← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الكفارة ١٩٧- الأصل فى الكفارة قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢] . ١٩٨- والكفارة عقوبة أصلية: وهى عتق رقبة مؤمنة فمن لم يجدها أو يجد قيمتها يتصدق بها فعليه صيام شهرين متتابعين، فالصوم عقوبة بدلية لا تكون إلا إذا امتنع تنفيذ العقوبة الأصلية. ١٩٩- وظاهر من النص أن الكفارة شرعت فى القتل الخطأ: ومن المتفق عليه أنها واجبة فى القتل الخطأ وكذلك فى القتل شبه العمد لأنه يشبه الخطأ من وجه ولكنهم اختلفوا فى وجوبها فى القتل العمد فرأى الشافعى أنها تجب فى العمد لأنها إذا وجبت فى قتل الخطأ مع عدم المأثم فلأن تجب فى العمد وشبه العمد وقد تغلظ بالإثم أولى. واستند إلى ما رواه واثلة بن الأسقع قال: أتينا النبى ﷺ بصاحب لنا قد أوجب بالقتل فقال: "اعتقوا عنه رقبة يعتق الله تعالى بكل عضو فيها عضوًا منه من النار" (١) . ولأحمد رأى يتفق مع رأى الشافعى ولكن المشهور فى مذهبه أن لا كفارة فى القتل العمد، وحجة القائلين بأن لا كفارة فى العمد أن النص الخاص بالقتل جاء خلوًا من الكفارة وأن الله جعل جزاء القتل العمد القصاص من القاتل وجهنم خالدًا فيها ومفهوم هذا أن لا كفارة فى القتل العمد، ويستندون إلى أن سويد بن الصامت قتل رجلاً فى عهد الرسول ﷺ فأوجب عليه القود ولم يوجب كفارة.

стр. 947

وأن عمرو بن أمية الضمرى قتل رجلين فى عهد النبى ﷺ ، فوداهما ولم يوجب كفارة (١) . ويرى أبو حنيفة وأصحابه أن لا كفارة فى القتل العمد؛ لأن الكفارة دائرة بين العبادة والعقوبة فلابد من أن يكون سببها دائر بين الحظر والإباحة لتعلق العبادة بالمباح والقتل بالمحظور وقتل العمد كبيرة محضة فلا تناظر به الكفارة، ولأن الكفارة من العقوبات المقدرة فلا يجوز إثباتها بالقياس بل لابد من النص عليها (٢) . ولا يوجب مالك الكفارة فى القتل العمد، ولكنه يراها مندوبًا إليها فى العمد الذى لم يقتص فيه سواء كان عدم القصاص راجعًا لمانع شرعى أو للعفو (٣) . وسنذكر فيما يلى أحكام الكفارة مقارنة فى المذاهب مع ملاحظة الفرق بين من يجيزها فى القتل العمد ومن لا يجيزها. ٢٠٠- على من تجب الكفارة؟: تجب الكفارة عند الشافعى وأحمد على القاتل أيًا كان بالغًا أو غير بالغ عاقلاً أو مجنونًا مسلمًا أو غير مسلم، لا يستثنى من ذلك إلا الحربى، فتجب على الذمى والمعاهد والمستأمن (٤) . ويرى مالك أنها تجب على الصبى البالغ والعاقل والمجنون، ولكنها لا تجب إلا على مسلم لأنها عقوبة تعبدية (٥) . ويرى أبو حنيفة أن الكفارة لا تجب إلا على مسلم بالغ، فهى لا تجب على الصبى والمجنون وغير المسلم، لأن الصبى والمجنون لا يخاطبان بالشرائع أصلاً، أى لا مسئولية عليهما، ولأن غير المسلم لا يلزم بما هو عبادة، والكفارة وإن

