← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المعسكر تأخذ حكم الجرائم المرتكبة في دار الإسلام؛ لأن أرض المعسكر في حيازة جند الدولة، وللدولة سلطان عليها، فيعتبر المعسكر لهذا دار إسلام. أما الجرائم التي ترتكب خارج المعسكر، فحكمها حكم الجرائم التي ترتكب في دار الحرب (١) . ويرى أبو حنيفة أن الجرائم التي ترتكب من الجنود أثناء الغزو لا تنفذ عقوباتها إلا بعد الرجوع لأرض الإسلام، لقوله ﵇: "لا تقطع الأيدي في الغزاة" (٢) . ويفرق أبو حنيفة في جرائم القتل بين عدة حالات: فإذا كان القتيل قد أسلم وبقي في دار الحرب ولم يهاجر إلى دار الإسلام فلا قصاص ولا دية إذا قتله مسلم أو ذمي من أهل دار الإسلام. وإذا كان القتيل مسلماً أو ذمياً من أهل دار الإسلام ودخل دار الحرب مستأمناً فلا قصاص؛ لانعدام الولاية على محل الجريمة، ولكن يلزم القاتل بالدية. وإذا كان القتيل قد دخل دار الحرب مكرهاً كالأسير فيرى أبو حنيفة أن لا قصاص ولا دية في قتله؛ لأن الأسر يبطل عصمة الأسير، ولكن محمداً وأبا يوسف يخالفان في هذا، ويريان أن الأسر لا يبطل عصمة الأسير، وأن القاتل والمقتول من أهل دار الإسلام، فإذا لم يمكن القصاص لانعدام الولاية على محل الجريمة وقت وقوعها فيلزم القاتل بالدية ضماناً عن القتل؛ لأن ولاية الضمان ثابتة على المتقاضين وقت التقاضي (٣) ويجيز أبو حنيفة للمسلم والذمي إذا دخلا دار الحرب مستأمنين أن يتعاقدا برباً مع حربي أو مع مسلم لم يهاجر إلينا، لأن الربا إتلاف مال للحربي برضاه، وهذا لا يتنافى مع عقد الأمان؛ لأن المسلم الذي لم يهاجر أمواله غير معصومة.

стр. 282

ولأبي يوسف رأي مخالف في هذه النقطة، فهو يرى أن المسلم والذمي عليهما - إذا دخلا دار الحرب - أن يلتزما أحكام الإسلام، فلا يفعلان ما يحرمه ولو كان مباحاً في دار الحرب، وما دام الربا محرماً بنصوص الشريعة فهو محرم في دار الإسلام وفي دار الحرب. ويفرق محمد بين المعاملة بالربا مع حربي وبين المعاملة مع مسلم لم يهاجر إلينا، ويرى أن التعاقد بالربا مع حربي في دار الحرب جائز للسبب الذي يذكره أبو حنيفة، أما التعاقد بالربا مع مسلم لم يهاجر إلينا فهو جائز (١) . ومن المتفق عليه في مذهب أبي حنيفة أنه لا يجوز للمسلم والذمي أن يتعاقد أحدهما مع الآخر على الربا في دار الحرب، كما لا يجوز لهما ذلك في دار الإسلام، فإن تعاقدا في دار الحرب فلا عقاب لانعدام الولاية على محل الجريمة وقت وقوعها، ولكن على آخذ الربا الضمان أي رد ما أخذه ولو كان الآخر في دار الحرب؛ لأن الرد ليس عقوبة وتكفي فيه الولاية على المتقاضين وقت التقاضي. وإذا دخل المسلم أو الذمي دار الحرب مستأمناً فأدان حربياً أو أدانه حربي ثم خرج المسلم أو الذمي إلى دار الإسلام، وخرج الحربي إليها مستأمناً، فإن القاضي لا يقضي لواحد منهما على صاحبه بالدين. وكذلك لو غصب أحدهما صاحبه شيئاً لا يقضي بالغصب؛ لأن المداينة في دار الحرب وقعت هدراً لانعدام ولايتنا عليهم، وانعدام ولايتهم في حقنا أيضاً، وكذلك الغصب؛ ولأن المداينة والغصب يصادف كلاهما مالاً غير مضمون، إذا الأصل أن مال أهل دار الإسلام مباح للحربي، ومال الحربيين مباح لأهل دار الإسلام، وإنما التزم المسلم أو الذمي بعقد الأمان أن يكف عن أذى الحربيين أثناء إقامته في دارهم وأن ينصفهم، كما التزموا هم بعقد الأمان أن ينصفوا المسلم أو الذمي المستأمن وأن يكفوا عن إيذائه. فإذا غضب أحد الطرفين الآخر شيئاً فقد غصب مالاً مباحاً له، ولكنه حنث بعهده وغدر وآذى من تعهد بالكف عن إيذائه ولم ينصفه

стр. 283

والحنث والغدر في ذاته ليس سبباً لتحريم المال المباح أو تحليل المال المحرم. والحكم كذلك لو كانا حربيين أدان أحدهما الآخر في دار الحرب ثم خرجا إلى دار الإسلام مستأمنين فلا يقضي بينهما في الدين؛ لأنه لا ولاية لنا عليهم وقت الدين ولا وقت التقاضي، أما إذا خرجا إلى دار الإسلام مسلمين، فإن القاضي يقضي بينهما لثبوت الولاية عليهما وقت التقاضي (١) . وإذا غصب المسلم أو الذمي مسلماً أو ذمياً في دار الحرب أو أدانه فلا عقوبة على الغصب، ولكن يقضى بالدين وبضمان المغصوب، والعلة في امتناع العقاب هي انعدام الولاية على محل الجريمة وقت وقوعها، والعلة في القضاء بالدين والضمان هي قيام الولاية على المتقاضين وقت التقاضي. ونستطيع أن نستخلص مما سبق أن الجرائم التي تقع في دار الحرب من مسلم أو ذمي على حربي لا يعاقب عليها، طبقاً لرأي أبي حنيفة، لانعدام الولاية على محل الجريمة وقت وقوعها، ولا تختص المحاكم في دار الإسلام بالنظر فيما يطلبه المجني عليه أو أولياؤه من ضمان مالي عن هذه الجرائم. وكذلك الحكم إذا كان المجني عليه في حكم الحربي كالأسير المسلم أو المسلم الذي لم يهاجر إلى دار الإسلام. أما إذا كان المجني عليه من أهل دار الإسلام فإن الجرائم لا يعاقب عليها أيضاً لانعدام الولاية على محل الجريمة، ولكن المحاكم في دار الإسلام تختص بالنظر فيما يطلبه المجني عليه أو أولياؤه من ضمان مالي عن الجريمة التي وقعت في دار الحرب، وعلى المحاكم أن تقضي بهذا الضمان ولو كان يعتبر عقوبة من بعض الوجوه، كالدية فإنها تعتبر تعويضاً من وجه وعقوبة من وجه آخر، ومعنى ذلك أن المحاكم ممنوعة من توقيع العقوبات البحتة؛ أما العقوبة التي فيها معنى تعويض

стр. 284

المجني عليه عما أصابه من الجريمة فلا تمنع منها؛ لأنها تحكم بها باعتبارها ضماناً لا باعتبارها عقوبة. هذه هي نظرية أبي حنيفة في سريان الشريعة الإسلامية على المكان، وقد كان لرأيه في عدم سريان الشريعة على المستأمن أثر سيئ على البلاد الإسلامية؛ لأن رأيه اتخذ أساساً وسنداً في منح الامتيازات الأجنبية للمستأمنين، أي من نسميهم اليوم بالأجانب، وكلنا يعلم مدى ما قاسته البلاد الإسلامية وما تزال تقاسيه من آثار هذه الامتيازات التي منحت للأجانب وقت ضعفهم وقوة المسلمين؛ لتشجع الأجانب على دخول دار الإسلام، وتؤمنهم على أنفسهم وأموالهم، فأصبحت بعد ضعف المسلمين سبباً لاستغلال المسلمين، وتضييع حقوقهم، واستعلاء الأجانب عليهم. ٢١٥ - النظرية الثانية: وهي نظرية أبي يوسف من فقهاء المذهب الحنفي، ويرى أن الشريعة الإسلامية تسري على كل المقيمين في دار الإسلام سواء كانت إقامتهم دائمة كالمسلم والذمي، أو كانت إقامتهم مؤقتة كالمستأمن، وحجته في ذلك أن المسلم يلزمه إسلامه بالتزام أحكام الإسلام، وأن الذمي ملزم بأحكام الإسلام التزاماً دائماً بمقتضى عقد الذمة الذي يضمن له الأمان الدائم، أما المستأمن فيلتزم أحكام الإسلام بمقتضى عقد الأمان المؤقت الذي خوله الإقامة المؤقتة في دار الإسلام، وبقبوله دخول دار الإسلام؛ لأنه بطلبه دخول دار الإسلام قد قبل أن يلتزم أحكام الإسلام مدة إقامته، ولأنه لما منح إذن الإقامة منحه على هذا الشرط، فصار حكمه حكم الذمي، ولا فرق بينهما إلا أن الذمي أمانه مؤبد والمستأمن أمانه مؤقت، ولهذا يعاقب المستأمن مهما قصرت مدة إقامته على الجرائم التي يرتكبها في دار الإسلام، سواء تعلقت هذه الجرائم بحقوق الجماعة أو بحقوق الأفراد (١) .

стр. 285

ووجه الخلاف فيما سبق بين نظرية أبي يوسف ونظرية أبي حنيفة ينحصر في تطبيق الشريعة على المستأمن، فأبو يوسف يرى تطبيق الشريعة على المستأمن في كل الأحوال، وأبو حنيفة لا يطبق الشريعة على المستأمن إلا في الجرائم التي تمس حقوق الأفراد دون غيرها من الجرائم. ويتفق أبو يوسف مع أبي حنيفة في أن الشريعة لا تسري على الجرائم التي ترتكب في دار الحرب ولو ارتكبها المقيمون في دار الإسلام، ولكنه يخالف أبا حنيفة في مسألتين ذكرناهما أثناء عرض نظرية أبي حنيفة، الأولى منهما أن أبا يوسف يرى أن المسلم والذمي لا يجوز لأحدهما في دار الحرب أن يتعاقد برباً مع حربي أو مع مسلم مقيم بدار الحرب لم يهاجر إلينا، ولو كان التعاقد على الربا غير محرم في دار الحرب؛ لأنه محرم عليه طبقاً لأحكام الإسلام وهو ملزم بهذه الأحكام أينما كان، ولكنه لا يعاقب إذا أخذ رباً في دار الحرب لانعدام الولاية على محل الجريمة وقت وقوعها. والفرق بين رأي أبي حنيفة ورأي أبي يوسف في هذه النقطة أن أبا حنيفة لا يرى الفعل في ذاته محرماً بينما يحرمه أبو يوسف. والثانية منهما مسألة الأسير المسلم إذا قتله في دار الحرب مسلم أو ذمي، فأبو حنيفة لا يرى في قتله قصاصاً ولا دية؛ لأنه فقد بالأسر عصمته، بينما يرى أبو يوسف أن في قتله الدية؛ لأن الأسر لا يفقده عصمته، ولأن القصاص غير ممكن لانعدام الولاية، فيلتزم القاتل بالدية ضماناً عن القتل، لأن للمحاكم الإسلامية أن تقضي بالضمان عن الجريمة المرتكبة في دار الحرب إذا كان الجاني والمجني عليه من أهل دار الإسلام؛ لأن ولاية المحاكم عليهما قائمة وقت المطالبة بالضمان وإن انعدمت على محل الجريمة. والفرق بين الرأيين في هذه المسألة هو نفس الفرق في المسألة السابقة.

