← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

إما أن يكون لسبب ما غير التوبة، كأن يكتفي الجاني بما فعل، أو يرى أنه ينقصه بعض الأدوات، أو يرى أن يعاود الكرَّة في وقت آخر مناسب، أو يخشى أن يراه أحد، وإما أن يكون سبب العدول هو توبة الجاني وشعوره بالندم ورجوعه إلى الله. فإذا كان سبب عدم إتمام الجريمة هو إكراه الجاني على ذلك كأن يضبطه المجني عليه أو يصاب بحادث يمنعه من إتمام الجريمة، فإن ذلك لا يؤثر على مسئولية الجاني في شئ، ما دام أن الفعل الذي أتاه يعتبر معصية. وإذا عدل الجاني عن إتمام الجريمة لأي سبب غير التوبة، فهو مسئول عن الفعل كلما اعتبر الفعل معصية، أي اعتداء على حق الجماعة أو حق الفرد، فمثلاً إذا قصد سرقة منزل فنقبه أو كسر بابه، ثم عدل عن دخوله لأنه رأى الحارس يمر في هذه المنطقة فخشى أن يكتشف الحادث، أو دخل المنزل ثم خرج دون أن يسرق شيئاً لأنه عجز عن فتح خزانة النقود، أو ليأتي بزميل له يعاونه في فتح الخزانة أو يعاونه في حمل المسروقات، فهو في كل هذه الحالات يعاقب بالرغم من عدوله؛ لأنه عدل لسبب غير التوبة، ولأن ما وقع منه فعلاً يعتبر معصية، فالنقب معصية، ودخول منزل الغير دون إذنه معصية، وكسر باب منزل الغير معصية. أما إذا وصل إلى باب المنزل بقصد السرقة ثم عدل لأي سبب وعاد، فإنه لا يعاقب؛ لأن ما فعله لا يعتبر اعتداء على حق الجماعة أو حق الفرد ومن ثَمَّ لا يعتبر معصية، وإذا لم يعتبر الفعل معصية فلا عقاب. ٢٥٣ - التعديل للتوبة: أما إذا كان سبب عدول الجاني عن الفعل هو توبته ورجوعه إلى الله، فإن الجاني لا يعاقب على ما فعل، إذا كانت الجريمة هي جريمة الحرابة، وذلك لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] ، فالمحارب إذا تاب قبل القدرة

стр. 352

عليه سقطت عقوبته بالرغم من أنه أتى الجريمة التامة. وإذا كان هذا هو حكم من أتم الجريمة فأولى به أن يكون حكم من لم يتمها. وإذا كان الفقهاء قد اتفقوا على أن التوبة تسقط العقوبة المقررة لجريمة الحرابة (١) إذا حدثت التوبة قبل القدرة على المحارب، فإنهم اختلفوا في أثر التوبة على ما عدا هذه الجريمة، ولهم في ذلك ثلاث نظريات: النظرية الأولى: ويقول بها بعض الفقهاء في مذهب الشافعي ومذهب أحمد، ومجمل رأيهم أن التوبة تسقط العقوبة، وحجتهم في ذلك أن القرآن نص على سقوط عقوبة المحارب بالتوبة، وجريمة الحرابة هي أشد الجرائم، فإذا دفعت التوبة عن المحارب عقوبته كان من الأولى أن تدفع التوبة عقوبة ما دون الحرابة من الجرائم، وأن القرآن لما جاء بعقوبة الزنا الأولى رتب على التوبة منع العقوبة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦] ، وذكر القرآن حد السارق وأتبعه بذكر التوبة في قوله تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] ، وأن الرسول ﷺ قال: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، ومن لا ذنب له لا حد عليه، وقال الرسول في ماعز لما أُخبر بهربه: "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه". ويشترط هؤلاء الفقهاء لتُسقط العقوبة أن تكون الجريمة مما يتعلق بحق الله، أي أن تكون من الجرائم الماسة بحقوق الجماعة كالزنا والشرب، وأن لا تكون مما يمس حق الأفراد كالقتل أو الضرب، ويشترط بعض هؤلاء الفقهاء شرطاً آخر، وهو أن تكون التوبة مصحوبة بإصلاح العمل، وهذا الشرط

стр. 353

يقتضي مضي مدة يعلم بها صدق التوبة، ولكن البعض الآخر يكتفي بالتوبة ولا يشترط إصلاح العمل (١) . ويترتب على الأخذ بهذه النظرية أن تسقط العقوبة عمن يعدل عن إتمام جريمته تائباً كلما كانت الجريمة مما يمس حقوق الجماعة، أما الجرائم التي تمس حقوق الأفراد فلا يؤدي العدول عن ارتكابها لسقوط العقوبة بحال ولو كان سبب العدول هو التوبة. النظرية الثانية: وهي نظرية مالك وأبي حنيفة وبعض الفقهاء في مذهبي الشافعي وأحمد، ومجمل رأيهم أن التوبة لا تسقط العقوبة إلا في جريمة الحرابة للنص الصريح الذي ورد فيها؛ لأن الأصل أن التوبة لا تسقط العقوبة، فالله أمر بجلد الزاني والزانية فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، فجعل الجلد عاماً للتائبين وغير التائبين، وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، فجعل القطع للتائب وغير التائب. وقد أمر رسول الله ﷺ برجم ماعز والغامدية وقطع الذي أقر بالسرقة وكلهم جاءوا تائبين معترفين على أنفسهم يطلبون أن يتطهروا من ذنوبهم بإقامة الحد عليهم، وقد سمى الرسول فعلهم توبة فقال في حق المرأة: "لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم". ويرى هؤلاء الفقهاء أن العقوبة لا تسقط بالتوبة، لأنها كفارة عن المعصية، ولا يرون شبهاً بين المحارب وبين غيره من المجرمين حتى يقاس أحدهما على الآخر، فالمحارب شخص لا يقدر عليه فجعلت التوبة مسقطة لعقوبته إذا تاب قبل القدرة عليه بتشجيعه على التوبة والامتناع عن الفساد في الأرض، أما المجرم العادي فهو شخص مقدور عليه دائماً فليس ثمة ما يدعو لإسقاط العقوبة عنه بالتوبة، بل إن العقوبة هي التي تزجره عن الجريمة، وفضلاً عن ذلك فإن القول بأن

стр. 354

التوبة تسقط العقوبة يؤدي إلى تعطيل العقوبات؛ لأن كل مجرم لا يعجز عن ادعاء التوبة (١) . ويترتب على هذه النظرية أن عدول الجاني عن إتمام جريمته تائباً راجعاً إلى الله لا يمنع عنه العقوبة كلما اعتبر فعله معصية. النظرية الثالثة: وهي نظرية ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهما من الحنابلة. وعندهما أن العقوبة تطهر من المعصية، وأن التوبة تطهر من المعصية وتسقط العقوبة في الجرائم التي تمس حقاً لله، فمن تاب من جريمة من هذه الجرائم سقطت عقوبته إلا إذا رأى الجاني نفسه أن يتطهر بالعقوبة، فإنه إذا اختار أن يعاقب عوقب بالرغم من توبته (٢) . ويترتب على هذه النظرية أن من عدل عن إتمام جريمته تائباً تسقط عنه العقوبة إذا كانت الجريمة مما يمس حقاً لله، أي حقاً من حقوق الجماعة، ما لم يطلب الجاني نفسه أن يعاقب، أما إذا كانت الجريمة تمس حقاً للأفراد فلا تسقط العقوبة. والقاعدة العامة في القوانين الوضعية هي أن توبة الجاني لا تسقط العقوبة، وهذا يتفق مع نظرية مالك ومن معه، ولكن بعض القوانين الوضعية لا تعاقب الجاني إذا عدل مختاراً عن إتمام الجريمة، ومن هذه القوانين القانون المصري والقانون الفرنسي، وهذا يتفق مع ما يقوله بعض الفقهاء المسلمين من أن التوبة تسقط العقوبة. وبعض القوانين الوضعية لا تخلي الجاني من المسئولية عن الشروع ولو عدل عن إتمام الجريمة مختاراً كالقانون الإنجليزي والقانون الهندي. ٢٥٤ - الشروع في الجريمة المستحيلة: ليس في أقوال الفقهاء ما يشير

стр. 355

إلى ما نسميه اليوم بالجريمة المستحيلة. والجريمة المستحيلة - كما يعرفها شراح القوانين الوضعية - هي التي يستحيل وقوعها: إما لعدم صلاحية وسائلها، كمن يطلق على آخر بقصد قتله بندقية لا يعلم أنها غير معمرة أو أن إبرتها مكسورة، وإما لانعدام موضوعها، كمن يطلق عياراً على ميت بقصد قتله وهو غير عالم بموته. وقد كانت الجريمة المستحيلة محل نظر فقهاء القانون الوضعي ومناقشاتهم في القرن الماضي، وكان بعضهم يرى العقاب على الشروع فيها، وبعضهم لا يرى ذلك. أما اليوم فقد اتجه الرأي إلى إهمال نظرية الاستحالة والأخذ بالمذهب المضاد وهو المذهب الشخصي، ويقوم على النظر إلى غرض الفاعل وخطورته، فمتى كانت الأفعال التي أتاها تدل صراحة على قصد الفاعل فهو شارع في الجريمة وتجب عليه عقوبة الشروع. ورأي أصحاب المذهب الشخصي في الجريمة المستحيلة يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية، إذ يستوي في الشريعة الإسلامية أن تستحيل الجريمة بالنسبة لوسائلها أو موضوعها والغاية منها، فإن ذلك كله لا ينفي مسئولية الجاني إن كان ما فعله معصية، ولا شك أن محاولة الجاني الاعتداء على المجني عليه هي في ذاتها معصية بغض النظر عما إذا كانت المحاولة قد أدت لنتيجتها أم لم تؤد لذلك، وسواء كانت نتيجة المحاولة ممكنة الحصول أو مستحيلة الوقوع؛ لأن المحاولة في كل الأحوال اعتداء على الفرد وعلى أمن الجماعة، وما دامت النية الجنائية قد ظهرت وتجسمت في أفعال خارجية أتى بها الجاني بقصد تنفيذ جريمته فهو جان يستحق العقاب كلما تكوَّن من أفعاله معصية، وإذا كان الفعل لم يلحق أذى فعلاً بالمجني عليه، أو كانت الجريمة قد استحال تنفيذها، فإن ذلك أمر يترك تقديره للقاضي، فيعاقب الجاني بالعقوبة التي تتلاءم مع قصده وخطورته والظروف التي أحاطت بتنفيذ جريمته. * * *

