← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فمن تعطلت سيارته فى الطريق العام فتركها بلا حافظ عندها فهى فى غير حرز, وإن ترك عندها ما يحفظها فهى فى مكان محرز بالحافظ. والمسجد ليس مكاناً معداً لحفظ المال ولا يتوقف الدخول فيه على إذن ما فلا يعتبر حرزاً بنفسه إلا فيما يتعلق بالأشياء اللازمة له كالحصر والقناديل وما أشبه, فمن دخل للصلاة ومعه متاع فوضعه بجواره فإن المتاع يكون محرزاً بالحافظ فإذا تركه فى المسجد فسرق فلا قطع فيه لأن المسجد ليس حرزاً بنفسه ولأن الحافظ لم يكن موجوداً وقت السرقة فلم يكن المتاع محرزاً, أما إذا سرق المتاع فى حالة وجود الحافظ فالقطع واجب فى السرقة إذا توفرت أركانها. ومن الأمثلة على ذلك حادثة صفوان فقد كان نائماً فى المسجد يتوسد رداءه فسرقه سارق فقطع الرسول يده. أما مالك والشافعى وأحمد فيرون أن الحرز بالحافظ هو كل مكان محرز بالحافظ سواء كان معداً لإحراز المال كالبيوت أو غير معد لحفظ المال كالمساجد والطرق والصحراء (١) . ويرى أبو حنيفة أن ما يعتبر حرزاً بنفسه لا يشترط فيه وجود الحافظ لصيرورته حرزاً ولو وجد فلا عبرة لوجوده بل هو والعدم سواء, ذلك أن كل واحد من الحرزين معتبر بنفسه على حياله بدون صاحبه فإذا سرق شخص من حرز بالمكان قطع سواء أكان ثمة حافظ أو لا وسواء كان الحرز له باب مغلق أو لا باب له, وإذا سرق من حرز بغير قطع إذا كان الحافظ قريباً منه بحيث يراه سواء كان الحافظ نائماً أم مستيقظاً لأنه يقصد الحفظ فى الحالين, ويرتب أبو حنيفة على اعتبار كل حرز بنفسه نتيجة هامة هى أن الحرز بالمكان إذا اختل - وهو لا يختل عنده إلا بالإذن للسارق فى دخول الحرز - فلا يمكن اعتباره حرزاً بالحافظ ولو كان بالحرز حافظ فعلاً (٢) . أما الأئمة الثلاثة فلا يرون اعتبار كل حرز بنفسه, ويجوز عندهم أن يكون

стр. 1332

الحرز فى وقت واحد حرزاً بالمكان وفيه حافظ فإذا اختل الحرز بالمكان كان حرزاً بالحافظ, ومثل ذلك أن يؤذن لشخص بدخول بيت فيسرق أمتعته عليه حافظ, فيقطع لأن مكان السرقة وإن لم يكن حرزاً بنفسه فهو حرز بالحافظ (١) . على أننا يجب أن نلاحظ أن الأئمة الثلاثة لا يتفقون على ما يخل بحرز المكان, فمالك يرى أن حرز المكان لا يختل إلا بالإذن للسارق بدخول الحرز, وهو رأى أبى حنيفة (٢) . والظاهر أن الشيعة الزيدية ترى رأى الشافعى وأحمد فى أن الحرز يبطل بفتح الباب وبالنقب وبالإذن (٣) . أما الشافعى وأحمد فيريان أن الإذن بالدخول والنقب وفتح الباب كل منها يخل بحرز المكان ويجعله غير حرز ما لم يكن حافظ فإنه يكون حرزاً بالحافظ (٤) . ويرى مالك وأبو حنيفة أن المكان يعتبر محرزاً بالحافظ كلما كان الشىء المسروق واقعاً تحت بصر الحافظ, ويستوى أن يكون الحافظ مستيقظاً أو نائماً لأنه وجد للحفظ ويقصده فى الحالين (٥) , ولأن النائم عند متاعه يعتبر حافظاً له فى العادة, ويشترط المالكية أن يكون الحافظ مميزاً فإن كان صغيراً أو مجنوناً فلا يعتبر وجوده ولا يكون الشىء محرزاً, ولا يشترط الحنفية هذا الشرط, ويستثنى المالكيون والحنفيون من هذه القاعدة سرقة الغنم فى المراعى فلا قطع على سارقها لتشتت الغنم وصعوبة حفظها أثناء الرعى على رأى المالكية, ولأن

стр. 1333

الراعى لا يقصد الحفظ وإنما يقصد الرعى على رأى الحنفية (١) . ومذهب الشيعة قريب من مذهب الحنفية, فهم على الرأى الراجح يعتبرون المكان محرزاً بالحافظ إذا كان ثمة حافظ سواء كان متيقظاً أو نائماً وإن كان بعضهم يشترط أن يكون يقظان (٢) . أما الشافعى فيعتبر المكان محرزاً بالحافظ كلما كان الحافظ ممن يبالى به لقوته أو لاستغاثته بغيره بحيث إذا استغاث أسمع، ويشترط فى الحافظ أن يكون مع المتاع الذى يحفظه وأن يديم ملاحظته, والمراد من إدامة الملاحظة أن لا يشتغل عنه بنوم ولا غيره مما يشغله عن الملاحظة, والمقصود الإدامة المتعارفة, فالفترات العارضة أثناء الملاحظة لا تقدح فى الإحراز على المشهور للعرف فإذا تغفل فسرق قطع فى الأصح, والمقصود من القرب أن يقع المسروق تحت بصر الملاحظ وأن يكون الشىء بحيث ينسب للملاحظ وأن يكون الملاحظ بحيث يراه السارق حتى يمتنع عن السرقة إلا بتغفله, فإن كان فى موضع لا يراه السارق اعتبر المسروق غير محرز. وإذا كان الحارس ممن لا يبالى به لعدم قوته أو لعدم استغاثته كأن يكون فى صحراء فلا يسمع صوته أحد فلا يعتبر الشىء محرزاً, وإذا نام الحارس فلا يعتبر الشىء محرزاً إلا إذا كان يلبس الشىء المسروق كحذاء مثلاً أو عمامة, أو يتوسده كجلباب أو فراش, أو يتكئ عليه, أو يلتف فيه. وإذا كان هناك زحام يمنع من وقوع بصر الحارس على الشىء باستمرار وفى أى وقت شاء اعتبر الشىء غير محرز (٣) . ويعتبر أحمد المكان محرزاً بالحافظ كلما وجد فيه حافظ أياً كان صغيراً أو كبيراً ضعيفاً أو قوياً, ولا يشترط فى الحافظ إلا عدم التفريط كأن ينام أو يشتغل عن الملاحظة, ويجب أن يكون بحيث يقع بصره على الشىء فإذا فرط فى

стр. 1334

الملاحظة فلا حرز, وكذلك إذا نام ما لم يكن متوسداً الشىء أو متكئاً عليه أو يلتف فيه أو يلبسه (١) . ويرى الشافعى وأحمد أن الدور المنفردة عن العمران والدور التى فى البساتين والطرق والصحراء لا تعتبر حرزاً بنفسها ولو كانت حصينة, وإنما تعتبر حرزاً بالحافظ إذا كان فيها أهلها أو حافظ ملاحظ سواء كانت مغلقة أو مفتوحة فإن لم يكن بها حافظ فليست حرزاً ولو كانت مغلقة, فإن كان بها حافظ نائم وهى مغلقة فهى حرز بالحافظ وإن كانت مفتوحة ليست حرزاً (٢) . وما يقال عن الدور ينطبق على كل الأمكنة المعدة لحفظ المال الخارجة عن العمران كالاصطبلات وحظائر المواشى والأغنام والأجران, فإنها لا تعتبر حرزاً بالمكان وإنما تعتبر حرزاً بالحافظ (٣) . ولقد قلنا من قبل أن الشافعى وأحمد يشترطان فى الحرز بنفسه أن يكون معداً لحفظ المال دون حائط فى العادة, ويترتب على هذا التعريف أنهما يعتبران الخيام والمضارب وما أشبه أحرازاً بالحافظ لا بنفسها, وحجتهما أن العادة جرت بأن تحرز هذه الأشياء بالحافظ, وعلى هذا فإذا نصبت الخيمة وكان فيها حافظ نائم فهى محرزة به, فإن لم يكن فيها نائم وكان فى خارجها من يلاحظها فهى محرزة, وإن لم يكن فيها ولا عندها حافظ فسرق منها شىء فقد سرق من غير حرز, وهذا هو الحكم سواء ضربت الخيمة بين المساكن أو فى مكان بعيد عن العمران (٤) . أما مالك وأبو حنيفة فيعتبران الخيام أحرازاً بنفسها, فإذا ضربت الخيمة فسرق منها شىء ففيه القطع سواء كان هناك حارس أم لم يكن (٥) .

стр. 1335

وعند الشيعة الزيدية أن الخيام تعتبر حرزاً بنفسها ما دامت مغطاة تحجب ما بداخلها فإذا كانت سماوية وهى التى لا سجاف لها ولا تحجب ما بداخلها فلا يكون حرزاً إلا بالحافظ (١) . وما يراه الفقهاء فى اعتبار المكان حرزاً لنفسه ولو لم يكن به حافظ يتفق مع ما جاء به القانون المصرى من التشديد فى السرقة من البيوت المسكونة أو المعدة للسكن، فقد شددت العقوبة للسرقة من هذه الأمكنة سواء كان فيها حافظ أم لا, كذلك يتفق القانون المصرى مع ما يراه مالك وأبو حنيفة من أن الحرز لا يختل بفتح الباب أو النقب وإنما يختل بالإذن بدخول الحرز. فلو سرق شخص من بيت منقوب أو مفتوح الباب فقد سرق من بيت مسكون أو معد للسكن, ولكنه لو سرق من مسكن أذن له بدخوله فلا يعتبر التشديد فى هذه الحالة. وما يراه الشافعى وأحمد فى البيوت البعيدة عن العمران يقترب مما جاء به القانون المصرى عن البيوت والمحلات العامة فإنها لا تعتبر من المساكن إلا إذا كان يبيت بها أحد. ويختلف الفقهاء القائلون بالحرز فى حكم سرقة نفس الحرز, فيرى أبو حنيفة فى حالة سرقة الحرز بالمكان أن سارق الحرز أو بعضه لا يقطع لأن السرقة تقتضى الإخراج من الحرز ونفس الحرز ليس فى الحرز فلا إخراج, فمن سرق باب الدار أو حجارة من حائطها لا يسرق من حرز ولو أنه يسرق نفس الحرز, ومن يسرق فسطاطاً مضروباً وهو حرز بنفسه عند أبى حنيفة لا يقطع لأنه سرق نفس الحرز ولم يسرق من الحرز, بعكس ما لو كان الفسطاط غير مضروب وبجواره شخص يحرسه فإن القطع يجب فيه لأن السرقة تكون من حرز بالحافظ (٢) . أما الأئمة الثلاثة فيرون قطع منم سرق كل الحرز أو بعضه لأن نفس الحرز يعتبر محرزاً بإقامته, فالحائط محرز ببنائه، والباب محرز بتثبيته, والفسطاط وهو

