← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بمجرد ذلك حتى عرفهم به مفصلاً على ألسنة رسله، وقطع معازير الناس بأن أقام على صدق رسله من الأدلة والبراهين ما لا يبقى معه لهم عليه حجة؛ ليهلك من هلك من بينة، ويحيى من حيى عن بينة، وصرف لهم طرق الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، وضرب لهم الأمثال، وأزال عنهم كل إشكال، ومكنهم من القيام بما أمرهم به ترك ما نهاهم عنه غاية التمكين وأعانهم عليه بكل سبب، وسلطهم على قهر طباعهم، وأرشدهم إلى التفكر والتدبر وإيثار ما تقضي به عقولهم، وأكمل لهم دينهم وأتم عليهم نعمته بما أوصله إليهم على ألسنة رسله من أسباب العقوبة والمثوبة والبشارة والنذارة والرغبة والرهبة، وحقق لهم ذلك فجعل بعضه في دار الدنيا ليكون علماً وأمارة لتحقق ما أخره عنهم في دار الجزاء والمثوبة ويكون العاجل مذكراً بالآجل. وكان من بعض حكمته أن حرم على الناس ما يضر بعقولهم وأبدانهم وأموالهم وما ويضر بأفرادهم وجماعتهم ونظامهم، وشرع لهم من العقوبات عليه ما يقطع أطماعهم ويرد عدوانهم ويمنع تظلمهم، فإن سمعوا وأطاعوا لم يضرهم ذلك شيئاً، وإن عصوا فقد حقت عليهم العقوبة بعصيانهم وعدوانهم، ولا عذر لهم بعد أن عملوا بما حرم عليهم وما ينتظرهم من عقاب، وبعد أن أتوا ما أتوا وهم مختارين مدركين (١) . أما من لم يكن مدركاً أو مختاراً فلا عقاب عليه؛ لأن المكلف بإتيان فعل أو تركه يجب أن يفهم الخطاب الموجه إليه؛ أي الأمر والنهي، وهو لا يستطيع أن يفهم ذلك إلا إذا كان عاقلاً، كما أنه لا يمكن القول بأن المكلف عصى أمر الشارع إذا كان قد أُكره على الفعل المحرم (٢) . وسنعرض على القارئ فيما يلي نموذجاً مما يقوله الفقهاء في تعليل عدم العقاب في هاتين الحالتين، وهذا

стр. 387

القول لأبي الحسن الآمدي صاحب كتاب "الإحكام في أصول الأحكام" قال (١) : "اتفق العقلاء على أن شرط المكلف (٢) أن يكون عاقلاً فاهماً للتكليف، لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، كالجماد والبهيمة". "ومن وجد له أصل الفهم لأصل الخطاب دون تفاصيله من كونه أمراً أو نهياً، ومقتضياً للثواب والعقاب، ومن كون الآمر به هو الله تعالى، وأنه واجب الطاعة، وكون المأمور به على صفة كذا وكذا، كالمجنون والصبي الذي لا يميز - فهو بالنظر إلى فهم التفاصيل كالجماد والبهيمة إلى فهم أصل الخطاب، ويتعذر تكليفه أيضاً إلا على رأي من يجيز التكليف بما لا يطاق؛ لأن المقصود من التكليف كما يتوقف على فهم أصل الخطاب فهو متوقف على فهم تفاصيله". "وأما الصبي المميز وإن كان يفهم ما لا يفهمه غير المميز، غير أنه أيضاً غير فاهم على الكمال ما يعرفه كامل العقل من وجود الله تعالى، وكونه متكلماً مخاطباً مكلفاً بالعبادة، ومن وجود الرسول الصادق والمبلغ عن الله تعالى، وغير ذلك مما يتوقف عليه مقصود التكليف، فنسبته إلى غير المميز كنسبة غير المميز إلى البهيمة فيما يتعلق بفوات شرط التكليف". وإن كان مقارباً لحالة البلوغ بحيث لم يبقى بينه وبين البلوغ سوى لحظة واحدة، فإنه وإن كان فهمه كفهمه الموجب لتكليفه بعد لحظة، غير أنه لما كان العقل والفهم فيه خفياً، وظهوره فيه على التدريج، ولم يكن له ضابط يعرف به، جعل له الشارع ضابطاً وهو البلوغ وحط عنه التكليف قبله تخفيفاً عليه، ودليله قوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق". "وعلى هذا فالغافل عما كلف به والسكران المتخبط لا يكون خطابه وتكليفه في حالة غفلته وسكره أيضاً، إذ هو في تلك الحالة أسوأ حالاً من الصبي المميز

стр. 388

فيما يرجع إلى فهم خطاب الشارع وحصول مقصوده منه، وما يجب عليه من الغرامات والضمانات بفعله". "واختلفوا في الملجأ إلى الفعل بالإكراه بحيث لا يسعه تركه في جواز تكليفه بذلك الفعل إيجاداً وعدماً، والحق أنه إذا خرج بالإكراه إلى حد الاضطرار، وصار نسبة ما يصدر عنه من الفعل إليه نسبة حركة المرتعش إليه، كان تكليفه به إيجاداً وعدماً غير جائز إلا على القول بتكليف ما لا يطاق وإن كان ذلك جائزاً عقلاً لكنه ممتنع الوقوع سمعاً لقوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، والمراد منه رفع المؤاخذة ... وأما إن لم ينته إلى حد اضطرار فهو مختار وتكليفه جائز عقلاً وشرعاً". هذه هي نظرية المسئولية في الشريعة الإسلامية، وظاهر مما سبق أنها تقوم على أساسين: أولهما: أن العقوبة فرضت لحماية الجماعة وحفظ نظامها وتحقيق الأمن لها، فهي ضرورة اجتماعية استلزمها وجود الجماعة، وكل ضرورة تقدر بقدرها. فإذا اقتضت مصلحة الجماعة أن تكون العقوبة قاسية غلظت العقوبة، وإذا اقتضت مصلحة الجماعة أن تخفف العقوبة خففت العقوبة، وإذا اقتضت مصلحة الجماعة استئصال المجرم استؤصل منها: إما بقتله وإما بحبسه حتى يموت أو ينصلح حاله. ثانيهما: أن العقوبة العادية لا يستحقها إلا من كان مدركاً مختاراً من المكلفين، فإذا لم يكن المكلف مدركاً أو مختاراً فلا مسئولية عليه وبالتالي لا عقاب، ولكن هذا لا يمنع الجماعة من أن تحمي نفسها من الشخص غير المسئول بالوسيلة الملائمة لحاله وحال الجماعة، ولو كانت هذه الوسيلة عقوبة ما دامت تلائم حال المعاقب. ٢٧٧ - نظرية المسئولية الجنائية في القوانين الوضعية: وإذا كانت الشريعة قد عرفت النظرية التي بسطناها من ثلاثة عشر قرناً ولم تعرف غيرها

стр. 389

فإن القوانين الوضعية قد عرفت أكثر من نظرية واحدة، فقبل الثورة الفرنسية كانت المسئولية الجنائية قائمة على أساس النظرية المادية، ومقتضاها العقاب على أي فعل أياً كان مرتكبه، وبغض النظر عن صفته وحالته، وقد أدت هذه النظرية إلى عقاب الإنسان والحيوان والجماد، وأدت إلى عقاب الأحياء والأموات والأطفال والمجانين. وبعد الثورة الفرنسية قامت المسئولية الجنائية على أساس من فلسفة الاختيار، ويسمى هذا المذهب بالمذهب التقليدي، وخلاصته أنه لا يصح أن يسأل جنائياً إلا من يتمتع بالإدراك والاختيار، وأن الإنسان وحده هو الذي تتوفر فيه هاتان الصفتان، وأن الإنسان بعد سن معينة يستطيع أن يميز بين الخير والشر ويختار بينهما، ومثل هذا الشخص هو الذي توجه إليه أوامر الشارع ونواهيه، فإذا خالف الشارع مع قدرته على الإدراك والاختيار كان من العدل أن يعاقب جزاء على مخالفتة أمر الشارع. فأساس المسئولية هو الإدراك والاختيار، والعقوبة مفروضة ضماناً لتنفيذ أمر الشارع، وجزاء عادلاً على مخالفته. وبعد أن ساد المذهب التقليدي زمناً ظهر المذهب الوضعي، وهو قائم على فلسفة الجبر، وخلاصته أن المجرم لا يأتي الجريمة مختاراً، وإنما يأتيها مدفوعاً إليها بعوامل لا قبل له بها ترجع إلى الوراثة والبيئة والتعليم والتركيب الجثماني، وإذا كان الجاني لا خيار له في ارتكاب الجريمة فقد امتنع عقابه طبقاً للمذهب التقليدي، ولكن يمكن عقابه إذا اعتبرت العقوبة وسيلة من وسائل الدفاع عن الجماعة وحمايتها، وعلى أساس هذا المذهب يعاقب الإنسان سواء كان مختاراً أو غير مختار، مدركاً أو غير مدرك، عاقلاً أو مجنوناً، وإنما تختلف العقوبة التي تصيب كل جان باختلاف سنه وعقليته، وقد أخذت بعض القوانين بهذا المذهب ومنها القانون السوفيتي الصادر في سنة ١٩٢٦، ولكن أكثر الدول لم تأخذ به.

стр. 390

ثم ظهر بعد ذلك مذهب آخر قصد منه التوفيق بين المذهبين السابقين، ويسمى مذهب الاختيار النسبي، ويرى أصحابه الإبقاء على المذهب التقليدي، لأن الإنسان مهما كان اختياره محدوداً فإن لإرادته دخلاً في الجريمة، ولكن المذهب الجديد يضيف إلى المذهب القديم فكره أخرى، وهي أن للمشرع أن يحمي الجماعة من إجرام الأشخاص الذين يمتنع عقابهم لانعدام إدراكهم أو اختيارهم، بأن يتخذ معهم إجراءات خاصة مناسبة لحالتهم. وهذا المذهب هو الذي يسود القوانين الوضعية اليوم (١) . ويلاحظ أن المذهب القانوني الأخير يؤدي إلى نفس النتائج التي يؤدي إليها مذهب الشريعة الإسلامية، ولا يفترق عنه إلا في أن نظرية الشريعة أدق منطقاً وأفضل صياغة، فهي تجعل العقوبة ضرورة اجتماعية ووسيلة لحماية الجماعة، وتفرق في تطبيق وسائل حماية الجماعة بين الشخص المختار المدرك وبين فاقد الإدراك أو الاختيار، أما المذهب القانوني فأساس العقوبة فيه مخالفة أمر الشارع وتحقيق العدالة، وهذا الأساس مأخوذ عن المذهب التقليدي، وهو أساس يتعارض منطقياً مع معاقبة غير المسئول، أو إتخاذ أي إجراء ضده، إذ لا يمكن أن يقال إن فاقد الإدراك والاختيار خالف أمر الشارع، وإذا لم يكن قد خالف أمر الشارع فليس من العدالة في شئ أن يؤاخذ بأي وجه من وجوه المؤاخذة. والشريعة الإسلامية وإن كانت تجعل أساس المسئولية الجنائية الإدراك والاختيار، والمدرك المختار مسئولاً كلما خالف أمر الشارع، وتعتبر فاقد الإدراك أو الاختيار غير مسئول، إلا أنها تجعل العقاب ضرورة اجتماعية ووسيلة لحماية المجتمع، وهذا يجعل من حق الشارع عقاب المسئول جنائياً بالعقوبة التي تحمي الجماعة منه، كما يجعل من حق الشارع أن يتخذ ضد غير المسئول الوسائل الملائمة لحماية الجماعة من شره وإجرامه إذا دعت الضرورة لذلك.