стр. 948

كانت عقوبة إلا أنها فى الوقت نفسه عبادة. ويدر على أبى حنيفة بأن الكفارة عقوبة مالية، والمجنون والصغير وإن لم يسألا عن فعلهما من الناحية الجنائية فهما ضامنان له من الناحية المالية، وأما الكافر فيلزم بها لعموم النص. ٢٠١- تعدد الكفارة بتعدد الجناة: إذا تعدد الجناة فى قتل يوجب الكفارة لزم كل جان كفارة مستقلة، وعلى هذا أجمع الأئمة الأربعة؛ لأن الكفارة عن الفعل فلا تتبعض، وتكون كاملة فى حق كل واحد من المشتركين فى القتل كالقصاص يجب على كل مشترك فى القتل. وهناك رواية عن أحمد ورأى فى مذهب الشافعى بأن على الجميع كفارة واحدة، وهذا يتفق مع رأى أبى ثور والأوزاعى، وحجة أصحاب هذا الرأى أن النص أوجب فى القتل دية واحدة وكفارة واحدة، وإذا كان من المسلم به أن الدية لا تتعدد فكذلك يجب أن يكون شأن الكفارة (١) . ٢٠٢- وكفارة القتل - كما قلنا - هى عتق رقبة مؤمنة: فإن لم يجدها القاتل فى ملكه فاضلة عن حاجته، أو يجد ثمنها فى ماله فاضلاً عن كفايته، فصيام شهرين متتابعين، فليس بشرط إذن أن تكون الكفارة عتق رقبة بالذات لأن قيمتها تقوم مقامها، وعلى هذا يمكن أن نقول: إن الكفارة بعد إلغاء الرق لا تكون بعتق رقبة، وإنما تكون بالتصدق بقيمة الرقبة إذا كان لدى القاتل ما يفيض عن حاجته، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وتقدير قيمة الرقبة يترك لأولياء الأمور. وإذا لم يستطع القاتل الصيام فيرى البعض أن الصيام يثبت فى ذمته حتى يستطيعه أو يستطيع قيمة الرقبة، ويرى البعض أن على القاتل إذا لم يستطع الصوم أن يطعم ستين مسكينًا قياسًا على ما جاء فى كفارة الظهار، ويعترض على هذا الرأى بأن الله ذكر العتق والصيام فقط فى القتل، وذكر العتق

стр. 949

والصيام والإطعام فى الظهار، ولو وجب الإطعام فى القتل لذكره كما ذكره فى حالة الظهار (١) . هل تجب الكفارة فى كل قتل؟: تجب الكفارة فى القتل المحرم فقط، أما القتل المباح فلا تجب فيه، كقتل قاطع الطريق والقتل للقصاص وقتل الحرب والقتل دفاعًا عن النفس، وتجب الكفارة سواء كان القتيل مسلمًا أو غير مسلم، ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، وسواء كان القتل فى دار الإسلام أو دار الحرب باتفاق. واختلف فى قتل النفس: فرأى الشافعى أن على قاتل نفسه الكفارة فى ماله لأن القتل محرم والنص عام يدخل تحت قتل النفس. وفى مذهب أحمد رأيان أحدهما: يرى ما يراه الشافعى، والثانى: يرى أن لا كفارة فى قتل النفس؛ لأن النص مقصود به قتل الغير بدليل قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢] ، وقاتل نفسه لا تجب فيه دية كما أن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ، ولم يأمر النبى ﵇ فيه بكفارة، ويرى مالك وأبو حنيفة أن لا كفارة فى قتل النفس (٢) . القتل المباشر والقتل بالتسبب: وتجب الكفارة عند مالك والشافعى وأحمد سواء كان القتل مباشرًا أو تسببًا، ويرى أبو حنيفة أن لا كفارة فى القتل بالتسبب أيًا كان نوعه؛ أى ولو كان خطأ (٣) . * * * العقوبات البدلية للقتل العمد ٢٠٣- عقوبات القتل العمد البدلية ثلاثة: الدية، والتعزير، والصيام. والدية والتعزير بدل من القصاص والصيام بدل من الكفارة، وسنبين فيما يلى أحكام هذه العقوبات الثلاث واحدة بعد الأخرى.

