← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قانون العقوبات، وللقاضي أن يراعي الظروف فيخفف العقوبة التعزيرية أو يشددها؛ لأن ذلك حقه طبقاً للشريعة والقانون معاً. أما الشروع الذي لم يترك أثراً فعقوبته في الشريعة التعزير، ومن ثم تطبق عليه نصوص قانون العقوبات؛ لأن عقوباته تعزيرية. القتل شبه العمد: يختلف الفقهاء في القتل شبه العمد، فأبو حنيفة والشافعي وأحمد يعترفون به، ومالك ينكره ولا يرى القتل إلا عمداً أو خطأ ولا وسط بينهما. والقائلون بالقتل شبه العمد يقررون أن عقوبته الدية فقط، ولكنهم مع هذا يجيزون أن يجتمع التعزير مع الدية، فطبقاً لرأيهم تطبق نصوص القانون في القتل شبه العمد مع نصوص الشريعة، ما دام ولي الأمر يوجب التعزير فيه. وإذا طبقنا نظرية مالك التي تجيز الجمع بين القصاص والدية وبين التعزير في الجراح، كان من المنطق أن نقول بوجوب الجمع بين الدية وبين التعزير في القتل شبه العمد؛ لأنه إذا صح أن يعاقب الجارح والضارب بالقصاص أو الدية مع التعزير، فأولى أن يعاقب الجارح أو الضارب بالدية مع التعزير إذا أدى جرحه أو ضربه للموت، ولا يقدح في هذه النتيجة أن مالكاً لا يعترف بالقتل شبه العمد؛ لأن هذه النتيجة التي خلصنا إليها هي منطق نظرية مالك في الجمع بين الحد والتعزير في الجراح، وليست منطق نظريته في إنكار شبه العمد. وإذن فآراء الأئمة جميعاً تؤدي إلى تطبيق نصوص الشريعة مع نصوص القانون المصري في وقت واحد على القتل شبه العمد، ولا يمنع هذا القاضي من أن يخفف العقوبة التعزيرية طبقاً للمادة ١٧ عقوبات أو طبقاً لنصوص الشريعة. القتل الخطأ: عقوبة القتل الخطأ في الشريعة الإسلامية هي الدية المخففة، ولم يقل أحد من الفقهاء بوجوب التعزير مع الدية كما قيل ذلك في القتل العمد؛ لأن طبيعة العمد تختلف عن الخطأ، ولكنهم جميعاً يجيزون اجتماع التعزير مع الحد، وعلى هذا يجب أن تطبق عقوبة الشريعة والعقوبة القانونية كما هو

стр. 247

الحال في القتل شبه العمد، ما دام أولو الأمر قد أوجبوا التعزير. الجراح في العمد والخطأ: تعاقب الشريعة على الجراح المتعمدة بالقصاص كلما أمكن القصاص، لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وتعاقب بالقصاص في إتلاف الأطراف كلما كان القصاص ممكناً، فإذا لم يمكن قصاص فالعقوبة الدية، أو الأرش، أو الحكومة. ويوجب مالك أن يجتمع التعزير مع الدية أو القصاص تأديباً للجاني، أما بقية الأئمة فيجيزون الجمع ولا يوجبونه، فطبقاً لرأي مالك لا تعطل نصوص قانون العقوبات بل تطبق مع القصاص أو الدية كاملة أو ناقصة، وطبقاً لرأي بقية الأئمة يجمع بين القصاص والدية وبين العقوبة القانونية ما دام أولو الأمر قد أوجبوا التعزير، وعلى هذا فآراء الجميع لا تتعارض مع نصوص القانون المصري، ولا تؤدي إلى إبطالها. أما جراح الخطأ فعقوباتها الدية أو الأرش أو الحكومة، وحكمها حكم القتل الخطأ ومن ثم يجب فيها تطبيق نصوص قانون العقوبات وتطبيق الشريعة في وقت واحد. الضرب الذي لا يترك أثراً: تعاقب الشريعة على الضرب الذي لا يترك أثراً بالتعزير، ولما كانت العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات هي عقوبات تعزيرية فإن نصوص قانون العقوبات لن تعطل في هذه الحالة. ١٩٩ - ثالثاً: في جرائم التعازير: علمنا مما سبق (١) أن الشريعة الإسلامية لم تنص على كل جرائم التعازير ولم تحددها كما فعلت في جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، وأنها نصت على بعض جرائم التعازير وتركت القسم الأكبر منها لأولي الأمر، وجعلت لهم أن يحرموا إتيان بعض الأفعال أو يوجبوا إتيان بعض الأفعال، بقصد صيانة الجماعة وتنظيمها، والمحافظة على أمنها

стр. 248

ونظامها، ويشترط أن لا يحرجوا في يحرمون فعله أو يوجبون فعله على نصوص الشريعة، أو مبادئها العامة، أو روحها التشريعية. والقاعدة العامة التي تأخذ بها الشريعة في العقاب على جرائم التعازير: أنها حددت مجموعة من العقوبات التعزيرية تبدأ بأخف العقوبات وتنتهي بأشدها، وتركت للقاضي أن يختار من هذه المجموعة العقوبة أو العقوبات التي يراها ملائمة للجريمة والمجرم. وإذا كانت تلك هي القاعدة العامة التي سارت عليها الشريعة في جرائم التعازير التي نصت عليها، إلا أنه ليس في الشريعة ما يلزم أولي الأمر بالسير على هذه القاعدة في الجرائم التي تركت لهم الشريعة تحديدها، بل ليس في الشريعة ما يمنع أولي الأمر من أن يجعلوا لكل جريمة تعزيرية حرمتها الشريعة أو حرمها أولو الأمر عقوبة معينة يلزم القاضي توقيعها إذا ثبتت الجريمة، أو جعله لكل جريمة عقوبتين يختار القاضي إحداهما، كذلك ليس في الشريعة ما يمنع أولي الأمر من تعيين الحد الأدنى للعقوبة، بحيث لا يستطيع القاضي أن ينزل عنه، وهذا الذي لا تمنع منه الشريعة هو الذي عمل به في قوانين العقوبات. ولما كانت نصوص قانون العقوبات واللوائح والقرارات التي تعين الجرائم وتعاقب عليها قد وضعت بمعرفة أولي الأمر، فإن الجرائم التي تنص عليها تعتبر طبقاً للشريعة جرائم تعزيرية، كلما كانت متفقة مع نصوص الشريعة أو غير خارجة على مبادئها العامة وروحها التشريعية. ويلاحظ أن القوانين الجنائية وضعت في البلاد الإسلامية دون أن يراعي واضعوها نصوص الشريعة، بل إنهم تعمدوا إغفال النصوص الشرعية إغفالاً تاماً، وبهذا خرج أولو الأمر عن حدود وظيفتهم، وهذا الخروج إذا كان لا يؤدي إلى بطلان كل عملهم فإنه يؤدي إلى بطلان كل ما يصدر عنهم مخالفاً للشريعة.

стр. 249

وقد ترتب على إغفال أولي الأمر لنصوص الشريعة من ناحية، وعلى ما لهم من حق التشريع من ناحية أخرى، أن أصبح لدينا ثلاثة أنواع من جرائم التعازير: النوع الأول: جرائم نصت عليها الشريعة ولم تنص عليها القوانين واللوائح: مثل جريمة أكل الميتة ولحم الخنزير، وجريمة البيوع الربوية، والامتناع عن إخراج الزكاة، ومخالفة أحكام العدة، ومخالفة الهيئات المشروعة للعبادات كالجهر في صلاة الإسرار، والإسرار في صلاة الجهر، وكالزيادة في الصلاة. النوع الثاني: جرائم نصت عليها الشريعة ونصت عليها القوانين واللوائح: وهذه الجرائم قسمان: قسم لا تختلف فيه الشريعة عن القوانين كجرائم تطفيف الكيل والوزن وخيانة الأمانة والرشوة، وقسم تختلف فيه الشريعة عن القانون كجريمة الربا، فالشريعة تعاقب على الربا في كل صوره، أما القانون فلا يعاقب إلا على الربا الفاحش بشروط وقيود خاصة، وكجرائم المقامرة والمراهنة، فإن الشريعة تحرمها تحريماً مطلقاً، بينما تحرمها القوانين في حالات خاصة. النوع الثالث: جرائم نصت عليها القوانين واللوائح ولم تنص عليها الشريعة: وهذه الجرائم قسمان: قسم يقوم على مبادئ تتفق مع مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، كمخالفات السيارات والتعليم، ومثل الأفعال التي قصد من تحريمها تنظيم الجماعة كقوانين تنظيم المهن، أو التي قصد من تحريمها تحقيق مصلحة عامة كمكافحة الآفات والأمراض. وقسم يقوم على مبادئ تخالف نصوص الشريعة وتتنافى مع مبادئها العامة وروحها التشريعية، ومن الأمثلة على ذلك: الجرائم التي نصت عليها لائحة بيوت الدعارة، فالمبدأ الذي قامت عليه هذه اللائحة هو إباحة الزنا والترخيص به رسمياً، وقد وضعت اللائحة لتنظيم مبدأ الإباحة، بينما الشريعة تحرم الزنا في كل صوره تحريماً مطلقاً. ومن أمثلة هذا القسم: الجرائم التي نصت عليها القوانين التي تنظم تقطير الخمور وبيعها وتقديمها،

стр. 250

فإن المبدأ الذي تقوم عليه هذه القوانين هو إباحة شرب الخمر، وقد وجدت هذه القوانين لتنظيم هذا المبدأ، بينما الشريعة تحرم شرب الخمر تحريماً عاماً. ٢٠٠ - مدى حقوق ولي الأمر في التحريم والعقاب: قلنا فيما سبق إن أولي الأمر أغفلوا نصوص الشريعة الإسلامية إغفالاً تاماً حين وضعوا قانون العقوبات والقوانين واللوائح الملحقة به، ونستطيع أن نستدل على هذا الإغفال في مصر بأن الشارع المصري نص في لائحة ترتيب المحاكم على أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص، وكرر هذا النص عند إصدار الدستور المصري حيث ضمنه إياه (١) ، وجمع الشارع الجرائم والعقوبات، والقواعد العامة للجريمة والعقاب في كتاب واحد سماه قانون العقوبات، أصدره وأوجب العمل به، وجعل لكل جريمة عقوبة أو اثنتين على الأكثر، وجعل للعقوبة حداً أدنى وحداً أعلى ليس للقاضي أن يتجاوزه، ومنع إيقاف تنفيذ العقوبة إلا بتوفر شروط معينة. وقد قصد الشارع المصري من كل هذا أن لا يعاقب إلا على ما نص عليه هو من الأفعال المحرمة في الحدود التي حددها، وبالعقوبات التي عينها، واعتبر كل ما عدا ذلك من الأفعال مباحاً ولو كانت الشريعة تنص صراحة على تحريمه والعقاب عليه، كالربا، فالشريعة تحرمه في كل أنواعه وصوره