стр. 1336

حرز بنفسه عند مالك يحرز بإقامته, فمن سرق حجارة من الحائط أو سرق باب منزل أو سرق الفسطاط المنصوب قطع فى سرقته (١) . أما إذا كان المال محرزاً بالحافظ فأخذ الحافظ ومعه المال كسرقة جمل نام عليه راكبه فلا قطع فيها عند الجميع لأن يد الحافظ لم تزل عن الجمل, فإذا استيقظ الحافظ بعد ذلك فالفعل اختلاس إذا أزيلت يده عن الجمل, ويعلل أبو حنيفة المسألة بتعليل آخر وهو أن الجمل محرز بالحافظ فإذا أخذا جميعاً فهو كما لو سرق أجزاء الحرز (٢) . أما إذا أنزل النائم عن الجمل فلم يستيقظ وأخذ الجمل فهى سرقة يقطع فيها عند أبى حنيفة ومالك وأحمد, ولكن الشافعيين اختلفوا فى هذه فرأى بعضهم القطع ولم يره البعض الآخر مع أن تطبيق قواعدهم يقتضى القول بالقطع (٣) . ومذهب الشيعة الزيدية يتفق مع مذهب أبى حنيفة فى هذه المسألة فهم يرون من سرق نفس الحرز لا يقطع لأنه محرز به على غيره وليس هو فى ذاته محرزاً, فمن سرق الباب لا يقطع فيه إلا إذا كان مكللاً أى مركباً من داخل بحيث يصير داخل الحرز, فإذا سرق فقد سرق من الحرز (٤) . والقائلون بالحرز متفقون على أن الحرز يبطل بالإذن بدخوله, وأن هذا الإذن قد يكون صريحاً وقد يكون ضمنياً, إلا أنهم اختلفوا فيما يعتبر إذناً وما لا يعتبر إذناً وفيما يبطل من الحرز وما لا يبطل. هذه هى آراء الفقهاء فى الحرز واختلافاتهم, ويمكننا أن نستظهر آراء الفقهاء ومدى اختلاف آرائهم فى التطبيقات الآتية: إذا كان لإنسان منزل فى وسط العمران فأذن لآخر بدخول هذا المنزل فسرق منه شيئاً, فيرى أبو حنيفة أن لا قطع ولو كان فى الدار حافظ يحفظ الشىء

стр. 1337

المسروق أو كان صاحب المنزل يتوسد المسروق أو ينام عليه؛ لأن الدار حرز بنفسها فلا تكون حرزاً بالحافظ وقد خرج من أن يكون حرزاً بالإذن للسارق بدخولها فالأخذ من غير حرز ولا قطع فيه (١) . ويرى مالك أن الإذن يخرج الدار من أن تكون حرزاً بنفسها ولكنها حرزاً بالحافظ إذا كان هناك حافظ, وإذن فالسرقة من حرز بالحافظ وفيها قطع, ويستوى أن يكون الحافظ للشىء المسروق نائماً أو متيقظاً ما دام الشىء واقعاً تحت بصره (٢) . ويرى الشافعى وأحمد ما يراه مالك من أن الدار تكون حرزاً بالحافظ إذا كان هناك حافظ للشىء المسروق بشرط دوام الملاحظة, على ما بينا فيما سبق, فإن نام الحافظ فلا يعتبر حافظاً للشىء إلا إذا توسد الشىء أو التف به أو لبسه (٣) . ورأى الشيعة الزيدية يتفق مع رأى مالك وإن كان بعضهم يرى رأى الشافعى وأحمد (٤) , ولا خلاف بين القائلين بأن الحرز يكون حرزاً بالحافظ فى أنه لو كان الشىء المسروق بعيداً عن الحافظ ولا يقع بصره عليه فإن السرقة تكون من غير حرز, حيث إن الدار خرجت بالإذن من أن تكون حرزاً بنفسها، ولأن الشىء المسروق لم يكن محرزاً بحافظ, ويمكننا أن نقيس على المثل السابق كل حرز آخر مما يعتبر حرزاً بنفسه. وإذا أذن إنسان لآخر بدخول منزله البعيد عن العمران, فالحكم عند أبى حنيفة لا يختلف عن الحالة السابقة لأن البيت حرز بنفسه ولا فرق عند أبى حنيفة بين أن يكون داخل العمران أو خارجه, ولأن الحرز يبطل بالإذن عند أبى حنيفة ولو كان فيه حافظ ولأن وجود الحافظ فى حرز بنفسه لا اعتبار

стр. 1338

له. والحكم عند مالك لا يختلف عن الحالة السابقة لأنه لا يفرق بين المنازل الداخلة فى العمران والخارجة عنه, فالبيت حرز بنفسه فى كل حال, وإذا بطل الحرز بالإذن فهو حرز بالحافظ كلما وجد الحافظ. أما عند الشافعى وأحمد فالبيت لا يعتبر أصلاً حرزاً بنفسه لبعده عن العمران, فالإذن بدخوله كعدم الإذن لا أثر له, ولا يقطع فى السرقة من مثل هذا البيت إلا إذا كان ثمة حافظ على التفصيل الذى سبق بيانه عندما تعرضنا للحافظ وللبيوت الخارجة عن العمران. والخلاصة أن البيت البعيد عن العمران لا يعتبر عند الشافعى وأحمد حرزاً بنفسه بأى حال وإنما يعتبر حرزاً بالحافظ إذا وجد الحافظ (١) . ورأى الشيعة الزيدية فى هذه المسألة يتفق مع رأيهم فى مسألة السابقة لأنهم لا يفرقون بين ما دخل فى العمران وما خرج عنه, وإذا أذن للسارق إذناً خاصاً فى دخول الدار الكائنة فى العمران وكان فيها غرف مقفلة أو خزائن مغلقة فسرق من هذه الغرف المقفلة أو من الخزائن, فيرى أبو حنيفة أن لا قطع على السارق ما دام المكان المسروق منه جزءاً من الدار المأذون فى دخولها لأن الدار الواحدة حرز واحد, والإذن بدخول بعض الحرز هو إذن بالدخول فى الحرز, فإذا سرق من مكان مغلق فقد سرق من مكان مأذون له فى دخوله وقد بطل بالإذن أن يكون حرزاً فالسرقة من غير حرز ولو كان هناك حافظ (٢) , ورأى الشيعة الزيدية يتفق مع رأى أبى حنيفة (٣) إلا إذا كان حافظ فيجب القطع. وفى مذهب مالك رأيان: أحدهما يرى عدم القطع لأن الإذن يبطل الحرز, والثانى يرى القطع, على أن أصحاب الرأى الأول يرون القطع إذا كان ثمة حافظ (٤) .

стр. 1339

أما الشافعى وأحمد فيريان قطع السارق ولو لم يكن هناك حافظ لأن الإذن لا يبطل الحرز فيما هو مغلق ولم يصرح للسارق بدخوله, وعلى هذا فإن الإذن إذا أبطل بعض الحرز فإنه لا يبطل البعض الآخر. ويفرق أحمد فى حالة حصول السرقة من ضيف بينما إذا كان المضيف قد منع قراه أم لا, فإن كان قد منعه قراه فسرقه بقدره فلا قطع عليه وإن لم يمنعه قراه فعليه القطع (١) . ومذهب الشيعة الزيدية كمذهب مالك والشافعي (٢) . أما إذ كانت الدار خارج العمران فلا يختلف الحكم عند أبى حنيفة ومالك والشيعة الزيدية. أما عند الشافعى وأحمد فلا يقطع السارق إلا إذا كان هناك حافظ لأن الدار لا تعتبر عندهما حرزاً بنفسها وإنما تعتبر حرزاً بالحافظ, وإذا كان المكان المسروق منه معداً لحفظ المال ومما يؤذن للناس بدخوله إذناً عاماً كبيت طبيب يقابل فيه مرضاه أو عالم يحضر فيه الجمهور فسرق السارق من مكان محجور عن العامة وغير مسموح بدخوله فالحكم على التفصيل السابق بيانه فى البيوت المأذون بدخولها إذناً خاصاً. إلا أنهم فى مذهب مالك يرون رأياً واحداً دون خلاف وهو قطع السارق ولو لم يكن حافظ, وينبغى أن نعلم أن ذلك هو حكم السرقة الحاصلة فى وقت الإذن فإن حصلت فى وقت غير مأذون فيه بالدخول فعقوبتها القطع حتى عند أبى حنيفة (٣) . والمحلات العامة التجارية والمحلات المعدة لحفظ المال كالمحلات التجارية والفنادق والمطاعم وما أشبه, إذا سرق منها أثناء العمل فيها أى أثناء الإذن بالدخول فلا قطع فى السرقة فى رأى أبى حنيفة ولو كان على المسروقات حارس, أما إذا كانت السرقة فى وقت غير مأذون فيه بالدخول كأن كانت بعد غلق المحل أو فى الليل ففيها القطع (٤) . ويرى مالك والشافعى وأحمد القطع إذا كانت السرقة فى وقت

стр. 1340

الإذن وكان ثمة حافظ فإذا لم يكن حافظ فلا قطع إلا إذا حصلت فى غير وقت الإذن, ويرى مالك والشافعى القطع فيما يسرق من أفنية المحلات التجارية وقت الإذن ولو لم يكن عليها حافظ خاص لأنها تحفظ عادة بأعين الجيران وملاحظتهم فتعتبر محرزة بالحافظ (١) . ويعتبر الفقهاء الحمام من المحلات المعدة لحفظ المال فهو حرز بنفسه فإذا سرق منه وقت الإذن بالدخول فلا قطع من السرقة ولو كان هناك حافظ على رأى أبى حنيفة, وفى السرقة القطع إذا كان هناك ثمة حافظ على رأى الشافعى وأحمد, أما مالك فيرى القطع إذا دخل السارق وقت الإذن إذا دخل بقصد السرقة ولو لم يكن هناك حافظ, فإن لم يقصد السرقة ثم سرق قطع إذا كان ثمة حارس (٢) . وإذا كان المحل غير معد لحفظ المال كالمساجد فيرى أبو حنيفة أنه حرز بالحافظ ولا يكون حرزاً بنفسه حتى فيما يلزم بالضرورة لأداء الغرض الذى أنشئ من أجله المحل, فحصر المسجد وقناديله وما فيه من ثريات كهربائية أو ستائر أو بُسُط أو مصاحف كل ذلك إذا سرق فلا قطع فيه إلا إذا كان ثمة حافظ لأن المسجد لم يعد أصلاً لحفظ المال, وإذا دخل أحد المصلين المسجد وترك أمتعته دون ملاحظة فلا قطع فى سرقتها لأنها سرقت من غير حرز, أما إذا كان يلاحظها فسرقت منه ففى السرقة القطع لأأن السرقة من حرز بالحارس, ولقد حاول بعض الحنفيين أن يعلل عدم القطع فى سرقة أدوات المسجد بأنها مال موقوف لا مالك له, ولكن الرأى الراجح أن عدم القطع راجع لانعدام الحرز (٣) .

