ويدرأ أبو حنيفة الحد في سرقة ما يتسارع إليه الفساد، كالطعام الرطب والبقول واللحم والخبز وما أشبه. ويخالفه في ذلك أبو يوسف، ويأخذ برأي مالك والشافعي وأحمد، وهم لا يرون شبهة في كون المسروق مما يتسارع إليه الفساد (١) .
ولا يرى أبو حنيفة القطع في سرقة باب المسجد لشبهة عدم تحريزه (٢) . ويرى مالك والشافعي وأحمد القطع في سرقة باب المسجد، لأنه محرز ولا شبهة في عدم تحريزه (٣) .
١٨٠ - أنواع الشبهة: اهتم الفقهاء الشافعيون والحنفيون بتقسيم الشبهة وبيان أنواعها المختلفة، أما الفقهاء المالكيون والحنابلة فقد اكتفوا بالتعرض للشبه واحدة بعد أخرى بصفة عامة كلما استلزم ذلك الأمر.
وقد قسم الشافعية الشبهة ثلاثة أنواع:
١ - شبهة في المحل: كوطء الزوجة الحائض أو الصائمة، أو إتيان الزوجة في دبرها، فالشبهة هنا قائمة في محل الفعل المحرم؛ لأن المحل مملوك للزوج ومن حقه أن يباشر الزوجة، وإذا لم يكن له أن يباشرها وهي حائض أو صائمة أو أن يأتيها في الدبر إلا أن ملك المحل للزوج وحقه عليه يورث شبهة، وقيام هذه الشبهة يقتضي درء الحد، سواء اعتقد الفاعل بحل الفعل أو بحرمته؛ لأن أساس الشبهة ليس الاعتقاد والظن، وإنما أساسها محل الفعل وتسلط الفاعل شرعاً عليه.
٢ - شبهة في الفاعل: كمن يطأ امرأة زفت إليه على أنها زوجته، ثم تبين
стр. 212
أنها ليست زوجته. فأساس الشبهة ظن الفاعل واعتقاده، بحيث يأتي الفعل وهو يعتقد أنه لا يأتي محرماً، وقيام هذا الظن عند الفاعل يورث شبهة يترتب عليها درء الحد، فإذا أتى الفاعل الفعل وهو عالم بأنه محرم فلا شبهة.
٣ - شبهة في الجهة: ويقصد من هذا التعبير الاشتباه في حل الفعل وحرمته. وأساس هذه الشبهة الاختلاف بين الفقهاء على الفعل، فكل ما اختلفوا على جوازه أو حله يقوم الاختلاف فيه شبهة، ويدرأ فيه الحد، فمثلاً يجيز أبو حنيفة النكاح بلا ولي، ويجيز مالك النكاح بلا شهود، ويجيز ابن عباس نكاح المتعة، ومن ثم فلا يعتبر الوطء في هذه الأنكحة المختلف عليها زنا يحد عليه، بل يقوم الخلاف شبهة تدرأ الحد، ولو كان الفاعل يعتقد بحرمة الفعل؛ لأن هذا الاعتقاد في ذاته ليس له أثر ما دام العلماء مختلفين على الحل والحرمة (١) .
ويقسم الحنفية الشبهة قسمين:
الأول: الشبهة في الفعل (٢) : ويسمونها أيضاً شبهة الاشتباه، وشبهة مشابهة، وهي شبهة في حق من اشتبه عليه الفعل دون من لم يشتبه عليه. وتثبت هذه الشبهة في حق من اشتبه عليه الحل والحرمة، ولم يكن ثمة دليل سمعي يفيد الحل، بل ظن غير الدليل دليلاً، كمن يطأ زوجته المطلقة ثلاثاًَ في عدتها (٣) .
ويشترط لقيام الشبهة في الفعل أن لا يكون هناك دليل على التحريم أصلاً، وأن يعتقد الجاني الحل، فإذا كان هناك دليل على التحريم، أو لم يكن الاعتقاد بالحل ثابتاً، فلا شبهة أصلاً.
الثاني: الشبهة في المحل: ويسمونها الشبهة الحكمية أو شبهة الملك. ويشترط
стр. 213
في هذه الشبهة أن تكون ناشئة عن حكم من أحكام الشريعة، فالسرقة محرمة بنص القرآن حيث قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، والرسول ﷺ يقول: "أنت ومالك لأبيك"، فالنص الثاني يقوم بذاته شبهة على تطبيق حكم النص الأول الذي يحرم السرقة ويعاقب عليها بالقطع؛ لأن النص الثاني يجعل الولد وماله ملكاً للأب، فإذا سرق الأب مال ولده فقد سرق ماله حكماً، فالشبهة في المحل أو الشبهة الحكمية تتحقق بقيام دليل شرعي ينفي الحرمة ولا عبرة بظن الفاعل، فيستوي أن يعتقد الفاعل أنه يسرق، أو يعتقد أنه لا يسرق؛ لأن الحرمة مشكوك فيها بقيام دليل الحد (١) .
ويضيف أبو حنيفة نوعاً ثالثاً من الشبهات، وهو شبهة العقد، فعنده أن الشبهة تثبت بالعقد ولو كان العقد متفقاً على تحريمه وكان الجاني عالماً بالتحريم. ولكن أصحابه وباقي الأئمة الأربعة يخالفونه في هذا، ولا يرون العقد شبهة إلا إذا كان الجاني يظن الحل ويعتقده.
وعلى هذا تكون الشبهة على رأي أبي حنيفة على ثلاثة أنواع: شبهة الفعل، وشبهة المحل، وشبهة العقد.
١٨١ - ما يترتب على درء الحدود بالشبهات: تختلف النتائج التي تترتب على الأخذ بقاعدة درء الحدود بالشبهات، ففي بعض الأحيان يؤدي تطبيق القاعدة إلى درء عقوبة الحد وتبرئة المتهم من الجريمة المنسوبة إليه، وفي بعض الأحيان يؤدي تطبيق القاعدة إلى درء عقوبة الحد وإحلال عقوبة تعزيرية محلها.
ويبرأ المتهم من الجناية المنسوبة إليه في ثلاث حالات:
الأولى: إذا كانت الشبهة قائمة في ركن من أركان الجريمة؛ فمن زفت إليه غير زوجته، فأتاها على اعتقاد أنها زوجته، لا يعاقب على الزنا بعقوبة الحد، ولا بعقوبة تعزيرية،
стр. 214
وإنما يحكم ببراءته؛ لانعدام القصد الجنائي لديه، والقصد الجنائي ركن من أركان جريمة الزنا. ومن أخذ خفية مالاً له وهو يعتقد أنه مال الغير لا يعاقب على السرقة حداً ولا تعزيراً؛ لانعدام ركن من أركان الجريمة، وهو كون المال مال الغير.
الثانية: أن تكون الشبهة قائمة في انطباق النص المحرم على الفعل المنسوب للمتهم، فمن تزوج بلا شهود أو بلا ولي، أو تزوج زواج متعة، لا يعاقب حداً ولا تعزيراً باعتباره زانياً؛ لأن العلماء اختلفوا في هذه الأنكحة، فأحلها بعضهم وحرمها البعض الآخر، وهذا الاختلاف معناه الشك في انطباق نص الزنا على هذه الأفعال، ومن ثم تجب تبرئة المتهم من الجناية المنسوبة إليه.
الثالثة: أن تكون الشبهة قائمة في ثبوت الجريمة، فإذا شهد شخصان على آخر بأنه شرب خمراً، ثم عدلا عن شهادتهما ولم يكن هناك دليل آخر، درئ الحد لشبهة صدق الشاهدين في عدولهما، وبرئ المتهم مما نسب إليه. وإذا نسب إلى شخص يُجَنُّ ويفيق أنه ارتد أو سرق، ولم يعلم إن كان ارتكب الجريمة وقت الإفاقة أو وقت الجنون، درئ عنه الحد؛ لشبهة عدم التكليف، وبرئ مما نسب إليه.
وفيما عدا هذه الحالات الثلاث فإن تطبيق القاعدة إذا أدى لدرء الحد فإنه يؤدي في الوقت ذاته إلى استبدال التعزير بالحد أياً كان مصدر الشبهة، فالأب يدرأ عنه الحد في سرقة مال ولده؛ لقوله ﵊: "أنت ومالك لأبيك"، ولكنه يعزر؛ لأن الدرء كان لشبهة حكمية أي شبهة في المحل. ومن يأت زوجته في دبرها يدرأ عنه الحد للشبهة في المحل، ولكنه يعزر. ومن يتزوج مَحرَماً أو يستأجر امرأة للزنا يُدرأ عنه الحد لشبهة العقد عند أبي حنيفة، ولكنه يعزر. ومن سرق مالاً تافهاً كالتراب، أو مباح الأصل كالصيد بعد صيده، يدرأ عنه حد السرقة عند أبي حنيفة؛ لشبهة التفاهة والإباحة، ولكنه يعزر. ومن يسرق باب المسجد يدرأ عنه الحد في رأي أبي حنيفة لشبهة عدم الحرز، ولكنه يعزر. وإذا نسب إلى شخص سرقة مثلاً، واشتبه فيما إذا كان بلغ الحلم أم لم يبلغ، درئ عنه
стр. 215
الحد، وعزر على ما نسب إليه. ومن يقر على نفسه بجريمة من جرائم الحدود ولا دليل عليه إلا إقراره يحد بإقراره، فإذا عدل عن إقراره كان عدوله شبهة تدرأ الحد، ولكنه يعزر بدلاً من عقوبة الحد. والفرق بين عدول المقر عن الإقرار، وعدول الشهود عن الشهادة: أن المتهم يعزر عند العدول عن الإقرار ويبرأ إذا عدل الشهود عن شهادتهم. وأساس هذا الفرق أن الإنسان لا يتهم نفسه عادة بجريمة لم يرتكبها، ولكن من السهل أن يتهمه غيره كذباً بما لم يفعله.
على أنه إذا تبين أن الإقرار كان نتيجة إكراه كان الحكم بالبراءة واجباً، إذ الإقرار نتيجة الإكراه أو التهديد باطل؛ لحديث ابن عمر: "ليس الرجل على نفسه بأمين إن جوَّعت أو خوَّفت أو أوثقت".
ولأن الإقرار يكون حجة لترجيح جانب الصدق فيه، فإذا امتنع المقر عن الإقرار حتى هُدد أو أُكره فالظاهر أنه كاذب في إقراره، والعدول عن الإقرار الصحيح يدرأ به الحد للشبهة، ولكن الإقرار يبقى مع هذا مرجحاً فيه جانب الصدق، فيصلح دليلاً يُعزَّر به وإن لم يصلح دليلاً لعقوبة الحد. والمسألة على كل حال متروكة لتقدير القاضي، فإن اقتنع أن الإقرار صحيح عاقب بعقوبة تعزيرية، وإن لم يقتنع حكم بالبراءة.
