لاعتباره قاتلاً عمداً أن يقصد إزهاق روح القتيل، بينما يؤخذ الجاني عند مالك بقصده المحتمل في القتل العمد وغيره. وعلة هذا الاختلاف أن من عدا مالك من الفقهاء يجعلون القتل ثلاثة أنواع: عمد، وشبه عمد، وخطأ. وقد اقتضى هذا التقسيم منهم أن يجعلوا لكل نوع من هذه الأنواع حداً يميزه عن غيره، فاشترطوا في القتل العمد أن يقصد الجاني إزهاق روح القتيل، ليميزوا بين القتل العمد وبين القتل شبه العمد الذي يكفي فيه أن يقصد الجاني الفعل القاتل، فإذا قصد الجاني الفعل القاتل وقصد إزهاق روح القتيل فهو قاتل متعمد، وإذا قصد الفعل القاتل فقط فهو قاتل شبه متعمد، بينما هو في الحالين قاتل متعمد في رأي مالك.
٢٩٥ - الرأي الثالث: وهو رأي الشافعي والرأي الراجح في مذهب أحمد. ويفرق أصحاب هذا الرأي أيضاً بين الجرائم المتعمدة وغير المتعمدة، ويجعلون الجاني مسئولاً في الحالين عن نتائج فعله، كما يجعلون أساس التفرقة قصد الجاني، فإن أتى الفعل بقصد العصيان فهو متعمد، وإن لم يقصد العصيان فهو غير متعمد.
ويفرقون في جرائم الاعتداء على النفس بين القتل العمد والقتل شبه العمد، ويجعلون القاتل مسئولاً عن القتل العمد كلما قصد الفعل وقصد إزهاق روح المجني عليه، ويجعلونه مسئولاً عن القتل شبه العمد إذا قصد الفعل ولم يقصد إزهاق روح المجني عليه، ولو كان لا يؤدي غالباً للموت. فلا مجال للقصد المحتمل في دائرة القتل العمد، وفي هذا يتفق أصحاب هذا الرأي مع أصحاب الرأي السابق.
أما في جرائم الاعتداء على ما دون النفس فيرى أصحاب هذا الرأي مسئولية الجاني باعتباره متعمداً عن كل نتائج فعله التي قصدها، ومسئوليته عن كل النتائج التي يؤدي إليها فعله غالباً ولو لم يقصدها أو يتوقعها؛ لأن تأدية الفعل غالباً لهذه النتائج يجعلها في حكم النتائج المقصودة، فإذا أدى الفعل إلى نتائج لم يقصدها
стр. 422
الجاني، ولا يؤدي إليها فعله غالباً، فلا يسأل الجاني عن هذه النتائج باعتباره متعمداً لها؛ لأنه لم يقصد هذه النتائج ولا يؤدي فعله غالباً إليها، كذلك لا يسأل الجاني عن هذه النتائج باعتباره مخطئاً؛ لأنه قصد الفعل وإن لم يقصد نتائجه، وإنما يسأل الجاني عن نتائج الفعل باعتباره شبه عامد، وشبه العمد درجة بين العمد والخطأ، والأصل أن شبه العمد مزيج من العمد والخطأ؛ لأن الجاني يتعمد الفعل ولا يقصد نتائجه، ولأن نتائج الفعل في شبه العمد ليست مما يؤدي لها الفعل غالباً، فالجاني يتعمد الفعل ويخطئ في نتائجه، فوجب أن يعاقب بعقوبة العمد وعقوبة الخطأ. فمن صفع شخصاً على وجهه ففقأ عينه أو أذهب بصره دون أن يقصد هذه النتيجة، لا يسأل عن فعله باعتباره متعمداً؛ لأنه وإن قصد الفعل لم يقصد نتيجته، ولأن الصفع لا يؤدي غالباً لهذه النتيجة. كذلك لا يسأل الجاني باعتباره مخطئاً لأنه تعمد الفعل، وإنما يسأل الجاني باعتباره شبه عامد ويعاقب على فعله بعقوبة أخف من عقوبة العامد وأغلظ من عقوبة المخطئ. ومن أدخل إصبعه في عين إنسان ففقأها أو أذهب بصرها، يسأل عن نتيجة فعله باعتباره متعمداً؛ لأنه قصد الفعل وقصد نتيجته، أو لأن الفعل يؤدي غالباً لهذه النتيجة. ومن رمى إنساناً بحجر فأوضحه أو هَشَمَه (١) يسأل عن نتيجة فعله باعتباره متعمداً؛ لأنه قصد الفعل، ولأن فعله يؤدي غالباً لهذه النتيجة.
ومن رمى غيره بحصاة صغيرة في جبهته فورمت ثم أوضحت لا يسأل عن هذه النتيجة باعتباره متعمداً إذا لم يكن يقصدها؛ لأن الفعل لا يؤدي غالباً لها، وإنما يسأل عن هذه النتيجة باعتباره شبه عامد (٢) .
стр. 423
٢٩٦ - مقارنة بين الآراء الثلاثة: القصد الاحتمالي لا وجود له في جريمة القتل العمد عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، بينما يسلم مالك بوجود المحتمل في القتل العمد ويؤخذ الجاني في كل الأحوال بقصده المحتمل.
والأصل في هذا الخلاف أن مالكاً يقسم القتل إلى عمد وخطأ فقط، فكل ما ليس خطأ فهو عمد عند مالك، وكل عمد يكفي فيه قصد العدوان، ذلك القصد الذي يميز العمد عن الخطأ. أما بقية الأئمة فيقسمون القتل إلى عمد وشبه عمد وخطأ،
ويشترطون في العمد قصد الفعل وقصد إزهاق روح المجني عليهن فإذا قصد الجاني الفعل ولم يقصد القتل فهو شبه عامد لا متعمد، وعليه عقوبة تقل عن عقوبة العمد وتزيد عن عقوبة الخطأ. وهكذا كان اشتراط قصد إزهاق روح المجني عليه عند من يشترطون هذا الشرط سبباً في امتناع القصد الاحتمالي في دائرة القتل العمد.
ويسلم الفقهاء جميعاً بوجود القصد الاحتمالي فيما دون النفس؛ أي في الجرح والضرب وما أشبه، ويتفق مالك وأبو حنيفة في أخذ الجاني بقصده المحتمل في كل الأحوال ما دام قد تعمد الفعل، ويظاهرهما على ذلك الرأي المرجوح في مذهب أحمد. ويتفق الشافعي مع الرأي الراجح في مذهب أحمد على أن الجاني مسئول عن النتائج التي قصدها باعتباره عامداًن وأنه يؤخذ بقصده الاحتمالي فيسأل باعتباره عامداً كلما كانت النتائج في حكم المقصودة، وتعتبر النتائج كذلك إذا كانت غالبة الوقوع، فإذا لم تكن نتائج الفعل مقصودة ولا غالبة الوقوع فهي نتائج غير مقصودة أو في حكم النتائج غير المقصودة، ولكن لا يسأل عنها الجاني باعتباره مخطئاً؛ لأنه تعمد الفعل، وإنما يسأل عنها باعتباره شبه عامد، ويعاقب عليها بعقوبة بين عقوبة العمد وعقوبة الخطأ.
٢٩٧ - بين الشريعة والقانون: الأساس الأول الذي قامت عليه نظرية القصد الاحتمالي هو جرائم القتل والجرح والضرب، والأحكام التي
стр. 424
وضعت لهذه الجرائم هي التي بعثت فكرة القصد الاحتمالي إلى الوجود وجعلت منها نظرية خاصة.
وأكثر القوانين الوضعية لا تضع قواعد عامة للقصد الاحتمالي وتكتفي بالنص عليه في جرائم خاصة هي جرائم الضرب والجرح والجرائم الأخرى التي تؤدي إلى قتل أو جرح، فقانون العقوبات المصري مثلاً يأخذ الجاني بقصده المحتمل في جرائم الجرح والضرب (المواد من ٢٤٠ إلى ٢٤٣ عقوبات) ، وفي جرائم تعذيب متهم لحمله على الاعتراف (المادة ١٢٦ عقوبات) ، وفي جريمة تعطيل المواصلات أو تعريضها للخطر إذا أدى ذلك إلى جرح إنسان أو موته (المادتان ١٦٧، ١٦٨ عقوبات) ، في جريمة الحرق المتعمد إذا أدى إلى موت شخص كان موجوداً في الأماكن المحرقة (المادة ٢٥٧ عقوبات) ، وفي جريمة تعريض الأطفال للخطر إذا نشأ عن ذلك انفصال عضو من أعضاء الطفل أو فقد منعته أو نشأ عن ذلك موت الطفل (المادتان ٢٨٥، ٢٨٦ عقوبات) . ولم يضع القانون المصري قواعد عامة للقصد الاحتمالي إلا عندما تعرض لعقوبة الشركاء، حيث نصت المادة ٤٣ عقوبات على أن: "من اشترك في جريمة فعليه عقوبتها، ولو كانت غير التي تعمد ارتكابها، متى كانت الجريمة التي وقعت بالفعل نتيجة محتملة للتحريض أو الاتفاق أو المساعدة التي حصلت".
ونظرية القصد الاحتمالي لن تعرف في القوانين الوضعية إلا أخيراً، وهي من النظريات المسلم بها علمياً المختلف في شأنها عملياً، فالقوانين تختلف في مدى تطبيقها، والشراح يختلفون في تصويرها وتحديدها، ولكن ما أخذت به القوانين وما يراه الشراح على اختلافهم لا يخرج في مجموعه عن النظريات الثلاث التي عرفها الفقه الإسلامي.
فالقانون المصري يأخذ في جرائم القتل والضرب والجرح بنظرية أبي حنيفة، وإن كان لا يشترط صراحة في جريمة القتل العمد توفر قصد إزهاق روح القتيل؛
стр. 425
لأن هذا الشرط تقتضيه التفرقة بين القتل العمد والضرب المفضي للموت، وقيام هذا الشرط يؤدي إلى استبعاد القصد الاحتمالي من دائرة جريمة القتل العمد، ويجعل القانون المصري الجارح والضارب مسئولاً عن نتائج فعله سواء قصدها أو لم يقصدها، توقعها أو لم يتوقعها، وسواء كانت النتائج قريبة الوقوع أو بعيدة الوقوع.
والقانون الفرنسي يأخذ في جرائم القتل والضرب والجرح بمثل ما أخذ به القانون المصري، فمن ضرب إنساناً بعصاً فأحدث به جرحاً أدى لموته فهو مسئول عن جريمة الضرب المفضي إلى الموت، وإذا أدى الضرب إلى عاهة فالجاني مسئول عن إحداث عاهة، وإذا أعجز الضرب المجني عليه مدة تزيد على العشرين يوماً كان الجاني مسئولاً عن هذه النتيجة، فإن قلت مدة العجز عن ذلك كان الجاني مسئولاً عن قدر نتيجة فعله، والجاني يسأل في كل هذه الأحوال المختلفة باعتباره عامداً لا مخطئاً.
والشراح المصريون والفرنسيون يسلمون بما سبق، باعتباره مما نص عليه القانون، ولا يرون الأخذ بالقصد الاحتمالي في جريمة القتل العمد؛ لأن الأخذ بنظرية القصد الاحتمالي في القتل العمد يؤدي إلى اختلاط القتل العمد بالضرب المفضي للموت، ويجعل التمييز بين هاتين الجريمتين متعذراً، ولكنهم فيما عدا هذا يصوغون نظريتهم في القصد الاحتمالي على أساس آخر، ويجعلون الجاني مسئولاً كلما كانت النتائج قريبة ومحتملة الوقوع وفي الإمكان توقعها، سواء توقعها الجاني بالفعل أو لم يتوقعها.