стр. 391

ويجب أن لا ننسى بعد هذا أن نظرية الشريعة الإسلامية عُرفت من القرن السابع الميلادي، وأن أحدث المذاهب الوضعية لم يعرف إلا في القرن العشرين، وأن ما يقال من أن القوانين تقوم على أسس حديثة لا تعرفها الشريعة هو قول أقل ما يقال فيه أنه يخالف الواقع. ٢٧٨ - معنى المسئولية الجنائية في الشريعة: معنى المسئولية الجنائية في الشريعة أن يتحمل الإنسان نتائج الأفعال المحرمة التي يأتيها مختاراً وهو مدرك لمعانيها ونتائجها، فمن أتى فعلاً محرماً وهو لا يريده كالمكره أو المغمي عليه لا يسأل جنائياً عن فعله، ومن أتى فعلاً محرماً وهو يريده ولكنه لا يدرك معناه كالطفل أو المجنون لا يسأل أيضاً عن فعله. فالمسئولية الجنائية في الشريعة تقوم على ثلاثة أسس: أولها: أن يأتي الإنسان فعلاً محرماً. ثانيها: أن يكون الفاعل مختاراً. ثالثها: أن يكون الفاعل مدركاً (١) . فإذا وجدت هذه الأسس الثلاثة وجدت المسئولية الجنائية، وإذا انعدم أحدها انعدمت. ٢٧٩ - معنى المسئولية الجنائية في القوانين الوضعية: معنى المسئولية الجنائية في القوانين الوضعية الحديثة هو نفس معنى المسئولية الجنائية في الشريعة الإسلامية، وأسس المسئولية في القوانين هي نفس الأسس التي تقوم عليها المسئولية في الشريعة، ولا يخالف الشريعة إلا القوانين التي تقيم نظرية المسئولية على فلسفة الجبر، وعدد هذه القوانين محدود. والقوانين الوضعية عامة لم تكن كذلك قبل الثورة الفرنسية، فقد كان للمسئولية الجنائية في ذلك الوقت معنى أخر، وهو أن يتحمل الفاعل أياً كان نتيجة فعله، سواء كان إنساناً أو غير إنسان، مختاراً أو غير مختار، مميزاً أو غير مميز،

стр. 392

فكأن أغلب القوانين الوضعية تسير الآن في نفس الطريق الذي سلكته الشريعة الإسلامية من ثلاثة عشر قرناً. * * * المبحث الثاني محل المسئولية الجنائية ٢٨٠ - الإنسان محل المسئولية: ولما كانت الشريعة الإسلامية تشترط أن يكون الفاعل مدركاً مختاراً، فقد كان طبيعياً أن يكون الإنسان فقط هو محل المسئولية الجنائية، لأنه وحده هو المدرك المختار. أما الحيوان أو الجماد فلا يمكن أن يكون محلاً للمسئولية الجنائية لانعدام الإدراك والاختيار. محل المسئولية هو الإنسان الحي، فلا يمكن أن يكون الميت محلاً للمسئولية الجنائية حيث ينعدم بالموت إدراكه واختياره، ولأن القاعدة في الشريعة أن الموت يسقط التكاليف. وإذا كان اشتراط الإدراك والاختيار يجعل الإنسان وحده محل المسئولية الجنائية، فإن توفر هذين الشرطين يستوجب ذلك فقط أن يكون الإنسان المسئول عاقلاً بالغاً مختاراً، فإن لم يكن كذلك فلا مسئولية عليه، لأن غير العاقل لا يكون مدركاً ولا مختاراً، ومن لم يبلغ سناً معيناً لا يمكن أن يقال أنه تام الإدراك والاختيار، وعلى هذا فلا مسئولية على طفل ولا مجنون أو معتوه أو فاقد الإدراك بأي سبب آخر، ولا مسئولية على مكره أو مضطر. الشخصيات المعنوية: وقد عرفت الشريعة الإسلامية من يوم وجودها الشخصيات المعنوية، فاعتبر الفقهاء بيت المال جهة، والوقت جهة؛ أي شخصاً معنوياً، وكذلك اعتبرت المدارس والملاجئ، والمستشفيات وغيرها، وجعلت هذه الجهات أو الشخصيات المعنوية أهلاً لتملك الحقوق والتصرف فيها، ولكنها لم تجعلها أهلاً للمسئولية الجنائية؛ لأن المسئولية تبنى على الإدراك والاختيار

стр. 393

وكلاهما منعدم دون شك في هذه الشخصيات، لكن إذا وقع الفعل المحرم ممن يتولى مصالح هذه الجهات، أو الأشخاص المعنوية كما نسميها الآن، فإنه هو الذي يعاقب على جنايته ولو أنه كان يعمل لصالح الشخص المعنوي. ويمكن عقاب الشخص المعنوي كلما كانت العقوبة واقعة على من يشرفون على شئونه أو الأشخاص الحقيقيين الذين يمثلهم الشخص المعنوي؛ كعقوبة الحل والهدم والإزالة والمصادرة، كذلك يمكن شرعاً أن يفوض على هذه الشخصيات ما يحد من نشاطها الضار حماية للجماعة ونظامها وأمنها. وإذا كان هذا هو حكم الشريعة الإسلامية من ثلاثة عشر قرناً؛ أي من يوم وجودها، فإن القوانين الوضعية كانت إلى عهد غير بعيد تجعل الإنسان والحيوان والجماد محلاً للمسئولية الجنائية، ولم تكن تفرق بين الإنسان الحي والميت ولا بين المميز وغير المميز ولا بين المختار والمكره؛ لأنها كانت تنظر إلى الجريمة بغض النظر عن فاعلها، ومن ثم كان العاقل البالغ والصبي غير المميز والمجنون والمعتوه يعاقبون على جرائمهم دون النظر إلى حالاتهم وعقلياتهم، بل كان الحيزان وكذلك الجماد يعاقب على ما يمكن أن ينسب إليه من أفعال جنائية. أما اليوم بعد أن تغيرت الأسس التي كانت تقوم عليه القوانين الوضعية فإن هذه القوانين لا تعرف محلاً للمسئولية الجنائية غير الإنسان الحي، كما أنها تفرق في حكمها بين المدرك المختار وبين فاقد الإدراك والاختيار، وبهذا أصبحت في هذه النقطة المطابقة للشريعة الإسلامية. ٢٨١ - شخصية المسئولية الجنائية: من القواعد الأولية في الشريعة الإسلامية أن المسئولية الجنائية شخصية، فلا يسأل عن الجرم إلا فاعله ولا يؤخذ امرؤ بجريرة غيره مهما كانت درجة القرابة أو الصداقة بينهما. وقد قرر القرآن الكريم هذا المبدأ العادل في كثير من آياته، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر:

стр. 394

١٨] ، ﴿وَأَن لَّيْسَ للإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] ، ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] . وجاءت أحاديث الرسول ﷺ تؤكد هذا المبدأ حيث يقول: "لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه"، وحيث يقول لأبي رمثة وابنه: "إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه". ومبدأ شخصية المسئولية الجنائية يطبق تطبيقاً دقيقاً في الشريعة الإسلامية من يوم وجودها، وليس لهذا المبدأ العام إلا استثناء واحد، وهو تحميل العاقلة الدية مع الجاني في شبه العمد والخطأ، وأساس هذا الاستثناء الوحيد هو تحقيق العدالة المطلقة، أي نفس الأساس الذي قام عليه مبدأ شخصية العقوبة؛ لأن تطبيق هذا المبدأ على دية شبه العمد والخطأ لا يمكن أن يحقق العدالة المطلقة بل أنه يؤدي إلى ظلم فاحش (١) . ومن الفقهاء من لا يعتبر تحميل العاقلة الدية استثناء من مبدأ شخصية العقوبة حيث يرى أنه ليس في إيجاب الدية على العاقلة أخذهم بذنب الجاني، إنما الدية على القاتل. وأمر هؤلاء بالدخول معه في تحمله على وجه المواساة له من غير أن يلزمهم ذنب جنايته، وقد أوجب الله في أموال الأغنياء حقوقاً للفقراء من غير إلزامهم ذنباً لم يذنبوه، بل على وجه المواساة، وأمر بصلة الأرحام بكل وجه أمكن ذلك، وأمر ببر الوالدين، وهذه كلها أمور مندوب إليها بالمواساة وإصلاح ذات البين، فكذلك أمرت العاقلة بتحمل الدية عن قاتل الخطأ على جهة المواساة من غير إجحاف بهم وبه، وإنما يلزم كل رجل منهم ثلاثة دراهم أو أربعة مؤجلة ثلاث سنين. فهذا مما ندبوا إليه من مكارم الأخلاق، وقد كان تحمل الديات مشهوراً في العرب قبل الإسلام، وكان ذلك مما يعد من جميل أفعالهم ومكارم أخلاقهم، وقد قال النبي ﷺ : "بعثت لأتمم مكارم

стр. 395

الأخلاق" فهذا فعل مستحسن في العقول مقبول في الأخلاق والعادات (١) . وتأخذ اليوم القوانين الوضعية الحديثة بمبدأ شخصية المسئولية الجنائية، فلا يؤخذ بالجرائم غير جناتها ولا تنفذ العقوبة إلا على من أجرم دون غيره، ولكن القوانين الوضعية لم تطبق هذا المبدأ بدقة تامة حتى الآن، والمتتبع لنصوصها يجد خروجاً على هذا المبدأ في كثير من الحالات، فالقانون المصري مثلاً يعتبر من اشتراك في تجمهر وهو عالم بالغرض منه مسئولاً عن أية جريمة تقع من أحد المتجمهرين بقصد تنفيذ الغرض المقصود من التجمهر، كلك يعتبر مدبري التجمهر مسئولين جنائياً عن أية جريمة يرتكبها أحد المتجمهرين، مع أن التطبيق الدقيق للمبدأ يستوجب عدم مسئوليتهم إلا إذا كانوا قد اتفقوا على ارتكاب هذه الجريمة أو حرضوا عليها. ونجد مثل هذا فيما يقرره القانون المصري من مسئولية رئيس تحرير الجريدة عما يكتب في الجريدة ولو كان غائباً، وفي تحميل أصحاب بيوت العاهرات مسئولية المخالفات التي تقع ضد المواد ١٣، ١٤، ١٥، ١٦، ١٩ من لائحة العاهرات، وفي تحميل أصحاب المحلات العمومية مسئولية بعض الجرائم التي يرتكبها الغير في هذه المحلات، وفي اعتبار الأب أو ولي الأمر مسئولاً عن جريمة صغير الذي حكم بتسليمه إليه إذا ارتكب الصغير جريمة ثانية في خلال سنة من تاريخ الأمر بتسليمه، كما هو نص المادة ٦٩ من قانون العقوبات المصري. وإذا كان الشراح يعللون هذه الحالات بأن العقوبة تقع على الخطأ من المعاقب لا على فعل غيره فإنه من الواضح الذي لا جدال فيه أن خطأ المعاقب يفترض قانوناً، وأنه يعتبر قائماً بناء على فعل يقع من الغير لم يشترك فيه المعاقب بأي وسيلة من وسائل الاشتراك. ولم تكن القوانين الوضعية تطبق مبدأ شخصية المسئولية قبل الثورة

