← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ولا فضل لأبيض على أسود كما يفضل اليوم الأمريكي الأبيض على الأمريكي الأسود، ولا فضل لعربي على عجمي، أي لا فضل لجنس على جنس كما ادعت ألمانيا وغيرها من دول أوروبا أفضليتها على بقية الأجناس. والتقوى هي وحدها نصاب التفاضل بين الناس في الشريعة الإسلامية، ولكنه تفاضل في حدود معينة، تفاضل بين الناس عند ربهم فقط، فأكرمهم عند الله أتقاهم، وكون التقي كريماً على الله لا يعطيه حقاً عند الناس يزيد على ما لغيره من الحقوق، فالتقوى صفة تؤثر في صلة الإنسان بربه أكثر مما تؤثر في صلة الإنسان بغيره، والتفاضل الذي ينشأ عن التقوى هو تفاضل معنوي لا مادي. وتطبق الشريعة مبدأ المساواة إلى أوسع مدى يتصوره العقل البشري، ولهذا لا تفرق نصوصها بين الرؤساء والمرءوسين، ولا بين الملوك والسوقة، ولا بين ممثلي الدول السياسيين والرعايا العاديين، ولا بين ممثلي الشعب وأفراده، ولا بين الأغنياء والفقراء، ولا بين الظاهرين والخاملين، وسنبين فيما يلي حكم هذه الحالات التي جعلناها أمثلة على انعدام المساواة في القوانين. ٢٣٧ - المساواة بين رؤساء الدول والرعايا: تسوي الشريعة بين رؤساء الدول والرعايا في سريان القانون، ومسئولية الجميع عن جرائمهم، ومن أجل ذلك كان رؤساء الدول في الشريعة أشخاصاً لا قداسة لهم، ولا يمتازون عن غيرهم، وإذا ارتكب أحدهم جريمة عوقب عليها كما يعاقب أي فرد. ولقد كان الرسول ﷺ وهو نبي ورئيس دولة لا يدعي لنفسه قداسة ولا امتيازاً، وكان يقول دائماً: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] ، و ﴿هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٣] ، وكان قدوة لخلفائه وللمسلمين في توكيد معاني المساواة بين الرؤساء والمرءوسين. دخل عليه أعرابي فأخذته هيبة الرسول، فقال له ﷺ : "هوَّن عليك، فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد"، وتقاضاه غريم له دَيْناً فأغلظ عليه، فهم به عمر بن الخطاب، فقال الرسول: "مه يا عمر، كنتُ أحوج إلى

стр. 317

أن تأمرني بالوفاء، وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر" (١) . وخرج أثناء مرضه الأخير بين الفضل ابن عباس وعلي حتى جلس على المنبر، ثم قال: "أيها الناس من كنت جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخش الشحناء من قِبَلي فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إليَّ من أخذ مني حقاً إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس". ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع إلى المنبر فعاد لمقالته الأولى (٢) . وجاء خلفاء الرسول من بعده فنسجوا على منواله، واهتدوا بهديه، فهذا أبو بكر ﵁ يصعد المنبر بعد أن بويع بالخلافة، فتكون أول كلمة يقولها توكيداً لمعنى المساواة، ونفياً لمعنى الامتياز، قال: أيها الناس، قد وُليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. ثم يعلن في آخر كلمته أن من حق الشعب الذي اختاره أن يعزله، فيقول: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم (٣) . وهذا عمر بن الخطاب يولى الخلافة فيكون أكثر تمسكاً بهذه المعاني، حتى إنه ليرى قتل الخليفة الظالم. خطب يوماً فقال: لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقاً وغرباً، فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم، فإن استقام اتبعوه، وإن جَنِفَ قتلوه. فقال طلحة: وما عليك لو قلتَ وإن تعوج عزلوه، قال: لا، القتل أنكل لمن بعده (٤) . وأعطى أبو بكر القَوَد من نفسه، وأقاد للرعية من الولاة. وفعل عمر بن

стр. 318

الخطاب مثل ذلك، وتشدد فيه، فأعطى القود من نفسه أكثر من مرة (١) . ولما قيل له في ذلك قال: رأيت رسول الله ﷺ يعطي القود من نفسه، وأبا بكر يعطي القود من نفسه، وأنا أعطي القود من نفسي (٢) . ومن تشدد عمر في هذا الباب أنه ضرب رجلاً، فقال له الرجل: إنما كنتُ أحد رجلين: رجل جهل فعُلَّم، أو أخطأ فعُفي عنه. فقال له عمر: صدقت، دونك فامتثِل؛ أي اقتص (٣) . وأخذ عمر الولاة بما أخذ به نفسه، فما ظلم وال رعيته إلا أقاد من الوالي للمظلوم، وأعلن على رءوس الأشهاد مبدأه في موسم الحج، حيث طلب ولاة الأمصار أن يوافوه في الموسم، فلما اجتمعوا خطبهم وخطب الناس قال: أيها الناس، إني ما أرسل إليكم عمالاً ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فُعل به شئ سوى ذلك فليرفعه إلي فوالذي نفس عمر بيده لأقصنَّه منه. فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيتك إن كان رجل من المسلمين على رعيته فأدب بعض رعيته إنك لتقصنه منه؟ فقال: أي والذي نفس عمر بيده، إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقصه وقد رأيت النبي ﷺ يقص من نفسه (٤) . وقد جرى العمل في الشريعة على محاكمة الخلفاء والملوك والولاة أمام القضاء العادي، وبالطريق العادي، فهذا هو علي بن أبي طالب في خلافته يفقد درعاً له ويجدها مع يهودي يدعي ملكيتها، فيرفع أمره إلى القاضي، فيحكم لصالح اليهودي ضد علي. وهذا هو المغيرة والي الكوفة يُتهم بالزنا، فيحاكم على الجريمة

стр. 319

المنسوبة إليه بالطريق العادي. ويقص علينا التاريخ أن المأمون وهو خليفة المسلمين اختصم مع رجل بين يدي يحيى بن أكثم قاضي بغداد، فدخل المأمون إلى مجلس يحيى وخلفه خادم يحمل طِنْفِسةً لجلوس الخليفة، فرفض يحيى أن يميز الخليفة على أحد أفراد رعيته، وقال: يا أمير المؤمنين، لا تأخذ على صاحبك شرف المجلس دونه، فاستحيا المأمون ودعا للرجل بطنفسة أخرى. وبعض الخصومات التي كانت تثور بين الخليفة والولاة وبين الأفراد كانت تفض بطريق شرعي بحت "هو التحكيم"، كما فعل عمر ابن الخطاب، فقد أخذ فرساً من رجل على سَوْم فحمل عليه فعَطِبَ، فخاصم الرجل عمر، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلاً، فقال الرجل: إني أرضى بشريح العراقي، فقال شريح لعمر: أخذته صحيحاً سليماً فأنت له ضامن حتى ترده صحيحاً سليماً، وكان هذا الحكم الذي صدر ضد عمر هو الذي حَفَزَ عمر لتعيين شريح قاضياً. وفقهاء الشريعة الإسلامية وإن كانوا يشترطون في الإمام - أي رئيس الدولة الإسلامية - شروطاً لا تتوفر في كل شخص، إلا أنهم يسوونه بجمهور الناس أمام الشريعة، ولا يميزونه عنهم في شئ. وهذا متفق عليه فيما يختص بالولاة والحكام والسلاطين والملوك الذين يخضعون للخليفة أو يستمدون سلطتهم منه، إلا أنهم اختلفوا في الإمام الذي ليس فوقه إمام، ولهم في سريان نصوص الشريعة عليه نظريتان: النظرية الأولى: وهي نظرية أبي حنيفة، ويرى أن كل شئ فعله الإمام الذي ليس فوقه إمام مما يجب به الحد كالزنا والشرب والقذف لا يؤاخذ به إلا القصاص والمال، فإنه إذا قتل إنساناً أو أتلف مال إنسان يؤاخذ به؛ لأن الحد حق الله تعالى، وهو المكلف بإقامته ومن المتعذر أن يقيم الحد على نفسه؛ لأن إقامته بطريق الخزي والنكال ولا يفعل ذلك أحد بنفسه، ولا ولاية لأحد

стр. 320

عليه ليستوفيه؛ ولأن فائدة الإيجاب الاستيفاء، فإذا تعذر لم يجب، بخلاف حقوق العباد كالقصاص وضمان المتلفات؛ لأن حق استيفائها لمن له الحق فيكون الإمام فيه كغيره، وإن احتاج إلى المنَعَة فالمسلمون منعته فيقدر بهم على الاستيفاء، فكان الوجوب مفيدا (ً (١) . وخلاصة ما سبق أن الجرائم التي تمس حقوق الجماعة لا يعاقب عليها الإمام الذي ليس فوقه إمام؛ لا لأنه معفي من العقاب، ولكن لتعذر إقامة العقوبة عليه، إذ أنه صاحب الولاية على غيره، وليس لغيره ولاية عليه حتى يقيم عليه العقوبة، ولأن ولاية العقاب في الجرائم التي تمس حقوق الجماعة للإمام وليست للأفراد، وإذا كانت الشريعة توجب العقاب على هذه الجرائم، إلا أن ولاية الإمام على حق العقاب في هذه الجرائم تمنع من العقاب على الجرائم التي يرتكبها الإمام، حيث لا يعقل أن يعرض الإمام نفسه للخزي والنكال بإقامة الحد على نفسه، وإذا امتنع تنفيذ العقوبة فقد امتنع الواجب وهو العقاب، وإذا امتنع الواجب لم يعد واجباً. فالفعل المحرم في رأي أبي حنيفة يظل محرماً ويعتبر جريمة، ولكن لا يعاقب عليه لعدم إمكان العقاب. ويترتب على هذا أن الإمام لو زنا وهو محصن فقتله أي فرد من الأفراد فإن القاتل لا يعاقب على القتل؛ لأنه قتل شخصاً مباح الدم (٢) ، إذ الزنا من محصن عقوبته الموت، ولما كانت عقوبة الزنا من الحدود، والحدود لا يجوز تأخيرها ولا العفو عنها، فإن قتل الزاني المحصن يعتبر واجباً لا بد منه إزالة للمنكر، وتنفيذاً لحدود الله، فمن يقتل الزاني المحصن فإنه يؤدي واجباً عليه، ومن ثم فلا يمكن اعتباره قاتلاً. أما الجرائم التي تمس حق الأفراد كالقتل والجرح، فيرى أبو حنيفة أن