стр. 950

أولاُ: الدية: ٢٠٤- الأصل فى وجوب الدية الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء:٩٢] . وأما السنة: فقد روى أن النبى ﷺ كتب لعمرو بن حزم كتابًا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات وقال فيه: "وإن فى النفس مائة من الإبل". وأجمع أهل العلم على وجوب الدية فى الجملة. ٢٠٥ - والدية فى القتل العمد ليست عقوبة أصلية: وإنما هى عقوبة بدلية قررت بدلاً من العقوبة الأصلية وهى القصاص، وتحل الدية محل القصاص كلما امتنع القصاص أو سقط بسبب من أسباب الامتناع أو السقوط بصفة عامة، مع مراعاة أن هناك حالات يسقط فيها القصاص ولا تحل محله الدية كحالة العفو مجانًا وكحالة موت الجانى عند مالك وأبى حنيفة، ولقد سبق أن بينا بتفصيل حالات سقوط القصاص، والآراء المختلفة فيها وما يحل محل القصاص. ولا تعتبر الدية فى حالة قتل الأب ولده عقوبة أصلية؛ لأن العقوبة الأصلية للقتل هى القصاص، وإنما استثنى الأب منها لقوله ﵇: " لا يقاد الوالد بولده "، والتعبير بلفظ يقاد دليل على أن القود هو الأصل ولكن صلة الأبوة تمنع منه فحلت الدية محلة. ٢٠٦- الأجناس التى تجب فيها الدية: تجب الدية عند مالك وأبى حنيفة فى ثلاثة أجناس: الإبل، والذهب، والفضة (١) . ولا تجب الدية فيها كلها، وإنما فى واحد منها فإذا قضيت الدية من الإبل أو من الذهب أو من الفضة فالقضاء صحيح، لأن كل واحد من هذه الأجناس

стр. 951

يقوم مقام الآخر. ويرى أحمد ومعه أبو يوسف ومحمد أن الدية تجب فى ستة أجناس: الإبل والذهب والفضة والبقر والغنم والحُلَل (١) . وكان الشافعى يرى قديمًا رأى مالك وأبى حنيفة ثم عدل عنه وقال: إن الدية تجب فى جنس واحد هو الإبل، وأساس رأى الشافعى الأخير أن الإبل هى الأصل فى الدية، وأن ما عدا الإبل من الذهب أو الفضة أو غيرها أبدال تزيد وتنقص بحسب زيادة قيمة الإبل ونقصها وليست هذه الأبدال أصولاً ثابتة كالإبل. وحجة الشافعى حديث الزهرى قال: "كانت الدية على عهد رسول الله ﷺ مائة من الإبل، قيمة كل بعير أوقية، ثم غلت قيمة الإبل فصارت قيمة كل بعير أوقية ونصفًا ثم غلت فصارت قيمة كل بعير أوقيتين، فما زالت تغلو حتى جعلها عمر عشرة آلاف درهم أو أربعمائة دينار" ويستدل الشافعى على أن الأصل هو الإبل بأن التغليظ جاء فى الإبل لا فى غيرها فلو كان غيرها أصولاً لجاء فيها التغليظ أيضًا (٢) . وباقى الفقهاء يسلمون بأن الإبل هى الأصل فى الدية، وأن تقدير الذهب والفضة وغيرها روعى فيه وقت التقدير قيمة الإبل، ولكنهم لا يعتبرون ما عدا الإبل أبدالاً عنها، ويرون أن الذهب والفضة أصبحت أصولاً، أو يرون أنها والدية جميعًا أبدال من التلف وهو القتيل فصفتها واحدة ولا يتميز جنس منها عن جنس. وأهمية اعتبار أحد هذه الأجناس أصلاً أو عدم اعتباره تظهر عند تسليم