ويرى بعض الشراح أن يؤاخذ الجاني على أساس أنه متعمد في حالتين:
الأولى: إذا نص القانون على ذلك. والثانية: إذا كانت النتائج من النتائج الملازمة للفعل، بحيث لا يتصور أن الجاني قصد الفعل دون أن يقصد نتائجه، وفيما عدا هاتين الحالتين يسأل الجاني باعتباره مخطئاً (١) .
стр. 426
ويستخلص مما سبق أن القانونين المصري والفرنسي يأخذان بنظرية أبي حنيفة كاملة في القتل والضرب والجرح، كما يأخذان بنظرية مالك في الضرب والجرح فقط، ويأخذان بنظرية الشافعي فيما يتعلق بالقتل فقط.
أما نظرية الشراح المصريين والفرنسيين فهي أقرب ما تكون لنظرية الشافعي وأصحاب الرأي الراجح في مذهب أحمد، ولكن نظرية الفقهاء الإسلاميين أدق منطقاً ومقياساً؛ لأنها تعطي النتائج الغالبة الوقوع حكم النتائج المقصودة، وتجعل الجاني في حكم العامد، كما أنها تجعل للنتائج التي لا يغلب وقوعها حكماً خاصاً، وتجعل الجاني مسئولاً عنها باعتباره شبه عامد.
وهذا منطق دقيق واضح ليس فيه تعقيد ولا التواء، فالمقياس الذي تقاس به مسئولية الجاني عما لم يقصده من نتائج هو غلبة وقوع هذه النتائج، وهو مقياس عادل؛ لأن نتائج الفعل الغلبة الوقوع تكون دائمة في ذهن الجاني، ولا تكاد تنفصل ذهنياً عن الفعل المادي، فإذا قصد الجاني الفعل فقد قصدها، وهو مقياس ثابت؛ لأنه يقوم على أساس مادي ثابت هو غلبة وقوع النتائج، ولا يقوم على أساس اعتباري يختلف باختلاف الأشخاص وقدرتهم على التفكير والاستنتاج.
أما الشراح فيقيمون نظريتهم على أسس غير ثابتة، ويقيسون المسئولية بمقاييس ليست دقيقة، إذ يجعلون الجاني مسئولاً عن النتائج كلما كانت قريبة ومحتملة الوقوع وفي الإمكان توقعها، واشترط قرب النتائج ليس مقياساً صحيحاً ولا أساساً ثابتاً ما دامت درجة القرب لم تحدد بحد ثابت، واحتمال وقوع النتائج ليس أساساً ثابتاً ولا مقياساً صحيحاً، ومثل ذلك يقال عن إمكان توقع النتائج، فالنتائج المحتملة قد تكون قريبة وقد تكون بعيدة، وما يمكن أن يتوقعه شخص قد لا يتوقعه آخر، وما يراه شخص محتملاً قد يراه الآخر غير محتمل.
ولعل هذه العيوب هي التي دعت بعض الشراح إلى القول بمسئولية الجاني باعتباره عامداً كلما كانت النتائج من النتائج الملازمة للفعل، بحيث لا يتصور أن الجاني قصد الفعل دون أن يقصد نتيجته. وهؤلاء الشراح
стр. 427
وإن جاءوا بمقياس مادي ثابت إلا أنهم قضوا على نظرية القصد الاحتمالي؛ لأن النتائج الملازمة للفعل هي نتائجه الطبيعية التي يسأل عنها الجاني على أساس قصده العام دون الحاجة إلى اللجوء لنظرية القصد الاحتمالي.
والقانون الإنجليزي لا يشترط في القتل العمد توفر إرادة القتل عند القاتل، بل يعتبر محدث القتل قاتلاً عمداً متى كان يعلم أو كان في استطاعته أن يعلم أن فعله يمكن يمكن أن يترتب عليه الموت، بغض النظر عما إذا كان قد أراد هذه النتيجة أو لم يردها، وبهذا الرأي أخذ القانون السوداني، إذ يعتبر القتل عمداً إذا حصل الفعل بقصد تسبيب الموت، أو إذا علم الفاعل أو كان له داع أن يعلم أن الموت ربما يكون النتيجة المحتملة للفعل، أو لأي ضرر جسدي كان القصد أن يسببه الفعل (١) .
فالقانون الإنجليزي والقانون السوداني يأخذان في القتل العمد بقصده المحتمل، وهذا يتفق مع النظرية الألمانية التي تأخذ الجاني بقصده الاحتمالي في القتل العمد وغيره، كلما تمثل الجاني أو توقع النتيجة أو النتائج التي وقعت ولو لم يقصدها بالذات.
وتتفق النظرية الألمانية والقانون الإنجليزي والقانون السوداني مع مذهب مالك في مؤاخذة الجاني بقصده الاحتمالي في القتل العمد، ولكن مذهب مالك بالرغم من هذا الاتفاق الظاهر يتسع لما تضيق عنه النظرية الألمانية، ولا تمتد إليه نصوص القانون الإنجليزي أو السوداني؛ إذ الجاني لا يؤخذ بقصده الاحتمالي عند الألمان، ولا طبقاً للقانونين الإنجليزي والسوداني، إلا إذا توقع أن فعله قد يؤدي للموت، وأما في مذهب مالك فالجاني يسأل عن القتل ولو لم يقصده أو لم يتوقعه، فمثلاً إذا لطم الجاني شخصاً صحيح الجسم بقصد العدوان
стр. 428
ودون أن يقصد الجاني القتل أو يخطر في باله أن فعله قد يؤدي إلى الموت، فمات المجني عليه من اللطمة، فالجاني قاتل متعمد عند مالك (١) ، وليس قاتلاً متعمداً طبقاً للنظرية الألمانية أو طبقاً للقانونين الإنجليزي والسوداني.
ولا يفوتنا أن نلاحظ أن المقاييس التي وضعتها النظرية الألمانية والقانونان الإنجليزي والسوداني هي مقاييس شخصية غير ثابتة، فالجاني طبقاً للنظرية الألمانية يجب أن يتمثل أو يتوقع النتيجة، والتمثل مسألة داخلية يصعب إثباتها إلا إذا اعترف بها الجاني، وما قد يتمثله شخص لا يتفق مع ما قد يتمثله آخر مما يصعب معه وضع قاعدة للتمثل والتوقع، والجاني طبقاً للقانونين الإنجليزي والسوداني يجب أن يعلم أو أن يكون في استطاعته أن يعلم أن الفعل قد يؤدي للموت، والعلم أيضاً مسألة داخلية، ومن الصعب إثباته إلا إذا اعترف به الجاني، وما قد يعلمه شخص أو يستطيع أن يعلمه ولا يستطيع أن يعلمه شخص آخر، ومن ثم فليس في الإمكان وضع قاعدة للعلم واستطاعة العلم.
وقد حاولت التشريعات الوضعية الحديثة أن تضع نصوصاً عامة للقصد الاحتمالي، ولكن هذه النصوص على اختلافها لا تخرج عما قال به الفقهاء الإسلاميون، فالقانون المكسيكي الصادر في سنة ١٩٣١ يجعل الجاني مسئولاً باعتباره عامداً عن كل النتائج التي لم يقصدها، إذا كانت من نتائج الفعل الضرورية أو العادية، أو كان الجاني قد توقع حدوثها، أو عزم على مخالفة القانون مهما كانت النتيجة، وهذا الذي أخذ به القانون المكسيكي إنما هو مزيج من النظريات الإسلامية. والقانون الإيطالي الصادر في سنة ١٩٣٠ يجعل الجاني مسئولاً عن النتائج التي لم يقصدها ويعاقبه بعقوبة أقل من عقوبة العامد
стр. 429
وأكثر من عقوبة المخطئ، ونظرية القانون الإيطالي تقوم على نفس الأسس التي تقوم عليها نظرية الشافعي والرأي الراجح في مذهب أحمد.
تلكم هي نظريات الفقهاء الإسلاميين في القصد الاحتمالي، وهذه هي نظريات شراح القوانين، وظاهر بجلاء مما قدمنا أن القوانين الوضعية لم تأت بجديد على الشريعة، وأن الشراح لم يعرفوا في عهدنا أكثر مما عرفه الفقهاء في العهود القديمة، فالشريعة قد أخذت بالقصد الاحتمالي في دائرة الجرائم التي تصيب النفس وما دون النفس، والقوانين الوضعية لم تخرج عن هذه الدائرة، ونظريات الفقهاء الإسلاميين لا تزال كما رأينا أدق منطقاً وأكثر سعة وأفضل صياغة من كل النظريات التي يقول بها شراح القوانين.
* * *
المبحث الخامس
أثر الجهل والخطأ والنسيان على المسئولية
٢٩٨ - أثر الجهل على المسئولية الجنائية: من المبادئ الأولية في الشريعة الإسلامية أن الجاني لا يؤاخذ على الفعل المحرم إلا إذا كان عالماً علماً تاماً بتحريمه، فإذا جهل التحريم ارتفعت عنه المسئولية.
ويكفي في العلم بالتحريم إمكانه، فمتى بلغ الإنسان عاقلاً وكان ميسراً له أن يعلم ما حرم عليه: إما برجوعه للنصوص الموجبة للتحريم، وإما بسؤال أهل الذكر، اعتبر عالماً بالأفعال المحرمة، ولم يكن له أن يعتذر بالجهل أو يحتج بعدم العلم، ولهذا يقول الفقهاء: "لا يقبل في دار الإسلام العذر بجهل الأحكام".
ويعتبر المكلف عالماً بالأحكام بإمكان العلم لا بتحقق العلم فعلاً، ومن ثم يعتبر النص المحرم معلوماً للكافة ولو أن أغلبهم لم يطلع عليه أو يعلم عنه شيئاً
стр. 430
ما دام العلم به كان ممكناً لهم. ولم تشترط الشريعة تحقق العلم فعلاً؛ لأن ذلك يؤدي إلى الحرج ويفتح باب الادعاء بالجهل على مصراعيه ويعطل تنفيذ النصوص.
هذه هي القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية ولا استثناء لها، وإذا كان الفقهاء يرون قبول الاحتجاج بجهل الأحكام ممن عاش في بادية لا يختلط بمسلمين، أو ممن أسلم حديثاً ولم يكن مقيماً بين المسلمين، فإن هذا ليس استثناء في الواقع وإنما هو تطبيق للقاعدة الأصلية التي تمنع مؤاخذة من يجهل التحريم حتى يصبح العلم ميسراً له، فمثل هؤلاء لم يكن العلم ميسراً لهم، ولا يعتبرون عالمين بأحكام الشريعة. أما إذا كان مدعي الجهل ناشئاً بين المسلمين أو أهل العلم فلا يقبل منه الادعاء بالجهل.
ويلحق الجهل بمعنى النصوص الحقيقي بالجهل بذات النصوص، فحكمهما واحد، فلو ادعى الجاني أن النص لا يدل على التحريم أو أن نصاً آخر أباح الفعل المحرم، فإن جهله بالمعنى الحقيقي للنصوص لا يرفع عنه المسئولية الجنائية. وهذا هو الخطأ في التفسير كما نسميه اليوم في لغتنا القانونية.
