون والسكران غير معتبر فإن هذا العلم غير المعتبر يكون شبهة تدرأ الحد فلا يقطع الجانى ويكتفى فى عقابه بالتعزير. وتمكين الجانى من الشىء أو السماح له بدخول محل المسروق فى حكم تسليم

стр. 1314

الشىء المسروق إلى الجاني, فالسرقة التى تقع من العمال أو الخدم والنزلاء وما أشبه لا قطع فيها إذا كانت السرقة واقعة على شىء فى المحل الذى يعمل فيه الخادم أو العامل أو يدخله النزيل أو فى المحلات المصرح لهم بدخولها؛ لأن الإذن للعامل والخادم والنزيل بدخول المحل يبطل الحرز فيكون الأخذ أخذاً من غير حرز ومن ثم لا تتم شروط الأخذ خفية وتكون السرقة سرقة مال غير محرز, ولا قطع فى سرقة المال غير المحرز وإنما فيها التعزير, وسنعود للكلام على هذه النقطة بتوسع بمناسبة الكلام عن الحرز. وإذا أخذ المكلف بنقل الأشياء بعض ما كُلِّف بنقله فعمله لا يعتبر سرقة فى الشريعة الإسلامية وإنما يعتبر تبديداً لأنه تسلم الشىء بمقتضى عقد من عقود الأمانة, وإذا فرض أنه تسلمه بغير عقد فإن التسليم فى ذاته يمنع من تكون ركن الأخذ خفية لأن التسليم يقتضى العلم بالأخذ وشرط الأخذ خفية أن يتم دون علم ورضاء المجنى عليه, فالعقوبة إذن على أى فرض هى عقوبة التعزير وكل جريمة عقوبتها التعزير فى الشريعة الإسلامية يصح للهيئة التشريعية أن تجعلها فى حكم جريمة أخرى إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة, فيصح اعتبار الاختلاس الحاصل عن محترفى النقل فى حكم السرقة وإن كانت القواعد العامة تجعله تبديداً. ومن هذا يتبين أنه لا اختلاف بين الشريعة والقانون المصرى فى هذه النقطة؛ لأن القواعد القانونية العامة ذاتها تجعل الجريمة تبديداً ولكن المشرع أعطاها حكم السرقة أو اعتبر الفعل سرقة تشديداً على محترفى النقل ولم يعتبر التسليم الحاصل للجانى مع أن التسليم يمنع من تكون ركن الاختلاس طبقاً للقانون, والاختلاس فى القانون يقابل الأخذ خفية فى الشريعة كما يقابل الاختلاس فى الشريعة أيضاً. ويشترط ليكون الأخذ تاماً يقطع فيه أن يكون فى عام المجاعة وزمن القحط لأن الضرورة تبيح التنازل من مال الغير بقدر الحاجة فإذا سرق المحتاج ما يأكله فلا قطع عليه لأنه كالمضطر, وقد روى عن مكحول أن رسول الله ﷺ قال: "لا قطع فى مجاعة مضطر", ويشترط فى الآخذ أن لا يجد ما يشتريه أو لا يجد

стр. 1315

ما يشترى به وأن لا يأخذ أكثر من حاجته (١) . فأما الواجد لما يأكله أو الواجد لما يشترى به وما يشتريه فعليه القطع وإن كان بالثمن الغالى. والقاعدة فى الشريعة أن للمضطر أن يأخذ ما يقيم حياته من غيره إذا لم يكن فى حاجة إليه, وإن احتاج الأمر إلى قتال قاتله عليه, فإن قتل المضطر فقاتله مسئول جنائياً عن قتله ولا يعتبر فى حالة دفاع, وإن قتله المضطر فهو هدر لأنه ظالم بقتاله المضطر فأشبه القاتل. ولكن ليس للمضطر أن يسرق شيئاً أو أن يقاتل على شىء كلما استطاع أن يأخذه بشراء أو استرضاء مهما تغالى صاحب الشىء فى الثمن لأن المضطر لا يلزمه شرعاً إلا ثمن المثل (٢) . ويشترط أبو حنيفة ليكون الأخذ تاماً يقطع فيه أن يكون الأخذ فى دار العدل, فلا قطع عنده على من سرق فى دار الحرب أو دار البغى ولو كان المجنى عليه والجانى من أهل دار العدل؛ لأن السرقة تقع فى مكان لا ولاية للإمام عليه والقضاء بالعقوبة يقتضى الولاية على مكان الجريمة ومن ثم لا تعتبر السرقة فى دار الحرب أو دار البغى سبباً لوجوب القطع (٣) . هذا ويتفق مذهب الشيعة الزيدية مع مذهب أبى حنيفة فى هذه المسألة (٤) . أما المذهب الظاهرى فيتفق مع مذهب الأئمة الثلاثة (٥) , ومذهب أبى حنيفة يخالف المذاهب الأخرى فى هذه الناحية حيث يرى بقية الفقهاء قطع السارق على السرقة فى دار الحرب أو دار البغي (٦) , ويرى أبو حنيفة ومحمد أن لا يقطع المستأمن

стр. 1316

فى سرقة مال المسلم أو الذمى لأنه أخذه على اعتقاد الإباحة ولأنه لم يلتزم أحكام الإسلام, وعند أبى يوسف يقطع (١) , ويرى مالك قطع المستأمن وكل معاهد (٢) , وحجته أن حد القطع لله (٣) , وفى مذهب الشافعى وأحمد ثلاثة آراء أحدها وهو المرجوح يتفق مع رأى أبى حنيفة, والثانى وهو الراجح يتفق مع رأى مالك (٤) , والثالث بأنه إذا اشترط قطعه للسرقة قطع لأنه يصبح ملتزماًً بالأحكام, على أن القائلين بعدم قطع المستأمن يسلمون بأنه لا قطع فى سرقة ماله (٥) . * * * الركن الثانى: أن يكون المأخوذ مالاً ٦٠٤- يجب أن يكون الشىء المسروق مالاً, ولا محل للسرقة فى الوقت الحاضر إلا المال, أما قبل لإبطال الرق فكان العبيد والإماء فى الشريعة محلاً للسرقة باعتبارهم مالاً من وجه يمكن التصرف فيه ككل مال, وإن كانوا من وجه آخر آدميين, وهكذا كان الشأن فى القوانين الوضعية أيضاً. أما بعد إبطال الرق فلا يمكن أن يكون الإنسان محلاً للسرقة عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد, وهذا رأى فى مذهب الشيعة الزيدية, أما مالك والظاهريون فيرون أن الطفل غير المميز محل للسرقة ولو كان حراً وعلى من يأخذه عقوبة القطع كسارق المال, وهذا رأى آخر فى مذهب الشيعة الزيدية, ومع أن هؤلاء يعترفون بأن السرقة لا تقع إلا على المال فإنهم يستثنون الطفل غير المميز ويجعلون

