← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عن الرسول مقطوع به، والسنة المشهورة وسنة الآحاد واجبة الاتباع وإن كانت ظنية الورود عن الرسول؛ لأن هذا الظن راجح بما توفر في الرواة من العدالة والإتقان. وقد اعتبرت أحكام السنة ملزمة واجبة الاتباع لأن القرآن جعلها كذلك، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ، ويقول: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ، ويقول: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] ، ويقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: ٦٤] ، ويقول: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢] ، ويقول: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ، ويقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ، ويقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . فالسنة إذن تشريع واجب الاتباع بنص القرآن، وقد أجمع الصحابة في حياة الرسول وبعد وفاته على وجوب اتباع سنته، فكانوا في حياته يمضون أحكامه، ويمتثلون أمره ونهيه؛ يُحلون ما أحل، ويُحرمَّون ما حرم، وبعد وفاته إذا لم يجدوا في القرآن حكم أي واقعة نزلت بهم يسألوا عن سنة الرسول فيها، وكان أبو بكر إذا لم يحفظ سنة في واقعة ما خرج ينشد المسلمين أيهم يحفظ سنة عن النبي في تلك الواقعة، كذلك كان يفعل عمر وغيره من الصحابة والتابعين. ١٢٨ - هل تعتبر كل أقوال الرسول وأفعاله تشريعاً؟: أفعال الرسول وأقواله على أنواع: فمنها ما صدر عنه باعتباره بشراً؛ كالقيام والقعود والأكل

стр. 177

والشرب، ومثل هذه الأفعال لا تعتبر تشريعاً؛ لأنها صدرت عن الرسول بمقتضى بشريته وليست جزءاً من رسالته. وبعض الأفعال صدر عن الرسول ﷺ ودل الدليل أنها من خصائصه لا يشاركه فيها أحد، كالزواج بأكثر من أربعة، ودخول مكة بغير إحرام، والوصال في الصوم، وهذه أيضاً لا تعتبر تشريعاً؛ لأنها خاصة بالرسول فلا يشاركه فيها غيره. وبعض الأفعال صدر عن الرسول ﷺ وأساسه خبرته الخاصة بالشئون الدنيوية، كالاتجار والزراعة وتنظيم الجيش، وهذه الأفعال وأمثالها ليست تشريعاً أيضاً؛ لأن مبناها الخبرة الشخصية، والرسول نفسه كان لا يعتبر هذه الأفعال تشريعاً، فقد أشار على بعض الصحابى بتأبير النخل على وجه خاص فلم يصلح النخل به، فعدل عن رأيه وقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، وفي موقعة بدر أراد أن ينزل بالجيش في مكان معين، فقال له أحد أصحابه: أهذا منزل أنزلكه الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" فأشار الصحابي بإنزال الجنود في مكان آخر لأسباب بينها فأخذ الرسول بمشورته. أما الأقوال والأفعال التي صدرت عن الرسول ﷺ بقصد البيان والتعليم والإرشاد فهي تشريع ملزم، ومثل ذلك قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله: "خذوا عني مناسككم"، وقطعه يد السارق اليمنى من الكوع بياناً لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ ، وكأمره بدفن المرجوم والصلاة عليه حينما سئل عن ماعز فقال: "افعلوا به كما تفعلون بموتاكم"، وكاختياره سوطاً لا هو بالشديد ولا هو باللين حينما أراد إقامة الحد، ومثل ذلك أيضاً ما روي عنه من أن أم سلمة سألته عن قبلة الصائم، فقال لها: "لم لم تقولي لهم إني أقبل وأنا صائم؟ "، ولما سألته عن بل الشعر في الاغتسال قال: "أما أنا فيكفيني أن أحثو رأسي ثلاث حثيات من الماء". ولقد اختلف الصحابة في الغسل من غير إنزال فأنفذ عمر إلى عائشة

стр. 178

رضي الله عنها وسألها عن ذلك؛ فقالت: فعلته أنا ورسول الله واغتسلنا. فأخذ عمر الناس بذلك. وكان عمر يقبل الحجر الأسود في طوافه ويقول: إني أعلم أنك حجر لا يضر ولا ينفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك. ولولا أن فعل رسول الله وقوله متبع لما أخذ الصحابة بفعله وقوله. * * * الفرع الثالث الإجماع ١٢٩ - تعريف الإجماع: الإجماع هو اتفاق جميع المجتهدين من الأمة الإسلامية في عصر من العصور بعد وفاة الرسول ﷺ على حكم شرعي. ١٣٠ - حجية الإجماع: إذا اتفق جميع المجتهدين في الأمة الإسلامية متفرقين أو مجتمعين على حكم واقعة من الوقائع كان هذا الحكم المتفق عليه واجب الاتباع، واعتبر الإجماع قطعياً على الحكم. أما إذا كان الرأي صادراً عن أكثرية المجتهدين فإنه يعتبر دليلاً ظنياً، ويجوز للأفراد اتباعه ويجوز للمجتهدين أن يروا خلافه، ما لم ير ولي الأمر أن يوجب اتباعه فيصبح في هذه الحالة واجب الاتباع. ١٣١ - الأساس التشريعي للإجماع: أساس الإجماع هو القرآن والسنة، فالاجتهاد لا يقوم على التحكم وإنما يقوم على مبادئ الشريعة العامة وروحها فيما لم يرد فيه نص صريح في القرآن والسنة، واتفاق المجتهدين على حكم معين قاطع في موافقة هذا الحكم لمبادئ الشريعة العامة وروح التشريع فيها؛ لأن اجتماعهم على حكم واحد مع اختلاف الأقطار والبيئات والمذاهب دليل على أن وحدة الحق هي التي جمعتهم. وقد دعا القرآن والسنة إلى اعتبار الإجماع تشريعاً ملزماً، فقوة الإلزام في الإجماع واعتباره مصدراً تشريعياً مرده إلى نصوص القرآن ونصوص السنة.

стр. 179

القرآن: فأما القرآن فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ، ومن المتفق عليه أن أولي الأمر في هذه الأية مقصود بهم الحكام والعلماء معاً، فكل منهم ولي أمر في عمله، فإذا أجمع العلماء على حكم وجب اتباعه؛ لأن طاعتهم واجبة بنص القرآن، كذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ، والمقصود بأولي الأمر في هذه الآية العلماء. السنة: أما السنة فجعلت رأي الجماعة صواباً خالصاً بعيداً عن الخطأ، واعتبرت الرأي المجمع عليه حسناً عند الله، فقد قال رسول الله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على الخطأ"، وقال: "لم يكن الله ليجمع أمتي على ضلالة"، وقال: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن". ١٣٢ - الإجماع مصدر القوانين والوائح والقرارات: القوانين الجنائية هي النصوص التي تصدرها السلطات المختصة بسن القوانين بغض النظر عن شكل الحكومة الدستوري، وهذه النصوص تسمى في مصر قوانين إذا جاءت عن طريق البرلمان، وتسمى مراسيم بقوانين إذا أصدرها الملك في غيبة البرلمان، طبقاً للمادة ٤١ من الدستور المصري، وفي كلا الحالين يجب أن تقرها أغلبية من أعضاء البرلمان، فإذا أقرتها الأغلبية أمر الملك بإصدارها، وأصبحت ملزمة للأفراد. فمصدر القوانين هو الإجماع الناقص، أو هو إجماع الأكثرية على القواعد والمبادئ التي يحتويها القانون، وقوة القانون الملزمة تأتي لا من هذا الإجماع وإنما من أمر ولي الأمر لإصدار القانون ووضعه موضع التنفيذ، فالإجماع هنا دليل ظني لا قطعي. واللوائح والقرارات هي ما تصدره السلطات الإدارية والمحلية من قواعد لتنفيذ قانون ما، بناء على السلطة المخولة لهذه السلطات بنص القانون فمصدرها هو مصدر القانون أي الإجماع الناقص، وقوتها الإلزامية مستمدة من أمر ولي الأمر الذي أصدر القانون، وخول لمن وكل إليه التنفيذ سلطة التنفيذ.

стр. 180

١٣٣ - مركز القوانين واللوائح والقرارات من التشريع الإسلامي: تعتبر القوانين والقرارات واللوائح مكملة للتشريع الإسلامي؛ لأن الشريعة تعطي لأولي الأمر حق التشريع فيما يمس مصلحة الأفراد ومصلحة الجماعة، وقيما يعود على الأفرادوالجماعة بالنفع، فللسلطة التشريعية في أي بلد إسلامي أن تعاقب على أي فعل مباح إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، ولها أن تعفو عن الجريمة أو عن العقوبة (١) إذا كانت الجريمة من جرائم التعازير واقتضت المصلحة العامة العفو عن الجريمة، أو العفو عن العقوبة كلها أو بعضها، ولها أن تضيق من سلطان القاضي في أي جريمة من جرائم التعازير وأن تتركه واسعاً ما دامت المصلحة العامة تقتضي هذا. والقوانين والقرارات واللوائح التي تصدرها السلطة التشريعية تكون نافذة واجبة الطاعة شرعاً، وبشرط أن لا يكون فيها ما يخالف نصوص الشريعة الصريحة أو يخرج على مبادئها العامة وروح التشريع فيها، وإلا فهي باطلة بطلاناً مطلقاً، كما سنبين فيما بعد عند الكلام على النسخ. ١٣٤ - الشريعة لم تنفرد بجعل الإجتماع تشريعاً: وقد يظن البعض أن الشريعة انفردت باعتبار الإجماع مصدراً للتشريع، وهو ظن خاطئ، فالقوانين الوضعية في غير البلاد الإسلامية أساسها رأي الجماعة سواء في التشريع أو التطبيق. فالقوانين لا تصدر إلا إذا وافقت عليها أغلبية الهيئات التشريعية، والنظريات القانونية التي يجمع عليها معظم الفقهاء أو معظم القضاة يكون لها - دون تشريع - قوة ملزمة مصدرها هذا الإجماع الناقص. وتجعل القوانين الوضعية الحكم لرأي غالبية القضاة عند الاختلاف إذا تعدد القضاة، فإذا كانت المحكمة مكونة من ثلاثة قضاة كان الحكم ما يراه اثنان منهما، وإذا اختلفت الدوائر المحاكم العليا في تقرير المبادئ القانونية أو تفسير النصوص كان الحكم لأغلبية قضاة هذه الدوائر مجتمعين. ومعنى هذا كله أن القوانين الوضعية تسلم بالإجماع، وتجعل