стр. 321

الإمام الذي ليس فوقه إمام يؤخذ بها ويعاقب عليها؛ لأن حق استيفائها ليس له أصلاً، وإنما هو للمجني عليهم وأوليائهم، وإذا قام الإمام باستيفاء العقوبة في هذه الجرائم فإنما يقوم به نيابة عن الأفراد، ولمنع الحيف والإضرار بالغير. فإذا ارتكب الإمام جريمة من هذا النوع كان للأفراد أصحاب الحق الأصلي في استيفاء العقوبة أن يستوفوا العقوبة من الإمام مستعينين في ذلك بالقضاء وبالجماعة، وإذا ما استوفي الأفراد العقوبة الواجبة عن غير طريق القضاء فلا حرج عليهم؛ لأنهم فعلوا ما هو حقهم (١) . وإذا ولى الإمام نائباً عنه أو قاضياً للحكم في كل الجرائم، كان من حق النائب أو القاضي أن يأخذ الإمام الذي ليس فوقه إمام بكل جريمة سواء مست حقاً لله أو حقاً للأفراد (٢) . وعلى هذا لو ترك للمحاكم تطبيق الشريعة أخذاً بنظام فصل السلطات، كان للمحاكم أن تحكم على الإمام الذي ليس فوقه إمام بعقوبة أية جريمة يرتكبها. ويؤخذ على نظرية أبي حنيفة أنها تقوم على أساس ضعيف؛ لأن الإمام ليس إلا نائباً عن الجماعة، ولأن الخطاب في التشريع الإسلامي موجه للجماعة وليس للإمام، وإنما أقامت الجماعة الإمام ليقيم أحكام الشريعة، ويرعى صالح الجماعة، فإذا ارتكب أحد الأفراد جريمة كان للإمام أن يعاقبه بما له من حق القيام على تنفيذ نصوص الشريعة نيابة عن الجماعة، وإذا ارتكب الإمام نفسه جريمة عاد للجماعة حقها، وعاقبت الإمام حيث لا يصلح للنيابة عنها في هذه الحالة. النظرية الثانية: وهي نظرية مالك والشافعي وأحمد، وهؤلاء لا يفرقون بين جريمة وجريمة، ويرون الإمام مسئولاً عن كل جريمة ارتكبها سواء تعلقت بحق الله

стр. 322

أو بحق الفرد؛ لأن النصوص عامة والجرائم محرمة على الكافة بما فيهم الإمام، معاقب عليها ممن ارتكبها ولو كان الإمام، ولا ينظر هؤلاء الأئمة إلى إمكان تنفيذ العقوبة كما ينظر الحنفية؛ لأن تنفيذ العقوبات ليس للإمام وحده، وإنما له ولنوابه، فإذا ارتكب جريمة وحكم عليه بعقوبتها نفذ العقوبة على الإمام أحد من ينوبون عنه ممن لهم تنفيذ هذه العقوبة (١) . ولم يكتف الفقهاء بتقرير عقوبة رئيس الدولة الأعلى على ما يرتكبه من جرائم، بل بحثوا فيما كان ينعزل بارتكابه الجرائم، فرأى البعض أن الإمام ينعزل بارتكابه المحظورات، وإقدامه على المنكرات، تحكيماً للشهوة وانقياداً للهوى؛ لأن عمله هذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة، ويمنع من استدامتها (٢) . ٢٣٨ - رؤساء الدول الأجنبية: وإذا كانت الشريعة لا تميز رئيس الدولة الإسلامية الأعلى فهي من باب أولى لا تميز رئيس دولة أجنبية (٣) ، وإذن فالشريعة تسري على رؤساء الدول الأجنبية وعلى رجال حاشيتهم أثناء وجودهم في دار الإسلام، فإذا ارتكبوا أية جريمة عوقبوا عليها. وإذا كان أبو حنيفة يرى عدم إمكان عقاب الإمام على الجرائم التي تمس حقوق الجماعة، فإن هذا الرأي لا يفيد رؤساء الدول الأجنبية شيئاً؛ لأن أساس هذا الرأي أن

стр. 323

الإمام لا يمكن أن ينفذ العقوبة على نفسه، والعقوبة هنا لا تقع عليه وإنما تقع على غيره. على أن رؤساء الدول في دار الحرب وحاشيتهم يمكن أن يستفيدوا من نظرية أبي حنيفة في تطبيق الشريعة على المستأمن، ورؤساء الدول في دار الحرب وحاشيتهم ليسوا إلا مستأمنين، وطبقاً لهذه النظرية لا يعاقب المستأمن إلا على الجرائم التي تمس حتى الأفراد، أما الجرائم التي تمس حق الجماعة فلا يعاقب عنها. وقد علمنا أن أبا يوسف يخالف أبا حنيفة في هذا، ويرى كما يرى باقي الأئمة عقاب المستأمن على كل الجرائم التي يرتكبها في دار الإسلام (١) . ٢٣٩ - رجال السلك السياسي: تسري الشريعة على رجال السلك السياسي فيما يرتكبون من جرائم في دار الإسلام، سواء تعلقت الجرائم بحقوق الجماعة أو بحقوق الأفراد، وليس في قواعد الشريعة ما يسمح بإعفائهم من تطبيق الشريعة عليهم، إلا إذا أخذنا بنظرية أبي حنيفة في المستأمن، وهي تقضي بسريان الشريعة على المستأمن إذا ارتكب جريمة تمس حق الأفراد، فإذا ارتكب جريمة تمس حق الجماعة فلا تسري عليه الشريعة. ويلاحظ أن رجال السلك السياسي الذين يمكن اعتبارهم مستأمنين هم الذين ينتمون لدولة محاربة ويمثلونها وليسوا مسلمين، أما المسلمون الذين يمثلون دولة محاربة أو دولة إسلامية فهؤلاء لا يعتبرون مستأمنين بحال، وحكمهم حكم أي مسلم يقيم في دار الإسلام. وليس في أخذ رجال السلك السياسي بجرائمهم ما يعيب الشريعة، ما دامت الشريعة تسوي بينهم وبين غيرهم من رعايا الدولة، وتجعل حكمهم حكم رئيس الدولة، ولكن العيب في التفرقة التي تأخذ بها القوانين الوضعية بحجة حمايتهم

стр. 324

وتمكينهم من أداء وظائفهم؛ لأن الممثل السياسي الذي يرتكب الجرائم لا يستحق الحماية، ولا يصلح لأداء وظيفته، ولأنه لا يحمي الممثل شئ مثل ابتعاده عن الشبهات والمحرمات، وإذا خيف من اتخاذ الاتهام ذريعة للضغط على الممثل فهو خوف في غير محله؛ لأن هناك من وسائل الضغط ما هو أسهل وأسرع وأجدى من الاتهام، فمنع محاكمة الممثل السياسي لا يمنع من الضغط عليه والتأثير فيه، والحجج التي يبررون بها منع المحاكمة لا تبرر المنع بحال من الأحوال. ٢٤٠ - أعضاء الهيئة التشريعية: لا تسمح قواعد الشريعة بإعفاء البرلمان من العقاب على الجرائم القولية التي يرتكبونها في دار البرلمان؛ لأن الشريعة تأبي أن تميز فرداً على فرد، أو جماعة على جماعة، ولأنها تأبي أن تسمح لفرد أو هيئة بارتكاب الجرائم مهما كانت وظيفة الفرد أو صفة الجماعة. وقد يظن البعض أن القانون يتفوق في هذه الناحية على الشريعة، ولكن قليلاً من التفكير يؤدي بنا إلى القطع بأن الشريعة تتفوق في هذه الناحية تفوقاً عظيماً، سواء نظرنا إلى المسألة من وجهتها الفنية، أو نظرنا إلى المسألة من الوجهة الاجتماعية والأخلاقية. فالقانون الوضعي يقوم في جرائم القول على قاعدة النفاق والرياء، ويعاقب الصادق والكاذب على السواء، والمبدأ الأساسي في القانون أنه لا يجوز أن يقذف امرؤ أخر أو يسبه أو يعيبه، فإن فعل عوقب سواء كان صادقاً فيما قال أو كاذباً. وإذا كان هذا المبدأ يحمي البرآء من ألسنة الكاذبين الملفقين، فإنه يحمي أيضاً الملوثين والمجرمين والفاسقين من ألسنة الصادقين. وبهذا المبدأ الذي قام عليه القانون انعدام الفرق بين الخبيث والطيب، والمسيء والمحسن، وانعدام الحد بين الرذيلة والفضيلة، وبهذا المبدأ انحط المستوى الأخلاقي بين الشعوب، فالطيب لا يستطيع أن ينقد الخبيث، والخبيث سادر في غيه، ذاهب

стр. 325

إلى نهاية طوره؛ لأنه لا يخشى رقيباً ولا حسيباً من الجماهير، ولا يستطيع امرؤ طبقاً لهذا المبدأ القانوني أن يسمي الأسماء بمسمياتها، وأن يصف الموصوفات بأوصافها، لا يستطيع أن يقول لمن زنى يا زاني، ولا يستطيع أن يقول لمن سرق يا سارق، ولا يستطيع أن يقول للمفتري يا كاذب، فإن قالها باء بالعقوبة، وباء الزاني والسارق والكاذب فوق حماية القانون بالتعويض المالي على ما نسب إليهم من قول هو عين الحق والصدق. ذلك هو مبدأ القانون في جرائم القول، يحرم على الناس أن يقولوا الحق وأن يتناهوا عن المنكر، وأن يحطوا من قدر المسيء ليرفعوا من قدر المحسن والإحسان. وقد شعر واضعوا القانون المصري بخطورة هذا المبدأ على الشعب إذا طبق على إطلاقه، فاستثنوا منه حالات أربع هي: ١ - حالة الطعن في أعمال موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية أو مكلف بخدمة عامة: فإن الطاعن لا يعاقب على طعنه إذا حصل بسلامة نية، وكان لا يتعدى أعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة، بشرط أن يثبت الطاعن حقيقة كل فعل أُسند إلى المقذوف (١) ، وقد تقرر هذا الاستثناء لإشعار الموظف والنائب والمكلف بخدمة عامة أن أعمالهم معرضة للانتقاد، فيدعوهم ذلك إلى الإحسان ما استطاعوه. ٢ - حالة دعوة الأمة إلى الانتخاب: فإن نص المادة ٦٨ من قانون الانتخاب يبيح الأقوال الصادقة عن سلوك المرشح وأخلاقة أثناء المعركة الانتخابية بالرغم من تحريم قانون العقوبات هذه الأقوال في الأوقات العادية، وقد جعلت هذه الإباحة ليستطيع كل مرشح وكل ناخب أن يقول ما يعرف عن سلوك المرشح وأخلاقه دون خوف من العقاب، وليسهل على الناخبين أن يميزوا بين المرشحين ويختاروا