стр. 952

الدية، فإذا اعتبرت الإبل والذهب والفضة والبقر والغنم والحلل أصولاً لم يكن لولى الدم أن يمتنع عن تسلم أى شئ منها أحضره من عليه الدية، ويلزم الولى بأخذه دون أن يكون له المطالبة بغيره لأنها جميعًا أصول فى قضاء الواجب يجزى واحد منها، فالخيرة فيها لمن وجبت عليه الدية لا لمن وجبت له. أما إذا قيل إن الإبل هى الأصل خاصة فعلى القاتل تسليمها للولى سليمة من العيوب، وأيهما أراد العدول عنها إلى غيرها فللآخر منعه لأن الحق متعين فيها، وإذا أعوزت الإبل ولم توجد فعلى القاتل ثمنها مهما بلغت قيمة الإبل ولو زادت على ألف دينار أو اثنى عشر ألف درهم. وكان رأى الشافعى قديمًا كرأى مالك وأبى حنيفة يقضى فى حالة إعواز الإبل بدفع ألف دينار أو اثنى عشر ألف درهم لأنه كان يعتبر الإبل والذهب والفضة أصولاً كلها، وإذا قلت قيمة الإبل بحسب رأى الشافعى ولم تصل إلى ألف دينار فالولى ملزم بأخذها مهما قلت قيمتها لأن ما ضمن بنوع من المال وجبت قيمته كذوات الأمثال، ولأن حق الولى يتعين فى الإبل دون غيرها فليس له أن يطالب بأكثر منها (١) . ٢٠٧ - مقدار الواجب من كل جنس: الواجب من الإبل هو مائة من الإبل، ومن الذهب ألف دينار والدينار مثقال من الذهب، ومن الورق اثنا عشر ألف درهم طبقًا لرأى مالك وأحمد ورأى الشافعى القديم وعشرة آلاف درهم طبقًا لرأى أبى حنيفة، وأساس الخلاف أن الفريق الأول يجعل الدينار اثنى عشر درهمًا والفريق الثانى يجعله عشرة دراهم، ومن البقر مائتا بقرة ومن الغنم ألفان ومن الحلل مائتا حلة. ونلاحظ مما ذكرنا عن الاتفاق والاختلاف على تقدير هذه الأجناس. ٢٠٨- على من تجب الدية فى القتل العمد: من المتفق عليه أن دية القتل العمد تجب فى مال القاتل فلا يحملها غيره عنه، وهذا يتفق مع مبادئ

стр. 953

الشريعة العامة التى تقضى بأن بدل التلف يجب على المتلف وأن أرش الجناية على الجانى، ويتفق مع قول الرسول ﵇: " لا يجنى جان إلا على نفسه " والواقع أن الجناية هى أثر فعل الجانى فيجب أن يختص بضررها كما يختص بنفعها. مقدار ما يلزم به القاتل عن التعدد: إذا تعدد الجناة ولم يكن قصاص فعليهم دية واحدة للقتيل تقسم عليهم بحسب عددهم ولا يلتزم كل منهم بدية مستقلة، وإذا عفى عن بعض الجناة على الدية واقتص من البعض الآخر فعلى المعفو عنهم كل منهم حصته فقط من الدية مقسمة على عدد رءوس القاتلين من اقُتص منه ومن عُفى عنه. وإذا نتج الموت من عدة أسباب كأن طعنه شخص عمدًا برمح وأصابه آخر خطأ وعقرته دابته بعد ذلك فمات من هذه الحالات الثلاثة، فعلى المتعمد ثلث الدية بغض النظر عن عدد ما أحدثه من إصابات، ولا يلتزم كل واحد من القاتلين بدية مستقلة حال العفو أو امتناع القصاص ولو أن عليهم القصاص جميعًا؛ ذلك لأن القصاص عقوبة على الفعل فيتعدد بتعدد الفاعلين، أما لدية فبدل المحل المتلف وهو واحد (١) . ٢٠٩ - ولكن الفقهاء مع هذا اختلفوا فيمن يحمل دية القتيل إذا كان القاتل حدثًا صغيرًا أو مجنونًا فرأى مالك وأبو حنيفة وأحمد أن الدية الواجبة على الصغير والمجنون تحملها العاقلة ولو تعمد الفعل لأنهم يرون أن عمد الصغير والمجنون خطأ لا عمدًا إذ لا يمكن أن يكون لهما قصد صحيح فألحق عمدهما بالخطأ. وفى مذهب الشافعى رأيان: أحدهما يتفق مع رأى باقى الأئمة وهو المرجوح، والثانى: يرى أن عمد الصغير والمجنون عمد لأنه يجوز تأديبهما على القتل العمد وإن كان لا يمكن القصاص منهما فكان عمدهما عمدًا كالبالغ العاقل، وعلى هذا تجب الدية فى مالهما (٢) .