ومن الأمثلة المشهورة في الشريعة على الخطأ في التفسير: أن جماعة من المسلمين شربوا الخمر في الشام مستحلين لها مستدلين بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة: ٩٣] فأقيم عليهم حد الخمر.
وتتفق القوانين الوضعية تمام الاتفاق مع الشريعة فيما يختص بأثر الجهل بالقانون على المسئولية الجنائية، فالقاعدة في القوانين الوضعية أن الإنسان لا يعذر بجهل القانون، وأن عبارة الجهل بالقانون تشمل العلم به والخطأ في فهمه وتفسيره، ولكن إذا كان الإنسان في ظروف يستحيل معها العلم بصدور قانون فله أن يحتج بالجهل، ويضربون لذلك مثلاً حالة المحاصرين في قلعة إذا خرجوا منها وخالفوا قوانين صدرت أثناء ضرب الحصار عليهم، وأساس الخروج على القاعدة أن هؤلاء لم يتيسر لهم العلم بالقانون.
стр. 431
٢٩٩ - أثر الخطأ على المسئولية الجنائية: الخطأ هو وقوع الشيء على غير إرادة فاعله. فالفاعل في جرائم الخطأ لا يأتي الفعل عن قصد ولا يريده، وإنما يقع الفعل منه على غير إرادته وبخلاف قصده، وفي بعض الأحيان يقصد الجاني فعلاً معيناً ليس جريمة ليس ذاته، فيتولد من هذا الفعل المباح ما يعتبر جريمة دون أن يقصد الجاني ما تولد عن فعله. وتعتبر الجريمة المتولدة عن الفعل المباح جريمة غير عمدية ولو أن الجاني قصد الفعل المباح؛ لأنه قصد بفعله محلاً غير المحل المحرم أي غير محل الجريمة. ومثال ذلك أن يتمضمض صائم فيسري الماء إلى حلقه، أو يرمي صائد طيراً فيصيب إنساناً. فالصائم قصد إدخال الماء إلى فمه ليتمضمض ولم يقصد إدخاله إلى حلقه ليفطر، فهو قد قصد فعلاً مباحاً، ولكن تولد عن الفعل المباح الذي قصده فعل آخر غير مباح لم يقصده وإنما وقع على غير إرادته. والصائد قصد صيد الطائر ولم يقصد إصابة المجني عليه، فهو قد قصد فعلاً مباحاً ولكن تولد عن الفعل المباح الذي قصده فعل آخر غير مباح لم يقصده وهو إصابة المجني عليه، ومحل الفعل المقصود هو الطائر ومحل الفعل الغير مقصود هو الإنسان.
والمخطئ كالعامد مسئول جنائياً كلما وقع منه فعل يحرمه الشارع، ولكن سبب مسئوليتهما مختلف، فمسئولية العامد سببها أنه قصد عصيان أمر الشارع وتعمد إتيان ما حرمه أو ترك ما أوجبه، ومسئولية المخطئ سببها أنه عصى الشارع لا عن قصد ولكن عن تقصير وعدم تثبت واحتياط (١) .
٣٠٠ - المسئولية عن الخطأ استثناء: والأصل في الشريعة أن المسئولية الجنائية لا تكون إلا عن فعل متعمد حرمه الشارع ولا تكون عن الخطأ، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾
стр. 432
[الأحزاب: ٥] ، ولقول الرسول ﵊: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، ولكن الشريعة أجازت العقاب على الخطأ استثناء من هذا الأصل (١) ، من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ... ﴾ [النساء: ٩٢] .
ولما كان الأصل هو العقاب على العمد، والاستثناء هو العقاب على الخطأ، فإنه يترتب على ذلك أن كل جريمة عمدية يعاقب عليها فاعلها إذا أتاها عامداً، ولا يعاقب عليها إذا أتاها مخطئاً، ما لم يكن الشارع قد قرر عقوبة لمن أتاها مخطئاً؛ لأن الجريمة بهذا تصبح من جرائم العمد وجرائم الخطأ في أن واحد. فمن زنا عامداً عوقب بعقوبة الزنا، ولكن من أتى امرأة أجنبية زفت إليه على أنها امرأته لا عقاب عليه؛ لأنه أخطأ والجريمة عمدية. ومن سرق عامداً عوقب بعقوبة السرقة، ولكن من أخذ مال غيره سهواً أو خطأ مع مال له لا عقاب عليه؛ لأنه أخطأ ولم يتعمد الفعل المحرم والجريمة عمدية. ومن شرب الخمر عوقب بعقوبة الشرب، ولكن من شربها يظنها ماء لا عقاب عليه؛ لأنه شربها من غير عمد والجريمة عمدية.
وهكذا كل جريمة عمدية أتاها الجاني عامداً فعليه عقوبتها فإذا أتاها مخطئاً فلا عقاب عليه. ويمكن تعليل عدم العقاب بأن الخطأ يعدم ركناً من أركان الجريمة العمدية فلا تتكون الجريمة، على أن انتفاء المسئولية الجنائية لانعدام ركن من أركان الجريمة لا يمنع من مسئولية الفاعل مسئولية مدنية، إذ القاعدة في الشريعة أن الدماء والأموال معصومة، وأن الاعذار الشريعة لا تنافي عصمة المحل، فمن زقت إليه امرأة على أنها زوجته فوطئها يحسبها زوجته لا يعاقب جنائياً وإنما عليه مهرها؛ لأن الوطء في دا الإسلام لا يخلو من حد أو
стр. 433
مهر. ومن أخذ خفية مالاً للغير وهو يحسبه ماله ثم صرف فيه لا يعتبر سارقاً لانعدام القصد الجنائي، ولكنه يلتزم بضمان هذا المال لصاحبه.
أما إذا كانت الجريمة مما يحرم إثباته عمداً أو خطأ، كالقتل والجرح، فإن العامد يعاقب على فعله بالعقوبة المقررة للعمد، بينما يعاقب المخطئ بالعقوبة المقررة للخطأ، وقد بينا من قبل أن الشارع يفرق بين عقوبة العامد وعقوبة المخطئ، فيغلظ عقوبة الأول ويخفف عقوبة الثاني (١) .
ويلاحظ أن الصالح العام هو الذي اقتضى العقاب على الخطأ، فهناك من جرائم الخطأ ما له خطورته ويكثر وقوعه، كالقتل والجرح خطأ، ولما كان أساس الخطأ هو التقصير وعدم الاحتياط فقد عاقب الشارع على الجرائم الخطأ التي يكثر وقوعها ولا يخفى خطرها؛ لأن العقاب عليها يحقق مصلحة عامة إذ يحمل الأفراد على التثبت والاحتياط فيقل هذا النوع من الجرائم.
ولقد نصت الشريعة الإسلامية على جرائم معينة واعتبرت أغلب هذه الجرائم عمدية وأقلها من جرائم الخطأ، ولما كان الأصل هو العقاب على الجرائم العمدية والاستثناء هو العقاب على الخطأ فإنه لا يجوز لولي الأمر أن يعاقب من ارتكب خطأ جريمة عمدية إلا إذا كان في ذلك تحقيق مصلحة عامة، وهذا يصدق على الجرائم متى حرمتها الشريعة، أما الجرائم التي حرمها أولو الأمر فلهم فيها أن يعاقبوا على العمد والخطأ مع مراعاة الشريعة الأصلية، وهي أن العقاب على العمد هو الأصل، وأن العقاب على الخطأ هو الاستثناء، وأن العقاب على الخطأ لا محل له ما لم يحقق مصلحة عامة (٢) .
стр. 434
٣٠١ - أنواع الخطأ: الخطأ في الشريعة على نوعين: خطأ متولد، وخطأ غير متولد. الخطأ المتولد: هو ما تولد عن فعل مباح أو فعل أتاه الفاعل وهو يعتقد أنه مباح. والخطأ المتولد إما أن يكون مباشراً، كمن يرمي طائراً فيصيب شخصاً، وكمن يرمي جندياً في صفوف الأعداء أو عليه لباسهم معتقداً أنه من العدو ثم يتبين أنه من جنود الوطن. وإما أن يكون بالتسبب، كمن يحفر بئراً في الطريق العام بإذن من ولي الأمر ولا يتخذ الاحتياطات لمنع المارة من السقوط فيه.
الخطأ غير المتولد: هو كل ما عدا الخطأ المتولد، وهو إما أن يكون خطأ مباشراً فيقع من المخطئ مباشرة دون واسطة، كما لو انقلب نائم على صغير بجواره فقتله، وإنما أن يكون خطأ بالتسبب، وهو ما يتسبب فيه المخطئ دون أن يقع منه مباشرة، كما لو حفر شخصاً بئراً في الطريق العام دون إذن ولي الأمر فوقع فيه أحد المارة، وكما لو وضع شخص أحجاراً في الشارع العام دون إذن فاصطدم فيها شخص وأصيب.
ويطلق بعض الفقهاء على الخطأ المتولد المباشر لفظ الخطأ مطلقاً من كل قيد، ويسميه بعضهم: الخطأ المحض، أما الخطأ المباشر غير المتولد، والخطأ بالتسبب متولداً وغير متولد، فيسمونه اصطلاحاً: ما جرى مجرى الخطأ (١) ، ومن الفقهاء من لا ينوع الخطأ ولا يفرق بين صوره المختلفة ويسميها جميعاً خطأ.
٣٠٢ - أساس الخطأ: أساس الخطأ في الشريعة هو في الأصل عدم التثبت والاحتياط، ولكن لا يشترط مع هذا لمسئولية المخطئ أن يقع منه تقصير في كل الأحوال، وإنما يشترط وقوع التقصير في الخطأ المتولد، أما فيما عداه فالتقصير
стр. 435
مفترض في الجاني ولا يعفي من المسئولية إلا إذا ثبت أنه ألجئ إليه إلجاء.
ويسير الفقهاء على قاعدتين عامتين يحكمان الخطأ، وبتطبيقهما نستطيع أن نقول إن شخصاً ما أخطأ أو لم يخطئ (١) :
القاعدة الأولى: إذا أتى الجاني فعلاً مباحاً أو يعتقد أنه مباح فتولد عنه ما ليس مباحاً فهو مسئول عنه جنائياً، سواء مباشره أو تسبب فيه، إذا ثبت أنه كان يمكنه التحرز منه، فإذا كان لا يمكنه التحرز منه إطلاقاً فلا مسئولية.
القاعدة الثانية: إذا كان الفعل غير مباح فأتاه الجاني أو تسبب فيه دون ضرورة ملجئة، فهو تعد من غير ضرورة، وما نتج عنه يسأل الجاني عنه جنائياً، سواء كان مما يمكن التحرز عنه أو مما لا يمكن التحرز عنه.
٣٠٣ - نوع من الخطأ عند مالك: ويعتبر مالك من الخطأ الأفعال التي يأتيها الجاني بقصد التأديب أو اللعب إذا أدت لموت المجني عليه أو جرحه، وقد أخذ بهذا الرأي نتيجه لعدم اعترافه بشبه العمد؛ لأن القتل عنده ليس إلا عمداً أو خطأ، والعمد ما قصد فيه الجاني العدوان، والخطأ هو ما عدا ذلك، ومن يأت الفعل بقصد التأديب أو اللعب لا يتوفر لديه قصد العدوان بحسب رأي مالك ومن ثم أعتبر فعله خطأ لا عمداً.