стр. 286

٢١٦ - النظرية الثالثة: وهي نظرية مالك (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣) ، وهم يرون أن الشريعة تطبق على كل جريمة ترتكب في أي مكان داخل حدود دار الإسلام، سواء اكن مرتكب الجريمة مسلماً أو ذمياً أو مستأمناً؛ لأن المسلم ملزم بطبيعة إسلامه بأحكام الشريعة، والذمي ملزم بأحكام الشريعة بعقد الذمة الذي التزم بمقتضاه أحكام الإسلام التزاماً دائماً في مقابل الأمان الدائم والعصمة الدائمة لنفسه ولماله، والمستأمن ملزم بأحكام الشريعة بطلبه الأمان ودخوله أرض الإسلام بعد إعطائه الأمان، فحكمه حكم الذمي، ولا يختلف المستأمن عن الذمي إلا في أن المستأمن إقامته بدار الإسلام مؤقتة، والذمي إقامته مؤبدة. وإذا هرب المستأمن من دار الإسلام بعد ارتكابه جريمة ما، فلا تسقط العقوبة بهربه وخروجه من دار الإسلام، بل تستوفي العقوبة حين القدرة عليه. كذلك تطبق الشريعة عند هؤلاء الأئمة على كل جريمة ارتكبها مسلم أو ذمي في دار الحرب، بخلاف جرائم الحربي المستأمن التي يرتكبها في دار الحرب فإنه لا يعاقب عليها في دار الإسلام؛ لأنه لم يلتزم أحكام الإسلام إلا من يوم دخوله داره، أما المسلم والذمي فيستوي في حقهما ارتكاب الفعل المحرم في دار الإسلام أو في دار الحرب ما دام الإسلام يحرمه، وإذا كان اختلاف الدارين لا يؤثر على تحريم الفعل فإنه لا يؤثر بالتالي على العقوبة المقررة جزاء على إتيان الفعل المحرم. ويعاقب المسلم والذمي على الجرائم التي يرتكبها أحدهما في دار الحرب،

стр. 287

ولو كان الفعل مباحاً في دار الحرب كالربا، ما دامت الشريعة الإسلامية تحرم على أحدهما هذا الفعل. أما إذا كان الفعل محرماً في دار الحرب ولكن الشريعة الإسلامية تبيحه فلا عقاب على من ارتكبه في دار الحرب. وإذا ارتكب الذمي جريمة في دار الحرب وكان قد ترك دار الإسلام بقصد عدم العودة إليها، فلا يعاقب عليها إذا عاد إلى دار الإسلام؛ لأنه يصبح حربياً بتركه دار الإسلام، وتزول صفته كذمي، فلا يعود ملتزماً بأحكام الإسلام، وإذا عاد إلى دار الإسلام فإنه يعود باعتباره حربياً مستأمناً لا ذمياً. وإذا ارتد المسلم وترك دار الإسلام، وارتكب جريمة بعد ذلك في دار الحرب، فلا يعاقب عليها في دار الإسلام ولو عاد مسلماً؛ لأنه أصبح بردته وترك دار الإسلام حربياً، فلم يكن ملتزماً وقت الجريمة بأحكام الإسلام. ويعتبر هؤلاء الفقهاء المعسكر الإسلامي أرضاً إسلامية ولو كان في دار الحرب، ولكن يستوي عندهم أن ترتكب الجرائم في المعسكر أو في خارجه، لأن الجرائم التي ترتكب في دار الإسلام أو في دار الحرب معاقب عليها عندهم على الوجه الذي سبق بيانه. ويرى مالك والشافعي أن لا يؤخر العقاب على الجرائم التي يرتكبها الجنود إلى حين عودتهم إلى دار الإسلام، بل تنفذ العقوبات كلما استحقت، إلا إذا لم يكن لأمير الجيش حق توقيع العقوبة، وإلا إذا كان بالمسلمين حاجة إلى الجاني، أو كان لهم به قوة، وهذا الاستثناء الأخير للشافعي خاصة. ويرى أحمد تأخير تنفيذ العقوبة حتى يعود الجند إلى دار الإسلام، أو حتى يعود الجاني وحده، وهذا الرأي يتفق مع رأي أبي حنيفة وقد سبق أن بسطنا. وإذا كانت القاعدة عند الأئمة الثلاثة هي عقاب المسلم والذمي على الجرائم التي

стр. 288

يرتكبانها في دار الحرب، فإن هذه القعدة تنطبق على جرائم الحدود، وجرائم القصاص والدية، وجرائم التعازير التي نصت عليها الشريعة، وكذلك جرائم التعزير التي ينص عليها أولو الأمر، ولكن القاعدة لا تنطبق على كل هذه الجرائم بدرجة واحدة؛ لاختلاف طبيعة كل نوع عن الآخر، فجرائم الحدود والقصاص التي ترتكب في دار الحرب يجب العقاب عليها، وليس لولي الأمر حق العفو عن العقوبة أو الجريمة، وجرائم التعزير التي نصت عليها الشريعة يجب العقاب عليها، ولكن لولي الأمر أن يعفو عن الجريمة بعد وقوعها، وأن يعفو عن العقوبة كلها أو بعضها بعد الحكم بها، أما جرائم التعزير التي ينشئها ولي الأمر فيجوز أن يعاقب عليها إذا رأى ذلك ولي الأمر، ويجوز أن لا يعاقب عليها، لأن ولي الأمر هو الذي حرم الأفعال المكونة لهذه الجرائم، ويجوز له أن يبيحها وأن لا يعاقب عليها إذا وقعت في دار الحرب، ومعنى هذا أن العقاب على الجرائم التي ترتكب في دار الحرب ليس واجباً في كل الجرائم. هذا هو مقتضى نظرية الأئمة الثلاثة، أما نظريتا أبي حنيفة وأبي يوسف فمقتضاهما أن لا عقاب على أية جريمة ترتكب في دار الحرب مهما كان نوعها، لأن العقاب أساسه الولاية على محل الجريمة وقت ارتكابها، والولاية منعدمة في كل الأحوال. ٢١٧ - بين الشريعة والقانون: هذه هي النظريات الإسلامية الثلاث وهي تكاد تكون نفس النظريات التي عرفتها القوانين الوضعية حتى اليوم، فقد عرفت القوانين الوضعية ثلاث نظريات مماثلة: أولاها: تقضي بتطبيق القانون على رعايا الدولة دون غيرهم في الداخل والخارج، وقد كانت هذه النظرية سائدة في القرون الوسطى، وهي تماثل نظرية أبي حنيفة فيما يختص بتطبيق القانون في إقليم الدولة على رعاياها فقط دون الأجانب، ولكنها تخالف نظرية أبي حنيفة في أن القانون يتبع الرعايا في الخارج، الأمر الذي لا يراه أبو حنيفة. والثانية: تقضي بتطبيق القانون

стр. 289

على جميع المقيمين في أرض الدولة من وطنيين وأجانب على ما يقع منهم داخل أرض الدولة فقط من الجرائم، أما ما يقع منهم في الخارج فلا عقاب عليه، وقد ظلت هذه النظرية سائدة حتى القرن التاسع عشر، وهي نفس نظرية أبي يوسف. والثالثة: تقضي بتطبيق القانون على كل المقيمين بأرض الدولة من وطنيين وأجانب إذا ارتكبوا أية جريمة داخل حدود الدولة، كما تقضي بتطبيق القوانين على بعض الجرائم التي ترتكب خارج أرض الدولة، وهذه النظرية هي السائدة اليوم في القوانين الوضعية، وهي النظرية التي أخذ بها قانون العقوبات المصري. ولا فرق بين هذه النظرية ونظرية مالك والشافعي وأحمد إلا أن نظرية الفقهاء الإسلاميين تجعل العقاب واجباً في بعض الجرائم التي تقع في الخارج ولا خيار لولي الأمر فيه، وتترك لولي الأمر أن يعاقب على البعض الآخر إن رأى مصلحة في ذلك. أما النظرية القانونية فتترك للهيئة التشريعية أن تعاقب على ما ترى مصلحة في العقاب عليه من الجرائم التي تقع في الخارج. وهذا الفرق ليس له أثر كبير من الوجهة العملية، لأن الجرائم التي يجب فيها العقاب طبقاً للنظرية الإسلامية هي من أخطر الجرائم وأهمها، ومصلحة الدولة تقتضي العقاب عليها. ٢١٨ - كيف يمكن تطبيق النظريات الإسلامية مع تعدد دول الإسلام؟: يلاحظ على النظريات الإسلامية أنها تقسم العالم قسمين: دار الإسلام، ودار الحرب، وقد يظن البعض أن هذا يقتضي أن تكون البلاد الإسلامية كلها تحت حكم دولة واحدة، والبلاد الأجنبية كلها تحت حكم دولة واحدة، وهو ظن لا أساس له من الواقع، فالنظريات الإسلامية لم توضع على أساس أن تكون البلاد الإسلامية محكومة بحكومة واحدة، وإنما وضعت على أساس ما يقتضيه الإسلام، والإسلام يقتضي أن يكون المسلمون في كل بقاع الأرض يداً واحدة، يتجهون اتجاهاً واحداً تسوسهم سياسة واحدة، وأبسط الصور وأكفلها بتحقيق هذه الغاية أن تكون كل بلاد الإسلام تحت حكم دولة واحدة، ولكن ليست هذه هي الصورة

стр. 290

الوحيدة التي تحقق أهداف الإسلام، لأن هذه الأهداف يمكن أن تتحقق مع قيام دول متعددة في دار الإسلام ما دامت هذه الدول تتجه اتجاهاً واحداً، والإسلام لا يتنافى مع نظام كنظام الولايات المتحدة الأمريكية، ولا مع نظام كنظام الولايات السوفيتية القائم في روسيا، ولا مع نظام كنظام الدمنيون الإنجليزي، ولا يتنافى مع النظام القائم الآن في البلاد العربية بعد قيام الجامعة العربية التي تعمل على توحيد الاتجاهات والسياسات في الدول العربية المختلفة، ولا يتنافى مع قيام جامعة إسلامية تتكون من كل الدول الإسلامية، وتشرف عليها وتعمل على توحيد أغراضها واتجاهاتها وعلى حل ما يثور فيها من نزاع داخلي، ولا يتنافى الإسلام مع أي نظام آخر ما دام هذا النظام يحقق الأهداف الإسلامية، وأن هذه الأهداف هي أن يكون المسلمون يداً واحدة على من عداهم، وأن يكون اتجاههم واحداً وسياستهم واحدة. وليس أدل على صحة ما نقول من أن النظريات الإسلامية وضعت في عهد العباسيين بعد أن انقسمت الدولة الإسلامية الأولى إلى ثلاث دول: دولة عباسية في المشرق، ودولة العلويين في المغرب، ودولة الأمويين في الأندلس، وقد ظلت هذه النظريات تطبق بعد أن أصبح في كل قطر إسلامي دولة إسلامية. وتعتبر النظريات الإسلامية كل البلاد الأجنبية دار حرب واحدة مع اختلاف الدول التي تحكمها، فقد كان المسلمون يحاربون الترك والروس والهنود والأسبان والفرنسيين والرومان، وكانوا يعتبرون بلاد كل هؤلاء وغيرهم دار حرب. فالمقصود إذن من تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب ليس جعل العالم تحت حكم دولتين أو وحدتين سياسيتين، وإنما هو تقسيم العالم إلى قسمين: أحدهما: دار أمن وسلام للمسلمين، والثاني: دار خوف وعداء للمسلمين، وبيان الأحكام التي تسري على المقيمين في كل دار، وقد اعتبرت البلاد الإسلامية على اختلاف حكوماتها داراً واحدة، لأنها محكومة بقانون واحد هو الشريعة الإسلامية، فهي من هذه الوجهة