стр. 356

الفصل الثاني الاشتراك في الجريمة ٢٥٥ - صور الاشتراك: قد يرتكب الجريمة فرد واحد، وقد يرتكبها أفراد متعددون فيساهم كل منهم في تنفيذها، أو يتعاون مع غيره على تنفيذها. وصور المساهمة والتعاون لا تخرج مهما اختلفت عن حالة من أربع: فالجاني قد يساهم في تنفيذ الركن المادي للجريمة مع غيره، وقد يتفق مع غيره على هذا التنفيذ، وقد يحرضه عليه، وقد يعينه على ارتكاب الجريمة بشتى الوسائل دون أن يشترك معه في التنفيذ. وكل واحد من هؤلاء يعتبر مشتركاً في الجريمة سواء اشترك مادياً في تنفيذ الركن المادي للجريمة أو لم يشترك مادياً في تنفيذه. وللتمييز بين من يشترك مادياً ومن لا يشترك في تنفيذ الركن المادي للجريمة: يسمى من يباشر تنفيذ الركن المادي: شريكاً مباشراً، ويسمى من لا يباشر التنفيذ: شريكاً متسبباً، ويسمى الفعل المباشر: الاشتراك المباشر في الجريمة، ويسمى فعل الشريك المتسبب: الاشتراك غير المباشر أو الاشتراك بالتسبب. وأساس هذه التفرقة أن الأول يباشر تنفيذ الركن المادي للجريمة فهو شريك في المباشرة، وأن الثاني يتسبب في الجريمة باتفاقه أو تحريضه أو بذله العون ولكنه لا يباشر تنفيذ ركن الجريمة المادي فهو شريك بالتسبب (١) . ولعل في التفريق بين الشركاء المختلفين على الوجه ما يزيل اللبس الذي يحدث من تسمية كل واحد من الشركاء بالشريك دون تمييز بين من يباشر الجريمة ومن لم يباشرها، ولعل رجال القانون في مصر أول من يعاني من هذا اللبس حيث جرى الشراح المصريون على تسمية المتسبب والمباشر بالشريك.

стр. 357

٢٥٦ - اهتمام وإهمال: ويجب أن نلاحظ قبل كل شئ أن فقهاء الشريعة اهتموا بإبراز أحكام الاشتراك المباشر، بينما أهملوا إلى حد كبير أحكام الاشتراك بالتسبب، ولذلك الاهتمام وهذا الإهمال علتان: العلة الأولى: أن الفقهاء - كما ذكر من قبل (١) - قصروا همهم على بيان أحكام الجرائم ذات العقوبات المقدرة وهي جرائم الحدود والقصاص، لأنها جرائم ثابتة لا تقبل التغيير والتعديل، ولأن عقوباتها مقدرة لا تقبل الزيادة أو النقص. أما جرائم التعزير فلم يهتموا بها ولم يضعوا لها أحكاماً خاصة، لأنها في الغالب جرائم غير ثابتة، تتغير بتغير ظروف الزمان والمكان واختلاف وجهات النظر، كما أن عقوبات التعزير غير ثابتة فهي تقبل الزيادة والنقص. العلة الثانية: أن القاعدة العامة في الشريعة أن العقوبات المقدرة تقع على من باشر الجريمة دون المتسبب، وهذه القاعدة مطبقة بدقة عند أبي حنيفة، ولكن بقية الفقهاء يستثنون من القاعدة جرائم الاعتداء على النفس وما دونها؛ أي جرائم القتل والجرح، وحجتهم في ذلك أن من طبيعة هذه الجرائم أن تقع بالمباشرة والتسبب، وأنها تقع كثيراً بالتسبب، فلو طبقت القاعدة على المباشر فقط لامتنع توقيع العقوبة المقدرة على المتسبب مع أنه نفذ الركن المادي للجريمة كما فعل المباشر. ويقصر هؤلاء الفقهاء الاستثناء على الشركاء المباشرين، أما الشركاء المتسببون فيخضعونهم للقاعدة العامة. ويترتب على القاعدة العامة أن الشريك المتسبب إذا اشترك في جريمة ذات عقوبة مقدرة لم يعاقب بهذه العقوبة؛ لأن العقوبة المقدرة لا تقع إلا على الشريك المباشر فقط، فجريمة الاشتراك بالتسبب هي من جرائم التعازير في كل حال سواء اشترك الشريك المتسبب في جريمة من جرائم الحدود والقصاص،

стр. 358

أو اشترك في جريمة من جرائم التعازير. وهذا يفسر لنا اهتمام الفقهاء بالاشتراك المباشر، وإهمالهم الاشتراك بالتسبب، فقد اهتموا بالاشتراك المباشر؛ لأن الشريك المباشر يعاقب بعقوبة الحد والقصاص إذا ارتكب جريمة من هذا النوع، وقد أهملوا الاشتراك بالتسبب؛ لأن الشريك بالتسبب لا يعاقب بعقوبة الحد أو القصاص، وإنما يعزر، فجريمته دائماً من جرائم التعازير ولو أنه اشترك في جريمة من جرائم الحدود أو القصاص. والفقهاء بالرغم مما سبق لم يهملوا الاشتراك غير المباشر إهمالاً كلياً، بل تعرضوا له أثناء بحث الجناية على النفس أو ما دونها، أي جرائم القتل والجرح؛ لأن هذه الجرائم ترتكب إما مباشرة وإما بالتسبب، والاشتراك غير المباشر نوع من التسبب. وما ذكره الفقهاء عن الاشتراك بالتسبب بمناسبة الكلام على القتل والجرح كاف على قلته لاستخراج القواعد العامة التي بنى عليها الفقهاء أحكام هذا النوع من الاشتراك، وسنرى فيما بعد أن هذه القواعد لا تختلف في مجموعها عن قواعد الاشتراك بالتسبب في أحدث القوانين الوضعية. ٢٥٧ - شروط الاشتراك العامة: والاشتراك سواء كان مباشراً أو غير مباشر له شرطان عامان يجب توفرهما لاعتبار الاشتراك جريمة، وهذان الشرطان هما: أولاً: أن يتعدد الجناة، فإذا لم يتعددوا فليس هناك اشتراك مباشر، ولا غير مباشر. ثانياً: أن ينسب إلى الجناة فعل محرم معاقب عليه، فإذا لم يكن الفعل المنسوب إليهم معاقباً عليه فليس هناك جريمة وبالتالي لا اشتراك. * * *

стр. 359

المبحث الأول الاشتراك المباشر ٢٥٨ - اشتراك المباشرين: الأصل أن هذا النوع من الاشتراك يوجد في حالة تعدد الجناة الذين يباشرون ركن الجريمة المادي، وهو ما نسميه اليوم بتعدد الفاعلين الأصليين أو اشتراك أكثر من فاعل أصلي في الجريمة، ولكن الفقهاء يلحقون هذا النوع من الاشتراك بعض صور الاشتراك بالتسبب ويجعلون حكمها واحداً ولو أن الشريك بالتسبب لا يباشر ركن الجريمة المادي بنفسه، وعلى هذا يعتبر مباشراً للجريمة: أولاً: من يرتكبها وحده أو مع غيره، فمن قتل إنساناً أو سرق متاعاً فهو مباشر لجريمة القتل أو السرقة، وإذا اشترك اثنان أو ثلاثة في قتل فأطلق كل منها عياراً على المجني عليه فأصابه إصابة قاتلة فكل منهم مباشر لجريمة القتل، وإذا سرقوا من حرز أمتعة لآخر فكل منهم سارق. مسئولية المباشر في حالتي التوافق والتمالؤ: يفرق أغلب الفقهاء بين مسئولية الشريك المباشر في حالة التوافق وبين مسئوليته في حالة التمالؤ، ففي حالة التوافق يسأل كل شريك عن نتيجة فعله فقط، ولا يسأل عن نتيجة فعل غيره، كشخصين ضربا ثالثاً فقطع أحدهما يده وقطع الثاني رقبته، فسأل الأول عن القطع، ويسأل الثاني عن القتل، أما في حالة التمالؤ فيسأل كل منهما عن القتل. والتوافق معناه أن تتجه إرادة المشتركين في الجريمة إلى ارتكابها دون أن يكون بينهم اتفاق سابق، بل يعمل كل منهم تحت تأثير الدافع الشخصي والفكرة الطارئة، كما هو الحال في المشاجرات التي تحدث فجأة، فيتجمع لها أهل المتشاجرين

стр. 360

دون اتفاق سابق، ويعمل كل منهم بحسب ما تمليه عليه رغبته الذاتية وفكرته الطارئة، ففي هذه الحالة وأمثالها يقال أن بين المشتركين توافقاً، ولكن كلاً منهم لا يسأل إلا عن فعله فقط، ولا يتحمل نتيجة فعل غيره. أما التمالؤ فيقتضي الاتفاق السابق بين الشركاء المباشرين على ارتكاب الجريمة، بمعنى أنهم يقصدون جميعاً قبل ارتكاب الحادث الوصول إلى تحقيق غرض معين، ويتعاونون أثناء وقوع الحادث على إحداث ما اتفقوا عليه، فإذا اتفق شخصان على قتل ثالث، ثم ذهبا لتنفيذ الجريمة فضربه أحدهما بسكين فقطع إصبع يده، وذبحه الثاني، فإنهما يعتبران متماثلان على جريمة القتل، وكلاهما مسئول عن القتل لهذا التمالؤ. ولا يفرق أبو حنيفة بين التوافق والتمالؤ، فحكمهما عنده واحد، والجاني لا يسأل في الحالين إلا عن فعله فقط (١) . أما بقية الأئمة فيفرقون بين التوافق والتمالؤ على الوجه الذي سبق بيانه (٢) . على أن بعض الفقهاء في مذهب الشافعي وأحمد يأخذون برأي أبي حنيفة (٣) . متى يعد الجاني شريكاً مباشراً؟: يعد الجاني شريكاً مباشراً كلما أتى فعلاً يعتبر به أنه بدأ في تنفيذ الجريمة، وهو يعتبر كذلك كلما أتى فعلاً يعتبر معصية قاصداً به تنفيذ الجريمة، فهو يعد مباشراً للجريمة كلما اعتبر شارعاً في تنفيذها بتعبيرنا العصري، سواء تمت الجريمة أو لم تتم؛ لأن تمام الجريمة أو عدم تمامها ليس له أثر على اعتباره شريكاً مباشراً، وإنما قاصر على العقوبة، فإن تمت الجريمة وكانت حداً وجبت عقوبة الحد، وإن لم تتم وجبت عقوبة التعزير فقط،