стр. 326

من يصلح للنيابة عنهم بعد أن يسمعوا عنه كل ما يتعلق بسلوكه وأخلاقه. ٣ - حالة انعقاد البرلمان: فإن أعضاءه لا يؤاخذون على ما يبدونه من الأفكار والآراء في المجلسين طبقاً لنص المادة ١٠٩ من الدستور، وقد وضع هذا النص لتمكين نواب الأمة من أن يقولوا ما يشاءون دون تحرج أو خوف من المحاكمة والعقاب. ويلاحظ أن هذه الحالة تختلف عن الحالتين السابقتين في أن القاذف في الحالتين السابقتين لا ينجو من العقاب إلا إذا كان صادقاً فيما قال، أما عضو البرلمان فلا يحاكم ولا يعاقب سواء كان صادقاً فيما قال أو مختلقاً لما قال. ٤ - حالة المحاكمة والتقاضي: فالمادة ٣٠٩ من قانون العقوبات تنص على الإعفاء من العقاب على القذف أو السب الذي يحدث من الخصوم أو وكلائهم في دفاعهم الشفوي أو الكتابي أمام المحاكم، ولا يترتب عليه إلا المقاضاة المدنية أو المحاكمة التأديبية. ويلاحظ أن القاذف والساب لا يعاقب جنائياً على قذفه أو سبه سواء كان صادقاً أو كاذباً فيما قال. هذا هو مبدأ القانون المصري وهو نفس المبدأ الذي تأخذ به القوانين الوضعية بصفة عامة، وهذه هي مستثنيات المبدأ في مصر، وهي لا تكاد تختلف كثيراً عما في معظم القوانين الوضعية. والعيب الفني في نصوص القانون المصري هو التناقض الظاهر وانعدام الانسجام، فبينما المبدأ الأساسي يقوم على حماية الحياة الخاصة للأفراد، إذا بالاستثناءات تقوم على إباحة الحياة الخاصة والعامة، وبينما المبدأ الأساسي هو تحريم القول الصادق والكاذب على السواء، إذ ببعض الاستثناءات تبيح القول الصادق فقط، وبعضها

стр. 327

يبيح القول الصادق والقول الكاذب معاً، وليس بعد هذا تناقض ولا اضطراب. والعيب الخلقي الاجتماعي أن القانون حين قرر حماية الحياة الخاصة للأفراد قد قضى بإفساد الحياة العامة للجماعة؛ لأن الأفراد هم الذين يكونون الجماعة، وإذا صلحوا صلحت الجماعة، ولا يمكن أن يتصور وجود جماعة صالحة أفرادها فاسدون، ولا شك أن حماية حياة الأفراد الخاصة يؤدي إلى فساد أخلاقهم، وهدم الوازع الأدبي في نفوسهم، فمن يحاول أن يوجد جماعة صالحة من هؤلاء قبل اجتثاث الفساد من نفوسهم فهو كمن يحاول إقامة بيت من لبنات تالفة غير متماسكة، فلا يكاد ينتهي من بنائه حتى يخر عليه من السقف أو ينتقض من القواعد. أما المبدأ الأساسي للجرائم القولية في الشريعة فأساسه تحريم الكذب والافتراء، وإباحة الصدق في كل الأحوال، ولذلك فلا عقاب في الشريعة على من يقول الحق، ولا مؤاخذة على من يسمي الأشياء بمسمياتها، والمواصفات بأوصافها، لا عقاب على من يقول للزاني يا زاني إذا أثبت أنه زان، ولا عقاب على من يقول للسارق يا سارق إذا أثبت أنه سارق، ولا عقاب على من يقول للكاذب إنك كاذب إذا لم يعد قول الحق. وليس لهذا المبدأ استثناءات ما، فكل إنسان يستطيع أن يطعن في أعمال الموظفين العموميين والنواب والمكلفين بخدمات عامة وينسب إليهم عيوبهم ما دام يستطيع إثبات مطاعنه، وله أن يتعدى أعمالهم العامة إلى أعمالهم وحياتهم الخاصة ما دام يستطيع إثبات مطاعنه، وليس لهم أن يتضرروا من عيوبهم ولا من الصفات القائمة في أعمالهم أو أشخاصهم. ولم تحم الشريعة الإسلامية الحياة الخاصة للموظفين العموميين ومن في حكمهم كما تفعل القوانين الوضعية؛ لأن الشريعة لا تحمي النفاق والرياء والكذب، ولأن الشخص الذي لا يستطيع أن يسير سيرة حسنة في حياته الخاصة ليس أهلاً -

стр. 328

في نظر الشريعة - لأن يتولى شيئاً من أمور الناس في حياتهم العامة. وكل إنسان في وقت الانتخاب وفي غير وقت الانتخاب يستطيع طبقاً للشريعة أن يقول للمحسن هذا محسن، وللمسيء هذا مسيء، ما دام يستطيع أن يثبت إساءة المسيء، وكل إنسان سواء كان عضواً في البرلمان أو في أي هيئة أخرى، أو كان عاطلاً من عضوية الهيئات على الإطلاق، له الحق في أن ينسب ما يشاء إلى من شاء، ما دام يستطيع أن يثبت ما ينسبه إلى هؤلاء. فليس في الشريعة كما في القانون ما يدعو إلى تحليل الصدق في وقت الانتخاب، وتحريمه في غير ذلك من الأوقات؛ لأن الشريعة توجب الصدق على الدوام، ولا تحرمه في أي ظرف من الظروف أو زمن من الأزمان. وليس في الشريعة كما في القانون ما يدعو إلى تحليل الصدق والكذب معاً لأعضاء البرلمان والمتقاضين؛ لأن ذلك يجعل الصدق والكذب بمنزلة سواء، والشريعة توجب الصدق كل الوجوب وتحرم الكذب كل التحريم، فلا تجمع في حكم واحد بين المتناقضين، ولأن أعضاء البرلمان هم أهل الرأي والشورى، فإذا أحل لهم الكذب وأمنوا العقوبة عليه كانوا أقرب إلى مظنة الوقوع فيه، وما قيمة الرأي والمشورة من قوم يظن فيهم أنهم لا يصدقون في كل الأحوال؟ ولأن الشريعة الإسلامية تقوم على المساواة، وفي تمييز أعضاء البرلمان والمتقاضين خروج على المساواة. هذا هو مبدأ الشريعة الإسلامية في الجرائم القولية؛ يقوم على الصدق وتحريم الكذب، ويقوم على المساواة والمنطق والأخلاق الفاضلة، ويرمي إلى إصلاح الجماعة وتقويمها، وتشجيع الصالح وكبت الطالح، وتربية الأفراد على الأخلاق الحسنة، ورفع مستوى الفضيلة بين الجماعة، وشتان بين هذا المبدأ في قوته وصلاحيته، وبين مبدأ القانون في ضعفه وتهافته. ٢٤١ - الأغنياء والفقراء: لا تفرق الشريعة بين الأغبياء والفقراء فهم لدى الشريعة سواء، وقواعد الشريعة لا تسمح أن يستفيد الغني من غناه أو أن

стр. 329

يضار الفقير بفقره، ولهذا لا تعترف الشريعة بنظام المالي أو الكفالة المالية إذا كانت العقوبة الحبس لا لشيء إلا أنه نظام يقوم على غير المساواة. والمعروف في الشريعة هو نظام الكفالة الشخصية، ويطبق في حالة الحبس للدين، فمن كان محبوساً لدين جاز أن يفرج عنه إذا كان له كفيل، ولا شك أن كل محبوس لدين يستطيع أن يجد شخصاً يكفله؛ لأن الحبس للدين لا يكون إلا عند الامتناع عن الدفع مع القدرة عليه، ولكن كل محبوس لا يستطيع أن يدفع فوراً قدراً من المال. أما الحبس في الجرائم على ذمة التحقيق والمحاكمة فيراه بعض الفقهاء نوعاً من التعزير، أي عقوبة اقتضتها حالة الاتهام التي نزلت بالمتهم، ويترتب على اعتبار هذا النوع من الحبس عقوبة أنه لا يمكن إخلاء سبيل المتهم بكفالة شخصية؛ لأن الكفالة لا تقبل في العقوبة. ويرى بعض الفقهاء أن الحبس في هذه الحالة حبس للاحتياط (١) وليس عقوبة، وعلى هذا الأساس تجوز فيه الكفالة الشخصية ولا شك أن كل محبوس حبساً احتياطياً يستطيع أن يجد له كفيلاً ولكن كل محبوس لا يستطيع أن يدفع ضماناً مالياً، وسواء اعتبرنا الحبس تعزيراً أو احتياطاً فإن قبول الكفالة الشخصية أو عدم قبولها أساسه المساواة التامة بين الأفراد. ٢٤٢ - الظاهرون في الجماعة: لا تميز الشريعة الإسلامية بين الأفراد، فهم لدى الشريعة سواء، فالحاكم كالمحكوم، والشريف كالوضيع، والقوي كالضعيف، والنابه كالخامل. وقد عاتب الله رسوله عتاباً شديداً لأنه اهتم بأمر قادة قريش وسراتها أكثر مما اهتم بأمر فقير أعمى هو أبن أم مكتوم عمرو بن قيس، جاء يسأل الرسول أن يعمله مما علمه الله، وكان النبي مجتمعاً في هذا

стр. 330

الوقت بصناديد قريش وسراتها يكلمهم في شأن الدعوة، فكره أن يقطع عليه ابن أم مكتوم كلامه، وظهرت هذه الكراهية في وجهه، وأعرض عنه وهو يطمع في استمالة القوم، فأنزل الله جل شأنه في ذلك الحادث قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى *فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ١ - ١٠] . وقد حرص الرسول ﷺ على تطبيق مبدأ وعدم التمييز بين الأفراد، من ذلك أنه طبق هذا المبدأ يوم أن سرقت امرأة من أشراف قريش، فتحدث الناس أن رسول الله عزم على قطع يدها، اعظموا ذلك وكلموا فيها الرسول، فقام خطيباً فقال: "ما إكثاركم على في حد من حدود الله، وقع على أمة من إماء الله؟ والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد نزلت بمثل الذي نزلت به لقطع محمد يدها". وخاصم عبد من عامة الناس عبد الرحمن بن عوف وهو من كبار الصحابة إلى رسول الله ﷺ فغضب عبد الرحمن بن عوف، وسب العبد قائلاً: يا ابن السوداء. فغضب النبي أشد الغضب، ورفع يده قائلاً: "ليس لابن بيضاء على ابن سوداء سلطان إلا بالحق"، فاستخذى عبد الرحمن وخجل، ورأى أن يعتذر للعبد أوضح اعتذار وآلمه للنفس، فوضع خده على التراب، وقال للعبد: طأ عليها حتى ترضى. وكلنا يذكر قصة جبلة بن الأيهم، فقد داس أعرابي على إزاره وهما يطوفان بالكعبة، فلطمه جبلة، فشكاه الأعرابي إلى عمر بن الخطاب، فأمر بالقصاص، وعز على جبلة وهو شريف أن يقتص منه الأعرابي، فهرب ولحق بأرض الروم وتنصر، ثم أدركه الندم، فقال مقالته المشهورة: تنصرت الأشراف من أجل لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر

стр. 331

وكان عمر بن الخطاب حريصاً على التسوية بين الأشراف والعامة، وله في ذلك وقائع مشهورة (١) . والقاعدة في الشريعة أن التعويضات لا ينظر فيها إلى شخصية المجني عليه، ولا مركزه، ولا ثروته، وإنما يقدر التعويض على أساس نتيجة الفعل الذي وقع عليه، فإذا قتل شريف ووضيع فديتهما واحدة، وإذا أصيب عامل في شركة ومدير الشركة في حادث وترتب على الحادث أن فقد كل منهما ذراعاً أو أصبعاً عوض كل منهما تعويضاً مساوياً لتعويض الآخر. ٢٤٣ - المسلمون والذميون: وتسوي الشريعة بين المسلمين والذميين في تطبيق نصوص الشريعة في كل ما كانوا فيه متساوين، أما ما يختلفون فيه فلا تسوي بينهم فيه؛ لأن المساواة في هذه الحالة تؤدي إلى ظلم الذميين، ولا يختلف الذميون عن المسلمين إلا فيما يتعلق بالعقيدة، ولذلك كان كل ما يتصل بالعقيدة لا مساواة فيه، والواقع أنه إذا كانت المساواة بين المتساوين عدل خالص فإن المساواة بين المتخالفين ظلم واضح، ولا يمكن أن يعتبر هذا استثناء من قاعدة المساواة، بل هو تأكيد للمساواة، إذ المساواة لم يقصد بها إلا تحقيق العدالة، ولا يمكن أن تتحقق العدالة إذا سوى بين المسلمين والذميين فيما يتصل بالعقيدة الدينية؛ لأن معنى ذلك هو حمل المسلمين على ما يتفق مع عقيدتهم، وحمل الذميين على ما يختلف مع عقيدتهم، ومعناه أيضاً عدم التعرض للمسلمين فيما يعتقدون، والتعرض للذميين فيما يعتقدون وإكراههم على غير ما يدينون، ومعناه أخيراً الخروج على قواعد الشريعة العامة التي تقضي بترك الذميين وما يدينون، والخروج على نص القرآن الصريح: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . والجرائم التي تفرق فيها الشريعة بين المسلمين والذميين هي الجرائم القائمة على

стр. 332

أساس ديني محض كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، فالشريعة الإسلامية تحرم شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ومن العدل أن يطبق هذا التحريم على المسلم الذي يعتقد طبقاً لدينه بحرمة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ولكن من الظلم أن يطبق هذا التحريم على غير المسلم الذي يعتقد بأن شرب الخمر غير محرم وأن أكل لحم الخنزير لا حرمه فيه، ولو طبقت قاعدة المساواة تطبيقاً أعمي لأخذ الذميون بأفعال هي في عقيدتهم غير محرمة، وفي هذا ظلم بين، فكان من العدل الذي أخذت به الشريعة نفسها أن قصرت التحريم على المسلمين دون غيرها، فالمسلم إذا شرب الخمر أو أكل لحم الخنزير ارتكب جريمة معاقباً عليها، أما الذمي فلا يعتبر شربه الخمر وأكله لحم الخنزير جريمة. ولكن يعاقب الذميون على الجرائم القائمة على أساس ديني إذا كان إتيانها محرماً في عقيدتهم، أو يعتبر عندهم رذيلة، أو إذا كان إتيان الفعل مفسداً للأخلاق العامة، أو ماساً بشعور الآخرين، فمثلاً شرب الخمر ليس محرماً في عقيدة الذميين ولكن السكر محرماً عندهم، أو هو رذيلة، فضلاً عن أنه مفسد للأخلاق العامة، ومن ثم كان الذميون معاقبين على السكر دون الشرب، فمن شرب حتى سكر عوقب، ومن شرب ولم يسكر فلا عقوبة عليه. والشريعة توجب الصوم على المسلم، وترى في عدم الصوم معصية، وفي التظاهر بالإفطار معصية، ولكنها لا تعاقب على عدم الصوم إلا المسلم؛ لأنه ملزم به طبقاً لعقيدته، ولأن غير المسلم ليس ملزماً بالصوم؛ لأنه لا يعتقد به، ولو حمل عليه بالعقوبة ظلم وأكره على عمل ما لا يعتقد، ولا إكراه في الدين. أما التظاهر بالإفطار فيعاقب عليه المسلم والذمي معاً؛ لأن الذمي وقد التزم أحكام الإسلام يجب عليه أن يمتنع عن كل ما يمس شعائر الإسلام وشعور المسلمين، وهذا دون شك في استطاعته، ولا يمس أي مساس بعقيدته، والتظاهر بالإفطار فيه مساس بشعيرة الصوم، وبشعور الصائمين، فإذا ما تظاهر الذمي بالإفطار عوقب على تظاهره

стр. 333

بالإفطار، وإذا لم يتظاهر فلا عقاب عليه ولو أنه مفطر؛ لأن الصوم ليس واجباً عليه. ٢٤٤ - ميزة للشريعة: ويترتب على التفرقة في تطبيق نصوص الشريعة بين المسلمين والذميين أن تكون الجرائم في الشريعة قسمين: قسم عام يعاقب على إتيانه كل المقيمين في دار الإسلام، وقسم خاص يعاقب على إتيانه دون غيرهم، ولا يمكن أن يقع إلا منهم، وأساس هذا القسم هو الدين. وليس في القوانين الوضعية الحديثة - على ما أعلم - قانوناً واحداً لم يسلك مسلك الشريعة من حيث جعل بعض الجرائم عاماً يقع من كل الرعايا، وبعضها خاصاً يقع من بعض الرعايا فقط، ولكن القوانين لا تجعل أساس التفرقة الدين. وقد اضطرت الشريعة الإسلامية لسلوك هذا الطريق لتحقيق العدالة، وتوفير حرية الاعتقاد، والمحافظة على النظام، وأساس النظام في الشريعة هو الإسلام. أما القوانين الوضعية فليس فيها ما يحمل واضعها على سلوك هذا الطريق؛ لأن القوانين تجرد عادة من كل ما له مساس بالعقائد والأخلاق والدين على العموم، ويكتفي فيها بحريم ما يمس علاقات الأفراد المادية، أو يمس الأمن، أو نظام الحكم. وقد أدت طريقة القوانين إلى فساد الأخلاق، وشيوع الفوضى، والتحلل من كل القيود، وأوجدت في الجماهير روح التمرد، والاستعداد للخروج على قواعد القانون والاستهانة بها، فكثرت الثورات والانقلابات، وصارت النظم تتغير يوماً بعد يوم، وكل نظام يلاقي مصير الذي سبقه. ولقد أوقع المشرعين الوضعيين في هذا الخطأ الفاحش أنهم أرادوا أن يحققوا المساواة، ويطبقوا مبدأ حرية الاعتقاد، فلم يروا وسيلة لتطبيق هذين المبدأين معاً إلا أن يجردوا القانون من كل ما يمس العقائد والأخلاق والأديان، فأدى بهم هذا التطبيق السيئ إلى هذه النتائج المحزنة، ولو أنهم أخذوا بطريقة

стр. 334

الشريعة الإسلامية لضمنوا تحقيق ما شاءوا من مبادئ، ولمنعوا من وقوع هذه المساوئ. ولعل عذر المشرعين الوضعيين فيما حدث أن القوانين الوضعية كانت إلى ما قبل الثورة الفرنسية تقوم على أساس ديني يراعى فيه مذهب الحاكم واعتقاده، لا مذاهب المحكومين جميعاً وعقائدهم، بحيث كان المخالفون في العقيدة يحملون حملاً بسطوة القانون على اعتناق مذهب الحاكم أو عقيدته، وقد أدى هذا المسلك إلى إثارة الشحناء والبغضاء بين أفراد الشعب الواحد، وإراقة الدماء وتعدد المذابح، مما كان له رد فعل قوي حمل المشرعين على أن يعالجوا هذه الحالة بتجريد القوانين الحديثة من كل ما يمس العقائد والأخلاق والأديان، ولكن هذا العلاج أدى إلى نتائج لا تقل سوءاً كما رأينا، ولا أظن أن هناك علاجاً موفقاً كعلاج الذي ارتأته الشريعة، فإنه يؤدي إلى الأخذ بمبدأي المساواة وحرية الاعتقاد، كما يؤدي في الوقت نفسه إلى الاحتفاظ بالقيم الأخلاقية والروحية، وهي الأساس الأول في احترام الشرائع والقوانين. ويجب ألا ننسى حين نقارن القوانين الوضعية بالشريعة الإسلامية، أن الشريعة الأخيرة شريعة دينية أساسها الإسلام، فلا يمكن بطبيعة الحال أن تتجه اتجاهاً يخالف الإسلام، وأن الدين الإسلامي يعتبر النظام الأساسي للدولة بكل ما يشتمل عليه من صوم وصلاة وزكاة وحج وتوحيد، وبكل ما يوجبه ويحرمه، وهو نظام لا يقبل التجزئة بطبيعته، فليس من المستطاع الأخذ ببعضه وترك بعضه؛ لأن الأخذ ببعضه وترك بعضه هدم له. وقد فهم أصحاب الرسول ﷺ هذا الوضع حق الفهم، فحاربوا مانعي الزكاة بعد وفاة الرسول واعتبروهم مرتدين، مع أن المسلمين كانوا في أشد الحاجة إلى المسالمة في هذا الوقت العصيب الذي انتفضت فيه شبه جزيرة العرب كلها على المسلمين.

стр. 335

فالشريعة إذن لا يمكن بأي حال أن تتخلى عن العقاب على الجرائم الدينية أو الأخلاقية؛ لأنها تقوم على النظام الإسلامي، ولأنها وجدت لحماية هذا النظام والمحافظة على مقوماته، فلابد أن تحرم كل ما يسمه وتعاقب عليه. ولا يصح أن يعتبر عيباً في الشريعة الإسلامية، لأنه صفة أساسية لاصقة بكل نظام أقيم أو يقام على وجه الأرض، فكل نظام له أسسه التي يقوم عليها، ومقوماته التي لا يستمر بغيرها، ولا يمكن أن يقوم أي نظام وضعي إذا أهملت أسسه، وتجوهلت مقوماته، فالديموقراطية لها أسس معينة ومقومات خاصة، وكل نظام من هذه الأنظمة تختلف أسسه ومقوماته اختلافاً ظاهراً عن أسس النظام الآخر ومقوماته، ولا يمكن أن يعيش أي نظام من هذه الأنظمة إذا أهملت بعض أسسه أو تجوهلت بعض مقوماته؛ لأنه بهذه الأسس والمقومات وجد وعاش، وتميز عن غيره من الأنظمة، ونحن نعلم أن كل نظام من هذه الأنظمة الثلاثة يضع عقوبات قاسية على كل ما يمس أسس النظام أو يهدم مقوماته، فلا عيب إذن على الشريعة إذا عاقبت على كل ما يمس النظام الذي قامت عليه؛ لأن ما تفعله الشريعة هو طبيعة لازمة لكل نظام يراد له البقاء والنماء والاستقرار. وإذا كانت الشريعة تعاقب على ما لا تعاقب عليه القوانين الوضعية فليس ذلك بشيء؛ لأنه يرجع إلى تغاير النظم واختلاف طبائعها، وما دامت اتجاهات النظم مختلفة، وطبائعها مختلفة، فلا يمكن أن تتفق فيما تحل وفيما تحرم. والأمثلة على ذلك بارزة في الأنظمة الوضعية، فالشيوعية مثلاً تعاقب على الدعوة للنازية والديموقراطية، والنازية تعاقب على الدعوة للديموقراطية والشيوعية، والديموقراطية تحارب الشيوعية والنازية وتعاقب عليهما، والملكية الفردية مباحة إلى غير حد في البلاد الديموقراطية، ولكنها جريمة في البلاد الشيوعية. فاختلاف الأفعال المحرمة في النظم لا يمكن أن يكون عيباً بذاته، لأن قيمة النظام لا تقاس بما يحل وما يحرم، ولا بعمومه وخصوصه،