стр. 291

وحدة قانونية لا تختلف فيها الأحكام باختلاف الجهات ولا باختلاف الأجناس، واعتبرت البلاد غير الإسلامية داراً واحدة؛ لأن الأحكام التي تسري عليها طبقاً للشريعة الإسلامية أحكام واحدة لا تختلف باختلاف الجهات واختلاف الأجناس. وهذا هو الأساس الصحيح لتقسيم العالم إلى دار حرب ودار إسلام. وعلى هذا فتعدد الدول الإسلامية لن يمنع اليوم من تطبيق النظريات الإسلامية كما لم يمنع من تطبيقها قديماً، فقد طبقها الأندلسيون في الأندلس، والمغاربة في المغرب، والعلويون في مصر، والعباسيون في بغداد، ونستطيع اليوم أن نطبقها في مصر وفي لبنان وفي سوريا والعراق والحجاز والباكستان وفي المغرب، وفي كل بلد إسلامي له حكومة تحكمه وحدود تحده. ومن السهل تطبيق النظريات الإسلامية اليوم، ولكن تطبيقها من كل دولة إسلامية أن تعتبر نفسها ممثلة للإسلام في جميع بقاع العالم ولا في داخل حدودها فقط، فمثلاً إذا أردنا أن نطبق نظرية أبي حنيفة في مصر فإننا نعاقب أولاً كل من يرتكب جريمة داخل حدود البلاد المصرية مسلماً كان الجاني أو ذمياً، مصرياً أو شامياً أو عراقياً أو فلسطينياً أو فارسياً، وهكذا؛ لأن كل فرد من رعايا أية دولة إسلامية لا يعتبر أجنبياً بالنسبة لأية دولة إسلامية أخرى، ولأن بلاد الإسلام كلها دار واحدة تحكمها شريعة واحدة، ونعاقب ثانياً كل هؤلاء على أية جريمة يرتكبونها في أي بلد إسلامي آخر، سواء كانوا يقيمون في مصر إقامة دائمة أو إقامة مؤقتة، بشرط أن لا يكونوا قد عوقبوا على هذه الجريمة في محل ارتكابها، أو في أي بلد إسلامي آخر بغير العقوبة التي توجبها الشريعة، وجب أن يعاقبوا مرة ثانية بالعقوبة المقررة في الشريعة؛ لأن بلاد الإسلام كلها دار واحدة مهما اختلفت حكوماتها، ولأن الإسلام يوجب على كل دولة إسلامية أن تقيم أحكامه وأن تبادر إلى تغيير المنكر والنهي عنه، ومن تغيير المنكر أن تبادر الدولة بتوقيع العقوبة التي توجبها الشريعة على من استحقها.

стр. 292

وما سبق يصدق على جرائم الحدود، وجرائم القصاص والدية، وجرائم التعازير التي نصت عليها الشريعة، مع ملاحظة أن لولي الأمر في جرائم التعازير حق العفو عن الجريمة والعفو عن العقوبة، وليس له ذلك في جرائم الحدود، ولا في جرائم القصاص والدية، أما جرائم التعازير التي يحرمها أولو الأمر فلا يصدق عليها ما قلنا، ولا يعاقب عليها إلا إذا كان الفعل محرماً في محل وقوعه، ومحل المحاكمة عليه، فإذا كان الفعل مباحاً في محل وقوعه امتنع العقاب عليه في أية دولة أخرى، وإذا كان محرماً في محل وقوعه فقط امتنع العقاب عليه في أي محل آخر. وأساس التفرقة بين جرائم الحدود جرائم القصاص من جهة، وبين جرائم التعازير من جهة أخرى، أن إقامة العقوبة في جرائم الحدود واجبة على كل مسلم، ولا يصح تأخيرها، ولا يجوز العفو عنها، وأن عقوبات جرائم القصاص واجبة ما لم يعف عنها المجني عليه أو أولي دمه، فإذا لم تقم حكومة إسلامية عقوبات الحدود والقصاص وجبت إقامتها على الحكومات الأخرى، وإن لم تقمها الحكومات وجبت على الأفراد، أما عقوبات التعازير فيجوز إيقاف تنفيذها والعفو عنها. وأساس التفرقة بين جرائم التعازير التي نصت عليها الشريعة، وجرائم التعازير التي حرمها أولو الأمر، أن الأفعال المكونة للنوع الأول لا يجوز إباحتها وإن جاز العفو عن الجريمة وعقوبتها، أما الأفعال المكونة للنوع الثاني فيجوز إباحتها بعد تحريمها فضلاً عن جواز العفو عن الجريمة وعقوبتها. وإذا أردنا أن نطبق نظرية أبي يوسف، فإنَّا نعاقب فوق ما تقدم كل مستأمن ارتكب جريمة في أي بلد إسلامي إذا لم يعاقب عليها في محل ارتكابها أو عوقب عليها بغير العقوبة المقررة شرعاً، لأنه بدخله في البلد الإسلامي التزم بأحكام الإسلام، وتلك الأحكام تلزم كل دولة إسلامية أن تطبقها، وعلى هذا تكون كل دولة إسلامية قادرة على أن تعاقب طبقاً للشريعة كل مسلم

стр. 293

أو ذمي أو مستأمن ارتكب جريمة في دار الإسلام سواء كان محل الجريمة واقعاً في حدود الدولة التي توقع العقوبة أو في حدود دولة إسلامية أخرى. وإذا أردنا أن نطبق نظرية مالك والشافعي وأحمد فإنا نعاقب على الحالات الثلاثة السابقة، ونعاقب فوق ذلك كل مسلم أو ذمي من رعايا مصر أو من رعايا أية دولة إسلامية على ما يرتكبه في دار الحرب من جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية وجرائم التعازير التي نصت عليها الشريعة، ولكل دولة إسلامية أخرى مثل هذا الحق على رعايا الدول الإسلامية الباقية، لأن من واجب كل حكومة إسلامية أن تقيم الحدود ولا تؤخرها، فإذا تركتها حكومة وجبت على أي حكومة أخرى تستطيعها. أما إذا كانت الجرائم الواقعة في الخارج تعازير مما حرمها الشارع، فيعاقب عليها في كل دولة تحرمها رعايا هذه الدولة ورعايا الدول الإسلامية الأخرى إذا كانت قوانين تلك الدول تعاقب عليها، فإن لم تكن تعاقب عليها فلا يصح أن تعاقب عليها رعاياها في أية دولة إسلامية أخرى ولو كانت هذه الدولة تحرمها، لأن عدم العقاب عليها في الدولة التي يتبعها الجاني يعتبر إباحة لها، وإذا لجأ الجاني بعد ارتكاب الجريمة التي تحرمها دولته إلى دولة إسلامية أخرى لا تحرمها فلا يصح أن يحاكم الجاني على الجريمة في الدولة التي لجأ إليها، لأن الفعل مباح طبقاً لقوانينها، وإنما يصح أن يسلم الجاني لدولته لتعاقبه إذا طلبت ذلك. وليس من الضروري للعقاب على الأفعال التي تقع في دار الحرب أن تكون معتبرة جرائم في دار الحرب؛ لأن العقاب يجب طبقاً للشريعة التي يلتزم المسلم والذمي بأحكامها أينما كان أحدهم، فيستوي إذن أن يكون الفعل مباحاً في دار الحرب أو محرماً. ٢١٩ - نتيجة تطبيق النظريات الإسلامية: ويتبين مما سبق أن كل جريمة يرتكبها رعايا الدولة الإسلامية في الداخل أو في الخارج يعاقبون عليها بالعقوبة المقررة لها في الشريعة الإسلامية، وأن ترك الجاني بلده وهربه منها إلى بلد

стр. 294

إسلامي آخر لا ينجيه من المحاكمة وتوقيع نفس العقوبة عليه، والسبب الوحيد في الوصول إلى هذه النتيجة هو خضوع البلاد الإسلامية جميعاً لتشريع واحد هو الشريعة الإسلامية، واعتبار البلاد الإسلامية داراً واحدة على اختلاف أقطارها، واعتبار كل حكومة من حكوماتها ممثلة للحكومات الأخرى في إقامة الحدود وتطبيق نصوص الشريعة. هذه هي النتيجة التي يؤدي إليها تطبيق النظريات الإسلامية، وإنها لهي عين الحلم الجميل الذي يحلم به علماء القانون الوضعي حين يتمنون أن يكون القانون الجنائي موحداً في كل الدول، وأن تعتبر كل دولة ممثلة لجميع الدول الأخرى في إقامة حق العقاب، بحيث لا يستطيع المجرم أن يفلت من العقاب إذا ارتكب جريمة في دولة وهرب لأخرى، وبحيث يعاقب على جريمته في أي مكان يوجد به بنفس العقوبة المقررة لجريمته في محل ارتكابها. هذا هو الحلم الجميل الذي تحلم به المجامع الدولية للقانون الجنائي، وترى فيه خير نظام يقضي على الإجرام، وهذا الحلم الجميل هو الحقيقة التي جاءت به الشريعة الإسلامية من ثلاثة عشر قرناً، وهو النظرية التي طبقتها الشريعة من يوم نزولها أو من يوم انتشار المسلمين في أصقاع العالم، ويكفي الشريعة فخراً أنها سبقت بمثلها العليا وأنظمتها المثلى، وأن القوانين الوضعية بأنظمتها المبتكرة وأحلامها الجميلة إنما تسير على هدى الشريعة، وتتبع أثرها، وتعمل على منوالها، وقل مع ذلك أن تلحق بها. ٢٢٠ - ما يدخل في دار الإسلام: يعتبر داراً للإسلام كل البلاد التي فيها سلطان للمسلمين سواء كان المسلمون فيها أغلبية أو أقلية، وكل البلاد التي دخلت في ذمة المسلمين والتزم أهلها أحكام الإسلام ولو لم يكن فيها مسلمون، وكل الأماكن التي يسكنها مسلمون يستطيعون أن يظهروا أحكام الإسلام ولا يمنعهم من ذلك مانع.