стр. 361

فإذا كانت الجريمة من جرائم التعزير فالعقوبة هي التعزير في حالة التمام وعدم التمام. وقد بينا من قبل أن نظرية الشريعة الإسلامية في الشروع تتفق من نظرية أصحاب المذهب الشخصي في القوانين الوضعية (١) ، وهي النظرية السائدة في معظم القوانين والتي يتجه إليها معظم الشراح، ونزيد هنا أن نظرية الشريعة في الشريك المباشر قامة على نفس الأساس الذي قامت عليه نظرية الشروع، ومن ثم فهي تتفق مع ما تأخذ به معظم القوانين الوضعية الحديثة ومنها القانون المصري. ثانياً: يعتبر مباشراً للجريمة الشريك المتسبب إذا كان المباشر آله في يده يحركه كيف يشاء، ولا خلاف بين الفقهاء على تقرير هذا المبدأ، ولكنهم يختلفون في تطبيقه، فمن يأمر شخصاً حسن النية بقتل آخر فيقتله فإن الآمر يعتبر فاعلاً مباشراً للجريمة عند مالك والشافعي وأحمد ولو أنه لم يباشر الفعل المادي؛ لأن المأمور كان أداة في يد الآمر يحركه كيف يشاء (٢) . أما أبو حنيفة فلا يعتبر الآمر مباشراً إلا إذا كان أمره إكراهاً للمأمور فإن لم يبلغ الأمر درجة الإكراه فهو شريك بالتسبب فقط وليس مباشراً ولا يأخذ حكم المباشر (٣) . واعتبار الشريك بالتسبب مباشراً هي نظرية محل خلاف بين القوانين الوضعية وبين الشراح، فمن القوانين والشراح من يأخذ بها ومنهم من لا يأخذ بها، وكان القانون المصري يأخذ بهذه النظرية قبل سنة ١٩٠٤ حيث كان يعاقب الرئيس الآمر بالقتل والقادر على استعمال الوسائل

стр. 362

الجبرية باعتباره فاعلاً أصلياً لا شريكاً للفاعل (١) . أما بعد سنة ١٩٠٤ فقد أصبح القانون المصري يعتبر الآمر شريكاً كما هو ظاهر النص، ولكن المحاكم المصرية لا يزال مع ذلك على اعتبار الشريك المتسبب مباشراً متأثرة في هذا بقوة النظرية ورجوح رأي مؤيديها، فكأن المحاكم المصرية تأخذ اليوم في هذه المسألة بنظرية الشريعة الإسلامية. ٢٥٩ - عقوبة المباشرين: القاعدة في الشريعة أن تعدد الفاعلين لا يؤثر على العقوبة التي يستحقها كل منهم لو كان قد ارتكب الجريمة بمفرده، فعقوبة من اشترك مع آخرين في مباشرة جريمة هي نفس العقوبة المقررة لمن ارتكب الجريمة واحدة، ولو أن الجاني عند التعدد لا يأتي كل الأفعال المكونة للجريمة. ٢٦٠ - أثر ظروف المباشر على العقوبة: وإذا كانت عقوبة الجريمة واجبة على كل مباشر وإن اشترك مع غيره إلا أن عقوبة كل مباشر تتأثر بظروفه الخاصة. والأصل في ذلك أن العقوبة المستحقة على كل جان تتأثر بصفة الفعل، وصفة الفاعل، وقصد الفاعل، فقد يكون الفعل بالنسبة لأحد الجناة اعتداء، وبالنسبة للثاني دفعاً لصائل، أي دفاعاً شرعياً، وبالنسبة للثالث تأديباً. وقد يكون أحد الفاعلين مجنوناً وأحدهم عاقلاً، وقد يكون أحدهم عامداً وأحدهم مخطئاً. وكل هذا يؤثر على العقوبة، فمن كان في حالة دفاع أو تأديب لا عقاب عليه إذا لم يجاوز حد الدفاع أو التأديب، ومن كان مجنوناً فلا عقاب عليه، بخلاف العاقل المميز، ومن كان مخطئاً نزلت عقوبته عن عقوبة العامد. ٢٦١ - هل تتأثر عقوبة الشريك بظروف شريكه؟: القاعدة في

стр. 363

الشريعة أنه إذا تأثرت عقوبة أحد الشركاء لصفة في الفعل، أو لصفة في التفاعل، أو لقصد الفاعل، فإن عقوبة الشريك الآخر الذي لم تتوفر له هذه الصفات لا تتأثر بفعل غيره أو صفته أو قصده. فإذا جرح شخصاً آخر دفاعاً عن نفسه وتعمد ثان جرحه بقصد قتله، فمات من الجرحين، فإن الجاني الأول يعفي من العقاب؛ لأن وجوده في حالة دفاع شرعي أباح له الفعل، ويعاقب الثاني بعقوبة القتل العمد؛ لأن فعله عدوان متعمد، ولا يؤثر على عقوبته أنه اشترك في القتل مع من يباح له القتل؛ لأن إعفاء الأول كان لصفة في فعله لم تتوفر في فعل الثاني. وإذا اشترك مجنون مع عاقل في ارتكاب جريمة أعفى الأول من العقوبة لجنونه، وعوقب الثاني بالعقوبة المقررة للجريمة دون أن يكون للإعفاء الأول أثر على عقوبة الثاني، إذ الإعفاء أساسه معنى أو صفة توفرت في الأول ولم تتوفر في الثاني. والأب حين يشترك مع غيره في قتل ولده لا يقتص منه، ولكن الغير يقتص منه؛ لأن أساس إعفاء الأب صفة الأبوة في الأب وهي صفة خاصة به لا تتوفر في شريكه فلا يستفيد منها الشريك. والعامد والمخطئ إذا اشتركا في جريمة قتل عوقب كل منهما على أساس قصده، فعلى العامد عقوبة العمد، وعلى المخطئ عقوبة الخطأ، ولا تتأثر عقوبة الأول بتخفيف عقوبة الثاني؛ لأن أساس التخفيف انعدام قصد الجاني وهو معنى لا يتوفر في العامد (١) . هذه هي القاعدة الأساسية في الشريعة الإسلامية ولا خلاف عليها بين الفقهاء، وإذا كانوا قد اختلفوا عند تطبيق القاعدة على جرائم الحدود والقصاص فإن الخلاف ليس في الواقع على تطبيق هذه القاعدة، وإنما الخلاف على تطبيق قاعدة أخرى هي قاعدة درء الحدود بالشبهات، كما أن الخلاف محصور في

стр. 364

حالات التي يحتمل فيها أن يكون فعل أحد المباشرين هو الذي أدى إلى النتيجة المعاقب عليها دون فعل الآخر أو الآخرين، كحالة القتل من مخطئ وعامد ومن مدافع ومعتد، ومن مجنون وعاقل، ومن صبي وبالغ، ومن عمل الطبيب وعدوان الجاني. اختلفوا في هذه الحالات وأمثالها؛ لأن فعل الشريكين أدى للقتل ومن المحتمل أن يكون فعل أحدهما هو الذي أدى للقتل دون فعل شريكه، فرأى البعض في قيام هذا الاحتمال شبهة درأ على أساسها الحد عن الشريك الآخر، ورأى البغض أن لا شبهة فلم يدرأ الحد وعاقب كلاً بعقوبته المستحقة عليه، فالخلاف إذن ليس على القاعدة الأصلية، وإنما هو على قاعدة درء الحدود بالشبهات، وإن كانت النتيجة العملية عند من يدرأ الحد أن الشريك يتأثر بظروف شريكه عملاً سواء كانت هذه الظروف قائمة على صفة الفعل أو صفة الفاعل أو قصده. ونظرية الشريعة في عدم تأثر عقوبة الشريك المباشر بظروف شريكه تتفق تمام الاتفاق مع النظرية التي أخذ بها قانون العقوبات المصري، وهي النظرية السائدة في القوانين الوضعية، فالقانون المصري ينص على أنه "إذا وجدت أحوال خاصة بأحد الفاعلين تقتضي تغيير وصف الجريمة أو العقوبة بالنسبة له فلا يتعدى أثرها إلى غيره منهم. وكذلك الحال إذا تغير الواصف باعتبار قصد مرتكب الجريمة أو كيفية علمه بها" (١) . * * * المبحث الثاني الاشتراك بالتسبب ٢٦٢ - الشركاء المتسببون: يعتبر شريكاً متسبباً من اتفق مع غيره على

стр. 365

ارتكاب فعل معاقب عليه، ومن حرض غيره أو أعانه على هذا الفعل، ويشترط في الشريك أن يكون قاصداً الاتفاق أو تحريض أو الإعانة على الجريمة. ٢٦٣ - شروط الاشتراك بالتسبب: ويستخلص مما سبق أن الاشتراك بالتسبب لا يوجد إلا إذا توفرت ثلاثة شروط: أولها: فعل معاقب عليه هو الجريمة. وثانيها: وسيلة لهذا الفعل وهي اتفاق أو تحريض أو إعانة. وثالثها: أن يكون الشريك قاصداً من وسائله وقوع الفعل المعاقب عليه. وسنتكلم على هذه الشروط واحداً بعد الآخر فيما يلي: الشرط الأول: الفعل المعاقب عليه: يشترط لوجود الاشتراك أن يكون هناك فعل معاقب عليه، وأن يقع هذا الفعل، وليس من الضروري أن يقع الفعل تاماً، بل يكفي لمؤاخذة الشريك أن يكون الفعل غير تام؛ أي شروعاً معاقباً عليه، وليس من الضروري أن يعاقب الفاعل المباشر ليعاقب الشريك، فقد يكون المباشر حسن النية فلا يعاقب ويعاقب الشريك، وقد يعفي الفاعل من العقوبة لصغره أو لجنونه ويعاقب الشريك. الشريك الثاني: ويجب أن يكون الاشتراك باتفاق أو تحريض أو إعانة: أ - الاتفاق: يفرق أغلب الفقهاء كما ذكرنا (١) بين التوافق والاتفاق أي التمالؤ، فالتوافق هو توارد خواطر أكثر من شخص على ارتكاب جريمة ما دون اتفاق فيما بينهم، ولا يعتبر الموافقون شركاء بالتسبب، وإنما يمكن اعتبارهم شركاء بالمباشرة إذا ارتكبوا الفعل المحرم. أما الاتفاق فيقتضي تفاهماً سابقاً على ارتكاب الجريمة بين الشريك المتسبب والشريك المباشر، كما يقتضي اتجاه إرادتهما واتحادهما على ارتكاب الجريمة، فإذا لم يكن هناك اتفاق سابق فلا اشتراك، وإذا كان هناك اتفاق سابق ولكن