стр. 1317

خطفه فى حكم سرقة المال (١) . ٦٠٥- ويشترط فى المال المسروق شروط يجب توافرها جميعاً ليقطع فيه السارق, وهذه الشروط هى: (١) أن يكون مالاً منقولاً. ... ... (٢) أن يكون مالاً متقوماً. (٣) أن يكون مالاً محرزاً. ... ... (٤) أن يبلغ المال نصاباً. ٦٠٦- أولاً: أن يكون مالاً منقولاً: يجب أن تقع السرقة على مال منقول لأن السرقة تقتضى نقل الشىء وإخراجه من حرزه ونقله من حيازة المجنى عليه إلى حيازة الجانى وهذا لا يمكن إلا فى المنقولات فهى بطبيعتها التى يمكن نقلها من مكان إلى آخر. ويعتبر المال المسروق منقولاً كلما كان قابلاً للنقل، فليس من الضرورى أن يكون المال منقولاً بطبيعته بل يكفى أن يصير منقولاً بفعل الجانى أو بفعل غيره, فمن استل أخشاباً من سقف منزل أو هدم حائطاً وأخذ من أنقاضه فهو سارق لمنقول ولو أن المنزل يعتبر عقاراً؛ لأن سل الأخشاب وهدم الحائط يجعل الأخشاب والأنقاض منقولة والأرض عقار بطبيعتها فمن أخذ منها تراباً أو أحجاراً أو أخذ من جوفها فحماً أو معادن أو ما أشبه يعتبر سارقاً لمنقول (٢) . ويشترط أن يكون المنقول مادياً كالنقود والأخشاب, ويستوى أن يكون المنقول صلباً كالحديد أو سائلاً كالماء أو غازياً كغاز الاستصباح, أما الأموال المعنوية فلا يمكن أن تكون محلاً للسرقة لأنها حقوق مجردة وليست قابلة بطبيعتها للنقل من مكان لآخر سواء كانت حقوقاً شخصية أو عينية, ولا شك

стр. 1318

أن الأوراق المثبتة لهذه الحقوق المعنوية تعتبر فى ذاتها منقولاً ومن ثم يمكن سرقتها, وتقع السرقة فى هذه الحالة على الأوراق لا على ما تضمنه من حقوق. وليس فى الشريعة ما يمنع من أن يكون القوى الطبيعية والأشياء المباحة أصلاً محلاً للسرقة كالضوء والحرارة والبرودة والماء والهواء, والعبرة فى ذلك كله وأشباهه بإمكان احتياز الشىء والتسلط عليه, فكل من استطاع أن يحتاز شيئاً من هذه الأشياء المباحة الأصل يصبح مالكاً لها وإن كان احتياز هذه الأشياء وأمثالها والتسلط عليها يجعلها منقولاً يعاقب على سرقته ما يعاقب على سرقة أى منقول آخر, وعلى هذا فليس ثمة ما يمنع من اعتبار الكهرباء محلاً للسرقة لأن احتيازها والتسلط عليها ونقلها من مكان إلى آخر فى حيز الإمكان. ٦٠٧- ثانياً: أن يكون مالاً متقوماً: بصفة مطلقة, فإن كانت قيمته نسبية فلا قطع فى سرقته والعقوبة عليه التعزير, فالخمر ولحم الخنزير مثلاً لا قيمة لهما عند المسلم ولكن لهما قيمتهما عند غير المسلم ومن ثم كانت قيمتهما نسبية لا مطلقة, وهذا النقص فى القيمة هو الذى منع من القطع لأنه شبهة ووجه الشبهة عدم المالية أو عدم التقوم, والحدود تدرأ بالشبهات, ويستوى أن يكون صاحب المال مسلماً أو غير مسلم وأن يكون السارق مسلماً أو غير مسلم؛ لأن العبرة ليست بالمالك أو السارق وإنما العبرة بتقوم المال أو عدم تقومه (١) . وتعبير المال المتقوم هو ما يعبر به الحنفية. أما الأئمة الثلاثة فيعبرون عن هذا المعنى بعبارة المال المحترم, ويشترط الزيدية أن يكون المال مما يجوز تملكه, والظاهريون يعبرون بمثل هذا التعبير فيقولون: مال له قيمة ومال لا قيمة له (٢) , وكل هذه العبارات تؤدى معنى واحداً.