٣٠٤ - الخطأ في الشخص والخطأ في الشخصية: يراد بالخطأ في الشخص أن يقصد الجاني قتل شخص معين فيصيب غيره، ويراد بالخطأ في الشخصية أن يقصد الجاني قتل شخص على أنه زيد فيتبين أنه عمرو. والخطأ في الشخص والخطأ في الشخصية نوعان من الخطأ المتولد، فالخطأ في الشخص هو الخطأ في الفعل، فمن يرمي شخصاً معيناً فيخطئه ويصيب غيره فقد أخطأ في فعله، والخطأ الذي وقع فيه متولد عن فعله الذي قصده. أما الخطأ في الشخصية فهو خطأ في ظن
стр. 436
الفاعل وقصده، فمن رمى شخصاً على أنه زيد ثم تبين أنه رمى عمراً فقد أخطأ في قصده، والخطأ الذي وقع فيه تولد عما ظنه صحيحاً وقصده.
وقد اختلف الفقهاء في حكم الخطأ في الشخص والشخصية، فرأى البعض أن الجاني يسأل عن الجريمة باعتباره متعمداً، ورأى البعض أن الجاني يسأل عن الجريمة باعتباره مخطئاً.
فأما القائلون بأن الجاني يعتبر عامداً فهم أغلب الفقهاء في مذهب مالك وبعض فقهاء المذهب الحنبلي، وهؤلاء يفرقون بين ما إذا كان الفعل المقصود أصلاً محرماً أو غير محرم، فإن كان الفعل المقصود أصلاً محرماً فإن الخطأ في الفعل أو في الظن لا يؤثر على مسئولية الجاني شيئاً؛ لأنه قصد في الأصل فعلاً محرماً فهو جان متعمد، فمن أراد قتل زيد فأخطأه وقتل عمراً يعتبر قاتلاً عمداً لعمرو، ومن قتل عمراً حاسباً أنه زيد يعتبر قاتلاً عمداً عمرو. أما إذا كان الفعل المقصود أصلاً غير محرم فإن الخطأ في الفعل أو في الظن يكون له أثره على مسئولية الجاني؛ لأنه قصد فعلاً مباحاً فإذا أخطأ في فعله أو في ظنه فهو جان مخطئ لا متعمد، فمن رمى صيداً أو غرضاً فأخطأه وقتل آدمياً يعتبر قاتلاً خطأ، ومن رمى حربياً أو مهدر الدم فأخطأه وقتل معصوماً يعتبر كذلك قاتلاً خطأ، ومن قتل عمراً وهو يحسبه زيداً المهدر الدم يعتبر أيضاً قاتلاً خطأ (١) .
وأما القائلون بأن الجاني يعتبر مخطئاً فهم فقهاء مذهبي أبي حنيفة والشافعي وبعض الحنابلة، وهؤلاء جميعاً يرون أن من قصد قتل شخص أو إصابته فأخطأ في فعله وقتل أو أصاب غيره، أو أخطأ في ظنه، وتبين أنه قتل أو أصاب غير من قصده، فإن الجاني يكون مسئولاً عن القتل أو الجرح الخطأ فقط، سواء كان الفعل
стр. 437
الذي قصده أصلاً مباحاً أو محرماً؛ لأن الجاني لم يقصد قتل من قتل ولا إصابة من أصيب، ولو علم بأنه يخطئ ما أقدم على الفعل (١) .
ويفرق بعض الفقهاء في مذهب مالك بين الخطأ في الشخص والخطأ في الشخصية، ويرون أن الجاني يسأل باعتباره مخطئاً في حالة الخطأ في الشخص سواء كان الفعل الذي قصده أصلاً مباحاً أو محرماً، أما في حالة الخطأ في الشخصية فيسأل الجاني باعتباره عامداً كلما كان الفعل الذي قصده أصلاً محرماً.
ورأى القائلين باعتبار الجاني عامداً إذا كان الفعل المقصود أصلاً محرماً يتفق مع رأي شراح القانون المصري، ورأى أغلب الشراح الفرنسيين، ورأى القائلين باعتبار الجاني مخطئاً في كل الأحوال يتفق مع النظرية الألمانية، أما القائلون بالتفرقة بين الخطأ في الشخص والخطأ في الشخصية فيتفق رأيهم مع ما يقول به بعض الشراح الفرنسيين (٢) .
٣٠٥ - أثر النسيان على المسئولية: النسيان هو عدم استحضار الشيء في وقت الحاجة إليه. وقد قرنت الشريعة الإسلامية النسيان بالخطأ في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وفي قول الرسول ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان".
وقد اختلف الفقهاء في حكم النسيان، فرأى البعض أن النسيان عذر عام في العبادات والعقوبات، وأن القاعدة العامة في الشريعة أن من فعل محظوراً ناسياً فلا إثم عليه ولا عقاب، لكن الناسي إذا أعفي من المسئولية الجنائية فإنه
стр. 438
لا يعفى من المسئولية المدنية؛ لأن الأموال والدماء معصومة والأعذار الشريعة لا تتنافى مع عصمة المحل (١) ، وطبقاً لهذا الرأي لا يعاقب الناسي إذا ارتكب فعلاً محرماً ما دام قد أتى الفعل وهو لا يذكر أنه محرم، ولكن النسيان لا يسقط الواجبات بل على الناسي إتيانها حين يذكرها أو يذكر بها، وإلا وجبت عليه العقوبة المقررة.
ويرى البعض أن النسيان عذر بالنسبة للمؤاخذة في الآخرة؛ لأن العقوبة الأخروية تنقضي على القصد ولا قصد للناسي. أما بالنسبة لأحكام الدنيا فلا يعتبر النسيان عذراً معفياً من العقوبة الدنيوية إلا فيما يتعلق بحقوق الله تعالى، فإنه يعتبر عذر فيها بشرط أن يكون هناك داع طبيعي للفعل، وأن لا يكون هناك ما يذكر الناسي بما نساه. ويضربون مثل لذلك أكل الصائم ناسياً فإن طبع الإنسان يدعوه للأكل وليس هناك ما يذكره بالصوم. أما ما يتعلق بحقوق الأفراد فالنسيان لا يعتبر فيها عذراً بأي حال (٢) .
وإذا كانت بعض الجرائم مما يمس حقوق الله كالزنا وشرب الخمر وما أشبه، إلا أنه يمكن القول بأن الجرائم التي يعتبر النسيان فيها عذراً يندر وقوعها؛ لأن نسيان الفعل المحرم نادر في ذاته؛ ولأن الجريمة التي تنسى يجب أن يندفع إليها الناسي بدوافع طبيعية كما يجب أن لا يكون هناك ما يذكره بالتحريم. ويمكننا أن نتصور من أسلم حديثاً يعطش فيشرب الخمر ناسياً، ومن طلق امرأته طلاقاً بائناً يأتيها وهي في العدة ناسياً.
وسواء أخذ بهذا الرأي أو بالرأي السابق فإن ادعاء النسيان وحده لا يعفي من العقاب، وإنما يبقى قبل كل شئ أن يثبت الجاني أنه ارتكب الجريمة ناسياً،
стр. 439
وهذا عمل من الصعوبة بمكان، ومن ثم كان مبحث النسيان في الجرائم مبحثاً قليل الأهمية، إذ يندر أن يستطيع شخص أن يثبت بدليل مقنع أنه ارتكب الجريمة ناسياً.
والنسيان عند أصحاب الرأي الأخير لا يسقط الواجبات أيضاً، فالواجب يظل واجباً على الناسي وعليه أن يفعله، كما أن النسيان يعتبر شبهة تدرأ العقوبة كلما وجبت عقوبة الحد على الناسي، وإذا درأت عقوبة الحد حل محلها التعزير، فأثر النسيان على الجرائم طبقاً للرأي الأخير قاصر على إعفاء الناسي من العقوبة في بعض الأحوال ودرء عقوبة الحد عنه في حالات أخرى.
* * *
المبحث السادس
أثر الرضاء بالجريمة على المسئولية الجنائية
٣٠٦ - أثر الرضاء على المسئولية الجنائية: الأصل في الشرعية الإسلامية أن رضاء المجني عليه بالجريمة وإذنه فيها لا يبيح الجريمة ولا يؤثر على المسئولية الجنائية إلا إذا هدم الرضا ركناً من أركان الجريمة كالسرقة والغصب مثلاً، فإن الركن الأساسي في الجريمتين هو أخذ المال على غير رغبة المجني عليه، فإذا رضي المجني عليه بأخذ المال كان الفعل مباحاً لا جريمة.
وهذه القاعدة العامة تطبقها الشريعة بدقة على كل الجرائم ما عدا جرائم الاعتداء على لنفس وما دونها، أي جرائم القتل والجرح والضرب، وكان المنطق يقضي أن تطبيق القاعدة على هذه الجرائم أيضاً؛ لأن الرضا لا يهدم ركناً من أركان جريمة القتل أو الجرح أو الضرب، ولكن الذي منع من تطبيق هذه العاقدة هو وجود قاعدة أخرى خاصة بهذه الجرائم، وهي أن للمجني عليه وأوليائه حق العفو عن العقوبة الأصلية في الجناية على النفس وما دون النفس، فلهم أن يعفوا عن القصاص إلى الدية، ولهم أن يعفوا عن القصاص والدية معاً، فلا يبقى بعد ذلك إلا تعزير الجاني إن رأى ذلك أولو الأمر، أي من لهم حق التشريع.
стр. 440
وقد أدى وجود القاعدتين معاً إلى اختلاف الفقهاء على المدى الذي تطبق فيه كل قاعدة، كما جعل آراء الفقهاء في القتل تختلف عن آرائهم في القطع والجرح، ولهذا سنتكلم أولاً عن الرضاء بالقتل، ثم نتكلم بعد ذلك عن الرضاء بالقطع والجرح.
٣٠٧ - الرضاء بالقتل: يرى أبو حنيفة وأصحابه أن الإذن بالقتل لا يبيح الفعل؛ لأن عصمة النفس لا تباح إلا بما نص عليه الشرع، والإذن بالقتل ليس منها، فكان الإذن عدماً لا أثر له على الفعل، فيبقى الفعل محرماً معاقباً عليه باعتباره قتلاً عمداً، لكنهم اختلفوا فيما بينهم على العقوبة التي توقع على الجاني، فرأى أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد أن يدرءوا عقوبة القصاص عن الجاني، وأن تكون العقوبة الدية على أساس أن الإذن بالقتل شبهة، وأن الرسول ﷺ يقول: "ادرأوا الحدود بالشبهات"، والقصاص معتبر حداً، فكل شبهة تقوم في فعل مكون لجريمة عقوبتها القصاص يدرأ بها الحد عن الجاني، ورأى زفر أن الإذن لا يصلح أن يكون شبهة، ومن ثم فهو لا يدرأ القصاص، فوجب أن يكون القصاص هو العقوبة (١) .
والرأي الراجح في مذهب مالك أن الإذن بالقتل لا يبيح الفعل ولا يسقط العقوبة، ولو أبرأ المجني عليه الجاني من دمه مقدماً؛ لأنه أبرأه من حق لم يستحقه بعد، وعلى هذا يعتبر الجاني قاتلاً عمداً. وبعض أصحاب هذا الرأي يرى أن تكون العقوبة القصاص حيث لا يعتبر الإذن شبهة تدرأ القصاص ويوجب الدية بدلاً من القصاص.