стр. 181

الإجماع الناقص مصدراً للتشريع والتفسير والتطبيق؛ لأنه يمثل رأي الأكثرين. * * * الفرع الرابع القياس ١٣٥ - تعريف القياس: القياس هو إلحاق ما لا نص فيه نص في الحكم الشرعي المنصوص عليه لاشتراكهما في علة هذا الحكم. ويؤخذ من هذا التعريف أن للقياس أربعة أركان: (١) المقيس عليه: وهو الأمر الذي ورد النص ببيان حكمه، ويسمى الأصل. (٢) المقيس: وهو الأمر الذي لم يرد نص بحكمه، ويراد معرفة حكمه، ويسمى الفرع. (٣) الحكم: وهو الحكم الشرعي الذي ورد به النص في الأصل، ويراد الحكم به على الفرع. (٤) العلة: وهي الوصف الذي شرع الحكم في الأصل لأجله وتحقق في الفرع (١) . ١٣٦ - هل القياس ممكن في جميع الأحكام؟: اختلف الفقهاء في جواز إجراء القايس في جميع الأحكام الشرعية، فرأت قلة أنه جائز لأن جميع الأحكام الشرعية من جنس واحد، وتدخل تحت حد واحد هو حد الحكم الشرعي وتشترك فيه، وقد جاز على بعضها أن يكون ثابتاً بالقياس، وما جاز على بعض المتماثلات كان جائزاً على بعضها الآخر. ورأي جمهور الفقهاء أن القياس لا يجوز إجراؤه بصفة عامة في كل الأحكام الشرعية ولو أنها تدخل تحت حد واحد؛ لأنها متنوعة ومتمايزة بأمور موجبة للتنوع والتمايز، ولا مانع من

стр. 182

أن يكون ما جاز على بعضها وثبت له قد جاز باعتبار خصوصيته وتعيينه لا باعتباره حكماً شرعياً مجرداً، وعند هؤلاء أن القياس في كل الأحكام ممتنع لسببين: أولهما: أنه يفضي إلى أمر ممتنع فكان ممتنعاً؛ لأن كل قياس لابد له من أصل يستند إليه، فلو كان كل حكم يثبت بالقياس لكان حكم أصل القياس ثابتاً بالقياس، وكذلك حكم أصل أصله، وإذا تسلسل الأمر إلى غير نهاية امتنع وجود قياس ما؛ لتوقفه على أصول لا نهاية لها. وثانيهما: أن من الأحكام ما يثبت غير معقول المعنى؛ كتحديد جلد الزاني غير المحصن بمائة جلدة، وقاذف المحصنات بثمانين، وما كان كذلك فإجراء القياس فيه متعذر؛ لأن القياس يقوم على تعدية علة الأصل للفرع، فما لا يعقل له علة يمتنع إثباته بالقياس (١) . ١٣٧ - القياس في الجرائم والعقوبات: واختلف الذين لا يجيزون القياس في كل الأحكام في جواز القياس في الجرائم والعقوبات، فقال بعضهم: إنه جائز، وقال بعضهم: إنه غير جائز، ولكل حججه. والقائلون بجواز القياس لهم حجتان: الأولى: أن النبي ﷺ أقر القياس حين سأل معازاً: بم تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد أجتهد رأيي، فأقره الرسول على قوله: أجتهد رأيي، وهو تعبير مطلق لا تفصيل فيه، فدل ذلك على جواز القياس في الجرائم والعقوبات. الثانية: أن الصحابي لما اشتوروا في حد شارب الخمر قال علي ﵁: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفترى.

стр. 183

فقياس حد الشارب على حد المفترى، ولم ينقل عن أحد من الصحابة نكير فكان إجماعاً. والقائلون بعد جواز القياس يحتجون بثلاث حجج: الأولى: أن الحدود والكفارات من الأمور المقدرة التي لا يمكن تعقل المعنى الموجب لتقديرها، والقياس أساسه تعقل علة حكم الأصل، فما لا يعقل له من الأحكام علة فالقياس فيه متعذر. الثانية: أن الحدود عقوبات، وكذلك الكفارات فيها شائبة العقوبة، والقياس مما يدخله احتمال الخطأ، واحتمال الخطأ شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات؛ لقوقه ﵊: "ادراءوا الحدود بالشبهات". الثالثة: أن الشارع قد أوجب حد القطع بالسرقة، ولم يوجبه بمكاتبة الكفارة مع أنه أولى بالقطع، وأوجب الكفارة بالظهار لكونه منكراً وزوراً ولم يوجبها في الردة مع أنها أشد في المنكر وقول الزور. فحيث لم يوجب ذلك فيما هو أولى فهو دليل على امتناع جريان القياس فيه (١) . وقد تكون حجج هذا الرأي من القوة بحيث ترجحه على الرأي الأول، خصوصاً إذا لاحظنا أن تقرير حد القاذف لم يكن نتيجة القياس، إنما كان تقريره نتيجة للإجماع عليه، ولا عبرة بالاستدلال عليه بطريق القياس؛ لأن القياس لم يجعله تشريعاً ملزماً، وإنما الذي جعله كذلك هو الإجماع عليه. على أنه يجب أن نعرف أن القياس في العقوبات يقتضي قبل كل شئ القياس في الجرائم، وأن القائلين بجواز القياس في الجرائم لا يؤدي قولهم إلى توسيع الدائرة التي تنطبق فيها النصوص، فالقياس في الجرائم والعقوبات إذن ليس مصدراً تشريعياً، وإنما هو مصدر تفسيري يساعد على تعيين الأفعال التي تدخل

стр. 184

تحت النص، فإذا حرم النص صورة معينة لعلة ما ألحق بها القياس كل الصور المماثلة التي تتوفر علة التحريم، كإلحاق اللواط بازنا، وإلحاق القتل بالمثقل بالقتل بالمحدد، وإلحاق المسكر بالخمر عند البعض، وإلحاق القبر بالمسكن وغيره من الأمكنة المعدة لحفظ المال بحيث يعتبر آخر الكفن سارقاً ... وهكذا. ولا ضير من الأخذ بهذا الرأي الذي تأخذ به المحاكم اليوم إلى حد كبير، وينادى بالتوسع في تطبيقه علماء القانون وشراحه. ١٣٨ - القياس في الإجراءات: ويسلم الفقهاء بالقياس في الإجراءات الجنائية، بل يسلمون بالقياس وبغيره من المصادر الأخرى التي لا يعترفون بها مصادر تشريعية جنائية، كالعرف، ومذهب الصحابي، فمثلاً يرى البعض أن يكون الإقرار في السرقة مرتين قياساً على اشتراط الأقارير الأربعة في الزنا، ومن لا يسلم بهذا يرى أن الحكم بالزنا فقط فلا قياس عليه. ويرى البعض جواز شهادة النساء في الجرائم قياساً على جواز شهادتين في المسائل المدنية. ويجمعون على الحفر للمرجوم، وهو مذهب علي. ويشترط أبو حنيفة وأصحابه وجود رائحة الخمر مع شهادة الشهود في إثبات جريمة الشرب، وهو مذهب عبد الله بن مسعود. * * * المبحث الثالث تفسير الأحكام الجنائية، أي النصوص الجنائية ١٣٩ - سلطة القاضي في تفسير النصوص: للقاضي وهو يطبق النصوص أن يفسرها إذا وجد غموضاً أو خفاء في دلالتها، أو تضارباً بين عباراتها. وقد وضع الفقهاء قواعد للتفسير تطبق وتراعى في فهم الأحكام من النصوص، وبعض هذه القواعد لغوية وبعضها تشريعية.

стр. 185

الفرع الأول القواعد اللغوية الموضوعة للتفسير ١٤٠ - كيف استنبطت هذه القواعد؟: استنبط علماء الأصول هذه القواعد من استقراء الألفاظ والعبارات والأساليب العربية، ودلالة كل ذلك على معناه المعروف لغوياً، فقد بحث العلماء دلالات الألفاظ والعبارات وما فيها من وضوح أو غموض؛ لأن بعضها يكون واضحاً وبعضها يكون غامضاً، ثم بحثوا اللفظ من حيث اشتراكه في أكثر من معنى، ومن حيث عمومه وشموله لكل أفراده، ومن حيث خصوصه وانطباقه على بعض الأفراد دون البعض، فقواعد التفسير اللغوية يقتضي العلم بها أن ندرس: أولاً: دلالات العبارات والألفاظ أو مفهوماتها. ثانياً: وضوح الدلالات وغموضها. ثالثاً: اشتراك الألفاظ وعمومها وخصوصها. وقد وضعت قواعد التفسير أصلاً لتطبق في فهم معاني النصوص الشرعية، ولكنها في الواقع تطبق أيضاً في معاني أي نص غير شرعي ما دام مصوغاً في لغة عربية. ١٤١ - أولاً: دلالات العبارات والألفاظ أو مفهوماتها: من المسلم به أن لكل لفظ دلالته، ولكل عبارة دلالتها، ويترتب على ذلك أن النص الشرعي وهو مكون من ألفاظ وعبارات قد تكون له دلالة واحدة، وقد يكون له أكثر من دلالة، ويستدل بالنص عادة على دلالاته؛ أي مفهوماته، وهذه المفهومات لا تخرج عن خمسة: الأول: مفهوم العبارة: وهو المعنى الذي يتبادر إلى الذهن من صيغة النص، وهو الذي قصده الشارع من وضع النص؛ لأن المشرع حين يضع النص يختار له من الألفاظ والعبارات ما يدل دلالة واضحة على غرضه، ثم

стр. 186

يصوغه بعد ذلك بحيث يتبادر المعنى المقصود من النص إلى ذهن المطلع بمجرد الاطلاع عليه. الثاني: مفهوم الإشارة: هو معنى لم يوضع النص من أجله، ولا يتبادر إلى الذهن من الاطلاع على صيغة النص، ولكنه مع ذلك يكون لازماً لعبارة النص أو لبعض ألفاظه، فمفهوم الإشارة هو معنى لازم للنص غير مقصود من سياقه، مثل قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر: ٨] ، فمفهوم العبارة الذي وضع النص من أجله هو أن الفقراء المهاجرين لهم نصيب من الفيء، ومفهوم الإشارة أن أموال هؤلاء المهاجرين التي تركوها قد خرجت عن ملكهم؛ لأن وصفهم بأنهم فقراء يستلزم أن لا تكون أموالهم على ملكهم. الثالث: مفهوم الدلالة: هو المعنى الذي يفهم من روح النص ومنطقه، فإذا دلت عبارة النص على حكم في واقعة ما لعلة استوجبت هذا الحكم، فكل واقعة أخرى من جنسها تدخل تحت مفهوم النص إذا توفرت فيها علة الحكم، وكانت مساوية للواقعة التي جاء بها النص أو أولى منها بالحكم، على أن تكون المساواة أو الأولوية متبادرة إلى الفهم دون حاجة لقياس أو اجتهاد، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] ، فقد نهى الله عن التأفف من الوالدين ونهرهما وحرم ذلك، وهذا هو المفهوم من عبارة النص، ولكن الذي يفهم من دلالته أن كل ما ساوى التأفف أو كان أشد منه محرم أيضاً، لتوفر علة التحريم فيما يساوي التأفف، ولأن ما زاد عليه أولى بالتحريم، أما ما يقل عن التأفف والنهر فلا يدخل تحت النص. ويسمى الاستدلال على هذا الوجه بالقياس الجلي؛ لظهور فهم المساواة أو الأولوية بين المنطوق والمفهوم الموافق له كما يسمى مفهوم الدلالة بمفهوم الموافقة، لأنه يوافق منطوق النص في علة الحكم موافقة تفهم بمجرد فهم عبارة النص، ويسمى أيضاً فحوى الخطاب؛ أي روحه وما يعقل منه.