стр. 295

ويدخل في دار الإسلام كل ما يتبعها من جبال وصحاري وأنهار وبحيرات وأراض وجزر، وما فوق هذه جميعاً من طبقات الجو مهما ارتفعت. ويعتبر في حكم دار الإسلام كل مكان في دار الحرب يعسكر فيه الجيش الإسلامي، وتعتبر المراكب الحربية قياساً على هذا جزءاً من دار الإسلام. والأصل في الشريعة أن البحار العامة ليست ملكاً لأحد، وهذا يتفق مع القانون الدولي في عصرنا الحاضر، وليس في الشريعة ما يمنع من جعل البحار الإقليمية تابعة للدولة التي تملك الشاطئ إلى حد معين. ولم يذكر الفقهاء شيئاً عن السفن غير الحربية؛ ولكن تطبيق النظرية العامة عند أبي حنيفة وأصحابه يؤدي إلى عدم العقاب على الجرائم التي ترتكب فيها إذا كانت في مياه إقليمية تابعة لدار الحرب، أما إذا كانت في مياه تابعة لدار الإٍسلام أو غير تابعة لأحد، كما لو كانت في وسط البحر، فتطبق الشريعة الإسلامية على الجرائم التي تتركب فيها. أما تطبيق نظرية مالك والشافعي أحمد فيؤدي إلى العقاب على الجرائم التي ترتكب في السفن التجارية سواء كانت في مياه تابعة لدار الإسلام أو دار الحرب، أو في مياه عامة، مع مراعاة التفرقة التي ذكرناها من قبل بين جرائم الحدود والقصاص، وبين جرائم التعازير، والتفرقة بين جرائم التعازير التي نصت عليها الشريعة، وبين جرائم التعازير التي حرمها أولو الأمر. وتطبق القواعد السالفة على الطائرات، فالطائرات الحربية تعاقب على كل الجرائم التي ترتكب فيها، لأنها تأخذ حكم المعسكر والسفن الحربية، أما الطائرات التجارية فتأخذ حكم السفن التجارية. ٢٢١ - الشريعة والقانون: والقوانين الوضعية لا يختلف حكمها شيئاً عن الشريعة في هذا كله، فهي تعتبر الفضاء الذي يعلو أرض الدولة تابعاً لها، وتجعل المياه الإقليمية المجاورة للشاطئ تحت سيادة الدولة التي تملك الشاطئ، وتجعل السفن الحربية خاضعة لقضاء الدولة التي تتبعها، أما السفن التجارية

стр. 296

فيطبق عليها قانون الدولة التي تتبعها طالما كانت في المياه التابعة لهذه الدولة أو في عرض البحر، فإذا كانت في مياه دولة أخرى فقد اختلفت الدولة في حكم هذه الحالة، فالبعض يطبق قانون الدولة صاحبة المياه لا قانون الدولة التي تتبعها السفينة، وهذا هو المتبع في إنجلترا، وهو تطبيق لنظرية أبي حنيفة وأبي يوسف، وكثير من الدول يعتبر السفينة خاضعة لقانون الدولة التي تتبعها، وهذا تطبيق لنظرية الأئمة الثلاثة. وفي فرنسا يرون تطبيق قانون الدولة صاحبة المياه الإقليمية في حالات دون أخرى، فهم يمزجون بين النظريتين السابقتين. ٢٢٢ - تسليم المجرمين وإبعادهم: ذكرنا أن الدول الإسلامية تعتبر كل منها ممثلة للإسلام في تطبيق الشريعة الإسلامية، فإذا جنى عراقي مثلاً جناية في العراق أمكن محاكمته عنها في مصر، ولكن قد يحدث أن يجني المسلم أو الذمي أو المستأمن جناية في بلد إسلامي ثم يهرب إلى بلد إسلامي آخر، أو يهرب إلى دار الحرب، فتطلبه الدولة التي وقعت في أرضها الجريمة لمحاكمته، فهل يمكن تسليمه إليها لمحاكمته أمام محاكمها؟ وقد يشتهر الجاني بارتكاب الجرائم والإخلال بالأمن، فهل يمكن أن تبعد الدولة من أرضها من اتصف بهذه الصفات؟ هذان موضوعان سنتكلم عنهما فيما يلي واحدة بعد الأخرى. ٢٢٣ - أولاً: تسليم المجرمين: من الممكن أن يقال: إن محاكمة الجاني على جريمته في محل وقوعها أفضل من محاكمته عليها في غير هذا المحل، وأدعى إلى تحقيق ضمان تحقيق العدالة والزجر عن الإجرام، لأن المحل إلى وقعت فيه الجريمة يتيسر فيه إقامة الأدلة ومناقشتها، لوجود الشهود به، وإمكان مشاهدة آثار الجريمة، والإحاطة بكل ظروفها، كما أن عقاب المجرم على جريمته في محل ارتكابها يحفظ للعقوبة قيمتها كاملة، فالعقوبة مقصود بها التأديب والزجر، تأديب المجرم وزجر غيره ممن شهدوا الجريمة أو علموا بها، والعقوبة التي تقام في غير محل الجريمة إذا أدت لتأديب المجرم فإنها لا تؤدي وظيفتها كاملة من حيث الزجر.

стр. 297

وعلى هذا يحسن أن يسلم الجاني إلى الدولة صاحبة السلطان على محل الجريمة لمحاكمته وإن لم يكن ثمة ضرر كبير من محاكمة الجاني في الدولة التي هرب إليها طالما كان تشريعها هو نفس تشريع الدولة التي تطلب التسليم. ولكن من الممكن أن يقال أيضاً: إن في تسليم الجاني الذي ينتمي إلى دولة معينة إلى دولة أخرى لمحاكمته على جريمة ارتكبها في أرض الدولة الأخيرة يعرض الجاني من التمكن من عدم الدفاع عن نفسه بين قوم لا يعرفهم ولا يتصل بهم بصلة الجنس أو اللغة، وقد يؤدي التسليم لظلمه والإضرار به. هذان رأيان يخطر كلاهما بالذهن إذا فكرنا في تسليم المجرمين؛ ولكل منهما وجاهته ومحاسنه وعيوبه، وقد راعت الشريعة الإسلامية كل هذه الاعتبارات حين اختطت خطة وسطاً بين هذين الرأيين تضمن بها تحقيق العدالة بدر الإمكان، وتمنع الظلم عن رعايا الدولة الإسلامية بقدر المستطاع، وأساس هذا الرأي الوسط التفرقة بين التسليم لدولة إسلامية، والتسليم لدولة غير إسلامية. ٢٢٤ - التسليم لدولة إسلامية: ليس في الشريعة ما يمنع من أن تسلم أية دولة إسلامية لأية دولة إسلامية أخرى أي مسلم أو ذمي أو مستأمن ارتكب في أرض إحدى الدولتين جريمة ما والتجأ إلى أرض الأخرى، ما لم تكن هذه الدولة الأخرى قد حاكمته فعلاً على هذه الجريمة طبقاً لنصوص الشريعة، فإن لها أن تمتنع عن تسليمه؛ لأنه لا يجوز طبقاً للشريعة أن يعاقب على الفعل الواحد مرتين، فإن كانت المحاكمة التي تمت على غير أساس الشريعة فليس للدولة أن تمتنع عن التسليم إذا كانت الدولة طالبة التسليم تنوي أن تحاكم الجاني طبقاً لنصوص الشريعة، ولا عبرة بالعقوبة التي وقعت على الجاني على خلاف نصوص الشريعة، ولا قيمة للمحاكمة التي انتهت بهذه العقوبة، لأنها محاكمة باطلة لقيامها على نصوص باطلة لا تعترف بها الشريعة. وللدولة المطلوب منها التسليم أن تمتنع عن التسليم إذا كانت تنوي أن تحاكم الجاني وتطبق عليه نصوص الشريعة، وكانت

стр. 298

الدولة طالبة التسليم لا تطبق نصوص الشريعة، أو لا تنوي تطبيقها، وهذا طبعاً لا يكون إ في الجرائم ذات العقوبات المقدرة؛ أي في جرائم الحدود والقصاص. ولعل جواز التسليم ومنع التسليم واحدة، وهي أن كل بلد إسلامي يعتبر جزءاً من دار الإسلام، وأن كل الدول الإسلامية تعتبر ممثلة للإسلام، وعلى كل منها أن تقيم حدوده، وتنفذ أحكامه، ففي حالة التسليم لا يسلم الجاني إلى دولة غريبة عنه، ولا يحاكم بشريعة يجهلها، ولا يعرضه التسليم لظلم أو ضرر، والتسليم لا يقصد منه إلا ضمان تحقيق العدالة والزجر عن الإجرام، وفي حالة الامتناع عن التسليم لدولة إسلامية لا يكون الامتناع إلا لإقامة نصوص الشريعة ولتحقيق العدالة والزجر عن الإجرام. ٢٢٥ - التسليم لدولة غير إسلامية: لا تجيز الشريعة الإسلامية لدولة إسلامية أن تسلم رعاياها مسلمين أو ذميين ليحاكموا في دار الحرب عن جرائم ارتكبوها في تلك الدار، ولا يجوز لدولة إسلامية أن تسلم أيضاً رعايا أية دولة إسلامية أخرى لدولة غير إسلامية، لأن هؤلاء في حكم رعاياها من الوجهة الشريعة. ولا تجيز الشريعة لدولة إسلامية أن تسلم مسلماً منتمياً لدولة محاربة إذا هاجر لدار الإسلام من دار الحرب، ولو طلبته الدولة التي كان يقيم في أرضها، ما لم يكن هناك اتفاق سابق على التسليم، فإن كان هناك اتفاق سابق وجب الوفاء بشروطه إلا الباطل منها. ويعتبر الاتفاق على التسليم باطلاً إذا كان له أثر رجعي أي إذا أريد به تسليم المسلمين اللاجئين لدار الإسلام قبل الاتفاق، ويعتبر باطلاً كل شرط يقضي بتسليم النساء المسلمات اللاجئات إلى دار الإسلام سواء لجأن لدار الإسلام قبل الاتفاق أو بعده، فالمرأة المسلمة لا يجوز تسليمها بأية حال لدولة غير إسلامية، ولو كانت من رعاياها أصلاً، ولو كان لها زوج وأولاد وأهل يطلبونها في دار الحرب، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ

стр. 299

إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] . وقد اختلف في صحة شرط تسليم الرجال المسلمين بعد الاتفاق، فيرى أحمد وبعض الفقهاء في مذهب مالك أنه صحيح ويجب الوفاء به (١) . ويرى أبو حنيفة وبعض الفقهاء في مذهب مالك في شرط التسليم باطل، حيث لا يجيزون تسليط غير المسلم على المسلم بأي حال (٢) . ويفرق الشافعية بين من له عشيرة تحميه في دار الحرب، ومن ليس له عشيرة تحميه، ويجيزون تسليم الأول دون الثاني، وأساس منع التسليم عندهم هو خشية الفتنة (٣) . ويلاحظ أن من أسلم من دار الحرب ولجأ إلى دار الإسلام يعتبر بدخوله دار الإسلام من أهل هذه الدار، ورعية للدولة الإسلامية التي دخل أرضها، ومن ثم الدولة حين تمتنع عن تسليمه إنما تمتنع عن تسليم أحد رعاياها، وهذا في ذاته تطبيق لقاعدة الشريعة العامة التي لا تجيز للدولة الإسلامية أن تسلم رعاياها لدولة غير إسلامية، ولا يعتبر تسليم الرعايا دولة إسلامية أخرى خروجاً عن هذه القاعدة العامة، لأن أراضي الدول الإسلامية كلها تعتبر داراً للإسلام وتخضع لشريعة واحدة هي الشريعة الإسلامية، ولأن كل دولة إسلامية تمثل النظام الإسلامي في العالم كله. ويجوز لأي دولة إسلامية أن تسلم المستأمن للدولة التي يتبعها إذا طلبته لتعاقبه على جريمة ارتكبها في بلده بشرط أن يكون هناك اتفاق يقضي بذلك، ولكن ليس لها أن تسلمه إلى دولة أخرى غير دولته، لأن هذا يتنافى مع عقد الأمان الذي أعطي له فأمن بمقتضاه على نفسه، إلا أن يكون هناك عهد بين الدولة الإسلامية وبين الدولة طالبة التسليم يقضي بالتسليم فيعتبر الأمان قائماً على