стр. 336

وإنما يقاس بما يؤدي إليه من إسعاد الجماعة، ورقيها وتفوقها، ونشر العدل والمساواة والتراحم بين أفرادها. ولست أترك هذا الموضوع قبل أن أبين حقيقة مقررة في الشريعة الإسلامية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وهي أن الشريعة نصت على أفعال معينة واعتبرتها جرائم، وأوجبت العقوبات عليها، ولم تجعل لولي الأمر حق العفو عن العقوبة أو الجريمة في بعض هذه الجرائم، وهي الحدود والقصاص، وجعلت له حق العفو عن الجريمة أو العقوبة في بعضها الآخر، وهي جرائم التعازير، كذلك ترك لولي الأمر أن يحرم كل الأفعال التي تقتضي مصلحة الجماعة والنظام العام تحريمها، وأهم هذه الأفعال هي الأفعال التي تخالف روح الشريعة أو مبادئها العامة، فإن رأى ولي الأمر أن المصلحة تقتضي تحريم فعل معين حرمه وعاقب عليه بعقوبة تعزيرية، وحق ولي الأمر في التحريم والعفو عن العقوبة أو الجريمة مقيد بالصالح العام والنظام العام؛ أي النظام الإسلامي وعلى هذا يمكن القول بأن كل الجرائم ذات الأساس الديني البحت لا خيار في العقاب عليها، لأن الجريمة إن كانت حداً فلا محيص من العقاب عليها، وإن كانت الجريمة تعزيراً فإن العفو عن العقوبة أو الجريمة مقيد بمصلحة النظام الإسلامي، ولا شك أن العفو في كل الأحوال يتنافى مع هذا النظام. كذلك فإن ولي الأمر ملزم بتحريم كل ما يتنافى مع روح الإسلام ومبادئه العامة وفرض عقوبة عليه، فسلطان ولي الأمر في التحريم وعدم التحريم والعفو وعدم العفو مقرر لمصلحة النظام الإسلامي، وليس لمصلحة ولي الأمر ولا لأية مصلحة أخرى. والعقوبة المقررة للجرائم الدينية إنما قررت لمصلحة النظام الإسلامي دون غيره، وما كان مقرراً لمصلحة نظام ما فلا يصح أن يجادل فيه من يريد إقامة هذا النظام، ولا يصح أن يتهاون في شأنه القائمون على أمر هذا النظام، ولا ضير في أن

стр. 337

تخالف الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية في العقاب على الجرائم الدينية، فإن الخلاف راجع إلى اختلاف طبيعة النظم، ولن يثني هذا الخلاف المسلمين عن تفصيل النظام الإسلامي على غيره من الأنظمة، كما لم يثن الشيوعيين عن تحبيذ الشيوعية وتفضيلها على غيرها من الأنظمة، مع أنها تخالف كل نظام وضعي أو سماوي وجد على وجه الأرض حتى اليوم، كما أنها لا تتفق مع طبائع الأشياء. ولقد قلنا: إن الشريعة الإسلامية تقسم الجرائم إلى جرائم عامة تقع من كل الرعايا، وجرائم خاصة تقع من المسلمين دون غيرهم، وإن أساس هذه الجرائم الخاصة هو الدين. وقلنا: إن هذا المسلك غير غريب على القوانين الوضعية في اتجاهها الحديث وإن كانت لا تجعل أساس التفرقة الدين. وتفصيل ذلك أن القوانين الوضعية الحديثة لا تخلو من نصوص خاصة لا تنطبق إلا على بعض الأشخاص أو بعض الهيئات، كالنصوص التي تنطبق على القضاة دون غيرهم، أو على المحامين أو الأطباء، وهذه النصوص تحرم على بعض الأشخاص أو بعض الهيئات أفعالاً معينة، وتعاقب عليها بعقوبات خاصة، وتحريم بعض الأفعال على أشخاص أو فئات معينة يساوي ما فعلته الشريعة من عقاب المسلم على بعض الأفعال المحرمة عليه دون غيره، ومعنى ذلك أن القوانين الوضعية الحديثة قد اضطرت لحماية المصلحة الفردية والعامة أن تأخذ بالنظرية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية من أربعة عشر قرناً لحماية مصالح الجماعة ونظامها العام. ٢٤٥ - هل تفرق الشريعة في العقوبة بين المسلم وغير المسلم؟: القاعدة في الشريعة أن من ارتكب جريمة عوقب بالعقوبة المقررة لها، وإذا كانت الشريعة تحرم الفعل على فئة دون فئة للأسباب التي بيناها فيما سبق فإن الشريعة لا تخص فئة بعقوبة دون فئة. والعقوبات في الحدود مقدرة، أي عقوبات ذات حد واحد لا تزيد ولا

стр. 338

تنقص، وليس للقاضي أن يستبدل بها عقوبات أخرى، والعقوبات في جرائم القصاص مقدرة أيضاً، ولكن يصح أن يستبدل بها عقوبات أخرى إذا عفا المجني عليه أو وليه، أو كان مانع شرعي من العقوبة، وليس للقاضي حق الاستبدال، وعليه أن يطبق العقوبة الأصلية إذا لم يكن مانع أو عفو، فإن كان أحدهما طبق العقوبة البديلة، أما عقوبات التعزير فهي ذات حدين غالباً، وتقدير العقوبة متروك للقاضي ينزل بالعقوبة إلى حدها الأدنى، أو يرتفع بها إلى الحد الأعلى، بحسب ما يرى من ظروف الجريمة وظروف الجاني. وظاهر مما سبق أن طبيعة العقوبات في الشريعة لا تسمح بالتفريق في العقوبة بين فرد وفرد، ولا مسلم وغير مسلم، وأن لكل جريمة عقوبتها فمن ارتكب جريمة استحق عقوبتها سواء كان مسلماً أو غير مسلم. لكن هناك جرائم اختلف فيها الفقهاء على الشروط التي يجب توافرها في الجاني أو المجني عليه؛ ليستحق الجاني العقوبة المقررة لهذه الجرائم، وهذا الخلاف قد يدعو غير الملم بالشريعة أو بأحكام المذاهب المختلفة إلى الظن بأن الشريعة تفرق في العقوبة بين المسلم وغير المسلم، والجرائم المختلف عليه على وجه التحديد ثلاث: القتل العمد، الزنا، والقذف. فأما القتل العمد فعقوبته في الشريعة هي القصاص، ولكن مالكاً والشافعي وأحمد لا يجيزون القصاص من المسلم إذا قتل الذمي، وحجتهم ما روي عن رسول الله ﷺ : "ألا لا يقتل مسلم بكافر". أما أبو حنيفة فيرى القصاص من المسلم إذا قتل الذمي؛ لأنه لفظ الكافر بأنه من لا عهد له فلا ينطبق على الذمي لأنه ذو عهد، ويتمسك بعموم النص الذي جعل القصاص عقوبة لكل قتل. فالخلاف بين الفقهاء هنا هو الخلاف في تفسير نص، ولا شك أن التفسير الذي يسوي بين المسلم والذمي هو التفسير الذي يستقيم مع عموم النص ومع التسوية بين الاثنين في الجرائم عامة.

стр. 339

وفي الزنا لا خلاف على عقاب الزاني غير المحصن، فالمسلم غير المحصن والذمي غير المحصن عقوبتهما واحدة وهي الجلد، ولكن الفقهاء اختلفوا في الزاني المحصن، فرأى أبو حنيفة أن الذمي لا يمكن أن يعاقب بالرجم وهو العقوبة المقررة للزاني المحصن، وحجته أم من شروط الإحصان الإسلام فلا يمكن اعتبار الذمي محصناً؛ ولذلك فعقوبته في كل الأحوال الجلد، أما المسلم المحصن فعقوبته الرجم. ورأى مالك والشافعي وأحمد أن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان، ومن ثم فالذمي المحصن يعاقب عندهم بالرجم كالمسلم. فالخلاف بين الفريقين أساسه تفسير لفظ الإحصان. والقذف من أركانه الإحصان لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] ، فإذا فسر لفظ الإحصان على أن من شروطه الإسلام ترتب على هذا التفسير أن يعاقب قاذف المسلم بعقوبة الحد وهي الجلد ثمانين جلدة، ويعاقب قاذف الذمي بالتعزير، والتعزير قد يكون جلداً أو حبساً أو غير ذلك، وقد يكون أخف من عقوبة الحد، وقد يكون أنكى منها. وظاهر من مقارنة النتائج في هذه الجرائم الثلاث أن الأمر لا يسير على نهج واحد، ولا ينتهي بنتائج واحدة، فإذا كانت النتيجة في القتل تخفيف عقوبة المسلم، فقد كانت في الزنا تخفيف عقوبة الذمي، وتشديد عقوبة المسلم. أما في القذف فقد تكون النتيجة في صالح الذمي وقد تكون ضده. وهذه النتائج التي تنتهي إليها آراء الفقهاء تكفي بذاتها لدفع ما يمكن أن يظن من أن الشريعة تميز المسلم على غير المسلم في العقوبة، كما أن هذه النتائج تؤيد ما قلناه من أن المسألة ترجع إلى تفسير النصوص والاختلاف على فهمها، ولا ترجع إلى أن الشريعة تميز فريقاً على فريق.