стр. 1341

ويرى مالك أن المسجد فى أصله ليس حرزاً بنفسه ولكن بناء المسجد نفسه وأدواته المعدة للاستعمال فيه كالحصر والبسط والقناديل كل ذلك يعتبر حرزاً بنفسه, فالحائط يعتبر حرزاً بنفسه, وسقف المسجد حرزاً بنفسه, وقناديله محرزة بنفسها؛ وهكذا, فمن سرق من بناء المسجد أو أدواته المعدة للاستعمال فيه فقد سرق من حرز بنفسه. ولا يشترط أن يخرج بما سرق من باب المسجد بل يكفى أن يزيل الشىء عن مكانه؛ لأن كل شىء يعتبر حرزاً مستقلاً بنفسه, فإذا أزال البساط عن مكانه تمت السرقة دون حاجة لأن يخرج به من الباب, وإذا أزال خشبة من السقف تمت السرقة دون حاجة للخروج من الباب, وهكذا. أما الأموال التى توضع فى المسجد بصفة مؤقتة كملابس المصلين وأحذيتهم وحصير أو سجاد يحضرها أحد المصلين ليصلى عليها هو أو غيره فسرقة هذه وأمثالها لا قطع فيها لأن المسجد لم يعدّ لحفظ المال أصلاً, لكن إذا كان عليها حارس يلاحظها ففيها القطع لأن السرقة تحدث من حرز بالحافظ (١) . ويفرق بعض المالكية فى أدوات المسجد بين المثبت والمسمر منها والمشدود بعضه إلى بعض كالقناديل المسمرة المشدودة بالسلاسل والبلاط المثبت والحصر المسمرة أو المخيط بعضها فى بعض- فهذه فى سرقتها القطع, أما غير المثبت فلا قطع فيه. وعند الشافعى أن المسجد فى أصله ليس حرزاً بنفسه (٢) ولكنه يعتبر حرزاً بنفسه فيما جعل لعمارته كالبناء والسقف ولتحصينه كالأبواب والشبابيك ولزينته كالستائر والقناديل المعدة للزينة، فمن سرق شيئاً مجعولاً للعمارة أو التحصين أو الزينة فقد سرقه من حرز بالمكان. أما ما أعد لانتفاع الناس به كالحصر والبسط والمصاحف والقناديل المعدة للإضاءة فلا قطع فيها ولو كان هناك حافظ ولو أن السرقة من حرز بالحافظ؛ لأن هذه المسروقات جعلت للانتفاع العام وحق السارق فى الانتفاع بها شبهة تدرأ الحد.

стр. 1342

هذا إذا كان السارق له حق الانتفاع فإذا لم يكن له حق الانتفاع كذمى مثلاً أو كان المسجد خاصاً لطائفة معينة فالقطع على السارق, وكذلك يقطع السارق بسرقة أمتعة المصلين إذا كان ثمة حافظ لأن السرقة من حزر بالحافظ (١) . وفى مذهب أحمد رأيان فى السرقة من المسجد أحدهما يتفق مع مذهب الشافعى والثانى يتفق مع مذهب أبى حنيفة (٢) . وحجة أصحاب الرأى الثانى أن المسجد لا مالك له من المخلوقين وأنه معد للانتفاع العام فكان الانتفاع شبهة تدرأ الحد سواء اعتبرت السرقة من حرز بنفسه أو حرز بالحافظ. وعند الشيعة الزيدية أن المسجد يعتبر حرزاً بنفسه لكل أدواته سواء كانت لعمارته أو تحصينه أو تزيينه أو منفعته وليس حرزاً فيما عدا ذلك إلا بالحافظ, فخادم المسجد إذا سرق متاعه فهو مسروق من غير حرز ما لم يكن حافظ, والمصلى إذا سرق متاعه فكذلك (٣) . ولا يقر الظاهريون الحرز ولذلك فهم يوجبون قطع من سرق من مسجد باباً كان مغلقاً أو غير مغلق أو حصيراً أو قنديلاً أو شيئاً وضعه صاحبه هنالك ونسيه كان صاحبه معه أو لم يكن (٤) . وحكم المعابد والكنائس كحكم المساجد (٥) , ويقاس عليها كل مكان لم يعد لحفظ المال كالكتاتيب والمدارس فيما عدا الأقسام الداخلية لأنها تعد لحفظ المال, وكذلك المقاهى وما أشبه. وينبغى أن نلاحظ أن الشافعى وأحمد يفرقان بين المحلات الكائنة فى العمران وما هو كائن خارج العمران, وتطبيق هذه القاعدة على المساجد يقتضى القول بأنه لا قطع فى بناء المسجد ولا ما أعد لتحصينه أو عمارته أو زينته إذا كان المسجد خارج العمران إلا إذا كان ثمة حارس على ما سرق من المسجد (٦) .

стр. 1343

وإذا كان رجل فى الفلاة أو فى الطريق ومعه حقيبة أو غرارة بها أمتعته أو كان معه سيارة تعطلت أو دابة أو أى شىء آخر وجلس عندها يحفظها فسرقت منه, فالعقوبة قطع السارق عند مالك وأبى حنيفة سواء وقعت السرقة والحافظ نائم أو متيقظ بشرط أن يغافله السارق ويسرق الشىء دون أن يراه؛ فإن رأى السارق وهو يسرق فالفعل اختلاس لا سرقة لأن الأخذ لم يكن خفية ولا قطع فى الاختلاس, أما الشافعى فيرى قطع السارق إذا كان الحافظ متيقظاً فإن نام فلا قطع إلا إذا توسد الغرارة أو نام فوقها (١) . وإذا سرق الجانى فسطاطاً ملفوقاً وضعه المجنى عليه فى الطريق أو الفلاة وبقى عنده يحفظه فالحكم ما سبق, فإن تركه وحده دون حارس فسرق فالسرقة لا قطع فيها باتفاق لأنها سرقة من غير حرز. وإذا ضرب الفسطاط ووضعت بداخله أمتعة فسرق منها شىء فيرى مالك وأبو حنيفة القطع فى السرقة لأن الفسطاط حرز بنفسه فإذا سرق منه شىء فهى سرقة من حرز يقطع فيها ولو لم يكن هناك حافظ, أما الشافعى وأحمد فلا يريان القطع إلا إذا كان على الفسطاط حافظ لأنه ليس حرزاً بنفسه فى رأيهما (٢) . وإذا سرق السارق نفس الفسطاط المضروب فلا قطع عليه عند أبى حنيفة لأنه سرق نفس الحرز, وسرقة الحرز عنده لا قطع فيها, وعلى السارق القطع عند مالك لأن الحرز محرز بإقامته, أما الشافعى وأحمد فيريان القطع فى سرقة الحرز كمالك ولكنهما يشترطان فى سرقة الفسطاط نفسه أن يكون هناك حافظ لأنهما لا يعتبرانه حرزاً بنفسه كما يعتبره مالك وأبو حنيفة. ومن هذا القبيل سرقة باب الدار وبعض أجزاء حائطها, فيرى أبو حنيفة

стр. 1344

أن الباب إذا كان مركباً فهو جزء من الحرز كالحائط, فإذا سرق الباب أو بعض الحائط سارق فقد سرق نفس الحرز ونفس الحرز ليس فى الحرز فكأنه سرق من غير حرز ولا قطع فى سرقته. أما إذا كان الباب غير مركب وموضوعاً داخل الحرز فإن سرقته تكون من حرز وفيه القطع, وكذلك الحال فى بعض أجزاء الحائط لو كانت داخل الحرز بغض النظر عما إذا كان الباب مفتوحاً أو الحائط منقوباً لأن فتح الباب والنقب لا يبطل الحرز فى رأى أبى حنيفة. أما الأئمة الثلاثة فيرون أن سرقة الباب وبعض أجزاء الحائط سرقة من حرز يقطع فيه لأنها تعتبر محرزة بإقامتها وتثبيتها, فالحائط محرز بإقامته والباب محرز بتركيبه وحلقة الباب محرزة بتسميرها وهكذا. أما إذا كان الباب مخلوعاً وموجوداً داخل الحرز وكذلك بعض أجزاء الحائط ففيها القطع أيضاً عند مالك لأن الحرز لا يبطل عنده بالنقب وفتح الباب, أما عند الشافعى وأحمد فلا قطع إذا لم يكن هناك باب أو كان هناك باب وكان هناك نقب أو هدم فى الحائط ما لم يكن حافظ فإن كان حافظ ففى السرقة القطع (١) . ولا خلاف بين الفقهاء فى أن الإنسان يعتبر حرزاً لكل ما يلبسه أو يحمله من نقود أو غيرها, أو بتعبير آخر يعتبر كل ما يلبسه الإنسان أو يحمله من نقود وغيرها محرزاً بحافظ وهو الإنسان. فمن نشل من آخر نقوداً كانت فى جيبه أو فى ثيابه قطع بالسرقة (٢) ، ويعبر عن النشال بالطراز. والنشل الذى يحدث خفية هو الذى فيه القطع أما ما يحدث والمجنى عليه منتبه له فهو اختلاس، ويستوى أن يقطع النشال ملابس المجنى عليه أو يدخل يده فيها فيأخذ النقود (٣) .

стр. 1345

وإن سرق من القطار بعيراً أو حملاً لم يقطع لأنه ليس بحرز مقصود فتمكن فيه شبهة العدم لأن السائق والراكب والقائد يقصدون المسافات ونقل الأمتعة ولا يقصدون الحفظ، فإن كان مع الأحمال من يثبتها للحفظ قطع ولكن إذا شق الحمل وأخذ منه قطع لأن الجوالق فى مثل هذه الحالة حرز بنفسه لأنه معد لحفظ الأمتعة (١) . وعند الأئمة الثلاثة كل من الراكب والسائق حافظ حرز فيقطع فى أخذ الجمل والحمل والجوالق والشق ثم الأخذ، وأما القائد فحافظ للجمل الذى بيده فقط عندنا (أى عند أبى حنيفة) ، وعندهم إذا كان بحيث يراها إذا التفت إليها حافظ للكل فالكل محرزة عندهم بقوده ... وإذا كانت غرارة على ظهر دابة فشقها إنسان وأخرج ما فيها من متاع قطع عند أبى حنيفة لأن الغرارة حرز لما فيها، وإن أخذها بحالها دون أن يشقها لم يقطع لأنه أخذ نفس الحرز، وكذلك إذا كانت الغرارة محملة على جمل فسرق الجمل ومعه الغرارة لأن الحمل لا يوضع على الجمل للحفظ وإنما للحمل وحتى إذا ركب الجمل صاحبه فإن الغرارة لا تعتبر محرزة بحافظ لأنها حرز بنفسها فإذا أخذها السارق فقد أخذ نفس الحرز (٢) ، أما إذا سرق الجمل وراكبه فلا يقطع لأن يد الحافظ لم تزل عن المسروق، ويرى أن ظهر الدابة يعتبر حرزاً للغرارة فإذا أخذ الغرارة كلها أو شقها فأخذ منها فعليه القطع، وكذلك لو سرق الدابة وعليها الغرارة ما دامت الدابة فى حرز مثلها (٣) ، كأن كانت باركة فى مراح أو سائرة فى قطار (٤) . أما الشافعى وأحمد فلا يعتبران الغرارة محرزة بنفسها وتعتبر أنها محرزة بالحافظ، فإذا سرق شخص الغرارة أو شقها فأخذ منها قُطع بسرقته إذا كان هناك حافظ، وكذلك إذا سرق الجمل بما عليه إن كان ثمة حارس، فإن كان