стр. 396

الفرنسية كما تطبقه اليوم، وإنما كانت تعتبر المرء مسئولاً عن عمله وعن عمل غيره ولو لم يكن عالماً بعمل هذا الغير ولو لم يكن له سلطان عليه، وكانت العقوبة تتعدى المجرم إلى أهله وأصدقائه، وتصيبهم كما تصيبه، وهو وحده الجاني وهم البرآء من جنايته. وإذا كانت القوانين الوضعية الحديثة قد أخذت أخيراً بمبدأ شخصية المسئولية الذي جاءت به الشريعة الإسلامية من ثلاثة عشر قرناً، فإن الظاهر مما سبق أن القوانين الوضعية لم تصل في تطبيق هذا المبدأ إلى الحد الذي وصلت إليه الشريعة وأن دائرة تطبيقه في القانون أضيق من دائرة تطبيقه في الشريعة. ٢٨٢ - المجني عليه: المجني عليه هو من وقعت الجناية (١) على نفسه، أو على ماله، أو على حق من حقوقه. ولا تستلزم الشريعة أن يكون المجني عليه مختاراً مدركاً كما استلزمت هاتين الشرطين في الجاني؛ لأن الجاني مسئول عن الجناية مأخوذ بها؛ ولأن المسئولية مترتبة على عصيان أمر الشارع (٢) ، وأوامر الشارع لا يخاطب بها إلا مدرك مختار، أما المجني عليه فغير مسئول وإنما هو معتدى عليه، اكتسب بالاعتداء حقاً قِبَل المعتدي وهو الجاني، وصاحب الحق

стр. 397

لا يشترط فيه الإدراك ولا الاختيار، وإنما يشترط فيه فقط أن يكون أهلاً لاكتساب الحقوق. والحقوق التي تنشأ عن الجرائم على نوعين (١) : حقوق لله تعالى (٢) وحقوق للآدميين. فأما النوع الأول فينشأ عن الجرائم التي تمس مصالح الجماعة ونظامها. وأما النوع الثاني فينشأ عن الجرائم التي تمس الأفراد وحقوقهم. وعلى هذا يصح أن يكون المجني عليه إنساناً مميزاً أو غير مميز عاقلاً أو مجنوناً، ويصح أن يكون المجني عليه طائفة من الناس كما لو بغت طائفة على أخرى، ويصح أن يكون المجني عليه الجماعة كلها كما لو كانت الجريمة زناً أو ردة. وكما يصح أن يكون المجني عليه شخصاً طبيعياً يصح أن يكون شخصاً معنوياً؛ كأن يسرق الجاني مالاً لشركة أو لوقف أو للدولة. وإذا كان محل الجريمة حيواناً أو مالاً في صورة الجماد أو عقيدة من العقائد فالمجني عليه هو مالك الحيوان أو المال أو الهيئة التي تعتنق العقيدة. وظاهر مما سبق أن المجني عليه في كل الصور والأحوال هو الإنسان، إما باعتباره فرداً وإما باعتباره منتمياً لهيئة. وتعتبر الشريعة الإنسان مجنياً عليه ولو لم ينفصل عن أمه، فمن أحدث جائفة (٣) بامرأة حامل فأجهضت فقد جنى على شخصين هما الأم والجنين حيث أجاف الأم وأسقط الجنين، ووجبت عليه عقوبتان هما أَرْش (٤) الجائفة ودية

стр. 398

الجنين (١) ، وإذا شربت الأم دواء فأجهضت فعليها دية الجنين (٢) . ويعرف البعض الجنين في هذا المقام بأنه ما طرحته المرأة من مضغة أو علقة مما يعلم أنه ولد، ويرى البعض أن الجنين هو ما استبانت خلقته، ويرى البعض الثالث أن الجنين هو ما وجدت الحياة فيه (٣) . والقاعدة في الشريعة أن الإنسان تنتهي شخصيته بموته، فإذا مات أصبح لا وجود له، وانتقلت أمواله وحقوقه إلى دائنيه وورثته. وإذا كانت نفس الإنسان وماله وحقوقه هي محل الجريمة فلا يتصور أن يكون الإنسان بعد الموت محلاً للجريمة إلا في حالتين: ١ - الاعتداء على رفات الأموات: لا يعتبر الاعتداء على جثّة الميت أو رفاته جريمة واقعة على الميت باعتباره إنساناً، ولا يعتبر هو المجني عليه، إنما يحرم الاعتداء على رفات الأموات باعتبارها شيئاً محترماً لدى الجماعة وله حرمته في نفوسهم، فالمجني عليه في الجريمة هو الجماعة والشريعة تعاقب مرتكبها باعتباره معتدياً على حرمة الأموات أو حرمة المقابر. ٢ - قذف الأموات: من القواعد الأولية في الشريعة أن الدعوى لا تقام على القاذف إلا إذا تقدم المقذوف بالشكوى؛ لأن الجريمة تمس المجني عليه مساساً شديداً وتتصل بعرضه وسمعته، ولأن للجاني الحق في أن يثبت وقائع القذف, فإذا أثبتها أصبح المقذوف مسئولاً عن الجريمة التي قذف بها ووجبت عليه عقوبتها، ولهذا علق رفع الدعوى على شكوى المقذوف فإذا شكا أخذت الدعوى سيرها. وإذا كان المقذوف حياً وقت القذف فله وحده حق الخصومة،

стр. 399

فإن مات بعد القذف وقبل الشكوى فليس لغيره من ورثته أو عصباته أن يخاصم القاذف ويشكوه، إلا إذا كان المقذوف قد مات قبل العلم بالقذف، أما إذا مات بعد الشكوى فتحل ورثته محله عند مالك والشافعي وأحمد، وتسقط الدعوى بموته عند أبي حنيفة، لأنه يرى أن حق المخاصمة في دعوى القذف ليس حقاً مالياً حتى يورث. وإذا كان المقذوف ميتاً فجمهور الفقهاء يبيحون رفع الدعوى على القاذف بناء على شكوى الورثة أو الأصول أو الفروع، وحجتهم في ذلك أن القذف يتعدى الميت إلى الأحياء، وأنهم قدح في نسبهم فكأن القاذف قذفهم معني، ولهذا كان لهم حق تحريك الدعوى دفعاً للعار عن أنفسهم. ويرى بعض الفقهاء أن العار يلحق الأصول والفروع دون غيرهم، ولهذا قصر حق المخاصمة عليهم. ويرى البعض أن العار يلحق كل الورثة، وأصحاب هذا الرأي يبيحون للورثة جميعاً حق المخاصمة. وعلى كل حال فمن له حق المخاصمة يستطيع أن يخاصم دون توقف على غيره ممن له نفس الحق، ولو كان هذا الغير أقرب درجة للميت، أي أن الأبعد يستطيع أن يخاصم ولو لم يخاصم الأقرب (١) . وإذا كان الفقهاء يعللون المخاصمة بأنها لدفع العار على المخاصم من أصول الميت أو فروعه أو ورثته، وكان للأبعد أن يخاصم مع وجود الأقرب فمعنى ذلك أن الدعوى قصد منها حماية الأحياء لا حماية الميت، ودفع العار عنهم لا عنه، خصوصاً وأن القذف يتعدى دائماً المقذوف إلى غيره، إذ القذف في الشريعة معناه نفي النسب عن المقذوف أو نسبة الزنا إليه، فالمقذوف سواء كان رجلاً أو امرأة إذا نفيّ عنه نسبه تعداه نفي النسب إلى أصوله وفروعه وورثته، وإذا كان رماه فنسب إليها الزنا تعداها القذف إلى أصولها وفروعها وورثتها. ٢٨٣ - الشريعة والقانون: تتفق القوانين الوضعية مع الشريعة الإسلامية

стр. 400

فيما قلناه عن المجني عليه، فيصح فيها أن يكون المجني عليه إنساناً مميزاً أو غير مميز، عاقلاً أو مجنوناً، ويصح أن يكون إنساناً طبيعياً أو معنوياً، وفرداً أو جماعة، كما أن القوانين الوضعية تحمي الجنين قبل أن ينفصل عن أمه، فتعاقب على الإجهاض (١) سواء حدث من الأم أو من غيرها، وتحمي جدث الميت ورفاته، فتعاقب من ينتهك حرمة القبور (٢) ، وهي في ذلك تتفق مع الشريعة. أما فيما يتعلق بالقذف فالرأي السائد في القوانين الوضعية اليوم أن القوانين توضع لحماية الأحياء دون الأموات (٣) ، ومن ثم فقذف الميت لا يعاقب عليه إلا إذا تعدى أثر القذف إلى الأحياء من ورثة المقذوف أو ذوي قرباه، فلا مانع إذن من المحاكمة والعقاب. وبعض القوانين لا تعلق رفع الدعوى على شكوى المقذوف أو ورثته كما هو الحال في القانون المصري، ولكن بعض القوانين تشترط لرفع الدعوى شكوى المقذوف كما هو الحال في القانون الفرنسي، فإذا مات المجني عليه سقط بموته حق الشكوى إلا إذا قصد من القذف المساس بكرمة أسرة المقذوف وذويه الأحياء فيحق لهم حينئذ أن يرفعوا الشكوى باسمهم. واتجاه القوانين الوضعية في قذف الأموات لا يكاد يختلف عن اتجاه الشريعة، فدعوى القذف في الشريعة تمس دائماً أسرة المقذوف وأهله، فإذا أجازت الشريعة للورثة رفع الدعوى دون قيد فإن هذا يساوي تماماً ما أجازته القوانين للورثة من رفع الدعوى في حالة المساس بهم؛ لأن القوانين لا تقصر القذف على نسبة الزنا ونفي النسب كما هو الحال في الشريعة، وإنما تعتبر القوانين قاذفاً