стр. 300

أساس التقيد بهذا العهد، ويجوز التسليم وفاء بالعهد. وقاعدة الشريعة التي يقضي بأن لا تسلم الدولة رعاياها هي القاعدة التي تأخذ بها أكثر الدول اليوم، ولكن بعض الدول كإنجلترا وأمريكا تجيز تسليم رعاياها دون اشتراط المثل، وهو مبدأ لا تأخذ به الشريعة إلا فيما بين الدول الإسلامية فقط. فالمبدءان المعمول بهما اليوم في العالم هما مبدءا الشريعة الإسلامية بالذات، ولكن الشريعة تطبق كلاً منهما في حالات معينة، بينما الدول اليوم تأخذ بأحد المبدأين دون الآخر، ولا تجمع بينهما كما فعلت الشريعة. والدول الحديثة متفقة اليوم على أن لا تسلم من يكون خاضعاً لقضائها في الجريمة المطلوب التسليم من أجلها ولو كان الجاني أجنبياً. وهذا تطبيق لمبادئ الشريعة، لأن الدولة إذا كانت مختصة بالجريمة فعليها أن تعاقب الجاني، وإذا عاقبته فلا معنى لتسليمه بعد ذلك. ٢٢٦ - تسليم الأرقاء: وتتفق الدول اليوم على عدم تسليم الأرقاء الهاربين، وهو مبدأ قررته الدول في القرن الماضي بعد إبطال الرق، ولكن هذا المبدأ قررته الشريعة الإسلامية من مدة تزيد عن ثلاثة عشر قرناً، ونستطيع أن نقول: إنه تقرر على وجه التحديد يوم الحديبية، فقد لجأ عدد من عبيد قريش إلى معسكر المسلمين في هذا اليوم، فأرسلوا في طلبهم وقالوا لرسول الله ﷺ : إنهم ما خرجوا رغبة في دينك، وإنما خرجوا هروباً من الرق، فقال ناس من المسلمين: صدقوا يا رسول الله ردهم عليهم. فغضب رسول الله، وقال: "هم عتقاء الله". والقاعدة في الشريعة أن الرقيق إذا أسلم ولجأ إلى دار الإسلام، أو معسكر المسلمين، أو أسلم وبقى في دار الحرب حتى ظهر المسلمون عليها، فهو حر في كل هذه الأحوال، ولا يجوز رده (١) .

стр. 301

ويرى الشافعي رده في حالة واحدة، وهي إذا أسلم في دار الحرب ثم هاجر بعد الإسلام، وكان بين أهل دار الحرب ودار الإسلام عهد، لأن العبيد مال، وأهل دار الحرب في أمان على أنفسهم ومالهم بالعهد القائم بينهم وبين دار الإسلام. ويرد أحمد على هذا الرأي بأن الأمان أعطى لهم على ما في قدرة المسلمين عمله، وما هو في قبضة المسلمين، والأرقاء في قبضة أهل دار الحرب لا في قبضة المسلمين (١) . ٢٢٧ - تسليم المجرمين السياسيين والعسكريين: وتتفق الدول أيضاً على عدم تسليم المجرمين في الجرائم السياسية والجرائم العسكرية، وليس في قواعد الشريعة الإسلامية ما يمنع من إقرار هذه الجزئيات؛ لأنها لا تختلف مع قواعد الشريعة العامة التي بسطناها فيما سبق. ٢٢٨ - هل يمكن معاقبة الحربيين الذين أسلموا ولجأوا إلى دار الإسلام؟: عرفنا أن الشريعة لا تجيز تسليم النساء إطلاقاً، وأنها لا تجيز تسليم الرجال ما لم يكن هناك اتفاق سابق، وأن تسليم الرجال حتى في حالة الاتفاق مختلف عليه، فهل يمكن مع هذا أن نعاقب المسلم الذي لجأ من دار الحرب إلى دار الإسلام على جريمته التي ارتكبها في دار الحرب؟ وللرد على هذا السؤال يجب أن نفرق بين فرضين، أولهما أنه ارتكب هذه الجرائم قبل الإسلام، وثانيهما أنه ارتكبها بعد الإسلام، فإن كانت الجرائم قبل الإسلام فلا عقاب عليها باتفاق؛ لأن القاعدة في الشريعة أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وأساس هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ، وقد طبقت هذه القاعدة على من آذوا الرسول والمسلمين، ومن قتلوا المسلمين أو مثَّلوا بهم، مثل كعب بن أُبي الذي أذى الرسول والمسلمين بهجائه ومثل وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب، ومثل هند زوجة أبي سفيان التي مثلت بحمزة بعد قتله.

стр. 302

أما إذا كانت الجرائم قد ارتكبت بعد الإسلام، فإذا طبقنا نظرية أبي حنيفة وأبي يوسف فلا عقاب، لأن الجرائم وقعت في أرض الحرب ولا ولاية للمسلمين عليها، والعقاب على الجريمة يقتضي الولاية وقت وقوعها. وإذا طبقنا نظرية مالك والشافعي وأحمد وجب العقاب، بشرط أن يكون الجاني عالماً أو في إمكانه أن يعلم أن الشريعة تحرم هذه الأفعال، فإن لم يكن عالماً ولا في إمكانه أن يعلم بالتحريم فلا عقاب، وإن كان عالماً أو في إمكانه أن يعلم فإنه يعاقب على ما تحرمه الشريعة، أما ما لا تحرمه فلا عقوبة عليه ولو كان محرماً في دار الحرب (١) . ٢٢٩ - ثانياً: إبعاد المجرمين: يختلف حكم الإبعاد بحسب ما إذا كان الشخص من أهل دار الإسلام أو من أهل دار الحرب: إبعاد المسلمين والذميين: رأينا فيما سبق أن بلاد المسلمين جميعاً تعتبر وحدة واحدة، وتسمى دار الإسلام. ويترتب على اعتبارها وحدة واحدة أنه لا يجوز منع المسلم أو الذمي من دخول أي إقليم إسلامي آخر غير الإقليم الذي يقيم فيه أصلاً. والأصل في الشريعة الإسلامية أنه لا يجوز إبعاد المسلم أو الذمي عن دار الإسلام، لأن نفي المسلم عن دار الإسلام يعرضه للفتنة، ويؤدي به إلى الهلكة، ويحول بينه وبين إظهار شعائر الدين، ولأن نفي الذمي عن دار الإسلام مناقض لعقد الذمة. ويترتب على اعتبار بلاد المسلمين وحدة واحدة، وعلى عدم جواز إبعاد المسلم أو الذمي عن دار الإسلام، أنه لا يجوز لدولة إسلامية أن تبعد مسلماً أو ذمياً

стр. 303

من أرضها، ولو كان المسلم أو الذمي من غير رعاياها، ولو كان قد دخل أرضها ليقيم بها إقامة مؤقتة. فقواعد الشريعة الإسلامية إذن لا تسمح بمنع المسلم أو الذمي من دخول أي بلد إسلامي، ولا تبيح إبعاد المسلم أو الذمي من أي بلد إسلامي دخله، لأن المسلم أو الذمي لا يعتبر بأي حال أجنبياً عن دار الإسلام، ولا عن دوله، فكل بلد في دار الإسلام تعتبر بلده، وكل دولة أو حكومة فيها تعتبر دولته وحكومته؛ لأنها تمثل الإسلام، ومن يعتنقه من المسلمين، ومن يلتزم أحكامه من الذميين، قبل أن تمثل الإقليم ومن يتوطنه من المسلمين والذميين. وإذا كان الأصل أنه لا يجوز منع رعايا دولة إسلامية من الدخول في أرض دولة إسلامية أخرى، أو إبعادهم عنها، فهل يجوز إذا دعت لذلك ضرورة المحافظة على الأمن العام، أو النظام، أن تضع الدولة قيوداً على دخول البلاد التي تحكمها بقدر ما تستدعيه تلك الضرورة؟ وهل يجوز للدولة الإسلامية إذا دعت الضرورة إبعاد من ليسوا رعاياها أصلاً إلى بلادهم الأصلية أو إلى أي بلد آخر؟ ومن القواعد الأولية في الشريعة الإسلامية أن الضرورات تبيح المحظورات، وأن كل ضرورة تقدر بقدرها، ومعنى ذلك أن ما لا يباح عمله في الظروف العادية يباح عمله عند الضرورة، وتطبيقاً لهاتين القاعدتين الأوليين يجوز للدولة الإسلامية عند الضرورة أن تضع قيوداً على دخول البلاد التي تحكمها، بقدر ما تستدعيه حالة الضرورة، وبشرط أن لا يمكن دفع الضرورة بوسيلة أخرى، ويجوز للدولة الإسلامية عند الضرورة أن تبعد أي مسلم أو ذمي عن أرضها، إذا لم يكن هناك وسيلة لدفع الضرورة إلا الإبعاد. ويجوز أن يكون الإبعاد لبلد المبعد الأصلية أو لأي بلد إسلامي آخر، ولكن لا يجوز بأي حال أن يكون الإبعاد إلى دار الحرب، ولو كان بين دار الإسلام وبين المكان الذي أبعد إليه من دار الحرب موادعة.

стр. 304

ولكني مع هذا أرى أنه ليس لدولة إسلامية أن تحرم دخول أرضها على رعايا دول إسلامية أخرى، ولا أن تمنعهم من الإقامة فيها، بحجة ضرورة المحافظة على الأمن والنظام، أو بأية حجة أخرى، لأن في يد كل دولة من إجراءات الأمن، ومن نصوص الشريعة، ما يسد الحاجة ويدفع كل ضرورة، ويمكن الدولة من المحافظة على الأمن والنظام، وحماية كل مرفق، ومراقبة المشبوهين، , أخذهم بنشاطهم المضاد لمصالح الدولة، وإذا كان هذا كله في متناول الدولة ولا يعطل تنفيذه قاعدة من قواعد الشريعة، فليس للدولة أن تعدل عنه بحجة الضرورة إلى ما يعطل قاعدة هامة من قواعد الشريعة، وإذا كانت الدولة لا يستطيع إبعاد رعاياها ولا منعهم من دخول أرضها، وتكتفي في دفع ما يصدر منهم بهذه الوسائل التي ذكرناها، فأولى بالدولة أن تكتفي بنفس هذه الوسائل في دفع الغرباء والمهاجرين الذين هم أضعف حيلة وأقل مقاومة من الرعايا المستوطنين. فعلى كل دولة إسلامية إذن أن لا تبعد رعايا الدول الإسلامية الأخرى، وأن لا تمنعهم من دخول أرضها، وأن تعاملهم كرعاياها تماماً، وإذا أتوا ما يخل بالأمن عاقبتهم بما يستحقون كما تعاقب رعاياها، وهذا الذي نقول هو الرأي الذي يتفق مع أغراض الشريعة الإسلامية ومراميها من توحيد دار الإسلام وجعلها دار أمن وسلام لكل مسلم وذمي، أما الرأي المضاد فيؤدي فوق ما ذكرنا له من عيوب إلى عدم المساواة، وإثارة النعرات الوطنية والجنسية، وهذا ما يحاربه الإسلام ولا يرضاه. ٢٣٠ - إبعاد الحربيين: ليس للحربيين أن يدخلوا دار الإسلام إلا بإذن خاص، أو بناء على عهد، طبقاً لقواعد الشريعة الإسلامية، وليس لهم إذا سمح لهم بدخول دار الإسلام أن يقيموا فيها إلا إقامة مؤقتة لا يزيد على سنة واحدة