стр. 251

وأياً كان مقداره، أما القانون فلا يحرم الربا إلا في صور خاصة وبشروط معينة، وكتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، فالشريعة تحرم تناول هذه الأشياء وتعاقب على تناولها، والقانون لا يحرمها ولا يعاقب عليها. وبالإجمال فإن الشارع أهمل النصوص الشرعية ولم يقم على تنفيذها، واكتفى بإقامة ما نص عليه في قانون العقوبات وما ألحق به من قوانين ولوائح. هذا هو الذي فعله الشارع في مصر، وقد فعل مثله في غير مصر من البلاد الإسلامية، فهل في قواعد الشريعة ما يبرر فعل الشارع، وإلى أي حد يمكن أن يوصف عمله بالصحة أو البطلان؟ وسنستطيع الإجابة على هذا السؤال إذا عرفنا حقوق ولي الأمر في الشريعة، ومدى هذه الحقوق. ومن المسلم به في الشريعة أن لولي الأمر في تعيين الجرائم والعقاب ثلاثة حقوق: ٢٠١ - الحق الأول: حق التحريم والإيجاب والعقاب: لولي الأمر أن يحرم إتيان أفعال معينة أو يوجب إتيان أفعال معينة، وأن يعاقب على مخالفة الأمر الذي حرم الفعل أو أوجبه. وإذا كان لولي الأمر حق العقاب فله أن يعاقب على الجريمة بعقوبة واحدة أو بأكثر، وأن يحدد مبدأ العقوبة ونهايتها. وولي الأمر مقيد في استعمال هذا الحق بعدم الخروج على نصوص الشريعة، أو مبادئها العامة، أو روحها التشريعية، وبأن يكون قصده في التحريم والإيجاب والعقاب تحقيق مصلحة عامة، أو دفع مضرة أو مفسدة. وعلى هذا فعمل ولي الأمر صحيح كلما كان في حدود حقه، فإن خرج عن هذه الحدود فهو باطل فيما خرج فيه عن حدود حقه وصحيح فيما عدا ذلك. فليس لولي الأمر أن يهمل نصوص الشريعة، أو أن يمنع تطبيقها، فإن فعل فعمله باطل. وإذن فالجرائم التي نصت عليها الشريعة ولم تنص عليها القوانين يجب العقاب عليها كلما ارتكبت؛ لأن النصوص التي حرمتها لم تنسخ وليس لولي الأمر حق نسخها، والجرائم التي نصت عليها الشريعة والقوانين يؤخذ فيها دائماً بحكم الشريعة كلما اختلفت مع القانون؛ لأن كل نص

стр. 252

قانوني يخالف الشريعة باطل فيما جاء به من خلاف، أما الجرائم التي تتفق في أحكامها الشريعة والقانون، فيؤخذ فيها بحكم القانون؛ لا لأنه حكم القانون، بل لأنه حكم الشريعة. أما الجرائم التي نصت عليها القوانين ولم تنص عليها الشريعة، فيؤخذ فيها بحكم القانون، ما دام أنه ليس خارجاً على مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، فإن خرج عليها بطل حكمه ولم يعمل به. ٢٠٢ - الحق الثاني: حق تخصيص القضاء: لولي الأمر أن يخصص القضاء فيجعل الفصل في الجرائم لقضاة معينين، ويجعل لبعضهم الفصل في جرائم بعينها، وللبعض الآخر النظر في بقية الجرائم، أو يجعل للبعض حق توقيع عقوبات معينة، وللبعض الآخر حق توقيع بقية العقوبات. وحق ولي الأمر في تخصيص القضاء مقيد بعدم الخروج على نصوص الشريعة، أو مبادئها العامة، وروحها التشريعية، فإن خرج عن هذه الحدود فأمره باطل لا يقيد القضاة، ولا يمنعهم من النظر فيما حرمه عليهم الأمر الباطل. فمثلاً لولي الأمر أن يخصص قاضياً معيناً بنظر جريمة السرقة، وآخر بنظر جريمة القتل، ولكن ليس له أن يمنع القضاة من نظر هذه الجرائم أو من نظر جرائم أكل الميتة، أو شرب الخمر، أو الردة، أو منع الزكاة. ولولي الأمر أن يخصص قاضياً لنظر جرائم الربا أو المقامرة المراهنة، ولكن ليس له أن يمنع القاضي من نظرها على الوجه الذي حرمته الشريعة. ولولي الأمر أن يحدد العقوبات التي يملك القاضي توقيعها في جرائم التعازير ويلزمه أن لا يوقع غيرها، ولكن ليس له أن يلزمه توقيع عقوبات غير العقوبات الشرعية في جرائم الحدود، أو جرائم القصاص والدية. ويعتبر القاضي مختصاً بنظر الجريمة إذا كانت مما نصت عليه الشريعة ولم ينص عليه القانون، ما دامت عقوباتها تماثل العقوبات المفروضة على الجرائم التي خُصَّ قانوناً بنظرها، ولا عبرة بسكوت ولي الأمر عن هذه الجرائم؛ لأن

стр. 253

الشريعة نصت عليها وأوجبت عقاب مرتكبيها؛ ولأن الشريعة لا تبيح بحال لولي الأمر أن يعطل نصوصها، فإذا عطلها لم يكن للقضاء أن يسايره، وكان على القاضي أن يطبق نصوص الشريعة؛ ويحكم بالعقوبة التي قررتها الشريعة ما دام مختصاً بتوقيع مثل هذه العقوبة أو بنظر مثل الجريمة المعطلة. ويعتبر القاضي مختصاً بنظر الجريمة طبقاً لما نصت عليه الشريعة إذا كان القانون قد نص عليها على وجه يخالف أحكام الشريعة. والعلة في اختصاص القاضي هنا هي نفس العلة في اختصاصه بالجرائم التي أهملها القانون ولم ينص عليها. وإذا كانت الجريمة مما نص عليه القانون دون الشريعة؛ فالقاضي يختص بنظرها إذا لم يكن هناك خروج على نصوص الشريعة أو مبادئها العامة أو روحها التشريعية. فإذا تحقق هذا الخروج كان القاضي غير مختص بنظر الجريمة؛ لأنه ليس له أن ينظر إلا ما يتفق مع الشريعة، أو كان عليه أن يقضي بالبراءة لبطلان النص الذي حرم الفعل. وإذا كان من واجب القاضي شرعاً أن يعاقب على كل جريمة تعزيرية نصت عليها الشريعة ولم ينص عليها القانون، فما هي العقوبة التي يجب على القاضي أن يطبقها في هذه الحالة؟ وهل يعاقب بإحدى العقوبات المقررة في قانون العقوبات، أم يعاقب بإحدى عقوبات التعزير التي قررتها الشريعة؟ وجواب هذا السؤال هو أن العقاب يجب أن يكون بإحدى العقوبات التعزيرية التي قررتها الشريعة؛ وأنه لا يجوز للقاضي أن يعاقب على جريمة لم ينص عليها قانون العقوبات بإحدى العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون؛ لأن واضع هذا القانون جعل لكل جريمة نص عليها عقوبة معينة، ولكل عقوبة حداً بحيث تختلف العقوبات باختلاف الجرائم، ولم يضع عقوبات عامة لغير الجرائم التي نص عليها، فلا يمكن إذن أن تطبق نصوص قانون العقوبات على ما لم يفكر فيه واضع القانون أو يدخله في حسابه، وإنما يعاقب على هذه الجرائم بإحدى عقوبات التعزير التي قررتها الشريعة، أو بأكثر من عقوبة واحدة طبقاً لما يراه القاضي

стр. 254

ملائماً لظروف الجريمة والمجرم، ذلك أن الأصل في الشريعة أن لجرائم التعازير مجموعة من العقوبات تتدرج من أتفه العقوبات إلى أشدها، والقاضي هو الذي يعين العقوبة التي تستحقها الجريمة بعد أن يطلع على ظروف الجريمة والمجرم، وليس القاضي ملزماً بتوقيع عقوبة معينة لكل جريمة، وإنما له الخيار والتعيين؛ يختار من مجموعة العقوبات ويعين العقوبة التي يراها ملائمة، فإذا جاء ولي الأمر وقيد سلطة القاضي في جرائم التعزير التي نص عليها، أو في بعض الجرائم التي نصت عليها الشريعة ونص هو أيضاً عليها، فإن سلطة القاضي تظل على حالها في الجرائم التي نصت عليها الشريعة ولم ينص عليها القانون؛ لأن الأصل هو توسيع سلطة القاضي، والتقييد جاء من جهة ولي الأمر في جرائم معينة، فتظل سلطة القاضي على حالها فيما لا قيد فيه، ويكون القيد فيما نص عليه ولي الأمر فقط، ومن ثم فللقاضي في جرائم التعزير التي نصت عليها الشريعة دون القانون أن يعاقب بالتوبيخ والتهديد والجلد والحبس والنفي والقتل والحبس إلى غير أمد معين، وغير ذلك من عقوبات التعزير، وللقاضي الجزئي أن يوقع العقوبات التعزيرية فيما عدا الحبس المؤبد أو غير المحدد المدة والقتل؛ لأن نية ولي الأمر ظاهرة في قانون العقوبات في أنه أراد أن يجعل هاتين العقوبتين من اختصاص محاكم الجنايات. أما جرائم التعزير التي نص عليها القانون مخالفاً حكم الشريعة، فحكمها أن ما اتفق فيه القانون مع الشريعة طبقت عليه نصوص القانون، وما اختلف فيه القانون مع الشريعة اعتبر غير منصوص عليه في القانون، وأخذ حكم الجرائم التعزيرية التي نصت عليها الشريعة ولم ينص عليها القانون، فصور الربا التي لم ينص عليها القانون يعاقب عليها بالعقوبات الشريعة، والصور التي نص عليها ولا يتفق نصه فيها مع نصوص الشريعة تأخذ نفس الحكم، أما الصور التي يتفق فيها القانون مع الشريعة فيعاقب عليها بالعقوبات القانونية.