стр. 1319

ويشترط أبو حنيفة فوق شرط التقوم أن يكون الشىء المسروق مما يتموله الناس ويعدونه مالاً يضنون به, لأن ذلك يشعر بعزته وخطره عندهم, فإن كان مما لا يتموله الناس فهو تافه وحقير, وحجته فى ذلك حديث عائشة رضى الله عنها: "لم تكن اليد تقطع على عهد رسول الله فى الشىء التافه" (١) . ويجعل أبو حنيفة التفاهة شبهة فى المال تدرأ الحد عن سارقه وتوجب التعزير بدلاً من القطع. ويترتب على رأيه هذا أن لا قطع فى التبن والحشيش والقصب والحطب وأشباهها, لأن الناس لا يتمولون هذه الأشياء عادة ولا يضنون بها لعدم عزتها وقلة خطرها ويعدون الضن بها من باب الخساسة فهذا مصدر تفاهتها, كذلك لا قطع عند أبى حنيفة فى سرقة التراب والطين والحصى واللبن والفخار وما شابهها لتفاهتها (٢) . ويعتمد أبو حنيفة على عرف الناس وعاداتهم فى بيان الشىء التافه من الشىء غير التافه, على أنه يسلم بأن الشىء التافه قد يصبح للصناعة ذا قيمة كالقصب يصنع منه النشاب, فإذا أخرجت الصناعة الشىء التافه عن تفاهته كان القطع واجباً فى سرقته (٣) . ولكن أبا يوسف من فقهاء مذهب أبى حنيفة يرى القطع فى كل مال محرز تبلغ قيمته نصاباً إلا التراب والسرجين, وفى رواية أخرى عنه: إلا فى الماء والتراب والطين والحصى والمعازف؛ لأن السارق يسرق مالاً متقوماً من حرز لا شبهة فيه. ودليل المالية والتقوم هو أولاً جواز بيع المال وشرائه, وهو ثانياً وجوب ضمان القيمة على غاصب المال, فكل ما جاز بيعه وشراؤه ووجب على غاصبه ضمانه فهو مال متقوم يقطع فيه إذا سرق من حرزه (٤) .

стр. 1320

ويرى أبو حنيفة ومعه محمد من فقهاء المذهب أن كل ما يوجد جنسه تافهاً ومباحاً فلا قطع فيه, لأن كل ما كان كذلك فلا عز له ولا خطر ولا يتموله الناس. ولكن غيرهما من فقهاء المذهب يرون الاعتماد على التفاهة دون الإباحة لأن الذهب والفضة واللآلئ والجواهر مباحة الجنس ولا شك أن فيها القطع (١) . ويرى أبو حنيفة أن لا قطع فى سرقة ميتة أو جلدها لانعدام المالية؛ أى لأنها لا تعتبر مالاً, ولا فى سرقة كلب لاختلاف العلماء فى ماليته, ولا فى أدوات الملاهى من طبل ودف ومزمار ونحوها لأن هذه الأشياء مما لا يتموله الناس عادة أو لأن فى ماليتها قصوراً لكراهة الاشتغال بها (٢) . وعند أبى حنيفة أن لا قطع فى سرقة طير ولا صيد وحشاً كان أو غيره, ولا فيما علم من الجوارح كالبازى والصقر لأن الطيور والوحوش مباحة الأصل ولا يتم إحرازها فى الناس عادة ولأنها تأتى عن طريق الاصطياد وهو مباح, فضلاً عن أن قول رسول الله ﷺ : "الصيد لمن أخذه" يورث شبهة والقطع يندرئ بالشبهة, كذلك فإن الرسول ﷺ قال: "لا قطع فى الطير" (٣) . كذلك يرى أبو حنيفة أن لا قطع فيما لا يحتمل الادخار ويتسارع إليه الفساد ولا يبقى من سنة إلى سنة. فلا قطع عنده فى سرقة الطعام الرطب والبقول والفواكه الرطبة واللحم والخبز والرياحين وما أشبه, ولا قطع فى سرقة شطرنج ذهب أو فضة أو صليب أو صنم لأنه يتأول أن السارق يأخذها لكسرها, أما الدراهم التى عليها تماثيل فيقطع فيها لأنها لا تعتبر عادة فلا تأويل له فى الأخذ للمنع من العبادة (٤) ؛ لأن ما لا يحتمل الادخار يقل خطره عند الناس فيعتبر تافهاً. ولا قطع عند

стр. 1321

أبى حنيفة فى سرقة المصحف وكتب الأحاديث واللغة والشعر لأنها تدخر للقراءة لا للتمول ويقصد منها الوقوف على ما يتعلق به مصلحة الدين والدنيا والعمل به، لكن أبا يوسف يرى القطع فى هذه جميعاً كلما بلغت نصاباً لأن الناس يدخرونها ويعدونها من نفائس الأموال، أما دفاتر الحساب والدفاتر البيضاء فلا خلاف فى المذهب على أن فيها القطع إذا بلغت نصاباً لأن المقصود فيها هو الورق الأبيض (١) . ويرى أبو حنيفة أن لا قطع فى سرقة ما يتبع ما لا قطع فيه كالحلية على المصحف تبلغ نصاباً، وكسرقة آنية فيها خمر وقيمة الآنية تزيد على النصاب، ولكن أبا يوسف يخالفه ويرى القطع، وهو مذهب مالك والشافعي (٢) . ولكن أبا يوسف من فقهاء المذهب يخالف أبا حنيفة ويرى القطع فيما لا يحتمل الادخار ويتسارع إليه الفساد؛ لأن السرقة وقعت على مال متقوم فى حرز لا شبهة فيه، ودليل المالية والتقوم هو جواز البيع والشراء فى المال ووجوب ضمان القيمة على غاصبه ومتلفه (٣) . ويطبق أبو حنيفة المبدأ السابق تطبيقاً واسعاً فيرى أن سرقة الثمار المعلقة فى أشجارها أو نخيلها لا قطع فيها ولو كانت محرزة بحائط أو بحافظ لأن الثمر ما دام فى شجره يتسارع إليه الفساد. فإذا قطع الثمر ووضع فى جرن ثم سرق بعد ذلك فإن كان قد استحكم جفافه ففيه القطع لأنه صار قابلاً للادخار ولا يتسارع إليه الفساد بالجفاف، وإن لم يكن استحكم جفافه فلا قطع فيه لأنه مما يتسارع إليه الفساد ولا يقبل الادخار بحالته الراهنة، ويستعين أبو حنيفة فى تأييد رأيه بقول الرسول ﷺ : "لا قطع فى ثمر ولا كَثَر حتى يؤويه الجرين، فإذا آواه فبلغ ثمن المجن ففيه القطع".