стр. 305

في رأي أبي حنيفة والشافعي وبعض الحنابلة (١) ، أما البعض الآخر فيرى مع مالك أن الإقامة المؤقتة ليس لها مدة معينة (٢) . والأصل عند الشافعي أن مدة الإقامة لا يزيد على أربعة أشهر إلا إذا رأي الإمام وكان في ذلك مصلحة (٣) . وإذا انتهت مدة إقامة الحربي كان من حق الدولة الإسلامية أن تبعده من أرضها، ولها أن تبعده ولو لم تنته مدة إقامته إذا أتى ما يخل بالأمن، أو خشي منه الإخلال بالأمن، تطبيقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾ [الأنفال: ٥٨] ، ولقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] ، على أنه يشترط عند الإبعاد أن يبعد الحربي إلى مكان يأمن فيه على نفسه، أو أن يرد إلى مأمنه، لأنه دخل دار الإسلام على أمان، فوجب أن لا يعرض للهلكة، وأن يرد إلى المكان الذي يأمن فيه، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] . ويلاحظ أنه لا يجوز إبعاد الذمي ولو خشى من خيانته، أو أتى ما يدل على خيانته، ويفرقون بينه وبين المستأمن بأن الذمي من رعايا الدولة، ويقيم في دار الإسلام إقامة دائمة، فهو كالمسلم في قبضة الإمام، وخيانته إن ظهرت يمكن استدراكها وعقابه عليها كخيانة المسلم، أما المستأمن فليس كذلك، ومن الصعب استدراك خيانته (٤) . ٢٣١ - الشريعة والقوانين: تأخذ القوانين الوضعية بمبدأ منع الأجانب من دخول أرض الوطن وإبعادها عنها بعد دخولهم كلما اقتضت ذلك مصلحة عامة، ولا تجيز القوانين الوضعية دخول الأجانب أرض الدولة إلا بإذن،

стр. 306

على أن يقيموا إقامة مؤقتة، فإذا انتهت هذه المدة أخرجوا من أرض الدولة ما لم تجدد مدة الإقامة، وهذه المبادئ التي لم تعرفها القوانين الوضعية إلا أخيراً هي نفس المبادئ التي جاءت بها الشريعة من ثلاثة عشر قرناً. وتتفق القوانين الوضعية مع الشريعة أيضاً في عدم جواز إبعاد رعايا الدولة، أو منعهم من دخول أرض الوطن، ولكن القوانين الوضعية تختلف مع الشريعة في أن القوانين لا توجب إبلاغ الشخص المبعد إلى مأمنه، كما توجب ذلك الشريعة، ويكفي في معظم القوانين أن يبعد الشخص عن أرض الدولة ولو عرضه ذلك للهلاك، وتفوق الشريعة في هذه المسألة لا يحتاج إيضاحاً. ٢٣٢ - الجنسية في الشريعة: تقوم الجنسية في الشريعة الإسلامية على أساس الدار، أو بتعبير آخر: على أساس الإسلام ومسالمته، والتزام أحكامه أو الكفر به، فأهل دار الإسلام لهم جنسية واحدة سواء كانوا مسلمين أو ذميين محكومين بحكومة واحدة أو بحكومات متعددة، ومهما تميز المصري عن السوري أو العراقي أو المغربي فذلك تمييز محلي أو إقليمي لا ينبني عليه حكم شرعي ولا يؤدي إلى تمييز في الخارج. وأهل دار الحرب لهم جنسية واحدة مهما تعددت بلادهم وحكوماتهم، ومهما تميز الإنجليزي عن الفرنسي أو الأمريكي فذلك تمييز داخلي فيما بينهم، ولكن أحكام الشريعة واحدة بالنسبة لهم جميعاً متفرقين ومجتمعين، على أن الشريعة لا تمنع من النظر إلى الدول الأجنبية المختلفة كل على حدة بحسب ظروفها، فيجوز مثلاً أن يكون بين المسلمين وبين الفرنسيين عهد أو هدنة، وهكذا. وأساس الجنسية في دار الإسلام اعتناق الإسلام، أو التزام أحكامه، فمن اعتنق الإسلام فهو مسلم، ومن التزم أحكام الإسلام ولم يسلم فهو ذمي، وأساس الجنسية في دار الحرب هي إنكار الإسلام وعدم التزام أحكامه.

стр. 307

وتتغير الجنسية في الشريعة بتغيير الأساس الذي تقوم عليه، فتتغير جنسية الحربي باعتناق الإسلام، أو بالدخول في ذمة المسلمين والتزام أحكام الإسلام. ويشترط للدخول في الذمة الهجرة إلى دار الإسلام، فلا تعتبر المحارب ذمياً وهو في بلده إلا أن يدخل البلد كله في الذمة ويلتزم أهله أحكام الإسلام فلا تشترط حينئذ الهجرة؛ لأن البلد يصبح بذلك دار إسلام. وتتغير جنسية المحارب بإسلامه دون حاجة لهجرته إلى دار الإسلام، وإن كان أبو حنيفة يشترط لاعتباره معصوماً أن يهاجر إلى دار الإسلام. وتتغير جنسية المسلم والذمي بتغير الأساس الذي تقوم عليه؛ فتتغير جنسية المسلم بالردة، وتتغير جنسية الذمي بعدم التزام أحكام الإسلام، وبالإقامة الدائمة في دار الحرب. والزواج يجعل الزوجة تابعة للزوج، ولكنه لا يؤدي وحده لتغير الجنسية، فالمسلم أو الذمي إذا تزوج في دار الحرب من محاربة لم تلحق به الزوجة في جنسيته إلا إذا دخلت دار الإسلام، فإن دخلت دار الإسلام أصبحت بالزواج والهجرة لدار الإسلام ذمية، وإذا تزوج المستأمن في دار الإسلام من ذمية فلا يصير ذمياً بزواجها، ولا تصير هي بزواجه حربية، إلا إذا رضى هو أن يقيم في دار الإسلام إقامة دائمة فيصبح ذمياً، وإلا إذا هاجرت هي مع زوجها إلى دار الحرب. وإذا تزوج المسلم من حربية فأسلمت تغيرت جنسيتها بالإسلام دون حاجة للهجرة؛ لأن الجنسية تتغير أصلاً بالإسلام وحده، فالزواج ليس هو الذي يكسب الجنسية وإنما هو الإسلام والتزام أحكامه والإقامة بداره. وتغيير جنسية الزوج لا يؤثر على جنسية المرأة، فالذمي إذا أقام بدار الحرب لم تلحق به زوجته صار حربياً، وبقيت هي ذمية، والمسلم إذا ارتد صار حربياً، ولم يؤثر ذلك على جنسية زوجته إلا إذا ارتدت مثله. ويتبع الصغار ومن في حكمهم كالمجنون أبويهم في الجنسية، فإذا أسلم الزوجان أو دخلاً في الذمة تبعهما أولادهما غير المميزين، وإذا أسلم الأب وحده أو دخل

стр. 308

في الذمة تبعه أولاد غير المميزين، وإذا أسلمت الأم وحدها أو دخلت في الذمة تبعها الأولاد غير المميزين في رأي أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وتبعوا الأب في رأي مالك. ويتبع الأولاد غير المميزين أبويهم في الجنسية على الوجه السابق كلما كان التغيير من جنسية أدنى إلى جنسية أعلى، والجنسية الإسلامية هي العليا؛ لقوله ﵊: "الإسلام يعلو ولا يعلى"، فإذا كان التغيير من الجنسية العليا إلى الجنسية الدنيا فلا يتبع الأولاد من غير جنسيته من الأبوين، بل يبقون على جنسيتهم الأولى، فإذا ارتد الزوجان المسلمان وأصبحا محاربين بقى أولادهما غير المميزين مسلمين، وكذلك الحكم لو ارتد أحد الأبوين فقط (١) . هذه هي القواعد العامة التي تقوم عليها الجنسية في الشريعة الإسلامية، وهناك تفاصيل ليس هذا محل ذكرها. وهذه القواعد العامة التي جاءت بها الشريعة هي نفس القواعد العامة التي تأخذ بها القوانين الوضعية اليوم في مسائل الجنسية، فالجنسية تقوم في القوانين على أساس الإقليم، فكل من يقيم إقامة دائمة في أرض الدولة فله جنسيتها. وهذا يقابل الإقامة الدائمة في دار الإسلام. وتسقط الجنسية عن الشخص وتتغير إذا أقام في أرض أخرى مدة معينة ورضي بالدخول في جنسيتها وتتبع المرأة جنسية الزوج بشروط معينة، ويتبع الأولاد الصغار جنسية الأبوين كقاعدة عامة. * * *

стр. 309

الفصل الرابع سريان النصوص الجنائية على الأشخاص ٢٣٣ - تمهيد تاريخي: كان القانون الوضعي حتى آخر القرن الثامن عشر يميز بين الأفراد ولا يعترف بالمساواة بين المحكومين، وكان يميز بينهم في المحاكمة وفي توقيع العقوبة، وفي تنفيذ العقوبة، وكانت المحاكم تتعدد تبعاً لتعدد طوائف الأمة، فللأشراف محاكم خاصة وقضاة من طبقة معينة، ولرجال الدين محاكم خاصة وللجمهور محاكم خاصة، ولكل من هاتين الطائفتين قضاتهم. وكانت الجريمة الواحدة يعاقب عليها أما هذه المحاكم المختلفة بعقوبات مختلفة، وكان لشخصية الجاني اعتبارها في القانون، فالعمل الذي يأتيه الشريف ويعاقب عليه بأتفه العقوبات يعاقب عليه الشخص العادي إذا أتاه بأقصى العقوبات، وكانت العقوبة تنفذ على الشريف بطريقة تتفق مع شرفه، ولكنها تنفذ على رجل الشارع بطريقة تتفق مع ضعته وحطته؛ فإذا حكم بالإعدام مثلاً على شريف ووضيع ضربت رقبة الشريف بالسيف، وشنق الوضيع في حبل كما تشنق الكلاب، وكانت بعض الأفعال تعتبر جرائم إذا أتاها العامة يحاسبون عليها أشد الحساب، بينما يأتيها الأشراف ورجال الدين في كل وقت فلا يحاسبون عليها ولا يحاكمون عنها. كان هذا شأن القانون الجنائي الوضعي حتى أواخر القرن الثامن عشر، حتى جاءت الثورة الفرنسية، فجعلت المساواة أساساً من الأسس الأولية في القانون، وأصبحت القاعدة أن تسري نصوص القوانين على الجميع، ولكن مبدأ المساواة بالرغم من ذلك لم يطبق تطبيقاً دقيقاً حتى الآن، إذ لم يكن من السهل التخلص من التقاليد القديمة دفعة واحدة وإنكار الماضي كله، فبقيت حالات من التمييز وعدم المساواة اعتبرت استثناءات من مبدأ المساواة التامة، وراح بعض الكتاب ينتحل لها المعاذير أو يبررها بحيل قانونية، بينما راح

стр. 310

البعض ينتقدها ويطالب بإلغائها، وكانت الغلبة للفريق الأخير، إذ اتجهت إلى رأيه بعض التشريعات الحديثة التي وضعت في آخر القرن التاسع عشر وفي القرن الحالي (القرن العشرين) ، فضيقت من مدى هذه الاستثناءات أو حاولت أن تقضي على بعضها، وأغلب المفكرين اليوم يدعون إلى مساواة التامة، ويعملون جاهدين لتحقيقها، وقد تتحقق المساواة التامة قريباً وقد لا تتحقق، ولكنها الأمل الذي تحتاج له القلوب وتتجه إليه الإنسانية. ٢٣٤ - أمثلة على عدم المساواة في القوانين الوضعية: ومن أظهر الأمثلة على عدم المساواة في القوانين الوضعية ما يأتي: أ - تمييز رئيس الدولة: تميز القوانين الوضعية دائماً بين رئيس الدولة الأعلى ملكاً كان أو رئيس جمهورية وبين باقي الأفراد، فبينما يخضع الأفراد للقانون لا يخضع له رئيس الدولة بحجة أنه مصدر القانون، وأنه السلطة العليا، فلا يصح أن يخضع لسلطة هي أدنى منه وهو مصدرها. وتعتبر بعض الدساتير ذات الملك مقدسة، كالدستور الدنمركي والدستور الأسباني قبل الجمهورية، أما الدستور الإنجليزي فيجعل ذات الملك مصونة لا تمس، ويفترض أن الملك لا يخطئ، وفي بلجيكا ومصر ذات الملك مصونة لا تمس، وكذلك كان الحال في إيطاليا ورومانيا قبل إلغاء النظام الملكي. والأصل في النظام الجمهوري أن رئيس الجمهورية غير المسئول، وكانت شعوب العالم تعترف بهذا الوضع لرؤساء الدول الجمهورية حتى القرن التاسع عشر، ثم بدأت تخرج عليه تحقيقاً لمبدأ المساواة، فالدستور الفرنسي يجعل رئيس الجمهورية مسئولاً جنائياً في حالة واحدة هي حالة الخيانة العظمى، ودستور تشيكوسلوفاكيا قبل الحرب الأخيرة أجاز التحقيق مع رئيس الجمهورية في حالة الخيانة العظمى، والدستور البولندي الذي وضع بعد الحرب سنة ١٩١٤ جعل رئيس الجمهورية مسئولاً جنائياً في حالة الخيانة العظمى والاعتداء على الدستور،