стр. 255

٢٠٣ - الحق الثالث: حق العفو (١) : من المسلم به في الشريعة أن لولي الأمر حق العفو في جرائم التعازير دون غيرها من الجرائم، فله أن يعفو عن الجريمة، وله أن يعفو عن العقوبة كلها أو بعضها، وله حق العفو سواء في الجرائم التعزير التي نصت عليها الشريعة، أو في الجرائم التي نص عليها هو. وحق ولي الأمر في العفو مقيد بأن لا يكون مخالفاً لنصوص الشريعة، أو مبادئها العامة وروحها التشريعية، كما أنه مقيد بأن يقصد به تحقيق مصلحة عامة أو دفع مفسدة. وإذا كان من حق ولي الأمر أن يعفو عن الجريمة، وأن يعفو عن العقوبة، فإن حقه في العفو لا يتولد سببه، فلا يستطيع أن يعفو عن الجريمة إلا إذا وجدت الجريمة، ولا يستطيع أن يعفو عن العقوبة إلا إذا حكم بالعقوبة، فليس لولي الأمر إذن أن يعفو مقدماً عن الجرائم قبل وقوعها، أو عن العقوبات قبل الحكم بها؛ لأن ذلك يعتبر إباحة للأفعال المحرمة لا عفواً عن الجريمة أو العقوبة. ولا شك أن لولي الأمر أن يبيح الأفعال التي حرمها ابتداء إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة، والعلة في ذلك أن الشريعة أعطيه حق التحريم إذا اقتضت التحريم مصلحة عامة، وإعطاء حق التحريم يقتضي إعطاء حق الإباحة إذا اقتضته مصلحة عامة أيضاً، فمن استطاع أن يبيح، ما دامت المصلحة العامة هي التي استوجبت التحريم أو الإباحة. أما الأفعال التي حرمتها الشريعة ابتداء فليس لولي الأمر أن يبيحها إطلاقاً؛ لأنه ليس هو الذي حرمها حتى يكون له يبيحها؛ ولأن الشريعة لم تجعل له في هذه الأفعال إلا حق العفو عن الجريمة أو العقوبة، فقد نصت الشريعة على المعاصي التي رأت تحريمها بصفة دائمة وحددتها وأمرت بالعقاب عليها،

стр. 256

ولكنها تركت لولي الأمر أن يعفو إذا رأى العفو خيراً من العقوبة، وأن يعاقب إذا رأى العقوبة خيراً من العفو، بل تركت له أن يعفو عن الجريمة، وأن يعفو عن العقوبة كلها أو بعضها، فإذا عفا بعد وقوع الجريمة أو عفا بعد الحكم بالعقوبة وكانت المصلحة العامة تبرر هذا العفو فهو صحيح، أما العفو عن الجرائم قبل وقوعها فهو إباحة لها وليس عفواً عنها، ولا يملك ولي الأمر أن يحل ما حرمه الله، وأن يبيح ما لم يبحه الله، فإذا فعل فعمله باطل ولا أثر له. والعلة في منع ولي الأمر من إباحة ما حرمته نصوص الشريعة هي أن ولي الأمر لو أعطي له هذا الحق لكانت نصوص الشريعة عبثاً؛ لأن ولي الأمر يستطيع أن يعطلها في أي وقت شاء بما له من حق التحليل والتحريم. وعلى هذا لا يصح القول بأن الجرائم التي نصت عليها الشريعة ولم ينص عليها القانون تعتبر مباحة؛ لأن ولي الأمر ليس من حقه أن يبيح ما حرمته الشريعة ولا يصح هذا القول أيضاً فيما لا يختص بالجرائم التي نص عليها القانون مخالفاً للشريعة، كذلك ليس لأولي الأمر إباحة الجرائم التي نصت عليها الشريعة ونص عليها القانون، ولكن لأولي الأمر أن يبيحوا ما حرموه هم ولم تحرمه الشريعة. ونستطيع بعد بيان حق ولي الأمر في العفو أن نقول: إن الجرائم التي يحرمها ولي الأمر والعقوبات التي يفرضها على هذه الجرائم هي من حق ولي الأمر، فله أن يحرم اليوم، وله أن يبيح في الغد ما حرمه، وأن يعفو عن الجريمة كما يعفو عن العقوبة، ولا قيد على ولي الأمر في استعمال هذا الحق إلا أن يكون تصرفه متفقاً مع المصلحة العامة وبغرض تحقيق هذه المصلحة، أما الجرائم التي حرمتها الشريعة والعقوبات التي فرضتها فالأمر فيها جد مختلف، فكل فعل حرمه القرآن أو السنة فهو محرم ليس لكائن من كان أن يحله، وكل عقوبة فرضتها الشريعة في جرائم الحدود أو جرائم القصاص والدية فهي عقوبة لازمة واجبة ليس لولي الأمر أن يهملها أو يعفو عنها. أما العقوبات

стр. 257

التي فرضتها الشريعة لجرائم التعازير فهي وإن كانت لازمة وواجبة إلا أن الشريعة أعطت لولي الأمر فيها أن يعفو عن العقوبة إذا كان العفو يحقق مصلحة عامة، وأن يعفو عن الجريمة إذا كان العفو يحقق هذه المصلحة، وله أن يقيد كل جريمة تعزيرية بعقوبة معينة من عقوبات التعازير أو بأكثر من عقوبة إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة، فحق ولي الأمر في الجرائم والعقوبات التي فرضتها الشريعة قاصر على تنظيم عقوبات التعزير، وحق العفو عنها وعن الجريمة التعزيرية. ولقد بحث الفقهاء هذه المسألة فخرجوا من بحثها مجمعين على أن إقامة عقوبات الحدود واجبة على ولي الأمر، فإذا أهمل إقامتها كان من واجب كل فرد أن يقيمها دون أن يعتبر مرتكباً لجريمة، فإذا أقامها سقط الواجب بإقامتها عن غيره، ومعنى هذا أن الفقهاء يعتبرون إقامة الحدود من الفروض التي تلزم جميع الأفراد حاكمين ومحكومين، ولا تسقط عنهم إلا إذا أقيمت، ولا يجوز فيها عفو ولا إباحة. وأجمع الفقهاء أيضاً على أن العقوبات المقررة لجرائم القصاص والدية حكمها حكم الحدود، فهي واجبة الإقامة ما لم يعفو المجني عليه أو وليه عن العقوبة، فإذا أهمل ولي الأمر إقامتها كان للمجني عليه أن يقتص لنفسه، وكان لولي دم المجني عليه أن يقتص من الجاني دون أن يعتبر القصاص في هذه الحالة جريمة (١) . واتفق الفقهاء على أن ولي الأمر ليس له أن يحل ما حرم الله، ولا أن يبيح ما أمر بمنعه، أياً كان نوع العقوبة المقررة على الفعل المحرم، ولكنهم اختلفوا على إقامة عقوبات التعازير، فرأى مالك وأبو حنيفة وأحمد أن إقامة عقوبات التعازير واجب على ولي الأمر ليس له أن يتركه إلا إذا كان العفو

стр. 258

خيراً من العقوبة، فإذا اقتضت المصلحة العامة أن يعفو عن جريمة بعد وقوعها أو عن عقوبة بعد الحكم بها، كان له أن يعفو. وأساس نظرية هؤلاء الفقهاء أن جرائم التعازير حرمت وفرضت عليها العقوبات لمصلحة الجماعة، ولصيانة النظام العام الذي تقوم عليه الجماهير وهو الإسلام، ولما كان ولي الأمر هو ممثل الجماعة الذي أقامته لحفظ مصالحها وصيانة نظامها، فقد وجب عليه أن يعاقب على جرائم التعازير، وأن يهمل إقامة هذه العقوبات إلا إذا اقتضى صالح الجماعة أو نظامها العام العفو عن الجريمة أو العقوبة، ففي هذه الحالة يسقط عن عاتق ولي الأمر واجب إقامة العقوبة (١) . ويرى الشافعي أن إقامة عقوبات التعازير حق لولي الأمر، وليست واجباً عليه، وأساس هذا الرأي أن لولي الأمر أن يعفو عن الجريمة، وأن يعفو عن العقوبة، فله إذن أن يعاقب وأن لا يعاقب، وكل ما يكون للإنسان أن يفعله أو يتركه فهو حق وليس واجباً عليه (٢) . ويلاحظ أن التسليم بنظرية الشافعي لا يؤدي بأي حال إلى تعطيل النصوص التي جاءت بجرائم التعازير؛ لأن الشافعي لم يقل بأن لولي الأمر أن يعطل نصوص الشريعة أو أن يبيح ما حرمته الشريعة، إنما قال إن لولي الأمر أن يعاقب أو أن يعفو، فالجريمة لا تزال في نظرية الشافعي جريمة، وما حرمته الشريعة يحرم إتيانه، وإنما لولي الأمر بعد وقوع الجريمة أن يعاقب أو يعفو، واستعمال ولي الأمر لحقه في العقوبة أو العفو مقيد بصالح الجماعة ونظامها العام، الذي يقتضي العفو عن العقوبة تارة، ويقتضي تنفيذ العقوبة تارات، وليس لولي الأمر أن لا يستجيب لمقتضيات المصلحة العامة أو النظام العام؛ لأنه لم

стр. 259

يمنح حق العفو عن العقوبة أو إيقاعها إلا ليكون قادراً على تحقيق مصلحة الجماعة وتثبيت نظامها، ولم يول أمر الجماعة إلا لحماية مصالحها وحفظ نظامها. والواقع أن الشافعي لم يقصد بنظريته أن يعطل نصوص الشريعة، أو أن يمنع العقاب على جرائم التعازير، وإنما قصد من وضع نظريته أن يقرر مسئولية الولاة عن ضمان ما يترتب على تنفيذ عقوبات التعازير، من موت أو قطع عضو أو تعطيله وما أشبه، ولا أدل على ذلك من أن فقهاء المذهب الشافعي يتكلمون عن هذه النظرية في باب ضمان المتلفات، ولا يذكرون عنها شيئاً في باب التعزير، فهم يرون أن العقاب في التعازير من حق ولي الأمر لأن له أن يعفو وأن لا يعفو، وأن يختار عقوبة دون عقوبة، وما دام ولي الأمر غير ملزم بالعقاب وغير ملزم بعقوبات معينة، فهو مسئول عن ضمان ما يؤدي إليه العقاب من موت أو عجز أو تعطيل طرف أو قطعه؛ لأنه كان يستطيع أن يعاقب بغير عقوبة التي أدت لهذه النتيجة، وكان يستطيع أن لا يعاقب، فإذا اختار عقوبة معينة فأدت إلى الموت مثلاً فهو مسئول عن ضمان ما حدث، لأنه كان يستعمل حقاً، والقاعدة في الشريعة أن استعمال الحق مقيد بشرط السلامة (١) . فالشافعي حين قرر نظريته لم يرد أن يعطل نصوص الشريعة، أو يمنع العقاب على جرائم التعازير، وإنما قصد الوصول إلى نتيجة لا علاقة لها بهذين الأمرين، هي إلزام الولاة بضمان سراية عقوبات التعازير (٢) ، فإذا استطعنا أن لا ننسى هذه الاعتبارات أمكننا أن نفهم نظريته على حقيقتها، وتبين لنا أن العقاب إذا كان حقاً لولي الأمر عند الشافعي، فإن ولي الأمر ليس له أن يعطله إلا تحقيقاً لمصلحة عامة. وهذه النظرية لا تكاد تختلف شيئاً في نتيجتها العلمية عن نظرية مالك وأبي حنيفة وأحمد التي تجعل لولي الأمر أن لا يعاقب تحقيقاً