стр. 1322

والمحصولات الزراعية كالقمح والشعير والذرة هى بمنزلة الثمر المعلق عند أبى حنيفة فلا قطع فيها حتى يؤويها الجرين ويستحكم جفافها، وهذا يتفق مع ما روى عن الرسول ﷺ من أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: "من أصاب بغية من ذى حاجة غير متخذ خفية فلا شىء عليه، ومن أخرج بشىء منه فعليه غرامة مثله، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع" (١) . والفاكهة اليابسة التى تبقى من سنة إلى سنة فيها القطع عند أبى حنيفة، فإن لم تكن تبقى من سنة إلى سنة فلا قطع فيها لأنها تعتبر مما لا يقبل الادخار ويتسارع إليه الفساد. ولا يقطع أبو حنيفة فى السمك طرياً كان أو مالحاً، لأن الطرى يتسارع إليه الفساد والمالح مال تافه مباح الأصل، ولا يقطع كذلك فى اللبن لأنه يتسارع إليه الفساد ولكنه يقطع فى الخل لأنه لا يتسارع إليه الفساد، ويقطع فى الذهب والفضة والجواهر واللآلئ وفى الحبوب الجافة كلها وفى الطيب والعود والمسك وما أشبه، ويقطع فى الكتان والصوف وما أشبه، كما يقطع فى الحديد والنحاس والرصاص وما أشبه، سواء كانت آنية أو مادة خاماً. وهكذا نستطيع أن نتبين أن أبا حنيفة يعول فى عدم القطع على شيئين: أولهما: التفاهة وعدم المالية، ويعتبر الشىء تافهاً عند أبى حنيفة إذا كان مما لا يتموله الناس كالميتة، أو كان مما لا يضن به الناس لعدم عزته وقلة خطره عندهم كالتبن والحطب، أو كان مما يتسارع إليه الفساد ولا يحتمل الادخار من سنة إلى سنة. ثانيهما: عدم التقوم فكلما كان المال متقوماً بصفة مطلقة وغير تافه ففيه القطع، فإذا لم يكن متقوماً فلا قطع فيه كالخمر والخنزير فلا قطع فيهما لعدم التقوم (٢) . ويلاحظ أن إباحة الجنس فى ذاتها لا تمنع من القطع إذا لم يكن المال تافهاً كالذهب والفضة فكلاهما مباح الأصل ولكنه لما لم يكن تافهاً وجب فيه القطع،

стр. 1323

أما إذا كان المال تافهاً كالسمك والملح فلا قطع فيه لتفاهته. فالعبرة فى القطع وعدمه بالتفاهة وليست بإباحة الجنس، وهذا هو الرأى الراجح فى مذهب أبى حنيفة (١) . ولا يرى فقهاء المذاهب الأخرى رأى أبى حنيفة فى أن التفاهة تمنع من القطع، والقاعدة العامة عندهم أن كل ما يمكن تملكه ويجوز بيعه وأخذ العوض عنه يجب القطع فى سرقته (٢) . ولكنهم اختلفوا فى تطبيق هذه القاعدة وسنبين فيما يلى حدود هذا الاختلاف. فمالك يرى القطع فى كل مال أياً كان ولو كان محقراً فى نظر الناس كالماء والحطب ونحو ذلك مما أصله مباح للناس لأنه متمول يجوز تملكه ويجوز بيعه وأخذ العوض عنه، ويستوى بعد ذلك أن يكون مباحاً للناس أو غير مباح ما دام المجنى عليه قد حازه فى حوزه الخاص كما يستوى أن يكون معرضاً للفساد أو غير معرض (٣) . ويرى مالك القطع فى سرقة الجوارح طيوراً أو سباعاً إذا بلغت قيمة أحدها النصاب ولو كانت لا تبلغ هذه القيمة إلا لتعليمها الصيد لأن تعليم الصيد منفعة شرعية فإذا لم تكن معلمة فالقطع إذا بلغت قيمة لحم الطير وريشه النصاب، وإذا بلغت قيمة جلد السبع النصاب، ولا تراعى قيمة لحم السبع لكراهته أو للقول بحرمته، وعلى هذا فسارق جلد السبع يقطع، وسارق لحمه فقط لا يقطع (٤) . ويرى القطع فى جلد الميتة سواء كانت الميتة مما يؤكل أو لا يؤكل، ولكن بعد الدبغ وبشرط أن يزيد الدباغ فى قيمة الجلد نصاباً وإلا فلا قطع (٥) . ولا يرى مالك القطع فى الطيور المحببة كالبلبل والببغاء وأشباههما إلا إذا كان لحمها وريشها يساوى نصاباً، فإن كانت لا تساوى النصاب إلا لإجابتها فلا قطع لأن الإجابة ليست منفعة شرعية (٦) .

стр. 1324

ولا قطع عند مالك فى مال غير محترم كالخمر ولحم الخنزير ولو سرقها ذمى مهما بلغت قيمتها، وكأدوات الملاهى فلا قطع فيها إلا إذا بلغت قيمتها نصاباً بعد كسرها (١) . ولا قطع فى سرقة الكلب معلماً أو غير معلم مهما بلغت قيمته لحرمة ثمنه. ولا قطع فى الثمر المعلق عند مالك ولا فى الزرع قبل حصده فإذا جد الثمر وحصد الزرع فلا قطع فى السرقة إلا إذا وضع فى الجرين على رأى أو كدس أكواماً بعد حصده حتى يصير كالشىء الواحد. وإذا كانت الثمار فى بستان عليه حائط وله غلق فسرق منها وهى لا تزال معلقة فى الشجر ففيها القطع على رأى ولا قطع فيها على رأى آخر، والقائلون بالقطع يحتجون بأن الثمار أصبحت فى حرز، وإذا كانت الشجرة المثمرة فى داخل الدار فالسرقة من ثمرها المعلق بلا خلاف لأن السرقة من حرز (٢) . وإذا سرق ما ليس فيه قطع حالة كونه متصلاً بما فيه القطع اعتبرت قيمة ما فيه القطع، فإذا بلغ نصاباً قطع السارق، كسرقة الخمر فى إناء من الذهب، فالخمر لا قطع فيه ولكن إناء الذهب فيه القطع إذا بلغت قيمته بدون الخمر نصاباً (٣) . ويقطع مالك فى سرقة المصحف لأنه مال مملوك ويجوز بيعه (٤) . أما الشافعى فمذهبه لا يكاد يختلف شيئاً عن مذهب مالك إذ يرى القطع فى كل مال ولو كان محقراً كالحطب والحشيش والتراب، أو مباح الأصل كالصيد والطير والماء، أو معرضاً للتلف كالطعام والثمار والفاكهة. ويرى القطع فى المصحف والكتب العلمية والأدبية النافعة المباحة فإذا لم تكن مباحة قُوِّم ورقها وجلدها فإن بلغا نصاباً قطع به السارق (٥) . ولا يقطع الشافعى فى مال غير محترم؛ أى غير متقوم، كالخمر والخنزير والكلب