١٨٢ - هل تطبق قاعدة درء الحدود بالشبهات على جرائم التعازير؟: الأصل في قاعدة درء الحدود بالشبهات أنها وضعت لجرائم الحدود، لكن ليس ثمة ما يمنع من تطبيقها على جرائم التعازير؛ لأن القاعدة وضعت لتحقيق العدالة ولضمان صالح المتهمين، وكل متهم في حاجة لتوفير هذين الاعتبارين سواء كان متهماً في جريمة من جرائم الحدود أو جرائم التعازير.
وتطبق القاعدة على جرائم التعازير في الحالات الثلاث التي يؤدي تطبيقها إلى البراءة في جرائم الحدود، ولا تطبق في حالات استبدال الحد بعقوبة تعزيرية؛ لأن جرائم التعازير عقوباتها غير مقدرة ومتروكة لتقدير القاضي واختياره، بعكس عقوبات جرائم الحدود فهي غير مقدرة وبالغة في الشدة والردع، وليس للقاضي أن
стр. 216
يعدل عنها ويستبدل بها غيرها إلا في حالة درء الحد للشبهة.
١٨٣ - المبدأ الثاني: تفضيل الخطأ في العفو: من المبادئ العامة المقررة في الشريعة أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، وأصل هذا المبدأ قول الرسول ﵇: "إن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"، ومعنى هذا المبدأ أنه لا يصح الحكم بالعقوبة إلا بعد التثبت من أن الجاني ارتكب الجريمة، وأن النص المحرم منطبق على الجريمة، فإذا كان ثمة شك في أن الجاني ارتكب الجريمة، أو في انطباق النص المحرم على الفعل المنسوب للجاني، وجب العفو عن الجاني، أي الحكم ببراءته؛ لأن براءة المجرم في حال الشك خير للجماعة، وأدعى إلى تحقيق العدالة من عقاب البرئ مع الشك.
ومبدأ الخطأ في العفو ينطبق على كل أنواع الجرائم، فهو ينطبق على جرائم الحدود، وجرائم القصاص والدية، وجرائم التعازير.
ويمكن القول بأن مبدأ درء الحدود بالشبهات على أهميته يعتبر تطبيقاً لمبدأ الخطأ في العفو، على الأقل في الحالات التي يؤدي فيها درء الحد لتبرئة الجاني.
١٨٤ - القانون والشريعة: وتأخذ القوانين الوضعية بصفة عامة بطريقة الشريعة في التفسير، وإذا كانت القوانين تميل إلى تقييد سلطة القاضي في تفسير النصوص الجنائية، إلا أن المحاكم اتجهت تحت تأثير الضرورات العملية، والرغبة في حماية المصالح العامة، إلى التوسع في تفسير النصوص الجنائية، من ذلك أنها اخترعت نظرية التسليم الضروري في السرقة؛ لحماية الجمهور من ضرب من ضروب السرقة، لا يدخل تحت نص القانون إذا أخذ بنظرية التفسير الضيق، وكذلك اعتبرت المحاكم الكهرباء منقولاً؛ لتعاقب على اختلاسها بعقوبة السرقة، كذلك عاقبت على سرقة أكفان الموتى، والقاعدة التي تتبعها المحاكم يحبذها أكثر الشراح، وهي عين الطريقة التي تأخذ بها الشريعة الإسلامية.
والقاعدة في القانون أن يفسر كل شك لمصلحة المتهم، وتطبيق هذه القاعدة
стр. 217
قد يؤدي إلى تخفيف عقوبة الجاني، وقد يؤدي إلى تبرئة المتهم. فمثلاً إذا شكت المحكمة في ركن الإكراه في السرقة بالإكراه، فسر ذلك الشك لمصلحة المتهم، واعتبرت الواقعة سرقة عادية، وعوقب عليها بعقوبة الجنحة بدلاً من عقوبة الجناية. وإذا شكت المحكمة في ثبوت الجريمة، أو في توفر ركن من أركانها، حكم ببراءة المتهم. ويتبين من هذا أن تفسير الشك لمصلحة المتهم في القانون يقابل في الشريعة درء الحد بالشبهات وتفضيل الخطأ في العفو، ويؤدي إلى نفس نتائج هذين المبدأين (١) .
* * *
المبحث الرابع
تعارض الأحكام (أي النصوص) ونسخها
١٨٥ - التعارض: إذا تعارض نصان في قوة واحدة: كآيتين، أو آية وسنة متواترة، أو سنتين متواترتين، أو حديثين مشهورين، أو خبرين من أخبار الآحاد، وعلم تاريخ ورود كل من النصين المتعارضين، كان اللاحق منهما ناسخاً للسابق.
وإذا لم يعلم تاريخ ورود النصين المتعارضين، رجح أحدهما على الآخر بطريق من طرق الترجيح، والترجيح إما أن يكون من ناحية المتن، وإما من ناحية السند، فمن جهة المتن يرجح الأقوى دلالة، فيرجح المفهوم بالعبارة على المفهوم بالإشارة وهكذا، ويرجح المحكم على المفسر، والمفسر على النص وهكذا، ويرجح العام على المخصص. ومن جهة السند يرجح الخبر الذي رواته من أهل الفقه والأمانة على غيرهم.
وإذا لم يرجح أحد النصين المتعارضين على الآخر، يجمع بينهما بطريق من طرق الجمع والتوفيق، وهذا يكون بتخصيص أحد النصين لحالة، وتخصيص
стр. 218
الآخر لحالة آخرى، أو يجعل أحد النصين مبيناً الحكم الدنيوي، والثاني مبيناً الحكم الأخروي، أو يجعل أحدهما حقيقياً، والثاني مجازياً، أو بغير ذلك.
وإذا لم يعلم تاريخ ورود النصين المتعارضين، ولم يقم دليل على رجحان أحدهما على الأخر، ولم يمكن الجمع والتوفيق بينهما، عُدل عن الاستدلال بهما إلى الاستدلال بما دونهما مرتبة، فإن كان التعارض بين متواترين عدل إلى خبر الآحاد.
ويراعى دائماً في حالة الترجيح والجمع والتوفيق عدم الخروج على مبادئ الشريعة العامة وروح التشريع، فتكون الموازنة بين الأدلة قائمة على ضوء مقاصد الشارع والمبادئ العامة.
١٨٦ - النسخ: هو إبطال حكم تشريعي بدليل يدل عليه صراحة أو ضمناً إبطالاً كلياً أو جزئياً لمصلحة اقتضته.
فالنسخ الصريح: هو أن يصدر تشريع ينص صراحة على إبطال تشريع سابق، ومثال ذلك ما حدث في تشريع الزنا، فقد كانت العقوبة أول الأمر الحبس في البيوت والإيذاء، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً *وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٥، ١٦] ، ثم نسخ ذلك صراحة بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، وبقول رسول الله ﷺ : "خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة". ومثل النسخ الصريح أيضاً قول الرسول ﵇: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الحياة الآخرة".
والنسخ الضمني: هو أن يصدر الشارع تشريعاً لاحقاً لا ينص فيه صراحة
стр. 219
على إبطال التشريع السابق، ولكنه يأتي في التشريع اللاحق بأحكام تعارض أحكام التشريع السابق، بحيث لا يمكن التوفيق بين التشريعين إلا بإلغاء أحدهما، فيعتبر اللاحق ناسخاً للسابق ضمناً.
والنسخ الكلي: هو إبطال تشريع سابق إبطالاً كلياً بالنسبة لكل فرد من أفراد المكلفين.
والنسخ الجزئي: هو أن يجئ التشريع عاماً شاملاً كل فرد مكلف، ثم يلغى بالنسبة لبعض الأفراد، ومثال ذلك حكم القذف، فقد كان عاماً ثم نسخ بالنسبة إلى الأزواج فقط حيث شرعت لهم الملاعنة.
١٨٧ - محل النسخ: محل النسخ هو الأحكام التشريعية، وليست نصوص القرآن والسنة كلها قابلة للنسخ، بمعنى أن ما ورد به نص سابق يمكن أن ينسخه نص لاحق، فهناك نصوص محكمة لا تقبل النسخ بحال، وهي:
أولاً: النصوص التي تضمنت أحكاماً أساسية كالنصوص التي أوجبت الإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، والنصوص التي جاءت بأصول العقائد والعبادات، والنصوص التي قررت أمهات الفضائل كالصدق والعدل وأداء الأمانات، والنصوص التي حرمت الرذائل كالشرك بالله وقتل النفس بغير الحق، والزنا، والسرقة، والفساد في الأرض والظلم وغير ذلك.
ثانياً: النصوص التي جاءت بأحكام مؤبدة، كقوله تعالى في قاذفي المحصنات: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] .
ثالثاً: النصوص التي دلت على وقائع وقعت وأخبرت عن حوادث، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] ، وكقول الرسول ﷺ : "نصرت بالرعب مسيرة شهر"؛ لأن نسخ الخبر تكذيب للمخبر به، والكذب محال على الشارع.
هذه الأنواع الثلاثة من النصوص لا تقبل النسخ وليست محلاً له، أما ماعداها من النصوص فهو يقبل النسخ.
стр. 220
١٨٨ - متى كان النسخ؟: وإذا قلنا أن النصوص تقبل النسخ أو لا تقبله، فهذا القول فيما يتعلق بالقرآن والسنة ينطبق على العهد الذي كان التشريع ينزل فيه، وهو ينتهي بوفاة الرسول ﷺ ، أما بعد وفاته فقد أصبحت نصوص القرآن والسنة محكمة جميعها لا تقبل النسخ، ولا هي محل له، حيث لا توجد سلطة تملك تغيير ما أنزله الله على رسوله بعد انقطاع الوحي ووفاة الرسول ﷺ .
١٨٩ - أي النصوص تنسخ الأخرى؟: القاعدة العامة في الشريعة أن النص لا ينسخه إلا نص في قوته أو أقوى منه، وأن النص الأقل قوة لا ينسخ نصاً أقوى منه. والنصوص في الشريعة مصدرها - كما علمنا - القرآن والسنة والإجماع والقياس، وما يصدره أولو الأمر من قوانين ولوائح وقرارات.
والمصدران الأساسيان للشريعة هما القرآن والسنة، فهما اللذان جاءا بأسس الشريعة وأحكامها العامة والخاصة، أما بقية المصادر فهي لا تأتي بأسس شرعية جديدة، ولا تضع أحكاماً عامة جديدة، وإنما هي طرق للاستدلال على الأحكام الفرعية من نصوص القرآن والسنة، فهي لا يمكن أن تأتي بما يخالف القرآن والسنة، لأنها تستمد منهما وتستند على نصوصهما، وهذا ينطبق على الإجماع والقياس كما ينطبق على القوانين واللوائح التي يصدرها أولو الأمر، فالإجماع أساسه اتفاق المجتهدين على حكم شرعي متفق مع نصوص القرآن والسنة، فإن لم يكن نص فلا بد أن يكون متفقاً مع مبادئ الشريعة العامة وروحها. والقياس أساسه إلحاق ما لا نص فيه بما فيه نص من القرآن والسنة، والقوانين واللوائح تصدر من أولي الأمر لتنظيم حال الجماعة على أساس القرآن والسنة، وتجب طاعتها كلما كانت صادرة على هذا الأساس، وإلا فلا طاعة لها ولا لمن أصدرها.