стр. 366

على غير الجريمة التي ارتكبت فليس هناك اشتراك، فمن اتفق مع آخر على سرقة جاموسة شخص معين فذهب المباشر وضرب صاحب الجاموسة أو سرق الجاموسة شخص آخر فلا اشتراك، ولكن انعدام الاشتراك لا يمنع من العقاب على الاتفاق مستقلاً؛ لأنه معصية. ولقيام الاشتراك يجب أن تقع الجريمة نتيجة للاتفاق، فإذا وقعت الجريمة المتفق عليها ولكن لم يكن وقوعها نتيجة الاتفاق فلا اشتراك، فمن اتفق مع آخر على قتل ثالث، وبعد اتفاقهما وقبل حلول الموعد المحدد لارتكاب الجريمة علم الثالث بما دبر له؛ فذهب إلى الموكل بمباشرة الجريمة وحاول أن يقتله، فقتله الآخر دفاعاً عن نفسه، فلا مسئولية على المباشر؛ لأنه كان في حالة دفاع عن النفس، ولكنه هو ومن اتفق معه مسئولان عن اتفاقهما على ارتكاب جريمة القتل ولو لم تنفذ هذه الجريمة؛ لأن الاتفاق على ارتكاب الجريمة معصية في ذاته سواء وضع موضع التنفيذ أو لم يوضع. نظرية لمالك: ويعتبر مالك من اتفق مع آخر على ارتكاب جريمة وحضر أثناء ارتكابها شريكاً مباشراً لا شريكاً متسبباً، ولو أنه لم يباشر الجريمة ولم يعن المباشر إذا كان بحيث لم يباشرها غيره باشرها هو. وهذه نظرية مالك في الشريك المتسبب على الإطلاق، سواء كانت وسيلة التسبب الاتفاق أو التحريض أو الإعانة (١) ، وينفرد مالك بهذه النظرية فلا يوافقه عليها غيره من الفقهاء. ب - التحريض: يقصد بالتحريض إغراء المجني عليه بارتكاب الجريمة، والمفروض أن يكون الإغراء هو الدافع لارتكاب الجريمة، فإذا كان من وجه إليه الإغراء سيرتكب الجريمة ولو لم يكن إغراء ولا تحريض، فلا يمكن القول بأن التحريض هو الذي دفع الجاني للجريمة، وسواء كان للتحريض أثر أو لم

стр. 367

يكن، فإنه يجوز طبقاً لقواعد الشريعة العقاب على التحريض مستقلاً؛ لأن التحريض على ارتكاب الجريمة معصية وأمر بإتيان المنكر. ويعتبر تحريضاً الأمر بالقتل، والإكراه على القتل، والفرق بين الأمر والإكراه أن الأمر لا يؤثر على اختيار المأمور فيكون في وسعه أن يأتي الجريمة أو يتركها، أما المكره فليس كذلك؛ لأن الإكراه يؤثر على اختياره وليس في وسعه أن يختار إلا بين شيئين: إما إتيان الجريمة، وإما قبول ما يهدد به والصبر عليه. وإذا كان الآمر ذا سلطان على المأمور كسلطان الأب على ولده الصغير والمعلم على تلميذه فقد يبلغ الأمر درجة الإكراه، وإذا لم يكن المأمور صغيراً ولا معتوهاً ولا مجنوناً ولم يكن للآمر عليه سلطان فليس الأمر إلا تحريضاً عادياً قد ينتج أثره وقد لا ينتجه. ويفرقون في حالة وجود سلطان للآمر بين المميز وغيره، فإن كان المأمور غير مميز ولا يمكنه أن يخالف الآمر فهو أداة للآمر ولو أنه باشر الجريمة، ويعتبر الآمر هو المباشر لها ولا يعتبر في هذه الحالة شريكاً بالتسبب (١) . ويرى مالك أن المحرض إذا حضر في محل الجريمة أثناء مباشرتها يعتبر فاعلاً أصلياً سواء ساعد المباشر أو لم يساعده، بشرط أن يكون بحيث إذا لم يباشر غيره الجريمة باشرها هو. جـ - الإعانة: يعتبر شريكاً في الجريمة بالتسبب من أعان غيره على ارتكابها ولو لم يتفق معه على ارتكابها من قبل، فمن يرقب الطريق للقاتل أو السارق يعتبر معيناً له، ومن يستدرج المجني عليه لمحل الحادث ثم يتركه لغيره يقتله

стр. 368

أو يسرقه فهو معين للقاتل أو السارق، ومن ينتظر خارج محل السرقة ليساعد الجاني أو الجناة في نقل المسروقات يعتبر معيناً لهم. ويميز الفقهاء بين المباشر والمعين، فالمباشر هو الذي يأتي الفعل المحرم أو يحاول إتيانه، أما المعين فلا يباشر نفس الفعل ولا يحاول مباشرته، وإنما يعين المباشر بأفعال لا صلة لها بذات الفعل المحرم ولا يعتبر تنفيذاً لهذا الفعل. وقد اختلف الفقهاء في حكم من أمسك إنساناً ليقتله ثالث، فرأى البعض أن الممسك شريك معين وليس مباشراً للقتل، وهو رأي أبي حنيفة والشافعي، ورأي في مذهب أحمد، وحجتهم أن الممسك إذا كان تسبب بفعله في القتل إلا أن الآخر هو الذي باشره، والمباشرة تتغلب على السبب إذا لم يكن ملجئاً. ورأى البعض أن الممسك والقاتل كلاهما مباشر للقتل، وهذا رأي مالك والرأي الثاني في مذهب أحمد، وحجتهم أن القاتل باشر القتل والممسك تسبب فيه، وأن المباشرة والسبب تساويا في إحداث نتيجة الفعل وهي القتل، ولم يكن في الإمكان أن تحدث هذه النتيجة لو لم يكن أحد الفعلين (١) . والخلاف بين الفقهاء لا يرجع إلى اعتبار هذا معيناً وذاك مباشراً، فلا خلاف بينهم في تعريف المعين والمباشر، وإنما الخلاف يرجع إلى تطبيق القواعد التي تبين الطريقة التي ارتكبت بها الجريمة، وهل هي المباشرة أو التسبب (٢) . هذه القواعد تتلخص في أن المباشرة إذا اجتمعت مع السبب لا تخرج عن حالات ثلاث: الأولى: أن يتغلب السبب على المباشرة، ويحدث ذلك إذا لم تكن المباشرة عدواناً، كشهادة الزور على المتهم بالقتل والحكم عليه بناء على هذه الشهادة. الثانية: أن تتغلب المباشرة على السبب، ويكون ذلك كلما قطعت المباشرة

стр. 369

عمل السبب ولم يكن السبب ملجئاً، كمن ألقى بآخر في لجة لا تستطاع النجاة منها فلقيه ثالث في اللجة فقتله. الثالثة: أن يعتدل السبب والمباشرة، ويكون ذلك كلما تساوى عملهما، كالإكراه على القتل، فإن المكره هو الذي يحرك المباشر ويحمله على ارتكاب الحادث، ولولا الأول لما فعل الثاني شيئاً، ولولا فعل الثاني ما أدى الإكراه للقتل. فالخلاف واقع في تطبيق هذه القواعد لا في غيرها، إذ الممسك يعتبر متسبباً في القتل والثاني مباشراً له، فقد اجتمعت إذن مباشرة وتسبب. فمن اعتبر الممسك شريكاً مباشراً فقد رأى أن المباشرة اعتدلت مع السبب وتساوى عملهما، ومن اعتبر الممسك شريكاً بالتسبب فقد رأى أن المباشرة تغلبت على السبب وأن عمل الممسك يعتبر إعانة على القتل لا مباشرة له. ويعتبر مالك المعين شريكاً مباشراً في حالة التمالؤ على الجريمة، أي في حالة الاتفاق السابق على الجريمة إذا حضر المعين محل الحادث، أو كان على مقربة منه، بحيث لو استعين به على ارتكاب الجريمة لم يتأخر عن ارتكابها. فإذا لم يكن هناك اتفاق سابق عى الجريمة، وإذا حضر المعين محل الحادث ولم يكن على استعداد لارتكاب الجريمة لو استعين به، فهو شريك بالتسبب فقط. أما بقية الفقهاء فيعتبرون المعين شريكاً بالتسبب في كل الحالات ما دام أنه لم يباشر تنفيذ الجريمة. الشرط الثالث: أن يكون الشريك قاصداً من وسائله وقوع الفعل المعاقب عليه. ويشترط أن يقصد الشريك من اتفاقه أو تحريضه أو عونه وقوع جريمة معينة، فإن لم يقصد جريمة بعينها فهو شيك في كل جريمة تقع ما دامت تدخل في قصده المحتمل، فإذا لم يقصد الشريك جريمة ما، أو قصد جريمة معينة فارتكب الجاني غيرها، فلا اشتراك. فمن أعطى إنساناً فأساً ليعزق بها أرضه فقتل بها آخر فلا يعتبر أنه أعان القاتل على القتل، ومن حرض إنساناً على ضرب آخر فأتلف زراعته فلا يعتبر شريكاً في جريمة الإتلاف. على أن عدم

стр. 370

مسئولية المحرض باعتباره شريكاً لا يمنع من مسئوليته عن التحريض على الضرب ولو لم تقع الجريمة المحرض عليها؛ لأن التحريض في ذاته معصية أي جريمة. ٢٦٤ - علاقة السببية بين الاشتراك والجريمة: لا يعتبر الاشتراك موجوداً إلا إذا كان بينه وبين وقوع الجريمة علاقة السببية المباشرة، فإذا كانت وسيلة الإشراك هي الاتفاق وجب أن تقع الجريمة نتيجة لهذا الاتفاق، فإن لم تكن الجريمة نتيجة للاتفاق فلا اشتراك. وإذا كانت وسيلة الاشتراك التحريض وجب أن تقع الجريمة نتيجة للتحريض، فإن وقعت نتيجة لغير التحريض أو لم يكن للتحريض أثر في نفس المباشر فلا اشتراك. ويجب أن يكون بين الإعانة ووقوع الجريمة علاقة السببية، فمن استدرج إنساناً إلى مكان معين ليقتله آخر فلم يجد القاتل في المكان المتفق عليه فتركه يعود لمنزله، ثم جاء الجاني بعد ذلك فلما علم بما حدث ذهب إلى المجني عليه وقتله في منزله، ففي هذه الحالة لا يسأل المعين باعتباره شريكاً لانعدام علاقة السببية بين فعله ووقوع الجريمة. وانعدام الاشتراك لا يمنع من العقاب على الاتفاق والتحريض والإعانة باعتبارها معاصي أي جرائم بذاتها، ولا يتوقف العقاب عليها على تنفيذ الجريمة التي قصدت منها. ٢٦٥ - هل يكون الاشتراك بعمل سلبي؟: وسائل الاشتراك هي الاتفاق والتحريض والإعانة. والاتفاق والتحريض وسيلتان إيجابيتان بطبيعتهما ولا يتصور نسبة الاتفاق والتحريض لمن لم يتفق ومن لم يحرض. أما الإعانة فتحتمل بطبيعتها أن تكون سلبية، كمن رأى جماعة يسرقون منزلاً فسكت عليهم، أو رآهم يقتلون آخر فلم يمنعهم عنه، أو رأى رجلاً يلقي بصغير لا يحسن العوم في نهر فلم يمنعه ولم ينقذ الصغير، فهل يعتبر السكوت في هذه الأحوال وأمثالها إعانة يؤاخذ عليها أم لا؟ أغلب الفقهاء لا يرون في هذه الحالات وأمثالها إعانة لمن باشر الجريمة؛ لأن السكوت وإن أمكن اعتباره عوناً من الناحية