стр. 311

كما جعله مسئولاً إذا ارتكب جريمة عادية، واشترط لمحاكمته إذن البرلمان وأغلبية خاصة. ونستطيع أن نستخلص مما سبق أن القوانين الوضعية تأخذ بنظريات ثلاث في مسئولية رؤساء الدول عما يرتكبون من جرائم: فالنظرية الأولى لا تجعل الرئيس مسئولاً عن أية جريمة ارتكبها، والنظرية الثانية تجعله مسئولاً عن بعض الجرائم دون البعض الآخر، والنظرية الثالثة تجعله مسئولاً عن كل الجرائم التي يرتكبها. ولا شك أن مسئولية رؤساء الدول قد تطورت في القوانين الوضعية تطوراً عظيماً، فبعد أن كانت القاعدة العامة - حتى القرن الثامن عشر - إعفائهم من المسئولية إعفاء تاماً، أهملت تلك القاعدة، وأصبح الكثيرون من رؤساء الدول مسئولين مسئولية جزئية أو مسئولية تامة. ب - تمييز رؤساء الدول الأجنبية: وتعفي القوانين الوضعية رؤساء الدول الأجنبية ملوكاً كانوا أو رؤساء جمهوريات من أن يحاكموا على ما يرتكبونه من الجرائم في أي بلد آخر غير بلادهم، سواء دخلوه بصفة رسمية أو متنكرين، وهذا الإعفاء يشمل كل أفراد حاشية الملك أو رئيس الجمهورية. وحجة شراح القوانين في هذا الإعفاء أن إجازة محاكمة رؤساء الدول وأفراد حاشيتهم لا تتفق مع ما يجب لهم من كرم الضيافة والتوفير والاحترام. وهي حجة لا تستقيم مع المنطق؛ لأن رئيس الدولة الذي ينزل بنفسه إلى حد ارتكاب الجرائم يخرج على قواعد الضيافة، ولا يستحق شيئا من التوفير والاحترام، ومثل هذا يقال في أفراد الحاشية. والواقع أن الإعفاء تقليد قديم كان معمولاً به قبل أن تأخذ القوانين الوضعية بمبدأ المساواة، وظل معمولاً به حتى اليوم، وقد ساعد على بقائه اعتراف الدول به، وصيرورته جزءاً من القانون الدولي، والمعروف أن القانون الدولي لا يتطور بمثل السرعة التي تطور بها القوانين الخاصة.

стр. 312

ج - تمييز رجال السلك السياسي: تعفي القوانين الوضعية المفوضين السياسيين الذين يمثلون الدول الأجنبية من أن يسري عليهم قانون الدولة التي يعملون فيها، ويشمل الإعفاء حاشيتهم وأعضاء أسرهم. وحجة شراح القوانين في هذا الإعفاء أن الممثلين السياسيين يمثلون دولهم أمام الدولة التي يعملون في أرضها، وليس لدولة على أخرى حق العقاب، وأن الإعفاء ضروري لتمكينهم من أداء وظائفهم، وحتى لا تتعطل لتعريضهم للقبض والتفتيش والمحاكمة. ويمكن الرد على هاتين الحجتين بأن الممثل السياسي ليس إلا فرداً من رعايا دولة أجنبية، وأن للدولة حق العقاب على رعايا الدول الأجنبية إذا ارتكبوا جريمة في أرضها، ولا يمكن أن يعطل سريان القانون على الممثل السياسي أعمال هذا الممثل ما دام يحترم القانون ويطيعه ولا يعرض نفسه للوقوع تحت طائلته. د - تمييز أعضاء الهيئة التشريعية: وتعفى القوانين الوضعية ممثلي الشعب في البلاد النيابية من العقاب على ما يصدر منهم من الأقوال أثناء تأدية وظائفهم، وقد أخذ الدستور المصري بهذا الاتجاه، فمنع من مؤاخذة أعضاء البرلمان على ما يبدونه من الأفكار والآراء في المجلسين (١) ، أي أنه أعفاهم من مسئولية عن الجرائم القولية الشفوية أو الكتابية التي تلقى أو تكتب في دار المجلسين، والمقصود من هذا الإعفاء إعطاء أعضاء البرلمان قدراً من الحرية يساعدهم على أداء وظائفهم حق الأداء، إلا أن الإعفاء بالرغم من هذا اعتداء صارخ على مبدأ المساواة؛ لأن هناك مجالس نيابية أخرى هي مجالس المديريات ليس لأعضائها أن يتمتعوا بمثل الحصانة التي يتمتع بها أعضاء البرلمان، ولأن هناك من الوطنيين من يشتغل بالمسائل العامة وله فيها تأثير أكثر مما لأي عضو من أعضاء البرلمان، وبالرغم من ذلك فهم محرومون من مثل حصانة أعضاء البرلمان. هـ - تمييز الأغنياء: وتميز القوانين الوضعية الأغنياء على الفقراء في كثير

стр. 313

من الحالات، ومن الأمثلة على ذلك في القانون المصري أن قانون تحقيق الجنايات يوجب على القاضي أن يحكم بالحبس في كثير من الجرائم، على أن يقدر للمحكوم عليه كفالة مالية إذا دفعها أجل تنفيذ الحكم عليه حتى يفصل في الاستئناف وإن لم يدفعها حبس دون انتظار لنتيجة الاستئناف (١) . وفي هذا خروج ظاهر على مبادئ المساواة، إذ يستطيع الغني دائماً أن يدفع الكفالة فلا ينفذ عليه الحكم، بينما يعجز الفقير عن دفعها في أغلب الأحوال فينفذ عليه الحكم في الحال. ويجيز قانون تحقيق الجنايات المصري للمتهم المحبوس أن يعترض على حبسه فينظر اعتراضه أمام القاضي، وللأخير أن يفرج عن المتهم بضمان مالي (٢) . وفي تقرير مبدأ الضمان المالي خروج ظاهر على مبدأ المساواة؛ لأن الغني يستطيع دائماً أن يدفع الضمان المالي فيخرج من حبسه، أما الفقير فهو في أغلب الأحوال عاجز عن دفع الضمان، فيظل رهين محبسه، وقد تقضي المحكمة ببراءته مما نسب إليه، فتكون النتيجة أنه حبس لا لأنه أجرم بل لأنه عجز عن دفع الكفالة، أو بتعبير آخر: لأنه فقير. وتمييز الظاهرين من أفراد الجماعة: وتميز القوانين الوضعية الظاهرين من أفراد الجماعة على غيرهم، ومن الأمثلة على ذلك في القانون المصري أن لوكيل النيابة أن يرفع الدعوى العمومية على المتهم في جنحة دون استئذان جهة ما، ولكن إذا كان المتهم موظفاً أو محامياً أو طبيباً أو عضواً في البرلمان أو شخصية ظاهرة فإن وكيل النيابة لا يستطيع رفع الدعوى العمومية إلا بعد استئذان جهات معينة، ويجوز لوكيل النيابة أن يحفظ القضية اكتفاء بجزاء إداري يوقع على الموظف أو الطبيب أو المحامي، وبذلك ينجو المتهم من العقوبة الجنائية، ومثل هذا الحفظ غير ممكن بالنسبة لأفراد الشعب العاديين.

стр. 314

ويجيز القانون المصري لمن وقع عليه ضرر من جريمة أن يطالب بتعويض ما أصابه من الضرر، والمحاكم حين تقدر هذا التعويض تراعي مركز الشخص وماله، وما أصابه من ضرر وما فاته من نفع، فلو أن مدير شركة وعاملاً في نفس الشركة أصيبا في حادث واحد بإصابات متماثلة فطالبا بتعويض، لكان التعويض الذي يحكم به لمدير الشركة ضخماً كبيراً، ولكان التعويض الذي يحكم به للعامل تافهاً ضئيلاً. وقد جرى الشارع المصري على هذه الطريقة فيما حدده من تعويضات عن إصابات العمال أثناء عملهم بإصابات تؤدي إلى تعطيلهم أو عجزهم أو وفاتهم، حيث أوجب أن يكون تعويض العامل أو ورثته على أساس مرتب العامل في مدة معينة ولمدة معينة. فإن كان مرتبه صغيراً كان تعويضه كذلك، وإن كان مرتبه كبيراً كبر التعويض (١) . ويترتب على ذلك أنه لو أصيب عاملان معاً في مصنع واحد، وفي حادث واحد، وتحت ظروف واحدة، ففقد كل منهما ذراعه الأيمن، أو يده اليمنى، أو إبهامه الأيمن مثلاً، فإن صاحب المرتب الأقل منهما يكون تعويضه أقل من التعويض الذي يصرف لزميله. ٢٣٥ - بين القانون والشريعة: هذه هي نظرية المساواة كما تطلع علينا بها القوانين الوضعية الحديثة؛ لا يزال مهيضة الجناح، مقصوصة الأطراف، لم تسو بين الرؤساء والمرءوسين، والحاكمين والمحكومين، ولم تسو بين الفرد والفرد، ولا بين الجماعة والجماعة، ولا بين الغني والفقير. وقد يدهش بعض الذين لا يعلمون أن يعلموا أن نظرية المساواة التي لم يتم نضجها وتكوينها في القانون الوضعي الحديث قد نضجت تمام النضج وتكوين تمام التكوين ووصلت إلى أقصى مداها الشريعة الإسلامية، ولا تمتاز الشريعة

стр. 315

الإسلامية على القوانين الوضعية بهذا فقط، بل تمتاز عليها أيضاً بأنها عرفت نظرية المساواة على هذا الوجه من أربعة عشر قرناً، بينما لم تبدأ القوانين الوضعية بمعرفتها إلا في آخر القرن الثامن عشر. ويستطيع المفكرون المثاليون طلاب المساواة التامة أن يرجعوا إلى الشريعة الإسلامية، فإن المساواة التامة التي يبحثون عنها قائمة في الشريعة، يحوطها من جمال التكوين، وجلال التقنين، وعدالة التشريع، ما يبهر أبصارهم ويحير ألبابهم، ولكنه دون شك يحقق أحلامهم ويشبع أطماعهم. ٢٣٦ - نظرية المساواة في الشريعة: جاءت الشريعة من يوم نزولها بنظرية المساواة التامة، فقررت المساواة على إطلاقها، فلا قيود ولا استثناءات، وإنما مساواة تامة بين الأفراد، ومساواة بين الجماعات، ومساواة تامة بين الأجناس، ومساواة تامة بين الحاكمين والمحكومين، ومساواة تامة بين الرؤساء والمرءوسين، لا فضل لرجل على رجل، ولا لأبيض على أسود، ولا لعربي على أعجمي. وذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، وذلك ما أكده رسول الله ﷺ في قوله: "الناس سواسية كأسنان المشط الواحد، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"، وفي قوله: "إن الله قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية وتفاخرهم بآبائهم، لأن الناس من آدم، وآدم من تراب، وأكرمهم عند الله أتقاهم". فالناس جميعاً في الشريعة متساوون على اختلاف شعوبهم وقبائلهم، متساوون في الحقوق، متساوون في الواجبات، متساوون في المسؤوليات، وهم في ذلك كأسنان المشط الواحد لا تزيد سن عن سن، ولا تنقص سن عن سن، أو هم في ذلك كأبناء الرجل الواحد والمرأة الواحدة، ترشحهم وحدة أصلهم إلى المساواة في حقوقهم وواجباتهم ومسؤولياتهم، لا فضل لرجل على رجل كما يفضل اليوم أبناء إنجلترا وفرنسا على أبناء المستعمرات التابعة لهاتين الدولتين،