стр. 187

الرابع: مفهوم الاقتضاء: هو المعنى الذي يقتضيه النص بحيث لا تصح صيغة النص ولا تستقيم دون تقدير هذا المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ، فهذه الصيغة قد يفهم منها معاني كثيرة ولكن لا يمكن أن تصح وتستقيم إلا إذا فهمت على أن التحريم مقصود منه الزواج، وهذا هو مفهوم الاقتضاء. ومثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ، فمفهوم الاقتضاء فيها هو تحريم الأكل. الخامس: مفهوم المخالفة: هو المعنى المخالف لمفهوم العبادة، او هو المعنى الذي انتفت عنه قيود النص، وقد اختلف الأصوليون في مفهوم المخالفة، فرأى فريق منهم أن لكل نص دلالتين: دلالة على حكم معين في منطوقه، ودلالة على نقيض هذا الحكم فيما يخالفه، أي في مفهومه المخالف، فقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، يدل على تحريم الدم المسفوح بمنطوق النص، ويدل على إباحة الدم غير المسفوح بمفهوم النص المخالف، فكلما دل النص بمنطوقه على حكم معين فإنه يدل على نقيض هذا الحكم بمفهومه المخالف. فمفهوم المخالفة ليس مسكوتاً عنه عند هؤلاء. والفريق الثاني يرى أن مفهوم المخالفة مسكوت عنه، وأن النص يوضح للحكم المنطوق به، ولا يوضع لمفهومه المخالف. فطبقاً لهذا الرأي لا دلالة للنص إلا على حكمه المعين في منطوقه، وأما مفهومه المخالف فلا دلالة للنص على حكم فيه، وهذا هو الرأي الراجح. ١٤٢ - تعارض المفهومات: إذا تعارضت المفهومات يرجح مفهوم العبارة على مفهوم الإشارة؛ لأن مفهوم العبارة هو المعنى الذي وضع النص من أجله، وأما مفهوم الإشارة فهو معنى لازم لبعض ألفاظ النص ولكن الشارع لم يقصده لذاته. وإذا تعارض مفهوم العبارة أو مفهوم الإشارة مع مفهوم الدلالة رجح مفهوم العبارة أو مفهوم الإشارة؛ لأن كل منهما مفهوم الصيغة أو الألفاظ التي

стр. 188

اختارها الشارع، أما مفهوم الدلالة فهو ما يفهم من روح النص ومنطقه، وليس يصح أن نبطل معنى العبارات والألفاظ التي اختارها الشارع للمعنى الذي نفهمه نحن من روح النص. أما مفهوم الاقتضاء فهو مقدم على غيره؛ لأنه المعنى الذي لا تصح صيغة النص ولا تستقيم إلا به. أما مفهوم المخالفة فقد رأينا أنه على الرأي الراجح مسكوت عنه ولا عمل له. ١٤٣ - ثانياً: وضوح الدلالات وغموضها: تنقسم الألفاظ والعبارات والنصوص من حيث ظهور معناها إلى نوعين: نوع واضح الدلالة على معناه وليس في دلالته غموض ولا إبهام، ونوع غامض الدلالة وفيه غموض وخفاء. والواضح الدلالة ليس على درجة واحدة في وضوح دلالته، بل بعضه أوضح الدلالة من بعض، كما أن الغامض الدلالة بعضه أخفى دلالة من بعض. ١٤٤ - أقسام الواضح لدلالة: ينقسم الواضح الدلالة إلى أربع أقسام: (١) الظاهر ... (٢) النص ... (٣) المفسر ... (٤) المحكم. ١٤٥ - الظاهر: الظاهر هو ما دلت صيغته على معناه دلالة واضحة، بحيث لا يتوقف فهم معناه على قرينة خارجية، ولم يكن معناه هو المقصود أصلاً من السياق أي من وضع الصيغة، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، فإحلال البيع وحرم الربا يفهم من لفظي "أحل" و"حرم" دون حاجة إلى قرينة خارجية، وهذا المعنى لم يقصد من سياق الآية؛ لأنها سيقت أصلاً لنفي المماثلة بين البيع والربا، رداً على من قالوا بأن البيع مثل الربا: ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] . حكم الظاهر: يجب العمل بما ظهر منه ما لم يقم دليل يقتضي العدول عن

стр. 189

ظاهره، إذ الأصل عدم صرف اللفظ عن ظاهره إلا بدليل يقتضي صرفه عن ظاهره، او إرادة معنى آخر منه. وإذا كان الظاهر عاماً احتمل التخصيص، وإذا كان مطلقاً احتمال التقييد، وإن كان حقيقة احتمل أن يراد به معنى مجازياً، إلى غير ذلك من وجوه التأويل. ولا يكون التأويل صحيحاً إلا إذا بني على دليل شرعي: من نص، أو قياس، أو روح التشريع ومبادئه العامة، فإذا لم يبن على دليل شرعي كان تأويلاً باطلاً. ١٤٦ - النص: هو ما دلت صيغته دلالة واضحة على معناه المقصود أصالة من السياق، فمتى كان المعنى ظاهراً بوضوح في اللفظ - وهو المقصود أصالة من السياق - كان اللفظ نصاً عليه، فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ نص على نفي المماثلة بين البيع والربا؛ لأنه معنى ظاهر من اللفظ ومقصود أصالة من سياقه. حكم النص: حكمه هو حكم الظاهر، ويحتمل مثله التأويل. ١٤٧ - المفسر: هو ما دلت صيغته دلالة واضحة على معنى مفصل ينتفي معه احتمال التأويل، مثل قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] ، ويعتبر النص مفسراً ولو ورد مجملاً غير مفصل إذا ألحق به الشارع ما يفصله ويزيل إجماله، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] ، فهو نص مجمل، ولكن الرسول فصل معناه حين قال: "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الزنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير نفس". حكم المفسر: يجب العمل به كما فصل، ولا يحتمل أن يؤول أو يصرف عن ظاهره، والتفسير الذي ينفي احتمال التأويل هو التفسير المستفاد من الصيغة، أو المستفاد من بيان تفسيري مصدره المشرع، أما تفسير الفقهاء والمجتهدين فلا يعتبر من التشريع ولا ينتفي معه احتمال التأويل.

стр. 190

١٤٨ - المحكم: هو ما دلت صيغته دلالة واضحة على معنى لا يبقي إبطالاً ولا تبديلاً، ولا يبقى معها احتمال للتأويل. والمحكم لا يقبل الإبطال ولا التبديل؛ لأن الحكم المستفاد منه حكم أساسي من قواعد الدين كعبادة الله وحده، والإيمان بكتبه ورسله، أو لأنه من أمهات الفضائل التي لا تختلف باختلاف الأحوال، كبر الوالدين والعدل، أو لأنه حكم فرعي جزئي أيده الشارع، كقوله تعالى في قاذفي المحصنات: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] ، والمحكم لا يقبل التأويل؛ لأنه مفصل ومفسر تفسيراً لا مجال معه للتأويل. حكم المحكم: يجب العمل به قطعاً ولا يحتمل صرفه عن ظاهره. ١٤٩ - حكم التعارض: إذا تعارض ظاهر ونص، رجح النص؛ لأن الشارع قصده أصالة. وإذا تعارض نص ومفسر، رجح المفسر؛ لأنه أوضح دلالة على المراد منه إذ لا يحتمل التأويل. وإذا تعارض محكم ومفسر، رجح المحكم لأنه أقوى دلالة من المفسر. ١٥٠ - أقسام الغامض الدلالة: ينقسم الغامض الدلالة إلى أربع أقسام: (١) الخفي ... (٢) المشكل ... (٣) المجمل ... (٤) المتشابه. ١٥١ - الخفي: الخفي في الاصطلاح هو اللفظ الدال على معناه دلالة ظاهرة، ولكن في انطباق معناه على بعض الأفراد غموض وخفاء يحتاج إلى نظر وتأمل. ومنشأ هذا الغموض أن الفرد فيه صفة زائدة على سائر الأفراد، أو ينقص صفة عنها، أو أن له اسماً خاصاً دونها، فهذه الزيادة أو هذا النقص أو هذه التسمية الخاصة تجعله موضع اشتباه، فيكون اللفظ خفياً بالنسبة لهذا الفرد. مثال ذلك لفظ السارق، فإنه ينطبق على كل من أخذ مال الغير خفية من حرز مثله؛ لأن السرقة هي أخذ مال الغير خفية من حرز مثله، ولكن في انطباق لفظ السارق على الطرار - أي النشال - نوع من الغموض والخفاء؛ لأن النشال يأخذ المال