ويتبين مما سبق أن القرآن والسنة هما أساس الشريعة ومرجعها، وأنهما أقوى مصادر الشريعة وأعلاها درجة، أما بقية المصادر فهي تابعة للقرآن والسنة، وتقوم على نصوصهما، فالقرآن والسنة أصل وبقية المصادر فروع لهما،
стр. 221
ولا يمكن عقلاً أن يكون الفرع مساوياً للأصل ولا أقوى منه، وإذن فمن المحال أن ينسخ القرآن أو السنة إجماع أو قياس (١) أو قانون أو لائحة.
أما نصوص القرآن فينسخ بعضها بعض، وقد تنسخها السنة المتواترة؛ لأنها كلها قطعية وفي قوة واحدة.
ونصوص السنة غير المتواترة قد ينسخ بعضها بعضاً؛ لأنها في قوة واحدة، وقد ينسخها القرآن والسنة المتواترة؛ لأنها أقوى منها.
ولكن لا يُنسخ نص قرآني أو سنة متواترة بسنة غير متواترة؛ لأن الأقوى لا يُنسخ بما هو أقل منه قوة.
وقد استقرت نصوص القرآن والسنة بوفاة الرسول ﷺ ، إذ بوفاته انقطع الوحي، وانقطع ورود النصوص، فصارت نصوص القرآن والسنة محكمة؛ لأن باب نسخها أغلق نهائياً، وأصبحت قانوناً واحداً يفسر خاصها العام، ويبين مقيدها المطلق؛ كأنما شرعت كلها دفعة واحدة على الحالة التي انتهت إليها.
١٩٠ - حكم الإجماع والقياس المخالفين للقرآن والسنة: يصعب أن يكون هناك إجماع أو قياس مخالف للقرآن والسنة؛ لأن الإجماع يجب أن يقوم على دليل من القرآن والسنة، فلا إجماع بلا مستند شرعي (٢) . وإذا كان من شروط الإجماع أن يكون مستنداً إلى القرآن والسنة، فلا يتصور أن يكون مخالفاً لهما إلا إذا كان إجماعاً ممن يجهل القرآن والسنة ومن غير المجتهدين، وهذا ليس إجماعاً شرعياً ولا يترتب عليه أي أثر شرعي، وكل ما يأتي عن طريقه باطل بطلاناً مطلقاً.
ومن المستبعد أن يكون هناك قياس مخالف للقرآن والسنة إذا روعيت
стр. 222
شروط القياس؛ لأن أساس القياس أنه يلحق ما لا نص فيه بما فيه نص؛ لاشتراكهما في علة الحكم، فالحكم الذي يجئ عن طريق القياس هو حكم من أحكام القرآن أو السنة. فإذا فرض أن قياساً ما جاء بحكم مخالف للقرآن أو السنة، فهو قياس باطل بطلاناً مطلقاً؛ لأن من الشروط الأساسية في الشريعة أن يراعي المجتهد النصوص قبل كل شئ فلا يخرج عليها، وأن يتقيد بمقاصد الشارع العامة وبروح التشريع (١) .
* * *
المبحث الخامس
علاقة الأحكام الشرعية بأحكام القوانين
١٩١ - حكم القوانين واللوائح المخالفة للقرآن والسنة: إذا جاءت القوانين واللوائح متفقة مع نصوص القرآن والسنة، أو متمشية مع مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، وجبت الطاعة لها، وحقت العقوبة على من خالفها. أما إذا جاءت القوانين واللوائح خارجة على نصوص القرآن والسنة، أو خارجة على مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، فهي قوانين ولوائح باطلة بطلاناً مطلقاً، وليس لأحد أن يطيعها، بل على كل مسلم أن يحاربها. وسنبين فيما يلي أسباب هذا البطلان بعد أن نتكلم عن نظرية البطلان ذاتها.
١٩٢ - نظرية البطلان في الشريعة: أساس نظرية البطلان في الشريعة الإسلامية هو أن الأوامر والنواهي لم تجئ عبثاً، وأن الله أنزل كتابه وأرسل رسوله للناس؛ ليطيعوه ويعملوا بما جاء به، فمن عمل بما جاء به الرسول فعمله صحيح؛ لأنه وافق أمر الشارع، ومن خالف فقد بطل عمله؛ لمخالفته أمر الشارع، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: ٦٤] ،
стр. 223
ويقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] .
وتنطبق نظرية البطلان على عمل الأفراد والجماعات، والحكام والمحكومين، وتصرفات هؤلاء وهؤلاء، فكل عمل أو تصرف جاء موافقاً لنصوص الشريعة أو مبادئها العامة وروحها فهو صحيح، وما جاء مخالفاً لنصوص الشريعة أو مبادئها العامة أو روحها التشريعية فهو باطل بطلاناً أصلياً، ولا يترتب عليه أي أثر، ومن ثم فكل قانون أو لائحة أو أمر جاء على خلاف الشريعة فهو باطل بطلاناً مطلقاً، وكل عبادة جاءت على خلاف الشريعة فهي عبادة باطلة، وكل تصرف أو عقد جاء على خلاف الشريعة فهو باطل بطلاناً مطلقاً. فالعمل إما أن يكون موافقاً للشريعة فهو صحيح، وإما أن يكون مخالفاً لها فهو باطل، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء.
والمخالفون وهم الأحناف يخالفون نظرية الجمهور فيما يمس حقوق الجماعة، فعندهم أن القوانين واللوائح والأوامر المخالفة للشريعة باطلة بطلاناً مطلقاً، ولكنهم يخالفون فيما يمس بحقوق الأفراد، أي في العقود والتصرفات، فيرون أنها تكون صحيحة إذا كانت موافقة للشريعة، فإذا جاءت على خلافها فهي باطلة بطلاناً مطلقاً إذا كان الخلل في أصل العقد أو التصرف، أي في ركن من أركانه، أما إذا كان الخلل في وصف من أوصاف العقد أو التصرف، أي في شرط خارج عن ماهيته وأركانه، فالعقد أو التصرف يكون فاسداً لا باطلاً. والفرق بين الفاسد والباطل عندهم أن الباطل لا يترتب عليه أثر مطلقاً، وأن الفاسد يترتب عليه بعض آثاره (١) .
وإذا طبقنا نظرية البطلان على القوانين واللوائح والقرارات والأوامر، أمكننا أن نقول على وجه القطع: إن التشريعات الوضعية على اختلاف أسمائها
стр. 224
تكون باطلة بطلاناً مطلقاً كلما جاءت مخالفة لنصوص الشريعة الإسلامية، أو خارجة عن مبادئها العامة، أو مباينة لروح التشريع الإسلامي. وأساس هذا البطلان كونها مخالفة للشريعة طبقاً لرأي جمهور الفقهاء، وأساسه - طبقاً لرأي أبي حنيفة وأصحابه - أن القوانين واللوائح والأوامر بما يمس صالح الجماعة ونظامها العام، أو يمس حقوق الله طبقاً لتعبيرهم، وكل ما يتصل بصالح الجماعة ونظامها باطل بطلاناً مطلقاً إذا جاء مخالفاً للشريعة الإسلامية، فأساس البطلان إذن بإجماع الفقهاء هو مخالفة القوانين واللوائح والقرارات والأوامر لنصوص الشريعة أو مبادئها العامة أو روحها التشريعية.
١٩٣ - الأدلة على بطلان التشريعات الوضعية المخالفة للشريعة: بينا فيما سبق أن تطبيق نظرية البطلان في الشريعة يقتضي إبطال التشريعات الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية، وسنبين الآن أن هذا البطلان يستند إلى نصوص القرآن، ونصوص السنة، وإلى الإجماع، وهي مصادر القانون الجنائي في الشريعة الإسلامية. فقد جاءت نصوص القرآن والسنة صريحة في إبطال كل ما يخالف الشريعة، ومن ثم انعقد الإجماع على احترام هذه النصوص الصريحة وإبطال كل ما يخالفها، وسنقدم فيما يلي الأدلة على ذلك:
١ - إن الله أمر باتباع الشريعة ونهى عن اتباع ما يخالفها: فلم يجعل لمسلم أن يتخذ من غير شريعة الله قانوناً، وجعل كل ما يخرج على نصوص الشريعة، أة مبادئها العامة، أو روحها التشريعية، محرماً تحريماً قاطعاً على المسلمين بنص القرآن الصريح، حيث قسم الله الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما: إما الاستجابة لله والرسول واتباع ما جاء به الرسول، وإما اتباع الهوى، فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى بنص القرآن، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] .
стр. 225
كذلك قسم الله طريق الحكم بين الناس إلى طريقين لا ثالث لهما: أولهما: الحق، وهو الوحي الذي أنزل على رسله، وثانيهما: الهوى، وهو كل ما خالف الوحي، فقال جل شأنه: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] .
وقال تعالى موجهاً الخطاب إلى الرسول ﷺ : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨، ١٩] .
فقسم الأمر بين الشريعة التي جعل رسوله عليها، وأوحى إليه العمل بها، وأمر الأمة الإسلامية باتباعها، وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وأمر بالأول ونهى عن الثاني.
وقال جل شأنه: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] فأمر باتباع ما أنزل منه خاصة، ونهى عن اتباع ما يخالفه، وبين أن من اتبع غير ما أنزل من عند الله فقد اتبع أولياء من دون الله (١) .
وهكذا قطعت نصوص القرآن في تحريم كل ما يخالف نصوص الشريعة صراحة أو ضمناً، وكل ما يخالف مبادئها العامة أو روحها التشريعية، ونهت نهياً جازماً عن العمل بغير الشريعة، واعتبرت العامل بغير الشريعة متبعاً هواه منقاداً إلى الضلال، مضلاً لغيره ظالماً لنفسه ولغيره، كافراً بما أنزل الله، متخذاً لنفسه أولياء من دون الله.
٢ - إن الله لم يجعل لمؤمن أن يرضى بغير حكم الله، أو يتحاكم إلى غير ما أنزل الله: بل لقد أمر الله أن يكفر بكل حكم غير حكمه، واعتبر الرضا بغير حكمه ضلالاً بعيداً، واتباعاً للشيطان، وذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
стр. 226
يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] .
فمن يتحاكم إلى غير ما أنزل الله وما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه. والطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة الله، فمن آمن بالله ليس له أن يؤمن بغيره، ولا أن يقبل حكماً غير حكمه (١) .