стр. 1325

وجلد الميتة قبل دبغه (١) . ولا يقطع الشافعى فى الثمر المعلق حتى يؤويه الجرين فإذا آواه الجرين ففيه القطع. ويقطع الشافعى فى آلات اللهو وفى آنية الذهب والفضة إذا بلغت قيمة المسروق نصاباً بعد كسره أو إفساده (٢) . وإذا سرق السارق ما لا قطع فيه متصلاً بما فيه قطع اعتبرت قيمة ما فيه القطع دون ما لا قطع فيه (٣) . والقاعدة فى مذهب أحمد أن القطع واجب فى كل مال بغض النظر عما إذا كان تافهاً أو مباح الأصل أو معرضاً للتلف، ولكنهم يستثنون من هذه القاعدة: ١- الماء: فسرقة الماء لا قطع فيه لأنه مما لا يتمول عادة؛ أى أنه لا يباع ولا يشترى فى العادة. ٢- الكلأ والملح: وفيهما خلاف، فبعض فقهاء المذهب يرون القطع فيهما لأنهما مما يتمول عادة، والبعض لا يرى القطع فيهما لأنهما مما ورد الشرع باشتراك الناس فيه. ٣- الثلج: ويرى البعض القطع فيه لأنه يتمول عادة، ويرى البعض أنه لا قطع فيه لأنه ماء جامد قيأخذ حكم الماء. ٤- التراب: وحكمه أنه إذا كانت تقل الرغبات فيه كالذى يعد للتطين والبناء فلا قطع فيه لأنه لا يتمول، وإن كان مما له قيمة كثيرة كالطين الأرضى الذى يعد للدواء أو الغسل أو الصبغ احتمل وجهين: أحدهما: لا قطع فيه لأنه من جنس ما لا يتمول فأشبه الماء، والثانى: فيه القطع لأنه يتمول عادة ويحمل إلى البلدان للتجارة فأشبه العود الهندى، ولكن ما يصنع من التراب كاللبن والفخار ففيه القطع لأنه يتمول عادة. ٥- السرجين: لا قطع فيه لأنه إن كان نجساً فلا قيمة له وإن كان طاهراً

стр. 1326

فلا يتمول عادة ولا تكثر الرغبات فيه (١) . ويقطع الشافعى ومالك فى السرجين الطاهر وفى كل الأشياء السابقة، أما أبو حنيفة فلا يقطع فى شىء منها. ٦- المصحف: يرى البعض أن لا قطع فى سرقته وهو قول أبى حنيفة لأن المقصود منه ما فيه من كلام الله وهو مما لا يجوز أخذ العوض عنه، ويرى البعض وجوب القطع لأنه مال متقوم وهو رأى مالك والشافعى. وإذا كان المصحف محلى بحلية تبلغ نصاباً وحدها، فبعض من لا يرى القطع بسرقة المصحف لا يقطع فى الحلية لأنها تابعة لما لا يقطع فى سرقته، وبعضهم يرى القطع لأنه سرق نصاباً من الحلى فوجب قطعه كما لو سرقه منفرداً، ولا خلاف فى مذهب أحمد على القطع فى سرقة كتب الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية (٢) . ٧- الثمر والكَثَر: فلا قطع فى الثمار المعلقة ولا فى سرقة الكَثَر وهو جمار النخل لقول الرسول ﷺ : "لا قطع فى ثمر ولا فى كَثَر"، وإذا أحيط البستان بسور فلا قطع فيما سرق منه لكن إذا كانت نخلة أو شجرة فى دار محرزة فسرق من ثمارها نصاباً ففيه القطع لأنها سرقة من حرز (٣) . ٨- سرقة المحرم وأدوات اللهو: لا قطع فى سرقة محرم كالخمر والخنزير والميتة ونحوها سواء كان السارق مسلماً أو ذمياً، وأما آلات اللهو كالطنبور والمزمار والشبابة فلا قطع فيها وإن بلغت قيمتها بعد كسرها نصاباً لأنها آلة للمعصية بالإجماع فلا يقطع فى سرقتها كالخمر ولأن له حقاً فى أخذها لكسرها فكان ذلك شبهة تمنع القطع، فإن كانت عليه حلية تبلغ نصاباً فلا قطع فيها على رأى وفيها القطع على رأى آخر. وإذا سرق صليباً من ذهب أو فضة فلا قطع فيه على رأى وهو متفق مع ما يراه أبو حنيفة، وفيه القطع على رأى آخر وهو مذهب مالك والشافعى، والمفروض أن تكون قيمة الصليب بعد كسرها نصاباً فإن كانت أقل من

стр. 1327

النصاب فلا خلاف فى المذهب على عدم القطع. وإن سرق آنية من الذهب أو الفضة قيمتها نصاب بعد الكسر ففيها القطع، وإذا اتصل ما لا قطع فيه بما فيه القطع ففى المذهب رأيان: الأول: لا قطع فيها ولو بلغ نصاباً وحده لأنه تابع لما لا قطع فيه وهو مذهب أبى حنيفة، والرأى الثانى: فيه القطع إذا بلغ نصاباً وحده وهو مذهب مالك والشافعي (١) . ومذهب الشيعة الزيدية قريب من مذهب مالك والشافعى، فعندهم أن المال المسروق يعاقب عليه بالقطع إذا كان مما يجوز للمجنى عليه تملكه فى الحال، فإذا لم يكن يجوز له أن يتملكه كالخمر والخنزير والكلب والميتة وغيرها فلا قطع فيه إذا سرقه من مسلم، أما إذا سرقه من ذمى فلا قطع إذا سرقه من بلد ليس للذمى سكناه، فإذا سرقه من بلد لهم سكناه فهناك خلاف فى القطع (٢) . ويرى الزيديون أن لا قطع فى سرقة النابت أو فى أخذه من منبته، ولا فرق بين أن يكون شجراً أو زرعاً (٣) . ومذهب الظاهريين على القطع فى سرقة المال أياً كان سواء كان تافهاً أو مباح الأصل أو معرضاً للتلف، وهم يرون القطع فى سرقة كل ثمر وكل كَثَر معلقاً كان فى شجره أو مجزوزاً أو فى جرين أو فى غير جرين، ويرون القطع فى كل طعام كان مما يفسد أو لا يفسد، ويرون القطع فى الزرع إذا أخذ من فدانه أو هو بأندره (٤) . ويرى الظاهريون القطع فى سرقة الطير كلما كان مملوكاً للمجنى عليه، وفى سرقة الصيد كلما تملكه المجنى عليه (٥) .