стр. 191

من حاضر يقظان معتمداً على خفة يده ومسارقة الأعين، فهو يغاير السارق بوصف زائد فيه، هو جرأة المسارقة، ومن ثم فقد سمي باسم خاص. ومثال ذلك النباش أي سارق الأكفان، فإنه يختلف عن السارق في أنه يأخذ ما ليس على ملك أحد على رأى، أو يأخذ من غير حرز على رأى آخر. فلفظ السارق يعتبر خفياً بالنسبة للطرار والنباش، والوسيلة لإزالة هذا الخفاء هي البحث والاجتهاد، فإن رأي القاضي أن اللفظ يتناولهما ولو بمفهوم الدلالة جعلتهما من مدلولات اللفظ، وطبق عليهما حكم السرقة، وإن رأى أن اللفظ لا يتناولهما بأي طريق من طرق الدلالة لم يطبق عليهما حكم السرقة. والذي حدث في هاتين الحالتين بالذات أن المجتهدين أجمعوا على اعتبار الطرار سارقاً، ولكنهم اختلفوا في اعتبار النباش كذلك. ١٥٢ - المشكل: هو اللفظ الذي لا يدل بصيغته على المراد منه، ولكن يمكن تعيين المراد منه بقرينة خارجية. ومثاله اللفظ المشترك؛ فإنه موضوع لأكثر من معنى واحد، وليس في صيغته ما يدل على المعنى الذي يقصده الشارع منه، ولكن القرينة الخارجية تعين المعنى الذي يقصده الشارع، كلفظ القرء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإنه موضوع للطهر والحيض، وليس في صيغته ما يدل على المعنى الذي قصده الشارع. وقد ينشأ الإشكال من مقابلة النصوص بعضها ببعض، بأن يكون كل نص على حدته ظاهر الدلالة على معناه ولا إشكال فيه، ولكن الإشكال في التوفيق والجمع بين هذه النصوص. والطريق لإزالة إشكال المشكل هو الاجتهاد، فعلى القاضي إذا ورد في النص لفظ مشترك أن يتوصل بالقرائين والأدلة الشرعية إلى إزالة إشكال اللفظ وتعيين المراد منه، وإذا وردت نصوص ظاهرها التخالف والتناقض فعليه أن يؤولها تأويلاً صحيحاً يوفق بينها ويزيل ما في ظاهرها من اختلاف، وعلى أن

стр. 192

يعتمد في تأويله على نصوص أخرى، أو على مبادئ الشريعة العامة وحكمة التشريع فيها. ١٥٣ - المجمل: هو اللفظ الذي لا يدل بصيغته على المراد منه، ولا توجد معه قرائن لفظية أو حالية تبين هذا المراد. من ذلك الألفاظ التي نقلها الشارع عن معانيها اللفظية ووضعها لمعان اصطلاحية شرعية خاصة، كألفاظ الصلاة والزكاة والصيام وغيرها من كل لفظ أراد به الشارع معنى شرعياً خاصاً لا معناه اللغوي، فإذا ورد لفظ من هذه الألفاظ في نص شرعي كان مجملاً حتى يفسره الشارع، ولذلك جاءت السنة العملية والقولية بتفسير الصلاة وبيان أركانها وشروطها وكيفيتها، كما جاءت بتفسير الزكاة والصلاة وغيرهما مما جاء مجملاً في نصوص القرآن. ومن المجمل: اللفظ الغريب الذي فسره القرآن، كلفظ القارع في قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ* وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة: ١ - ٥] . وكل لفظ أراد به الشارع معنى خاصاً وليس في صيغة اللفظ ولا في القرائن الخارجية ما يبينه فهو لفظ مجمل، والطريق إلى بيانه وإزالة إجماله هو الشارع نفسه، فإن لم يبينه فلا بيان له. وإذا صدر من الشارع بيان لمجمل ولكنه غير واف بتفصيل كل ما أريد منه، فإن اللفظ المجمل ينتقل بهذا البيان غير الوافي من باب المجمل إلى باب المشكل، ويكون على القاضي أن يزيل الإشكال واجتهاده دون حاجة إلى بيان أو تفسير جديد من الشارع. ١٥٤ - المتشابه: هو اللفظ الذي لا تدل صيغته على المراد منه، ولا توجد قرائن خارجية تبينه، واستأثر الشارع بعلمه فلم يفسره.

стр. 193

وليس في النصوص التشريعية شيء من المتشابه، فلا يوجد في آيات الأحكام أو أحاديث الأحكام لفظ متشابه لا يعلم المراد به، وإنما يوجد المتشابه في مواضع أخرى، ومن أمثلته الحروف المقطعة التي بدأت بها بعض سور القرآن. ١٥٥ - ثالثاً اشتراك الألفاظ وعمومها وخصوصها: ينقسم اللفظ من حيث المعنى الذي وضع له إلى: مشترك، وعام وخاص. ١٥٦ - اللفظ المشترك: هو لفظ وضع المعنيين أو أكثر بأوضاع متعددة فهو يدل على ما وضع له على سبيل البدل، أي يدل على هذا المعنى أو ذاك؛ كلفظ القرء يدل على الحيض والطهر، ولفظ اليد في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فإنه يعني اليمنى واليسرى، ويعني من رءوس الأصابع إلى الرسغين وإلى المرفق وإلى المنكب. والاشتراك قد يكون بين معنى لغوي ومعنى اصطلاحي شرعي، وقد يكون بين أكثر من معنى واحد من المعاني اللغوية. فإذا كان الاشتراك بين معنى لغوي ومعنى اصطلاحي شرعي وجب حمل اللفظ على المعنى الاصطلاحي الشرعي دون غيره، فلفظ الطلاق موضوع لغة لحل أي قيد وموضوع شرعاً لحل قيد النكاح، فإذا أراد معرفة المعنى المقصود من هذا اللفظ المشترك في قوله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وجب أن نعرف أن المقصود هو المعنى الاصطلاحي. وإذا كان اللفظ المشترك مشتركاً بين معنيين أو أكثر من المعاني اللغوية وجب حمله على معنى واحد منها بدليل يعينه، لأن الشارع لا يقصد عقلاً من اللفظ إلا أحد معانيه، وللقاضي أن يستدل بالقرائن والأمارات التي تعين المعنى المراد، ومثال اللفظ المشترك بين معنيين لغويين الواو في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فالواو لفظ مشترك يستعمل لغة للعطف كما

стр. 194

يستعمل للحال، فإن أريد به الحال كان النهي وارداً على ما لم يذكر اسم الله عليه، والحال أنه فسق أي ذكر عليه حين ذبحه اسم غير الله، وإن أريد به العطف كان النهي وارداً على ما لم يذكر اسم الله عليه مطلقاً، سواء ذكر عليه حين الذبح اسم غير الله أم لم يذكر. ومهما تعددت معاني اللفظ المشترك فإن الشارع لا يقصد إلا أحدها دون غيره؛ لأن المعاني المتعددة توضع على سبيل البدل؛ أي على أن يحل معنى بدلاً من آخر، ولأن بعض المعاني متضاربة فلو جمع بينها لكان المقصود المعنى وضده في وقت واحد. ١٥٧ - اللفظ العام: هو لفظ وضع لمعنى واحد يتحقق في أفراد كثيرين غير محصورين، ويدل بوضعه اللغوي على شمول هذه الأفراد واستغراقها جميعاً، مثل لفظ الوصية في قوله ﷺ : "لا وصية لوارث" فهو يدل بوضعه اللغوي على شمول كل وصية؛ لأنه نكرة في سياق النفي وهي تدل على العموم. والفرق بين اللفظ المشترك واللفظ العام، أن المشترك وضع لمعان متعددة، أما العام فموضوع لمعنى واحد يتحقق في أفراد كثيرين. والألفاظ التي تفيد العموم تنحصر بالاستقراء في سبعة أنواع: ١ - لفظ كل ولفظ جميع، فكل منهما يفيد شمول أفراد ما يضاف إليه، مثل قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] . ٢ - المفرد المعرف بـ"أل" الجنسية، مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، وقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، فالمراد: جنس السارق وجنس البيع وجنس الربا، والجنس يتحقق في كل فرد، فينطبق النص على كل سارق وكل بيع وكل ربا. ٣ - الجمع المعرف بـ"أل" الجنسية أو المعرف بالإضافة، ومثل الأول

стр. 195

قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، ومثل الثاني قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . ٤ - النكرة في سياق النفي، مثل قول الرسول ﵊: "لا يقاد والد بولده"، وقوله: "لا وصية لوارث". ٥ - الاسم الموصول، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] . ٦ - اسم الشرط، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] ، وقوله: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . ٧ - اسم الاستفهام، مثل قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] . ١٥٨ - دلالة العام قطعية: وإذا ورد في نص شرعي لفظ عام ولم يقم دليل على تخصيصه وجب حمله على عمومه، لأنه موضوع لغة لهذا العموم، ولم يقم دليل يصرفه عما وضع له، وكان ثبوت الحكم الوارد بالنص لجميع أفراد هذا العام قطعياً لا ظنياً؛ لأن اللفظ عند الإطلاق يلازمه معناه قطعاً، وهذا هو معنى القاعدة الأصولية: "العام الذي لم يخصص يتناول جميع أفراده قطعاً". وإذا قام دليل على تخصيص العام وجب حمله على ما بقى من أفراده بعد التخصيص، وكان الحكم الوارد بالنص لهذه الأفراد الباقية بعد التخصيص ظنياً لا قطعياً؛ لأن النص الذي خصص العام أولاً لابد أن يكون معللاً، وهذه العلة قد تتحقق في فرد آخر مما بقى بعد التخصيص، فكأن التخصيص الأول قد جعل كل فرد من أفراد العام الباقية محتملاً للتخصيص، ولهذا الاحتمال لا تكون الدلالة قطعية. ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ،

стр. 196

فهذا نص عام ولكن الرسول ﷺ خصصه بقوله: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، ففتح هذا التخصيص للمجتهدين باب تخصيص آخر فقاسوا المصاهرة على النسب، وحرموا من الرضاع ما يحرم بالمصاهرة، كما حرم النص من الرضاع ما يحرم من النسب. ١٥٩ - ما يترتب على قطعية دلالة العام: ويترتب على القول بقطعية دلالة العام الذي لم يخصص نتيجتان هامتان: النتيجة الأولى: أن العام في نصوص القرآن والسنة المتواترة لا يخصصه ابتداء قياس ولا سنة غير متواترة؛ لأن كليهما ظني الدلالة، والظني لا يخصص القطعي. أما إذا خصص العام بقطعي فيصح بعد ذلك أن يخصصه قياس أو سنة غير متواترة؛ لأن العام بالتخصيص الأول صار ظني الدلالة، ومن ثم يصح تخصيصه بظني مثله. النتيجة الثانية: أن العام الذي لم يخصص إذا دل على حكم ودل نص خاص على خلافه فإنهما يتعارضان؛ لتساويهما في أن كلاً منهما قطعي الدلالة، فإذا خصص العام فإنه لا يعارض النص الخاص، لأنه يصير ظني الدلالة فلا يعارض النص الخاص وهو قطعي الدلالة، ويكون الترجيح للقطعي. على أن البعض يرى أن العام ظني الدلالة في كل الأحوال، لأن استقراء نصوص الشريعة دل على أنه لم يبق فيها عام على عمومه حتى اشتهرت هذه القاعدة: "ما من عام إلا وخصص". ويترتب على هذا الرأي أن العام من نصوص القرآن والسنة يخصص ابتداء بالقياس، وبالسنة غير المتواترة، وأنه إذا دل نص عام على حكم ودل نص خاص على خلافه لا يتعارضان، بل يرجح الخاص لأنه قطعي الدلالة، أما العام فظني الدلالة، والقاعدة أن الظني والقطعي لا يتعارضان لعدم تساويهما، وأن التعارض لا يكون إلا بين متساويين.