٣ - إن الله لم يجعل لمؤمن ولا مؤمنة أن يختار لنفسه أو يرضى لها غير ما اختاره الله ورسوله: ومن تخير غير ذلك فهو ضال لم يعرف الإيمان لقلبه سبيلاً، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ، فإذا أمر الله باتباع ما أنزل على رسوله ونهى عن اتباع غيره، فليس لمؤمن أن يرضى بغير ما أنزل الله، فإن رضيه واختاره لنفسه فهو غير مؤمن (٢) .
٤ - إن الله حرم على المؤمنين أن يسبقوا رسوله بقول أو فعل أو أمر أو رأي، كما حرم عليهم أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت نبيه: فقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] أي: لا تقولوا حتى يقول، ولا تأمروا حتى يأمر، ولا تفتوا حتى يفتي، ولا تعطوا أمراً حتى يكون هو الذي يحكم فيه. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ
стр. 227
لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] ، فإذا كان رفع الصواتهم فوق صوته سبباً لحبوط أعمالهم، فكيف بتقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها إليه، أليس هذا أولى أن يكون محبطاً لأعمالهم؟
وقال جل شأنه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] ، فإذا جعل الله من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون إذا كانوا معه إلا بعد استئذانه، فأولى أن يكون من لوازم الإيمان أن لا يذهبوا إلى قول أو فعل، ولا إلى مذهب علمي أو سياسي إلا بعد استئذانه، وإذنه يعرف بعد وافته بموافقة ما يذهبون إليه لما جاء به، فإن وافقه فقد أذن، وإن لم يوافقه - ثم ذهبوا إلى هذا المخالف - فقد انتفى عنهم الإيمان، وحبطت أعمالهم، وخسروا دنياهم وآخرتهم (١) .
٥ - إن الله أمر بأن يكون الحكم طبقاً لما أنزل، وجعل من لم يحكم بما أنزل الله كافراً، وظالماً، وفاسقاً: فقال جل شأنه: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ، وقال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وقال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] .
ومن المتفق عليه بين المفسرين أن من قبلنا استحدثوا لأنفسهم شرائع وقوانين، وتركوا بالحكم بها بعض ما أنزل الله، فاعتبرهم الله بعملهم هذا كفاراً وظلمة وفاسقين.
ومن المتفق عليه أيضاً بين المفسرين أن من يستحدث من المسلمين أحكاماً غير ما أنزل الله، ويترك بالحكم بها كل أو بعض ما أنزل الله من غير تأويل يعتقد صحته، فإنه يصدق عليهم ما قاله الله تعالى كل بحسب حاله، فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا لأنه يفضل غيره من أوضاع البشر
стр. 228
عليه فهو كافر قطعاً، ومن لم يحكم به لعلة أخرى غير الجحود والنكران فهو ظالم إن كان في حكمه مضيعاً لحق، أو تاركاً لعدل، أو مساواة، وإلا فهو فاسق (١) .
٦ - وإذا لم يكن لمؤمن أن يؤمن بغير ما أنزل الله، أو يقبل حكماً غير حكمه: فليس لمؤمن أن يحاول التوفيق بين ما جاء من عند الله وبين ما يخالفه، وأن يجعل بين حكم الله وحكم الطاغوت أو حكم الهوى، فإن ذلك هو الكفر المبرقع والنفاق السافر، وعلى كل مسلم أن يحارب الدعوة إلى هذا التوفيق، وأن يعرض عن الداعين إليه؛ لأن الإيمان بالله وبما جاء من عنده يتنافى مع التوفيق بين ما جاء به الرسول وبين ما يخالفه، بل الإيمان المحض يقتضي إعلان الحرب الشعواء على كل ما يخالف ما جاء به الرسول من طريقة، وحقيقة، وعقيدة، وسياسة، ورأي، حتى يكون الحكم خالصاً لما جاء من عند الله، وحتى تكون كلمة الذين كفروا بما جاء من عند الله السفلى، وكلمة الله هي العليا (٢) .
ذلك هو حكم الله، نزل في الصادين عن سبيل الله، الداعين إلى التوفيق بين ما جاء من عند الله وما يخالفه، وذلك هو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا﴾ النساء: ٦١ - ٦٣] .
٧ - إن الله نفى الإيمان عن العباد، وأقسم بنفسه على ذلك، حتى يحكموا الرسول فيما شجر بينهم من الدقيق والجليل والخطير والحقير: ولم يكتف في إثبات الإيمان لهم بهذا التحكيم المجرد، بل اشترط لاعتبارهم مؤمنين أن ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق من قضاء الرسول وحكمه، وأن يسلموا تسليماً،
стр. 229
وينقادوا للرسول انقياداً، والرسول لا يحكم إلا بما أنزل الله وبما أراه إياه، فالمؤمن يجب عليه إذن أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤمن بها أصلح الأحكام وأفضلها ولو قال الناس إن غيره أصلح منه؛ لأنه لا يكون مؤمناً إلا إذا أطاع طاعة تامة، وانقاد انقياداً تاماً كاملاً لما أمر الله ورسوله، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
ويستدل الفقهاء بهذه الآية على أن من رد شيئاً من أوامر الله أو أوامر رسوله فهو خارج عن الإسلام، سواء ردة من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول، أو الامتناع عن التسليم، ولقد حكم الصحابة بارتداد ما نعى الزكاة؛ لأن الله حكم بأن من لم يسلم بما جاء به الرسول ولم يسلم بقضائه وحكمه فليس من أهل الإيمان (١) .
٨ - إن كان ما يخالف الشريعة محرم على المسلمين، ولو أمرت به أو أباحته السلطة الحاكمة أياً كانت؛ لأن حق الهيئة الحاكمة في التشريع مقيد بأن يكون التشريع موافقاً لنصوص الشريعة، متفقاً مع مبادئها العامة وروحها التشريعية، فإن استباحت الهيئة الحاكمة لنفسها أن تخرج عن حدود وظيفتها، وأن تصدر قوانين لا تتفق مع الشريعة وتضعها موضع التنفيذ، فإن عملها لا يحل هذه القوانين المحرمة، ولا يبيح لمسلم أن يتبعها أو يطبقها، أو يحكم بها، أو ينفذها؛ بل تظل محرمة تحريماً قاطعاً على كل مسلم ومسلمة، ومن واجب الأفراد لا من حقوقهم أن يمتنعوا على اتباعها، ومن واجب الموظفين أن يمتنعوا عن تنفيذها، لأن طاعة أولي الأمر لا تجب لهم استقلالاً، وإنما تجب ضمن طاعة الرسول، ولا تجب لهم مطلقة، وإنما تجب في حدود ما أمر به الله ورسوله، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ
стр. 230
فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] ، فأمر الله بطاعته وطاعة رسوله، وإعادة فعل الطاعة عند ذكر الرسول يشعر بأن طاعة الرسول تجب له استقلالاً سواء كان ما أمر به في القرآن أو لم يكن فيه، لأنه أُوتي الكتاب ومثله معه، وحذف فعل الطاعة عند ذكر أولي الأمر دليل على أن طاعة أولي الأمر لا تجب لهم استقلالاً وإنما هي في ضمن طاعة الرسول، كذلك فإن تقدم طاعة الله وطاعة الرسول يقتضي أن لا يطاع أولو الأمر إلا بعد استيفاء الطاعة لله وللرسول في كل ما يصدر عن ولي الأمر، فأولو الأمر يطاعون تبعاً لطاعة الله وطاعة الرسول، وبعد توفر الطاعة لله ورسوله، فمن أمر منهم بما يوافق ما أنزل الله على رسوله فطاعته واجبة، ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا
طاعة (١) .
٩ - إن السنة بينت حدود الطاعة لأولي الأمر، ونهت عن طاعتهم فيما يخالف ما أنزل الله: فصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وقال: "إنما الطاعة في المعروف"، وقال في ولاة الأمور: "من أمركم منهم بمعصية فلا سمع ولا طاعة".
وفي عهد الرسول ﷺ أمر أحد الأمراء جنوده أمراً فتقاعسوا عن تنفيذه، فجمع حطباً وأشعل ناراً، ثم قال لهم: ألم يأمركم الرسول أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى. قال: فإني آمركم أن تدخلوا هذه النار، فهموا أن يدخلوها، فلما بلغ ذلك الرسول قال: "لو دخلوها لما خرجوا منها" أي لخلدوا في النار في دار الآخرة، قال الرسول هذا القول مع أنهم كانوا يدخلونها طاعة لأميرهم وظناً منهم أن ذلك واجب عليهم، ولكن لما قصروا في الاجتهاد وبادروا على طاعة من أمر بمعصية الله استحقوا أن النار جزاءهم لا يخرجون منها. وإذا كان
стр. 231
حال من قصر في الاجتهاد واشتبه عليه الأمر فلم يتثبت منه، كيف يكون حال من أطاع أمراً مخالفاً مخالفة صريحة لما أنزل الله؟ (١) .
١٠ - إن إجماع الأمة الإسلامية انعقد بعد وفاة الرسول ﷺ على أنه لا طاعة لأولي الأمر إلا في حدود ما أنزل الله: فهذا أبو بكر خليفة رسول الله يقول مخاطباً لمسلمين بعد مبايعته: أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم. فجعل ﵁ طاعته مشروطة بطاعة الله، فإن عمل في حدود ما أنزل الله وجبت طاعته، وإن خرج عن هذه الحدود فلا سمع ولا طاعة.
وهؤلاء فقهاء هذه الأمة ومجتهدوها يجمعون على أن طاعة أولي الأمر لا تجب إلا فيما أمر الله، وأن لا طاعة لهم فيما يخالف ذلك (٢) ولا خلاف بينهم قولاً أو اعتقاداً في أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن إباحة المجمع على تحريمه كالزنا والسكر، واستباحة إبطال الحدود، وتعطيل أحكما الشريعة، وشرع ما لم يأذن به الله، إنما هو كفر وردة، وأن الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتد واجب على المسلمين، وأقل درجات الخروج على ولي الأمر عصيان أوامره ونواهيه المخالفة للشريعة (٣) .
١١ - إن أولي الأمر بحسب نصوص الشريعة الإسلامية ليس لهم حق التشريع المطلق للأسباب التي بيناها: وإن حقهم في التشريع قاصر على نوعين من التشريع: الأول: تشريعات تنفيذية يقصد بها ضمان تنفيذ نصوص الشريعة الإسلامية. والثاني: تشريعات تنظيمية لتنظيم الجماعة وحمايتها وسد حاجاتها على أساس مبادئ الشريعة العامة. وهذه التشريعات لا تكون إلا فيما سكتت عنه الشريعة فلم تأت بنصوص خاصة فيه ولا يمكن أن تكون فيما نصت عليه
стр. 232
الشريعة، ويشترط في هذه التشريعات قبل كل شئ أن تكون متفقة مع مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، فهي تشريعات توضع بقصد تنفيذ مبادئ الشريعة العامة، وإذن فهي في حقيقتها نوع آخر من التشريعات التنفيذية.