стр. 1346

الحافظ راكباً الجمل فلا قطع (١) ؛ لأن يد الحافظ لم تزل عن المسروقات (٢) . ومذهب الشيعة فى هذه المسألة كمذهب أحمد والشافعى لأنهم يعتبرون الجوالق حرزاً بالحارس (٣) . وإذا سرق الجانى بعيراً أو شاة أو بقرة من المرعى لم يقطع عند أبى حنيفة سواء كان الراعى معها أم لم يكن، أما إذا سرقها من المراح التى تأوى إليه فيقطع سواء كان معها حافظ أم لا؛ لأن المراح حرز بنفسه، وحجة أبى حنيفة أن المرعى لا يعتبر حرزاً بنفسه ولا يعتبر حرزاً بالحافظ ولو أن الراعى موجود لأنه يوجد للرعى لا للحراسة وإن كانت الحراسة تحدث فعلاً بوجوده بخلاف المراح فإنه أعد لحفظ المال وخصص لهذا الغرض، ويشترط أبو حنيفة لاعتبار المراح أو الحظيرة حرزاً بنفسه أن تكون مسورة وعليها باب (٤) . ويرى مالك ما يراه أبو حنيفة فى سرقة الدواب والماشية فى المرعى فلا قطع فى سرقتها مع وجود الراعى، أما إذا سرقت من المراح أو الحظيرة ففى سرقتها القطع، وإذا سرقت فيما بين المرعى والمراح مع وجود الحافظ فالبعض يرى القطع والبعض لا يراه. والإبل المقطرة عند مالك تقطع فى سرقتها أو نازلة مجتمعة أو مقطرة (٥) . ولا يشترط عند مالك أن يكون المراح أو الحظيرة مسورة أو لها باب بل يكفى أن يعد المكان مراحاً أو موقفاً للدواب (٦) . ويرى الشافعى أن السائمة من إبل وخيل وبغال وحمير وغيرها تحرز فى المرعى بملاحظة الراعى لها بأن يراها ويبلغها صوته فإن نام عنها أو غفل عنها

стр. 1347

فغير محرزة، وإن استتر بعضها عنه فغير محرزة، ويرى البعض أنه يكفى أن يبلغها النظر ولو لم يبلغها الصوت، وتحرز السائمة فى المراح بالمراح المسور والمغلق بابه سواء كان السور حطباً أم قصباً أم حشيشاً أم غير ذلك بحسب العادة. فإن كان المراح مفتوحاً أو خارج العمران فحرز بحارس وتحرز الدواب السائرة بسائق لها يراها كلها أو قائد لها يراها كلها على أن يكثر الالتفات أو بقيادة بعضها وسوق البعض الآخر، فإن لم ير بعضها فهو غير محرز (١) . ويرى أحمد ما يراه الشافعي (٢) ويزيد عليه أن الإبل تحرز وهى باركة إذا عقلت وكان معها حافظ ولو نام الحافظ لأن العادة أن صاحب الإبل يعقلها إذا نام، وإن لم تعقل الإبل وكانت الإبل باركة والحافظ ينظر إليها بحيث يراها فهى محرزة، فإذا نام أو انشغل عنها فهى غير محرزة. والثمار المعلقة فى أشجارها والزرع غير المحصود لا قطع فى سرقتها إذا سرقت وهى معلقة أى قبل الجنى والحصد، وكذلك لا قطع فيها بعد جنيها أو حصدها ما لم تنقل إلى الجرن، وهذا متفق عليه بين الفقهاء ولا يخالف فيه إلا الظاهريون حيث يرون القطع فى الثمار والزرع معلقاً أو غير معلق (٣) ، ويرى أبو حنيفة أن لا قطع فى الثمار والزرع ولو كانت محاطة بسور أو حائط. ولكن مالكاً والشافعى وأحمد يرون قطع من سرق ثمراً من شجرة نابتة فى دار محرزة لأن السرقة تعتبر مما هو محرز بالدار. وفى مذهب مالك يرى أصحابه قطع من يسرق ثمراً من بستان مسور له غلق. والشافعيون يرون القطع فى هذه الحالة إن كان ثمة حارس كما يرون أن أشجار أفنية الدور محرزة بلا حارس. فإذا قطع الثمر أو حصد الزرع فلا قطع فيه إلا إذا وضع فى الجرن. على

стр. 1348

أن بعض المالكيين يرون القطع فيما يسرق قبل النقل للجرن إذا كوم أو كدس أكداساً بعضها إلى بعض حتى يصير كالشىء الواحد، لأنه يصير فى حالة تتفق مع حالته فى الجرن. كما يرون القطع فى السرقة أثناء النقل إلى الجرن إذا كان ثمة حافظ. وإذا وضعت الثمار والزروع فى الجرن ففى سرقتها عند مالك والشافعى وأحمد والشيعة الزيدية سواء كان هناك حافظ أم لا، ما دام الجرن داخل العمران، فإن كان الجررن خارج العمران فلا يجب القطع عند الشافعى وأحمد إلا إذا كان ثمة حارس، ويستوى أن يكون الثمر أو الزرع قد استحكم جفافه أم لا. ولكن أبا حنيفة لا يقطع فيما سرق من الجرن إلا إذا كان الثمر أو المحصول المسروق منه قد استحكم جفافه لأنه يلحق ما لم يستحكم جفافه بالتافه ولا قطع عنده فى تافه. وإذا كان الإذن بالدخول يبطل الحرز فى حق المأذون له على الوجه الذى سبق بيانه فتطبيقاً لذلك لا يقطع الخدم فى سرقة أموال مخدوميهم، ولا الضيوف فى سرقة أموال من أضافوهم، ولا الأجير إذا سرق من موضع مأذون له فى دخوله، ويقاس على هؤلاء كل من أذن له بدخول الحرز، لأن الإذن بالدخول يخرج الموضع المأذون فى دخوله من أن يكون حرزاً. وإذا أذن لشخص بأخذ شىء من الحرز ولم يؤذن له فى دخول الحرز فدخله وأخذ الشىء المأذون فى أخذه وسرق شيئاً آخر فلا قطع عليه لأن الإذن بأخذ المتاع يتضمن الإذن بالدخول فى الحرز والإذن بدخول الحرز يبطله فى حق المأذون له، فلا يشترط إذن أن يكون الإذن بالدخول صريحاً بل يكفى أن يكون ضمنياً، ويراعى فيما سبق الخلافات التى سبق عرضها بين الفقهاء فى حالة ما إذا سرق المأذون له من محل مغلق (١) . ويعتبر السارق مأذوناً له بدخول الحرز إذا كان له حق الانتفاع به كالمستأجر

стр. 1349

والمرتهن والمستعير، فإذا سرق المستأجر مالاً لمؤجر من الدار المؤجرة، أو سرق الدائن المرتهن مالاً لمدين من العين المرهونة، أو سرق المستعير شيئاً للمعير من الدار المعارة، فلا قطع على أحدهم لأن لهم حق الانتفاع بالحرز واستعمال هذا الحق يقتضى دخول الحرز. أما المالك للحرز فلا يعتبر مأذوناً له بدخوله إذا كان حق الانتفاع لغيره، ولذلك يقطع إذا سرق مالاً من الحرز للمنتفع، فالمؤجر إذا سرق مالاً للمستأجر من الدار المؤجرة والمدين إذا سرق مالاً للمرتهن من الدار المرهونة يقطع كل منهما بسرقته، وهذا ما يراه أبو حنيفة ومالك والشافعى وأحمد والشيعة, ولكن أبا يوسف ومحمدًا يريان عدم القطع لأن الحرز ملك السارق فهناك شبهة فى إباحة الدخول والشبهة تدرأ الحد (١) . ويقطع المعير إذا سرق مالاً للمستعير من الحرز المعار, وبهذا قال الشافعى وأحمد, ولكن أبا حنيفة والشيعة الزيدية يرون أن لا قطع على المعير؛ لأن المنفعة ملك له وله الرجوع فى العارية متى شاء فيعتبر دخوله فى الحرز رجوعًا وتكون السرقة من غير حرز (٢) . ويعتبر المالك للحرز مأذونًا له بدخول الحرز إذا كان مغصوبًا منه, فمن غصب شخصًا داره ثم أحرز فيها مالاً فجاء صاحب الدار وسرق ما فيها من مال فلا تعتبر السرقة من حرز لأن الغصب لم يسلب المالك حقه فى ملكية الحرز (٣) . كذلك لو كانت الدار مستأجرة أو مرتهنة أو معارة فانتهت الإجارة أو الرهن أو العارية ورفض المنتفع رد الدار أو أهمل الرد (٤) مع تمكنه من ذلك, ففى هذه الحالة يكون المنتفع فى حكم الغاصب (٥) .

стр. 1350

٦١٠- السرقات من الأقارب: وفى مذهب أبى حنيفة لا قطع على من سرق من ذى رحم محرم؛ لأنهم يدخل بعضهم على بعض دون إذن عادة فكان هناك إذن ضمنى بالدخول فتكون السرقة من غير حرز, فضلاً عن أن القطع بسبب السرقة يفضى إلى قطع الرحم وذلك حرام, والقاعدة أن ما أفضى إلى الحرام فهو حرام (١) . أما من سرق من ذى رحم غير محرم فيقطع بسرقته؛ لأنهم لا يدخل بعضهم على بعض عادة دون استئذان فليس هناك إذن صريح ولا ضمنى بالدخول. والسرقة من محرم غير ذى رحم كالأم من الرضاعة والأخت من الرضاعة مختلف عليها فى المذهب، فأبو حنيفة ومحمد يريان القطع فيها, وأبو يوسف لا يرى القطع فى حال السرقة من الأم ويقطع فيما عدا ذلك, وحجته أن الإنسان يدخل بيت أمه من الرضاع دون إذن عادة فهناك إذن ضمنى بالدخول (٢) . ومن سرق من امرأة أبيه أو زوج أمه أو حليلة ابنه أو من ابن امرأته أو أمها فلا قطع عليه إن كانت السرقة من منزل من يضاف إليه السارق من أبيه أو أمه أو ابنه أو امرأته لأنه مأذون له بالدخول فى منزل هؤلاء فلم يكن المنزل حرزًا فى حقه. وإن سرق من منزل آخر فإن كانا فيه لم يقطع, وإن كان لكل واحد منهما منزل على حدة فيرى أبو حنيفة أن لا قطع, ويرى أبو يوسف ومحمد القطع, وحجة أبى حنيفة أن حق التزاور ثابت بين السارق وبين قريبه وكون المنزل لغير قريبه لا يمنع من أن له زيارة قريبه, وهذا يورث شبهة إباحة الدخول فيختل الحرز (٣) . هذا هو حكم السرقة من الأقارب فى مذهب أبى حنيفة. أما الشافعى وأحمد فعندهما أن الولد لا يُقطع بسرقة مال ولده وإن سفل, وسواء فى ذلك الأب والأم والابن والبنت والجد والجدة من قِبَل الأب والأم؛ لقول الرسول ﷺ :