стр. 260

لمصلحة عامة، وإن جعلت العقاب في الأصل واجباً، فالنظريتان لا تختلفان في نتيجتهما العلمية من حيث توقيع العقوبة، وإن اختلفتا من الناحية الفقهية في تقرير مسئولية ولي الأمر عن سراية العقوبة. * * * الفصل الثاني سريان النصوص الجنائية على الزمان ٢٠٤ - قاعدة أصولية: القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الجنائية لا تسري إلا بعد صدورها وعلم الناس بها (١) : فلا تسري على الوقائع السابقة على صدورها أو علم بها، ومقتضى هذه القاعدة أن النصوص الجنائية ليس لها أثر رجعي، وأن الجرائم يعاقب عليها بالنصوص المعمول بها وقت ارتكاب هذه الجرائم. وليس في كتب الفقه مباحث خاصة عن الأثر الرجعي للنصوص، ولكن ليس معنى ذلك أن الشريعة لا تعرف الأثر الرجعي ولم تتعرض له، فإن من يتتبع آيات الأحكام وأسباب النزول يستطيع بسهولة أن يخرج بنظرية الشريعة كاملة في الأثر الرجعي. ونستطيع أن نقول بعد أن تتبعنا آيات الأحكام الجنائية: إن القاعدة العامة في الشريعة هي أن التشريع الجنائي ليس له أثر رجعي، وإن هذه القاعدة العامة لها استثناءان: أولهما: إن التشريع الجنائي يجوز أن يكون له أثر رجعي في حالة الجرائم الخطيرة التي تمس الأمن العام أو النظام العام.

стр. 261

ثانيهما: إن التشريع الجنائي يجب أن يكون له أثر رجعي لكما كان ذلك في مصلحة الجاني. والفرق بين الاستثنائين أن الأول جوازي للشارع، فله أن يجعل للتشريع أثراً رجعياً بشرط أن تستوجب ذلك مصلحة عامة، والثاني وجوبي، فليس للشارع أن يمنعه إلا إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة، وسندلل فيما يلي على القاعدة وما استثنى منها. ٢٠٥ - القاعدة العامة "لا رجعية في التشريع الجنائي": فأما القاعدة العامة فهي مستخلصة من تتبع آيات الأحكام الجنائية وأسباب نزولها، فقد نزلت جميع الأحكام التي حرمت المعاصي بعد أن فشا الإسلام، فلم يعاقب بها على الجرائم التي وقعت قبل النزول، عدا جريمة القذف وجريمة الحرابة، فهناك من يرى أن عقوبتهما طبقت على جرائم وقعت قبل النزول، ومن الصعب أن نستعرض كل الجرائم واحدة بعد أخرى، ولهذا سنكتفي باستعراض الجرائم الهامة. فالزنا حرم في أول الإسلام، وكانت العقوبة عليه أول الأمر مخففة، وهي الإيذاء والحبس في البيوت طبقاً لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً *وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٥، ١٦] ، ثم شددت عقوبة الزنا بعد ذلك، فصارت الجلد والرجم طبقاً لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، وطبقاً لقول الرسول ﷺ : "خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم الحجارة"، ولو كان للتشديد أثر رجعي لطبقت عقوبة الجلد والرجم على الجرائم التي وقعت قبل تقدير هاتين العقوبتين، ولكن لا نعلم أحداً أو رجم لزنا وقع قبل تشديد عقوبة الزنا. ومن ثم فلم يكن للنص المعاقب على الزنا أثر رجعي.

стр. 262

وحرم الله نكاح زوجة الأب بعد أن كان جائزاً، فأصبح لهذا النوع من النكاح وجهين: أحدهما: جنائي، والثاني: فمن الناحية الجنائية أصبح نكاح زوجة الأب جريمة، ومن الناحية المدنية ظل النكاح عقداً من العقود، وقد اعتبرت الشريعة نكاح زوجة الأب جريمة، ولكنها لم تجعل للنص أثراً رجعياً حيث قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً﴾ [النساء: ٢٢] ، فلم يطبق حكم النص إلا على الوقائع التي وقعت بعد نزوله والعلم به، ولكن ترتب على نزول النص التفريق بين الأزواج الذين سبق لهم أن تزوجوا هذه الزيجات المحرمة، فكان للنص أثر رجعي من الناحية المدينة امتد إلى وقت انعقاد العقد، ولم يكن للنص أثر رجعي من الناحية الجنائية، فلم يعاقب أحد ممن فسخت زيجاتهم، لقوله تعالى: ﴿إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ . وكذلك كان الحال في تحريم نكاح الأمهات والبنات وغيرهن من المحارم، فقد عدد النص القرآني المحارم اللائي يحرم نكاحهن ثم قال: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣] ، وقد ترتب على نزول آية التحريم التفرقة بين الزوجين في الزيجات المحرمة، فكان النص أثر رجعي من الناحية المدينة، ولكن لم يكن النص أثر رجعي من الناحية الجنائية فلم يعاقب أحد على هذه الزيجات المحرمة التي تمت قبل نزول النص لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ . ومثل ذلك حدث يوم حرم القرآن أن يتزوج الرجل أكثر من أربع نسوة، فقد كان العرب يتزوجون أكثر من أربع فلما نزل قوله تعالى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] فرق بين الزوج وما زاد على الأربع، ولم يعاقب زوج على ما حدث منه قبل نزول النص، فكان للنص أثر رجعي من الناحية المدنية، ولكن لم يكن له أثر رجعي من الناحية الجنائية. وحرمت الخمر والميسر على مراحل، فنهى المسلمون أن يقربوا الصلاة وهم

стр. 263

سكارى بقوله تعالى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] فرق بين الزوج وما زاد على الأربع، ولم يعاقب زوج على ما حدث منه قبل نزول النص، فكان للنص أثر رجعي من الناحية المدنية، ولكن لم يكن له أثر رجعي من الناحية الجنائية. وحرمت الخمر والميسر على مراحل، فنهى المسلمون أن يقربوا الصلاة وهم سكارى بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] ، ثم بين الله لهم أن الخمر والميسر إثماً ومنفعة وأن إثمهما أكبر من نفعهما فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] ، ثم حرم الله الخمر والميسر بعد ذلك تحريماً قاطعاً حيث قال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] ، وجعل الرسول حد الشرب الجلد، وعقوبة الميسر التعزير، ولكن لا يعلم أن أحداً عوقب على شرب الخمر أو لعب الميسر قبل نزول التحريم، ولا يعلم أن نصاً من نصوص التحريم كان له أثر رجعي. ومن ثم يمكن القول بأن النصوص التي حرمت الخمر والميسر لم يكن لها أثر رجعي. وجاءت الشريعة بقطع يد السارق حيث يقول الله جل شأنه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ﴾ [المائدة: ٣٨] ، ولا يعلم أن هذا النص طبق على سرقة وقعت قبل نزوله. ومن ثم يمكن القول بأن نص السرقة لم يكن له أثر رجعي. وحرم الله الربا وكان مباحاً بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ *فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩] ، فأصبح الربا بعد التحريم جريمة من وجه، عملاً مدنياً من وجه آخر، وجاءت النصوص المحرمة بحكمين: إحداهما: جنائي، والآخر: مدني. فأما الحكم الجنائي فيقضي بأن لا عقاب على الربا السابق على نزول التحريم، وأن العقاب على ما بعده فقط. وأما الحكم المدني فيقتضي بأن ليس للدائن غير

стр. 264

رأس ماله فقط. فالحكم الجنائي ليس له أثر رجعي، والحكم المدني له أثر رجعي يعود إلى الوقت الذي انعقد فيه العقد الربوي. وحرم الله على المحرم قتل الصيد، وجعل على قتله عقوبة، ولكنه عفا عما سلف لينبه على أن النص ليس له أثر رجعي، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] . هذه هي بعض النصوص الجنائية ظاهر من استعراضها أنها ليس لها أثر رجعي، وهي في هذا تدلنا على طريقة الشريعة في التشريع الجنائي، وترشدنا إلى قاعدة الشريعة العامة. ويستطيع القارئ أن يلاحظ أن بعض النصوص صرحت بالعفو عما سلف أي بانعدام الأثر الرجعي، والبعض الآخر لم يصرح به، وليس لهذا في ذاته أهمية؛ لأن النص على العفو عما سلف أي عما حدث قبل نزول النص يعتبر في ذاته نصاً عاماً مقرراً لقاعدة عامة، ولو أنه جاء ضمن نص خاص، فيطبق إذن على كل النصوص الجنائية لا على الحالات التي اقترن بتحريمها دون غيرها، وهذا التفسير يتفق مع القاعدة الشريعة الأساسية التي تقضي بأنه: "لا يكلف شرعاً إلا بفعل ممكن، مقدور للمكلف، معلوم له علماً يحمله على امتثاله"، ويتفق مع القاعدة الشريعة الأساسية التي تقضي بأن: "لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص"، كما أنه يتفق مع نصوص الشريعة الأكثر عموماً، فالله جل شأنه يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] ، ويقول: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ، ويقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى

стр. 265

إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] . ونخرج من هذا كله بأن قاعدة الشريعة العامة في التشريع الجنائي تقضي بأن هذا التشريع ليس له أثر رجعي، وأن نصوص الشريعة ومبادئها العامة وتاريخ هذه النصوص كل ذلك يقطع بأن لا رجعية في التشريع الجنائي. ٢٠٦ - الاستثناء الأول: جواز الرجعية في حالة الجرائم الخطيرة التي تمس الأمن العام والنظام العام: إذا كانت القاعدة العامة في الشريعة أن لا رجعية في التشريع الجنائي، فإنه يجوز استثناء من تلك القاعدة أن يكون للتشريع الجنائي أثر رجعي في حالة الجرائم الخطيرة التي تمس الأمن أو النظام العام. ومن الأمثلة على هذا الاستثناء: جرائم القذف والحرابة والظهار، فقد طبقت العقوبة فيها على وقائع سابقة على نزول النص. وفي نص القذف خلاف، فالبعض يرى أنه نزل قبل حادث الإفك فلما كان هذا الحادث وبرأ الله عائشة منه طبق النص على القاذفة، وعوقبوا بالعقوبة التي يقررها، وإذا صح هذا الرأي لم يكن لنص القذف أثر رجعي، حيث لا يعلم أنه طبق على واقعة سابقة على نزوله. ويرى البعض - ورأيهم هو الراجح - أن النص نزل بمناسبة حادث الإفك، فإذا صح هذا الرأي كان لنص القذف أثر رجعي، إذ الثابت الذي لا خلاف فيه أن رسول الله حد القذفة، فكأنه طبق النص على وقائع سابقة على نزوله. ويمكن أن يعلل الأثر الرجعي بما ترتب على الحادث الذي نزل فيه النص من آثار هامة، فقد قذف جماعة زوج النبي وخاضوا في عرضها؛ وآذوها وآذوا النبي بالإفك الذي قالوا؛ حتى اضطرب المجتمع الإسلامي اضطراباً شديداً؛ وكاد المسلمون يقتتلون، فقد روي أن رسول الله ﷺ صعد إلى المنبر بعد أن خاض الناس في هذا الأمر، وقال: "يا معشر المسلمين من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد

стр. 266

ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان على أهلي إلا معي". فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من الخزرج أمرتنا فأطعنا أمرك. فقام سعد ابن عبادة فقال - وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية -: أي سعد بن معاذ، لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير وهو ابن عمة سعد بن معاذ وقال لسعد بن عبادة: لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين؛ فتأثر الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله يخفضهم حتى سكتوا (١) . فهذا الحادث الذي أهم المسلمين، وكاد يوقع الفتنة بينهم، والذي أنزل الله فيه قرآناً، هو حادث هام يمس أمن الجماعة ونظامها، وهو أحق ما يجعل للنصوص فيه أثر رجعي؛ لأن العقوبة في مثل هذا الحادث تدعو إلى تهدئة النفوس الثائرة ومحو ما خلفته الجريمة من آثار. وقد اختلفوا أيضاً في أسباب نزول آية الحرابة، والذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين، وهم قوم من عرينة، قدموا على رسول الله ﷺ فاجتووا المدينة، فأمر لهم الرسول بلقاح، وأمرهم أن يشربوا ألبانها وأبوالها، فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا النعم، فأرسل الرسول في أثرهم فجئ بهم، فأنزل الله ﵎ في ذلك قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] . وقيل أن الآية نزلت على قوم من أهل الكتاب بينهم وبين الرسول عهد فنقضوا العهد، وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض. وروى

стр. 267

ابن جرير أن الآية نزلت عتاباً للنبي؛ لأنه قطع أيدي العرنيين وتركها دون حسم، وسمل أعينهم كما سملوا عين الراعي فنزلت الآية تحريماً للمثلة (١) . فإذا صحت رواية ابن جرير وكانت الآية قد نزلت بعد عقاب العرنيين فيكون الرسول قد عاقبهم طبقاً لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وتكون الآية قد نزلت بحكم جديد ثابت لعقاب من يفع تلك الفعلة، ويترتب على صحة هذه الرواية أن لا يكون للنص أثر رجعي؛ لأنه لم يطبق على حالة سبقت نزوله. وإذا صحت الرواية القائلة بأنها نزلت لعقاب العرنيين، أو الرواية القائلة بأنها نزلت في قوم مشركين، فإن الآية قد نزلت بعقوبة فعل سابق عليها، ومن ثم يكون لها أثر رجعي، والجمهور يرجح الرواية القائلة بأن الآية نزلت لعقاب العرنيين، وعلى هذا يكون الرأي الراجح أن الآية لها أثر رجعي. ولا شك أن المصلحة العامة التي اقتضت أن يكون للنص أثر رجعي، فقد كان حادث العرنيين فظيعاً، يوشك لو لم يؤخذ أصحابه بعقوبة رادعة أن يجرئ الناس على المسلمين، وعلى النظام الجديد، وأن يشجع على قطع الطريق، وزعزعة الأمن والنظام، فكان لابد من عقاب رادع على هذه الجريمة، ولكن العقاب الرادع يقتضي أن يجعل للنص أثر رجعي، فجعل له هذا الأثر حفظاً للأمن العام وحماية للجماعة ونظامها، كما جعل لنص القذف أثر رجعي، لتقطع الألسنة وتهدأ الفتنة وتسكن النفوس الثائرة، فحفظ الأمن وحماية الجماعة ونظامها هو الغرض الأول والأخير من جعل الأثر الرجعي للنص الجنائي.

стр. 268

وإذا كان هناك خلاف في أسباب نزول آية القذف وآية الحرابة فإنه لا خلاف في أسباب نزول آية الظهار، وإذا كان الخلاف في أسباب نزول آية القذف وآية الحرابة مما يدعو إلى الشك في أن الشريعة تجيز الرجعية في التشريع الجنائي، فإن الاتفاق على سبب نزول آية الظهار، وعلى أنها طبقت على واقعة سابقة، مما يقطع بأن الشريعة تجيز أن يكون للتشريع الجنائي أثر رجعي، وهذا الذي تقطع به آية الظهار ينهي الخلاف القائم في آيتي القذف والحرابة لمصلحة القائلين بأن كليهما طبقت على واقعة سابقة عليها، ويؤكد أن هاتين الآيتين كان لهما أثر رجعي. ولقد كان الظهار (١) في الجاهلية وفي أول الإسلام طلاقاً، أي أنه كان تصرفاً يترتب عليه فسخ عقد الزواج وإنهاؤه، ولم يكن يعتبر جريمة، حتى ظاهر أوس بن الصامت من زوجته خولة، فقال لها: أنت علىّ كظهر أمي، فأتت رسول الله ﷺ وعائشة تغسل شق رأسه، فقالت: يا رسول الله، طالت صحبتي مع زوجي، وأكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني. فقال رسول الله ﷺ : حرمت عليه، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي إليه، ثم قالت: يا رسول الله، طالت صحبتي مع زوجي، ونفضت له بطني، وظاهر مني. فقال رسول الله ﷺ : حرمت عليه. فكلما قال لها ذلك رسول الله هتفت وصاحت: إلى الله أشكو فاقتي. فنزل الوحي وقد قامت عائشة ﵂ تغشل شق رأسه الآخر، فأومأت إليها عائشة أن أسكتي، فلما قضي الوحي قال رسول الله ﷺ : ادعي لي زوجك، فلما حضر تلا عليه الرسول قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ

стр. 269

إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ١ - ٤] . بهذه الآيات التي نزلت في الظهار أخبر الله تعالى أن لفظ الظهار الذي كانوا يطلقون به نساءهم منكر من القول وزور، والمنكر من القول هو الذي لا تعرف حقيقته، والزور الكذب، وإنما قال الله فيه إنه كذب لأنهم صيروا به نساءهم كأمهاتهم، وهن لا يصرن كأمهاتهم ولا كذوي محارمهم؛ لأن ذوي المحارم لا يحللن لمظاهر أبداً، كذلك حرم الله الظهار وعاقب عليه، فأخرجه بهذا من باب التصرف إلى باب الجريمة، ومن باب المباح إلى باب المعاقب عليه. ولقد طبقت آية الظهار أول ما طبقت على أوس بن الصامت نفسه، فقد قال له الرسول ﷺ : أتستطيع أن تعتق رقبة؟ قال: لا. قال: فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: يا رسول الله إني إذا لم آكل في اليوم ثلاث مرات خشيت أن يعشو بصري. قال: فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا يا رسول الله إلا أن تعينني فأعانه رسول الله ﷺ ، فأطعم ستين مسكيناً، وراجع زوجته (١) . وإذا كانت عقوبة الظهار قد طبقت على أوس بن الصامت عن واقعة حدثت قبل نزول النص فمعنى ذلك أن آية الظهار لها أثر رجعي. ٢٠٧ - الاستثناء الثاني: وجوب الرجعية إذا كان التشريع أصلح للجاني: إذا صدر نص جنائي أصلح للجاني وجب تطبيق هذا النص دون غيره على الجاني، ولو أن الجاني أرتكب جريمته تحت حكم نص أشد عقوبة.

стр. 270

ويشترط لتطبيق النص الأصلح للجاني أن لا يكون الحكم الصادر على الجاني طبقاً للنص القديم قد أصبح نهائياً، فإن كان قد أصبح نهائياً فقد انتهى الأمر به، ولا تعاد محاكمة الجاني طبقاً للنص الجديد. والعلة في تطبيق النص الأصلح أن العقوبة مقصود منها منع الجريمة وحماية الجماعة، فهي ضرورة اجتماعية اقتضتها مصلحة الجماعة، وكل ضرورة تقدر بقدرها، فإذا كانت مصلحة الجماعة في تخفيف العقوبة وجب أن يستفيد الجاني الذي لم يحكم عليه بعد من النص الجديد المخفف للعقوبة؛ لأن حفظ مصلحة الجماعة ليس في التشديد، ولأنه من العدل أن لا تكون العقوبة زائدة عن حاجة الجماعة ما دامت شرعت لحماية الجماعة؛ ولأن العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً. ومن الأمثلة البارزة على هذا الاستثناء جريمة القتل، لك أن العرب قبل الإسلام كانت تباين في الفضل وتعترف بهذا التباين، فإذا كان بينها ما يكون بين الجيران من قتل العمد أو الخطأ عرف لصاحب الفضل فضله، وتباينت الديات بحيث تكون دية الشريف أضعاف دية الرجل دونه، واتسع هذا التباين حتى تعدى الأفراد إلى القبائل، فكانت دية النضير يمثلاً ضعف دية القرظي، وكان الشريف من العرب إذا قتل لم يقتل قاتله فقط من أشراف قبيلة القاتل من يرونه كفء القتيل، وربما لم يرضوا إلا بعدد يقتلونهم، ولقد قتل أحد أفراد قبيلة غني شاس بن زهير، فجمع عليهم أبوه زهير بن خزيمة؛ فقالوا له: سل في قتل شاس. فقال: إحدى ثلاث لا يغنيني غيرها. قالوا: وما هي: قال: تحيون لي شاساً، أو تملئون ردائي من نجوم السماء، أو تدفعون إليّ قبيلة بأسرها فأقتلها، ثم لا أرى أني أخذت منه عوضاً. فهذا هو ولي القتيل يرى أن قبيلة بأسرها لا يجزي قتلها في قتل ولده. ولما قتل كليب بن وائل اقتتلوا دهراً طويلاً واعتزلهم بعضهم، فأصابوا ابناً له يقال له بجير، فأتاهم وقال: قد عرفتم عزلتي فبجير بكليب وكفوا