أما الرأي المرجوح في مذهب مالك - وينسبه ابن عرفة لسحنون - فهو أن الإذن بالقتل لا يبيح الفعل، ولكنه يسقط عقوبتي القصاص والدية معاً، وإن
стр. 441
كان لا يمنع من التعزير. ولكن الرأي المعروف عن سحنون في العتيبة (١) أنه يدرأ القصاص عن الجاني للشبهة ويوجب الدية (٢) .
وفي مذهب الشافعي رأيان: أولهما: أن الإذن في القتل يسقط عقوبتي القصاص والدية ولا يبيح الفعل. وثانيهما: أن الإذن في القتل لا يبيح الفعل ولا يسقط العقوبة، وبعض أصحاب هذا الرأي يرى في الإذن شبهة تدرأ القصاص وتوجب الدية، وبعضهم الآخر يوجب القصاص ولا يرى في الإذن شبهة (٣) .
ويرى أحمد وأصحابه أن الإذن في القتل يسقط العقوبة على الجاني؛ لأن من حق المجني عليه العفو عن العقوبة، والإذن بالقتل يساوي العفو عن عقوبة القتل (٤) . وهذا التعليل هو نفس ما يقول به أصحاب الرأي الأول في مذهب الشافعي.
٣٠٨ - الرضاء بالجرح والقطع: يرى أبو حنيفة وأصحابه أن الإذن بالقطع والجرح يترتب عليه منع العقوبة؛ لأن الأطراف عندهم يسلك مسلك الأموال، وعصمة المال تثبت حقاً لصاحبه، فكانت العقوبة على القطع والجرح محتملة السقوط بالإباحة والإذن. ولكنهم اختلفوا فيما إذا أدى الجرح أو القطع للموت، فأبو حنيفة يرى الفعل قتلاً عمداً؛ لأن الإذن كان عن الجرح أو القطع فلما مات تبين أن الفعل وقع قتلاً لا جرحاً ولا قطعاً، ومن ثم فعليه عقوبة القتل العمد، ولما كان الإذن يعتبر شبهة تدرأ القصاص فيتعين أن تكون العقوبة الدية، أما أبو يوسف ومحمد فمن رأيهما أنه إذا أدى الجرح
стр. 442
أو القطع للموت فلا شئ على الجاني إلا التعزير؛ لأن العفو عن الجرح أو القطع عفو عما تولد منه وهو القتل (١) .
ومذهب مالك هو أن الإذن بالقطع أو الجرح لا عبرة به إلا إذا استمر المجني عليه مبرئاً له بعد الجرح أو القطع، فإن لم يبرئ المجني عليه الجاني بعد الجرح أو القطع فقد وجبت العقوبة المقررة وهي القصاص أو الدية إذا امتنع القصاص لسبب شرعي، أما إذا استمر المجني عليه مبرئاً للجاني فإن العقوبة المقررة أصلاً وهي القصاص والدية تسقط ويحل محلها التعزير، هذا إذا لم يؤدي الجرح أو القطع للموت، فإذا أدى إليه اعتبر الجاني قاتلاً عمداً ووجبت عقوبة القتل العمد (٢) .
والإذن بالجرح والقطع يسقط العقوبة في مذهب الشافعي ما لم تر الجماعة عقابه تعزيراً، فإذا أدى الجرح أو القطع إلى الموت فمن فقهاء المذهب من يرى مسئولية الجاني عن القتل العمد، ولكنه يدرأ القصاص لشبهة الإذن، فتكون الدية هي العقوبة، ومن فقهاء المذهب من يرى امتناع العقاب؛ لأن الموت تولد عن فعل مأذون فيه (٣) ، والإذن يسقط العقوبة.
والإذن بالجرح والقطع عن أحمد كالإذن بالقتل مسقط للعقوبة وإن كان الإذن لا يبيح الفعل؛ لأن للمجني عليه الحق في إسقاط العقوبة، وقد أسقطها بإذنه (٤) .
٣٠٩ - أسباب الخلاف بين الفقهاء في الإذن بالقتل والجرح: أساس الاختلاف في هذه المسألة أن المجني عليه وأوليائه العفو عن العقوبة في القتل والجرح، والعقوبة أصلاً هي القصاص، فإذا امتنع لسبب شرعي حلت
стр. 443
محله الدية، وللمجني عليه وأوليائه أن يعفو عن القصاص إلى الدية، وأن يعفو عن الدية والقصاص معاً، فإذا عفوا سقطت العقوبة المقررة للقتل أو الجرح ولم يبق إلا عقوبة التعزير إن رأى ولاة الأمور تقريرها في حالة العفو.
وعلى هذا الأساس قام اختلافهم في القتل، فمن قال بأن الإذن يمنع من العقاب اعتبر الإذن عفواً مقدماً ورتب عليه سقوط العقوبة، ومن قال بأن الإذن لا يمنع من العقاب رأى أن الإذن لا يعتبر عفواً؛ لأن العفو عن القتل يستدعي وجود القتل، فإذا جاء العفو قبل القتل فهو عفو غير صحيح؛ لأنه لم يصادف محله، ومعنى ذلك أن حق المجني عليه في العفو لا ينشأ إلا بعد وقوع الجريمة، فإذا عفا قبل وقوعها فقد وقع عفوه لغواً؛ لأن حقه لم يكن نشأ بعد حتى يعفو عنه، ومن جعل العقوبة الدية اعتبر الإذن شبهة تدرأ الحد أي القصاص، ومن قال بالقصاص لم يجعل الإذن شبهة دارئة القصاص.
أما في حالة الجرح الذي لم يؤد إلى موت المجني عليه فمن قال بإسقاط العقوبة اعتبر الإذن بالجرح أو القطع عفواً مقدماً، واعتبره عفواً صحيحاً؛ لأنه استمر حتى تم إحداث الجرح أو القطع، ومن قال بعدم سقوط العقوبة اعتبر الإذن السابق باطلاً؛ لأنه لم يصادف محله واشترط لإسقاط العقاب أن يبرئ المجني عليه الجاني بعد الجرح أو القطع.
ومن أسقط العقاب في الجرح المؤدي للموت اعتبر الموت متولداً عن الجرح وهو مأذون فيه، وما تولد عن عفو عنه أخذ حكمه. ومن رأى العقاب أعتبر الإذن عن جرح لا عن قتل، فإذا ظهر أن الفعل قتل فهو غير مأذون فيه، ولكنه مع ذلك اعتبر الإذن الباطل شبهة تدرأ القصاص.
٣١٠ - بين الشريعة والقانون: القاعدة العامة من القوانين أن رضاء المجني عليه بالجريمة لا يبيح القتل ولا يرفع العقاب إلا إذا كان الرضاء يعدم ركناً من أركان الجريمة، وفي هذا تتفق القوانين مع الشريعة إلا أن القوانين الوضعية
стр. 444
تجعل الرضاء ركناً في بعض الجرائم التي لا يغير الرضاء من طبيعتها شيئاً، كالزنا فإن الرضاء به لا يغير من طبيعة الجريمة، ولا يحي لمن عمل الفعل مناف للأخلاق خارج على المألوف إلى عمل متفع مع الأخلاق والعادات المألوفة، ومثل ذلك اللواط، وهتك العرض. وهذا لا يتفق مع مبادئ الشريعة، كما أنه خروج من القوانين على القاعدة العامة التي ذكرناها، إذ المفروض في الرضاء أن يؤثر على أركان الجريمة الطبيعية، كما هو الحال في السرقة؛ إذ أن الرضاء يعدم الجريمة، أما الرضاء في الزنا فلا أثر له إطلاقاً، والفعل في حالة الرضاء وعدمه زناً لا شك فيه، في لسان العرف، والعادات، والأخلاق، وآداب الجماعة.
ويلاحظ أن رضاء المجني عليه بالجرح والقطع والقتل في الشريعة الإسلامية لا أثر له على تكوين الجريمة، وإنما أثره قاصر على إسقاط العقوبة، لا لأن المجني عليه أو أولياءه رضوا بالجريمة، وإنما لأن من حقهم العفو عن العقوبة.
والشريعة حين تقرر للمجني عليه ووليه حق العفو في الجرائم التي ذكرناها لا يأتي بمبدأ غريب على القوانين، وطبقته في الجرائم التي تمس العرض، فالقانون المصري مثلاً يعطي للزوج حق العفو عن عقاب زوجته الزانية، فإذا عفا سقطت عنها العقوبة ولو كان قد حكم بها وبدئ في تنفيذها. على أن هناك فرقاً بين الشريعة والقوانين في هذه المسألة، فالشريعة إذا أعطت للمجني عليه أو وليه حق العفو عن العقوبة، فإنما أعطته حق العفو عن العقوبة الأصلية فقط، وهي القصاص أو الدية، ولم ترتب على عفوه سقوط حق الجماعة في العقاب بصفة مطلقة، بل تركت للجماعة أن تعاقب الجاني إذا شاءت بعقوبة أقل شدة من العقوبة الأصلية، فالعفو في جرائم القتل والجرح يؤدي إلى إسقاط حق المجني عليه في التعويض، وإلى استبدال عقوبة مخففة بعقوبة مغلظة، ولكنه لا يؤدي إلى إسقاط العقوبة كلية، بينما العفو عن الزوجة الزانية طبقاً للقانون المصري يمنع من عقابها بأية عقوبة أخرى، ومعنى
стр. 445
ذلك أن حق العفو الذي منحته الشريعة للمجني عليه مقيد بمصلحة الجماعة، بينما حق العفو الذي تمنحه القوانين للمجني عليه غير مقيد بقيد ما.
وإذا كانت القوانين الوضعية لا تعطي المجني عليه أو وليه حق العفو في جرائم القتل والجرح والضرب، فإن عفو المجني عليه أو وليه يؤدي عملاً إلى مثل ما أدت إليه نظرية الشريعة في هذه المسألة، إذ القوانين الوضعية تجعل للقتل والجرح عادة عقوبتين، وتترك للقاضي أن يختار إحداهما، كما أنها تترك للقاضي أن يستبدل بالعقوبات الأصلية عقوبات أخف منها إذا اقتضت ظروف الجاني والجانية هذا التخفيف، ولا شك في أن عفو المجني عليه وأوليائه من أهم الظروف التي تدعو إلى تخفيف العقوبة على الجاني، كما أن العفو يؤدي بطبيعته إلى إسقاط التعويض المدني، وبهذا ينتهي العفو في دائرة القوانين من الوجهة العملية إلى مثل النتائج التي يؤدي إليها العفو في الشريعة الإسلامية.
على أن بعض القوانين الوضعية كالقانون الألماني تجعل لرضاء المجني عليه في حالة القتل والشروع فيه أثراً على العقوبة، وتفرق بين هذه الحالة وحالة القتل العمد بدون رضاء المجني عليه، وتجعل القتل برضاء المجني عليه جريمة من نوع خاص، وتعاقب عليها بعقوبة تقل عن عقوبة القتل العمد. وما هذه المبادئ القانونية إلا تطبيق لنظرية الشريعة الإسلامية.
وتمتاز نظرية الشريعة بأن فيها أسهل الحلول للمعضلة التي تواجه المحاكم وشراح القانون اليوم، وهي قتل المريض الميئوس منه لتخليصه من آلامه.