стр. 340

٢٤٦ - مبدأ الشريعة في سريان النصوص الجنائية على الأشخاص: ويتضح مما سبق أن نصوص الشريعة تسري على كل الأشخاص، ولا يعفي منها أي شخص مهما كان مركزه أو ماله أو جاهه أو صفاته، وأن الشريعة تطبق مبدأ المساواة إلى آخر حدوده، ولا تسمح بتمييز شخص على شخص، أو هيئة على هيئة، أو فريق على فريق. هذه هي المساواة في الشريعة الإسلامية، وهذا هو تطبيقها في سريان النصوص الجنائية. ولا شك أن الشريعة أجل من أن تقارن بالقوانين الوضعية في هذا الوجه، فالقوانين على ما استحدث لها من نظريات لا تزال أدنى مستوى من الشريعة، ويستطيع كل منصف بعد هذه المقارنة التي عقدناها أن يقول: إن نظرية المساواة بلغت في الشريعة درجة الكمال المطلق، ولكنها في القانون لا تزال كالطفل الذي يحسن أن يحبو ولا يستطيع أن يقف على قدميه. * * *

стр. 341

الباب الثاني الركن المادي للجريمة ٢٤٧ - منهاج البحث: يتوفر الركن المادي للجريمة بإتيان الفعل المحظور سواء كانت الجريمة إيجابية أو سلبية، وقد يتم الجاني الفعل فتعتبر الجريمة تامة، كمن سرق متاعاً من آخر وخرج به من الحرز، وقد لا يتم الجاني الفعل فتعتبر الجريمة غير تامة، كمن يضبط قبل الخروج بالمسروقات من الحرز أو بعد خروجه مباشرة، وهذا ما نسميه اليوم في اصطلاحنا القانوني بالشروع في الجريمة. وقد يرتكب الفعل المحرم شخص واحد، وقد يتعاون على ارتكابه جماعة يتفقون على الجريمة فينفذها أحدهم أو بعضهم، أو يحرض بعضهم بعضاً، أو يساعد بعضهم البعض الآخر ويعينه حال ارتكابها، وهذا ما يسمى بالاشتراك في الجريمة. فالكلام على الركن المادي يتناول الكلام على الجريمة التامة، والشروع، والاشتراك. ومحل الكلام على الجريمة التامة هو القسم الجنائي الخاص حيث تبحث كل جريمة وتبين أركانها وشرائطها وعقوباتها، وهذا ما يوجبه منطق الفصل بين القسم العام والقسم الخاص، أما الشروع والاشتراك فسنتكلم عليهما فيما يأتي، وسنخصص لكل منهما فصلاً خاصاً. * * *

стр. 342

الفصل الأول الشروع في الجريمة ٢٤٨ - الفقهاء والشروع في الجريمة: لم يهتم فقهاء الشريعة بوضع نظرية خاصة للشروع في الجرائم ولم يعرفوا لفظ الشروع بمعناه الفني كما نعرفه اليوم، ولكنهم اهتموا بالتفريق بين الجرائم التامة والجرائم غير التامة، ويمكننا أن نرد عدم اهتمامهم بوضع نظرية خاصة بالشروع لسببين. أولهما: أن الشروع في الجرائم لا يعاقب عليه بقصاص (١) ولا حد وإنما يعاقب عليه بالتعزير أياً كان نوع الجريمة. وقد جرى الفقهاء على أن يهتموا فقط بجرائم الحدود والقصاص؛ لأنها جرائم ثابتة لا يدخل على أركانها وشروطها التغيير أو التعديل، كما أن عقوبتها مقدرة ليس للقاضي أن يغلظها أو يخففها، أما جرائم التعزير فإذا استثنينا العدد القليل الذي نصت عليه الشريعة كتحريم الميتة وخيانة الأمانة، فإن معظم الجرائم التعزيرية متروك أمرها للسلطة التشريعية أي لأولي الأمر، يحرمون من الأفعال ما يرونه ماساً بالمصلحة العامة أو النظام العام، ويعاقبون عليه، ويتركون ما لا يرون ضرورة للعقاب عليه، كما أن تقدير العقاب في جرائم التعزير عامة متروك لأولي الأمر سواء كان التحريم بنص الشريعة أو كان التحريم راجعاً لأولي الأمر. فيستطيع ولي الأمر أن يخفف عقوبات جرائم التعازير وأن يشددها طبقاً لما تقتضيه المصلحة العامة، وللقاضي بعد ذلك سلطة واسعة في توقيع العقوبة، فله أن ينزل بها إلى الحد الأدنى، وأن يرتفع بها إلى الحد الأعلى، ويترتب على ذلك أن جرائم التعازير ليست ذات أهمية بالنسبة لجرائم الحدود والقصاص، وأن جرائم

стр. 343

التعازير جرائم عقوباتها غير ثابتة قد يعاقب عليها بعقوبات تافهة وقد يعاقب عليها بعقوبات جسيمة، وأن أغلب جرائم التعازير قد يعاقب عليها في زمان دون زمان ومكان دون مكان، وقد تتغير أركانها بتغير وجهة نظر أولي الأمر. ولهذا كله لم يتكلم الفقهاء عن جرائم التعازير إلا كلاماً عاماً، ولم يدخلوا في تفاصيل أركان الجريمة وشروطها، وعلى هذا الأساس لم يتكلموا عن الشروع بصفة خاصة؛ لأنه من جرائم التعازير. ثانيهما: أن قواعد الشريعة الموضوعة للعقاب على تعازير منعت من وضع قواعد خاصة للشروع في الجرائم، لأن قواعد التعازير كافية لحكم جرائم الشروع. فالقاعدة في الشريعة أن التعزير يكون في كل معصية ليس فيها حد مقدر ولا كفارة، أي أن كل فعل تعتبره الشريعة معصية هو جريمة يعاقب عليها بالتعزير ما لم يكن معاقباً عليها بحد أو كفارة، ولما كان الحد والكفارة لا يعاقب بها إلا على جرائم معينة أتمها الجاني فعلاً، فإن كل شروع في فعل محرم لا يعاقب عليه إلا بالتعزير، ويعتبر كل شروع معاقب عليه معصية في حد ذاته أي جريمة تامة، ولو أنه جزء من الأعمال المكونة لجريمة لم تتم، ما دام الجزء الذي تم محرماً لذاته، ولا استحالة في أن يكون فعل ما جريمة معينة إذا كان وحده، وأن يكون مع غيره جريمة من نوع آخر. فالسارق إذا ما نقب البيت ثم ضبط قبل أن يدخله يكون مرتكباً لمعصية تستوجب العقاب، وهذه المعصية تعتبر في ذاتها جريمة تامة، ولو أنها بدء في تنفيذ جريمة السرقة، وعندها يتسلق السارق المنزل الذي يريد أن يسرق منه يرتكب معصية، وعندما يدخل البيت دون نقب أو تسلق بقصد السرقة يرتكب معصية، وإذا أذن له بدخول البيت فجمع متاعه ليسرقه فضبط قبل الخروج منه فهو مرتكب لمعصية، وهكذا كلما أتى السارق فعلاً تحرمه عليه الشريعة فهو مرتكب لمعصية؛ أي جريمة تامة تستوجب العقاب، إذا نظرنا إليها على حدة، ولو أن هذه المعصية تعتبر جزءاً من جريمة أخرى إذا نظرنا إلى جريمة

стр. 344

السرقة التي لم تتم، فإذا أتم الجاني سلسلة الأفعال المكونة لجريمة السرقة، وخرج بالمسروقات من الحرز، فإن كل الأفعال التي أتاها تكون مجتمعة جريمة معين هي السرقة، وبتمام جريمة السرقة تجب عقوبة الحد وهي العقوبة المقررة للسرقة التامة، ويمتنع التعزير على ما دون التمام؛ لأن كل الأفعال اندمجت وتكونت منها جريمة السرقة. والزاني إذا دخل بيت المرأة المزني بها يرتكب معصية، وإذا جلس معها في خلوة يرتكب معصية، وإذا قبلها يرتكب معصية، وكل هذه الأفعال تعتبر شروعاً في جريمة الزنا التي لم تتم، ولكن كل فعل منها يعتبر بذاته معصية تامة تستوجب التعزير، فإذا ما تمت جريمة الزنا وجب الحد وامتنع التعزير، لأن كل هذه المقدمات تكون مع الإيلاج جريمة واحدة تامة هي جريمة الزنا. وهكذا يتبين لنا مما سبق أنه لم يكن ثمة ما يدعو الفقهاء لوضع نظرية خاصة بالشروع في الجرائم، وإنما دعتهم الضرورة فقط إلى التفرقة بين الجريمة التامة والجريمة غير التامة في جرائم الحدود والقصاص، لأن الجريمة التامة دون غيرها هي التي تستوجب عقوبة الحد أو القصاص، أما الجرائم غير التامة فلا تستوجب هاتين العقوبتين وفيها التعزير فقط. ومن الخطأ البين أن يظن البعض أن الشريعة لا تعرف الشروع في الجرائم، إذ الظاهر مما تقدم أنها عرفت الشروع حق المعرفة، وكل ما في الأمر أنها عالجته بطريقتها الخاصة لا على طريقة القوانين الوضعية. ولم يعبر الفقهاء عن الجرائم غير التامة بتعبير الشروع في الجرائم، لأن الأفعال التي لم تتم تدخل في جرائم التعازير كلما تكون منها معصية، وتعتبر جرائم تامة بذاتها ولو أنها لم تكف لتكوين الجرائم المقصودة أصلاً، فليس هناك ما يدعو لتسميتها بالجرائم المشروع فيها ما دام أن ما تم منها يعتبر في ذاته جريمة تامة، وإذا عبرنا اليوم عن الجرائم غير التامة وقلنا إنها جرائم الشروع فلن نأتي بشيء جديد، وإنما هو إطلاق تسمية جديدة

стр. 345

على بعض جرائم التعازير، وتمييز لبعض جرائم التعازير عن بعضها الآخر، دون أن تكون هناك حاجة ملحة لهذه التسمية أو هذا التمييز، ودون أن يدفعنا إلى هذا التعبير إلا البيان والإقناع، ومقارنة نظرية الشريعة بما يقابلها في القوانين الوضعية. ونظرية الشريعة في الشروع أوسع مدى منها في القوانين الوضعية، فهي تعاقب على الشروع في كل جريمة إذا كون الفعل غير التام معصية، وهي تسير على هذه القاعدة دون استثناء، فمن رفع على إنسان عصاً ليضربه بها فحيل بينه وبين ذلك فهو مرتكب لمعصية يعزر عليها، ومن حاول إطلاق النار على آخر فلم يصبه فهو مرتكب لمعصية عقوبتها التعزير. أما القوانين الوضعية فتعاقب غالباً على الشروع في أكثر الجنايات، وعلى الشروع في بعض الجنح، دون البعض الآخر، وليس لها قاعدة عامة في هذا. ومن تطبيقات نظرية الشريعة حالة إحداث جرح بقصد القتل، فإن الجرح إذا أدى للموت أعتبر الفعل قتلاً عمداً، وإذا شفى المجني عليه اعتبر جرحاً فقط وعوقب عليه الجاني بعقوبة خاصة، أما إذا أراد الجاني أن يقتل المجني عليه فلم يصبه فالفعل معصية وفيه تعزير. ٢٤٩ - المراحل التي تمر بها الجريمة وأيها يعتبر معصية: تمر الجريمة بمراحل معينة قبل أن يرتكبها المجرم، فهو أولاً يفكر فيها، ثم يعقد العزم على ارتكابها، ثم يحضر بعد ذلك المعدات ويهيئ الوسائل اللازمة لتنفيذها؛ كشراء سلاح يقتل به، أو منقب ينقب به حائط المنزل الذي يريد السرقة منه، أو إعداد مفتاح مصطنع ليفتح به باب محل الجريمة. فإذا أعد المجرم معدات الجريمة انتقل إلى مرحلة ثالثة هي مرحلة التنفيذ؛ فيبدأ في تنفيذ جريمته على الوجه الذي فكر فيه وأعد له الوسائل. هذه هي المراحل الثلاث التي يمر بها المجرم حتى يرتكب جريمته. فأي هذه