١٢ - إن أولي الأمر حين يتولون التشريع المقيد على الوجه السابق يقومون به إما باعتبارهم خلفاء للرسول أو نواباً عن الجماعة الإسلامية: فإن كانوا خلفاء للرسول فليس لهم أن يخرجوا على ما جاء به الرسول؛ لأنهم خلفوا بقصد تنفيذ ما جاء به، وإن كانوا نواباً عن الجماعة الإسلامية فليس لهم أن يخرجوا على ما تدين به هذه الجماعة وما تؤمن به، وإلا خرجوا على حدود النيابة، لأن الجماعة لم تقمهم حكاماً إلا لإقامة الدين وحكم الجماعة على أساس الشريعة الإسلامية.
فأولي الأمر - أياً كان السند الذي يستندون إليه في حق التشريع - ليس لهم أن يخرجوا على نصوص الشريعة أو مبادئها العامة أو روحها التشريعية.
١٣ - إن الشريعة الإسلامية هي الدستور الأساسي للمسلمين: كما تبين مما سبق، فكل ما يوافق هذا الدستور فهو صحيح، وكل ما يخالف هذا الدستور فهو باطل، مهما تغيرت الأزمان وتطورت الآراء في التشريع؛ لأن الشريعة جاءت من عند الله على لسان رسوله ليعمل بها في كل زمان وكل مكان، فتطبيقها ليس محدوداً بزمن، ولا مقصوراً على أشخاص ولا أجيال أو أجناس، وهي واجبة التطبيق حتى تلغى أو تنسخ، ولا يمكن أن تلغى أو تنسخ؛ لأن القاعدة الأساسية في الشريعة الإسلامية بل وفي القوانين الوضعية الحديثة أن النصوص لا ينسخها إلا نصوص في مثل قوتها أو أقوى منها، أي نصوص صادرة من نفس الشارع أو من هيئة لها سلطان التشريع مثل ما للهيئة التي أصدرت النصوص المراد نسخها، أو من هيئة يزيد سلطانها التشريعي على سلطان من أصدر النصوص المطلوب نسخها، فالنصوص الناسخة إذن يجب أن تكون قرآناً أو سنة حتى يمكن أن تنسخ ما لدينا من قرآن وسنة، وليس بعد الرسول قرآن حيث انقطع الوحي، ولا سنة حيث توفى الرسول،
стр. 233
ولا يمكن أن يقال إن ما يصدر عن هيئاتنا التشريعية البشرية في درجة القرآن والسنة، أو أن لها من سلطان التشريع ما لله وللرسول، ولكن الذي يمكن أن يقول وهو الواقع إن أولي الأمر منا لا يملكون حتى التشريع، وإنما لهم حق التنفيذ أو التنظيم، فالتشريع من حق الله والرسول، وقد انتهى عهده بوفاة الرسول، واستقر أمره بانقطاع الوحي، والتنفيذ والتنظيم لأولي الأمر، فلهم أن يصدروا قوانين ولوائح وأوامر تنفيذاً لما شرعه الله ورسوله، ولهم أن ينظموا الجماعة ويوجهوها طبقاً لما شرعه الله ورسوله، فالله قد تكفل بوضع التشريعات الأصلية وشرع على لسان رسوله نصوصاً وأحكاماً أساسية، وأوجب على أولي الأمر تنفيذها كما هي، كما أوجب عليهم أن ينظموا الجماعة ويوجهوها على أساسها، ولهم في سبيل أداء هذا الواجب أن يصدروا القوانين والمراسيم واللوائح والقرارات التي تضمن تنفيذ هذه
التشريعات الأساسية، وإقامة الجماعة على أساسها، ولكن ليس لهم بأي حال أن يعطلوا التشريعات الأساسية أو يلغوها؛ لأن ذلك خارج عن سلطانهم ولا يتسع له مقدورهم.
وإذا أردنا أن نأتي بتشبيه يقرب هذا المعنى إلى أذهاننا، قلنا: إن الشريعة تعتبر بمثابة القوانين الوضعية، وإن ما تصدره الهيئات التشريعية يعتبر بمثابة اللوائح والقرارات التي تصدر لضمان تنفيذ هذه القوانين، أو قلنا: إن الشريعة تعتبر بمثابة الدستور الوضعي، وإن ما تصدره الهيئات التشريعية يعتبر بمثابة القوانين الوضعية التي يشترط فيها أن تكون موافقة لنصوص الدستور وغير خارجة عليه وإلا كانت باطلة.
ونخلص من هذا كله بأن القوانين واللوائح والقرارات أدنى مرتبة من القرآن والسنة، ولا يمكن أن يتغلب القانون الأدنى على القانون الأعلى درجة.
١٤ - إن الدستور المصري ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام: ومعنى هذا أن النظام الأساسي الذي تقوم عليه الدولة هو الإسلام، وأنه المصدر الذي تأخذ عنه، والمرجع الذي تنتهي إليه، والحاكم الذي تأتمر بأمره
стр. 234
وتنتهي بنهيه، فوجود هذا النص في الدستور المصري - وهو القانون الأولى بالنسبة لغيره من القوانين التي تسنها هيئاتنا التشريعية - يقتضي أن نتقيد بنصوص الشريعة الإسلامية في قوانيننا، وسياساتنا، وتعليمنا، وتنظيمنا الداخلي والخارجي، وفي كل أوجه نشاطنا، فلا نحل إلا ما أحلته الشريعة، ولا نحرم إلا ما حرمته، ولا نخرج على مبادئ الشريعة وروحها في تشريعاتنا وأنظمتنا.
ونحن لا نذكر هذا النص من الدستور لنستدل به على وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية وبطلان القوانين المخالفة لها، وإنما نذكره فقط لنبين ما يقتضيه، ويستوي عندنا بعد ذلك أن يعترف الدستور بالدين الإسلامي أو ينكره، فإن اعتراف الدستور أو إنكاره ليس له قيمة ذاتية، والعبرة في هذا الأمر بالواقع وبحكم الدين الإسلامي نفسه، وحكم الدين الإسلامي: أنه لا قانون للمسلمين غير الشريعة، وأن الشريعة هي دستورهم وقانونهم الأساسي، وكل ما خالفها من القوانين الوضعية باطل سواء سمي دستوراً أو قانوناً أو لائحة أو قراراً أو أمراً أو غير ذلك من المسميات، التي لا تعترف بها الشريعة إلا إذا كانت موافقة لنصوصها وغير خارجة على مبادئها العامة وروحها.
١٥ - إن نظرية الشريعة الإسلامية في بطلان كل ما يخالف القرآن والسنة أو بمعنى آخر كل ما يخالف التشريعات الأساسية هي نظرية تعترف به اليوم كل البلاد التي تطبق القوانين الوضعية، ولكنها تختلف في تطبيقها، فأكثر البلاد المتمدينة ترى بطلان كل قانون أو لائحة أو قرار جاء مخالفاً للدستور، باعتبار أن الدستور هب التشريع الأساسي لهذه البلاد، ويجب أن لا يصدر قانون أو لائحة أو قرار على خلافه، ولأن الدستور لا تعدل نصوصه إلا بشروط خاصة وبأغلبية خاصة لا تشترط في أي قانون، فالهيئة التي شرعت الدستور أعلى من الهيئات التي شرع القوانين وغيرها. أما أقلية البلاد المتمدينة فلا تأخذ بنظرية البطلان على إطلاقها وتفرق بين القوانين وما دونها من قرارات واللوائح
стр. 235
والأوامر، فإذا جاء القانون مستوفياً شكله القانوني اعتبر صحيحاً ولو كان مخالفاً للدستور، أما اللوائح والقرارات والأوامر فتعتبر باطلة إذا جاءت مخالفة للدستور أو القوانين ولو استوفت شكلها القانوني، وسند أصحاب هذه النظرية أن القوانين تعتبر عندهم في درجة الدستور، لأن الهيئة التشريعية التي صدر الدستور والقوانين واحدة وسلطانها واحد، أما الهيئة التي تصدر اللوائح والأوامر والقرارات فهي أقل درجة من الهيئة التي وضعت الدستور والقوانين وسلطانها أقل (١) .
هذه هي نظرية البطلان في القوانين الوضعية عند من يأخذون بها على إطلاقها ومن يقيدونها، فإذا طبقناها مطلقة أو مقيدة على البلاد الإسلامية وجب أن نقول ببطلان كل ما يخالف الشريعة الإسلامية سواء استوفى الشكل أو لم يستوفيه؛ لأن الشريعة عي التشريع الأساسي للمسلمين؛ ولأن شارعها هو الله أجل من أن يقارن بعبادة المشرعين.
وقبل أن نترك هذه النقطة يجب أن نقرر أن الشرائع الوضعية لم تعرف نظرية البطلان هذه إلا حديثاً، فعمرها في القوانين الوضعية أقل من قرن، بينما عرفتها الشريعة الإسلامية من قبل أن تعرفها القوانين الوضعية بأكثر من أثنى عشر قرناً، ويكفي الشريعة فخراً أن يكون أقدم ما فيها هو أحدث ما في القوانين، وأن تكون النظرية التي يهلل لها الناس اليوم يرون فيها كل الضمان ضد طغيان السلطة التشريعية الإسلامية، وإذا كان الناس يجهلون هذا وغيره من الشريعة الإسلامية فليس الذنب ذنب الشريعة، وإنما هو ذنب أهلها الذين لا يعرفون عنها بعض ما يعرفونه عن غيرها.
١٦ - إن استيفاء التشريعات المخالفة للشريعة شكلها القانوني لا يمنع من أنها تشريعات باطلة بطلاناً مطلقاً من ناحية الموضوع: وصحة الشكل لا يمكن أن
стр. 236
تؤثر على بطلان الموضوع؛ لأن صحة الشكل لا تحيل الحرام حلالاً والباطل صحيحاً، ومن ثم يجب على القاضي أن لا يطبق التشريعات المخالفة للشريعة ولو استوفت شكلها القانوني.
١٩٤ - مدى بطلان ما يخالف الشريعة: قلنا: إن ما يخالف الشريعة من قانون أو لائحة أو قرار باطل بطلاناً مطلقاً، لكن هذا البطلان لا ينصب على كل نصوص القانون أو اللائحة أو القرار، إنما ينصب فقط على النصوص المخالفة للشريعة دون غيرها؛ لأن أساس البطلان هو مخالفة الشريعة، فلا يمتد البطلان منطقياً لما يوافق الشريعة من النصوص، ولو أنها أدمجت في فانون واحد أو لائحة واحدة أو قرار واحد مع غيرها من النصوص المخالفة للشريعة. وتعتبر النصوص الموافقة للشريعة صحيحة ما دامت قد صدرت من هيئة تشريعية مختصة، واستوفت الإجراءات الشكلية المقررة.