стр. 271

عن الحرب، فقالوا: بجير بشسع نعل كليب. فقاتلهم بعد اعتزاله وكان من أشراف القبيلة (١) . وقد جاء الإسلام وبعض العرب يطلب بعضاً بدماء وجراح، فمحا حكم الجاهلية وسوى في الحكم بين الناس، وذلك قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ، وسوى الإسلام بين دم الشريف والوضيع، وبين دماء الأحرار ودماء العبيد، وبين دماء الرجال والنساء، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ، وبعد نزول هذا الحكم انتهى التفاوض في الدماء والجارح والديات، وطبق الحكم على ما سبقه من دماء وجراح لم يحكم فيها بعد، وبهذا كان للنص أثر رجعي. ويترتب على ما توجبه الشريعة من تطبيق التشريع الأصلح للجنائي نتائج منطقية هامة: ١ - إذا صدر التشريع الجديد قبل الحكم في الجريمة وكان أصلح للجاني حوكم الجاني بمقتضاه ولو أنه أرتكب الجريمة في ظل التشريع القديم. ٢ - إذا صدر التشريع الجديد بعد الحكم وكان أصلح للمحكوم عليه نفذ من العقوبة المحكوم بها ما يتفق مع العقوبة التي يقررها التشريع الجديد. ٣ - إذا كان التشريع الجديد بعد الحكم وكان يبيح الفعل ولا يعاقب عليه، فيجب أن لا ينفذ الحكم الذي صدر طبقاً للتشريع القديم، كما يوجب أن يوقف تنفيذه إذا كان قد بدئ في تنفيذه. ٤ - إذا كان التشريع الجديد يشدد العقوبة فلا ينطبق على الجاني؛ لأنه ليس

стр. 272

الأصلح له، ولأن الأصل أن الجرائم يعاقب عليها طبقاً للنصوص السارية وقت ارتكابها. ٢٠٨ - الشريعة والقانون: بينا فيما سبق المبادئ التي تسير عليها الشريعة الإسلامية في سريان النصوص على الزمان، وهذه المبادئ هي نفس المبادئ التي تأخذ بها القوانين الوضعية اليوم، ولكن القوانين الوضعية لم تأخذ بهذه المبادئ إلا أخيراً، فقد كانت القاعدة في القوانين الوضعية قديماً أن يكون للشارع الحق في أن يجعل لأي قانون جنائي أثراً رجعياً، ولم يكن حقه في ذلك مقيداً بأي قيد، فلما جاءت الثورة الفرنسية أُلغي هذا الحق، ولم يعد للشارع أن يصدر قوانين جنائية لها أثر رجعي، وقد ظل هذا المبدأ محترماً من عهد الثورة الفرنسية إلى أن بدأ علماء القانون والمشرعون يخرجون عليه في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، حيث تبين لهم أن التقييد المطلق ضار بمصالح الجماعة، وإن كان متفقاً مع صالح الفرد، ورأوا أن صالح الجماعة يجب أن يرجح على الصالح الفردي، بحيث إذا اقتضي صالح الجماعة أن يجعل للقانون أثر رجعي كان للشارع هذا الحق. وممن يرى هذا الرأي الشراح الإيطاليون، فإنهم يرون قبول الأثر الرجعي للقوانين التي تنشئ عقوبات أشد لأمور كانت جرائم من قبل؛ لأن حق المجتمع يعلو على مصلحة المجرم. ويرى الشراح الإنجليز أن الأثر الرجعي للعقوبة المشددة أمر معقول. وقد جعل المشرع المصري والمشرع الفرنسي للقانون أثراً رجعياً في قوانين معتادي الإجرام والاشتباه (١) . وظاهر مما سبق أن المبدأ الحديث الذي يراه الشراح ويأخذ به المشرعون هو أن المشرع ليس له في الأصل أن يجعل للقانون أثراً رجعياً، ولكن له

стр. 273

استثناء أن يمارس هذا الحق كلما اقتضت المصلحة العامة، وهذه هي نفس النظرية الإسلامية. وعلى أثر انتهاء الحرب الأخيرة في سنة ١٩٤٥ حاكمت الدول المنتصرة زعماء الدول المغلوبة وقوادها وحكامها، وحكمت عليهم بعقوبات تتراوح بين الإعدام والأشغال الشاقة والسجن، وكان موضوع المحاكمة أفعالاً لم تكن تعتبر جرائم، لا في قوانين البلاد المنتصرة أو المنهزمة، ولا في القانون الدولي، ولم يكن يعاقب عليها من قبل، وهذه المحاكمة التاريخية تطبيق واسع لنظرية رجعية القوانين لم يسبق له مثيل. أما عن تطبيق التشريع الأصلح للمتهم على ما سبقه من الجرائم فهي قاعدة معترف بها في كل القوانين الوضعية تقريباً وإن كانت القوانين لم تعرف هذه القاعدة إلا في القرن الماضي. وهكذا نستطيع أن نقول بعد هذه المقارنة: إن القوانين الوضعية بدأت من القرن الماضي تأخذ بنظرية الشريعة الإسلامية في الأثر الرجعي الجنائي، وإن ما نعتبره اليوم أحدث الآراء والنظريات في القوانين الوضعية ليس إلا تطبيقاً دقيقاً للنظرية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية من ثلاثة عشر قرناً. * * * الفصل الثالث سريان النصوص الجنائية على المكان ٢٠٩ - هل الشريعة عالمية أم إقليمية: الأصل في الشريعة الإسلامية أنها شريعة عالمية لا مكانية، جاءت للعالم كله لا لجزء منه، وللناس جميعاً لا لبعضهم، فهي شريعة الكافة لا يختص بها قوم دون قوم، ولا جنس دون جنس،

стр. 274

ولا قارة دون قارة، وهي شريعة العالم كله، يخاطب بها المسلم وغير المسلم، وساكن البلاد الإسلامية، وساكن البلاد غير الإسلامية. ولكن لما كان الناس جميعاً لا يؤمنون بها، ولا يمكن فرضها عليهم فرضاً، فقد قضت ظروف الإمكان أن لا تطبق الشريعة إلا على البلاد التي يدخلها سلطان المسلمين دون غيرها من البلاد، وهكذا أصبح تطبيق الشريعة الإسلامية مرتبطاً بسلطان المسلمين وقوتهم؛ فكلما اتسعت الأقاليم التي يتسلط عليها المسلمون اتسع نطاق تطبيق الشريعة، وكلما انكمش سلطانهم انكمشت الحدود التي تطبق فيها الشريعة، فالظروف والضرورة هي التي جعلت من الشريعة الإسلامية شريعة إقليمية وإن كانت الشريعة في أساسها شريعة عالمية. ولهذا نستطيع أن نقول: إن الشريعة الإسلامية في أساسها شريعة عالمية إذا نظرنا إليها من الوجهة العلمية، ولكنها في تطبيقها شريعة إقليمية إذا نظرنا إليها من الوجهة العلمية. ٢١٠ - تقسيم العالم: وقد نظر الفقهاء إلى هذا الاعتبار حين قسموا العالم كله إلى قسمين لا ثالث لهما: الأول يشمل كل البلاد الإسلام، ويسمى دار الإسلام، والثاني يشمل كل البلاد الأخرى، ويسمى دار الحرب؛ لأن القسم الأول يجب فيه تطبيق الشريعة الإسلامية، أما القسم الثاني فلا يجب فيه تطبيقها لعدم إمكان هذا التطبيق. ٢١١ - دار الإسلام: تشمل دار الإسلام البلاد التي تظهر فيها أحكام الإسلام (١) ، أو يستطيع سكانها المسلمون أن يظهروا فيها أحكام الإسلام (٢) ، فيدخل في دار الإسلام كل بلد سكانه كلهم أو أغلبهم مسلمون، وكل بلد يتسلط عليه المسلمون ويحكمونه ولو كانت غالبية السكان من غير المسلمين، ويدخل في دار الإسلام كل بلد يحكمه ويتسلط عليه غير المسلمين ما دام فيه سكان مسلمون

стр. 275

يظهرون أحكام الإسلام، أو لا يوجد لديهم ما يمنعهم من إظهار أحكام الإسلام. وسكان دار الإسلام نوعان: مسلمون، وهم كل من آمن بالدين الإسلامي. وذميون، هم غير المسلمين الذين يلتزمون أحكام الإسلام، ويقيمون إقامة دائمة في دار الإسلام، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية. فيصح أن يكونوا مسيحيين ويصح أن يكونوا يهوداً، ويصح أن يكون مجوساً، أو صابئة، أو عباد ما أستحسن، أو مما لا يدينون بدين. وسكان دار الإسلام جميعاً مسلمين وذميين معصومو الدم والمال؛ لأن العصمة (١) في الشريعة تكون بأحد شيئين: بالإيمان، والأمان. ومعنى الإيمان الإسلام، ومعنى الأمان العهد، ويكون بعقد الذمة، وبالموادعة، وبالهدنة، وما أشبه. فمن آمن برسالة محمد - أي أسلم - فقد عصم دمه وماله بالإسلام، لقوله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"، ومن دخل في أمان المسلمين بعقد من عقود الأمان فقد عصم دمه وماله بالأمان، ولو بقى على غير دين الإسلام، فسكان دار الإسلام من المسلمين معصومو الدم والمال بإسلامهم، وسكان دار الإسلام من الذميين معصومو الدم والمال بأمانهم (٢) . والأمان في الشريعة الإسلامية على نوعين (٣) : أمان مؤقت، وأمان مؤبد. فالأمان المؤقت ما كان محدوداً بأجل كالمهادنة، وكالإذن بدخول دار الإسلام لأجل معين. والأمان المؤبد هو ما ليس له أجل ينتهي به، ولا يكون إلا بعقد الذمة، ولا يتمتع به إلا الذميزن الذين يقيمون إقامة دائمة بأرض الإسلام،

стр. 276

وعليهم في مقابل هذا الأمان الدائم التزام أحكام الإسلام (١) . ٢١٢ - دار الحرب: وتشمل دار الحرب كل البلاد غير الإسلامية التي لا تدخل تحت سلطة المسلمين، أو لا تظهر فيها أحكام الإسلام، سواء كانت هذه البلاد تحكمها دولة واحدة أو تحكمها دول متعددة، ويستوي أن يكون بين سكانها المقيمين بها إقامة دائمة مسلمين أو لا يكون، ما دام المسلمون عاجزين عن إظهار أحكام الإسلام. وسكان دار الحرب على نوعين: فهم إما حربيون، وإما مسلمون. فالحربيون هم سكان دار الحرب الذين لا يدينون بالإسلام، ويقال لأحدهم حربي. والحربيون غير معصومين، فدماؤهم وأموالهم مباحة ما لم يكن بينهم وبين دار الإسلام عهد أو هدنة؛ لأن العصمة في الشريعة لا تكون كما قلنا إلا بأحد شيئين؛ بالإيمان أو الأمان. وليس للحربيين - إذا لم يكن بينهم وبين دار الإسلام عهد - أن يدخلوا دار الإسلام، فإذا دخلها أحدهم فهم مباح الدم والمال، ويجوز قتله ومصادرة ماله، كما يجوز أسره والعفو عنه. وإذا دخل الحربي دار الإسلام بإذن أو أمان خاص أو بناء على عهد فهو مستأمن، والمستأمن يعصم دمه وماله عصمة مؤقتة؛ لأن أمانه مؤقت لا دائم، وله أن يقيم في دار الإسلام المدة التي يستأمن فيها معصوم الدم والمال، فإذا انتهى أمانه عاد حربياً كما كان مهدر النفس والمال إذا ترك دار الإسلام، أما إذا بقى فيها مختاراً فيرى البعض أنه يصبح حربياً، ويرى البعض أنه يصبح ذمياً باختياره البقاء في دار الإسلام، ويصير معصوماً عصمة مؤبدة.