стр. 197

١٦٠ - تخصيص العام: يقصد من التخصيص العام صرفه عن عمومه وقصره على بعض ما يتناوله من الأفراد بحيث لا يدخل تحت حكم النص إلا ما بقى من أفراده بعد التخصيص، ولا يكون التخصيص إلا بدليل، وهذا الدليل على نوعين: دليل غير مستقل ودليل مستقل. ١٦١ - الدليل غير المستقل: هو ما كان جزءاً من عبارة النص العام، مثل الاستثناء الوارد في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٤ - ٥] . ١٦٢ - الدليل المستقل: هو ما لم يكن جزءاً من عبارة النص العام، وهو على ثلاثة أنواع: النوع الأول: المبادئ العامة للشريعة: فإنها تخصص العام من الأحكام الشريعة، كما في النصوص التي جاءت بتكاليف دون تخصيص، فإن هذه النصوص لا تنطبق إلا على من هم أهل للتكليف، أما فاقدو الأهلية كالمجانين والأطفال فلا تنطبق عليهم هذه النصوص طبقاً لمبادئ الشريعة العامة، فكأن هذه المبادئ العامة خصصت نصوصاً عامة من نصوص الشريعة. النوع الثاني: العرف: وقد يخصص العرف النصوص العامة فيحمل العام على ما يقتضي العرف بحمله عليه، مثل قوله ﵊: "لا قطع إلا في ربع دينار". فقيمة الدينار تخضع للتقدير المتعارف عليه بين الناس. النوع الثالث: النص الشرعي: فقد يخصص النص العام بنص آخر، ولكن يشترط أن يكون المخصص في مرتبة العام المخصص من حيث قطعيته أو ظنيته أو أن يكون أعلى منه، وينبني على ذلك أن نصوص القرآن يخصص بعضها بعضاً، وأن نصوص السنة يخصص بعضها بعضاً، إذا كانت كلها متواترة، أو كلها من أخبار الآحاد.

стр. 198

ويخصص القرآن بالسنة إذا كانت متواترة، ولا يخصص بحديث غير متواتر أو مشهور، ولا يخصص حديث متواتر أو مشهور بحديث من أخبار الآحاد؛ لأن القرآن قطعي، وفي حكمه الحديث المتواتر أو مشهور، أما خبر الآحاد فظني. ١٦٣ - المقصود من التخصيص: يقصد من التخصيص إما بيان المراد من النص العام، وإما نسخ الحكم وإبطاله بالنسبة لبعض الأفراد دون البعض الآخر، والقاعدة أنه لا يبين النص إلا ما كان في درجته أو أعلى منه، ولا ينسخه إلا ما كان كذلك. ١٦٤ - اللفظ الخاص: هو لفظ وضع للدلالة على فرد واحد بالشخص مثل محمد، أو واحد بالنوع مثل رجل، أو على أفراد متعددة محصورة مثل ثلاثة وعشرة ومائة وقوم ورهط وجمع وفريق، وغير ذلك من الألفاظ، التي تدل على عدد من الأفراد، ولا تدل على استغراق جميع الأفراد. ١٦٥ - حكم اللفظ الخاص: إذا ورد اللفظ الخاص في نص شرعي فإنه يدل دلالة قطعية لا ظنية على معناه الخاص الذي وضع له، مثل قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] ، وقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] ، فلفظ الثمانين والعشرة يدل دلالة قطعية على معناه، ولا تحتمل الثمانون أو عشرة نقصاً أو زيادة. لكن إذا قام دليل يقتضي تأويل اللفظ الخاص وإرادة معنى آخر منه وجب حمله على مقتضى هذا الدليل، كما تأولوا لفظ الشاة في قوله ﷺ : "في كل أربعين شاة شاة" فظاهر الحديث أنه لا يجزي في زكاة الأربعين شاة إلا واحدة منها، ولا تجزئ قيمتها، ولكن حكمة التشريع والأصول العامة في التضمين تقتضي تأويل هذا اللفظ وصرفه عن ظاهره؛ لأن الغرض من الزكاة دفع حاجة الفقراء، وهي تندفع بقيمة الشاة كما تندفع بالشاة، ومن ثم أول اللفظ على أن المقصود بالشاة شاة أو ما يعادل قيمتها، وعلى هذا الوجه تأولوا

стр. 199

إطعام المساكين العشرة، فرأوا أنه يجوز إطعام واحد عشر مرات، كما يجوز إطعام العشرة مرة واحدة. ١٦٦ - حالات اللفظ الخاص: للفظ الخاص حالات متعددة: فقد يرد مطلقاً، وقد يرد مقيداً، وقد يأتي في صيغة الطلب أي الأمر، وقد يأتي في صيغة النهي. ١٦٧ - المطلق والمقيد: المطلق هو ما دل على فرد شائع غير مقيد لفظاً بأي قيد، مثل مصري والمقيد هو ما دل على فرد مقيد لفظاً بقيد ما، مثل مصري مسلم. وحكم المطلق أنه يؤخذ على إطلاقه إلا إذا قام دليل على تقييده، فإن هذا الدليل المقيد يصرفه عن الإطلاق ويعين المراد منه، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] فإنه يفيد إطلاق القصاص في كل قتل متعمد، ولكنه قيد بقول الرسول ﷺ : "لا يقاد والد بولده" فصار المراد من الآية القتل المتعمد الحاصل من غير والد. وإذا ورد اللفظ مطلقاً في نص شرعي ومقيداً في نص آخر، فإن كان الحكم الوارد فيهما متحداً، والسبب الذي بني عليه الحكم متحداً، حمل المطلق على المقيد، وكان المراد من المطلق هو المقيد؛ لأن الاختلاف بالإطلاق والتقييد لا يتصور مع اتحاد الحكم وسببه، ومثل ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] فلفظ الدم في هذه الآية مطلق، وقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، فلفظ الدم في هذه الآية مقيد، والحكم في هذه الآيتين متحد وهو التحريم، والسبب متحد وهو أكل الدم. أما إذا اختلف النصاب في الحكم أو السبب فلا يحمل المطلق على المقيد، بل يعمل بكل نص في الحالة التي وضع لها؛ لأن اختلاف الحكم أو السبب هو

стр. 200

علة الإطلاق أو التقييد، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] ، فالحكم واحد وهو تحرير الرقبة، والسبب مختلف؛ لأنه في الأولى قتل، وفي الثانية المظاهرة، فاختلاف السبب ترتب عليه تقييد الرقبة بالإيمان أي بأن يكون صاحبها مؤمناً تشديداً للعقوبة، ولم تقيد الرقبة بشئ في حالة المظاهرة؛ لأن الفعل لا يقتضي التشديد فيكتفي فيها بعتق أي رقبة. ١٦٨ - صيغة الأمر: إذا ورد اللفظ الخاص في صيغة الأمر أو في صيغة الخبر التي تعني الأمر فإن اللفظ يفيد الإيجاب أي الإلزام بفعل المأمور به أو المخبر عنه، كقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، فالأول يوجب قطع يد السارق، والثاني يوجب تربص المطلقة ثلاثة قروء. ولكن إذا وجدت قرينة تصرف صيغة الأمر عن الإيجاب أخذ بما تدل عليه هذه القرينة، كقوله تعالى: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ [الأعراف: ٣١] فإنه للإباحة، وقوله: ﴿تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فإنه للندب، وكالتهديد في قوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] ، وغير ذلك مما تدل عليه صيغة الأمر بالقرآئن، فإذا لم توجد قرينة فالأمر للإيجاب. ١٦٨ - صيغة النهي: إذا ورد اللفظ الخاص بصيغة النهي أو بصيغة الخبر التي في معنى النهي أفاد التحريم؛ أي طلب الكف عن فعل النهي عنه على وجه الإلزام، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] ، وقوله: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] . وإذا وجدت قرينة تصرف صيغة النهي عن معناها إلى معنى آخر أخذ بالمعنى الذي دلت عليه القرينة، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] فهو للدعاء، وقوله: ﴿لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] فهو للكراهة. * * *

стр. 201

الفرع الثاني القواعد التشريعية التي تراعى عند التفسير ١٦٩ - ماهية القواعد التشريعية: وضع علماء الأصول بعض القواعد التشريعية التي يجب الإلمام بها ومراعاتها على كل من يتعرض لتفسير النصوص التشريعية، وقد استمدوا هذه القواعد من استقراء الأحكام التي جاءت بها النصوص وعلل هذه الأحكام، ومن المبادئ العامة للشريعة وروح التشريع، حيث تبين لهم أن الشارع أراد من الشريعة أن يحقق مقاصد عامة، وأن بعض النصوص شرعت لحماية حقوق الجماعة، والبعض شرع لحماية حقوق الأفراد، والبعض شرع لحماية حقوق الجماعة وحقوق الأفراد معاً، فإذا راعى القاضي أو الفقيه هذه الاعتبارات كان له أن يجتهد في معرفة الأحكام ما لم يكن هناك نص صريح. ١٧٠ - مقاصد الشارع العامة من التشريع الإسلامي: لم يضع الشارع الأحكام الشرعية اعتباطاً، وإنما قصد بها تحقيق مقاصد عامة، ولا يمكن أن تفهم النصوص على حقيقتهاإلا إذا عرف مقصد الشارع من وضعها، لأن دلالة الألفاظ والعبارات على المعاني قد تحتمل أكثر من وجه، والذي يرجح واحداً من هذه الوجوه على غيره هو الوقوف على قصد الشارع، وقد تتعارض النصوص بعضها من بعض فلا يرفع هذا التعارض ولا يوفق بينها إلا معرفة ما قصده الشارع منها، فيجب إذن على كل باحث في التشريع الإسلامي أن يلم قبل كل شئ بمقاصد الشارع من التشريع، وأن يعرف الوقائع التي نزلت من أجلها نصوص القرآن، أو وردت فيها السنة، لتساعده على فهم النص، وأسباب النزول والورود مبينة في كتب التفسير والسنة. وقد حصر علماء الأصول مقاصد الشارع العامة من التشريع في ثلاثة مقاصد: ١٧١ - المقصد الأول: حفظ كل ضروري للناس في حياتهم:

стр. 202

والأمر الضروري هو ما تقوم عليه حياة الناس ولابد منه لاستقامة مصالحهم، وإذا فقد اختل نظام حياتهم وعمت فيهم الفوضى وانتشر الفساد. والأمور الضرورية ترجع إلى خمسة أشياء: (١) الدين ... (٢) النفس ... (٣) العقل ... (٤) النسل ... (٥) المال. وقد شرع الإسلام لكل واحد من هذه الضروريات الخمسة أحكاماً تكفل إيجاده وإقامته، وأحكاماً تكفل حفظه وصيانته، فكل حكم يكفل إقامة هذه الأمور الخمسة أو حفظها هو حكم ضروري. ١٧٢ - المقصد الثاني: توفير ما هو حاجي للناس: والأمر الحاجي هو ما يحتاج إليه الناس للتيسير واحتمال مشاق التكليف وأعباء الحياة، وإذا فقد لا يختل نظام حياتهم ولا تعم الفوضى ولكن ينالهم الحرج والمشقة، فالأمور الحاجية بهذا المعنى تشمل كل ما يرفع الحرج، ويخفف مشاق التكليف، وييسر طرق التعامل. ١٧٣ - المقصد الثالث: تحقيق ما فيه تحسين لحال الأفراد والجماعة: والأمر التحسيني هو ما تقتضيه المروءة والآداب وسير الأمور على أحسن منهاج، وإذا فقد لا يختل نظام حياتهم كما إذا فقد الأمر الضروري، ولا ينالهم حرج كما إذا فقد الأمر الحاجي، ولكن تكون حالهم مستنكرة في تقدير العقول الراجحة والفطر السليمة. والأمور التحسينية بهذا المعنى ترجع إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات وكل ما يقصد به سير الناس في حياتهم عل أفضل الطرق وخير المناهج. ١٧٤ - ترتيب المقاصد العامة في التشريع: الضروريات هي أهم المقاصد إذا ترتب على فقدها اختلال النظام والأمن وشيوع الفوضى. وتليها في الأهمية الحاجيات؛ لأنه يترتب على فقدها وقوع الأفراد والجماعة في الحرج والعسر وتحميلهم المشاق. وتليها التحسينية، وفقدها لا يترتب عليه تقويض النظام، ولا اختلال الأمن، ولا وقوع الناس في حرج، وإنما يترتب على فقدها الخروج على ما تستحسنه

стр. 203

العقول، والبعد عن الكمال الإنساني. ومن ثم كانت الأحكام التي شرعت لحفظ الضروريات أحق الأحكام بالمراعاة، ثم تليها التي شرعت لتوفير الحاجيات، وهكذا. ومن المقرر أنه لا يراعى حكم تحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بحكم حاجي، ولا يراعى حكم حاجي إذا كان في مراعاته إخلال بحكم ضروري، ولذا أبيح كشف العورة إذا أقتضى هذا علاج أو جراحة؛ لأن ستر العورة أمر تحسيني والعلاج أمر ضروري، وأبيح تناول النجس للتداوي وفي حالة الضرورة؛ لأن المنع من النجاسات تحسيني والتداوي ودفع الضرورة أمر ضروري. وتجب الفرائض والواجبات على المكلفين ولو شق عليهم ذلك، لأن الفرائض والواجبات من الضروريات، ورفع المشقة والحرج أمر تحسيني، فلا يراعى التحسيني إذا مس الضروري. والأحكام الضرورية لا يجوز الإخلال بها إلا إذا كانت مراعاتها تؤدي إلى الإخلال بضروري أكثر أهمية، فالجهاد واجب لحفظ الدين؛ لأن حفظ الدين أهم من حفظ النفس. وشرب الخمر يباح لمن أكره على شربها أو اضطر إليها؛ لأن حفظ النفس أهم من حفظ العقل. وإذا كانت وقاية النفس من الهلاك في إتلاف مال الغير، كان للإنسان أن يقي نفسه من الهلاك ويتلف مال غيره؛ لأن حفظ النفس أهم من حفظ المال. ١٧٥ - حقوق الجماعة وحقوق الأفراد: أفعال المكلفين سواء كانت جرائم أو لم تكن، بعضها حق خالص لله، أو حق الله غالب فيه. وبعضها حق خالص للمكلف، أو حق المكلف غالب فيه. وحين يعبر الفقهاء بما هو حق لله يقصدون ما هو حق للجماعة، وما قصد به تحقيق مصلحتها وحفظ النظام العام فيها، وقد جعلوه حقاً لله؛ لأنه لم يقصد به نفع فرد معين، وليس للأفراد حكاماً أو محكومين حق إسقاطه أو العفو عنه أو إهمال إقامته.

стр. 204

ويعتبر من حقوق الله الخالصة؛ أي من حقوق الجماعة: الضرائب، والعقوبات على الجرائم الماسة بالجماعة كالزنا والسرقة والحرابة، والعقوبات التعبدية كالكفارة، وغير ذلك مما يمس حقوق الجماعة ويؤثر على أمنها ونظامها وتماسكها وقوتها. وهناك أفعال تمس حقوق الأفراد ولكن حق الجماعة غالب عليها، كحد القذف؛ لأن الجريمة تمس الأعراض، ففي العقوبة عليها مصلحة خاصة للمقذوف كما أن في عدم التبليغ عنها مصلحة خاصة له أيضاً؛ لأن للقاذف أن يثبت صحة القذف، وإثبات ذلك قد يؤدي إلى إقامة حد الزنا على المقذوف. ولما كانت الجريمة تمس الأعراض، وتؤدي إلى التنابز والتعادي، وتشويه السمعة، وتلويث الأمهات والأولاد، والتشكيك في نظام الأسرة، جعل الحد حقاً لله، وغلب حق الله على حق المقذوف بحيث إذا أثبتت الجريمة فليس للمقذوف أن يتنازل أو يعفو، وإن كان له أن يبلغ عن الجريمة. وهناك أفعال تمس حقوق الجماعة ولكن حق الفرد غالب فيها، مثل القتل، فإنه يمس أمن الجماعة ونظامها، ويمس الأفراد مساساً مباشراً، والعقوبة عليه وضعت لحفظ مصالح الجماعة والأفراد، ولكن أعطى للفرد حق العفو عن عقوبة القصاص أو عقوبة الدية، فغلب بذلك حق الفرد على حق الجماعة (١) . والأفعال التي تمس حقوق الأفراد الخالصة هي التي تمس حقوقاً ترك للأفراد أن يستوفوها أو يتركوها، كتحصيل الدين، وحبس العين المرهونة، والمطالبة بالتعويض المترتب على فعل الجاني.

стр. 205

ومع أن الفقهاء يقسمون الحقوق إلى حقوق لله وحقوق للأفراد، إلا أن الكثيرين منهم يرون - بحق - أن كل ما يمس حق الجماعة الخالص أو حق الأفراد الخالص يعتبر حقاً لله تعالى، أي من حقوق الجماعة ونظامها؛ لأن كل حكم شرعي إنما شرع ليمتثل ويتبع ومن حق الله على عباده أن يمتثلوا أوامره، ويجتنبوا نواهيه، ويعلموا بشريعته، فكل حكم إذن فيه حق لله من هذه الوجهة، وإذا قيل إن حكماً ما يرتب حقاً مجرداً للفرد ففي ذلك كثير من التجاوز، ولا يعتبر هذا القول صحيحاً على إطلاقه، وإنما يصح على تغلب حق العبد في الأمور الشخصية، كذلك فإن ما يعتبر حقاً خالصاً لله يمس دون شك مصالح الأفراد إما عاجزاً أو آجلاً؛ لأن الشريعة إنما وضعت لتحقيق مصلحة العباد. ١٧٦ - الاجتهاد: الاجتهاد في الاصطلاح: هو بذل الجهد للوصول إلى معرفة حكم شرعي، من دليل تفصيلي من الأدلة التي يضعها الشارع للدلالة على الأحكام. والقاعدة أنه إذا كان النص صريحاً قطعي الورود والدلالة فلا مجال للاجتهاد فيه، ويجب تطبيقه بحالته؛ لأنه قطعي الورود، أي: لا شك في وروده عن الله أو الرسول، فليس وروده محل بحث، ولأنه قطعي الدلالة فليس معناه محل بحث، ومن هذا آيات الأحكام المفسرة والمحكمة مثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، فلا مجال للاجتهاد في معاقبة الزاني بالجلد، ولا في عدد الجلدات، وكذلك لا اجتهاد في كل العقوبات المقدرة، ومثل الآيات القرآنية المفسرة أو المحكمة السنن المتواترة المفسرة. أما إذا كان النص ظني الورود أو الدلالة فهو محل للاجتهاد، وللمجتهد أن يبحث في الدليل من حيث سنده وطريق وصوله إلينا، ومن حيث دلالته على معناه. ومجال الاجتهاد واسع فيما لا نص فيه، فالمجتهد يبحث الواقعة التي لا نص فيها ليصل لمعرفة حكمها عن طريق القياس، أو الاستحسان، أو الاستصحاب،

стр. 206

أو العرف، أو المصالح المرسلة، وهذا ممكن في المسائل المدنية والشخصية، وفي الإجراءات الجنائية، ولكنه غير ممكن في تقرير الجرائم والعقوبات؛ لأن الجرائم والعقوبات لابد فيها من النص الصريح، ولا يؤخذ فيها بالقياس أو غيره كما ذكرنا قبلاً. ١٧٧ - كلمة ختامية عن قواعد التفسير: هذه هي القواعد العامة اللغوية والتشريعية التي وضعها الفقهاء للاهتداء بها في تفسير النصوص، على القاضي أن يستعين بها في تفهم النصوص، ومعرفة مراميها، وما يدخل تحتها، كما أن هذه القواعد تعينه على معرفة النص الواجب التطبيق، ومدى سلطته في تفسير النص أو إعماله أو إبطاله. وإذا كان للقاضي المدني أن يطبق هذه القواعد بتوسع، وأن يجعل للقياس والعرف والعدالة وغير ذلك من الاعتبارات مكاناً عند تفسير النص وتطبيقه، إلا أن القاضي الجنائي مقيد بأن يحصر اجتهاده في تفسير النص وتطبيقه على الواقعة المعروضة عليه، فليس له أن يخلق جريمة أو عقوبة من طريق القياس أو العرف أو الاستحسان، ولو كانت الواقعة المعروضة عليه مما ينفر منها الخلق الفاضل. وليس للقاضي الجنائي أن يخالف النص الصريح مهما كانت الظروف والاعتبارات، وعليه أن يراعى في كل الأحوال مبدأين شرعيين أساسيين: وأولهما قول الرسول ﷺ : "ادراءوا الحدود بالشبهات"، وثانيهما: قوله: "إن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"، وسنتكلم على هذين المبدأين فيما يلي: ١٧٨ - المبدأ الأول: درء الحدود بالشبهات: القاعدة العامة في الشريعة أن الحدود تدرأ بالشبهات، والحدود هي العقوبات المقدرة، ويدخل تحت الحدود العقوبات المقررة لجرائم الحدود، والعقوبات المقررة لجرائم القصاص والدية، أما العقوبات المقررة لجرائم التعازير فلا تعتبر حدوداً؛ لأنها عقوبات غير مقدرة (١) .