стр. 346

المراحل يعتبر معصية وبالتالي جريمة تستحق العقاب؟ والجواب هو ما سنبينه فيما يلي: أولاً: مرحلة التفكير والتصميم: لا يعتبر التفكير في الجريمة والتصميم على ارتكابها معصية تستحق التعزير وبالتالي جريمة يعاقب عليها؛ لأن القاعدة في الشريعة الإسلامية أن الإنسان لا يؤاخذ على ما توسوس له نفسه أو تحدثه به من قول أو عمل، ولا على ما ينتوي أن يقوله أو يعمله؛ لقوله ﵊: "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم"، وإنما يؤاخذ الإنسان على ما يقوله من قول وما يفعله من فعل. وهذا المبدأ الأساسي الذي قامت عليه الشريعة من يوم وجودها هو مبدأ حديث في القوانين الوضعية، أخذت به جميعاً في عصرنا الحاضر، ولكنها لم تعرفه ولم تأخذ به إلا ابتداء من أواخر القرن الثامن عشر بعد الثورة الفرنسية، وقبل ذلك كان من الممكن أن يعاقب على النية أو التفكير إذا أمكن إثباتهما، فالشريعة في تقريرها هذا المبدأ قد سبقت كل شريعة وضعية، والشرائح الوضعية حين أخذت متأخرة بهذا المبدأ إنما أخذت بأقدم المبادئ الأساسية في الشريعة الإسلامية، ويبقى بعد ذلك أن الشريعة الإسلامية ليس فيها استثناءات لهذا المبدأ، أما القوانين الوضعية فلا يزال بها استثناءات للمبدأ، ومن الأمثلة على ذلك: أن القانون المصري والفرنسي يفرقان بين عقوبة القتل العمد المصحوب بسبق الإصرار أو الترصد، وبين عقوبة القتل العمد الخالي عن سبق الإصرار أو الترصد، ويشددان العقوبة في الحالة الأولى ويخففانها في الثانية. ثانياً: مرحلة التحضير: لا تعتبر مرحلة التحضير أيضاً معصية، ولا تعاقب الشريعة على إعداد الوسائل لارتكاب جريمة إلا إذا كانت حيازة الوسيلة أو إعدادها مما يعتبر معصية في حد ذاته، كمسلم أراد سرقة إنسان بواسطة إسكاره فإن شراء المسكر أو حيازته يعتبر بذاته معصية يعاقب عليها دون حاجة لتنفيذ الغرض الأصلي وهو السرقة.

стр. 347

والعلة في عدم اعتبار دور التحضير جريمة، أن الأفعال التي تصدر من الجاني يجب للعقاب عليها أن تكون معصية، ولا يكون الفعل معصية إلا إذا كان اعتداء على حق لله، أي حق للجماعة أو على حق للأفراد، وليس في إعداد وسائل الجريمة في الغالب ما يعتبر اعتداء ظاهراً على حق الجماعة أو حقوق الأفراد، وإذا أمكن اعتبار بعض هذه الأفعال اعتداء فإنه اعتداء قابل للتأويل؛ أي مشكوك فيه، والشريعة لا تأخذ الناس في الجرائم إلا باليقين الذي لا شك فيه. ثالثاً: مرحلة التنفيذ: هذه هي المرحلة الوحيدة التي تعتبر فيها أفعال الجاني جريمة، ويعتبر الفعل جريمة كلما كان معصية، أي اعتداء على حق الجماعة أو حق الفرد، وليس من الضروري أن يكون الفعل بدءاً في تنفيذ ركن الجريمة المادي، بل يكفي أن يكون الفعل معصية، وأن يكون مقصوداً به تنفيذ الركن المادي، ولو كان لايزال بين الفعل وبين الركن المادي أكثر من خطوة، فمثلاً في النقب والتسلق وكسر الباب وفتحه بمفتاح مصطنع كل ذلك يعتبر معصية تستحق التعزير، وبالتالي شروعاً في سرقة، ولو أن بين كل منها وبين الفعل المادي المكون لجريمة السرقة خطوات؛ هي دخول محل السرقة، والاستيلاء على المسروقات، وإخراجها من الحرز. كذلك يعزر الجاني باعتباره مرتكباً لمعصية أو شارعاً في سرقة إذا تعرض للنقب أو فتح الباب أو حاول التسلق ولو لم يتم ما تعرض له أو حاول فعله. ويعتبر الجاني مرتكباً لمعصية يعزر عليها وبالتالي يعتبر شارعاً في الزنا إذا دخل منزل المرأة التي يقصد الزنا بها، أو اجتمع بها في غرفة واحدة، أو قبلها أو ضمها، أو فعل غير ذلك من مقدمات الزنا، وهو يعاقب على هذه الأفعال ولو أن بينه وبين الفعل المادي المكون لجريمة الزنا أكثر من خطوة. ويرى أبو عبد الله الزبيري تعزير الجاني باعتباره مرتكباً لمعصية أو شارعاً في السرقة إذا وجد بجوار المنزل المراد سرقته ومعه مِبْرَد ليستعمله في فتح الباب

стр. 348

أو مِنْقب لينقب به الحائط، ولو أنه لم يبدأ في فتح الباب أو نقب الحائط، إذا ثبت أنه جاء بقصد السرقة، ويرى تعزير الجاني كذلك إذا وجد مترصداً بجوار محل السرقة يترصد غفوة الحارس ليسرق المتاع الذي يحرسه (١) . فمقياس الفعل المعاقب عليه في الشروع هو أن يكون ما أتاه المتهم مكونا لمعصية كالنقب، ويستعان على معرفة ما إذا كان الفعل معصية أو غير معصية بنية الجاني وقصده من الفعل؛ لأن ثبوت هذه النية يزيل كل شك ويساعد على تحديد نوع المعصية. وقد جعل أبو عبد الله الزبيري في الأمثلة التي ذكرناها سابقاً شأناً كبيراً لنية الجاني، فالترصد بجوار محل السرقة قد يكون للسرقة أو لعمل آخر مباح، ولكن نية الجاني وحدها هي التي أزالت الشك عن الفعل وعينت المعصية، ووجود الجاني بجوار محل السرقة ومعه مبرد أو منقب يحتمل أن يكون الجاني قاصداً سرقة هذا المحل أو غيره، ويحتمل أن يكون أراد السرقة أو أراد عملاً آخر غير محرم، ولكن نية الجاني هي التي أخرجت الفعل من حيز الاحتمال إلى حيز اليقين وعينت المعصية. ٢٥٠ - الشريعة والقانون: وتتفق الشريعة مع القوانين الوضعية في عدم العقاب على مرحلتي التفكير والتحضير، وفي قصر العقاب على مرحلة التنفيذ، ولكن شراح القوانين يختلفون على الوقت الذي يعتبر فيه الجاني قد بدأ بالتنفيذ، فأصحاب المذهب المادي يرون أن بدء التنفيذ المكون للشروع هو البدء في تنفيذ الفعل المادي المكون للجريمة، فإذا كانت الجريمة تتكون من فعل واحد كان الشروع هو البدء في تنفيذ هذا الفعل، وإذا كانت تتكون من جملة أفعال كان البدء في أحدها شروعاً في الجريمة، ولا يعد بدءاً في التنفيذ أي عمل آخر لا يدخل في الأفعال المكونة للجريمة. ويرى أصحاب المذهب الشخصي أنه يكفي لتحقيق الشروع أن يبدأ الفاعل تنفيذ فعل ما، سابق مباشرة

стр. 349

على تنفيذ الركن المادي للجريمة ومؤدًّ إليه حتماً، ويستعين أصحاب هذا المذهب بنية الجاني وشخصيته لمعرفة الغرض الذي قصده من فعله. والمذهب الشخصي لا يختلف في شئ عن نظرية الشريعة الإسلامية، فكل ما يمكن العقاب عليه بحسب هذا المذهب تعاقب عليه الشريعة، ولكن نظرية الشريعة مع هذا تتسع لأكثر ما يتسع له المذهب الشخصي؛ لأن الشريعة تعاقب على كل ما يأتيه الجاني إذا تكون مما فعله معصية، سواء كان ما فعله الجاني مؤدياً حتماً إلى الركن المادي للجريمة المقصودة أو لا يؤدي إليه؛ كدخول منزل بقصد الزنا بامرأة فيه. أما المذهب الشخصي فيستوجب أن يكون الفعل مؤدياً حتماً للركن المادي كنقب وفتح محل السرقة بمفتاح مصطنع. ويأخذ القانون المصري بالمذهب الشخصي، وقد انتهت أحكام محكمة النقض المصرية إلى الأخذ بهذا المذهب. ٢٥١ - العقاب على الشروع: قاعدة الشريعة الإسلامية في جرائم الحدود والقصاص أن لا يتساوى عقاب الجريمة التامة بالجريمة التي لم تتم، وأصل هذه القاعدة حديث الرسول ﷺ : "من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين" (١) . وهذه القاعدة لا يمكن الخروج عليها في جرائم الحدود وجرائم القصاص، فلا يمكن العقاب على الشروع في الزنا التام وهي الجلد والرجم، ولا يمكن العقاب على الشروع في السرقة بعقوبة القطع؛ لأن القطع جعل جزاء الجريمة التامة. ولا شك أن البون شاسع بين الشروع والفعل التام، فيجب أن يؤخذ المتهم بقدر ما فعل، ويجزي بقدر ما اكتسب، فضلاً عن أن التسوية في العقاب بين الشروع والجريمة التامة تحمل مَن شرع في جريمة

стр. 350

على إتمامها؛ لأنه يرى نفسه قد استحق عقوبة الجريمة التامة بالبدء في تنفيذ الجريمة، فليس ثمة ما يغريه بالعدول عنها (١) . ونستطيع أن نقيس الشروع في جرائم التعازير بالشروع في جرائم الحدود والقصاص، فنقول: إن القواعد العامة التي تسري على جرائم الحدود والقصاص تسري على جرائم التعازير، ولو وردت هذه القواعد خاصة بجرائم الحدود والقصاص فقط؛ لأن هذين النوعين من الجرائم هما أهم الجرائم وما يسري على الجرائم الهامة يسري على غيرهما. ونستطيع أن نخصص الحديث بالعقوبات المقدرة فقط، وهي عقوبات جرائم الحدود وجرائم القصاص، ونص الحديث يحتمل هذا التخصيص فهو "من بلغ حداً في غير حد"، والحد الأول هو العقوبة، والحد الثاني هو الجريمة، فالنص قاطع بلفظه بأنه ورد في جرائم الحدود والقصاص دون غيرهما، ومن ثم يجوز تسوية عقوبة الشروع بعقوبة الجريمة التامة في غير الحدود خصوصاً وأن التعازير غير مقدرة، وللقاضي حرية واسعة في تقدير العقوبة من بين حديها الأدنى والأعلى. والقوانين الوضعية لا تخرج عن هذين الاتجاهين، فبعضهما يسوي بين عقوبة الشروع وعقوبة الجريمة التامة، وبعضها يعاقب على الشروع بعقوبة أخف من عقوبة الجريمة التامة. ٢٥٢ - أثر عدول الجاني عن الفعل: إذا شرع الجاني في ارتكاب الجريمة فإما أن يتمها وإما أن لا يتمها، فإذا أتمها فقد استحق عقوبتها، وإذا لم يتمها فإما أن يكون أُكره على عدم إتمامها كمن يضبط وهو يجمع المسروقات من محل السرقة، وإما أن يكون هو الذي عدل مختاراً عن إتمامها، وفي حالة العدول