стр. 371

الأدبية إلا أنه لا يمكن اعتباره اشتراكاً بالتسبب وإعانة على الجريمة من الناحية الشرعية، إذ الإعانة المعاقب عليها تقتضي التفاهم بين المعين والمباشر، كما تقتضي أن يقصد الشريك من إعانته حدوث الجريمة، وأن تؤدي الإعانة إلى حدوثها. والسكوت على المجرمين في حالة من يرى جريمة ترتكب فلا يمنع من ارتكابها؛ السكوت في هذه الحالة لا يقوم على تفاهم، وإنما قد يكون نتيجة الخوف أو عدم المبالاة، كما أن الساكت لا يقصد من سكوته حدوث الجريمة، وليس بين سكوته وبين ارتكاب الجريمة علاقة السببية التي يجب توفرها بين عون المعين ووقوع الجريمة. ولكن بعض الفقهاء لا يأخذون بهذا الرأي، ويفرقون بين القادر على منع الجريمة، ومن لا يقدر على منعها، فأما من يقدر على منع الجريمة أو إنجاء المجني عليه من الهلكة فهو مسئول جنائياً عن سكوته، ويعتبر مشاركاً في الجريمة ومعيناً للجناة، وأما من لا يقدر على منع الجريمة أو إنجاء المجني عليه من الهلكة فلا مسئولية عليه إذا سكت، ولا يعتبر معيناً على الجريمة حيث لم يكن في إمكانه أن يفعل شيئاً، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها (١) . ٢٦٦ - عدول الشريك وأثره: إذا عدل الشريك عن اتفاقه مع المباشر أو تحريضه له، أو عدل عن تقديم العون إليه، ثم وقعت الجريمة بالرغم من ذلك، فمن السهل في حالة الاتفاق والإعانة إعفاء الشريك من عقوبة الجريمة التي وقعت؛ لأن ما حدث منه لم يكن سبباً في وقوع الجريمة، أما في حالة التحريض فمن الصعب القول بإعفاء الشريك من العقاب، إلا إذا أثبت المحرض أنه أزال كل أثر لتحريضه، وأن المباشر ارتكب الجريمة وهو غير متأثر بتحريض الشريك. على أن هذا لا يمنع من العقاب على الاتفاق والتحريض باعتبار كل منهما معصية في ذاته وبغض النظر عن الجريمة التي وقعت، كما أن هذا لا يمنع من العقاب على العون الذي قدم كلما كان معصية. ٢٦٧ - عقوبة الشريك المتسبب: القاعدة في الشريعة أن العقوبات

стр. 372

المقدرة جعلت لمباشر الجريمة دون الشريك المتسبب، وتطبيق هذه القاعدة يقتضي أن من اشترك في جريمة من جرائم الحدود أو القصاص لا يعاقب بالعقوبة المقررة للجريمة أياً كانت وسيلة الاشتراك، أي سواء كان الاشتراك بالاتفاق أو التحريض أو العون، وإنما يعاقب بالتعزير. والعلة في اختصاص هذه القاعدة بجرائم الحدود والقصاص أن العقوبات المقررة لهذه الجرائم بالغة الشدة، وأن عدم مباشرة الشريك المتسبب للجريمة يعتبر شبهة تدرأ عنه الحد، ولأن الشريك المتسبب أياً كان الحال أخف جرماً وأقل خطراً من مباشر الجريمة، ومن ثم لم تستو عقوبتهما. لكن إذا كان فعل الشريك المتسبب بحيث يجعله في حكم المباشر، كما لو كان المباشر مجرد أداة في يد الشريك المتسبب فإن الأخير يعاقب في هذه الحالة بعقوبة الحد أو القصاص؛ لأنه يعتبر شريكاً مباشراً لا شريكاً متسبباً. وقد عرفنا نظرية مالك التي تعتبر الشريك المتسبب أياً كانت وسيلة الاشتراك شريكاً مباشراً إذا حضر تنفيذ الجريمة، وكان بحيث إذا لم ينفذها غيره نفذها هو، أو اشترك مع غيره في تنفيذها. وبمقتضى هذه النظرية يعاقب الشريك المتسبب بعقوبة الحد والقصاص كلما اعتبر شريكاً مباشراً. أما جرائم التعازير فنستطيع أن ننظر إليها من وجهين: ١ - فإذا قسناها على جرائم الحدود والقصاص وجب أن لا نسوي بين عقوبة الشريك المباشر وعقوبة الشريك المتسبب، ووجب أن نجعل عقوبة الأخير أخف من عقوبة الأول، ويمكن تعليل هذا الرأي بأن القواعد التي تنطبق على جرائم الحدود والقصاص، هي نفس القواعد التي تنطبق على جرائم التعازير في الغالب، وأن الشريك المتسبب أقل خطراً وأخف جرماً من الشريك المباشر، فلا معنى للتسوية بين مختلفين. ٢ - وإذا قلنا إن القاعدة خاصة بجرائم الحدود والقصاص، وإن سبب

стр. 373

التفرقة بين الشريك المباشر والشريك المتسبب هو شدة العقوبة، وجب أن نقول إن جرائم التعازير لا يفرق فيها بين عقوبة الشريك المباشر والشريك المتسبب، وهذا هو الذي نرجحه؛ لأن جريمة كل من الشريكين جريمة تعزيرية والعقوبة المقررة عليها عقوبة تعزيرية، والشريعة لا تفرق بين جريمة تعزيرية وأخرى، ولا تحدد لكل جريمة عقوبة بعينها، وتترك للقاضي أن يختار العقوبة المناسبة للجريمة والمجرم، كذلك فإن عقوبات التعزير غير مقدرة؛ أي غير ثابتة، وما دامت العقوبة غير ثابتة وتقديرها متروك للقاضي فمن الصعب وضع حدود لعقوبة المباشر والمتسبب، كما أنه لا فائدة عملية ترجى من وراء وضع هذه الحدود. ويترتب على هذا الرأي أنه يصح أن تزيد عقوبة الشريك المتسبب على عقوبة الشريك المباشر، كما يصح أن تقل عنها أو تساويها؛ لأن عقوبات التعازير ذات حدين في الغالب، وللقاضي حرية تقدير العقوبة من بين الحدين مراعياً في التقدير ظروف المجرم والجريمة، فإذا رأى القاضي أن ظروف الشريك المباشر تقتضي استعمال الرأفة خفف عنه، وإذا رأى أن ظروف الشريك المتسبب تقتضي استعمال الشدة غلظ عقوبته. ويستطيع القاضي على هذا الأساس أن يرفع عقوبة أحد الشريكين إلى الحد الأعلى، أو أن ينزل بها إلى الحد الأدنى، كما يستطيع أن يسوي بين عقوبة الشريكين إذا رأى أن الظروف تقضي بالتسوية بينهما. ٢٦٨ - أخذ الشريك بقصده الاحتمالي: ويسأل الشريك المتسبب عن الجريمة التي ارتكبها الشريك المباشر، ولو كانت أشد من الجريمة التي قصدها الشريك المتسبب، ما دامت الجريمة التي وقعت نتيجة محتملة لاشتراكه، وكان من الممكن توقع حصولها نتيجة لتنفيذ الجريمة المقصودة، فمن حرض شخصاً على ضرب آخر فضربة ضربة أدت لوفاته، فالشريك المتسبب لا يسأل عن الضرب فقط وإنما يسأل عن القتل شبه العمد؛ لأن القتل كان نتيجة محتملة الوقوع لتنفيذ جريمة

стр. 374

الضرب، وإذا ضربه فأحدث به إصابة أدت لبتر يده أو شللها فالشريك المتسبب مسئول عن جريمة إبانة الطرف أو إذهاب معناه؛ لأن هذا من النتائج المتوقعة للضرب. ٢٦٩ - أثر ظروف الشريك المباشر على الشريك المتسبب: قد تتأثر عقوبة الشريك المتسبب بالظروف التي تؤثر على عقوبة الشريك المباشر وقد لا تتأثر بها، وعقوبة الشريك المباشر تتأثر بعقوبة الفعل، وصفة الفاعل، وقصده، كما بينا سابقاً (١) . فأما من جهة الفعل: فإذا ارتكب الشريك المباشر الفعل الذي قصده الشريك المتسبب، فعلى كل منهما عقوبته كلما كان الفعل من جرائم التعزير، أما إن كان الفعل من جرائم الحدود أو القصاص فلكل منهما عقوبته الخاصة؛ للأسباب التي بيناها (٢) . وإذا ارتكب المباشر فعلاً غير الذي قصده الشريك المتسبب فلا يعاقب الأخير بعقوبة هذا الفعل إلا إذا كان داخلاً في قصده المحتمل. وإذا كانت العقوبة قائمة على صفة الفاعل فشددت أو خففت أو انعدمت لصفته: فإن الشريك المتسبب لا يتأثر بشيء من هذا؛ لأن التشديد والتخفيف وامتناع العقاب راجع لمعنى في الشريك المباشر لا يتوفر في الشريك المتسبب، فإذا كان الشريك المباشر صبياً أو مجنوناً فلا عقاب عليه، وعلى الشريك المتسبب العقاب، وإذا كان الشريك المباشر معتاداً على الإجرام شددت عليه العقوبة دون الشريك المتسبب، وإذا كان الشريك المباشر صغير السن خففت عليه العقوبة لصغر سنه، ولم تخفف عن الشريك المتسبب. وإذا كانت العقوبة قائمة على قصد الفاعل عوقب بها الشريك المتسبب إذا لم يكن قصده مخالفاً لقصد المباشر، ولا يعاقب بها إذا كان قصده الخاص يوجب عليه عقوبة أقل منها.

стр. 375

ويراعى دائماً في كل الحالات أن هناك فرقاً بين عقوبة الشريكين في جرائم الحدود والقصاص. ٢٧٠ - ظروف الشريك الخاصة: إذا كان للشريك المتسبب صفات خاصة تستدعي تغيير وصف الجريمة أو العقوبة فإنها تسري عليه، فإذا كان عائداً شددت عقوبته، وإذا كان صغير السن خففت عقوبته، وإذا كان معتوهاً أو مجنوناً أعفى من العقوبة، وإذا كان للشريك المتسبب الحق في إتيان الفعل فحرض غيره عليه، كأن حرضه على تأديب ولده، أو تلميذه، أو زوجته، فالفعل يعتبر جريمة بالنسبة للمباشر، ولا يعتبر بالنسبة للشريك المتسبب؛ لأنه لو باشر الفعل بنفسه لما اعتبر مجرماً، وإذا زاد فعل المباشر على حد التأديب كانت مسئولية الشريك المتسبب قاصرة على تعدي حد التأديب فقط. ٢٧١ - بين الشريعة والقانون: وتتفق الشريعة مع القوانين الوضعية في تعريف الاشتراك بالتسبب، وشروط هذا النوع من الاشتراك، ووسائل الاشتراك، ووجوب توفر علاقة السببية بين وسيلة الاشتراك ووقوع الجريمة. وتتفق نظرية الشريعة في عقوبة الشركاء في جرائم الحدود والقصاص مع النظرية التي يأخذ بها القانون البلجيكي اليوم، فهو يجعل عقوبة الشريك المتسبب أقل من عقوبة الشريك المباشر. وتتفق كذلك مع ما أخذ به القانون المصري في القتل العمد. وتتفق نظرية الشريعة في عقوبة الشركاء في جرائم التعازير مع النظرية التي أخذ بها القانون المصري والقانون الفرنسي في معظم الجرائم، حيث يسوي كلاهما بين عقوبة الشريك المباشر وعقوبة الشريك المتسبب. وتتفق نظرية الشريعة في استفادة الشريك المتسبب من ظروفه الخاصة مع ما يأخذ به القانون الإيطالي الذي يقرر هذا المبدأ.