стр. 954

٢١٠- أوصاف الإبل فى دية العمد: يرى مالك وأبو حنيفة وأحمد أن الدية فى القتل العمد مائة من الإبل، تقسم أربعًا: خمسًا وعشرين بنات مخاض، وخمسًا وعشرين بنات لبون، وخمسًا وعشرين حقَّة، وخمسًا وعشرين جَذَعة. ويرى الشافعى ومحمد بن الحسن من فقهاء مذهب أبى حنيفة ولأحمد رأى يتفق معهما أن دية العمد مائة من الإبل مثلثة، ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خَلفة فى بطونها أولادها، وحجة هؤلاء ما روى عمرو بن شعيب أن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوه وإن شاءوا أخذوا الدية وهى ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم". وما رواه عبد الله بن عمرو من أن رسول الله قال: "ألا إن فى قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون خلفة فى بطونها أولادها". وما رواه عمرو بن شعيب من أن رجلاً يقال له قتادة حذف ابنه بالسيف فقتله فأخذ عمر منه الدية ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خَلفة (١) ، والخلفة الحامل، وقول الرسول ﷺ : "فى بطونها أولادها" تأكيد، وقلما تحمل إلا ثَنيَّية وهى التى لها خمس سنين ودخلت فى السادسة، وأى ناقة حملت فهى خلفة تجزئ فى الدية ولو لم تبلغ السن؛ لأن لفظ خلفه مطلق، ولو أسقطت قبل قبضها فعلى القاتل بدلها. ٢١١- هل تغلظ الدية من العمد؟: يرى مالك تغليظ الدية من العمد فى حالة واحدة هى قتل الوالد لولده ففى هذه الحالة تغلظ الدية وتكون مثلثة بدلاً من كونها مربعة، ويلزم القاتل بمائة من الإبل ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة (٢) فإن لم تكن إبل فالتغليظ من الذهب أو الفضة وذلك بأن ينظر قيمة الإبل متغلظة وقيمتها غير مغلظة والفرق بينهما ثم تضاف مثل نسبة

стр. 955

هذا الفرق على الذهب أو الفضة، فمثلاً إذا كانت قيمة الدية من الإبل مخفضة ستمائة وقيمتها مغلظة ثمانمائة فالفرق بينهما يساوى ثلث المخفضة فيضاف على الذهب أو الورق ما يساوى ثلثه. ويرى أحمد أن الدية تغلظ فى العمد لأسباب ثلاثة هى: القتل فى الحرم، والقتل فى الشهور الحرم، وقتل المحرم. واختلفوا فى المذهب فى التغليظ لقتل ذى رحم محرم، وصفة التغليظ عند أحمد أن يضاف لكل واحد من أسباب التغليظ ثلث الدية فإذا اجتمعت الأسباب الثلاثة وجبت ديتان. ولا يرى الشافعى التغليظ فى العمد وإنما يراه فى الخطأ كما سنرى فيما بعد. وقد احتج عليه فقهاء مذهب أحمد بأنه إذا جاز التغليظ فى الخطأ فهو فى العمد أولى. والظاهر أن الشافعى لم ير التغليظ فى العمد لأنه جعل دية العمد مغلظة إذ جعلها مثلثة بينما جعلها أحمد مربعة (١) ، ولا يرى أبو حنيفة التغليظ فى العمد لأنه يرى دية العمد مغلظة بالنسبة لغيرها إذ هى مربعة بينما دية الخطأ مخمسة، ولأنها فى مال الجانى بينما دية الخطأ على العاقلة (٢) . ٢١٢- وقت الدية فى العمد: يرى مالك والشافعى وأحمد أن الدية فى العمد تجب حالَّة غير مؤجَّلة، إلا إذا رضى ولى الدم بالتأجيل فيكون التأجيل مرجعه الاتفاق، وحجتهم أن الدية فى العمد بدل القصاص وهو حالٌّ فتكون مثله حالة، ولأن فى التأجيل تخفيفًا والعامد لا يستحق التخفيف (٣) . ويرى أبو حنيفة أن دية العمد تجب مؤجلة لثلاث سنوات كما هو الأمر فى دية الخطأ ويكفى العامد تغليظًا بتثبيت الدية وجعلها فى ماله (٤) . ٢١٣- هل تتساوى الديات لكل الأشخاص؟: تختلف الديات لسببين، أولهما: الجنس، وثانيهما: التكافؤ. والأول متفق عليه والثانى مختلف فيه، وفيما عدا