стр. 401

كل من أسند لغيره واقعة توجب احتقاره. ومن المسلم به أن كثيراً مما يعتبر قذفاً في القوانين لا يمس ورثة المقذوف أو أهله الأحياء، أما نسبة الزنا للمقذوف ونفي النسب عنه فلا شك أنه يمسهم، ومن ثم يكون القول بأن القوانين تجيز دائماً ودون قيد لورثة المقذوف وأهله الأحياء أن يرفعوا الدعوى في هاتين الحالتين على القاذف، أما تعليق الدعوى على شكوى المقذوف فقد رأينا أن بعض القوانين كالقانون الفرنسي يتفق مع الشريعة في هذا المبدأ، وأن قوانين أخرى منها القانون المصري لا تعلق رفع الدعوى على شكوى القاذف. * * * المبحث الثالث سبب المسئولية ودرجتها ٢٨٤ - سبب المسئولية الجنائية وشرطها: السبب هو ما جعله الشارع علامة على مسببه، وربط وجود المسبب بوجوده، وعدمه بعدمه، بحيث يلزم من وجود السبب وجود المسبب ومن عدمه (١) . والشرط هو ما يتوقف وجود الحكم الشرعي على وجوده، ويلزم من عدمه عدم الحكم (٢) . وسبب المسئولية الجنائية هو ارتكاب المعاصي، أي إتيان المحرمات التي حرمتها الشريعة وترك الواجبات التي أوجبتها، وإذا كان الشارع قد جعل ارتكاب المعاصي سبباً للمسئولية الجنائية إلا أنه جعل وجود المسئولية الشرعي موقوفاً على توفر شرطين لا يغني أحدهما عن الآخر وهما: الإدراك والاختيار، فإذا انعدم أحد هذين الشرطين انعدمت المسئولية الجنائية، وإذا وجد الشرطان معاً وجدت المسئولية، فالسرقة معصية حرمها الشارع وجعل القطع عقوبة لفاعلها،

стр. 402

فمن سرق مالاً من آخر فقد جاء بفعل هو سبب للمسئولية الجنائية، ولكنه لا يسأل شرعاً إلا إذا وجد فيه شرطا المسئولية وهما الإدراك والاختيار، فإن كان غير مدرك كمجنون مثلاً فلا مسئولية عليه، وإن كان مدركاً ولكنه غير مختار فلا مسئولية عليه أيضاً. وإذا وجد سبب المسئولية وهو ارتكاب المعصية، ووجد شرطاها وهما الإدراك والاختيار، اعتبر الجاني عاصياً، وكان فعله عصياناً أي خروجاً على ما أمر به الشارع، وحقت عليه العقوبة المقررة للمعصية. أما إذا ارتكبت المعصية ولم يتوفر في الفاعل شرطا المسئولية أو أحدهما فلا يعتبر الفاعل عاصياً ولا يعتبر فعله عصياناً، وإذن فالوجود الشرعي للمسئولية الجنائية متوقف على وجود العصيان وعدمها تابع لعدمه. والعصيان في الشريعة يقابل الخطأ والخطيئة La Faute في تعبير القوانين الوضعية، ولكن التعبير بالعصيان أدق في دلالته على المعنى المقصود - هو مخالفة أمر الشارع - من التعبير بالخطأ والخطيئة، فضلاً عن أن التعبير الأخير يؤدي إلى الخلط بين لفظ الخطأ بمعنى غير المتعمد، وبين لفظ الخطأ بمعنى مخالفة أمر الشارع. ٢٨٥ - درجات المسئولية: رأينا فيما سبق أن الوجود الشرعي للمسئولية الجنائية يتوقف على وجود العصيان، فمن الطبيعي إذن أن تكون درجات المسئولية تابعة لدرجات العصيان. والأصل في هذه المسألة أن الشريعة الإسلامية تقرن دائماً الأعمال بالنيات وتجعل كل امرئ نصيباً من نيته، وهذا معنى قول الرسول ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، والنية محلها القلب ومعناها القصد، فتقول العرب: نواك الله بحفظه؛ أي قصدك الله بحفظه، فمن انتوى بقلبه أن يفعل ما حرمته الشريعة ثم فعل ما انتواه فقد قصده.

стр. 403

وتطبيقاً لقاعدة اقتران الأعمال بالنيات لا تنظر الشريعة للجناية وحدها عندما تقرر مسئولية الجاني، وإنما تنظر للجناية أولاً وإلى قصد الجاني ثانياً، وعلى هذا الأساس ترتب مسئولية الجاني (١) . والمعاصي التي يمكن أن تنسب للإنسان المدرك المختار فيسأل عنها جنائياً لا تخرج عن نوعين: نوع يأتيه الإنسان وهو ينتوي إتيانه ويقصد عصيان الشارع، ونوع يأتيه الإنسان وينتوي إتيانه ولا يقصد عصيان الشارع، أو لا ينتوي إتيانه ولا يقصد العصيان ولكن الفعل يقع بتقصيره أو بتسبيبه، فالنوع الأول هو ما يتعمده قلب الإنسان، والنوع الثاني هو ما يخطئ به. ولما كانت الشريعة الإسلامية تقرن الأعمال بالنيات كما قلنا فقد فرقت في المسئولية الجنائية بين ما يتعمد الجاني إتيانه وبين ما يقع من الجاني نتيجة خطئه، وجعلت مسئولية الجاني العامد مغلظة ومسئولية الجاني المخطئ مخففة، وعلة التغليظ على العامد أنه يتعمد العصيان بفعله وقلبه فجريمته متكاملة، وعلة التخفيف على المخطئ أن العصيان لا يخطر بقلبه وإن تلبس بفعله فجريمته غير متكاملة. وقد فرق القرآن بين العامد والمخطئ في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُم﴾ [الأحزاب: ٥] ، وكرر الرسول ﵊ هذا المعنى في قوله: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، والمقصود من عدم الجناح ومن رفع الخطأ هو تخفيف مسئولية المخطئ وعدم تسويته بالعامد، ولا يقصد من هذين التعبيرين محو المسئولية الجنائية كلية، وليس أدل على ذلك من أن الله جل شأنه جعل عقوبة القتل العمد القصاص، وجعل عقوبة القتل الخطأ الدية والكفارة، فغلظ مسئولية العامد وخفف مسئولية المخطئ ولم يمحها كلية، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾

стр. 404

[البقرة: ١٧٨] ، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾ [النساء: ٩٢] . وهكذا تتنوع المسئولية الجنائية وتتعدد درجاتها بحسب تنوع العصيان وتعدد درجاته، فإذا أردنا أن نعرف مدى تنوع المسئولية وتعدد درجاتها فعلينا أن نعرف مدى تنوع العصيان وتعدد درجاته. وقد عرفنا فيما سبق أن العصيان إما أن يتعمده العاصي وإما أن يخطئ به، فهو إما عمد وإما خطأ، والعمد والخطأ كلاهما على نوعين بحسب درجة جسامته، فالعمد ينقسم إلى عمد وشبه عمد، والخطأ ينقسم إلى خطأ وما جرى مجرى الخطأ، ومن ثم يكون العصيان على أربع درجات، وبالتالي تكون المسئولية الجنائية على أربع درجات؛ لأنها تقوم على العصيان، وتغلظ وتخفف بحسب درجة العصيان من الجسامة والبساطة. ١ - العمد: المعنى العام للعمد هو أن قصد الجاني إتيان الفعل المحظور، فمن شرب الخمر وهو يقصد شربها فقد شربها متعمداً، ومن سرق وهو يقصد السرقة فقد تعمدها، والعمد هو أجسم أنواع العصيان، وترتب عليه الشريعة أجسم أنواع المسئولية، وتفرض عليه أغلب العقوبات. وللعمد في القتل معنى خاص عند جمهور الفقهاء: هو أن يقصد الجاني الفعل القاتل ويقصد نتيجته. ويفرق جمهور الفقهاء بين القتل الذي يتوفر فيه هذا المعنى الخاص وبين القتل الذي يتوفر فيه العمد بمعناه العام فقط، ويسمون الأول القتل العمد، ويسمون الثاني القتل شبه العمد.

стр. 405

٢ - شبه العمد: لا تعرف الشريعة شبه العمد إلا في القتل والجناية على ما دون النفس (١) . وهو غير مجمع عليه من الأئمة، فمالك لا يعترف به في القتل ولا فيما دون القتل، ويرى أنه ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ فمن زاد قسماً ثالثاً زاد على النص، ذلك أن القرآن نص على القتل العمد والقتل الخطأ فقط، فقال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا﴾ ، وعلى أساس هذا الرأي يعرف مالك العمد في القتل بأنه إتيان الفعل بقصد العدوان، فهو لا يشترط أن يقصد الجاني الفعل ويقصد نتيجته (٢) . ويتفق أبو حنيفة والشافعي وأحمد (٣) في الاعتراف بشبه العمد في القتل ولكنهم يختلفون في وجوده فيما دون النفس، فيرى الشافعي (٤) أن العمد فيما دون النفس إما أن يكون عمداً محضاً وإما أن يكون شبه عمد، وهذا هو الرأي الراجح في مذهب أحمد (٥) . ويرى أبو حنيفة (٦) أن شبه العمد لا يوجد فيما دون النفس، ورأيه يتفق مع الرأي المرجوح في مذهب أحمد (٧) . وشبه العمد في القتل معناه إتيان الفعل القاتل بقصد العدوان دون أن تتجه نية الجاني إلى إحداث القتل، ولكن الفعل يؤدي للقتل، وحجة القائلين به أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن في قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الأبل"، وسمى شبه العمد بهذه التسمية؛ لأنه يشبه العمد من حيث قصد الفعل ولا يشبهه من حيث انعدام قصد الفعل.

стр. 406

وشبه العمد فيما دون النفس معناه إتيان الفعل بقصد العدوان دون أن تتجه نية الجاني إلى إحداث النتيجة التي انتهى إليها الفعل. وشبه العمد أقل جسامة من العمد، وينبني على ذلك أن تكون عقوبة شبه العمد أخف من عقوبة العمد. فعقوبة العمد الأساسية القصاص، وعقوبة شبه العمد الدية والتعزير إن رأى ولي الأمر تعزير الجاني. ٣ - الخطأ: هو أن يأتي الجاني الفعل دون أن يقصد العصيان ولكنه يخطئ إما في فعله وإما في قصده. فأما الخطأ في الفعل فمثله أن يرمي طائراً فيخطئه ويصيب شخصاً. وأما الخطأ في القصد فمثله أن يرمي من يعتقد أنه جندي من جنود الأعداء؛ لأنه في صفوفهم أو عليه لباسهم، فإذا به جندي من جنود الوطن معصوم الدم. ٤ - ما جرى مجرى الخطأ: يلحق الفعل بالخطأ ويعتبر جارياً مجراه في حالتين: أولاهما: أن لا يقصد الجاني إتيان الفعل ولكن الفعل يقع نتيجة تقصيره، كمن ينقلب وهو نائم على صغير بجواره فيقتله. وثانيتهما: أن يتسبب الجاني في وقوع الفعل المحرم دون أن يقصد إتيانه، كمن يحفر حفرة في الطريق لتصريف ماء مثلاً فيسقط فيها أحد المارة ليلاً. والخطأ أكثر جسامة مما جرى مجرى الخطأ؛ لأن الجاني في الخطأ يقصد الفعل وتنشأ النتيجة المحرمة عن تقصيره وعدم احتياطه، أما فيما جرى مجرى الخطأ فالجاني لا يقصد الفعل ولكن الفعل يقع نتيجة تقصيره أو تسببه. وأول من قسم الخطأ إلى خطأ وما جرى مجراه هو أبو بكر الرازي، فقد رأى أن الفعل في الخطأ مقصود إلا أن الخطأ يقع تارة في الفعل وتارة في قصد الفاعل، ولا ينطبق هذا على الساهي والنائم والمتسبب، ولما كان فعل كل من هؤلاء غير مقصود أصلاً فليس هو إذن في حيز الخطأ كما أنه ليس في حيز العمد أو شبه العمد، ولما كان حكم فعل الساهي والنائم والمتسبب هو حكم الخطأ من