стр. 1328

ويرون القطع على من سرق مصحفاً أو كتباً من كتب العلوم (١) . ويرون القطع على من سرق صليباً أو فضة أو ذهباً ومن سرق دراهم فيها صور وأصنام إذا بلغت قيمتها نصاباً بعد الكسر (٢) . ولكن الظاهريين لا يرون القطع فى سرقة الخمر والخنزير وأما الميتة فيقطعون فيها لأن جلدها باق على ملك صاحبها يدبغه فينتفع به ويبيعه (٣) ، وظاهر من هذا أن الظاهريين يرون ما يراه مالك والشافعى من قطع السارق إذا سرق ما يجب فيه القطع متصلاً بما لا يجب فيه القطع. ٦٠٨- ثالثاً: أن يكون المال محرزاً: يشترط جميع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى أن يكون المال محرزاً لوجوب القطع فى سرقته، ولا يخالفهم فى ذلك إلا الظاهريون وطائفة من أهل الحديث حيث يرون القطع على السارق إذا سرق نصاباً ولو من غير حرز وأن اشتراط الحرز باطل بيقين لا شك فيه وشرع لما يأذن الله تعالى به (٤) . والأصل فى اشتراط الحرز عند من يشترطه ما روى عن رسول الله ﷺ عن رافع ابن خديج أنه قال: "لا قطع فى ثمر ولا كَثَر" رواه الخمسة، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله ﷺ عن الثمر المعلق فقال: "من أصاب منه بغية من ذى حاجة غير متخذ خفية فلا شىء عليه، ومن خرج بشىء فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع" رواه النسائى وأبو داود، وفى رواية قال: سمعت رجلاً من مزينة يسأل رسول الله ﷺ عن الجزية التى توجد فى مراتعها، قال: "فيها ثمنها مرتين وضرب نكال، وما أخذ من عطفه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن" قال: يا رسول الله فالثمار وما أخذ منها فى أكمامها؟ قال: "من أخذ بفيه ولم يتخذ خبنةً فليس عليه شىء، ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال، وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ

стр. 1329

من ذلك ثمن المجن" رواه أحمد والنسائى، ولابن ماجه معناه وزاد النسائى فى آخره: "وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال" (١) . ويرى جمهور الفقهاء أن رسول الله منع القطع فى الثمر المعلق وحريسة الجبل حتى إذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن, وأنه ﵇ علق القطع بإيواء المراح والجرين؛ والمراح حرز الإبل والبقر والغنم, والجرين حرز الثمر, فدل ذلك على أن الحرز شرط فى القطع, وفوق هذا فإن ركن السرقة هو الأخذ على سبيل الاستخفاء والأخذ من غير حرز لا يحتاج إلى استخفاء فلا يتحقق ركن السرقة, كذلك فإن القطع وجب لصيانة الأموال على أربابها قطعاً لأطماع السراق عن أموال الناس, والأطماع إنما تميل إلى ما له خطر فى القلوب وغير المحرز لا خطر له فى القلوب عادة فلا تميل الأطماع إليه فلا حاجة إلى صيانته بالقطع (٢) . ٦٠٩- ومن المتفق عليه أن الحرز نوعان: ١- حرز بالمكان أو حرز بنفسه: وهو عند مالك, أما عند أبى حنيفة فحرز المكان هو كل بقعة معدة للأحراز ممنوعة الدخول فيها إلا بإذن كالدور والحوانيت والخيم والفساطيط وزرائب المواشى والأغنام, ويشترط أبو حنيفة فى الحرز بالمكان أن يكون مكاناً مبنياً سواء كان بابه مغلقاً أم مفتوحاً وسواء كان له باب أم لا, لأن البناء يقصد به الأحراز كيفما كان (٣) . ولا يشترط مالك أن يكون المرابط والزرائب والجرون والمراح مبنية أو مسورة بل تعتبر حرزاً بمجرد إعداد المكان لحفظ المال أو الاعتياد على حفظ

стр. 1330

المال فيه دون حاجة لإحاطة المكان فيه ببناء أو سور أو ما أشبه (١) . أما عند الشافعى وأحمد فالحرز بالمكان هو كل مكان مغلق معد لحفظ المال داخل العمران كالبيوت والدكاكين والحظائر (٢) . فحرز المكان لا يكون كذلك عندهما إلا إذا توفرت فيه شروط, أولها: أن يكون فى العمران, فإن كان المكان خارج عمارة البلدة أو القرية أو منفصلاً عن مبانيها ولو ببستان فهو ليس حرزاً بالمكان. الثانى: أن يكون مغلقاً فإذا كان بابه مفتوحاً أو ليس له باب أو كان بحائطه نقب أو تهدم جزء منه فهو ليس حرزاً, ولا يشترط أن يكون المكان مبنياً بالحجارة أو اللبن بل يكفى أن يكون بحالة تتفق مع التعارف عليه وما جرت به العادة فالمسكن يبنى من الحجارة أو الطين أو الخشب والحظيرة قد تبنى من الطين أو الخشب أو القصب أو الحطب (٣) . والحرز بالمكان عند الشيعة الزيدية هو كل مكان محصن كالبيت والمربد والمراح بحيث يمنع الخارج من الدخول وإن لم يمنع الداخل من الخروج, ويكفى لاعتبار المكان محصناً أن يكون عليه جدار أو خيام أو زرب أو قصب أو بيت شعر, ويجوز أن يكون حوله خندق على رأى ويجب أن يكون له باب, فإذا كان كذلك فهو حرز بنفسه, فإذا لم يكن عليه باب فلا يكون حرزاً إلا بحارس (٤) . ٢- حرز بالحافظ أو حرز بغيره: هو عند أبى حنيفة كل مكان غير معد للإحراز يدخل إليه بلا إذن ولا يمنع منه كالمساجد والطرق, وحكمه حكم الصحراء إن لم يكن هناك حافظ أى أنه لا يعتبر حرزاً, فإن كان هناك حافظ فهو حرز, ولهذا سمى حرزاً بغيره حيث تتوقف صيرورته حرزاً على وجود غيره وهو الحافظ (٥) .