стр. 277

أما المسلم الذي يسكن دار الحرب ولم يهاجر إلى دار الإسلام أصلاً فهو عند مالك والشافعي وأحمد من أهل دار الإسلام يعصم بإسلامه دمه وماله، ولو أنه مقيم في دار الحرب مهما طالت إقامته، وإذا أراد دخول دار الإسلام لا يمنع منها. بينما يرى أبو حنيفة أن المسلم المقيم في دار الحرب ولم يهاجر إلى دار الإسلام غير معصوم بمجرد إسلامه؛ لأن العصمة عند أبي حنيفة ليست بالإسلام وحده وإنما يعصم المسلم عنده بعصمة الدار ومنعة الإسلام المستمدة من قوة المسلمين وجماعتهم، والمسلم في دار الحرب لا منعة له ولا قوة فلا عصمة له، ولكن له أن يدخل دار الإسلام في أي وقت فإذا دخلها استفاد العصمة (١) . وكان يعتبر الحربي مباح الدم إذا دخل دار الإسلام دون إذن، فكذلك يعتبر المسلم والذمي مباحي الدم للحربيين إذا دخلا دار الحرب دون إذن أو أمان، فإذا دخلا بإذن أو أمان سمي كلاهما مستأمناً، على أن تكون إقامته مؤقتة، وله أن يرجع إلى دار الإسلام في أي وقت شاء، فإذا رأى المسلم أن يبقى بصفة دائمة في دار الحرب فذلك لا يغير من الأمر شيئاً ما دام باقياً لى إسلامه، فإن خرج عن إسلامه صار حربياً، وإذا أراد الذمي أن يقيم إقامة دائمة في دار الحرب انقلب حربياً. وإذا تزوج المسلم أو الذمي حربية أو مستأمنة فإنها تصبح بالزواج ذمية. أما إذا تزوج الحربي المستأمن من ذمية فإنها لا تصبح بزواجه حربية، كما أنه لا يصبح ذمياً بزواجها على الرأي الراجح، وإذا تزوج المستأمن مستأمنة ثم أصبح ذمياً أصبحت مثله ذمية (٢) . ٢١٣ - مدى إقليمية الشريعة: رأينا فيما سبق أن الشريعة في أصلها

стр. 278

عالمية، وأن الظروف قضت من الناحية العملية أن تكون إقليمية فلا تطبق إلا على دار الإسلام، وقد بقى أن نعرف مدى هذه الإقليمية. فهل تطبق الشريعة على كل سكان البلاد الإسلامية أم تطبق على بعضهم دون البعض الآخر؟ وإذا طبقت الشريعة على الجرائم التي تقع في دار الإسلام، فهل يطبق على ما يرتكبه أهل هذه الدار من جرائم أثناء وجودهم في دار الحرب؟ الأصل في الشريعة الإسلامية أنها يسري على كل من يقيمون في دار الإسلام، مهما تعددت حكوماتهم واختلفت نظم الحكم فيها، فيستوي أن تكون البلاد الإسلامية خاضعة كلها لحكم دولة واحدة، كما كان الحال في عهد الدولة الأموية أو خاضعة لحكم دول متعددة كما هو الحال اليوم، وتسري الشريعة على كل السكان؛ سواء كانوا متقدمين أو متأخرين، يسكنون السهول والوديان أو الصحاري والجبال، ولا عبرة باختلاف أديانهم أو لغاتهم أو أجناسهم، وعلى من يقيمون في دار الإسلام أن يلتزموا أحكام الشريعة لا في دار الإسلام فقط بل في خارج دار الإسلام. فالمبدأ الشرعي العام إذن هو سريان الشريعة على الجرائم التي ترتكب في دار الإسلام أياً كان مرتكبها، وعلى الجرائم التي ترتكب في دار الحرب من مقيم في دار الإسلام. وأساس هذا المبدأ العام هو طبيعة الشريعة وظروفها، فهي شريعة عالمية كما قلنا، وهي بهذا الوصف واجبة التطبيق على كل جريمة تقع في أي بقعة من بقاع العالم، ولما كانت الظروف لا تسمح بتطبيق الشريعة إلا في بلاد الإسلام، وعلى المقيمين بها، فقد اكتفى - نزولاً على حكم الظروف - بتطبيق الشريعة على الجرائم التي تقع في دار الإسلام، ولو كان مرتكبها لا ينتمي لدار الإسلام؛ لأن تطبيق الشريعة ممكن في دار الإسلام على كل من يوجد في هذه الدار، واكتفى بتطبيق الشريعة على الجرائم التي تقع في دار الحرب من مقيم في دار الإسلام؛ لأنه من الممكن أن تطبق الشريعة على المقيمين في دار الإسلام وإن كان لا يمكن تطبيقها على دار الحرب.

стр. 279

هذا هو المبدأ العام في الشريعة الإسلامية، ولا خلاف عليه، ولكن الفقهاء اختلفوا في تطبيقه تبعاً للاعتبارات المختلفة التي نظر إليها كل منهم عند التطبيق، وقد أدى هذا الخلاف إلى وجود ثلاث نظريات مختلفة عن سريان التشريع الجنائي على المكان. ٢١٤ - النظرية الأولى: وصاحبها أبو حنيفة، ويرى أن الشريعة تطبق على الجرائم التي ترتكب في دار الإسلام، أي مكان داخل حدود الدولة الإسلامية، أياً كانت الجريمة، وسواء كان مرتكبها مسلماً أو ذمياً؛ لأن المسلم ليس له قانون غير الشريعة، ولا يجوز له أن يرضى لنفسه قانوناً غيرها؛ ولأن الذمي التزم أحكام الإسلام التزاماً دائماً بقبوله عقد الذمة الدائم. أما من يقيم إقامة مؤقتة في دار الإسلام فلا تطبق عليه أحكام الشريعة إذا ارتكب جريمة تمس حقاً لله، أي تمس حقاً للجماعة، وإنما يعاقب بمقتضى الشريعة إذا ارتكب جريمة تمس حقاً للأفراد، وقد علمنا أن من يقيم إقامة مؤقتة في دار الإسلام يسمى المستأمَن. ويعلل أبو حنيفة إعفاء المستأمن بأنه لم يدخل دار الإسلام للإقامة، بل لحاجة يقضيها، كتجارة أو رسالة أو لمجرد المرور، وليس في الاستئمان ما يلزمه بجميع أحكام الشريعة في الجرائم والمعاملات، بل هو يلزم فقط بما يتفق مع غرضه من دخول دار الإسلام، وبما يرجع إلى تحصيل مقصده وهو حقوق العباد؛ فعليه أن يلتزم الإنصاف وكف الأذى، ما دمنا قد التزمنا له بتأمينه بإنصافه وكف الأذى عنه. ولما كانت جرائم القصاص والقذف مما يتعلق بحقوق العباد ويمسها مساساً شديداً، فإن المستأمن يؤخذ بهاتين الجريمتين كما يؤخذ بغيرهما من الجرائم التي تمس حقوق الأفراد كالغضب والتبديد، أما ماعدا ذلك من الجرائم التي تمس حقوق الأفراد فلا يسأل عنها، ولا تلزمه

стр. 280

عقوبتها، سواء كانت هذه العقوبات خالصة لله تعالى أو يغلب فيها حق الله تعالى كالزنا والسرقة (١) . أما الجرائم التي يرتكبها مسلم أو ذمي خارج دار الإسلام فلا تطبق عليها الشريعة الإسلامية، سواء وقعت من شخص مقيم في دار الإسلام ثم سافر إلى دار الحرب وعاد، أو وقعت من شخص كان يقيم في دار الحرب ثم أقام بعد ذلك في دار الإسلام؛ لأن المسألة عند أبي حنيفة ليست مسألة إلتزام المسلم أو الذمي بأحكام الإسلام أينما كان مقامه، وإنما هي واجب الإمام في إقامة الحد، ولا يجب على الإمام أن يقيم الحد أو العقوبة إلا وهو قادر على الإقامة؛ لأن الوجوب مشروط بالقدرة، ولا قدرة للإمام على من يرتكب جريمة في دار الحرب أثناء ارتكابها، فإذا انعقدت القدرة لم تجب العقوبة (٢) . ومعنى ما سبق أن القضاء بالعقوبة يقتضي الولاية على محل الجريمة وقت ارتكاب الجريمة، ولا ولاية للدولة الإسلامية على محل ارتكاب الجريمة. ويترتب على ما سبق أنه لو دخل مكان الجريمة في ولاية الدولة الإسلامية بعد ارتكاب الجريمة فلا تطبق الشريعة على الجريمة؛ لأن الولاية كانت منعدمة وقت وقوع الجريمة. وإذا ارتكب المسلم أو الذمي جريمة في دار الإسلام وهرب منها إلى دار الحرب، فلا يسقط هربه العقوبة؛ لأن الفعل وقع موجباً للعقوبة، وكذلك حال المستأمن فيما يعاقب على ارتكابه من جرائم، فإن عودته لدار الحرب لا تسقط عقوبته، ولا تمنع من العقاب على جريمته (٣) . وإذا عسكر جنود الدولة الإسلامية في دار الحرب فكل جريمة وقعت في

стр. 281

المعسكر تأخذ حكم الجرائم المرتكبة في دار الإسلام؛ لأن أرض المعسكر في حيازة جند الدولة، وللدولة سلطان عليها، فيعتبر المعسكر لهذا دار إسلام. أما الجرائم التي ترتكب خارج المعسكر، فحكمها حكم الجرائم التي ترتكب في دار الحرب (١) . ويرى أبو حنيفة أن الجرائم التي ترتكب من الجنود أثناء الغزو لا تنفذ عقوباتها إلا بعد الرجوع لأرض الإسلام، لقوله ﵇: "لا تقطع الأيدي في الغزاة" (٢) . ويفرق أبو حنيفة في جرائم القتل بين عدة حالات: فإذا كان القتيل قد أسلم وبقي في دار الحرب ولم يهاجر إلى دار الإسلام فلا قصاص ولا دية إذا قتله مسلم أو ذمي من أهل دار الإسلام. وإذا كان القتيل مسلماً أو ذمياً من أهل دار الإسلام ودخل دار الحرب مستأمناً فلا قصاص؛ لانعدام الولاية على محل الجريمة، ولكن يلزم القاتل بالدية. وإذا كان القتيل قد دخل دار الحرب مكرهاً كالأسير فيرى أبو حنيفة أن لا قصاص ولا دية في قتله؛ لأن الأسر يبطل عصمة الأسير، ولكن محمداً وأبا يوسف يخالفان في هذا، ويريان أن الأسر لا يبطل عصمة الأسير، وأن القاتل والمقتول من أهل دار الإسلام، فإذا لم يمكن القصاص لانعدام الولاية على محل الجريمة وقت وقوعها فيلزم القاتل بالدية ضماناً عن القتل؛ لأن ولاية الضمان ثابتة على المتقاضين وقت التقاضي (٣) ويجيز أبو حنيفة للمسلم والذمي إذا دخلا دار الحرب مستأمنين أن يتعاقدا برباً مع حربي أو مع مسلم لم يهاجر إلينا، لأن الربا إتلاف مال للحربي برضاه، وهذا لا يتنافى مع عقد الأمان؛ لأن المسلم الذي لم يهاجر أمواله غير معصومة.