стр. 407

حيث الجزاء فقد رأى أبو بكر الرازي إلحاقه بالخطأ باعتباره جارياً مجراه (١) . ٢٨٦ - الشريعة والقانون: وتتفق القوانين مع الشريعة فيما ذكرنا من سبب المسئولية وشرطها، فسبب المسئولية في القانون هو ارتكاب الجرائم، وشرط المسئولية هو الإدراك والاختيار كما هو الحال في الشريعة، ولا مسئولية ما لم يكن الجاني مخطئاً؛ أي عاصياً، ودرجات المسئولية تتعدد وتتنوع بحسب تنوع الخطأ (٢) وتعدده. والخطأ في القانون على نوعين: عمد وخطأ، والخطأ على نوعين: خطأ بإهمال وخطأ بسيط، ويدخل تحت العمد ما يدخل في الشريعة تحت العمد وشبه العمد، ويدخل تحت الخطأ ما يدخل تحت الخطأ في الشريعة وما يجري مجراه. والقوانين الوضعية وإن كانت لا تعترف بشبه العمد في القتل إلا أنها تجعل هذا النوع من القتل ضرباً مفضياً للموت، وتخفف عقوبته عن عقوبة القتل العمد، فتصل بذلك إلى الغرض الذي ترمي إليه الشريعة من التفرقة بين القتل بقصد الضرب والقتل بقصد القتل، فالخلاف إذن بين الشريعة والقانون خلاف في التسمية لا غير. ولا شك أن تعبير الشريعة بالقتل شبه العمد أصح منطقاً من تعبير القوانين الوضعية، ذلك أن القتل شبه العمد يندرج تحته الموت الناشئ عن الضرب والجرح وإعطاء المواد السامة والضارة والتغريق والتحريق والتردية والخنق، وكل ما يدخل تحت القتل العمد إذا انعدمت نية القتل عند الجاني وتوفر قصد الاعتداء، ولفظ القتل يدخل تحته كل ما يؤدي للموت. فاختيار الفقهاء لهذا التعبير للدلالة على هذه الأنواع المختلفة من الاعتداء والإيذاء هو اختيار موفق؛ لأنها تنتهي جميعاً بالموت، أما لفظ الضرب المفضي للموت الذي عبرت به القوانين الوضعية فإذا دخل تحته الضرب باليد أو بأداة أخرى فإنه لا يمكن أن يندرج تحته غير ذلك

стр. 408

من أنواع الإيذاء والاعتداء المختلفة الصور والوسائل كالتغريق والتحريق والتردية والخنق. وشراح القانون المصري يعترفون بقصور لفظ الضرب عن استيعاب المعنى الذي يندرج تحته قانوناً. * * * المبحث الرابع قصد العصيان: أو القصد الجنائي ٢٨٧ - قصد العصيان أو القصد الجنائي: بينا فيما سبق أن أساس المسئولية الجنائية هو العصيان، أي عصيان أمر الشارع، وأن مسئولية الجاني تختلف باختلاف درجة العصيان، فإن قصد الجاني العصيان شددت العقوبة وإن لم يقصد العصيان خففت العقوبة، فقصد العصيان عامل أولى في تعيين عقوبة الجاني، وهذا القصد هو ما نسميه اليوم في اصطلاحنا القانوني بالقصد الجنائي. وقصد العصيان أو القصد الجنائي هو تعمد إتيان الفعل المحرم أو تركه مع العلم بأن الشارع يحرم الفعل أو يوجبه، وينبغي أن لا يفوتنا إدراك الفرق بين العصيان وبين قصد العصيان، فالعصيان عنصر ضروري يجب توفره في كل جريمة سواء كانت الجريمة بسيطة أو جسيمة، من جرائم العمد أو جرائم الخطأ، فإذا لم يتوفر عنصر العصيان في الفعل فهو ليس جريمة. أما قصد العصيان فلا يجب توفره إلا في الجرائم العمدية دون غيرها. والعصيان هو فعل المعصية؛ أي إتيان الفعل المحرم أو الامتناع عن الفعل الواجب دون أن يقصد الفاعل العصيان، كمن يلقي حجراً من نافذة ليتخلص منه فيصيب به ماراً في الشارع، فهو قد فعل معصية بإصابة غيره، ولكنه لم يقصد بأي حال أن يصيب غيره، ولم يقصد بالتالي فعل المعصية. أما قصد العصيان فهو اتجاه نية الفاعل إلى الفعل أو الترك مع علمه بأن الفعل أو الترك محرم، أو هو فعل المعصية بقصد العصيان، كمن يلقي حجراً

стр. 409

من نافذة بقصد إصابة شخص مار في الشارع فيصيبه، فإنه يرتكب معصية لم يأتها إلا وهو قاصد فعلها. ويتفق هذا المثل مع المثل السابق في أن كلاً من الجانبين أتى معصية حرمها الشارع، ويختلف المثلان في أن الجاني في المثل الثاني قصد إتيان المعصية بينما الجاني في المثل الأول لم يقصد إتيان المعصية. والتفرقة بين العصيان وبين قصد العصيان تقابل النفرقة بين الإرادة Volonté وهي تعمد الفعل المحرم أو تركه مادياً وبين القصد Intention وهو تعمد النتيجة المترتبة على الفعل المادي، تلك التفرقة التي نقول بها اليوم في القوانين الوضعية. ولا شك أن التعبير بالعصيان عن إتيان الفعل المادي ويقصد العصيان عن تعمد نتيجة الفعل هو تعبير أكثر دقة ودلالة على هذين المعنيين من التعبير عنهما بالإرادة والقصد؛ لأنه ليس ثمة فرق بين الإرادة والقصد من الوجهة اللغوية، وهما لفظان مترادفان يصلح كلاهما للدلالة على تعمد الفعل وتعمد نتيجته، وهذه الصلاحية اللغوية تؤدي إلى الخلط بين المعاني الفنية كما تؤدي إلى العجز عن تمييزها أحياناً. وقصد العصيان أو القصد الجنائي قد يوجد لدى الجاني قبل اقتراف الجريمة، كأن ينتوي قتل إنسان ثم ينفذ القتل بعد ذلك بزمن ما، وقد يعاصر القصد الجريمة كما هو الحال في جرائم المشاجرات أو في الجرائم التي تحدث بغتة بغير تدبير سابق. ويستوي في الشريعة أن يكون القصد سابقاً للجريمة أو معاصراً لها، فالعقوبة في الحالين واحدة؛ لأن أساس تقدير العقوبة هو القصد المقارن للفعل وقد توفر، ولا يصح تشديد العقاب مقابل القصد السابق على الفعل؛ لأن معنى ذلك هو العقاب على القصد وحده مستقلاً عن الفعل، والقاعدة في الشريعة أن لا عقاب على حديث النفس وقصد الجريمة قبل ارتكابها؛ لقوله ﵊: "إن الله يجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به نفسها ما لم تعمل به أو تكلم"، وعلى أساس هذه القاعدة لا تفرق الشريعة في القتل والجرح بين العمد مع سبق الإصرار والترصد وبين العمد الخالي من سبق الإصرار والترصد، بل تجعل العقوبة واحدة

стр. 410

في الحالين، فعقوبة القتل العمد هي القصاص سواء سبقه إصرار وترصد أو لم يسبقه، وعقوبات الشجاج والجراح في حالة العمد مع سبق الإصرار والترصد هي نفس عقوباتها في حالة التعمد الخالي من سبق الإصرار والترصد. والقوانين الوضعية لا تعاقب على النية مستقلة عن الفعل أو القول كقاعدة عامة، ولكنها مع ذلك تفرق بين عقوبة العمد المصحوب بسبق الإصرار أو الترصد وبين عقوبة العمد الذي لم يصحبه سبق إصرار أو ترصد، وقد جرى القانون المصري على هذه التفرقة في جرائم القتل والضرب والجرح المتعمدة. ٢٨٨ - الفرق بين القد والباعث: وقد فرقت الشريعة من يوم وجودها بين القصد والباعث؛ أي بين قصد العصيان وبين الدوافع التي دفعت الجاني للعصيان، ولم تجد الشريعة الباعث على ارتكاب الجريمة أي تأثير على تكوين الجريمة أو على العقوبة المقررة لها، فيستوي لدى الشريعة أن يكون الباعث على الجريمة شريفاً كالقتل للثأر، أو الانتقام للعرض، أو أن يكون الباعث على الجريمة وضيعاً كالقتل بأجر أو القتل للسرقة، فالباعث على الجريمة ليس له علاقة بتعمد الجاني ارتكاب الجريمة، ولا يؤثر على تكوينها ولا عقوبتها شيئاً ما. وإذا كان من الممكن عملاً أن لا يكون للباعث أثر على تكوين الجريمة، وأن لا يكون له أثر على عقوبات جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، فإن هذا لا يمكن عملاً في عقوبات التعازير؛ ذلك أن الباعث أياً كان لن يؤثر في طبيعة الفعل المكون للجريمة؛ لأن الشارع ضيق سلطان القاضي في عقوبات الحدود والقصاص، بحيث لا يستطيع أن يجعل للبواعث أي اعتبار. أما في التعازير فقد ترك الشارع للقاضي من الحرية في اختيار العقوبة وتقديرها ما يمكنه عملاً من أن يحل البواعث في تقدير العقوبة محل الاعتبار. فللباعث أثر من الوجهة العملية على عقوبات التعازير دون غيرها من العقوبات.