стр. 1331

فمن تعطلت سيارته فى الطريق العام فتركها بلا حافظ عندها فهى فى غير حرز, وإن ترك عندها ما يحفظها فهى فى مكان محرز بالحافظ. والمسجد ليس مكاناً معداً لحفظ المال ولا يتوقف الدخول فيه على إذن ما فلا يعتبر حرزاً بنفسه إلا فيما يتعلق بالأشياء اللازمة له كالحصر والقناديل وما أشبه, فمن دخل للصلاة ومعه متاع فوضعه بجواره فإن المتاع يكون محرزاً بالحافظ فإذا تركه فى المسجد فسرق فلا قطع فيه لأن المسجد ليس حرزاً بنفسه ولأن الحافظ لم يكن موجوداً وقت السرقة فلم يكن المتاع محرزاً, أما إذا سرق المتاع فى حالة وجود الحافظ فالقطع واجب فى السرقة إذا توفرت أركانها. ومن الأمثلة على ذلك حادثة صفوان فقد كان نائماً فى المسجد يتوسد رداءه فسرقه سارق فقطع الرسول يده. أما مالك والشافعى وأحمد فيرون أن الحرز بالحافظ هو كل مكان محرز بالحافظ سواء كان معداً لإحراز المال كالبيوت أو غير معد لحفظ المال كالمساجد والطرق والصحراء (١) . ويرى أبو حنيفة أن ما يعتبر حرزاً بنفسه لا يشترط فيه وجود الحافظ لصيرورته حرزاً ولو وجد فلا عبرة لوجوده بل هو والعدم سواء, ذلك أن كل واحد من الحرزين معتبر بنفسه على حياله بدون صاحبه فإذا سرق شخص من حرز بالمكان قطع سواء أكان ثمة حافظ أو لا وسواء كان الحرز له باب مغلق أو لا باب له, وإذا سرق من حرز بغير قطع إذا كان الحافظ قريباً منه بحيث يراه سواء كان الحافظ نائماً أم مستيقظاً لأنه يقصد الحفظ فى الحالين, ويرتب أبو حنيفة على اعتبار كل حرز بنفسه نتيجة هامة هى أن الحرز بالمكان إذا اختل - وهو لا يختل عنده إلا بالإذن للسارق فى دخول الحرز - فلا يمكن اعتباره حرزاً بالحافظ ولو كان بالحرز حافظ فعلاً (٢) . أما الأئمة الثلاثة فلا يرون اعتبار كل حرز بنفسه, ويجوز عندهم أن يكون

стр. 1332

الحرز فى وقت واحد حرزاً بالمكان وفيه حافظ فإذا اختل الحرز بالمكان كان حرزاً بالحافظ, ومثل ذلك أن يؤذن لشخص بدخول بيت فيسرق أمتعته عليه حافظ, فيقطع لأن مكان السرقة وإن لم يكن حرزاً بنفسه فهو حرز بالحافظ (١) . على أننا يجب أن نلاحظ أن الأئمة الثلاثة لا يتفقون على ما يخل بحرز المكان, فمالك يرى أن حرز المكان لا يختل إلا بالإذن للسارق بدخول الحرز, وهو رأى أبى حنيفة (٢) . والظاهر أن الشيعة الزيدية ترى رأى الشافعى وأحمد فى أن الحرز يبطل بفتح الباب وبالنقب وبالإذن (٣) . أما الشافعى وأحمد فيريان أن الإذن بالدخول والنقب وفتح الباب كل منها يخل بحرز المكان ويجعله غير حرز ما لم يكن حافظ فإنه يكون حرزاً بالحافظ (٤) . ويرى مالك وأبو حنيفة أن المكان يعتبر محرزاً بالحافظ كلما كان الشىء المسروق واقعاً تحت بصر الحافظ, ويستوى أن يكون الحافظ مستيقظاً أو نائماً لأنه وجد للحفظ ويقصده فى الحالين (٥) , ولأن النائم عند متاعه يعتبر حافظاً له فى العادة, ويشترط المالكية أن يكون الحافظ مميزاً فإن كان صغيراً أو مجنوناً فلا يعتبر وجوده ولا يكون الشىء محرزاً, ولا يشترط الحنفية هذا الشرط, ويستثنى المالكيون والحنفيون من هذه القاعدة سرقة الغنم فى المراعى فلا قطع على سارقها لتشتت الغنم وصعوبة حفظها أثناء الرعى على رأى المالكية, ولأن