стр. 282

ولأبي يوسف رأي مخالف في هذه النقطة، فهو يرى أن المسلم والذمي عليهما - إذا دخلا دار الحرب - أن يلتزما أحكام الإسلام، فلا يفعلان ما يحرمه ولو كان مباحاً في دار الحرب، وما دام الربا محرماً بنصوص الشريعة فهو محرم في دار الإسلام وفي دار الحرب. ويفرق محمد بين المعاملة بالربا مع حربي وبين المعاملة مع مسلم لم يهاجر إلينا، ويرى أن التعاقد بالربا مع حربي في دار الحرب جائز للسبب الذي يذكره أبو حنيفة، أما التعاقد بالربا مع مسلم لم يهاجر إلينا فهو جائز (١) . ومن المتفق عليه في مذهب أبي حنيفة أنه لا يجوز للمسلم والذمي أن يتعاقد أحدهما مع الآخر على الربا في دار الحرب، كما لا يجوز لهما ذلك في دار الإسلام، فإن تعاقدا في دار الحرب فلا عقاب لانعدام الولاية على محل الجريمة وقت وقوعها، ولكن على آخذ الربا الضمان أي رد ما أخذه ولو كان الآخر في دار الحرب؛ لأن الرد ليس عقوبة وتكفي فيه الولاية على المتقاضين وقت التقاضي. وإذا دخل المسلم أو الذمي دار الحرب مستأمناً فأدان حربياً أو أدانه حربي ثم خرج المسلم أو الذمي إلى دار الإسلام، وخرج الحربي إليها مستأمناً، فإن القاضي لا يقضي لواحد منهما على صاحبه بالدين. وكذلك لو غصب أحدهما صاحبه شيئاً لا يقضي بالغصب؛ لأن المداينة في دار الحرب وقعت هدراً لانعدام ولايتنا عليهم، وانعدام ولايتهم في حقنا أيضاً، وكذلك الغصب؛ ولأن المداينة والغصب يصادف كلاهما مالاً غير مضمون، إذا الأصل أن مال أهل دار الإسلام مباح للحربي، ومال الحربيين مباح لأهل دار الإسلام، وإنما التزم المسلم أو الذمي بعقد الأمان أن يكف عن أذى الحربيين أثناء إقامته في دارهم وأن ينصفهم، كما التزموا هم بعقد الأمان أن ينصفوا المسلم أو الذمي المستأمن وأن يكفوا عن إيذائه. فإذا غضب أحد الطرفين الآخر شيئاً فقد غصب مالاً مباحاً له، ولكنه حنث بعهده وغدر وآذى من تعهد بالكف عن إيذائه ولم ينصفه

стр. 283

والحنث والغدر في ذاته ليس سبباً لتحريم المال المباح أو تحليل المال المحرم. والحكم كذلك لو كانا حربيين أدان أحدهما الآخر في دار الحرب ثم خرجا إلى دار الإسلام مستأمنين فلا يقضي بينهما في الدين؛ لأنه لا ولاية لنا عليهم وقت الدين ولا وقت التقاضي، أما إذا خرجا إلى دار الإسلام مسلمين، فإن القاضي يقضي بينهما لثبوت الولاية عليهما وقت التقاضي (١) . وإذا غصب المسلم أو الذمي مسلماً أو ذمياً في دار الحرب أو أدانه فلا عقوبة على الغصب، ولكن يقضى بالدين وبضمان المغصوب، والعلة في امتناع العقاب هي انعدام الولاية على محل الجريمة وقت وقوعها، والعلة في القضاء بالدين والضمان هي قيام الولاية على المتقاضين وقت التقاضي. ونستطيع أن نستخلص مما سبق أن الجرائم التي تقع في دار الحرب من مسلم أو ذمي على حربي لا يعاقب عليها، طبقاً لرأي أبي حنيفة، لانعدام الولاية على محل الجريمة وقت وقوعها، ولا تختص المحاكم في دار الإسلام بالنظر فيما يطلبه المجني عليه أو أولياؤه من ضمان مالي عن هذه الجرائم. وكذلك الحكم إذا كان المجني عليه في حكم الحربي كالأسير المسلم أو المسلم الذي لم يهاجر إلى دار الإسلام. أما إذا كان المجني عليه من أهل دار الإسلام فإن الجرائم لا يعاقب عليها أيضاً لانعدام الولاية على محل الجريمة، ولكن المحاكم في دار الإسلام تختص بالنظر فيما يطلبه المجني عليه أو أولياؤه من ضمان مالي عن الجريمة التي وقعت في دار الحرب، وعلى المحاكم أن تقضي بهذا الضمان ولو كان يعتبر عقوبة من بعض الوجوه، كالدية فإنها تعتبر تعويضاً من وجه وعقوبة من وجه آخر، ومعنى ذلك أن المحاكم ممنوعة من توقيع العقوبات البحتة؛ أما العقوبة التي فيها معنى تعويض

стр. 284

المجني عليه عما أصابه من الجريمة فلا تمنع منها؛ لأنها تحكم بها باعتبارها ضماناً لا باعتبارها عقوبة. هذه هي نظرية أبي حنيفة في سريان الشريعة الإسلامية على المكان، وقد كان لرأيه في عدم سريان الشريعة على المستأمن أثر سيئ على البلاد الإسلامية؛ لأن رأيه اتخذ أساساً وسنداً في منح الامتيازات الأجنبية للمستأمنين، أي من نسميهم اليوم بالأجانب، وكلنا يعلم مدى ما قاسته البلاد الإسلامية وما تزال تقاسيه من آثار هذه الامتيازات التي منحت للأجانب وقت ضعفهم وقوة المسلمين؛ لتشجع الأجانب على دخول دار الإسلام، وتؤمنهم على أنفسهم وأموالهم، فأصبحت بعد ضعف المسلمين سبباً لاستغلال المسلمين، وتضييع حقوقهم، واستعلاء الأجانب عليهم. ٢١٥ - النظرية الثانية: وهي نظرية أبي يوسف من فقهاء المذهب الحنفي، ويرى أن الشريعة الإسلامية تسري على كل المقيمين في دار الإسلام سواء كانت إقامتهم دائمة كالمسلم والذمي، أو كانت إقامتهم مؤقتة كالمستأمن، وحجته في ذلك أن المسلم يلزمه إسلامه بالتزام أحكام الإسلام، وأن الذمي ملزم بأحكام الإسلام التزاماً دائماً بمقتضى عقد الذمة الذي يضمن له الأمان الدائم، أما المستأمن فيلتزم أحكام الإسلام بمقتضى عقد الأمان المؤقت الذي خوله الإقامة المؤقتة في دار الإسلام، وبقبوله دخول دار الإسلام؛ لأنه بطلبه دخول دار الإسلام قد قبل أن يلتزم أحكام الإسلام مدة إقامته، ولأنه لما منح إذن الإقامة منحه على هذا الشرط، فصار حكمه حكم الذمي، ولا فرق بينهما إلا أن الذمي أمانه مؤبد والمستأمن أمانه مؤقت، ولهذا يعاقب المستأمن مهما قصرت مدة إقامته على الجرائم التي يرتكبها في دار الإسلام، سواء تعلقت هذه الجرائم بحقوق الجماعة أو بحقوق الأفراد (١) .

стр. 285

ووجه الخلاف فيما سبق بين نظرية أبي يوسف ونظرية أبي حنيفة ينحصر في تطبيق الشريعة على المستأمن، فأبو يوسف يرى تطبيق الشريعة على المستأمن في كل الأحوال، وأبو حنيفة لا يطبق الشريعة على المستأمن إلا في الجرائم التي تمس حقوق الأفراد دون غيرها من الجرائم. ويتفق أبو يوسف مع أبي حنيفة في أن الشريعة لا تسري على الجرائم التي ترتكب في دار الحرب ولو ارتكبها المقيمون في دار الإسلام، ولكنه يخالف أبا حنيفة في مسألتين ذكرناهما أثناء عرض نظرية أبي حنيفة، الأولى منهما أن أبا يوسف يرى أن المسلم والذمي لا يجوز لأحدهما في دار الحرب أن يتعاقد برباً مع حربي أو مع مسلم مقيم بدار الحرب لم يهاجر إلينا، ولو كان التعاقد على الربا غير محرم في دار الحرب؛ لأنه محرم عليه طبقاً لأحكام الإسلام وهو ملزم بهذه الأحكام أينما كان، ولكنه لا يعاقب إذا أخذ رباً في دار الحرب لانعدام الولاية على محل الجريمة وقت وقوعها. والفرق بين رأي أبي حنيفة ورأي أبي يوسف في هذه النقطة أن أبا حنيفة لا يرى الفعل في ذاته محرماً بينما يحرمه أبو يوسف. والثانية منهما مسألة الأسير المسلم إذا قتله في دار الحرب مسلم أو ذمي، فأبو حنيفة لا يرى في قتله قصاصاً ولا دية؛ لأنه فقد بالأسر عصمته، بينما يرى أبو يوسف أن في قتله الدية؛ لأن الأسر لا يفقده عصمته، ولأن القصاص غير ممكن لانعدام الولاية، فيلتزم القاتل بالدية ضماناً عن القتل، لأن للمحاكم الإسلامية أن تقضي بالضمان عن الجريمة المرتكبة في دار الحرب إذا كان الجاني والمجني عليه من أهل دار الإسلام؛ لأن ولاية المحاكم عليهما قائمة وقت المطالبة بالضمان وإن انعدمت على محل الجريمة. والفرق بين الرأيين في هذه المسألة هو نفس الفرق في المسألة السابقة.
следующие страницы →