стр. 1351

"أنت ومالك لأبيك", ولقوله: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه", وفى لفظ: "فكلوا من كسب أولادكم". ولا يقطع الابن عندهما بسرقة مال والده وإن علا لأن النفقة تجب من مال الأب لابنه حفظًا له فلا يجوز إتلافه حفظًا للمال. فأما سائر الأقارب كالإخوة والأخوات ومن عندهم فيقطع بسرقة مالهم ويقطعون بسرقة ماله (١) . ويرى مالك أن لا قطع على الأصول إذا سرقوا من الفروع, فلا قطع على الجد والجدة لأب أو لأم والأب والأم إذا سرقوا من أحفادهم أو أبنائهم. ولكن إذا سرق الفروع من الأصول قطعوا بسرقتهم, فلا يعفى مالك من القطع للقرابة إلا الأصول لقول الرسول ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" (٢) , ويرى بعض الشيعة الزيدية رأى مالك ويرى البعض أن لا قطع على الأصول إذا سرقوا من الفروع ولا على الفروع إذا سرقوا من الأصول ولا قطع بين ذوى الأرحام المحارم (٣) . أما الظاهريون فيرون قطع الأصول إذا سرقوا من الفروع وقطع الفروع إذا سرقوا من الأصول ولا يسقطون القطع بالقرابة, ويرون أن حديث الرسول ﷺ "أنت ومالك لأبيك" منسوخ بآيات المواريث (٤) . وإذا سرق أحد الزوجين من الآخر فيرى مالك قطع السارق منهما إذا سرق مالاً محجورًا عنه أى محرزًا فى مكانه مغلقًا لا يسمح له بدخوله, فإذا سرق من مال لم يحجر عنه فلا قطع عليه, ويستوى أن يكون المال المحجور عنه فى نفس المنزل الذى يقيمان فيه أو فى غيره (٥) . ويرى أبو حنيفة أن لا قطع على أحد الزوجين فى سرقة مال الآخر سواء سرق من البيت الذى يقيمان فيه أم من بيت

стр. 1352

آخر؛ لأن كلاً من الزوجين مأذون له بدخول منزل صاحبه كما أنه ينتفع بماله عادة وهذا يوجب خللاً فى الحرز (١) . وفى مذهب الشافعى ثلاثة آراء, أحدها كرأى مالك, والثانى كرأى أبى حنيفة, والثالث يرى أصحابه قطع الزوج إذا سرق مالاً محجورًا عنه من مال الزوجة ولا يرى قطع الزوجة إذا سرقت ما حجر عنها من مال الزوج, وحجتهم أن للزوجة حقًا فى مال الزوج لأنه ملزم بالإنفاق عليها وليس الزوج كذلك (٢) . والرأى الأول هو الراحج فى المذهب (٣) . وفى مذهب أحمد رأيان أحدهما كرأى مالك, والثانى كرأى أبى حنيفة (٤) . ومذهب الشيعة الزيدية فيه الرأيان: رأى مالك وأبى حنيفة (٥) . أما الظاهريون فيرون القطع على كل واحد من الزوجين إذا سرق من مال صاحبه ما لم يبح له أخذه سواء كان محرزًا عنه أو غير محرز؛ لأن الظاهريين لا يعترفون بالحرز, أما إذا كان المأخوذ مباحًا أخذه كنفقة الزوجة أو طعامها أو كسوتها فلا قطع فيه (٦) . وهذا هو حكم السرقة بين الزوجين ما دامت السرقة قد وقعت والزوجية قائمة, ولا عبرة بالدخول, فلو حدث الطلاق قبل الدخول فلا قطع فيما يقع من سرقات بين الزوجين من وقت الزواج إلى وقت الطلاق لأن الزوجية كانت قائمة وقت السرقة, أما ما يقع بعد الطلاق ففيه القطع لأن غير المدخول بها لا عدة لها لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩] , وإذا كانت السرقة فى عده الطلاق الرجعى فلا قطع أيضًا لأن الزوجية تظل قائمة حتى تنتهى العدة, أما السرقة فى عدة الطلاق البائن ففيها القطع. ولكن أبا حنيفة لا يرى القطع إذا وقعت السرقة فى عدة الطلاق البائن؛ لأن النكاح فى حال العدة قائم من وجه كما أن أثره قائم وهو العدة, وقيام النكاح من كل وجه يمنع القطع فقيامه من وجه

стр. 1353

أو قيام أثره يورث الشبهة والحدود تدرأ الشبهات (١) . وإذا كانت السرقة بعد انتهاء العدة ففيها القطع بلا خلاف, وقيام الزوجية بعد السرقة لا أثر له على السرقة التى وقعت قبلها فيقطع السارق فيها, ولا يخالف فى هذا إلا الحنفية فإنهم يرون أن الزواج إذا حصل قبل الحكم فى الجريمة لم يحكم فيها بالقطع لأن الزواج مانع طرأ على الحد والمانع الطارئ عند الحنفية له حكم المانع المقارن إذا أدى لإسقاط الحد. ويرى أبو حنيفة أن الزواج إذا حصل بعد الحكم وقبل تنفيذ العقوبة لم يقطع, وحجته أن الإمضاء فى باب الحدود من تمام القضاء فكانت الشبهة المعترضة على الإمضاء كالمعترضة على القضاء, وكان الطارئ على الحدود قبل الإمضاء بمنزلة الموجود قبل القضاء. ولكن أبا يوسف يرى فى هذه الحالة عدم سقوط حكم القطع بالزواج لأن المانع من القطع فى حالة الزوجية هو شبهة عدم الحرز, فإذا اعتبرت الزوجية الطارئة شبهة مانعة من القطع لكان معنى ذلك اعتبار الشبهة وهى ساقطة فى باب الحدود (٢) . واختلف فى مذهب أبى حنيفة فيما إذا كان الحرز المعتبر للشيء المسروق هو حرز مثله أو حرز نوعه, فرأى البعض أن يعتبر فى الشيء حرز المثل؛ فالإسطبل مثلاً حرز الدابة والحظيرة حرز الشاة والبيوت والخزائن حرز النقود والجواهر, ورأى البعض أن ما كان حرز النوع جاز أن يكون حرزًا للأنواع كلها؛ فالإسطبل مثلاً حرز للدابة فيجوز أن يكون حرزًا للنقود أو الجواهر (٣) . ولكن الأئمة الثلاثة والشيعة الزيدية يرون هذه المسألة للعرف ويرون أن حرز الشيء هو ما جرت العادة بحفظه فيه وما لا يعتبر صاحبه مضيعًا, والمرجع فى تعيين ذلك للعرف, فرأيهم إذن يتفق مع الرأى الأول فى مذهب أبى حنيفة (٤) .

стр. 1354

ولهذا المبحث أهمية كبرى ذلك أن القطع لا يجب إلا فى سرقة من حرز فإذا قلنا بأن الحرز حرز المثل امتنع مثلاً القطع فى سرقة الجواهر من الإصطبل أو الجرن وسرقة الأقمشة من حظيرة الشاة لأن الإصطبل والجرن والحظيرة لا يعتبر أيهم حرز لهذه الأشياء فكانت السرقة واقعة على مال غير محرز وإذا قلنا: إن حرز نوع معين هو حرز لباقى الأنواع وجب القطع فى هذه السرقات لأنها واقعة على مال محرز. ٦١١- رابعًا: أن يبلغ المال المسروق نصابًا: الأصل فى شرط النصاب أحاديث الرسول ﷺ وما أثر من فعله, فقد روى ابن عمر عن النبى ﷺ أنه قطع فى مجن ثمنه ثلاثة دراهم أو قيمته ثلاثة دراهم على رواية, رواه الجماعة. وعن عائشة أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يقطع يد السارق فى ربع دينار فصاعدًا" رواه أحمد ومسلم والنسائى وابن ماجه, وفى رواية قال: "تقطع يد السارق فى ربع دينار" رواه البخارى والنسائى وأبو داود, وفى رواية: "تقطع يد السارق فى ربع دينار فصاعدًا" رواة البخاري, وفى رواية قال: "اقطعوا فى ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك", وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثنا عشر درهمًا, رواه أحمد. وفى رواية قال رسول الله ﷺ : "لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن" قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار. رواة النسائى. وعن أبى هريرة

стр. 1355

أن رسولنا ﷺ قال: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده, ويسرق الحبل فتقطع يده" (١) . وجمهور الفقهاء على اشتراط النصاب بوجوب القطع فى السرقة إلا ما روى عن الحسن البصرى وداود وما عرف عن الخوارج من وجوب القطع فى سرقة القليل والكثير, وحجتهم إطلاق قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ﴾ [المائدة:٣٨] , كما استدلوا بحديث أبى هريرة: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده, ويسرق الحبل فتقطع يده". ولكن جمهور الفقهاء يرون أن إطلاق الآية مقيد بأحاديث الرسول التى سبق ذكرها, ويرون أن حديث أبى هريرة أريد به تحقير شأن السارق والتنفير من السرقة (٢) . وإذا كان جمهور الفقهاء يشترط النصاب فى القطع إلا أنهم اختلفوا فى تحديد مقدار هذا النصاب, فيرى مالك أن القطع يجب فى ثلاثة دراهم من الفضة وربع دينار من الذهب, فإذا كان المسروق من غير الذهب أو الفضة قُوم بالدراهم لا بالذهب إذا اختلفت قيمة الثلاثة دراهم مع الربع دينار ولاختلاف الصرف مثل: أن يكون الربع فى وقت درهمين ونصفًا, فإذا ساوى المسروق ثلاثة دراهم قطع وإن لم يساو ربع دينار, وإن ساوى ربع دينار ولم يساو ثلاثة دراهم لم يقطع (٣) . فالقاعدة عند مالك أن كل واحد من الذهب والفضة معتبر بنفسه, وقد روى عنه بعض البغداديين أنه ينظر فى تقديم العروض إلى الغالب فى نقود أهل البلد, فإذا كان الغالب دراهم قومت بالدراهم وإن كان الغالب الدنانير قومت بالدنانير, والمشهور هو الرأى الأول. ويرى الشافعى أن القطع يجب فى ثلاثة دراهم من الفضة وربع دينار من الذهب كما يرى مالك, ولكن الشافعى يرى أن الأصل فى تقويم الأشياء هو الذهب فالربع دينار أصل للدراهم ومن ثم فلا يقطع عنده إلا فيما يساوى ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار, وإذا كانت السرقة من غير الذهب قومت بالذهب (٤) . وفى مذهب أحمد روايتان: الأولى: أن النصاب الذى يقطع فيه هو ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الفضة أو ما قيمته ثلاثة دراهم من غيرهما, وهذا هو مشهور مذهب مالك. الثانية: أن النصاب الذى يقطع فيه هو ربع