وإذا كان البطلان قاصراً على النصوص المخالفة للشريعة فإن هذه النصوص لا تعتبر باطلة في كل حالة، وإنما هي باطلة فقط في الحالات التي تخالف فيها الشريعة، صحيحة في الحالات التي تتفق فيها مع الشريعة، وليس هذا بمستغرب ما دام أساس الصحة والبطلان راجع إلى موافقة الشريعة أو مخالفتها، إذ العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً.
ومن الأمثلة على بطلان النص الواحد في بعض الحالات وصحته في بعض الحالات الأخرى جريمة الزنا، فعقوبتها في الشريعة رجم الزاني المحصن، وجلد الزاني غير المحصن، والزنا شرعاً هو إدخال الحشفة أو مقدارها في الفرج، فما كان دون ذلك فلا حد فيه، وإنما فيه التعزير؛ فالشروع في الزنا ومقدمات الزنا من قبلة وعناق وملامسة كل ذلك لا يعاقب عليه بعقوبة الحد: وهي الرجم والجلد، والفعل التام لا يعاقب عليه في بعض الحالات بعقوبة الحد إذا درء الحد للشبهة، أو كان الجاني صغير السن، وعلى هذا فالجرائم التامة التي يجب فيها الحد لا يجوز
стр. 237
أن تطبق عليها نصوص القانون؛ لأنها تخالف حكم الشريعة، وتعاقب بعقوبة غير عقوبتي الرجم والجلد اللتين توجبهما الشريعة، أما الجرائم التامة التي درء فيها الحد، والجرائم غير التامة، فالعقوبة عليها هي عقوبة التعزير طبقاً للشريعة. والتعزير من العقوبات التي تتركها الشريعة لتصرف الهيئات التشريعية، ولما كان قانون العقوبات صادراً عن هذه الهيئات، فإن عقوباته تعتبر تعازير عن الأفعال التي لا يعاقب عليها بعقوبة الحد؛ أي بأية عقوبة مقدرة، ومن ثم تكون نصوص قانون العقوبات باطلة في كل حالة يجب فيها الحد صحيحة في كل حالة تستوجب التعزير.
والسرقة العادية عقوبتها القطع في الشريعة، وعقوبتها الحبس في القانون، ولكن حد القطع لا يجب إلا في سرقة تامة توفرت فيها شروط الحد، فإذا لم تكن السرقة تامة، أو لم تتوفر شروط الحد، فالعقوبة هي التعزير، ومن ثم تكون نصوص قانون العقوبات الخاصة بالسرقة باطلة في كل سرقة عادية تعاقب عليها الشريعة بالقطع، وصحيحة في كل سرقة تعاقب عليها الشريعة بالتعزير.
والقذف في الشريعة عقوبته الجلد ثمانين جلدة، ولكن القذف المعاقب عليه بعقوبة الحد هو الرمي بالزنا أو نفي النسب، وما عدا ذلك لا يعتبر قذفاً وإنما يعتبر سباً وعقوبته التعزير، ولما كانت الأجزية في قانون العقوبات تعازير فإن نصوص قانون العقوبات الخاصة بالقذف تعتبر باطلة في كل قذف تعاقب عليه الشريعة بعقوبة الحد، وتعتبر صحيحة في كل قذف أو سب تعاقب عليه الشريعة بعقوبة التعزير، إلا فيما يختص بالمنع من إثبات القذف فإن الشريعة لا تمنع القاذف من إثبات ما قذف به بينما القوانين تمنع ذلك (١) .
стр. 238
١٩٥ - ما يترتب على بطلان النصوص المخالفة للشريعة: يترتب على اعتبار النصوص المخالفة للشريعة باطلاً بطلاناً مطلقاً نتائج هامة نبينها فيما يلي:
أولاً: من وجهة تطبيق النصوص الباطلة: يجب على القاضي أن يطبق النصوص القانونية الباطلة في حالة البطلان، وعليه أن يطبقها فقط في حالات الصحة، وليس للقاضي أن يحتج بأن القوانين لا تخوله حق الفصل في صحتها وبطلانها مرتكناً في ذلك إلى نفس هذه القوانين، فإن سلطة القاضي في إبطال ما يخالف الشريعة تأتي من الشريعة لا من القوانين المخالفة لها.
ويستوي أن يحكم القاضي ببطلان النص المخالف أو يكتفي بالامتناع عن طبيعته لبطلانه؛ لأن القاضي لابد أن يبين في حكمه سبب امتناعه عن تطبيق النص وهو البطلان، وهذا البيان يساوي تماماً الحكم بالبطلان ولو جاء في أسباب الحكم فقط ولم يدخل في منطوقه، لأنه سبب جوهري، والأسباب الجوهرية تعتبر جزءاً من منطوق الحكم.
وليس للقاضي أن يحكم بالبراءة بحجة بطلان النص المطلوب تطبيقه على الواقعة، أو بحجة أنه مكلف طبقاً للقانون أن يحكم بعقوبة معينة فإن لم يحكم بها فعليه أن يبرئ المتهم. ليس للقاضي ذلك؛ لأن القول بالبطلان أساسه أن الشريعة تمنع من تطبيق غير أحكامها، وتوجب أن يعاقب مرتكب الجريمة بالعقوبات التي قررتها، فإذا أخذنا بحكم الشريعة في بطلان نص القانون استلزم ذلك الأخذ بحكم الشريعة في عقوبة الواقعة، فيجب إذن أن لا يحكم القاضي بالبراءة، وأن يحكم بالعقوبة المقررة في الشريعة الإسلامية ما دام مختصاً بنظر الجريمة.
وإذا اقتنع القاضي ببطلان النصوص المخالفة للشريعة وجب عليه أن يطبق حكم الشريعة، وليس يهمه بعد ذلك أن ينفذ حكمه أو لا ينفذ ما دام قد أدى واجبه وفعل ما يعتقده حقاً، فضلاً عن أن التنفيذ ليس من اختصاصه، بل هو
стр. 239
من اختصاص السلطة التنفيذية، وهي ملزمة بتنفيذ أحكام القضاء كلما كانت نهائية أو واجبة التنفيذ، فإذا أصبح حكم القاضي نهائياً اضطرت السلطة التنفيذية لتنفيذه.
ثانياً: من وجهة الاختصاص: وليس للقاضي أن يحكم بعدم اختصاصه بنظر الجريمة المعروضة عليه؛ لأنه مختص بنظرها طبقاً لنص القانون الجنائي الذي أصدرته الهيئة التشريعية، ولأن النصوص التي تحدد الاختصاص صحيحة إذا صدرت ممن يملك توزيع الاختصاص، ولا عبرة بما كان عليه العمل قديماً عند نظر جرائم الحدود فإن القضاء في الشريعة الإسلامية يتخصص بالزمان والمكان، ولولي الأمر طبقاً للشريعة سلطة توزيع الاختصاص القضائي، وقد وزعه فيما يختص بالجرائم على المحاكم الجنائية بالشكل الوارد في القوانين.
وإذا كان توزيع الاختصاص بين المحاكم الجنائية قائماً أصلاً على أساس جسامة العقوبة إلا أن المشرع قد بين بشكل قاطع الجرائم التي تختص بها كل محكمة، وما دامت القوانين الجنائية لم تذكر شيئاً عن العقوبات الشرعية فلننظر إلى الجريمة ذاتها، فإن كانت من اختصاص المحاكم الجزئية اعتبر القاضي نفسه مختصاً وحكم بالعقوبة المقررة في الشريعة بدلاً من العقوبة التي جاء بها القانون ولا تقرها الشريعة، على أساس أن المشرع رضي له أن يحكم بالعقوبة المقررة لهذه الجريمة على كل من ارتكبها، وجعل الحكم بعقوبتها من اختصاصه.
وعلى هذا يكون القاضي الجزئي مختصاً بنظر قضايا السرقة العادية، والقذف، والشرب، أما السرقة المصحوبة بإكراه أو تهديد، والسرقة التي ترتكب في الطريق العام، وهي ما يسمى في الشريعة بقطع الطريق أو الحرابة، فهذه من اختصاص محاكم الجنايات لسببين: أولهما: أن الفعل المكون للجريمة جعل بنص القانون من اختصاص محاكم الجنايات. وثانيهما: أن الشريعة نصت على القتل عقوبة في هذه الجريمة والقتل عقوبة لا يحاكم بها إلا محاكم الجنايات طبقاً للقانون.
стр. 240
أما جريمة الزنا فإن كانت من غير محصنين نظرنا إلى الفعل المنسوب إليهما، فإن كان القانون قد جعله من اختصاص محكمة الجنح حوكم المتهمان أمام هذه المحكمة، وإن كان قد جعله من اختصاص محكمة الجنايات حوكم المتهمان أمامها، ويمكن القول بأنه لا داعي اختصاص محاكم الجنايات في الزنا من غير المحصنين؛ لأن اختصاص هذه المحاكم كان أساسه توقيع عقوبة خاصة تخالف العقوبة التي توقعها محكمة الجنح، فإذا كان الفعل لا يعاقب عليه في الشريعة إلا بعقوبة واحدة هي الجلد، كان من المعقول أن تكون محكمة الجنح هي المختصة، ما دامت تختص بتوقيع عقوبة الجلد على الزنا في بعض الصور.
وإذا كان الزنا من محصنين فالجريمة من اختصاص محاكم الجنايات؛ لأن العقوبة المقررة للزنا هي الرجم أي القتل بطريق معين، والحكم بعقوبة القتل من اختصاص محاكم الجنايات، وليس من اختصاص القاضي الجزئي. وإذا كان أحد الزانيين غير محصن، فالاختصاص لمحاكم الجنايات أيضاً؛ لأن فعل الزنا لا يمكن تجزئته، ووحدة الفعل المنسوب للزانيين تقتضي أن يحاكما عليه أمام محكمة واحدة؛ ولأن القاضي الجزئي لا يملك عقاب الزاني المحصن، وإن كان له أن يعاقب الزاني غير المحصن، أما محكمة الجنايات فتملك عقاب الزاني المحصن بالرجم وتملك أن تعاقب بما هو أدنى من الرجم كالجلد؛ لأن من يملك الأكثر يملك الأقل.
ثالثاً: من وجهة تطبيق القوانين بصفة عامة: يترتب على الأخذ بنظرية البطلان أن لا يطبق من أحكام القوانين الوضعية جنائية، أو مدنية، أو تجارية، أو دولية ... إلخ إلا الأحكام التي تتفق مع نصوص الشريعة، إذا كانت الشريعة قد نصت صراحة على أحكام خاصة، أو الأحكام التي تتفق مع مبادئ الشرعية العامة وروحها التشريعية، إذا لم تكن الشريعة قد نصت على أحكام خاصة. أما الأحكام المخالفة للشريعة فتهمل إهمالاً تاماً، وتحل محلها أحكام الشريعة، مع مراعاة اختيار الآراء الشرعية التي تنسجم مع نصوص القوانين الصحيحة.