стр. 1333

الراعى لا يقصد الحفظ وإنما يقصد الرعى على رأى الحنفية (١) . ومذهب الشيعة قريب من مذهب الحنفية, فهم على الرأى الراجح يعتبرون المكان محرزاً بالحافظ إذا كان ثمة حافظ سواء كان متيقظاً أو نائماً وإن كان بعضهم يشترط أن يكون يقظان (٢) . أما الشافعى فيعتبر المكان محرزاً بالحافظ كلما كان الحافظ ممن يبالى به لقوته أو لاستغاثته بغيره بحيث إذا استغاث أسمع، ويشترط فى الحافظ أن يكون مع المتاع الذى يحفظه وأن يديم ملاحظته, والمراد من إدامة الملاحظة أن لا يشتغل عنه بنوم ولا غيره مما يشغله عن الملاحظة, والمقصود الإدامة المتعارفة, فالفترات العارضة أثناء الملاحظة لا تقدح فى الإحراز على المشهور للعرف فإذا تغفل فسرق قطع فى الأصح, والمقصود من القرب أن يقع المسروق تحت بصر الملاحظ وأن يكون الشىء بحيث ينسب للملاحظ وأن يكون الملاحظ بحيث يراه السارق حتى يمتنع عن السرقة إلا بتغفله, فإن كان فى موضع لا يراه السارق اعتبر المسروق غير محرز. وإذا كان الحارس ممن لا يبالى به لعدم قوته أو لعدم استغاثته كأن يكون فى صحراء فلا يسمع صوته أحد فلا يعتبر الشىء محرزاً, وإذا نام الحارس فلا يعتبر الشىء محرزاً إلا إذا كان يلبس الشىء المسروق كحذاء مثلاً أو عمامة, أو يتوسده كجلباب أو فراش, أو يتكئ عليه, أو يلتف فيه. وإذا كان هناك زحام يمنع من وقوع بصر الحارس على الشىء باستمرار وفى أى وقت شاء اعتبر الشىء غير محرز (٣) . ويعتبر أحمد المكان محرزاً بالحافظ كلما وجد فيه حافظ أياً كان صغيراً أو كبيراً ضعيفاً أو قوياً, ولا يشترط فى الحافظ إلا عدم التفريط كأن ينام أو يشتغل عن الملاحظة, ويجب أن يكون بحيث يقع بصره على الشىء فإذا فرط فى

стр. 1334

الملاحظة فلا حرز, وكذلك إذا نام ما لم يكن متوسداً الشىء أو متكئاً عليه أو يلتف فيه أو يلبسه (١) . ويرى الشافعى وأحمد أن الدور المنفردة عن العمران والدور التى فى البساتين والطرق والصحراء لا تعتبر حرزاً بنفسها ولو كانت حصينة, وإنما تعتبر حرزاً بالحافظ إذا كان فيها أهلها أو حافظ ملاحظ سواء كانت مغلقة أو مفتوحة فإن لم يكن بها حافظ فليست حرزاً ولو كانت مغلقة, فإن كان بها حافظ نائم وهى مغلقة فهى حرز بالحافظ وإن كانت مفتوحة ليست حرزاً (٢) . وما يقال عن الدور ينطبق على كل الأمكنة المعدة لحفظ المال الخارجة عن العمران كالاصطبلات وحظائر المواشى والأغنام والأجران, فإنها لا تعتبر حرزاً بالمكان وإنما تعتبر حرزاً بالحافظ (٣) . ولقد قلنا من قبل أن الشافعى وأحمد يشترطان فى الحرز بنفسه أن يكون معداً لحفظ المال دون حائط فى العادة, ويترتب على هذا التعريف أنهما يعتبران الخيام والمضارب وما أشبه أحرازاً بالحافظ لا بنفسها, وحجتهما أن العادة جرت بأن تحرز هذه الأشياء بالحافظ, وعلى هذا فإذا نصبت الخيمة وكان فيها حافظ نائم فهى محرزة به, فإن لم يكن فيها نائم وكان فى خارجها من يلاحظها فهى محرزة, وإن لم يكن فيها ولا عندها حافظ فسرق منها شىء فقد سرق من غير حرز, وهذا هو الحكم سواء ضربت الخيمة بين المساكن أو فى مكان بعيد عن العمران (٤) . أما مالك وأبو حنيفة فيعتبران الخيام أحرازاً بنفسها, فإذا ضربت الخيمة فسرق منها شىء ففيه القطع سواء كان هناك حارس أم لم يكن (٥) .

стр. 1335

وعند الشيعة الزيدية أن الخيام تعتبر حرزاً بنفسها ما دامت مغطاة تحجب ما بداخلها فإذا كانت سماوية وهى التى لا سجاف لها ولا تحجب ما بداخلها فلا يكون حرزاً إلا بالحافظ (١) . وما يراه الفقهاء فى اعتبار المكان حرزاً لنفسه ولو لم يكن به حافظ يتفق مع ما جاء به القانون المصرى من التشديد فى السرقة من البيوت المسكونة أو المعدة للسكن، فقد شددت العقوبة للسرقة من هذه الأمكنة سواء كان فيها حافظ أم لا, كذلك يتفق القانون المصرى مع ما يراه مالك وأبو حنيفة من أن الحرز لا يختل بفتح الباب أو النقب وإنما يختل بالإذن بدخول الحرز. فلو سرق شخص من بيت منقوب أو مفتوح الباب فقد سرق من بيت مسكون أو معد للسكن, ولكنه لو سرق من مسكن أذن له بدخوله فلا يعتبر التشديد فى هذه الحالة. وما يراه الشافعى وأحمد فى البيوت البعيدة عن العمران يقترب مما جاء به القانون المصرى عن البيوت والمحلات العامة فإنها لا تعتبر من المساكن إلا إذا كان يبيت بها أحد. ويختلف الفقهاء القائلون بالحرز فى حكم سرقة نفس الحرز, فيرى أبو حنيفة فى حالة سرقة الحرز بالمكان أن سارق الحرز أو بعضه لا يقطع لأن السرقة تقتضى الإخراج من الحرز ونفس الحرز ليس فى الحرز فلا إخراج, فمن سرق باب الدار أو حجارة من حائطها لا يسرق من حرز ولو أنه يسرق نفس الحرز, ومن يسرق فسطاطاً مضروباً وهو حرز بنفسه عند أبى حنيفة لا يقطع لأنه سرق نفس الحرز ولم يسرق من الحرز, بعكس ما لو كان الفسطاط غير مضروب وبجواره شخص يحرسه فإن القطع يجب فيه لأن السرقة تكون من حرز بالحافظ (٢) . أما الأئمة الثلاثة فيرون قطع منم سرق كل الحرز أو بعضه لأن نفس الحرز يعتبر محرزاً بإقامته, فالحائط محرز ببنائه، والباب محرز بتثبيته, والفسطاط وهو
следующие страницы →