стр. 411

وعلة ذلك أن عقوبات الجرائم التعزيرية غير مقدرة، وللقاضي حرية واسعة فيها؛ فله أن يختار نوع العقوبة ويعين كمها، فإذا راعى القاضي البواعث فخفف العقوبة أو شددها فإنه يفعل ذلك في نطاق حقه، ولا يخرج عن حدود سلطانه. أما جرائم الحدود والقصاص فعقوبتها مقدرة أي محددة، وليس للقاضي أن ينقص منها أو يزيد فيها، ومن الواجب عليه أن يحكم بها مهما كان الباعث على الجريمة، فسواء كان الباعث شريفاً أو وضيعاً فالعقوبة لن تتغير. وأكثر القوانين الوضعية تتفق في هذه المسألة مع الشريعة، فهي لا تخلط أيضاً بين الباعث على الجريمة والقصد الجنائي، ولا تجعل للباعث أثراً على تكوين الجريمة أو عقوبتها كقاعدة عامة، ولكن بالرغم من ذلك فإن للباعث من الوجهة العملية أثره على تقدير العقوبة، إذ للقاضي أن يقدر العقوبة الملائمة من بين الحدين الأدنى والأعلى للعقوبة، وله في كثير من الأحوال أن يختار إحدى عقوبتين، وهو يختار العقوبة ويقدر كمها طبقاً لما يرى أن الجاني يستحقه، وهو يدخل في تقديره ظروف الجريمة والمجرم، والبواعث التي دفعت لارتكاب الجريمة، فيخفف العقوبة إن رأى الجاني مستحقاً التخفيف، ويغلظها إن رآه مستحقاً التغليظ، وبهذا يكون للباعث أثره العملي على العقوبة. وهذه هي طريقة القانون الفرنسي والقانون المصري. على أن هناك بعض القوانين كالقانون الإيطالي والبولوني (١) تجعل من الباعث ظرفاً مخففاً أو مشدداً للعقوبة، وتلزم القاضي بمراعاة هذا الباعث عند تقدير العقوبة، وهذه القوانين وإن كانت تعترف بأن للباعث أثراً قانونياً على العقوبة إلا أنها من الوجهة العملية لا تصل إلى أكثر من النتائج التي تصل إليها القوانين التي لا تعترف بالباعث من الوجهة النظرية، لأن القاضي لا يستطيع عملاً

стр. 412

أن يتخلى دائماً عن اعتبار البواعث عند تقدير العقوبة، سواء اعتبر الشارع البواعث أو لم يعتبرها. فالفرق بين الشريعة والقوانين الوضعية أن الشريعة لا تعترف بالباعث ولا تجعل له أثراً في الجرائم الخطيرة التي تمس الجماعة ونظامها، وهي جرائم الحدود والقصاص، أما فيما عدا هذه الجرائم، فإن الشريعة وإن لم تعترف بالباعث من الوجهة النظرية، إلا أنه ليس فيها ما يمنع القاضي من تقدير الباعث من الوجهة العملية، وأكثر القوانين تهمل الكلام على الباعث ولا تعترف به من الوجهة النظرية، ولكن هذا لا يمنع القاضي من تقدير البواعث عملاً في كل الجرائم البسيطة والخطيرة على السواء. ولا شك أن طريقة الشريعة أسلم وأفضل، لأنها تضع مصلحة الجماعة في الجرائم الخطيرة فوق كل اعتبار، ولا تسمح للقاضي بأن يفاضل بين هذه المصلحة ومصلحة الجاني؛ لأن معنى ذلك هو إخضاع المصلحة العامة للعواطف والأهواء. ٢٨٩ - صور القصد: وليس للقصد صورة معينة فهو يظهر في صور متنوعة تختلف باختلاف الجرائم ونية المجرم، فقد يكون القصد عاماً، وقد يكون خاصاً، وقد يكون القصد معيناً أو غير معين، وقد يكون القصد مباشراً أو غير مباشر. ٢٩٠ - القصد العام والقصد الخاص: يتوفر القصد العام كلما تعمد الجاني ارتكاب الجريمة مع علمه بأنه يرتكب محظوراً، وأكثر الجرائم يكتفي فيها بتوفر القصد الجنائي العام، كجريمة الجرح والضرب البسيط فإنه يكفي فيها أن يتعمد الجاني إتيان الفعل المادي مع علمه بأنه يأتي فعلاً محرماً. وفي بعض الجرائم لا يكتفي الشارع بالقصد العام، بل يشترط أن يتوفر معه قصد خاص كتعمد نتيجة معينة أو ضرر خاص، كما هو الحال في جريمة القتل العمد أو جريمة السرقة، ففي جريمة القتل العمد لا يكفي أن يضرب الجاني المجني عليه أو يجرحه وهو عالم بأن الضرب والجرح محرم، بل يجب أن يتعمد مع الضرب

стр. 413

أو الجرح إرهاق روح المجني عليه، فالشارع يوجب لمحاسبة الجاني على القتل العمد أن يتعمد بعد توفر القصد العام نتيجة معينة أو قصداً خاصاً، فإذا توفر القصد العام فقط ومات المجني عليه كان الفعل قتلاً شبه عمد لا قتلاً عمداً (١) . وفي جريمة السرقة لا يكفي أن يأخذ الجاني مال الغير خفية وهو عالم بأن هذا الفعل محرم، بل يجب أن يتعمد مع ذلك تملك المال، فإذا أخذه وهو لا يقصد تملكه لم تتكون جريمة السرقة. وفي الحالات التي يشترط فيها قصد خاص يختلط القصد الجنائي بالباعث كلما كان القصد الخاص هو الباعث على الجريمة، فمن يقتل شخصاً بقصد إزالته من طريقه يختلط قصده الخاص بالباعث على الجريمة، ولكن لا يمكن أن يقال: إن الباعث يؤثر على الجريمة أو العقوبة؛ لأننا لا ننظر إلى الباعث في حالة الاختلاط باعتباره باعثاً وإنما باعتباره قصداً خاصاً. ٢٩١ - القصد المعين والقصد غير المعين: يكون القصد معيناً إذا قصد الجاني ارتكاب فعل معين على شخص أو أشخاص معينين (٢) . ويعتبر الفعل معنياً سواء كان بطبيعته ذا نتائج محدودة كمن يذبح شخصاً أو أكثر بسكين، أو كان بطبيعته ذا نتائج غير محدودة كمن يلقي قنبلة على جماعة، فهو يعرف دون شك أن فعله سيؤدي إلى قتل وجرح الكثيرين، ولكنه لا يستطيع تحديدهم من قبل كما يستطيع من يستعمل السكين. ويعتبر الفعل معيناً ولو كانت نتائجه غير محدودة كلما أتاه الجاني وهو عالم

стр. 414

بنتائجه قاصداً تحقيق هذه النتائج كلها أو بعضها، لا يبالي أيها تحقق وأيها تخلف. ويعتبر المجني عليه معنياً كلما أمكن تعيينه، ولو لم يعين باسمه أو شخصه أو وصفه، فمن قصد أن يصيب أي شخص من جماعة معينة يعرف أفرادها وأطلق عليهم النار فأصاب أحدهم فقد أصاب شخصاً معيناً، ومن أطلق النار بقصد إصابة أي شخص من جماعة معينة لا يعرف أفرادها فقد أصاب شخصاً معيناً؛ لأن الجماعة معينة، ولأنها تصبح مقصودة فتعتبر جماعة وأفراداً (١) . ويكون القصد غير معين إذا قصد الجاني ارتكاب فعل معين على شخص غير معين، ويعتبر الشخص غير معين إذا لم يكن في الإمكان تعيينه قبل الجريمة، فإذا أطلق الجاني كلباً عقوراً ليعقر من يقابله، أو حفر بئراً في الطريق ليسقط فيها من يمر في الطريق، كان المجني عليه غير معين، ويشترط ليكون القصد غير معين أن لا يقصد الجاني من فعله هلاك شخص معين، فإن قصده فالقصد معين بالنسبة لهذا الشخص، وإن هلك الشخص المعين وهلك معه غير معين فالقصد معين بالنسبة للأول وغير معين بالنسبة للثاني (٢) . ويستوي عند الفقهاء الإسلاميين بصفة عامة أن يكون القصد معيناً أو غير معين، فحكمهما واحد من حيث مسئولية الجاني وتكييف فعله، إلا أنهم اختلفوا في مسئولية الجاني وتكييف فعله إذا كان الفعل قتلاً وكان القصد غير معين، فيرى بعض الشافعية أن الجاني لا يسأل باعتباره قاتلاً متعمداً إذا قصد قتل غير معين، وإنما يسأل عن الفعل باعتباره قتلاً شبه عمد ما دام الشخص الذي قصد بالجريمة منهما غير معين (٣) . ويفرق المالكيون بين القتل المباشر والقتل بالتسبب، ويسوون في حالة القتل المباشر بين القصد المعين والقصد غير المعين، ويجعلون

стр. 415

القاتل مسئولاً عن القتل العمد، أما في حالة القتل بالتسبب فلا يسأل القاتل باعتباره قاتلاً عمداً إلا إذا قصد شخصاً معيناً يفعله وهلك هذا المعين، فإن قصد غير معين فلا يسأل باعتباره قاتلاً متعمداً، وإنما يسأل عن القتل الخطأ (١) . ويمكن تعليل رأي الشافعيين بأن القتل العمد يشترط فيه قصد إزهاق روح المجني عليه، وهذا الشرط لا يتحقق إلا إذا قصد الإنسان فعلاً يؤدي للقتل، وقصد به شخصاً معيناً، فإن قصد غير معين فقد قصد الفعل دون شك ولكنه لم يقصد إزهاق روح المجني عليه الذي لا يعرفه ولا يدري من يكون، والذي قد يتضح فيما بعد أنه أعز الناس على الجاني وأحبهم إليه، فالجاني لا يمكن أن يقصد قصداً صحيحاً أو جدياً إزهاق روح إنسان قبل أن يتعين لديه هذا الإنسان، والجاني يؤخذ في القتل العمد بأنه قصد إزهاق روح القتيل مع أنه لا يمكن أن يقال في حالة القصد غير المعين إن الجاني قصد إزهاق روح القتيل بالذات، وإذا انعدم قصد إزهاق روح القتيل فقد بقى قصد الفعل الذي أدى للموت، وهذا الفعل يكيف شرعاً بأنه قتل شبه عمد (٢) . ويمكننا أن نعلل رأي المالكيين بنفس التعليل السابق، كما يمكننا أن نعلل تفرقتهم بين القتل المباشر والقتل بالتسبب بأن المجني عليه في حالة القتل المباشر يكون في الغالب معيناً؛ لأن القاتل يباشر القتل بنفسه دون واسطة، فهو لا يباشر الفعل القاتل قبل أن يتمكن من المجني عليه، وإذا تمكن منه فقد أصبح معيناً لديه، بعكس الحال في القتل بالتسبب، فإن الجاني يباشر القتل بواسطة، وهو في أغلب الأحوال يستطيع أن يباشر الفعل القاتل قبل أن يتمكن من المجني عليه وقبل أن يصبح معيناً لديه.