стр. 376

٢٧٢ - العقاب على وسائل الاشتراك إذا لم تقع الجريمة المقصودة: القاعدة العامة في الشريعة أن لا عقاب على حديث النفس ووسوسة الصدر وما ينتوي المرء عمله ما لم يعمل به أو يتكلم. وأساس هذه القاعدة قول الرسول ﷺ : "إن الله عفا لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تكلم". ويترتب على هذه القاعدة أن الفرد إذا فكر في الجريمة وانتواها وصمم عليها فلا عقاب عليه، ما دام لم يخرج نيته إلى حيز التنفيذ، سواء كان التنفيذ بعمل مثل ارتكاب الجريمة، أو بقول كأن يأمر غيره بارتكاب الجريمة أو يحرضه على ذلك أو يتفق معه على ارتكاب الجريمة. والأصل في الشريعة أن الاتفاق على الجريمة والتحريض عليها وإعانة المجرم على جريمته، كل ذلك يعتبر بذاته جريمة مستقلة، سواء وقعت الجريمة المقصودة أو لم تقع. وهو يعتبر جريمة من وجهين: أولهما: أن الشريعة تحرم الأمر بالمنكر والاتفاق والإعانة عليه، والجرائم هي أشد المنكرات وأكبرها في الشريعة. وثانيهما: أن الاتفاق على الجريمة والتحريض والإعانة عليها يؤدي إلى ارتكاب ما تحرمه الشريعة وهو الجرائم والقاعدة الأصولية أن ما أدى إلى المحرم فهو محرم. وعلى هذا يجوز عقاب من اتفق أو حرض أو أعان على جريمة ولو لم تقع هذه الجريمة؛ لأن مجرد الاتفاق والتحريض والإعانة لا يخرج عن كونه جريمة بذاته، فإذا وقعت الجريمة المقصودة اعتُبر المتفق أو المحرض أو المعين شريكاً بالتسبب فيها وكان عليه عقوبتها طبقاً للقواعد التي بيناها فيما سبق. وينبني على ما سبق أن التحريض العام على الجرائم معاقب عليه في الشريعة، وأن الاتفاق الجنائي على الجرائم معاقب عليه، سواء أدى التحريض أو الاتفاق إلى نتائجه المقصودة أو لم يؤد لهذه النتائج.

стр. 377

ومبدأ الشريعة في العقاب على الاتفاق والتحريض والإعانة باعتبارها جرائم مستقلة يتفق تمام الاتفاق مع مبدأها في عدم العقاب على النية ما لم يصحبها عمل أو قول، فالمتفق أو المحرض على الجريمة ينوي إتيان الجريمة ويظهر نيته مصحوبة بقول هو الاتفاق أو التحريض، والمعين على الجريمة يظهر نيته مصحوبة بعمل هو المساعدة، فأصبح كل منهم أهلاً للعقاب على ما وسوست له نفسه بعد أن أظهره في عمله أو قوله. وتتفق القوانين الوضعية مع الشريعة في أحد المبدأين وتخالفها في الآخر، فتتفق القوانين مع الشريعة في أن لا عقاب على النية مستقلة عن القول أو العمل، ولكن القوانين لا تطبق المبدأ بدقة حيث له مستثنيات، منها تشديد العقاب على الجرائم العمدية المصحوبة بسبق إصرار، وتخفيفه في الجرائم العمدية التي لم يصحبها سبق إصرار. ومعنى هذه التفرقة أن القوانين تعاقب على النية مستقلة عن الفعل. أما الشريعة الإسلامية فتطبق المبدأ بدقة ولا تجعل له مستثنيات. أما المبدأ الثاني فتخالف فيه القوانين الشريعة، حيث تأخذ القوانين عامة بعدم العقاب على الاتفاق أو التحريض أو الإعانة، إلا إذا وقعت الجريمة المقصودة، سواء وقعت تامة أو لم تتم، على أن القوانين الوضعية قد خرجت على هذا المبدأ في كثير من الحالات، وأصبحت اليوم تعاقب على الاتفاقات الجنائية باعتبارها جرائم مستقلة، ولو لم تقع الجرائم المقصودة أو يشرع فيها. ومن هذا القبيل ما نص عليه قانون العقوبات المصري في المادة ٤٧ منه. وهذا الاتجاه الذي اتجهت إليه القوانين الوضعية هو أخذ بنظرية الشريعة التي تمتاز بأنها أدق منطقاً وأوفى بتحقيق حاجات الجماعة. فمن وجهة المنطق: إما أن يكون الاتفاق أو التحريض أو العون محرماً لذاته أو غير محرم، فإن كان محرماً لذاته فقد وجب العقاب عليه سواء وقعت الجريمة المقصودة أو لم تقع، وإن كان غير محرم لذاته فلا محل للعقاب عليه بعد وقوع الجريمة؛ لأن العقاب عليه عقاب على عمل غير

стр. 378

محرم، ولأن الجريمة وقعت ممن باشرها وهو مختار مميز فلا يسأل عنها غيره، ولأن المتفق أو المحرض أو المعين لم يعمل شيئاً ما بعد الاتفاق والتحريض والإعانة، وقد اعتبرناها غير محرمة لذاتها. ومن وجهة تحقيق مصلحة الجماعة: فإن نظرية الشريعة تساعد على حفظ النظام وكبح تيار الإجرام، وليس أدل على ذلك من أن القوانين الوضعية أخذت بنظرية الشريعة أخيراً على الأقل في الاتفاقات الجنائية. * * *

стр. 379

الباب الثالث الركن الأدبي ٢٧٣ - موضوع البحث: سنتكلم في هذا الباب على موضوعين: أولهما: المسئولية الجنائية. وثانيهما: ارتفاع المسئولية الجنائية. وسنخصص لكل موضوع فصلاً خاصاً. الفصل الأول المسئولية الجنائية ٢٧٤ - موضوع البحث: سنتكلم في هذا الفصل على أساس المسئولية الجنائية، وعلى محل المسئولية الجنائية، وعلى سبب المسئولية ودرجاتها، ثم على قصد العصيان أو القصد الجنائي، وعلى أثر الجهل والخطأ والنسيان على المسئولية، وعلى أثر الرضاء على المسئولية، وعلى الأفعال المتصلة بالجريمة وعلاقتها بالمسئولية. وسنخصص لكل موضوع مبحثاً خاصاً. * * * المبحث الأول أساس المسئولية الجنائية ٢٧٥ - عرض تاريخي للمسئولية الجنائية: أولاً: في القوانين الوضعية: كانت القوانين الوضعية في العصور الوسطى وإلى ما قبل الثورة الفرنسية تجعل الإنسان والحيوان بل الجماد محلاً للمسئولية

стр. 380

الجنائية، وكان الجماد يعاقب كالحيوان على ما نسب إليه من أفعال ضارة، كما يعاقب الإنسان على ما ينسب إليه من أفعال محرمة، وكانت العقوبة تصيب الأموات كما تصيب الأحياء، ولم يكن الموت من الأسباب التي تعفي الميت من المحاكمة والعقاب، ولم يكن الإنسان مسئولاً جنائياً عن أعماله فقط، وإنما كان يسأل عن عمل غيره ولو لم يكن عالماً بعمل هذا الغير، ولو لم يكن له سلطان فعلي على هذا الغير؛ فكانت العقوبة تتعدى المجرم إلى أهله وأصدقائه، وتصيبهم كما تصيبه؛ وهو وحده الجاني وهم البراء من جنايته. وكان الإنسان يعتبر مسئولاً جنائياً عن عمله، سواء كان رجلاً أو طفلاً مميزاً أو غير مميز، وسواء كان مختاراً أو غير مختار، مدركاً أو فاقد الإدراك. وكانت الأفعال المحرمة لا تعيَّن قبل تحريمها، ولا يعلم بها الناس قبل مؤاخذتهم عليها، وكانت العقوبات التي توقع غير معينة في الغالب، يترك للقضاة اختيارها وتقديرها، فكان الشخص يأتي الفعل غير محرم من قبل، فيعاقب عليه إذا رأى صاحب السلطان أن فعله يستحق العقاب، ولو لم يكن عوقب أحد من قبل على هذا الفعل، ولو لم يكن الفعل أُعلن تحريمه من قبل. وكانت العقوبات على الفعل الواحد تختلف اختلافاً ظاهراً؛ لأن اختيار نوعها وتقدير كمها متروك للقاضي، فله أن يعاقب بما شاء وكما يشاء دون قيد ولا شرط. هذه هي بعض المبادئ البالية التي كانت القوانين الوضعية تقوم عليها، وهي مبادئ ترجع في أساسها إلى نظرية المسئولية المادية التي كانت تسيطر على القوانين الوضعية، والتي تنظر إلى الصلة المادية البحتة بين الجاني والجناية، وبين الجاني وغيره من أهله والمتصلين به، ولا تحسب حساباً لملكات الجاني الذهنية، وقدرته على التفكير والتمييز والاختيار، وتوجيه إرادته للفعل، ومدى اتصال ذلك كله بالفعل المحرم وأثره عليه. وقد ظلت هذه المبادئ سائدة في القوانين الوضعية حتى جاءت الثورة الفرنسية

стр. 381

فزعزعت هذه الأوضاع الجائزة، وأخذت تحل محلها من ذلك الحين مبادئ جديدة، تقوم على أساس العدالة وعلى جعل الإدراك والاختيار أساساً للمسئولية، فأصبح الإنسان الحي وحده هو محل المسئولية الجنائية، وأصبحت العقوبة شخصية لا تصيب إلا من أجرم ولا تتعداه إلى غيره، ورفعت المسئولية عن الأطفال الذين لم يميزوا، ووضعت عقوبات بسيطة للأطفال المميزين، وارتفعت المسئولية عن المكرَه وفاقد الإدراك، وأصبح من المبادئ الأساسية في القوانين أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون، وأن لا عقوبة إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القوانين، وقيدت حرية القضاة في اختيار العقوبة وتقديرها. ثانياً: في الشريعة الإسلامية: ومن يعرف شيئاً قليلاً عن الشريعة الإسلامية يستطيع أن يقول وهو آمن من الخطأ إن كل هذه المبادئ الحديثة التي لم تعرفها القوانين الوضعية إلا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، قد عرفتها الشريعة من يوم وجودها، وإنها من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الشريعة. فالشريعة لا تعرف محلاً للمسئولية إلا الإنسان الحي المكلَّف، فإذا مات سقطت عنه التكاليف ولم يعد محلاً للمسئولية. والشريعة تعفي الأطفال إلا إذا بلغوا الحلم مما لا يعفى من الرجال، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] ، ولقول الرسول ﵊: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يصحو، وعن المجنون حتى يفيق". والشريعة لا تؤاخذ المكرَه ولا فاقد الإدراك، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، ولقول الرسول ﵊: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". ومن القواعد الأساسية في الشريعة الإسلامية: ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى *

стр. 382

وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٨، ٣٩] ، فلا يسأل الإنسان إلا عن جنايته، ولا يؤخذ بجناية غيره مهما كانت صلته به. ومن القواعد الأساسية في الشريعة الإسلامية أن كل ما لم يحرم فهو مرخص لا عقاب على إتيانه، فإذا حرم فالعقوبة من وقت العلم بالتحريم، أما ما قبل ذلك فيدخل في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَف﴾ [المائدة: ٩٥] . وليس للقضاة في الشريعة الإسلامية أي شئ من الحرية في اختيار العقوبة أو تقديرها في جرائم الحدود والقصاص، أما في التعازير فلهم حرية مقيدة، لهم أن يختاروا العقوبة من بين عقوبات معينة، ولهم أن يقدروا كمية العقوبة إن كانت ذات حدين بما يتناسب مع ظروف الجريمة والمجرم، ولكن ليس لهم أن يعاقبوا بعقوبة لم يقررها أولو الأمر، ولا أن يرتفعوا بالعقوبة أو ينزلوا بها عن الحدود التي وضعها أو يضعها أولو الأمر. هذه هي المبادئ الحديثة التي ابتدأت القوانين الوضعية تعرفها في القرن الماضي، قد عرفتها الشريعة الإسلامية وطبقتها قبل القوانين الوضعية باثنى عشر قرناً. ومن المؤلم حقاً أن يجهل أكثر رجال القانون في البلاد الإسلامية هذه الحقائق الأولية، وأن يخيل إليهم من جهلهم بأحكام الشريعة أن القوانين الوضعية هي أول ما استحدث هذه المبادئ التشريعية. ٢٧٦ - نظرية المسئولية الجنائية في الشريعة الإسلامية والأسس التي تقوم عليها: من المتفق عليه أن الأفعال المحرمة يؤمر بها أو ينهى عنها، لأن في إتيانها أو تركها ضرراً بنظام الجماعة أو عقائدها أو بحياة أفرادها أو بأموالهم أو بأعراضهم أو بمشاعرهم أو بغير ذلك من الاعتبارات التي تمس مصالح الأفراد أو مصالح الجماعة ونظامها، والأفعال التي تمس مصالح الأفراد تنتهي بمساس مصلحة الجماعة ونظامها، فالأفعال التي تحرم إذن لم تحرم إلا لحفظ مصالح الجماعة ونظامها، والعقوبات التي تفرض على

стр. 383

هذه الأفعال إنما تفرض لحماية مصالح الجماعة ونظامها (١) والأفعال التي تحرم لا تحرم لذاتها؛ لأن من هذه الأفعال ما قد يستفيد منه الفاعل ويعود عليه بالنفع كالسرقة وخيانة الأمانة والرشوة، فإنها تعود على الجاني بالكسب، وكالزنا فإنه يعود على الزاني باللذة وإطفاء الشهوة، وكالقتل للانتقام فإنه يعود على القاتل بشفاء نفسه من الحقد والشعور بالذلة والعار. فهناك فوائد محققة تعود على الجاني من ارتكاب الجريمة، ولكن هذه الفوائد التي قد يصيبها الجاني من جريمته تؤدي إلى إفساد الجماعة والإضرار بها وانحلال نظامها، ولتلافي هذه النتائج حرمت هذه الأفعال؛ حماية للجماعة من الفساد وحفظاً لنظامها من التفكك والانحلال. والأفعال المحرمة بعضها يعتبر بطبيعته جريمة؛ لأنه يتنافى مع الأخلاق الفاضلة كالسرقة والزنا، وبعضها لا يعتبر بطبيعته جريمة ولم يحرمه الشارع؛ لأنه يمس الشرف أو يؤذي الأخلاق، وإنما حرمه لأن في إباحته إضراراً بالجماعة؛ كتحريم حمل السلاح، وتحريم الانتقال من محل موبوء بمرض معد إلى محل غير موبوء، وتحريم الامتناع عن تلقي العلم، فمثل هذه الأفعال تحرم لحفظ مصالح الجماعة ودفع الضرر عنها. وإذا كانت الأفعال تحرم لمصلحة الجماعة، فإن العقوبة تفرض باعتبارها وسيلة لحماية الجماعة مما يضر بصوالحها ونظامها، ولما كانت العقوبة هي أمثل الوسائل لحماية الجماعة من الجريمة والإجرام، فإن العقوبة بهذا تصبح ضرورة اجتماعية لا مفر منها، ومثل العقوبة في هذا كل وسيلة أخرى تقوم مقام العقوبة في حماية الجماعة من الإجرام والمجرمين. وإذا كانت العقوبة ضرورة اجتماعية، فإن كل ضرورة تقدر بقدرها، فلا يصح أن تكون العقوبة أكثر مما ينبغي لحماية الجماعة ودفع ضرر الإجرام عنها، كما لا يصح أن تكون أقل مما يجب لحماية الجماعة من الإجرام.

стр. 384

وتعتبر العقوبة محققة لمصلحة الجماعة كلما بعدت عن الإفراط والتفريط، وهي تعتبر كذلك كلما توفرت فيها العناصر الآتية: ١ - أن تكون العقوبة بحيث تكفي لتأديب الجاني وكفه عن معاودة الجريمة، وأن تكون بحيث يستطيع القاضي أن يختار نوع العقوبة الملائمة لشخصية الجاني وأن يقدر كمية العقوبة التي يراها كافية لتأديبه وكف أذاه، وهذا يقتضي تنوع العقوبات وتعددها للجريمة الواحدة، وجعل العقوبات ذات حدين؛ ليستطيع القاضي أن يختار العقوبة الملائمة ويقدر كميتها من بين حدي العقوبة الأدنى والأعلى (١) . ٢ - أن تكون العقوبة كافية لزجر الغير عن ارتكاب الجريمة بحيث إذا فكر في الجريمة وعقوبتها وجد أن ما يعود عليه من ضرر العقوبة قد يزيد على ما يعود عليه من نفع الجريمة. وهذا يقتضي أن تكون أنواع العقوبات وحدودها العليا بحيث تنفر من الجريمة. ٣ - أن يكون هناك تناسب بين الجريمة والعقوبة، بحيث تكون العقوبة على قدر الجريمة، فلا يصح أن يكون عقاب قطع الطريق كعقاب السرقة العادية، ولا يصح أن تكون عقوبة القتل العمد متساوية مع عقوبة القتل الخطأ. ولقد عاقبت الشريعة مثلاً على السرقة بقطع اليد، ولكنها لم تعاقب على القذف بقطع اللسان، ولا تعاقب على إتلاف الزنا بالخصاء، وعاقبت على القتل العمد بالقصاص ولكنها لم تعاقب على إتلاف الأول بالقصاص. ٤ - أن تكون العقوبة عامة بحيث تطبق العقوبة المقررة للجريمة على من ارتكبها، فلا يعفى منها أحد لمركزه أو شخصه أو غير ذلك من الاعتبارات. والعقوبة التي تتوفر فيها العناصر السابقة هي العقوبة العادية، ولا يصح أن تقع إلا على من ارتكب الجريمة وهو مدرك مختار، فإذا لم يكن الجاني مدركاً

стр. 385

أو مختاراً فلا عقاب كقاعدة عامة، فالمجنون لا يقتص منه إذا قتل غيره، ولا يجلد إذا زنا وهو غير محصن، وكذلك الصغير الذي لم يميز، ولكن امتناع العقوبة العادية لعدم الإدراك أو الاختيار لا يمنع الجماعة من حماية نفسها بالوسائل التي تراها كافية أو ملائمة. فالصغير غير المميز إذا لم يكن الاقتصاص منه إذا قتل فإنه يمكن أن يوضع في ملجأ، أو يرسل به لإحدى الإصلاحيات، والمجنون إذا لم يكن عقابه فإن من الممكن حماية الجماعة من شره بوضعه في مستشفى، وهكذا إذا امتنع عقاب الجاني بالعقوبات العادية، وكان من الضروري اتقاء شره وحماية الجماعة منه، فإن للجماعة أن تتخذ من الوسائل ما تجمي به نفسها من شر الجاني ولو أنه غير مسئول ويمكن عقابه، كأن تضعه في ملجأ أو مستشفى أو مدرسة إلى أمد محدود أو غير محدود بحيث لا يخرج منه إلا إذا أمن شره أو صلح حاله. وهذه الوسائل على اختلاف أنواعها وأثارها تعتبرها الشريعة تعازير، فهي عقوبات ولكنها غير عادية أو هي عقوبات خاصة. والمقصود منها أساساً هي حماية الجماعة، على أنه قد يقصد منها أيضاً التأديب وإصلاح الجاني كما في حالة الصغار. ويعلل الفقهاء اشتراط الإدراك والاختيار لاستحقاق العقاب العادي بأن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خلق العباد وخلق الموت والحياة، وجعل ما على الأرض زينة لها ليبلو عباده ويختبرهم أيهم أحسن عملاً، وأنه هيأ لهم أسباب الابتلاء في أنفسهم وفي خارج أنفسهم، فأما في أنفسهم فقد خلق لهم العقول، والأسماع، والأبصار، والإرادات، والشهوات، والقوى، والطبائع، والحب، والبغض، والميل، والنفور، والأخلاق المتضادة المقتضية لآثارها اقتضاء السبب لمسببه، وأما في خارج أنفسهم فقد خلق لهم المنافع والمعاني التي تحرص النفوس عليها وتتنافس في الوصول إليها، كما خلق لهم من المعاني والأسباب ما تكرهه النفوس وتعمل على دفعه عنها، ولم يترك الله جل شأنه الناس ودواعي أنفسهم وطبائعهم، بل ركب في فطرهم وعقولهم معرفة الخير والشر والنافع والضار والألم واللذة ومعرفة أسبابها، ولم يكتف