٣١١ - الانتحار والمسئولية الجنائية: تحرم الشريعة الإسلامية الانتاحر كما تحرم القتل، وقد جاء التحريم في القرآن، كما جاءت به السنة، فالله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] ، والانتحار قتل نفس، ويقول جل شأنه: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] ، ويقول الرسول ﷺ : "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً
стр. 446
مخلداً فيها أبداًن ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً"، والانتحار قد يكون عمداً، وقد يكون خطأ، وكلاهما محرم.
وإذا نجحت عملية الانتحار ومات المنتحر، فلا عقوبة عليه؛ لأن العقوبة تسقط بالموت، ولكن الفقهاء اختلفوا في الكفارة، فرأى مالك وأبو حنيفة أن لا كفارة في قتل النفس مطلقاً، ويظاهرهما على هذا الرأي في مذهب أحمد. أما الشافعي فيرى أن قتل نفسه عمداً أو خطأ وجبت الكفارة في ماله ويرى بعض الفقهاء في مذهب أحمد ما يراه الشافعي من وجوب الكفارة في قتل النفس، ولكنهم لا يوجبون الكفارة إلا في مال من قتل نفسه خطأ (١) . والكفارة عقوبة تعبدية يقصد منها مصلحة الجاني نفسه، فمن أوجبها في مال المنتحر فقد راعى هذه الناحية.
ويترتب على تحريم الانتحار أن يعاقب شريك المنتحر؛ سواء كان الاشتراك بالتحريض، أو الاتفاق، أو العون.
وإذا لم يمت من حاول الانتحار عوقب على محاولته الانتحار، وعوقب معه شركاؤه في الجريمة، وعقوبة الجميع هي التعزير.
وطريقة الشريعة في تحريمها الانتحار والعقاب على الاشتراك والشروع فيه تتفق مع ما يأخذ به الكثير من القوانين الوضعية الحديثة، كالقانون الإنجليزي، والسوداني، والإيطالي، وغيرهم. أما القانون المصري، والقانون الفرنسي، فلا يعتبر الانتحار فيهما جريمة، وكذلك لا يعتبر الاشتراك في الانتحار.
٣١٢ - إصابة الشخص نفسه: وتحرم الشريعة على الإنسان أن يصيب نفسه بأذى عمداً أو خطأ؛ فليس له أن يجرح نفسه أو يقطع طرفه أو غير ذلك، فإن فعل عوقب على ذلك بعقوبة تعزيرية، وإذا كان من المحرم أن يصيب
стр. 447
الإنسان نفسه، فإن من المحرم على غيره أن يشترك معه في تلك الجريمة.
وتتفق الشريعة في هذا مع كثير من القوانين الوضعية، وإن كانت بعض القوانين كالقانون المصري تجعل التحريم مقصوراً على أشخاص معينين، وفي حالات معينة.
٣١٣ - المبارزة والمسئولية الجنائية: المبارزة قتال ين شخصين قد يكون متفقاً عليه من قبل، وقد ينشب دون سابقة اتفاق. وقد يحرص كل من المتبارزين على قتل صاحبه، وقد ينوي أن يخرجه حتى يعجزه عن المبارزة ولا يشترط في المبارزة أن يكون بسلاح معين، فيصح أن تكون بالسيوف أو الخناجر، ويصح أن تكون بالأسلحة النارية، ويصح أن تكون بالعصا، ويصح أن تكون بالأيدي، والمهم في المبارزة أن يحرص كل على قتل صاحبه، أو جرحه، أو إيذائه، فإن كانت المبارزة مقصوداً بها مجرد إظهار المهارة والتفوق، ولم يقصد بها الإيذاء، فهي نوع من أنواع الفروسية التي تبيحها الشريعة، وسنتكلم عليها فيما بعد. أما المبارزة المقصود بها الإيذاء أو الجرح أو القتل، فهي محرمة شرعاً؛ لأنها ليست إلا قتلاً أو جرحاً أو إيذاء، وهذه أفعال تحرمها الشريعة تحريماً قاطعاً، فمن تبارز مع آخر فقتله، فهو قاتل متعمد إذا تعمد قتله، وإذا جرحه وهو يقصد قتله فأدى الجرح لموته، فهو قاتل متعمد، أما إذا جرحه بقصد تعطيله فقط، ولم يقصد قتله، فهو جارح عمداً، فإن أدى الجرح لموته فهو قاتل شبه متعمد.
ولا تبيح الشريعة المبارزة لإيذاء الخصم إلا في الحرب، ففي الحرب تجوز المبارزة مع المحارب، ويباح قتله، وجرحه، وإيذاؤه؛ لأن دمه مهدرن كذلك تجوز مبارزة الباغي وقت الحرب ولو أنه مسلم؛ لأن البغاه تهدر دماؤهم وقت الحرب. ولقد دعى رسول الله ﷺ يوم أحد للبراز فأجاب، وأذن لأصحابه للبراز يوم بدر، ويوم الخندق، والفقهاء يبيحون البراز، سواء دعا إليه المقاتل ابتداء أو كان إجابة لدعوة غيره، ولكن أبا حنيفة لا يبيح للمقاتل أن يدعو
стр. 448
للبراز مبتدئاً؛ لأن ذلك تطاول وبغي في رأيه، بينما بقية الفقهاء يرون الدعوة للبراز ابتداء نوعاً من إظهار القوة وإرهاب العدو (١) .
ويجب أن نفرق في المبارزة المحرمة بين حالتين. الأولى: ما إذا أحل كل من المتبارزين زميله من دمه، وفي هذه الحالة تطبق القواعد الخاصة برضاء المجني عليه بالقتل والجرح، وقد سبق أن بينا هذه القواعد. الثانية: إذا لم يحل أحد المتبارزين الآخر من دمه، وفي هذه الحالة تطبق على القاتل أو الجارح النصوص الخاصة بالقتل والجرح، ولا يكون لاتفاق المتبارزين أثر على العقوبة الواجبة؛ لأن الاتفاق على المبارزة ليس معناه الرضاء بالقتل والجرح.
فالمبارزة في الشريعة تخضع للنصوص العامة التي تحرم القتل والجرح؛ لأن المبارزة تؤدي إلى القتل والجرح. وهناك نصوص يمكن أن يستدل بها على تحريم المبارزة، ومن ذلك ما رواه أبو بكرة حيث يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" فقلت: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصاً على قتل صاحبه". ومن ذلك قوله ﷺ : "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، ولكننا لسنا في حاجة لهذه النصوص الخاصة لتحريم المبارزة؛ لأن النصوص العامة التي حرمت القتل والجرح كفيلة بهذا التحريم.
وإذا أدت المبارزة إلى قتل أحد المتبارزين أو جرحه فإن القتل والجرح ينسب لفاعله فقط ولا ينسب للمتبارزين معاً، ولا يعتبر اتفاقهما على المبارزة ونشوء القتل والجرح عن التقائهما اشتراكاً منهما في القتل أو الجرح قياساً على التصادم؛ لأن القتل أو الجرح الناشئ عن التصادم مترتب عن فعل المتصادمين معاً، وعلى القوة الناشئة من اصطدامهما، أما القتل والجرح في حالة البراز فناشئ عن فعل أحد
стр. 449
المتبارزين وقوته ولا أثر لفعل الآخر وقوته في إحداث القتل أو الجرح. فإذا تصادمت سيارتان ونشأ عن اصطدامهما قتل شخص أو جرحه، فإن القوة التي أدت للقتل أو الجرح ترجع إلى قوة اندفاع السيارتين معاً والتقاء هاتين القوتين، ولو لم تلتق هاتان القوتان لما حدث القتل أو الجرح. أما في المبارزة فقدرة كل مبارز وقوته هي التي ينشأ عنها فعله؛ فإذا ضرب أحدهما الآخر فجرحه أو أطلق عليه رصاصة فأصابته، فليس لقوة المصاب أو عمله دخل في إصابته (١) .
وتتفق نظرية الشريعة الإسلامية في المبارزة مع أغلب القوانين الوضعية الحديثة، فإنها تحرم المبارزة وتعاقب عليها باعتبار ما يحدث عنها قتلاً أو جرحا أو إيذاء، ومن هذه القوانين القانون المصري والقانون الفرنسي. وهناك قوانين أخرى تحرم المبارزة ولكنها تعاقب على ما ينشأ عنها بعقوبات خاصة، بدلاً من تطبيق عقوبة القتل والجرح، ومن هذه القوانين القانون الإيطالي، والقانون البولندي (٢) .
* * *
المبحث السابع
الأفعال المتصلة بالجريمة وعلاقتها بالمسئولية الجنائية
٣١٤ - الأفعال المتصلة بالجريمة: الأفعال المتصلة بالجريمة لا تعدو أن تكون فعلاً من ثلاثة: فهي إما مباشرة، وإما سبب، وإما شرط. والتمييز بين هذه الأفعال الثلاثة ضروري للتمييز بين الجاني وغير الجاني.
стр. 450
المباشرة: هي ما أحدث الجريمة بذاته دون واسطة وكان علة للجريمة، كذبح شخص بسكين فإن الذبح يحدث الموت بذاته، وهو في الوقت نفسه علة الموت. وكالخنق فإنه يحدث الموت بذاته، وهو في الوقت نفسه علة للموت. وكإشعال نار في الشيء المحترق، فإن إشعال النار يحدث الحريق بذاته، وهو في الوقت نفسه علة الشيء الحريق. وكأخذ السارق مال الغير من حرزه خفية، فإن الأخذ يحدث السرقة وهو علة لها. وكتناول الخمر فإنه يحدث جريمة الشرب وهو في الوقت نفسه علة لها.
السبب: هو ما أحدث الجريمة لا بذاته بل بواسطة وكان علة للجريمة، كشهادة الزور على بريء بأنه قتل غيره فإنها علة للحكم على المشهود عليه بالموت ولكن الشهادة لا تحدث بذاتها الموت، وإنما يحدث الموت بواسطة فعل الجلاد الذي يتولى تنفيذ حكم القاضي الذي صدر بالموت. وكحفر بئر في طريق المجني عليه وتغطيتها بحيث إذا مر عليها سقط فيها وجرح أو مات، فالحفر هو علة الموت أو الجرح، ولكن الحفر لا يحدث الجرح أو الموت بذاته، وإنما يحدثه بواسطة سقوط المجني عليه في البئر.
ونستطيع أن نفرق بين المباشرة والسبب بأن المباشرة تولد الجريمة دون واسطة، وأن السبب يولد المباشرة أو هو واسطة لتولد المباشرة التي تتولد عنها الجريمة.
والسبب ثلاثة أنواع:
(أ) سبب حسي: وهو ما يولد المباشرة توليداً محسوساً مدركاً لا شك فيه ولا خلاف عليه سواء كان السبب معنوياً أو مادياً، كالإكراه على القتل والجرح فإنه يولد في المكره داعية القتل والجرح دون شك. وكحفر بئر في طريق المجني عليه وتغطيتها، حتى إذا ما مر عليها سقط فيها ومات أو جرح, فلا شك أن الحفر هو الذي تولد عنه التردي ثم الموت أو الجرح. وكإشعال النار في البيت الذي ينام فيه المجني عليه حتى إذا ما استيقظ كانت النار قد أحاطت به وقضت عليه. وكإطلاق حيوان مفترس على المجني عليه بقصد قتله فيفترسه الحيوان. وكأمر طفل غير مميز بقتل
стр. 451
شخص فيقتله. فهذه كلها أسباب مادية ومعنوية تؤدي إلى الجريمة بطريق محسوس مدرك لا يشك فيه ولا يختلف عليه.