стр. 1356

دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الوَرِق أى الفضة, فإذا سرق السارق من غير الذهب والفضة ما قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم قطع, فإذا اختلفت قيمة الربع دينار مع الثلاثة دراهم قطع إذا بلغ المسروق أقل القيمتين (١) . ويرى أبو حنيفة أن النصاب الذى يقطع فيه هو عشرة دراهم تساوى دينارًا, فلا قطع عنده فى أقل من عشرة دراهم, وحجته ما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول ﵊ كان لا يقطع إلا فى ثمن مجن وهو يومئذ يساوى عشرة دراهم, وفى رواية أخرى أن الرسول ﷺ قال: "لا قطع فيما دون عشرة دراهم", وعن ابن مسعود أن النبى ﷺ قال: "لا تقطع اليد إلا فى دينار أو عشرة دراهم", وما روى عن ابن عباس أن الرسول ﷺ قال: "لا يقطع السارق إلا فى ثمن المجن", وكان يقوم يومئذ بعشرة دراهم. ويرى الحنفية أن الإجماع منعقد على القطع فى عشرة دراهم, وفيما دون العشرة اختلف الفقهاء لاختلاف الأحاديث فوقع الاحتمال فى وجوب القطع ولا يجب القطع مع الاحتمال (٢) . ويتفق مذهب الشيعة الزيدية مع المذهب الحنفى (٣) , ويرى ابن حزم من فقهاء المذهب الظاهرى أن نصاب السرقة الذى يقطع فيه اليد هو ربع دينار إذا كان المسروق ذهبًا, فإذا كان المسروق مما سوى الذهب فالقطع إنما يجب فى سرقة ما يساوى ثمن مجن أو ترس قل? ذلك أو كَثُرَ دون تحديد, ولم يحاول ابن حزم أن يبين قيمة المجن أو الترس لما روى عن عائشة من أن يد السارق لم تكن تقطع على عهد الرسول ﷺ فى أدنى من ثمن مجن أو ترس كل واحد منهما يومئذ ذو ثمن وأن يد السارق لم تكن تقطع على عهد الرسول فى الشيء التافه. أما إذا كانت قيمة المسروق أقل من ثمن المجن أو الترس فلا قطع فيه أصلاً لأن ذلك هو التافه (٤) .

стр. 1357

ويلاحظ أن صاحب نيل الأوطار ذكر أن ابن حزم يرى القطع إذا كان المسروق ربع دينار من الذهب ويرى القطع فى غيره إلا فى القليل أو الكثير بحجة أن التحديد فى الذهب منصوص ولم يوجد نص فى غيره, وهذا الذى قاله مؤلف نيل الأوطار لا يتفق مع ما صرح به ابن حزم فى المحلى (١) . وهناك آراء أخرى فى النصاب لفقهاء آخرين, لا توجب القطع إلا فى أربعة دنانير أو أربعين درهمًا, ويرى البعض القطع فى درهمين, وهناك من يرى القطع فى أربعة دراهم, ومن يراه فى ثلث دينار وهو مذهب الباقر, ومن يراه فى خمسة دراهم (٢) . وإذا كان النصاب شرطًا فى القطع فلا قطع إذا قلت قيمة المسروق عن النصاب, فإذا دخل السارق دارًا فأخرج منها أقل من النصاب فلا قطع عليه وإذا أخرج درهمًا أو ما قيمته جميعًا درهم إلى صحن الدار ثم عاد فأخرج مثله وهكذا حتى أخرج النصاب أو قيمه النصاب ثم خرج بها جميعًا من صحن الدار فأنه يقطع فيها ولو أنه أخرج النصاب إلى صحن الدار مجزءًا لأن ما حدث منه يعتبر سرقه واحده إذ الدار وصحنها حرز واحد, وما دام المسروق فى صحن الدار هو لم يخرج من الحرز, فإذا أخرجه من الصحن إلى الخارج فقد أخرجه من الحرز وتمت السرقة ما لم تكن الدار مكونة من عده بيوت مستقلة والصحن مشترك لها جميعًا, فإن الإخراج إلى الصحن يعتبر إخراجًا من الحرز ولو لم يخرج السارق بالمسروقات إلى خارج الدار إذ كل بيت مستقل يعتبر حرزًا وحده (٣) . وإذا أخرج المسروق من بيت مستقل فى الدار إلى صحنها المشترك مرة واحدة وكان يبلغ نصابًا فالحكم هو ما سبق؛ لأن السرقة تعتبر تامة بالإخراج إلى صحن الدار مع ملاحظة الفرق بين من يعتبرون بطلان الحرز بفتح الباب ومن

стр. 1358

لا يعتبرون, فعند من يرى الإبطال أنه قطع إذا أخرج المتاع إلى صحن الدار من بيت مفتوح لأن المال ليس محرزً, فإن كان البيت مقفلاً وباب الدار مفتوح قطع لأنه أخرجه من حرزه إلى محل الضياع (١) , أما إذا أخرج المسروق من بيت مستقل فى الدار إلى صحنها المشترك أو أخرجه من الدار غير المشتركة إلى خارجها وكان الإخراج على دفعات وكل دفعه تقل عن النصاب فالحكم مختلف عند الفقهاء, وقد بسطناه بمناسبة الكلام على إبطال الحرز (٢) . وإذا دخل جماعة دارًا فأخرجوا المتاع منها دفعة واحدة إلى صحن الدار المشترك أو إلى خارج الدار فالحكم يختلف بحسب ما إذا كان هناك تعاون على الإخراج أو اشتراك فيه, وقد سبق أن تكلمنا عن ذلك مفصلاً, أما إذا أخرجوا المتاع مجزءًا على دفعات فتطبق عليهم قواعد الإخراج على دفعات مع قاعدة التعاون والاشتراك, وإذا سرق شخص واحد نصابًا واحدًا من حرزين مختلفين فلا قطع عليه لأنهما سرقتان مختلفتان وكل واحد من المنزلين حرز مستقل, ويشترط القطع فى كل سرقة أن يخرج عن كل حرز نصابًا كاملاً. ولو سرق شخص نصابًا يملكه عده أشخاص قطع به ولا عبرة بعدد المجنى عليهم, وكذلك الحكم لو كان المجنى عليهم فى دار واحدة كل منهم فى بيت من بيوتها لأن الدار حرز واحد, أما إذا كانت البيوت مستقلة اعتبر كل بيت حرزًا مستقلاً ولم يقطع الجاني (٣) . ولكن بعض الشيعة الزيدية يرون القطع فى هذه الحالة إذا بلغت قيمة الجزء الذى أخرج نصابًا (٤) , وإذا أخرج السارق بعض المسروقات من الحرز دون البعض الآخر وكان المسروق شيئًا واحدًا, كخشبة أو صندوق أو ما أشبه فلا قطع عليه ولو كانت قيمة ما خرج من المسروقات تزيد على النصاب لأن بعض المسروق

стр. 1359

لا ينفرد عن بعض, ولأنه لم يتم إخراجه (١) , ولو وجد المسروق على هذا الوجه فأخرجه فلا قطع عليه لأن المسروق بهذا الوجه لا يعتبر محرزًا, ولأنه كما يقال إنه فى الحرز يقال أنه خارج الحرز (٢) . ومن يبطلون الحرز بفتح الباب والنقب لا يعتبرون الأخذ من حرز فى هذه الحالة إذا كان الشيء خارجًا من باب أو ثقب, ويستوى أن تكون المسروقات مجتمعة أو متفرقة داخل الحرز ما دام الحرز واحدًا, والعبرة بما يخرجه السارق من الحرز فإن كان أقل من نصاب فلا قطع وإن كان أكثر من نصاب قطع به على التفصيل السابق. وإذا نقصت قيمة المسروق بهلاك بعضه فى يد السارق بعد الخروج به من الحرز فالعبرة اتفاقًا بقيمته وقت السرقة, أما إذا كان سبب النقصان نزول السعر فقد اختلفوا فى مذهب أبى حنيفة, فيرى البعض اعتبار القيمة وقت الحكم أما الزيادة فغير معتبرة, ويرى البعض اعتبار القيمة وقت الإخراج من الحرز, كذلك اختلفوا فى المذهب إذا كانت السرقة فى بلد وضبط المسروق فى بلد آخر فيرى البعض أن العبرة بقيمة المسروق فى محل ضبطه, ويرى البعض الرجوع إلى قيمة المسروق فى محل السرقة (٣) . ويرى الأئمة الثلاثة أن العبرة بقيمة المسروق فى كل الأحوال وقت السرقة أى وقت إخراجه من الحرز لا قبل ذلك ولا بعد, فإذا كان لا يساوى نصابًا وقت الإخراج فلا قطع ولو كان سبب النقص فعل الجانى كأن أكل بعضه أو أتلفه أو أفسده ولا عبرة فى الرخص والغلاء الطارئين بعد إخراج المسروق من الحرز وتعتبر القيمة فى مكان السرقة لا فى مكان آخر (٤) .

стр. 1360

وعند الشيعة الزيدية أن العبرة بقيمة المسروق وقت المرافقة لا وقت السرقة, فإذا سرق شيئًا وقيمته وقت السرقة عشرة دراهم ثم كانت قيمته وقت المرافقة أقل من ذلك سقط القطع, أما إذا زادت القيمة فلا عبرة بالزيادة (١) , وإذا حكم بالقطع فنزلت القيمة قبل التنفيذ فعلى رأى أبى حنيفة والشيعة يسقط القطع لأنهم يجعلون المانع الطارئ بعد الفعل فى حكم المانع المقارن ويجعلون الإمضاء من تمام القضاء. ويرى أبو حنيفة أنه إذا اختلف المختصون فى تقويم المسروق فقدره بعضهم بأقل من النصاب وقدره بعضهم بنصاب دُرِئ القطع, وحجته فى ذلك فعل عمر حين رأى قطع سارق فقال له عثمان: إنما سرقه لا يساوى نصابًا فدرأ عنه القطع (٢) . ويتفق مذهب أحمد فى هذا لأنه يرى فى حالة تعارض البينات فى القيمة أن يؤخذ بالقيمة الأقل (٣) . ويرى الشافعى أن المسألة تختلف باختلاف الأساس الذى تقوم عليه شهادة المقوِّمين الذين يقوِّمون العين بالأكثر, فإن قامت على أساس القطع أخذ بهذه الشهادة وإن قامت على أساس الظن أخذ بالتقويم الأقل لتعارض البينات (٤) . أما مالك فبرى أنه إذا شهد عدلان بأن قيمة المسروق نصابًا أخذ بشهادتهما ولو عارضتها شهادات أخرى, وعلة ذلك أن المبدأ عند مالك هو تقديم المثبت على النافي (٥) . ولا يشترط الشافعى أن يعلم السارق بقيمة المسروق بل يكفى أن يقصد السرقة ثم يسرق نصابًا, فإذا قصد سرقة شيء تافه فى اعتقاده فتبين أنه يزيد على نصاب قطع فيه, وإذا سرق ثوبًا لا يساوى نصابًا فوجد فى جيبه نقودًا تبلغ نصابًا قطع, وإذا قصد سرقة صندوق به نقود فوجده فارغًا والصندوق لا يساوى نصابًا لم يقطع (٦) .