стр. 351

إما أن يكون لسبب ما غير التوبة، كأن يكتفي الجاني بما فعل، أو يرى أنه ينقصه بعض الأدوات، أو يرى أن يعاود الكرَّة في وقت آخر مناسب، أو يخشى أن يراه أحد، وإما أن يكون سبب العدول هو توبة الجاني وشعوره بالندم ورجوعه إلى الله. فإذا كان سبب عدم إتمام الجريمة هو إكراه الجاني على ذلك كأن يضبطه المجني عليه أو يصاب بحادث يمنعه من إتمام الجريمة، فإن ذلك لا يؤثر على مسئولية الجاني في شئ، ما دام أن الفعل الذي أتاه يعتبر معصية. وإذا عدل الجاني عن إتمام الجريمة لأي سبب غير التوبة، فهو مسئول عن الفعل كلما اعتبر الفعل معصية، أي اعتداء على حق الجماعة أو حق الفرد، فمثلاً إذا قصد سرقة منزل فنقبه أو كسر بابه، ثم عدل عن دخوله لأنه رأى الحارس يمر في هذه المنطقة فخشى أن يكتشف الحادث، أو دخل المنزل ثم خرج دون أن يسرق شيئاً لأنه عجز عن فتح خزانة النقود، أو ليأتي بزميل له يعاونه في فتح الخزانة أو يعاونه في حمل المسروقات، فهو في كل هذه الحالات يعاقب بالرغم من عدوله؛ لأنه عدل لسبب غير التوبة، ولأن ما وقع منه فعلاً يعتبر معصية، فالنقب معصية، ودخول منزل الغير دون إذنه معصية، وكسر باب منزل الغير معصية. أما إذا وصل إلى باب المنزل بقصد السرقة ثم عدل لأي سبب وعاد، فإنه لا يعاقب؛ لأن ما فعله لا يعتبر اعتداء على حق الجماعة أو حق الفرد ومن ثَمَّ لا يعتبر معصية، وإذا لم يعتبر الفعل معصية فلا عقاب. ٢٥٣ - التعديل للتوبة: أما إذا كان سبب عدول الجاني عن الفعل هو توبته ورجوعه إلى الله، فإن الجاني لا يعاقب على ما فعل، إذا كانت الجريمة هي جريمة الحرابة، وذلك لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] ، فالمحارب إذا تاب قبل القدرة

стр. 352

عليه سقطت عقوبته بالرغم من أنه أتى الجريمة التامة. وإذا كان هذا هو حكم من أتم الجريمة فأولى به أن يكون حكم من لم يتمها. وإذا كان الفقهاء قد اتفقوا على أن التوبة تسقط العقوبة المقررة لجريمة الحرابة (١) إذا حدثت التوبة قبل القدرة على المحارب، فإنهم اختلفوا في أثر التوبة على ما عدا هذه الجريمة، ولهم في ذلك ثلاث نظريات: النظرية الأولى: ويقول بها بعض الفقهاء في مذهب الشافعي ومذهب أحمد، ومجمل رأيهم أن التوبة تسقط العقوبة، وحجتهم في ذلك أن القرآن نص على سقوط عقوبة المحارب بالتوبة، وجريمة الحرابة هي أشد الجرائم، فإذا دفعت التوبة عن المحارب عقوبته كان من الأولى أن تدفع التوبة عقوبة ما دون الحرابة من الجرائم، وأن القرآن لما جاء بعقوبة الزنا الأولى رتب على التوبة منع العقوبة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦] ، وذكر القرآن حد السارق وأتبعه بذكر التوبة في قوله تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] ، وأن الرسول ﷺ قال: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، ومن لا ذنب له لا حد عليه، وقال الرسول في ماعز لما أُخبر بهربه: "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه". ويشترط هؤلاء الفقهاء لتُسقط العقوبة أن تكون الجريمة مما يتعلق بحق الله، أي أن تكون من الجرائم الماسة بحقوق الجماعة كالزنا والشرب، وأن لا تكون مما يمس حق الأفراد كالقتل أو الضرب، ويشترط بعض هؤلاء الفقهاء شرطاً آخر، وهو أن تكون التوبة مصحوبة بإصلاح العمل، وهذا الشرط

стр. 353

يقتضي مضي مدة يعلم بها صدق التوبة، ولكن البعض الآخر يكتفي بالتوبة ولا يشترط إصلاح العمل (١) . ويترتب على الأخذ بهذه النظرية أن تسقط العقوبة عمن يعدل عن إتمام جريمته تائباً كلما كانت الجريمة مما يمس حقوق الجماعة، أما الجرائم التي تمس حقوق الأفراد فلا يؤدي العدول عن ارتكابها لسقوط العقوبة بحال ولو كان سبب العدول هو التوبة. النظرية الثانية: وهي نظرية مالك وأبي حنيفة وبعض الفقهاء في مذهبي الشافعي وأحمد، ومجمل رأيهم أن التوبة لا تسقط العقوبة إلا في جريمة الحرابة للنص الصريح الذي ورد فيها؛ لأن الأصل أن التوبة لا تسقط العقوبة، فالله أمر بجلد الزاني والزانية فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، فجعل الجلد عاماً للتائبين وغير التائبين، وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، فجعل القطع للتائب وغير التائب. وقد أمر رسول الله ﷺ برجم ماعز والغامدية وقطع الذي أقر بالسرقة وكلهم جاءوا تائبين معترفين على أنفسهم يطلبون أن يتطهروا من ذنوبهم بإقامة الحد عليهم، وقد سمى الرسول فعلهم توبة فقال في حق المرأة: "لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم". ويرى هؤلاء الفقهاء أن العقوبة لا تسقط بالتوبة، لأنها كفارة عن المعصية، ولا يرون شبهاً بين المحارب وبين غيره من المجرمين حتى يقاس أحدهما على الآخر، فالمحارب شخص لا يقدر عليه فجعلت التوبة مسقطة لعقوبته إذا تاب قبل القدرة عليه بتشجيعه على التوبة والامتناع عن الفساد في الأرض، أما المجرم العادي فهو شخص مقدور عليه دائماً فليس ثمة ما يدعو لإسقاط العقوبة عنه بالتوبة، بل إن العقوبة هي التي تزجره عن الجريمة، وفضلاً عن ذلك فإن القول بأن

стр. 354

التوبة تسقط العقوبة يؤدي إلى تعطيل العقوبات؛ لأن كل مجرم لا يعجز عن ادعاء التوبة (١) . ويترتب على هذه النظرية أن عدول الجاني عن إتمام جريمته تائباً راجعاً إلى الله لا يمنع عنه العقوبة كلما اعتبر فعله معصية. النظرية الثالثة: وهي نظرية ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهما من الحنابلة. وعندهما أن العقوبة تطهر من المعصية، وأن التوبة تطهر من المعصية وتسقط العقوبة في الجرائم التي تمس حقاً لله، فمن تاب من جريمة من هذه الجرائم سقطت عقوبته إلا إذا رأى الجاني نفسه أن يتطهر بالعقوبة، فإنه إذا اختار أن يعاقب عوقب بالرغم من توبته (٢) . ويترتب على هذه النظرية أن من عدل عن إتمام جريمته تائباً تسقط عنه العقوبة إذا كانت الجريمة مما يمس حقاً لله، أي حقاً من حقوق الجماعة، ما لم يطلب الجاني نفسه أن يعاقب، أما إذا كانت الجريمة تمس حقاً للأفراد فلا تسقط العقوبة. والقاعدة العامة في القوانين الوضعية هي أن توبة الجاني لا تسقط العقوبة، وهذا يتفق مع نظرية مالك ومن معه، ولكن بعض القوانين الوضعية لا تعاقب الجاني إذا عدل مختاراً عن إتمام الجريمة، ومن هذه القوانين القانون المصري والقانون الفرنسي، وهذا يتفق مع ما يقوله بعض الفقهاء المسلمين من أن التوبة تسقط العقوبة. وبعض القوانين الوضعية لا تخلي الجاني من المسئولية عن الشروع ولو عدل عن إتمام الجريمة مختاراً كالقانون الإنجليزي والقانون الهندي. ٢٥٤ - الشروع في الجريمة المستحيلة: ليس في أقوال الفقهاء ما يشير

стр. 355

إلى ما نسميه اليوم بالجريمة المستحيلة. والجريمة المستحيلة - كما يعرفها شراح القوانين الوضعية - هي التي يستحيل وقوعها: إما لعدم صلاحية وسائلها، كمن يطلق على آخر بقصد قتله بندقية لا يعلم أنها غير معمرة أو أن إبرتها مكسورة، وإما لانعدام موضوعها، كمن يطلق عياراً على ميت بقصد قتله وهو غير عالم بموته. وقد كانت الجريمة المستحيلة محل نظر فقهاء القانون الوضعي ومناقشاتهم في القرن الماضي، وكان بعضهم يرى العقاب على الشروع فيها، وبعضهم لا يرى ذلك. أما اليوم فقد اتجه الرأي إلى إهمال نظرية الاستحالة والأخذ بالمذهب المضاد وهو المذهب الشخصي، ويقوم على النظر إلى غرض الفاعل وخطورته، فمتى كانت الأفعال التي أتاها تدل صراحة على قصد الفاعل فهو شارع في الجريمة وتجب عليه عقوبة الشروع. ورأي أصحاب المذهب الشخصي في الجريمة المستحيلة يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية، إذ يستوي في الشريعة الإسلامية أن تستحيل الجريمة بالنسبة لوسائلها أو موضوعها والغاية منها، فإن ذلك كله لا ينفي مسئولية الجاني إن كان ما فعله معصية، ولا شك أن محاولة الجاني الاعتداء على المجني عليه هي في ذاتها معصية بغض النظر عما إذا كانت المحاولة قد أدت لنتيجتها أم لم تؤد لذلك، وسواء كانت نتيجة المحاولة ممكنة الحصول أو مستحيلة الوقوع؛ لأن المحاولة في كل الأحوال اعتداء على الفرد وعلى أمن الجماعة، وما دامت النية الجنائية قد ظهرت وتجسمت في أفعال خارجية أتى بها الجاني بقصد تنفيذ جريمته فهو جان يستحق العقاب كلما تكوَّن من أفعاله معصية، وإذا كان الفعل لم يلحق أذى فعلاً بالمجني عليه، أو كانت الجريمة قد استحال تنفيذها، فإن ذلك أمر يترك تقديره للقاضي، فيعاقب الجاني بالعقوبة التي تتلاءم مع قصده وخطورته والظروف التي أحاطت بتنفيذ جريمته. * * *
следующие страницы →