(ب) سبب شرعي: وهو ما يولد المباشرة توليداً شرعياً؛ أي أساسه النصوص الشرعية، كشهادة الزور بالقتل والسرقة فإنها تولد في القاضي داعية الحكم بالموت على القاتل والقطع على السارق، وتنفيذ الحكم يؤدي إلى مباشرة الموت والقطع، وكتعمد القاضي أن يحكم ظلماً بالقتل أو القطع؛ فإن تنفيذ هذا الحكم يؤدي إلى مباشرة الموت أو القطع.
(ج) سبب عرفي: وهو ما يولد المباشرة توليداً عرفياً لا حسياً ولا شرعياً، كترك الطعام المسموم في متناول الضيف، وكالقتل بوسيلة معنوية مثل الترويع والتخويف والسحر. ويدخل تحت السبب العرفي الأسباب الحسية التي بعدت فأصبحت مشكوكاً فيها أو مختلفاً عليها، ومثل ذلك إشعال نار في مسكن شخص بقصد قتله، فإن إشعال النار سبب محسوس للموت إذا مات المجني عليه محترقاً، ولكن إذا أنقذ المجني عليه ووضع في مستشفى لعلاجه فانهدم المستشفى على المجني عليه ومات تحت الأنقاض، فإن إشعال النار يصبح سبباً للموت مشكوكاً فيه أو مختلفاً عليه، وينقلب إلى سبب عرفي.
والسبب العرفي قد يكون مادياً وقد يكون معنوياً، ويسمى السبب بالعرفي لأن حد السببية في النوع هو الحد المتعارف عليه، أي ما أقره عرف الناس وقبلته عقولهم (١) .
الشرط: هو ما لا يحدث الجريمة وهو علة لها، ولكن وجوده جعل فعلاً آخر محدثاً للجريمة وعلة لها. ومثل ذلك أن يلقي إنسان آخر في بئر حفره ثالث لغير غرض القتل فيموت الثاني، فإن ما أحدث الموت وكان علة له هو
стр. 452
الإلقاء في البئر لا حفر البئر، ولكن الإلقاء ما كان يمكن أن يكون له أثره الذي حدث لولا وجود البئر، فوجود البئر شرط لجريمة القتل التي وقعت بواسطة الإلقاء في البئر.
٣١٥ - حكم المباشرة والسبب والشرط: صاحب الشرط لا مسئولية عليه ما دام لم يقصد بفعله التدخل في الجريمة أو تسهيلها أو الإعانة عليها؛ لأن فعله لم يحدث الجريمة ولم يكن علة لها، ولو اقتصر الأمر على فعله ما وقعت الجريمة بأي حال، وإذا كان الفعل شرطاً لوقوع الجريمة إلا أن فاعله لم يأته بقصد إجرامي. ولكن صاحب الشرط يسأل جنائياً عن فعله إذا قصد به التدخل في الجريمة أو تسهيلها أو الإعانة عليها، فإذا أسقط شخص آخر في بئر حفرت للري فمات من سقتطه فلا مسئولية على حافر البئر، ولكن إذا حفر البئر بقصد تسهيل الجريمة فحافره مسئول، ومن يستدرج القتيل لمحل قتله مسئول إذا قصد تسهيل الجريمة، ولا يسأل إذا كان لا علم له بما دبر للقتيل (١) .
أما صاحب المباشرة والتسبب فكلاهما مسئول عن فعله؛ لأنه علة للجريمة ولا يمكن أن تحدث الجريمة بدونه، على أن الأمر في تحديد المسئولية يدق إذا كان المجني عليه قادراً على دفع أثر فعل المباشر والمتسبب، وقد وضع بعض الفقهاء القواعد الآتية لحكم هذه الحالة:
أولاً: إذا كان الفعل مؤدياً بطبيعته للجريمة والدفع غير موثوق به، فإن المباشر أو المتسبب يسأل عن الجريمة، ولا عبرة بسكوت المجني عليه عن دفع الفعل أو إهماله في ذلك؛ لأن الفعل هو الذي أحدث الجريمة وهو علتها، وليس لسكوت المجني عليه عن دفع الجريمة أو إهماله دخل في حدوث الجريمة، ولا يمكن عقلاً أن يكون علة لها، فمن أحدث بآخر جرحاً بقصد قتله فمات من
стр. 453
الجرح فالفاعل مسئول عن القتل والعمد ولو امتنع المجني عليه عن معالجة الجرح أو أهمل في علاجه.
ثانياً: إذا كان الفعل لا يؤدي بطبيعته للجريمة وكان الدفع موثوقاً به فلم يدفع المجني عليه الفعل، ففي هذه الحالة يسأل الجاني عن الفعل فقط ولا يسأل عن النتيجة التي ترتبت عليه؛ لأن الفعل لم يحدث النتيجة ولم يكن علة لها، وإنما الذي أحدثها هو عدم الدفع من جهة المجني عليه، ومثل ذلك أن يلقي شخص بآخر في ماء قليل لا يغرق، فيبقى هذا الآخر مستلقياً في الماء حتى يدركه النوم أو حتى تتصلب أطرافه من البرد فيغرق، فمسئولية الجاني قاصرة على الإلقاء في الماء فقط ولا يسأل عن نتيجة الإلقاء في الماء وهي الموت؛ لأن الموت لم ينشأ عن إلقاء الميت في الماء وإنما كان نتيجة بقائه في الماء، على أنه يشترط أن يكون الميت قد بقى في الماء مختاراً مع قدرته على الخروج منه، فإذا حدث له شلل أو كسر أو إغماء نتيجة إلقائه في الماء فعاقه عن الخروج أو غرق نتيجة لذلك، فالإلقاء في الماء هو الذي أحدث الجريمة وهو علتها، ومن ثم يسأل عن القتل من باشر الإلقاء أو تسبب فيه.
ولا خلاف بين الفقهاء على هذا المبدأ ولكنهم يختلفون في تطبيقه، فالشافعية مثلاً يرون أن من فصد فلم يربط جرحه حتى نزف دمه ومات لا يسأل من فصده عن القتل؛ لأن الفصد لا يؤدي بطبيعته للموت ولأن الموت لو ربط محل الفصد لما نزف. والحنابلة يرون أن من أحدث الفصد مسئول عن القتل؛ لأنه أحدث الجرح الذي أدى للموت، ولأن الدفع ليس موثوقاً به (١) .
إذا كان الفعل يؤدي بطبيعته للجريمة والدفع سهل، كما لو ألقى من يحسن السباحة في ماء مغرق فلم يسبح وترك نفسه يغرق، وكما لو ألقي شخص في نار قليلة يستطيع الخروج منها فبقى فيها حتى احترق، ففي هاتين الحالتين وأمثالهما
стр. 454
خلاف، فالبعض يرى أن الفاعل قاتل؛ لأن الإلقاء في الماء يدهش الملقى عن السباحة فيغرق، ولأن أعصاب الملقى في النار تتشنج بإلقائه في النار فتعسر عليه الحركة، ولأن العادة أن لا يستسلم الإنسان للموت فيكون الموت نتيجة للإلقاء. ويرى البعض أن الفاعل لا يعتبر قاتلاً ما دام المجني عليه كان يستطيع السباحة فلم يفعل، والخروج من النار فبقى فيه (١) .
وكلا الفريقين يرى الجاني مسئولاً جنائياً، ولكن الفريق الأول يجعله مسئولاً عن نتيجة الفعل، بينما يجعله الفريق الآخر مسئولاً عن الفعل دون نتيجته قياساً على الحالة الثانية، وأكثر الذين يعتبرون الفاعل قاتلاً يعتبرونه قاتلاً شبه عمد لا قاتلاً عمداً؛ لأن الفعل لا يؤدي غالباً للموت.
٣١٦ - الفرق بين مسئولية المباشر ومسئولية المتسبب: الأصل في الشريعة الإسلامية أن المباشر والمتسبب كلاهما مسئول جنائياً عن فعله، لكن المساواة في المسئولية لا تستلزم تساويهما في العقوبة في جرائم الحدود؛ لأن القاعدة في جرائم الحدود أن عقوبة الحد لا تجب إلا على مباشر (٢) فلا يمكن إذن أن يعاقب المتسبب بعقوبة حد، وإنما يعاقب بعقوبة تعزيرية، ويمكن تعليل هذه القاعدة بأن الأصل في الجرائم ارتكابها بطريق المباشرة، وأن جرائم الحدود يغلب ارتكابها بطريق المباشرة ويقل ارتكابها بطريق التسبب فخصصت عقوبة الحدود لشدتها بما هو أصل وبما يغلب وقوعه.
أما جرائم القصاص فعقوبتها وإن كانت مقدرة كعقوبة الحدود إلا أنها تقع على المباشر والمتسبب معاً عند مالك والشافعي وأحمد؛ لأن هذه الجرائم تقع غالباً بطريق التسبب فلو قصرت عقوبتها على المباشر فقط لتعطلت نصوص
стр. 455
القصاص لإمكان الجاني أن يعدل عن طريق المباشرة إلى طريق التسبب (١) .
ولكن أبا حنيفة لا يسوي بين عقوبة القتل العمد المباشر والقتل العمد بالتسبب (٢) مع أنه يعتبر الفعل في الحالين قتلاً عمداً، وهو يخصص عقوبة القصاص للقاتل المباشر ويدرأها عن القاتل المتسبب، وحجته في هذا أن عقوبة القتل العمد هي القصاص، ومعنى القصاص المماثلة، والقصاص في ذاته قتل بطريق المباشرة، فيجب أن يكون الفعل المقتص عنه قتل بطريق المباشرة ما دام أساس عقوبة القصاص المماثلة في الفعل، فمن حفر بئراً ليسقط فيها آخر بقصد قتله لا يقتص منه؛ لأن الحفر سبب القتل ولكنه لم يؤد إليه مباشرة، ومن شهد على آخر زوراً بأنه ارتكب جريمة عقوبتها القتل فحكم عليه بالقتل على أساس هذه الشهادة المزورة لا يقتص منه؛ لأن الشهادة وإن كانت سبب الحكم بالإعدام إلا إنها لم تؤد لإعدام المشهود عليه مباشرة (٣) .
وفي جرائم التعزير لا فرق بين عقوبة المباشر والمتسبب، فالعقوبات المقررة لهما واحدة. ولكن هذا لا يقتضي التسوية بينهما في نوع العقوبة التي توقع على كليهما ومقدار هذه العقوبة؛ لأن عقوبات التعازير غير مقدرة، وللقاضي حرية في اختيار العقوبة من بين عقوبات معينة، وتحديد مقدار العقوبة من بين حديها الأدنى والأعلى.
٣١٧ - مدى مسئولية المباشر والمتسبب إذا اجتمع سبب ومباشرة: إذا اجتمع سبب ومباشرة فلا يخرج الأمر في تحديد مسئولية المتسبب والمباشر عن حالة من ثلاث:
стр. 456
الأولى: أن يغلب السبب المباشرة: ويتغلب السبب على المباشرة إذا لم تكن المباشرة عدواناً، وفي هذه الحالة تكون المسئولية على المتسبب دون المباشر، كقتل المحكوم عليه بالإعدام بناء على شهادة الزور، فتنفيذ الحكم بمعرفة الجلاد هو المباشرة وشهادة الزور هي السبب، ولما كان فعل الجلاد لا يعتبر عدواناً كان صاحب السبب أي شاهد الزور هو القاتل، وهكذا كلما تغلب السبب على المباشرة انتفت مسئولية المباشر ووقعت المسئولية على عاتق صاحب السبب (١) .