стр. 386

بمجرد ذلك حتى عرفهم به مفصلاً على ألسنة رسله، وقطع معازير الناس بأن أقام على صدق رسله من الأدلة والبراهين ما لا يبقى معه لهم عليه حجة؛ ليهلك من هلك من بينة، ويحيى من حيى عن بينة، وصرف لهم طرق الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، وضرب لهم الأمثال، وأزال عنهم كل إشكال، ومكنهم من القيام بما أمرهم به ترك ما نهاهم عنه غاية التمكين وأعانهم عليه بكل سبب، وسلطهم على قهر طباعهم، وأرشدهم إلى التفكر والتدبر وإيثار ما تقضي به عقولهم، وأكمل لهم دينهم وأتم عليهم نعمته بما أوصله إليهم على ألسنة رسله من أسباب العقوبة والمثوبة والبشارة والنذارة والرغبة والرهبة، وحقق لهم ذلك فجعل بعضه في دار الدنيا ليكون علماً وأمارة لتحقق ما أخره عنهم في دار الجزاء والمثوبة ويكون العاجل مذكراً بالآجل. وكان من بعض حكمته أن حرم على الناس ما يضر بعقولهم وأبدانهم وأموالهم وما ويضر بأفرادهم وجماعتهم ونظامهم، وشرع لهم من العقوبات عليه ما يقطع أطماعهم ويرد عدوانهم ويمنع تظلمهم، فإن سمعوا وأطاعوا لم يضرهم ذلك شيئاً، وإن عصوا فقد حقت عليهم العقوبة بعصيانهم وعدوانهم، ولا عذر لهم بعد أن عملوا بما حرم عليهم وما ينتظرهم من عقاب، وبعد أن أتوا ما أتوا وهم مختارين مدركين (١) . أما من لم يكن مدركاً أو مختاراً فلا عقاب عليه؛ لأن المكلف بإتيان فعل أو تركه يجب أن يفهم الخطاب الموجه إليه؛ أي الأمر والنهي، وهو لا يستطيع أن يفهم ذلك إلا إذا كان عاقلاً، كما أنه لا يمكن القول بأن المكلف عصى أمر الشارع إذا كان قد أُكره على الفعل المحرم (٢) . وسنعرض على القارئ فيما يلي نموذجاً مما يقوله الفقهاء في تعليل عدم العقاب في هاتين الحالتين، وهذا

стр. 387

القول لأبي الحسن الآمدي صاحب كتاب "الإحكام في أصول الأحكام" قال (١) : "اتفق العقلاء على أن شرط المكلف (٢) أن يكون عاقلاً فاهماً للتكليف، لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، كالجماد والبهيمة". "ومن وجد له أصل الفهم لأصل الخطاب دون تفاصيله من كونه أمراً أو نهياً، ومقتضياً للثواب والعقاب، ومن كون الآمر به هو الله تعالى، وأنه واجب الطاعة، وكون المأمور به على صفة كذا وكذا، كالمجنون والصبي الذي لا يميز - فهو بالنظر إلى فهم التفاصيل كالجماد والبهيمة إلى فهم أصل الخطاب، ويتعذر تكليفه أيضاً إلا على رأي من يجيز التكليف بما لا يطاق؛ لأن المقصود من التكليف كما يتوقف على فهم أصل الخطاب فهو متوقف على فهم تفاصيله". "وأما الصبي المميز وإن كان يفهم ما لا يفهمه غير المميز، غير أنه أيضاً غير فاهم على الكمال ما يعرفه كامل العقل من وجود الله تعالى، وكونه متكلماً مخاطباً مكلفاً بالعبادة، ومن وجود الرسول الصادق والمبلغ عن الله تعالى، وغير ذلك مما يتوقف عليه مقصود التكليف، فنسبته إلى غير المميز كنسبة غير المميز إلى البهيمة فيما يتعلق بفوات شرط التكليف". وإن كان مقارباً لحالة البلوغ بحيث لم يبقى بينه وبين البلوغ سوى لحظة واحدة، فإنه وإن كان فهمه كفهمه الموجب لتكليفه بعد لحظة، غير أنه لما كان العقل والفهم فيه خفياً، وظهوره فيه على التدريج، ولم يكن له ضابط يعرف به، جعل له الشارع ضابطاً وهو البلوغ وحط عنه التكليف قبله تخفيفاً عليه، ودليله قوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق". "وعلى هذا فالغافل عما كلف به والسكران المتخبط لا يكون خطابه وتكليفه في حالة غفلته وسكره أيضاً، إذ هو في تلك الحالة أسوأ حالاً من الصبي المميز

стр. 388

فيما يرجع إلى فهم خطاب الشارع وحصول مقصوده منه، وما يجب عليه من الغرامات والضمانات بفعله". "واختلفوا في الملجأ إلى الفعل بالإكراه بحيث لا يسعه تركه في جواز تكليفه بذلك الفعل إيجاداً وعدماً، والحق أنه إذا خرج بالإكراه إلى حد الاضطرار، وصار نسبة ما يصدر عنه من الفعل إليه نسبة حركة المرتعش إليه، كان تكليفه به إيجاداً وعدماً غير جائز إلا على القول بتكليف ما لا يطاق وإن كان ذلك جائزاً عقلاً لكنه ممتنع الوقوع سمعاً لقوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، والمراد منه رفع المؤاخذة ... وأما إن لم ينته إلى حد اضطرار فهو مختار وتكليفه جائز عقلاً وشرعاً". هذه هي نظرية المسئولية في الشريعة الإسلامية، وظاهر مما سبق أنها تقوم على أساسين: أولهما: أن العقوبة فرضت لحماية الجماعة وحفظ نظامها وتحقيق الأمن لها، فهي ضرورة اجتماعية استلزمها وجود الجماعة، وكل ضرورة تقدر بقدرها. فإذا اقتضت مصلحة الجماعة أن تكون العقوبة قاسية غلظت العقوبة، وإذا اقتضت مصلحة الجماعة أن تخفف العقوبة خففت العقوبة، وإذا اقتضت مصلحة الجماعة استئصال المجرم استؤصل منها: إما بقتله وإما بحبسه حتى يموت أو ينصلح حاله. ثانيهما: أن العقوبة العادية لا يستحقها إلا من كان مدركاً مختاراً من المكلفين، فإذا لم يكن المكلف مدركاً أو مختاراً فلا مسئولية عليه وبالتالي لا عقاب، ولكن هذا لا يمنع الجماعة من أن تحمي نفسها من الشخص غير المسئول بالوسيلة الملائمة لحاله وحال الجماعة، ولو كانت هذه الوسيلة عقوبة ما دامت تلائم حال المعاقب. ٢٧٧ - نظرية المسئولية الجنائية في القوانين الوضعية: وإذا كانت الشريعة قد عرفت النظرية التي بسطناها من ثلاثة عشر قرناً ولم تعرف غيرها

стр. 389

فإن القوانين الوضعية قد عرفت أكثر من نظرية واحدة، فقبل الثورة الفرنسية كانت المسئولية الجنائية قائمة على أساس النظرية المادية، ومقتضاها العقاب على أي فعل أياً كان مرتكبه، وبغض النظر عن صفته وحالته، وقد أدت هذه النظرية إلى عقاب الإنسان والحيوان والجماد، وأدت إلى عقاب الأحياء والأموات والأطفال والمجانين. وبعد الثورة الفرنسية قامت المسئولية الجنائية على أساس من فلسفة الاختيار، ويسمى هذا المذهب بالمذهب التقليدي، وخلاصته أنه لا يصح أن يسأل جنائياً إلا من يتمتع بالإدراك والاختيار، وأن الإنسان وحده هو الذي تتوفر فيه هاتان الصفتان، وأن الإنسان بعد سن معينة يستطيع أن يميز بين الخير والشر ويختار بينهما، ومثل هذا الشخص هو الذي توجه إليه أوامر الشارع ونواهيه، فإذا خالف الشارع مع قدرته على الإدراك والاختيار كان من العدل أن يعاقب جزاء على مخالفتة أمر الشارع. فأساس المسئولية هو الإدراك والاختيار، والعقوبة مفروضة ضماناً لتنفيذ أمر الشارع، وجزاء عادلاً على مخالفته. وبعد أن ساد المذهب التقليدي زمناً ظهر المذهب الوضعي، وهو قائم على فلسفة الجبر، وخلاصته أن المجرم لا يأتي الجريمة مختاراً، وإنما يأتيها مدفوعاً إليها بعوامل لا قبل له بها ترجع إلى الوراثة والبيئة والتعليم والتركيب الجثماني، وإذا كان الجاني لا خيار له في ارتكاب الجريمة فقد امتنع عقابه طبقاً للمذهب التقليدي، ولكن يمكن عقابه إذا اعتبرت العقوبة وسيلة من وسائل الدفاع عن الجماعة وحمايتها، وعلى أساس هذا المذهب يعاقب الإنسان سواء كان مختاراً أو غير مختار، مدركاً أو غير مدرك، عاقلاً أو مجنوناً، وإنما تختلف العقوبة التي تصيب كل جان باختلاف سنه وعقليته، وقد أخذت بعض القوانين بهذا المذهب ومنها القانون السوفيتي الصادر في سنة ١٩٢٦، ولكن أكثر الدول لم تأخذ به.

стр. 390

ثم ظهر بعد ذلك مذهب آخر قصد منه التوفيق بين المذهبين السابقين، ويسمى مذهب الاختيار النسبي، ويرى أصحابه الإبقاء على المذهب التقليدي، لأن الإنسان مهما كان اختياره محدوداً فإن لإرادته دخلاً في الجريمة، ولكن المذهب الجديد يضيف إلى المذهب القديم فكره أخرى، وهي أن للمشرع أن يحمي الجماعة من إجرام الأشخاص الذين يمتنع عقابهم لانعدام إدراكهم أو اختيارهم، بأن يتخذ معهم إجراءات خاصة مناسبة لحالتهم. وهذا المذهب هو الذي يسود القوانين الوضعية اليوم (١) . ويلاحظ أن المذهب القانوني الأخير يؤدي إلى نفس النتائج التي يؤدي إليها مذهب الشريعة الإسلامية، ولا يفترق عنه إلا في أن نظرية الشريعة أدق منطقاً وأفضل صياغة، فهي تجعل العقوبة ضرورة اجتماعية ووسيلة لحماية الجماعة، وتفرق في تطبيق وسائل حماية الجماعة بين الشخص المختار المدرك وبين فاقد الإدراك أو الاختيار، أما المذهب القانوني فأساس العقوبة فيه مخالفة أمر الشارع وتحقيق العدالة، وهذا الأساس مأخوذ عن المذهب التقليدي، وهو أساس يتعارض منطقياً مع معاقبة غير المسئول، أو إتخاذ أي إجراء ضده، إذ لا يمكن أن يقال إن فاقد الإدراك والاختيار خالف أمر الشارع، وإذا لم يكن قد خالف أمر الشارع فليس من العدالة في شئ أن يؤاخذ بأي وجه من وجوه المؤاخذة. والشريعة الإسلامية وإن كانت تجعل أساس المسئولية الجنائية الإدراك والاختيار، والمدرك المختار مسئولاً كلما خالف أمر الشارع، وتعتبر فاقد الإدراك أو الاختيار غير مسئول، إلا أنها تجعل العقاب ضرورة اجتماعية ووسيلة لحماية المجتمع، وهذا يجعل من حق الشارع عقاب المسئول جنائياً بالعقوبة التي تحمي الجماعة منه، كما يجعل من حق الشارع أن يتخذ ضد غير المسئول الوسائل الملائمة لحماية الجماعة من شره وإجرامه إذا دعت الضرورة لذلك.
следующие страницы →