стр. 316

ولا فضل لأبيض على أسود كما يفضل اليوم الأمريكي الأبيض على الأمريكي الأسود، ولا فضل لعربي على عجمي، أي لا فضل لجنس على جنس كما ادعت ألمانيا وغيرها من دول أوروبا أفضليتها على بقية الأجناس. والتقوى هي وحدها نصاب التفاضل بين الناس في الشريعة الإسلامية، ولكنه تفاضل في حدود معينة، تفاضل بين الناس عند ربهم فقط، فأكرمهم عند الله أتقاهم، وكون التقي كريماً على الله لا يعطيه حقاً عند الناس يزيد على ما لغيره من الحقوق، فالتقوى صفة تؤثر في صلة الإنسان بربه أكثر مما تؤثر في صلة الإنسان بغيره، والتفاضل الذي ينشأ عن التقوى هو تفاضل معنوي لا مادي. وتطبق الشريعة مبدأ المساواة إلى أوسع مدى يتصوره العقل البشري، ولهذا لا تفرق نصوصها بين الرؤساء والمرءوسين، ولا بين الملوك والسوقة، ولا بين ممثلي الدول السياسيين والرعايا العاديين، ولا بين ممثلي الشعب وأفراده، ولا بين الأغنياء والفقراء، ولا بين الظاهرين والخاملين، وسنبين فيما يلي حكم هذه الحالات التي جعلناها أمثلة على انعدام المساواة في القوانين. ٢٣٧ - المساواة بين رؤساء الدول والرعايا: تسوي الشريعة بين رؤساء الدول والرعايا في سريان القانون، ومسئولية الجميع عن جرائمهم، ومن أجل ذلك كان رؤساء الدول في الشريعة أشخاصاً لا قداسة لهم، ولا يمتازون عن غيرهم، وإذا ارتكب أحدهم جريمة عوقب عليها كما يعاقب أي فرد. ولقد كان الرسول ﷺ وهو نبي ورئيس دولة لا يدعي لنفسه قداسة ولا امتيازاً، وكان يقول دائماً: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] ، و ﴿هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٣] ، وكان قدوة لخلفائه وللمسلمين في توكيد معاني المساواة بين الرؤساء والمرءوسين. دخل عليه أعرابي فأخذته هيبة الرسول، فقال له ﷺ : "هوَّن عليك، فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد"، وتقاضاه غريم له دَيْناً فأغلظ عليه، فهم به عمر بن الخطاب، فقال الرسول: "مه يا عمر، كنتُ أحوج إلى

стр. 317

أن تأمرني بالوفاء، وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر" (١) . وخرج أثناء مرضه الأخير بين الفضل ابن عباس وعلي حتى جلس على المنبر، ثم قال: "أيها الناس من كنت جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخش الشحناء من قِبَلي فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إليَّ من أخذ مني حقاً إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس". ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع إلى المنبر فعاد لمقالته الأولى (٢) . وجاء خلفاء الرسول من بعده فنسجوا على منواله، واهتدوا بهديه، فهذا أبو بكر ﵁ يصعد المنبر بعد أن بويع بالخلافة، فتكون أول كلمة يقولها توكيداً لمعنى المساواة، ونفياً لمعنى الامتياز، قال: أيها الناس، قد وُليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. ثم يعلن في آخر كلمته أن من حق الشعب الذي اختاره أن يعزله، فيقول: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم (٣) . وهذا عمر بن الخطاب يولى الخلافة فيكون أكثر تمسكاً بهذه المعاني، حتى إنه ليرى قتل الخليفة الظالم. خطب يوماً فقال: لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقاً وغرباً، فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم، فإن استقام اتبعوه، وإن جَنِفَ قتلوه. فقال طلحة: وما عليك لو قلتَ وإن تعوج عزلوه، قال: لا، القتل أنكل لمن بعده (٤) . وأعطى أبو بكر القَوَد من نفسه، وأقاد للرعية من الولاة. وفعل عمر بن

стр. 318

الخطاب مثل ذلك، وتشدد فيه، فأعطى القود من نفسه أكثر من مرة (١) . ولما قيل له في ذلك قال: رأيت رسول الله ﷺ يعطي القود من نفسه، وأبا بكر يعطي القود من نفسه، وأنا أعطي القود من نفسي (٢) . ومن تشدد عمر في هذا الباب أنه ضرب رجلاً، فقال له الرجل: إنما كنتُ أحد رجلين: رجل جهل فعُلَّم، أو أخطأ فعُفي عنه. فقال له عمر: صدقت، دونك فامتثِل؛ أي اقتص (٣) . وأخذ عمر الولاة بما أخذ به نفسه، فما ظلم وال رعيته إلا أقاد من الوالي للمظلوم، وأعلن على رءوس الأشهاد مبدأه في موسم الحج، حيث طلب ولاة الأمصار أن يوافوه في الموسم، فلما اجتمعوا خطبهم وخطب الناس قال: أيها الناس، إني ما أرسل إليكم عمالاً ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فُعل به شئ سوى ذلك فليرفعه إلي فوالذي نفس عمر بيده لأقصنَّه منه. فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيتك إن كان رجل من المسلمين على رعيته فأدب بعض رعيته إنك لتقصنه منه؟ فقال: أي والذي نفس عمر بيده، إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقصه وقد رأيت النبي ﷺ يقص من نفسه (٤) . وقد جرى العمل في الشريعة على محاكمة الخلفاء والملوك والولاة أمام القضاء العادي، وبالطريق العادي، فهذا هو علي بن أبي طالب في خلافته يفقد درعاً له ويجدها مع يهودي يدعي ملكيتها، فيرفع أمره إلى القاضي، فيحكم لصالح اليهودي ضد علي. وهذا هو المغيرة والي الكوفة يُتهم بالزنا، فيحاكم على الجريمة

стр. 319

المنسوبة إليه بالطريق العادي. ويقص علينا التاريخ أن المأمون وهو خليفة المسلمين اختصم مع رجل بين يدي يحيى بن أكثم قاضي بغداد، فدخل المأمون إلى مجلس يحيى وخلفه خادم يحمل طِنْفِسةً لجلوس الخليفة، فرفض يحيى أن يميز الخليفة على أحد أفراد رعيته، وقال: يا أمير المؤمنين، لا تأخذ على صاحبك شرف المجلس دونه، فاستحيا المأمون ودعا للرجل بطنفسة أخرى. وبعض الخصومات التي كانت تثور بين الخليفة والولاة وبين الأفراد كانت تفض بطريق شرعي بحت "هو التحكيم"، كما فعل عمر ابن الخطاب، فقد أخذ فرساً من رجل على سَوْم فحمل عليه فعَطِبَ، فخاصم الرجل عمر، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلاً، فقال الرجل: إني أرضى بشريح العراقي، فقال شريح لعمر: أخذته صحيحاً سليماً فأنت له ضامن حتى ترده صحيحاً سليماً، وكان هذا الحكم الذي صدر ضد عمر هو الذي حَفَزَ عمر لتعيين شريح قاضياً. وفقهاء الشريعة الإسلامية وإن كانوا يشترطون في الإمام - أي رئيس الدولة الإسلامية - شروطاً لا تتوفر في كل شخص، إلا أنهم يسوونه بجمهور الناس أمام الشريعة، ولا يميزونه عنهم في شئ. وهذا متفق عليه فيما يختص بالولاة والحكام والسلاطين والملوك الذين يخضعون للخليفة أو يستمدون سلطتهم منه، إلا أنهم اختلفوا في الإمام الذي ليس فوقه إمام، ولهم في سريان نصوص الشريعة عليه نظريتان: النظرية الأولى: وهي نظرية أبي حنيفة، ويرى أن كل شئ فعله الإمام الذي ليس فوقه إمام مما يجب به الحد كالزنا والشرب والقذف لا يؤاخذ به إلا القصاص والمال، فإنه إذا قتل إنساناً أو أتلف مال إنسان يؤاخذ به؛ لأن الحد حق الله تعالى، وهو المكلف بإقامته ومن المتعذر أن يقيم الحد على نفسه؛ لأن إقامته بطريق الخزي والنكال ولا يفعل ذلك أحد بنفسه، ولا ولاية لأحد

стр. 320

عليه ليستوفيه؛ ولأن فائدة الإيجاب الاستيفاء، فإذا تعذر لم يجب، بخلاف حقوق العباد كالقصاص وضمان المتلفات؛ لأن حق استيفائها لمن له الحق فيكون الإمام فيه كغيره، وإن احتاج إلى المنَعَة فالمسلمون منعته فيقدر بهم على الاستيفاء، فكان الوجوب مفيدا (ً (١) . وخلاصة ما سبق أن الجرائم التي تمس حقوق الجماعة لا يعاقب عليها الإمام الذي ليس فوقه إمام؛ لا لأنه معفي من العقاب، ولكن لتعذر إقامة العقوبة عليه، إذ أنه صاحب الولاية على غيره، وليس لغيره ولاية عليه حتى يقيم عليه العقوبة، ولأن ولاية العقاب في الجرائم التي تمس حقوق الجماعة للإمام وليست للأفراد، وإذا كانت الشريعة توجب العقاب على هذه الجرائم، إلا أن ولاية الإمام على حق العقاب في هذه الجرائم تمنع من العقاب على الجرائم التي يرتكبها الإمام، حيث لا يعقل أن يعرض الإمام نفسه للخزي والنكال بإقامة الحد على نفسه، وإذا امتنع تنفيذ العقوبة فقد امتنع الواجب وهو العقاب، وإذا امتنع الواجب لم يعد واجباً. فالفعل المحرم في رأي أبي حنيفة يظل محرماً ويعتبر جريمة، ولكن لا يعاقب عليه لعدم إمكان العقاب. ويترتب على هذا أن الإمام لو زنا وهو محصن فقتله أي فرد من الأفراد فإن القاتل لا يعاقب على القتل؛ لأنه قتل شخصاً مباح الدم (٢) ، إذ الزنا من محصن عقوبته الموت، ولما كانت عقوبة الزنا من الحدود، والحدود لا يجوز تأخيرها ولا العفو عنها، فإن قتل الزاني المحصن يعتبر واجباً لا بد منه إزالة للمنكر، وتنفيذاً لحدود الله، فمن يقتل الزاني المحصن فإنه يؤدي واجباً عليه، ومن ثم فلا يمكن اعتباره قاتلاً. أما الجرائم التي تمس حق الأفراد كالقتل والجرح، فيرى أبو حنيفة أن
следующие страницы →