стр. 207

والأصل في هذه القاعدة قول الرسول ﷺ : "ادرءوا الحدود بالشبهات". فعلى هذا الحديث الذي تلقته الأمة بالقبول، وأجمع عليه فقهاء الأمصار قامت القاعدة. وقد عمل الصحابة بها بعد وفاة الرسول، فروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلى من أن أقيمها بالشبهات. وروي عن معاذ وعبد الله بن مسعود وعقبه بن عامر أنهم قالوا: إذا اشتبه عليك الحد فادرأه. وليس في الفقهاء من ينكر قاعدة درء الحدود بالشبهات إلا الظاهريون، فإنهم يرون أن الحد لا يحل درؤه بالشبهة، ولا يسلمون بصحة ما روي عن الرسول ﷺ والصحابة (١) . والآثار الكثيرة المروية عن الرسول ﷺ والصحابة تؤيد صحة هذه القاعدة، من ذلك أنه لما جاء ماعز معترفاً بالزنا للرسول قال ﵇: "لعلك قبلت، لعلك لمست، لعلك غمزت" كل ذلك يلقنه أن يقول نعم بعد إقراره بالزنا. وجئ له بسارق معترف بالسرقة فقال له: "أسرقت؟ ما أخاله سرق". ولما جاءته الغامدية مقرة بالزنا، قال لها نحواً من ذلك. فهذه جرائم من جرائم الحدود كان الدليل الوحيد فيها على الجريمة هو الإقرار، وكان الرسول يلقن المقر أن يعدل عن إقراره، ولو لم يكن للعدول أثره في درء الحد لما أوحى به الرسول للمقر. أما كيف يدرأ العدول الحد فذلك أن الإقرار هو الدليل الوحيد في قضية، والعدول عن الإقرار شبهة في عدم صحة الإقرار، والحدود تدرأ بالشبهات. ولما جاءت شراحة الهمدانية معترفة بالزنا لعلي ﵁ قال لها: لعله وقع عليك وأنت نائمة؟ لعله استكرهك؟ لعل مولاك زوجك منه وأنت تكتمينه؟ وما كان على يقصد من هذه الأسئلة إلا ما قصده الرسول ﵇. ومن أجل ذلك يرى بعض الفقهاء أنه يستحب للقاضي أن يعرض للمقر

стр. 208

بالرجوع عن الإقرار إذا لم يكن ثمة دليل إلا الإقرار (١) . ١٧٩ - تعريف الشبهة: الشبهة هي ما يشبه الثابت وليس بثابت (٢) ، أو هي وجود المبيح صورة مع انعدام حكمه أو حقيقته (٣) . ومن الأمثلة على الشبهة: (١) شبهة الملك في سرقة الملك المشترك: فمن سرق مالاً يشترك فيه مع آخر يدرأ عنه الحد؛ لأن السرقة هي أخذ مال الغير خفية؛ ولأنه لم يأخذ مالاً خالصاً للغير وإنما أخذه متلبساً بماله. (٢) وشبهة الملك في سرقة الأب من ابنه: فالأب حين يأخذ خفية مال ولده ينطبق عليه تعريف السرقة، ويستحق عقوبة القطع، ولكن الحد يدرأ عن الأب لشبهة تملكما الولد، وهذه الشبهة أساسها قول الرسول ﷺ : "أنت ومالك لأبيك". (٣) وشبهة الملك في اللواط بالزوجة: فإتيان الزوج زوجته في دبرها محرم، ويعتبره الفقهاء زنا، ولكنهم يدرءون الحد عنه؛ لأن الزواج يجعل الزوجة في ملك الزوج، ويعطيه حق التمتع بكل جسمها، فتملك الزوج للزوجة يقوم شبهة في أن له أن يلوط بها. وقيام هذه الشبهة يستوجب درء الحد. ومن الأمثلة على الشبهة: شبهة عدم الثبوت: من أقر بارتكابه جريمة من جرائم الحدود ولم يكن دليل إلا إقراره وجب عليه الحد بالإقرار، فإذا عدل عن إقراره كان العدول شبهة في عدم الثبوت؛ لاحتمال أن يكون إقراره غير صحيح، وترتب على قيام هذه الشبهة درء الحد. ومثل ذلك يقال عن عدول الشهود إذا لم يكن دليل إلا الشهود. وإذا كان الفقهاء قد اتفقوا على درء الحدود بالشبهات إلا أنهم لا يتفقون على كل الشبهات، فهناك ما يراه البعض شبهة صالحة للدرء بينما لا يراه البعض

стр. 209

الآخر شبهة، والأمثلة على ذلك كثيرة: فمن وجد امرأة في فراشه فوطئها ظناً منه أنها امرأته درء عنه الحد عند مالك والشافعي وأحمد (١) ؛ لأنهم يرون في وجود المرأة على فراش الرجل شبهة تؤيد دعواه في أنه ظنها امرأته. أما أبو حنيفة (٢) فلا يرى في وجود المرأة على فراش الرجل شبهة؛ لأنه ينام على الفراش غير الزوجة من أقاربها أو زائراتها. ومن تزوج امرأة من محاربه يدرأ عنه الحد عند أبي حنيفة، فلا يحد حد الزنا لشبهة العقد. ويخالفه في ذلك أبو يوسف ومحمد (٣) ، ويريان ما يراه مالك والشافعي وأحمد من أن الحد لا يدرأ لشبهة العقد ما دام الجاني عالماً بالتحريم (٤) . وكل نكاح أجمع على بطلانه كنكاح الخامسة، أو المتزوجة، أو المعتدة، أو المطلقة ثلاثاً، يدرأ فيه أبو حنيفة الحد، ولو كان الجاني عالماً بالتحريم؛ لأن العقد في رأي أبي حنيفة شبهة، والشبهة تدرأ الحد (٥) . ولا يرى مالك والشافعي وأحمد درء الحد في هذه الحالات؛ لأنهم لا يعتبرون العقد شبهة (٦) . ويرى أبو حنيفة أن من يستأجر امرأة للزنا لا يحد لشبهة العقد. ويخالفه في هذا أبو يوسف ومحمد، حيث يريان ما يراه ممالك والشافعي وأحمد (٧) ؛

стр. 210

وهو أن لا يدرأ الحد لشبهة العقد؛ لأنه عقد لا تستباح به المرأة. وحجة أبي حنيفة أن العقد عقد منفعة؛ وأن الزاني يستوفي بالزنا منفعة فأورث العقد شبهة (١) . ويدرأ أبو حنيفة الحد في سرقة ما هو مباح الأصل، كسرقة الماء بعد إحرازه، والصيد بعد صيده؛ لأن كليهما في أصله مال مباح، وفيه شركة عامة، "والإباحة الأصلية تورث شبهة في بقاء المال مباحاً بعد إحرازه، والشركة العامة تورث شبهة في بقاء الشركة قائمة بعد إحراز المال" (٢) . أما مالك والشافعي وأحمد فلا يدرءون الحد؛ لأنهم لا يرون شبهة في كون المال مباح الأصل (٣) . ويجعل أبو حنيفة التفاهة شبهة في المال تدرأ الحد عن سارقه، ويرتب على ذلك أن لا قطع في التراب والطين والجص والتبن وأشباهها، ولا قطع في التبن والحشيش والقصب والحطب وأشباهها، وحجته أن الناس لا يتمولون هذه الأشياء عادة، ولا يضنون بها لعدم عزتها وقلة خطرها، ويعدون الضن بها من باب الخساسة، ويعتمد أبو حنيفة على عرف الناس وعاداتهم في بيان الشئ التافه، ولكنه يسلم بأن الشئ التافه قد يصبح بالصناعة ذا قيمة، كالقصب يصنع منه النشاب، فإذا أخرجت الصناعة الشئ التافه عن تفاهته كان القطع واجباً في سرقته. ويخالف أبو يوسف أبا حنيفة، ويرى أن الحد لا يدرأ إلا في سرقة التراب والسرجين، ولا يدرأ فيما عداهما ما دام المسروق مالاً متقوماً، ودليل التقوم والمالية عنده هو جواز البيع والشراء في المال. ويخالف مالك والشافعي وأحمد مذهب أبي حنيفة ولا يرون شبهة في تفاهة المال ما دامت قيمته تبلغ النصاب (٤) .