стр. 241
ولا يشترط لصحة نصوص القوانين أن تكون أحكامها موافقة لمذهب معين في الشريعة كالمذهب الحنفي مثلاً أو المالكي، بل يكفي لعتبار حكم القانون صحيحاً أن يكون موافقاً لرأي أحد المجتهدين من فقهاء الشريعة، إذ أن اختيار المشرع لحكم متفق مع مذهب شرعي يعتبر أخذاً بالمذهب المتفق مع هذا الحكم.
وإذا كان بعض الحكم متفقاً مع الشريعة وبعضه مخالفاً لها فالمخالف باطل، ويحل محله حكم الشريعة الذي ينسجم مع بقية الحكم الذي لم يبطل دون حاجة للقيد بمذهب شرعي معين.
وعلى هذا الأساس يمتنع التنافر بين النصوص، ويكون هناك تناسق بين النصوص الشريعة والنصوص القانونية، على أن هذا لا يمنع المشرع فيما بعد من اختيار النظريات الشرعية التي تتفق مع حالتنا الاجتماعية، وتعديل القوانين تعديلاً شاملاً على أساس هذه النظريات.
رابعاً: من وجهة تطبيق الشريعة: يترتب على بطلان النصوص القانونية المخالفة للشريعة أن تطبق المحاكم في الحال نصوص الشريعة الإسلامية دون حاجة لتدخل من الهيئة التشريعية، كما يترتب على البطلان أن تلتزم الهيئة التشريعية حدود الشريعة فيما تصدره من قوانين ولوائح وقرارات جديدة.
١٩٦ - مدى التغييرات التي تترتب على الأخذ بنظرية البطلان: يترتب على الأخذ بنظرية البطلان عدم تطبيق النصوص المخالفة للشريعة وإحلال نصوص الشريعة محلها، ولن يؤدي تطبيق أحكام الشريعة إلى إحداث تغيير كبير في أوضاعنا القانونية؛ لأن معظم النصوص القانونية لا تختلف 'ن أحكام الشريعة، وإذا خالف بعض النصوص ما يقول به بعض الفقهاء فإن هذه النصوص تتفق مع ما يقول به البعض الآخر من الفقهاء، وسنكتفي هنا
стр. 242
ببيان التغييرات التي تصيب قانون العقوبات (١) وهي ترتبط إلى حد كبير بنوع الجريمة، وتختلف بحسب ما إذا كانت الجريمة من جرائم الحدود، أو جرائم القصاص والدية، أو جرائم التعزير.
١٩٧ - أولاً: في جرائم الحدود: جرائم الحدود معدودة في الشريعة وهي على سبيل الحصر سبع جرائم: الزنا، القذف، الشرب، السرقة، الحرابة، الردة، البغي. وتعاقب الشريعة على هذه الجرائم بعقوبات معينة تسمى حدوداً، ويشترط لعقوبة الحد أن تكون الجريمة تامة، وألا يكون هناك مانع شرعي من توقيع العقوية، فإذا توفر هذان الشرطان فلابد من عقوبة الحد. وفي هذه الحالة يجب تطبيق نصوص الشريعة، وتبطل نصوص القانون ويمتنع تطبيقها.
أما في الحالات التي لا يعاقب فيها على هذه الجرائم بعقوبة الحد كأن كانت الجريمة تامة ولم تستوف شروط العقوبة، أو درء الحد للشبهة، أو كانت الجريمة شروعاً، فالعقوبة في هذه الحالات طبقاً للشريعة هي عقوبة التعزير، والتعزير يرجع فيه إلى ولي الأمر، ونصوص قانون العقوبات ليست إلا تعازير مقررة ممن يملك حق تقريرها، فيكون قانون العقوبات هو الواجب التطبيق في هذه الحالات، وإذن فقانون العقوبات لن يعطل إلا في جرائم الحدود التامة المستوفية لشروط الحد، وهذا القول ينطبق على كل جرائم الحدود عدا جريمة الردة فلها حكم خاص.
الردة: تعتبر الشريعة الردة جريمة ماسة بالنظام العام، تعاقب عليها بعقوبة القتل، وعقوبة الردة لا يمكن إسقاطها بحال في الشريعة، أما قانون العقوبات
стр. 243
فلا يعتبر الردة جريمة ولا يعاقب عليها، ولما كان كل ما يخالف الشريعة باطلاً فقد وجب تطبيق حكم الشريعة على كل مرتد، والحكم عليه بالعقوبة المقررة طبقاً للشريعة، ولو أن قانون العقوبات المصري لم يذكر عن الردة شيئاً.
وهذا القول إذا أمكن تقريره من الوجهة النظرية فإن من الصعب عملاً تنفيذه، فليس في الإمكان محاكمة المرتد والحكم عليه إلا إذا عرض أمره على القضاء، وعرض الجرائم على القضاء مقيد بإجراءات على القضاء مقيد بإجراءات خاصة تتخذها النيابة العمومية، وعلى هذا فسيظل نص الردة الشرعي معطلاً حتى ترى النيابة العمومية تنفيذه، على أن جريمة الردة يمكن أن تعرض على القضاء بصورة عكسية، فالشريعة تهدر دم المرتد ولا تعاقب قاتله؛ لأنه أتى فعلاً مباحاً، فإذا قتل المرتد إنسان وعرض أمر القاتل على القضاء وجب على القاضي أن يبرئه؛ لأنه قتل نفساً غير معصومة؛ ولأن الشريعة تجعل من واجب كل إنسان لا من حقه أن يقتل المرتد. وهذا الواجب ليس فرض عين وإنما هو من فروض الكفاية إذا قام به فرد سقط عن الآخرين.
١٩٨ - ثانياً: في جرائم القصاص والدية: يدخل تحت هذا النوع من الجرائم القتل العمد، والقتل الخطأ، والجرح العمد، والجرح الخطأ، ولكل جريمة حكمها.
القتل العمد: الأصل في الشريعة هو أن يعاقب بالقصاص على القتل العمد، سواء كان القتل مقترناً بسبق إصرار وترصد أو غير مقترن، وسواء كانت هناك ظروف مخففة أو لم تكن، ولا تجيز الشريعة للقاضي أن يخفف العقوبة أو يستبدل بها غيرها، أما القانون المصري فيعاقب بالإعدام على القتل المقترن بسبق إصرار وترصد، وعلى القتل بالسم، وعلى القتل المقترن بجريمة أخرى، وفيما عدا ذلك فالعقوبة على القتل هي الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة، ويجيز القانون المصري في كل الأحوال تخفيف العقوبة واستبدال غيرها بها إذا
стр. 244
كانت الظروف تدعو للتخفيف. وهذا الخلاف الظاهر بين الشريعة والقانون المصري يقضي الأخذ بنصوص الشريعة دائماً في الحالات التي توجب فيها الشريعة القصاص، فيحكم القاضي بالقصاص في كل هذه الحالات، ويمتنع عليه أن يحكم بعقوبة أخرى.
ويجيز الشريعة لولي المجني عليه أن يعفو عن القصاص، فإذا عفا سقطت عقوبة القصاص، ولولي الدم إما العفو مجاناً، وإما على الدية أو مقابلها، فإذا عفا على الدية وجبت الدية على الجاني، وكان على القاضي أن يحكم بها، ويجب في حالة العفو على الدية والعفو مجاناً أن يحكم على الجاني بعقوبة تعزيرية، طبقاً لرأي مالك (١) أما أبو حنيفة (٢) والشافعي (٣) وأحمد (٤) فلا يوجبون التعزير في حالة العفو ولكن ليس لديهم ما يمنع من التعزير إن اقتضته المصلحة العامة. والقانون المصري لا يجعل لعفو أولياء المجني عليه أثراً على العقوبة المقررة، ولكن العفو يمكن اعتباره ظرفاً قضائياً مخففاً يؤدي إلى تخفيف العقوبة، أو استبدال غيرها بها، طبقاً للمادة ١٧ من قانون العقوبات المصري، وهذا الذي أخذ به القانون المصري يتفق مع مذهب الإمام مالك حيث يرى عند العفو أن تستبدل بعقوبة القصاص عقوبة التعزير.
فكأن المشرع المصري قد أخذ بمذهب مالك في هذه المسألة، وعلى هذا يجب في حالة العفو على الدية الحكم بها وبعقوبة تعزيرية، وفي حالة العفو مجاناً يجب الحكم بعقوبة تعزيرية، ولما كانت العقوبات المقررة في قانون العقوبات هي عقوبات تعزيرية، فيجب الحكم بالعقوبات المقررة فيه للقتل في حالة العفو إلا عقوبة الإعدام؛ لأن الإعدام هو عقوبة القصاص وهي تسقط بالعفو طبقاً للشريعة، وللقاضي في هذه الحالات أن يراعى الظروف المخففة
стр. 245
ويقدرها طبقاً لنص المادة ١٧ عقوبات؛ لأن الشريعة تبيح ذلك للقاضي في عقوبات التعازير.
وفي بعض الحالات يمتنع القصاص في القتل العمد، طبقاً للشريعة، كحالة قتل الأب ولده، وحالة القتل الحاصل من حَدَث، والقاعدة أن الدية تحل محل القصاص كلما امتنع القصاص لسبب من الأسباب الشرعية، وما قيل في حالة العفو عن القصاص يقال مثله عن حالة امتناع القصاص.
وخلاصة ما تقدم: أن نصوص القانون تعطل كلما كان القصاص واجباً، طبقاً للشريعة، وأن نصوص القانون تطبق في حالة العفو وامتناع القصاص، سواء وجبت الدية أو لم تجب، ولا يعطل من هذه النصوص إلا ما يقضي بالإعدام عقوبة للجريمة، وهذا هو نفس الأساس الذي كان يقوم عليه قانون العقوبات المصري قبل تعديل سنة ١٩٠٤.
الشروع في القتل: يختلف حكم الشروع في القتل تبعاً لأثر الشروع، فإن كان الشروع قد أحدث أثراً (١) يقتص منه فالعقوبة القصاص، وإن أحدث أثراً لا يقتص منه، أو أثراً يمتنع فيه القصاص، فالعقوبة الدية أو الأَرْش. والأصل عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد أنهم يكتفون بهذه العقوبات ولا يوجبون معها التعزير، لكنهم يجيزون اجتماع التعزير مع الحدود إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة. وأما مالك فيوجب التعزير مع القصاص أو الدية (٢) . وعلى هذا يجب أن تطبق عقوبات القانون مع عقوبات الشريعة، كلما أوجبت الشريعة القصاص أو الدية أو الأرش، ما دام الفقهاء لا يمنعون جمع عقوبة الحد مع عقوبة التعزير، وما دام أولو الأمر قد أوجبوا عقوبات تعزيرية معينة هي العقوبات التي نص عليها
стр. 246
قانون العقوبات، وللقاضي أن يراعي الظروف فيخفف العقوبة التعزيرية أو يشددها؛ لأن ذلك حقه طبقاً للشريعة والقانون معاً.