стр. 1361

وعلى هذا أحد الرأيين فى مذهب أبى حنيفة, أما الرأى الأخر فيستوجب علم السارق بحقيقة قيمة المسروق, فإن كان يعلم بوجود النقود فى جيب الثوب قطع وإن لم يكن يعلم لم يقطع لأنه قصد سرقة الثوب فقط وهو لا يبلغ النصاب ولا قطع فيه وحده, أما لو سرق غرارة أو صندوقًا أو جرابًا به مال كثير ولو لم يكن عالمًا بحقيقة ما فى الغرارة أو الجراب أو الصندوق لأنه قصد بالسرقة المظروف لا الظرف, ويستدل على القصد بالظروف والقرائن (١) . ويستوجب أحمد للقطع العلم بقيمة المسروق, فلو سرق منديلاً شد عليه دينار قطع إن علم بالدينار وإن لم يعلم به فلا قطع (٢) . ويرى أن الجانى يؤخذ بقصد السرقة ولا عبرة بظنه أن قيمة المسروق تقل عن نصاب إلا إذا صدق العرف فى هذا الظن, فلو م يده فى جيب شخص فأخذ منه نقودًا وهو يظنها نحاسية قطع لأن العرف لم يجر على وضع النقود النحاسية وحدها فى الجيب بل يوضع فيه كل أنواع النقود, ولو سرق ثوبًا وهو لا يساوى نصابًا فارغًا ولكن فى جيبه نقود تبلغ نصابًا قطع ولو ظن أن الثوب فارغ لأن العرف جرى على وضع النقود فى جيوب الثياب, أما إذا سرق قطعة خشب فوجدها مجوفة وفى داخلها نقودًا تبلغ نصابًا فلا قطع إذا لم تبلغ قيمة الخشبة وحدها نصابًا إذ أنه كان يعتقد وقت السرقة انه يسرق خشبة غير مجوفة وليس فيها نقود (٣) . ويحدث أن يكون بعض المسروق تابعًا لبعضه الآخر وأن يكون المسروق كله مما يقطع فيه كإناء من النحاس به حناء أو حمار عليه بردعة, كما يحدث أن يكون بعض المسروق تابعًا لبعضه وأن يكون بعضه فقط مما يقطع فيه كإناء من الذهب فيه خمر أو ككلب فيه طوق من الذهب. والأصل أن المقصود بالسرقة إذا كان مما يقطع فيه لو انفرد وبلغ نصابًا بنفسه يقطع السارق فيه

стр. 1362

بلا خلاف وإن لم يبلغ بنفسه نصابًا إلا بالتابع يكمل النصاب بالتابع ويقطع السارق فى سرقته, وكذلك الحكم لو كان كل منهما لا يبلغ نصابًا أو مقصودًا لذاته يكمل أحدهما بالآخر ويقطع السارق. أما إذا كان المقصود بالسرقة مما لا يقطع فيه لو انفرد كالكلب وكان معه ما يقطع فيه كطوق الذهب فيرى مالك أن العبرة بقيمة ما فيه القطع فإذا بلغت قيمه الطوق نصابًا قطع السارق ولو كان يقصد الكلب دون الطوق (١) . وكذلك الحكم عند الشافعي (٢) . ويرى أبو حنيفة أنه إن كان المقصود بالسرقة مما لا يقطع فيه إذا انفرد لا يقطع السارق وإن كان مع المسروق المقصود غيره مما يبلغ نصابًا ما دام الغير لم يقصد بالسرقة, ويؤيد هذا الرأى محمد ولكن أبا يوسف يخالفه ويأخذ برأى مالك والشافعي (٣) . وفى مذهب أحمد رأيان: الرأى الأول كرأى مالك والشافعي, والثانى كرأى أبى حنيفة (٤) . الركن الثالث: أن يكون مملوكًا للغير ٦١٢- يشترط لوجود جريمة السرقة أن يكون الشيء المسروق مملوكًا لغير السارق, فإن كان مملوكًا للسارق فالفعل لا يعتبر سرقة ولو أخذه الفاعل خفية. والعبرة بملكية السارق للمسروق وقت السرقة, فإن كان يملكه قبل السرقة ثم خرج من ملكه قبيل السرقة فهو مسئول عن السرقة وعليه القطع, وإن لم يكن يملكه ولكن دخل فى ملكه وقت السرقة فلا مسئولية عليه كأن ورثه أثناء السرقة, ويشترط لانعدام المسئولية أن يملكه قبل إخراجه من الحرز

стр. 1363

فإن ملكه بعد إخراجه من الحرز فلا يعفيه ذلك من المسئولية الجنائية (١) ؛ لأن الشيء وقت إخراجه من الحرز كان على ملك غيره ومن ثم يقطع بسرقته عند مالك مطلقًا, أما الشافعى وأحمد والشيعة الزيدية فيفرقون بين ما إذا كان التملك قبل تبليغ السرقة والمطالبة بالمسروق أو بعد ذلك, فإن كان التملك قبل التبليغ فلا قطع ويعزر الجانى لأن مطالبة المجنى عليه بالمسروق شرط عندهم للقطع فإذا تملك الجانى المسروق قبل المطالبة لم تصح المطالبة بعد ذلك فلا يكون الحكم بالقطع ممكنًا عملاً, أما إذا كان التملك بعد المطالبة بالمسروق فلا يمنع التملك من الحكم بالقطع (٢) , والفرق بين هؤلاء الفقهاء ومالك أن مالكًا لا يشترط للقطع مخاصمة المجنى عليه أو مطالبته بالمسروق فيكفى أن يبلغ بالسرقة أى شخص المجنى عليه أو غيره وليس من الضرورى أن يطالب المجنى عليه برد المسروق فالقطع واجب على السارق سواء بلَّغ المجنى عليه أو لم يبلغ, طالب المسروق أو لم يطالب (٣) , أما هؤلاء الفقهاء فيشترطون للقطع أن يطالب المجنى عليه بالمسروق. ويرى أبو حنيفة أن تملك المسروق قيل القضاء يسقط القطع عن السارق وإن كان لا يمنع من تقديره فإذا تملكه بعد القضاء وقبل الإمضاء فيرى أبو حنيفة ومحمد أن لا يقطع السارق لأن الإمضاء من تمام القضاء, فما يصلح مانعًا للحد قبل القضاء يصلح مانعًا بعده, ويرى أبو يوسف أن تملك المسروق بعد القضاء لا يمنع من القطع, فإن سارق رداء صفوان أُتى به إلى رسول الله ﷺ فأمر أن يقطع, فقال صفوان: يا رسول الله إنى لم أرد هذا وهو عليه صدقة, فقال الرسول ﷺ : "فهل قبل أن تأتينى به" فدل ذلك على أن التملك بعد القضاء لا يسقط القطع (٤) .

стр. 1364

أما المذهب الظاهرى فيتفق مع مذهب أبى حنيفة فى هذه النقطة (١) . ولا يكفى لتكوين جريمة السرقة أن يكون الشيء المأخوذ غير مملوك لآخذه بل يشترط أن يكون مملوكًا لغير السارق فإن لم يكن مملوكًا لأحد كالأموال المباحة أو المتروكة فإن أخذه لا يعتبر سرقة ولو كان خفية ولا يعتبر الشخص سارقًا للمال ولو لم يكن يملكه إذا له حق الانتفاع به, فالمستأجر الذى يأخذ الشيء المؤجر له والمستعير الذى يأخذ الشيء المعار والمرتهن الذى يأخذ الشيء المرهون كل هؤلاء لا يعتبر أحدهم سارقًا ولو أخذ الشيء خفية عن المالك ما دام أنه أخذه لاستفاء حقه المقرر على الشيء, على أن مالكًا يرى قطع صاحب المنفعة إذا أخذ الشيء خفية عن مالكه قبل القبض (٢) . ويجب أن يكون الشيء المأخوذ محلاً للملك حتى يكون محلاُ للسرقة فإن لم يكن محلاً للملك فلا يعتبر محلاً للسرقة, ولم يعد الإنسان بعد إبطال الرق محلاً للسرقة لأنه لم يعد محلاً للملك ومن ثم فلا يعتبر سرقة أخذ الأطفال خفية ولا أخذ الرجال والنساء بصفة عامة أيًا كان جنسهم أو لونهم أو دينهم, وقبل إبطال الرق كان العبيد والإماء محلاً للسرقة فى الشريعة باعتبارهم مالاً من وجه يمكن التصرف فيه كأى مال آخر, أما بعد إبطال الرق فلا يعتبر الإنسان مطلقًا محلاً للسرقة عند جمهور فقهاء المسلمين وعند أبى حنيفة والشافعى وعلى الرأى الراحج فى مذهب أحمد ومذهب الشيعة الزيدية, أما مالك فيخالف فى هذا الاتجاه ويعتبر سرقة يقطع فيها آخذ طفل خفية ذكرًا كان أو أنثى يمكن خداعه أو أخذ مجنونًا صغيرًا كان أو كبيرًا من حرز مثله كأن كان مع أهله أو مع كبير حافظ, فإن كان الطفل كبيرًا أو واعيًا أو لم يكن فى حرز مثله فلا قطع, ويرى الظاهريون كما يرى مالك القطع فى سرقة الحر الصغير وهو يوافق الرأى المرجوح فى مذهب أحمد ومذهب الشيعة الزيدية (٣) . ورأى

стр. 1365

القائلين بأن أخذ الأطفال لا يعتبر سرقة وإنما هو جريمة خاصة يتفق مع مذهب القانون المصرى والقانون الفرنسى ولكن يلاحظ أن القانون المصرى والفرنسى يعاقبان على خطف الأطفال بعقوبة أشد من عقوبة السرقة العادية وأن القانون الفرنسى يعبر عن خطف الأطفال باللفظ الذى يعبر به عن السرقة وهو Val, ولعل هذا أثر لما كان علية القانون الفرنسى قديمًا من اعتبار الفعل سرقة. ويكفى لوجود السرقة أن يكون الشيء مملوكًا للغير ولو كان المالك مجهولاً كسرقة مال شخص غير معروف أو كان المالك غير معين كسرقة المال الموقوف على الفقراء أو الأغراب أو التعليم, وهذا هو ما يراه مالك (١) , وهو ما يراه الظاهريون؛ لأنهم يرون قطع كل من سرق مالاً لا نصيب له فيه (٢) , وعند الشافعى وأحمد أن أخذ مال مجهول خفية سرقة ولكن لا يقطع عندهما فيها لأنهما يشترطان للقطع مطالبة المجنى عليه بالمسروق وإذا كان المجنى عليه مجهولاً فلا مطالبة ولا قطع, أما سرقة مال الوقف ففيها القطع عندهما إذا لم يكن السارق من الموقوف عليهم فإن كان منهم فحكمه حكم الشريك فى المال وسنتكلم عليه فيما بعد, وفى مذهب أحمد رأى بان سرقة المال الموقوف مطلقًا لا قطع فيه بحجة أن المال الموقوف لا يملكه الموقوف عليه (٣) . والراحج فى مذهب الشيعة الزيدية فى هذه المسألة كمذهب الشافعى والرأى الراحج فى مذهب أحمد (٤) , ويرى أبو حنيفة أن لا يقطع السارق إذا كان المجنى عليه مجهولاً ولو أقر الجانى بالسرقة لأن القطع مشروط بمطالبة المجنى علية ومخاصمته