стр. 416

أما فقهاء الحنفية والحنابلة ومعهم بعض الشافعية فإنهم لا يفرقون بين القصد المعين وبين القصد غير المعين في القتل وغير القتل، فالجاني سواء قصد بالفعل شخصاً معيناً أو قصد شخصاً غير معين قهو قاتل متعمد إذا أدى فعله إلى النتيجة التي قصدها (١) . ويلاحظ أن تقسيم القصد في الشريعة إلى معين وغير معين مقابل تقسيم القصد في القانون إلى محدود وغير محدود، وأن رأى الفقهاء القائلين بعدم التفرقة بين القصد المعين وغير المعين في القتل يتفق تمام الاتفاق مع رأي شارح القانون الفرنسي والمصري، حيث لا يفرق هؤلاء أيضاً بين القصد المحدود وغير المحدود؛ لأن الجاني في الحالين يقصد النتيجة التي حدثت أو يقبل وقوعها عند ارتكاب الجريمة. ونصوص القانون المصري والفرنسي لا تفرق بين القصد المحدود والقصد غير المحدود أيضاً، فهي بهذا تتفق مع رأي الفقهاء القائلين بعدم التفرقة بين القصد المعين والقصد غير المعين، فالمادة ٢٣١ من قانون العقوبات المصري المماثلة للمادة ٢٩٧ من قانون العقوبات الفرنسي تعرف سبق الإصرار بأنه: "هو القصد المصمم عليه قبل الفعل لارتكاب جنحة أو جريمة، غرض المصر منها إيذاء شخص معين أو أي شخص غير معين وجده أو صادفه، سواء كان هذا القصد معقباً على حدوث أمر أو موقوفاً على شرط". أما الفقهاء القائلون بالتفرقة بين القصد المعين والقصد غير المعين، فرأيهم يطابق أو يقترب من النظرية الألمانية، التي تعتبر الجاني مخطئاً لا عامداً كلما أدى فعله إلى نتائج لم يتمثلها أو لم يقصدها قصداً صحيحاً.

стр. 417

٢٩٢ - القصد المباشر والقصد غير المباشر: يعتبر القصد مباشراً يواء كان معيناً أو غير معين كلما ارتكب الجاني الفعل وهو يعلم نتائجه ويقصدها، بغض النظر عما إذا كان يقصد شخصاً معيناً أو لا يقصد شخصاً معيناً. ويعتبر القصد غير مباشر إذا قصد الجاني فعلاً معيناً فترتب على فعله نتائج لم يقصدها أصلاً أو لم يقدر وقوعها، ويسمى القصد غير المباشر بالقصد المحتمل أو القصد الاحتمالي. ولم يتعرض الفقهاء للقصد المباشر أو غير المباشر كما أنهم لم يعرفوا تعبير القصد الاحتمالي، ولكن ليس معنى هذا أن الشريعة الإسلامية لم تعرف القصد الاحتمالي، وأنها لا تفرق بين القصد المباشر وغير المباشر، فقد عرفت الشريعة حق المعرفة القصد الاحتمالي وفرقت بين القصد المباشر وغير المباشر من يوم نزولها، وليس أدل على ذلك من جرائم الجراح والضرب، فالضارب والجارح يضرب أو يجرح وهو لا يقصد إلا مجرد الإيذاء أو التأديب، ولا يتوقع أن يصيب المجني عليه إلا بجرح بسيط أو كدمات خفيفة، أو لا يتوقع أن يصيبه إلا بمجرد الإيلام، ولكن الجاني مع هذا لا يسأل جنائياً عن النتائج التي قصدها فقط أو التي توقعها وإنما يسأل أيضاً عن النتائج التي لم يقصدها ولم يتوقعها، فإذا أدى الضرب أو الجرح إلى قطع طرف أو فقد منفعته فهو مسئول عن ذلك مأخوذ به، وإذا أدى الضرب أو الجرح إلى قطع طرف أو فقد منفعته فهو مسئول عن ذلك مأخوذ به، وإذا أدى الضرب أو الجرح إلى الموت فهو مسئول عن موت المجني عليه باعتبار الفعل قتلاً شبه عمد لا ضرباً ولا جرحاً. فالشريعة تحمل الجاني في جرائم الضرب والجرح نتائج فعله ولو لم يقصدها أو يتوقعها، وتحمل الجاني هذه النتائج معناه أن الجاني يؤخذ بقصده غير المباشر أو بقصده غير المحتمل. وإذا كانت الشريعة قد عرفت القصد غير المباشر على الوجه السابق ورتبت عليه حكمه فلا عبرة بعد ذلك بما يكتبه الفقهاء عنه، وسواء استخلصوا من أحكام

стр. 418

الشريعة نظرية عامة في القصد الاحتمالي أو لم يستخلصوا نظرية عامة واكتفوا بتطبيق نصوص الشريعة، فإن هذه مسألة ثانوية ترجع إلى تقدير الفقهاء أنفسهم وإلى طريقتهم في الكتابة. على أننا مع هذا نستطيع مع تتبع أقوال الفقهاء في جرائم القتل والضرب والجرح أن نتبين بسهولة رأي كل منهم فيما نسميه اليوم بالقصد الاحتمالي وحكم هذا القصد، وسنرى فيما يأتي أن آراء الفقهاء في هذه المسألة لا تخرج عن ثلاثة آراء يختلف كل منها عن الآخر اختلافاً ظاهراً: ٢٩٣ - الرأي الأول: هذا الرأي لمالك وهو يفرق عندما يتعرض لجرائم القتل والجرح والضرب بين الجرائم المتعمدة والجرائم غير المتعمدة، ويجعل الجاني في الحالين مسئولاً عن النتيجة التي انتهى إليها فعله، فمن أدى فعله إلى الموت فهو مسئول عن القتل، ومن أدى فعله إلى قطع عضو أو فقد منفعته فهو مسئول عن ذلك، ومن شفى جرحه دون عاهة أو لم يترك ضربه أثراً كانت مسئوليته بقدر ما انتهى إليه فعله. والفرق بين الجرائم المتعمدة وغير المتعمدة ليس في ذات الفعل المادي الذي أتاه الجاني وإنما في قصد الجاني وقت إتيان الفعل، فمن أتى الفعل بقصد العصيان كان متعمداً، ومن أتاه دون أن يقصد العصيان كان غير متعمد. ويكتفي مالك في جرائم القتل والجرح والضرب المتعمد بالقصد العام وهو قصد العدوان، ولا يشترط في القتل العمد أن يقصد الجاني إزهاق روح المجني عليه (١) ، ولا يشترط في قطع العضو أو في فقد منفعته أن يقصد الجاني هذه النتيجة، ومن ثم يعتبر الجاني قاتلاً عمداً عند مالك إذا لطم شخصاً أو لكزه بقصد العدوان فأدى ذلك إلى موته، وكذلك يعتبر قاتلاً عمداً لو رماه

стр. 419

بحجر صغير أو بقضيب أو ضربه بعصاً خفيفة ولو لم يوال الضربات، ما دام أنه قد فعل ذلك بقصد العدوان وأدى الفعل للموت، ويعتبر قاتلاً عمداً من يدفع شخصاً بقصد العدوان أو يأخذ برجله فيسقط فتؤدي السقطة لموته، ولا يشترط في كل هذه الأحوال أن تكون الأداة قاتلة، ولا أن يقصد الجاني إزهاق روح المجني عليه (١) . ومن لطم شخصاً بقصد العدوان ففقأ عينه أو أذهب بصره فهو مسئول عن نتيجة فعله ولو لم يقصدها أو يتوقعها (٢) . وإذا كان الجارح أو الضارب الذي لم يقصد إلا مجرد العدوان مسئولاً عن كل نتائج فعله فمعنى ذلك أنه لا يؤخذ بقصده المعين المحدد، وإنما يؤخذ بما يحتمل أن يترتب على هذا القصد، أو بتعبيرنا العصري: يؤخذ بقصده المحتمل. فخلاصة رأي مالك أن الجاني مسئول عن كل نتائج فعله المقصود، سواء قصد هذه النتائج بالذات أو لم يقصدها، توقعها أو لم يتوقعها، وسواء كانت هذه النتائج قريبة يكثر حدوثها أو بعيدة يندر وقوعها. وقد كان مالك في رأيه هذا منطقياً مع نفسه؛ لأنه لا يعترف بالقتل شبه العمد، ولأنه جعل القتل نوعين لا ثالث لهما ولا وسط بينهما: هما القتل العمد والقتل الخطأ، فلم يكن لديه بعد هذا ما يدعوه لاشتراط نية خاصة في القتل العمد ليميزه عن غيره. ٢٩٤ - الرأي الثاني: وهو رأي فقهاء مذهب أبي حنيفة والرأي المرجوح في مذهب أحمد. ويفرق أصحاب هذا الرأي أيضاً بين جرائم القتل والجرح والضرب المتعمدة وبين الجرائم غير المتعمدة، ويجعلون الجاني في الحالين مسئولاً عن النتيجة التي انتهى إليها فعله، وأساس الفرق بين الجرائم

стр. 420

المتعمدة وغير المتعمدة هو قصد الجاني، فإن أتى الفعل بقصد العصيان فهو متعمد، وإن لم يصطحب الفعل بقصد العصيان فهو غير متعمد. ويفرق هؤلاء الفقهاء بين القصد في القتل العمد والقصد فيما عداه من جرائم الاعتداء على النفس أو ما دون النفس (١) ، فيشترطون في القتل العمد أن يقصد الجاني الفعل القاتل ويقصد معه إزهاق روح المجني عليه، فإن توفر هذان القصدان فالجاني قاتل متعمد، وإن توفر الأول دون الثاني فالفعل قتل شبه عمد. وفيما عدا القتل العمد لا يشترطون إلا القصد العام أو قصد العصيان؛ أي تعمد إتيان الفعل مع العلم بأنه محظور، فإذا توفر هذا القصد فالجاني مسئول عن نتائج فعله سواء قصدها كلها أو لم يقصدها، توقعها أو لم يتوقعها، وسواء كانت هذه النتائج قريبة يكثر حدوثها، أو بعيدة يندر وقوعها، فمن ضرب شخصاً بقصد ضربه فقط فأدى الضرب لموته كان مسئولاً عن جريمة القتل شبه العمد لا الضرب، ومن لطم شخصاً ففقأ عينه أو أذهب بصره، فهو مسئول عن نتيجة الفعل لا عما قصده من الفعل (٢) ، وهكذا. وأصحاب هذا الرأي يتفقون مع مالك ويخالفونه، فيتفقون معه تمام الاتفاق فيما دون القتل حيث يأخذون الجاني بقصده المحتمل، ويجعلونه مسئولاً عن نتائج فعله المتعمد، ولو لم يقصد هذه النتائج أو لم يتوقعها. ويخالفون مالكاً في القتل العمد، حيث لايرون أخذ الجاني بقصده المحتمل في القتل العمد، ويشترطون