стр. 211

ويدرأ أبو حنيفة الحد في سرقة ما يتسارع إليه الفساد، كالطعام الرطب والبقول واللحم والخبز وما أشبه. ويخالفه في ذلك أبو يوسف، ويأخذ برأي مالك والشافعي وأحمد، وهم لا يرون شبهة في كون المسروق مما يتسارع إليه الفساد (١) . ولا يرى أبو حنيفة القطع في سرقة باب المسجد لشبهة عدم تحريزه (٢) . ويرى مالك والشافعي وأحمد القطع في سرقة باب المسجد، لأنه محرز ولا شبهة في عدم تحريزه (٣) . ١٨٠ - أنواع الشبهة: اهتم الفقهاء الشافعيون والحنفيون بتقسيم الشبهة وبيان أنواعها المختلفة، أما الفقهاء المالكيون والحنابلة فقد اكتفوا بالتعرض للشبه واحدة بعد أخرى بصفة عامة كلما استلزم ذلك الأمر. وقد قسم الشافعية الشبهة ثلاثة أنواع: ١ - شبهة في المحل: كوطء الزوجة الحائض أو الصائمة، أو إتيان الزوجة في دبرها، فالشبهة هنا قائمة في محل الفعل المحرم؛ لأن المحل مملوك للزوج ومن حقه أن يباشر الزوجة، وإذا لم يكن له أن يباشرها وهي حائض أو صائمة أو أن يأتيها في الدبر إلا أن ملك المحل للزوج وحقه عليه يورث شبهة، وقيام هذه الشبهة يقتضي درء الحد، سواء اعتقد الفاعل بحل الفعل أو بحرمته؛ لأن أساس الشبهة ليس الاعتقاد والظن، وإنما أساسها محل الفعل وتسلط الفاعل شرعاً عليه. ٢ - شبهة في الفاعل: كمن يطأ امرأة زفت إليه على أنها زوجته، ثم تبين

стр. 212

أنها ليست زوجته. فأساس الشبهة ظن الفاعل واعتقاده، بحيث يأتي الفعل وهو يعتقد أنه لا يأتي محرماً، وقيام هذا الظن عند الفاعل يورث شبهة يترتب عليها درء الحد، فإذا أتى الفاعل الفعل وهو عالم بأنه محرم فلا شبهة. ٣ - شبهة في الجهة: ويقصد من هذا التعبير الاشتباه في حل الفعل وحرمته. وأساس هذه الشبهة الاختلاف بين الفقهاء على الفعل، فكل ما اختلفوا على جوازه أو حله يقوم الاختلاف فيه شبهة، ويدرأ فيه الحد، فمثلاً يجيز أبو حنيفة النكاح بلا ولي، ويجيز مالك النكاح بلا شهود، ويجيز ابن عباس نكاح المتعة، ومن ثم فلا يعتبر الوطء في هذه الأنكحة المختلف عليها زنا يحد عليه، بل يقوم الخلاف شبهة تدرأ الحد، ولو كان الفاعل يعتقد بحرمة الفعل؛ لأن هذا الاعتقاد في ذاته ليس له أثر ما دام العلماء مختلفين على الحل والحرمة (١) . ويقسم الحنفية الشبهة قسمين: الأول: الشبهة في الفعل (٢) : ويسمونها أيضاً شبهة الاشتباه، وشبهة مشابهة، وهي شبهة في حق من اشتبه عليه الفعل دون من لم يشتبه عليه. وتثبت هذه الشبهة في حق من اشتبه عليه الحل والحرمة، ولم يكن ثمة دليل سمعي يفيد الحل، بل ظن غير الدليل دليلاً، كمن يطأ زوجته المطلقة ثلاثاًَ في عدتها (٣) . ويشترط لقيام الشبهة في الفعل أن لا يكون هناك دليل على التحريم أصلاً، وأن يعتقد الجاني الحل، فإذا كان هناك دليل على التحريم، أو لم يكن الاعتقاد بالحل ثابتاً، فلا شبهة أصلاً. الثاني: الشبهة في المحل: ويسمونها الشبهة الحكمية أو شبهة الملك. ويشترط

стр. 213

في هذه الشبهة أن تكون ناشئة عن حكم من أحكام الشريعة، فالسرقة محرمة بنص القرآن حيث قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، والرسول ﷺ يقول: "أنت ومالك لأبيك"، فالنص الثاني يقوم بذاته شبهة على تطبيق حكم النص الأول الذي يحرم السرقة ويعاقب عليها بالقطع؛ لأن النص الثاني يجعل الولد وماله ملكاً للأب، فإذا سرق الأب مال ولده فقد سرق ماله حكماً، فالشبهة في المحل أو الشبهة الحكمية تتحقق بقيام دليل شرعي ينفي الحرمة ولا عبرة بظن الفاعل، فيستوي أن يعتقد الفاعل أنه يسرق، أو يعتقد أنه لا يسرق؛ لأن الحرمة مشكوك فيها بقيام دليل الحد (١) . ويضيف أبو حنيفة نوعاً ثالثاً من الشبهات، وهو شبهة العقد، فعنده أن الشبهة تثبت بالعقد ولو كان العقد متفقاً على تحريمه وكان الجاني عالماً بالتحريم. ولكن أصحابه وباقي الأئمة الأربعة يخالفونه في هذا، ولا يرون العقد شبهة إلا إذا كان الجاني يظن الحل ويعتقده. وعلى هذا تكون الشبهة على رأي أبي حنيفة على ثلاثة أنواع: شبهة الفعل، وشبهة المحل، وشبهة العقد. ١٨١ - ما يترتب على درء الحدود بالشبهات: تختلف النتائج التي تترتب على الأخذ بقاعدة درء الحدود بالشبهات، ففي بعض الأحيان يؤدي تطبيق القاعدة إلى درء عقوبة الحد وتبرئة المتهم من الجريمة المنسوبة إليه، وفي بعض الأحيان يؤدي تطبيق القاعدة إلى درء عقوبة الحد وإحلال عقوبة تعزيرية محلها. ويبرأ المتهم من الجناية المنسوبة إليه في ثلاث حالات: الأولى: إذا كانت الشبهة قائمة في ركن من أركان الجريمة؛ فمن زفت إليه غير زوجته، فأتاها على اعتقاد أنها زوجته، لا يعاقب على الزنا بعقوبة الحد، ولا بعقوبة تعزيرية،

стр. 214

وإنما يحكم ببراءته؛ لانعدام القصد الجنائي لديه، والقصد الجنائي ركن من أركان جريمة الزنا. ومن أخذ خفية مالاً له وهو يعتقد أنه مال الغير لا يعاقب على السرقة حداً ولا تعزيراً؛ لانعدام ركن من أركان الجريمة، وهو كون المال مال الغير. الثانية: أن تكون الشبهة قائمة في انطباق النص المحرم على الفعل المنسوب للمتهم، فمن تزوج بلا شهود أو بلا ولي، أو تزوج زواج متعة، لا يعاقب حداً ولا تعزيراً باعتباره زانياً؛ لأن العلماء اختلفوا في هذه الأنكحة، فأحلها بعضهم وحرمها البعض الآخر، وهذا الاختلاف معناه الشك في انطباق نص الزنا على هذه الأفعال، ومن ثم تجب تبرئة المتهم من الجناية المنسوبة إليه. الثالثة: أن تكون الشبهة قائمة في ثبوت الجريمة، فإذا شهد شخصان على آخر بأنه شرب خمراً، ثم عدلا عن شهادتهما ولم يكن هناك دليل آخر، درئ الحد لشبهة صدق الشاهدين في عدولهما، وبرئ المتهم مما نسب إليه. وإذا نسب إلى شخص يُجَنُّ ويفيق أنه ارتد أو سرق، ولم يعلم إن كان ارتكب الجريمة وقت الإفاقة أو وقت الجنون، درئ عنه الحد؛ لشبهة عدم التكليف، وبرئ مما نسب إليه. وفيما عدا هذه الحالات الثلاث فإن تطبيق القاعدة إذا أدى لدرء الحد فإنه يؤدي في الوقت ذاته إلى استبدال التعزير بالحد أياً كان مصدر الشبهة، فالأب يدرأ عنه الحد في سرقة مال ولده؛ لقوله ﵊: "أنت ومالك لأبيك"، ولكنه يعزر؛ لأن الدرء كان لشبهة حكمية أي شبهة في المحل. ومن يأت زوجته في دبرها يدرأ عنه الحد للشبهة في المحل، ولكنه يعزر. ومن يتزوج مَحرَماً أو يستأجر امرأة للزنا يُدرأ عنه الحد لشبهة العقد عند أبي حنيفة، ولكنه يعزر. ومن سرق مالاً تافهاً كالتراب، أو مباح الأصل كالصيد بعد صيده، يدرأ عنه حد السرقة عند أبي حنيفة؛ لشبهة التفاهة والإباحة، ولكنه يعزر. ومن يسرق باب المسجد يدرأ عنه الحد في رأي أبي حنيفة لشبهة عدم الحرز، ولكنه يعزر. وإذا نسب إلى شخص سرقة مثلاً، واشتبه فيما إذا كان بلغ الحلم أم لم يبلغ، درئ عنه

стр. 215

الحد، وعزر على ما نسب إليه. ومن يقر على نفسه بجريمة من جرائم الحدود ولا دليل عليه إلا إقراره يحد بإقراره، فإذا عدل عن إقراره كان عدوله شبهة تدرأ الحد، ولكنه يعزر بدلاً من عقوبة الحد. والفرق بين عدول المقر عن الإقرار، وعدول الشهود عن الشهادة: أن المتهم يعزر عند العدول عن الإقرار ويبرأ إذا عدل الشهود عن شهادتهم. وأساس هذا الفرق أن الإنسان لا يتهم نفسه عادة بجريمة لم يرتكبها، ولكن من السهل أن يتهمه غيره كذباً بما لم يفعله. على أنه إذا تبين أن الإقرار كان نتيجة إكراه كان الحكم بالبراءة واجباً، إذ الإقرار نتيجة الإكراه أو التهديد باطل؛ لحديث ابن عمر: "ليس الرجل على نفسه بأمين إن جوَّعت أو خوَّفت أو أوثقت". ولأن الإقرار يكون حجة لترجيح جانب الصدق فيه، فإذا امتنع المقر عن الإقرار حتى هُدد أو أُكره فالظاهر أنه كاذب في إقراره، والعدول عن الإقرار الصحيح يدرأ به الحد للشبهة، ولكن الإقرار يبقى مع هذا مرجحاً فيه جانب الصدق، فيصلح دليلاً يُعزَّر به وإن لم يصلح دليلاً لعقوبة الحد. والمسألة على كل حال متروكة لتقدير القاضي، فإن اقتنع أن الإقرار صحيح عاقب بعقوبة تعزيرية، وإن لم يقتنع حكم بالبراءة. ١٨٢ - هل تطبق قاعدة درء الحدود بالشبهات على جرائم التعازير؟: الأصل في قاعدة درء الحدود بالشبهات أنها وضعت لجرائم الحدود، لكن ليس ثمة ما يمنع من تطبيقها على جرائم التعازير؛ لأن القاعدة وضعت لتحقيق العدالة ولضمان صالح المتهمين، وكل متهم في حاجة لتوفير هذين الاعتبارين سواء كان متهماً في جريمة من جرائم الحدود أو جرائم التعازير. وتطبق القاعدة على جرائم التعازير في الحالات الثلاث التي يؤدي تطبيقها إلى البراءة في جرائم الحدود، ولا تطبق في حالات استبدال الحد بعقوبة تعزيرية؛ لأن جرائم التعازير عقوباتها غير مقدرة ومتروكة لتقدير القاضي واختياره، بعكس عقوبات جرائم الحدود فهي غير مقدرة وبالغة في الشدة والردع، وليس للقاضي أن
следующие страницы →