стр. 1366

للجاني, ولكن أبا يوسف يرى القطع فى حالة الإقرار (١) , ولا قطع, كذلك إذا كان السارق ممن أُوقف عليهم المال المسروق فإن لم يكن منهم قطع, وهذا ما يقتضيه تعريف السرقة وتعريف المال الموقوف فى المذهب فهم يعرفون السرقة بأنها أخذ العاقل البالغ عشرة دراهم أو مقدارها خفية عمن هو مقصد للحفظ ما لا يتسارع إليه الفساد من المال المتمول للغير من حرز بلا شبهة (٢) , ويعرفون الوقف بأنه حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة (٣) , سواء سرق العين الموقوفة أو منفعتها فهو يسرق ملك الغير ولا شبهة له فى سرقته ما دام غير مستحق فيه فيقطع بالسرقة, ولا يعتبر الشخص سارقًا للمال إذا كان يملكه ولو كان للمجنى عليه حق الانتفاع به؛ فالمؤجر الذى يأخذ المال المؤجر من المستأجر, والمعير الذى يأخذ المال المعار من المستعير, والمدين الذى يأخذ المال المرهون من الدائن المرتهن أو الأمين على الرهن, والغاصب الذى يأخذ ماله المغصوب من الغاصب, وصاحب المال الذى يأخذ ماله المسروق من السارق - كل هؤلاء لا يعتبر سارقًا ولو أخذ المال خفية لأنه أخذ ما يملكه (٤) . ولا يقطع السارق إذا كان له شبهة الملك فى الشيء المسروق وإنما عليه التعزير فقط كسرقة الوالد من ولده لأن للوالد فى مال ولده تأويل الملك أو شبهة الملك لقول النبى ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" (٥) , ولا يقطع السارق عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد والشيعة إذا سرق مالاً مشتركًا مع المجنى عليه لأن السارق يملك المسروق على الشيوع مع المجنى عليه فيكون هذا شبهة تدرأ القطع.

стр. 1367

ويرى المالك قطع الشريك إذا سرق المال المشترك بشرط أن يأخذ نصابًا أكثر من حقه. ويشترط أن يكون مال الشركة محجوبًا عنه أى محرزًا عنه, فإن كان المال المشترك مثليًا فلا قطع إلا أن يسرق نصابًا أكثر من نصف المال كله, وإن كان المال المشترك فيه قيميًا قطع إذا كان ما سرقه يبلغ نصابين ولو لم يكن المسروق كل المال المشترك لأن حقه فى المسروق نصاب واحد والنصاب الثانى يستحقه الشريك المسروق منه. والقاعدة عند الظاهريين أن من سرق من شيء له فيه نصيب يقطع إذا أخذ زائدًا على نصيبه مما يجب فيه القطع فإن سرق أقل فلا قطع عليه, إلا أن يكون مُنع حقه فى ذلك أو احتاج إليه فلم يصل إلى أخذ حقه إلا بما فعل ولا قدر على أخذ حقه خالصًا فلا يقطع لأنه مضطرًا إلى أخذ ما أخذ إذ لم يقدر على تخليص مقدار حقه (١) . وفى مذهب الشافعى من يرى القطع على من يسرق نصابين من المال المشترك, وبعض أصحاب هذا الرأى يرى عدم القطع إذا كان المال المشترك قابلاً للقسمة ولم يأخذ السارق أكثر من حقه ويعتبرون الأخذ قسمه فاسدة, فإن أخذ أكثر من حقه نصابًا قطع, وكذلك إذا أخذ نصابين من المال ولم يكن المال قابلاً للقسمة, وهذا يتفق مع رأى مالك. ورأى القائلين بعدم القطع ليس معناه إعفاء الشريك من المسئولية الجنائية, فالمسئولية قائمة ولكن العقوبة على الفعل التعزير لا القطع؛ لأنهم يعتبرون الشركة شبهة تدرأ القطع. وسرقة المال العام حكمها حكم المال المشترك عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد والشيعة الزيدية؛ لأن للسارق حقًا فى هذا المال, وقيام هذا الحق يعتبر شبهة تدرأ عنه الحد. أما مالك فيرى قطع السارق من بيت المال أو من مال المغنم, ويرى ذلك الظاهريون أيضًا بالشروط التى يشترطونها فى المال المشترك. ويرى الشافعية القطع فى سرقة المال العام إذا خصص لطائفة لا يدخل فيها

стр. 1368

, كأن خصص للفقراء وليس منهم, فالقطع واجب إذا لم يكن له حق فى المال (١) . ويرى الحنابلة القطع فى مال المغنم بعد إخراج الخمس, فإذا سرق قبل إخراجه فلا قطع, وإذا قسم الخمس, فإذا سرق من خمس الله تعالى لم يقطع, وإن سرق من غيره قطع (٢) . سرقة مال المدين: ويرى مالك أنه لا قطع على من أخذ قدر حقه مدينه المماطل أو الجاحد, سواء كان ما أخذه من جنس حقه أو من عير جنسه, فإذا زاد ما أخذه على قدر حقه نصابًا قطع به, كذلك يقطع إذا لم يكن الدَّين حالاً أو لم يكن المدين مماطلاً أو جاحدًا (٣) . ولا يرى الشافعى قطع الدائن إذا أخذ أكثر من حقه نصابًا, والرأى الأرجح فى مذهب أحمد كمذهب الشافعي, أما الرأى المرجوح فيرى قطع الدائن, لأنه ليس له أن يأخذ قدر دينه. وإذا أخذ الدائن أكثر من حقه؛ فأصحاب الرأى الأول بعضهم يرى قطعه إذا أخذ نصابًا وهو رأى مالك, وبعضهم لا يرى قطعه وهو رأى الشافعي؛ لأن له شبهة فى هتك الحرز وأخذ ناله فصار كالسارق من غير حرز (٤) . ويطبق الظاهريون قاعدتهم التى سبق ذكرها عند الكلام على سرقه المال المشترك. وفى مذهب الشيعة الزيدية ثلاثة آراء: أولها قطع من يسرق مال المدين ما دام أنه سرق من جنس حقه وكان المسروق مساويًا للدين فى العدد والجنس, كأن سرق عشرة دراهم والمسروق منه مدين بعشرة دراهم, فإن كان الدين حالاً فلا قطع, لأن الأخذ مباح له, لأنه ظفر بجنس حقه, ومن له الحق إذا ظفر بجنس حقه يباح له أخذه, فإذا أخذه صار مستوفيًا لحقه. وكذلك الحكم لو أخذ أكثر من حقه, لأن بعض المأخوذ حقه على الشيوع ولا قطع فيه فلا

стр. 1369

يقطع فى غيره كما هو الحال فى المال المشترك. أما إذا كان الدَّين مؤجَّلاً فالقياس أن يقطع, ولكنهم يرون استحسانًا أن لا يقطع, لأن حق الأخذ ليس سببه حلول الأجل, وإنما سبب ثبوته هو قيام الدين فى ذمة المسروق منه, ووجود الأصل لا أثر له على قيام الدين وإنما أثره فى تأخير المطالبة بالدين, فقيام سبب ثبوت الدين يورث شبهة والشبهة تمنع القطع. وإن سرق خلاف جنس حقه بأن كان عليه دراهم فسرق دنانير أو عروضًا قطع, لأنه لا يملكه بنفس الأخذ, بل بالاستبدال والبيع, فكان سارقًا ملك غيره, لكنه إذا دفع التهمة بأنه أخذه استيفاء لحقه فلا يرى البعض قطعه لأنه يعتبر متأولاً إذ اعتبر المعنى, وهو المالية لا الصورة, والأموال كلها فى معنى المالية متجانسة, وإذا كان الأخذ عن تأويل لا يقطع (١) . وعن أبى يوسف أنه لا يقطع إذا أخذ خلاف جنس حقه, لأن بعض العلماء فى المذاهب الأخرى يجيزون لمن ظهر بغير جنس حقه أن يأخذه استفاء بحقه, ولكن المذهب على خلاف رأى أبى يوسف. وإذا سرق الجانى من مدين أبيه أو من مدين ولده قطع ما لم يقم دليلاً على أنه وكيل عنه أو وصى عليه. ويشترط أبو حنيفة أن يكون للمسروق منه يد صحيحة على الشيء المسروق, يد المالك أو يد الأمانه كالمودع, أو يد الضمان كيد الغاصب والقابض على رسوم الشراء, لأن منفعة يد الغاصب عائده للمالك, والمغصوب مضمون عليه, وضمان الغصب عند أبى حنيفة ضمان ملك, فأشبهت يد الغاصب يد المشترى, كذلك فإن المقبوض على رسوم الشراء مضمون على القابض. ويرتب أبو حنيفة على هذا الشرط ألا قطع على السارق من سارق, لأن يد الأخير ليست صحيحة فلا هى يد ملك ولا أمانه ولا ضمان, ولكن إذا درئ القطع عن السارق الأول قطع الثاني, لأن درء الحد عن السارق الأول يجعله ضامنًا للمسروق, ويد الضمان

стр. 1370

يد صحيحة, ويجعل أبو حنيفة السارق ضامنًا إذا درئ عنه القطع ولا يجعله ضامنًا إذا قطع, لأن القاعدة عنده أن القطع والضمان لا يجتمعان (١) . ولا يشترط مالك شروطًا خاصة فى المسروق منه, وكل ما يشترطه مالك أن يكون المسروق ملك الغير, سواء سرق من يد المالك أو من يد غيره مطلقًا, لأن السارق يسرق ملك غيره فى كل حال, ويترتب على هذا أن مالكًا يقطع السارق من السارق, والسارق من الغاصب, والسارق ممن يقوم مقام المالك كالمودع والمرتهن والمستأجر (٢) , والقاعدة عند مالك أن من سرق مالاً للغير من حرز لا شبهة فيه قطع. ويرى أحمد أن يكون المسروق منه هو المالك أو من يقوم مقامه, فإذا أخذه من غيرهما فهو أشبه بما لو أخذ مالاً ضائعًا, والفرق بينه وبين السارق أن السارق يزيل يد المالك أو نائبه عن الشيء ويأخذه من حرزه, ويرتب أحمد على هذا أن السارق من المالك أو نائبه يقطع إذا توفرت كل شروط القطع. أما السارق من السارق أو الغاصب فلا قطع عليه ولو كان المال محرزًا (٣) . أما الشافعى ففى مذهبه رأيان: أحدهما كرأى مالك, والثانى كرأى أحمد, ويعللون الرأى الأول بأن السارق يقطع؛ لأنه سرق مالاً لا شبهة له فيه من حرز مثله, ويعللون الرأى الثانى بأن السرقة من حرز لم يرضه المالك, وأن المحرز ليس هو المالك ولا نائبه (٤) . وأما الشيعة الزيدية فرأيهم يتفق مع مذهب الشافعي, فلا قطع عند بعضهم على السارق من السارق ولا الغاصب, وبعضهم يرى القطع (٥) . وعند الظاهرية أن السرقة هى الاختفاء بأخذ الشيء ليس له, وأن السارق
следующие страницы →