الثانية: أن تغلب المباشرة السبب: وتتغلب المباشرة على السبب إذا قطعت عمله، كمن ألقى إنساناً في ماء بقصد إغراقه فخنقه آخر كان يسبح في الماء، وكمن ألقى بإنسان من شاهق فتلقاه آخر قبل وصوله إلى الأرض فقط رقبته بسيف، أو أطلق عياراً نارياً قتله قبل وصوله إلى الأرض، فالمسئول عن القتل في هذه الصور هو مباشر وعليه وحده القصاص، أما المتسبب فيعزر على فعله فقط ولا يحاسب على نتيجته وهي الموت.
ويرى البعض أن المباشرة لا تقطع عمل السبب إذا كانت السلامة من السبب غير متوقعة، كمن رمى آخر من شاهق لا يمكن أن يسلم منه فتلقاه آخر قبل أن يصل إلى الأرض وقده بالسيف، فإن السبب في هذه الحالة يعتدل مع المباشرة، ويكون كل من المباشر والمتسبب مسئولين عن القتل؛ لأن عمل كل منهما يتمم عمل الآخر، أما إذا كان السبب يسلم منه فتقطع المباشرة عمل السبب على الوجه الذي سبق بيانه (٢) . والمفروض في الأمثلة السابقة أن المباشر والمتسبب ليس بينهما اتفاق على الجريمة.
ويرى أبو حنيفة أن المباشرة تغلب السبب دائماً كلما اجتمعا وكانت المباشرة
стр. 457
عدواناً، بحيث يضاف الحكم إلى المباشر دون المتسبب (١) ، وإضافة الحكم إلى المباشر دون المتسبب لا يترتب عليها إعفاء المتسبب فهو مسئول عن فعله كلما كان فعله معصية.
وأهمية هذه القاعدة لا تظهر إلا في جرائم الحدود والقصاص؛ لأن تغليب المباشرة على السبب وإضافة الحكم إلى المباشر يؤدي إلى قصر عقوبة الحد والقصاص على المباشر دون غيره، ويجعل عقوبة المتسبب التعزير كلما تغلبت المباشرة على السبب.
الثالثة: أن يعتدل السبب والمباشرة: بأن يتساوى أثرهما في إحداث الجريمة، وفي هذه الحالة يكون المتسبب والمباشر مسئولين معاً عن نتيجة الفعل، كالإكراه على القتل والأمر به؛ لأن المكره والآمر مسئولان عن القتل كما يسأل المكره والمأمور.
وعند أبي حنيفة أن السبب لا يعتدل مع المباشرة أبداً؛ لأنه يضيف الحكم للمباشرة كلما اجتمعت مع سبب وكانت عدواناً، وهو في هذا يخالف ما يراه مالك والشافعي وأحمد، وإذا كان أبو حنيفة يعتبر المكره مسئولاً عن القتل فليس ذلك لأنه يرى اعتدال السبب مع المباشرة، وإنما لأنه يعتبر صاحب السبب مباشراً إذا كان المباشرة آلة في يده.
٣١٨ - رابطة السببية والمسئولية: ويشترط لمسئولية الجاني عن الجريمة التي تنسب إليه أن تكون ناشئة عن فعله، وأن يكون بين الفعل الذي أتاه والنتيجة التي يسأل عنها رابطة السببية.
وقد لا يصعب القول بوجود رابطة السببية بين فعل الجاني ونتيجته، إذا كان فعل الجاني مباشرة لاتصال الفعل بالنتيجة اتصالاً مباشراً. أما إذا كان فعل الجاني
стр. 458
سبباً فقد يصعب في كثير من الأحوال القول بوجود رابطة السببية بين الفعل والنتيجة حيث لا يتصل الفعل اتصالاً مباشراً بنتيجته، وتتجلى هذه المصاعب كلما تعددت العلل المؤدية للنتيجة، فساعد بعضها عمل البعض، أو قطع بعضها عمل البعض، وكلما بعدت النتائج وتوالدت الأسباب بينها وبين الأفعال، وسنستعرض فيما يأتي هذه المصائب ونبين حكمها.
٣١٩ - تعدد العلل المسببة للنتيجة: القاعدة أن الجاني يسأل عن نتيجة فعله إذا كان فعله وحده هو علة النتيجة، أو كان لفعله إذا نظر إليه منفرداً عن غيره (١) دخل في إحداث النتيجة، فالجاني مسئول عن نتيجة فعله سواء كان هو الذي أحدث النتيجة وحده أو كان أحد العوامل التي اشتركت في إحداثها، فمن أحدث بآخر جرحاً قاتلاً بقصد فتله فأدى الجرح للموت فهو مسئول عن القتل العمد، وإذا كان بالمجني عليه إصابات قاتلة من قبل فأحدث به الجاني إصابة أخرى قاتلة فمات منها جميعاً، فالجاني مسئول عن القتل العمد، ولو أن الموت نتيجة لكل هذه الإصابات، ويستوي أن تكون الإصابات التي كانت بالمجني عليه ناشئة عن فعله هو كما لو جرح نفسه، أو عن فعل غيره كما لو ضربه إنسان أو نهشه حيوان.
وإذا كان بالمجني عليه إصابات قاتلة سببها فعل مباح كالدفاع الشرعي مثلاً، فأحدث به آخر إصابة أو إصابات أخرى عدواناً بقصد قتله فمات من جميع الإصابات، فالجاني مسئول عن القتل العمد، ولو أن بعض الإصابات التي أدت للموت ناشئة عن فعل نباح، وكذلك الحكم لو كانت الإصابات السابقة غير عمدية، وهو نفس الحكم لو كانت الإصابات غير العمدية أو الناشئة عن فعل مباح لاحقة بالإصابات التي أحدثها الجاني وليست سابقة عليها.
وإذا كانت بعض الإصابات أفحش من بعض، فإن الجاني الذي أحدث
стр. 459
أبسط الإصابات مسئول عن القتل العمد ما دامت إصابته مهلكة بذاتها أو لها دخل في القتل على انفرادها، كما أنه لا عبرة بعدد الإصابات التي يحدثها كل جان، فلو كان بشخص مائة إصابة أدت إلى قتله، فالجاني الذي أحدث واحدة منها فقط مسئول عن القتل ما دام لإصابته دخل في القتل على انفرادها ولو كانت بقية الإصابات من فعل شخص واحد.
وإذا أساء المجني عليه علاج نفسه أو أهمل العلاج، أو سمح لطبيب بعلاج جرحه أو إجراء عملية فأخطأ العلاج أو قصر في العملية، وساعد كل ذلك على إحداث النتيجة فإن الجاني مع ذلك يسأل عن القتل العمد، ما دام فعله مهلكاً بذاته، أو كان له منفرداً دخل في إحداث النتيجة.
وإذا كان المجني عليه مريضاً أو ضعيفاً أو صغيراً فيعتبر الجاني مسئولاً عن قتله عمداً إذا ضربه أو جرحه ضرباً أو جرحاً لا يقتل الصحيح أو الكبير، ما دام من شأن هذا الضرب أو الجرح أن يقتل المريض والضعيف والصغير.
٣٢٠ - انقطاع فعل الجاني: ويسأل الجاني عن نتيجة فعله ما لم ينقطع فعل الجاني بفعل آخر يتغلب عليه ويقطع عمله، ففي هذه الحالة يسأل الجاني عن الفعل دون نتيجته، فمن يجرح إنساناً جرحاً قاتلاً بقصد قتله يعتبر قاتلاً لا عمداً إذا كان من الجرح، ولكن إذا جاء ثالث فقطع رقبة الجريح فهو قاتل، والأول جارح لا قاتل؛ لأن فعله انقطع عمله وانقضى أثره بفعل الثالث.
ويسأل الجاني عن الفعل دون نتيجته إذا انقطع أثر الفعل فلم يؤد للنتيجة، ولو كان الجاني قاصداً النتيجة، فمن يجرح إنساناً قاصداً قتله فيشفى الجرح يسأل باعتباره جارحاً لا قاتلاً؛ لأن الجرح انقطع أثره فلم يؤد للموت.
٣٢١ - توالد العلل والمسببات: قلنا: إن الجاني يسأل عن نتيجة فعله إذا كان فعله وحده هو علة النتيجة، أو كان فعله إذا نظر إليه منفرداً من غيره دخل في إثارة النتيجة، وهذه هي القاعدة العامة في الشريعة، ومن السهل تطبيقها
стр. 460
كلما كان فعل الجاني علة مباشرة للنتيجة، كذبح شخص بسكين؛ فإن الذبح علة مباشرة للموت. ولكن المسائل لا تعرض دائماً بهذه السهولة. فهناك حالات كثيرة لا يكون فيها فعل الجاني هو العلة المباشرة للنتيجة، وإنما تتولد العلل وتتوالى بين الفعل والنتيجة بحيث تضعف صلة السببية بين الفعل المنسوب للجاني والنتيجة التي يسأل عنها، وبحيث يبعد الفعل عن النتيجة، ولا يكون سبباً مباشراً لها، ومثل ذلك أن يحدث الجاني بالمجني عليه جرحاً بقصد قتله فينقل المجني عليه إلى المستشفى فيحدث حريق بالمستشفى يموت فيه المجني عليه، فهل يسأل الجاني عن الموت باعتبار أن الجرح الذي أحدثه سبب نقل المجني عليه إلى المستشفى، وأن النقل تولد عنه موت المجني عليه محترقاً، أم يسأل الجاني عن الجرح فقط؟ ومثل ذلك أيضاً أن يشهد شخصان زوراً على آخر بأنه قتل الثالث، فيحكم على المتهم البريء بالقتل وتنفذ فيه، ثم تتبين بعد ذلك براءته، فهل يعتبر شاهد الزور قاتلاً باعتبار أن فعله علة للحكم، وأن الحكم تولد عنه الأمر بالتنفيذ، وأن الأمر بالتنفيذ تولد عنه قيام الجلاد بقتل المحكوم عليه؟
ولحل هذه الصعوبات يفرق الفقهاء بين الثلاثة أنواع من العلل والأسباب:
أولها: العلل والأسباب الحسية: وهي العلل التي تتولد عنها النتائج توليداً محسوساً مدركاً لا شك فيه ولا خلاف عليه، بغض النظر عما إذا كانت النتيجة قد تولدت عن العلة المباشرة أو كانت قد تولدت عن علة متولدة عن العلة الأولى، فكلما كان فعل الجاني علة محسوسة ومدركة للنتيجة فهو مسئول عن النتيجة، كإشعال النار في بيت المجني عليه بقصد قتله، حتى إذا ما استيقظ كانت النار قد أحاطت به فلم يستطيع النجاة ومات محترقاً، فغن الجاني وضع النار في المنزل وكان وضعها علة في احتراق المنزل، وكان إحراق المنزل علة في موت المجني عليه محترقاً.
ثانيها: العلل والأسباب الشرعية: وهي العلل والأسباب التي تولد