أما الشروع الذي لم يترك أثراً فعقوبته في الشريعة التعزير، ومن ثم تطبق عليه نصوص قانون العقوبات؛ لأن عقوباته تعزيرية.
القتل شبه العمد: يختلف الفقهاء في القتل شبه العمد، فأبو حنيفة والشافعي وأحمد يعترفون به، ومالك ينكره ولا يرى القتل إلا عمداً أو خطأ ولا وسط بينهما.
والقائلون بالقتل شبه العمد يقررون أن عقوبته الدية فقط، ولكنهم مع هذا يجيزون أن يجتمع التعزير مع الدية، فطبقاً لرأيهم تطبق نصوص القانون في القتل شبه العمد مع نصوص الشريعة، ما دام ولي الأمر يوجب التعزير فيه.
وإذا طبقنا نظرية مالك التي تجيز الجمع بين القصاص والدية وبين التعزير في الجراح، كان من المنطق أن نقول بوجوب الجمع بين الدية وبين التعزير في القتل شبه العمد؛ لأنه إذا صح أن يعاقب الجارح والضارب بالقصاص أو الدية مع التعزير، فأولى أن يعاقب الجارح أو الضارب بالدية مع التعزير إذا أدى جرحه أو ضربه للموت، ولا يقدح في هذه النتيجة أن مالكاً لا يعترف بالقتل شبه العمد؛ لأن هذه النتيجة التي خلصنا إليها هي منطق نظرية مالك في الجمع بين الحد والتعزير في الجراح، وليست منطق نظريته في إنكار شبه العمد.
وإذن فآراء الأئمة جميعاً تؤدي إلى تطبيق نصوص الشريعة مع نصوص القانون المصري في وقت واحد على القتل شبه العمد، ولا يمنع هذا القاضي من أن يخفف العقوبة التعزيرية طبقاً للمادة ١٧ عقوبات أو طبقاً لنصوص الشريعة.
القتل الخطأ: عقوبة القتل الخطأ في الشريعة الإسلامية هي الدية المخففة، ولم يقل أحد من الفقهاء بوجوب التعزير مع الدية كما قيل ذلك في القتل العمد؛ لأن طبيعة العمد تختلف عن الخطأ، ولكنهم جميعاً يجيزون اجتماع التعزير مع الحد، وعلى هذا يجب أن تطبق عقوبة الشريعة والعقوبة القانونية كما هو
стр. 247
الحال في القتل شبه العمد، ما دام أولو الأمر قد أوجبوا التعزير.
الجراح في العمد والخطأ: تعاقب الشريعة على الجراح المتعمدة بالقصاص كلما أمكن القصاص، لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وتعاقب بالقصاص في إتلاف الأطراف كلما كان القصاص ممكناً، فإذا لم يمكن قصاص فالعقوبة الدية، أو الأرش، أو الحكومة. ويوجب مالك أن يجتمع التعزير مع الدية أو القصاص تأديباً للجاني، أما بقية الأئمة فيجيزون الجمع ولا يوجبونه، فطبقاً لرأي مالك لا تعطل نصوص قانون العقوبات بل تطبق مع القصاص أو الدية كاملة أو ناقصة، وطبقاً لرأي بقية الأئمة يجمع بين القصاص والدية وبين العقوبة القانونية ما دام أولو الأمر قد أوجبوا التعزير، وعلى هذا فآراء الجميع لا تتعارض مع نصوص القانون المصري، ولا تؤدي إلى إبطالها.
أما جراح الخطأ فعقوباتها الدية أو الأرش أو الحكومة، وحكمها حكم القتل الخطأ ومن ثم يجب فيها تطبيق نصوص قانون العقوبات وتطبيق الشريعة في وقت واحد.
الضرب الذي لا يترك أثراً: تعاقب الشريعة على الضرب الذي لا يترك أثراً بالتعزير، ولما كانت العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات هي عقوبات تعزيرية فإن نصوص قانون العقوبات لن تعطل في هذه الحالة.
١٩٩ - ثالثاً: في جرائم التعازير: علمنا مما سبق (١) أن الشريعة الإسلامية لم تنص على كل جرائم التعازير ولم تحددها كما فعلت في جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، وأنها نصت على بعض جرائم التعازير وتركت القسم الأكبر منها لأولي الأمر، وجعلت لهم أن يحرموا إتيان بعض الأفعال أو يوجبوا إتيان بعض الأفعال، بقصد صيانة الجماعة وتنظيمها، والمحافظة على أمنها
стр. 248
ونظامها، ويشترط أن لا يحرجوا في يحرمون فعله أو يوجبون فعله على نصوص الشريعة، أو مبادئها العامة، أو روحها التشريعية.
والقاعدة العامة التي تأخذ بها الشريعة في العقاب على جرائم التعازير: أنها حددت مجموعة من العقوبات التعزيرية تبدأ بأخف العقوبات وتنتهي بأشدها، وتركت للقاضي أن يختار من هذه المجموعة العقوبة أو العقوبات التي يراها ملائمة للجريمة والمجرم.
وإذا كانت تلك هي القاعدة العامة التي سارت عليها الشريعة في جرائم التعازير التي نصت عليها، إلا أنه ليس في الشريعة ما يلزم أولي الأمر بالسير على هذه القاعدة في الجرائم التي تركت لهم الشريعة تحديدها، بل ليس في الشريعة ما يمنع أولي الأمر من أن يجعلوا لكل جريمة تعزيرية حرمتها الشريعة أو حرمها أولو الأمر عقوبة معينة يلزم القاضي توقيعها إذا ثبتت الجريمة، أو جعله لكل جريمة عقوبتين يختار القاضي إحداهما، كذلك ليس في الشريعة ما يمنع أولي الأمر من تعيين الحد الأدنى للعقوبة، بحيث لا يستطيع القاضي أن ينزل عنه، وهذا الذي لا تمنع منه الشريعة هو الذي عمل به في قوانين العقوبات.
ولما كانت نصوص قانون العقوبات واللوائح والقرارات التي تعين الجرائم وتعاقب عليها قد وضعت بمعرفة أولي الأمر، فإن الجرائم التي تنص عليها تعتبر طبقاً للشريعة جرائم تعزيرية، كلما كانت متفقة مع نصوص الشريعة أو غير خارجة على مبادئها العامة وروحها التشريعية.
ويلاحظ أن القوانين الجنائية وضعت في البلاد الإسلامية دون أن يراعي واضعوها نصوص الشريعة، بل إنهم تعمدوا إغفال النصوص الشرعية إغفالاً تاماً، وبهذا خرج أولو الأمر عن حدود وظيفتهم، وهذا الخروج إذا كان لا يؤدي إلى بطلان كل عملهم فإنه يؤدي إلى بطلان كل ما يصدر عنهم مخالفاً للشريعة.
стр. 249
وقد ترتب على إغفال أولي الأمر لنصوص الشريعة من ناحية، وعلى ما لهم من حق التشريع من ناحية أخرى، أن أصبح لدينا ثلاثة أنواع من جرائم التعازير:
النوع الأول: جرائم نصت عليها الشريعة ولم تنص عليها القوانين واللوائح: مثل جريمة أكل الميتة ولحم الخنزير، وجريمة البيوع الربوية، والامتناع عن إخراج الزكاة، ومخالفة أحكام العدة، ومخالفة الهيئات المشروعة للعبادات كالجهر في صلاة الإسرار، والإسرار في صلاة الجهر، وكالزيادة في الصلاة.
النوع الثاني: جرائم نصت عليها الشريعة ونصت عليها القوانين واللوائح: وهذه الجرائم قسمان: قسم لا تختلف فيه الشريعة عن القوانين كجرائم تطفيف الكيل والوزن وخيانة الأمانة والرشوة، وقسم تختلف فيه الشريعة عن القانون كجريمة الربا، فالشريعة تعاقب على الربا في كل صوره، أما القانون فلا يعاقب إلا على الربا الفاحش بشروط وقيود خاصة، وكجرائم المقامرة والمراهنة، فإن الشريعة تحرمها تحريماً مطلقاً، بينما تحرمها القوانين في حالات خاصة.
النوع الثالث: جرائم نصت عليها القوانين واللوائح ولم تنص عليها الشريعة: وهذه الجرائم قسمان: قسم يقوم على مبادئ تتفق مع مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، كمخالفات السيارات والتعليم، ومثل الأفعال التي قصد من تحريمها تنظيم الجماعة كقوانين تنظيم المهن، أو التي قصد من تحريمها تحقيق مصلحة عامة كمكافحة الآفات والأمراض. وقسم يقوم على مبادئ تخالف نصوص الشريعة وتتنافى مع مبادئها العامة وروحها التشريعية، ومن الأمثلة على ذلك: الجرائم التي نصت عليها لائحة بيوت الدعارة، فالمبدأ الذي قامت عليه هذه اللائحة هو إباحة الزنا والترخيص به رسمياً، وقد وضعت اللائحة لتنظيم مبدأ الإباحة، بينما الشريعة تحرم الزنا في كل صوره تحريماً مطلقاً. ومن أمثلة هذا القسم: الجرائم التي نصت عليها القوانين التي تنظم تقطير الخمور وبيعها وتقديمها،
стр. 250
فإن المبدأ الذي تقوم عليه هذه القوانين هو إباحة شرب الخمر، وقد وجدت هذه القوانين لتنظيم هذا المبدأ، بينما الشريعة تحرم شرب الخمر تحريماً عاماً.
٢٠٠ - مدى حقوق ولي الأمر في التحريم والعقاب: قلنا فيما سبق إن أولي الأمر أغفلوا نصوص الشريعة الإسلامية إغفالاً تاماً حين وضعوا قانون العقوبات والقوانين واللوائح الملحقة به، ونستطيع أن نستدل على هذا الإغفال في مصر بأن الشارع المصري نص في لائحة ترتيب المحاكم على أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص، وكرر هذا النص عند إصدار الدستور المصري حيث ضمنه إياه (١) ، وجمع الشارع الجرائم والعقوبات، والقواعد العامة للجريمة والعقاب في كتاب واحد سماه قانون العقوبات، أصدره وأوجب العمل به، وجعل لكل جريمة عقوبة أو اثنتين على الأكثر، وجعل للعقوبة حداً أدنى وحداً أعلى ليس للقاضي أن يتجاوزه، ومنع إيقاف تنفيذ العقوبة إلا بتوفر شروط معينة.
وقد قصد الشارع المصري من كل هذا أن لا يعاقب إلا على ما نص عليه هو من الأفعال المحرمة في الحدود التي حددها، وبالعقوبات التي عينها، واعتبر كل ما عدا ذلك من الأفعال مباحاً ولو كانت الشريعة تنص صراحة على تحريمه والعقاب عليه، كالربا، فالشريعة تحرمه في كل أنواعه وصوره