стр. 421

لاعتباره قاتلاً عمداً أن يقصد إزهاق روح القتيل، بينما يؤخذ الجاني عند مالك بقصده المحتمل في القتل العمد وغيره. وعلة هذا الاختلاف أن من عدا مالك من الفقهاء يجعلون القتل ثلاثة أنواع: عمد، وشبه عمد، وخطأ. وقد اقتضى هذا التقسيم منهم أن يجعلوا لكل نوع من هذه الأنواع حداً يميزه عن غيره، فاشترطوا في القتل العمد أن يقصد الجاني إزهاق روح القتيل، ليميزوا بين القتل العمد وبين القتل شبه العمد الذي يكفي فيه أن يقصد الجاني الفعل القاتل، فإذا قصد الجاني الفعل القاتل وقصد إزهاق روح القتيل فهو قاتل متعمد، وإذا قصد الفعل القاتل فقط فهو قاتل شبه متعمد، بينما هو في الحالين قاتل متعمد في رأي مالك. ٢٩٥ - الرأي الثالث: وهو رأي الشافعي والرأي الراجح في مذهب أحمد. ويفرق أصحاب هذا الرأي أيضاً بين الجرائم المتعمدة وغير المتعمدة، ويجعلون الجاني مسئولاً في الحالين عن نتائج فعله، كما يجعلون أساس التفرقة قصد الجاني، فإن أتى الفعل بقصد العصيان فهو متعمد، وإن لم يقصد العصيان فهو غير متعمد. ويفرقون في جرائم الاعتداء على النفس بين القتل العمد والقتل شبه العمد، ويجعلون القاتل مسئولاً عن القتل العمد كلما قصد الفعل وقصد إزهاق روح المجني عليه، ويجعلونه مسئولاً عن القتل شبه العمد إذا قصد الفعل ولم يقصد إزهاق روح المجني عليه، ولو كان لا يؤدي غالباً للموت. فلا مجال للقصد المحتمل في دائرة القتل العمد، وفي هذا يتفق أصحاب هذا الرأي مع أصحاب الرأي السابق. أما في جرائم الاعتداء على ما دون النفس فيرى أصحاب هذا الرأي مسئولية الجاني باعتباره متعمداً عن كل نتائج فعله التي قصدها، ومسئوليته عن كل النتائج التي يؤدي إليها فعله غالباً ولو لم يقصدها أو يتوقعها؛ لأن تأدية الفعل غالباً لهذه النتائج يجعلها في حكم النتائج المقصودة، فإذا أدى الفعل إلى نتائج لم يقصدها

стр. 422

الجاني، ولا يؤدي إليها فعله غالباً، فلا يسأل الجاني عن هذه النتائج باعتباره متعمداً لها؛ لأنه لم يقصد هذه النتائج ولا يؤدي فعله غالباً إليها، كذلك لا يسأل الجاني عن هذه النتائج باعتباره مخطئاً؛ لأنه قصد الفعل وإن لم يقصد نتائجه، وإنما يسأل الجاني عن نتائج الفعل باعتباره شبه عامد، وشبه العمد درجة بين العمد والخطأ، والأصل أن شبه العمد مزيج من العمد والخطأ؛ لأن الجاني يتعمد الفعل ولا يقصد نتائجه، ولأن نتائج الفعل في شبه العمد ليست مما يؤدي لها الفعل غالباً، فالجاني يتعمد الفعل ويخطئ في نتائجه، فوجب أن يعاقب بعقوبة العمد وعقوبة الخطأ. فمن صفع شخصاً على وجهه ففقأ عينه أو أذهب بصره دون أن يقصد هذه النتيجة، لا يسأل عن فعله باعتباره متعمداً؛ لأنه وإن قصد الفعل لم يقصد نتيجته، ولأن الصفع لا يؤدي غالباً لهذه النتيجة. كذلك لا يسأل الجاني باعتباره مخطئاً لأنه تعمد الفعل، وإنما يسأل الجاني باعتباره شبه عامد ويعاقب على فعله بعقوبة أخف من عقوبة العامد وأغلظ من عقوبة المخطئ. ومن أدخل إصبعه في عين إنسان ففقأها أو أذهب بصرها، يسأل عن نتيجة فعله باعتباره متعمداً؛ لأنه قصد الفعل وقصد نتيجته، أو لأن الفعل يؤدي غالباً لهذه النتيجة. ومن رمى إنساناً بحجر فأوضحه أو هَشَمَه (١) يسأل عن نتيجة فعله باعتباره متعمداً؛ لأنه قصد الفعل، ولأن فعله يؤدي غالباً لهذه النتيجة. ومن رمى غيره بحصاة صغيرة في جبهته فورمت ثم أوضحت لا يسأل عن هذه النتيجة باعتباره متعمداً إذا لم يكن يقصدها؛ لأن الفعل لا يؤدي غالباً لها، وإنما يسأل عن هذه النتيجة باعتباره شبه عامد (٢) .

стр. 423

٢٩٦ - مقارنة بين الآراء الثلاثة: القصد الاحتمالي لا وجود له في جريمة القتل العمد عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، بينما يسلم مالك بوجود المحتمل في القتل العمد ويؤخذ الجاني في كل الأحوال بقصده المحتمل. والأصل في هذا الخلاف أن مالكاً يقسم القتل إلى عمد وخطأ فقط، فكل ما ليس خطأ فهو عمد عند مالك، وكل عمد يكفي فيه قصد العدوان، ذلك القصد الذي يميز العمد عن الخطأ. أما بقية الأئمة فيقسمون القتل إلى عمد وشبه عمد وخطأ، ويشترطون في العمد قصد الفعل وقصد إزهاق روح المجني عليهن فإذا قصد الجاني الفعل ولم يقصد القتل فهو شبه عامد لا متعمد، وعليه عقوبة تقل عن عقوبة العمد وتزيد عن عقوبة الخطأ. وهكذا كان اشتراط قصد إزهاق روح المجني عليه عند من يشترطون هذا الشرط سبباً في امتناع القصد الاحتمالي في دائرة القتل العمد. ويسلم الفقهاء جميعاً بوجود القصد الاحتمالي فيما دون النفس؛ أي في الجرح والضرب وما أشبه، ويتفق مالك وأبو حنيفة في أخذ الجاني بقصده المحتمل في كل الأحوال ما دام قد تعمد الفعل، ويظاهرهما على ذلك الرأي المرجوح في مذهب أحمد. ويتفق الشافعي مع الرأي الراجح في مذهب أحمد على أن الجاني مسئول عن النتائج التي قصدها باعتباره عامداًن وأنه يؤخذ بقصده الاحتمالي فيسأل باعتباره عامداً كلما كانت النتائج في حكم المقصودة، وتعتبر النتائج كذلك إذا كانت غالبة الوقوع، فإذا لم تكن نتائج الفعل مقصودة ولا غالبة الوقوع فهي نتائج غير مقصودة أو في حكم النتائج غير المقصودة، ولكن لا يسأل عنها الجاني باعتباره مخطئاً؛ لأنه تعمد الفعل، وإنما يسأل عنها باعتباره شبه عامد، ويعاقب عليها بعقوبة بين عقوبة العمد وعقوبة الخطأ. ٢٩٧ - بين الشريعة والقانون: الأساس الأول الذي قامت عليه نظرية القصد الاحتمالي هو جرائم القتل والجرح والضرب، والأحكام التي

стр. 424

وضعت لهذه الجرائم هي التي بعثت فكرة القصد الاحتمالي إلى الوجود وجعلت منها نظرية خاصة. وأكثر القوانين الوضعية لا تضع قواعد عامة للقصد الاحتمالي وتكتفي بالنص عليه في جرائم خاصة هي جرائم الضرب والجرح والجرائم الأخرى التي تؤدي إلى قتل أو جرح، فقانون العقوبات المصري مثلاً يأخذ الجاني بقصده المحتمل في جرائم الجرح والضرب (المواد من ٢٤٠ إلى ٢٤٣ عقوبات) ، وفي جرائم تعذيب متهم لحمله على الاعتراف (المادة ١٢٦ عقوبات) ، وفي جريمة تعطيل المواصلات أو تعريضها للخطر إذا أدى ذلك إلى جرح إنسان أو موته (المادتان ١٦٧، ١٦٨ عقوبات) ، في جريمة الحرق المتعمد إذا أدى إلى موت شخص كان موجوداً في الأماكن المحرقة (المادة ٢٥٧ عقوبات) ، وفي جريمة تعريض الأطفال للخطر إذا نشأ عن ذلك انفصال عضو من أعضاء الطفل أو فقد منعته أو نشأ عن ذلك موت الطفل (المادتان ٢٨٥، ٢٨٦ عقوبات) . ولم يضع القانون المصري قواعد عامة للقصد الاحتمالي إلا عندما تعرض لعقوبة الشركاء، حيث نصت المادة ٤٣ عقوبات على أن: "من اشترك في جريمة فعليه عقوبتها، ولو كانت غير التي تعمد ارتكابها، متى كانت الجريمة التي وقعت بالفعل نتيجة محتملة للتحريض أو الاتفاق أو المساعدة التي حصلت". ونظرية القصد الاحتمالي لن تعرف في القوانين الوضعية إلا أخيراً، وهي من النظريات المسلم بها علمياً المختلف في شأنها عملياً، فالقوانين تختلف في مدى تطبيقها، والشراح يختلفون في تصويرها وتحديدها، ولكن ما أخذت به القوانين وما يراه الشراح على اختلافهم لا يخرج في مجموعه عن النظريات الثلاث التي عرفها الفقه الإسلامي. فالقانون المصري يأخذ في جرائم القتل والضرب والجرح بنظرية أبي حنيفة، وإن كان لا يشترط صراحة في جريمة القتل العمد توفر قصد إزهاق روح القتيل؛

стр. 425

لأن هذا الشرط تقتضيه التفرقة بين القتل العمد والضرب المفضي للموت، وقيام هذا الشرط يؤدي إلى استبعاد القصد الاحتمالي من دائرة جريمة القتل العمد، ويجعل القانون المصري الجارح والضارب مسئولاً عن نتائج فعله سواء قصدها أو لم يقصدها، توقعها أو لم يتوقعها، وسواء كانت النتائج قريبة الوقوع أو بعيدة الوقوع. والقانون الفرنسي يأخذ في جرائم القتل والضرب والجرح بمثل ما أخذ به القانون المصري، فمن ضرب إنساناً بعصاً فأحدث به جرحاً أدى لموته فهو مسئول عن جريمة الضرب المفضي إلى الموت، وإذا أدى الضرب إلى عاهة فالجاني مسئول عن إحداث عاهة، وإذا أعجز الضرب المجني عليه مدة تزيد على العشرين يوماً كان الجاني مسئولاً عن هذه النتيجة، فإن قلت مدة العجز عن ذلك كان الجاني مسئولاً عن قدر نتيجة فعله، والجاني يسأل في كل هذه الأحوال المختلفة باعتباره عامداً لا مخطئاً. والشراح المصريون والفرنسيون يسلمون بما سبق، باعتباره مما نص عليه القانون، ولا يرون الأخذ بالقصد الاحتمالي في جريمة القتل العمد؛ لأن الأخذ بنظرية القصد الاحتمالي في القتل العمد يؤدي إلى اختلاط القتل العمد بالضرب المفضي للموت، ويجعل التمييز بين هاتين الجريمتين متعذراً، ولكنهم فيما عدا هذا يصوغون نظريتهم في القصد الاحتمالي على أساس آخر، ويجعلون الجاني مسئولاً كلما كانت النتائج قريبة ومحتملة الوقوع وفي الإمكان توقعها، سواء توقعها الجاني بالفعل أو لم يتوقعها. ويرى بعض الشراح أن يؤاخذ الجاني على أساس أنه متعمد في حالتين: الأولى: إذا نص القانون على ذلك. والثانية: إذا كانت النتائج من النتائج الملازمة للفعل، بحيث لا يتصور أن الجاني قصد الفعل دون أن يقصد نتائجه، وفيما عدا هاتين الحالتين يسأل الجاني باعتباره مخطئاً (١) .
следующие страницы →