стр. 956

هذين السببين فلا اختلاف. فدية الصغير كدية الكبير، ودية الضعيف كدية القوى، ودية المريض كدية الصحيح، ودية المتعلم كدية الجاهل، ودية الشريف كدية الوضيع. ٢١٤- الجنس: اتفق الفقهاء على أن دية المرأة فى القتل نصف دية الرجل أخذًا بما نسبه الرسول حيث كتب فى كتاب عمرو بن حزم: دية المرأة على النصف من دية الرجل. وقد أجمع الصحابة على هذا فيروى عن عمر وعلى وعثمان وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت رضوان الله عليهم أنهم قالوا: إن دية المرأة على النصف من دية الرجل، ولم ينقل أن أحدًا أنكر عليهم فيكون إجماعًا ولأن المرأة فى ميراثها وشهادتها على النصف من الرجل فكذلك فى ديتها (١) . ٢١٥- التكافؤ: أساس التكافؤ عند من يقول به من فقهاء الشريعة الحرية والإسلام، فإذا تكافأ الأشخاص فقد تساوت دياتهم ولا عبرة بما بينهم من اختلافات طبيعية أو غير طبيعية، ولقد ألغى الرق من العالم فلا محل للكلام على الحرية ولكننا نستطيع أن نلخص رأى الفقهاء فى ذلك فنقول: إنهم كانوا يجعلون دية الرقيق قيمته التى يساويها وقت القتل، فإن كانت أكثر من دية حر فهى ديته وإن كانت أقل فهى ديته. أما الإسلام فلا يراه أبو حنيفة مانعًا من التكافؤ لأن أساس التكافؤ عنده الحرية فقط، ومن ثم فدية المسلم عنده تساوى دية غير المسلم سواء كان كتابيًا أو غير كتابى كالمجوسى وعابد الوثن أو الشمس، وحجة أبى حنيفة أن الله تعالى قال: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢] فأطلق القول فى الدية فى جميع أنواع القتل من غير فصل فدل أن الواجب فى الكل على قدر واحد، كذلك فإن الرسول ﵇ جعل دية كل ذى عهد فى عهده ألف دينار. وروى أن عمرو بن أمية الضمرى قتل منافقين فقضى رسول الله ﷺ

стр. 957

فيهما بدية حرين مسلمين. وعن الزهرى أنه قال: قضى أبو بكر وعمر فى دية الذمى بمثل دية المسلم. وروى عن ابن مسعود أنه قال: دية أهل الكتاب مثل دية المسلمين. ثم إن وجوب كمال الدية أساسه كمال حال القتيل، فما رجع إلى أحكام الدنيا وهى الذكورة والحرية والعصمة وقد وجد كل هذا، أما الكفر فلا يؤثر فى أحكام الدنيا (١) . ويرى مالك والشافعى وأحمد أن دية الكتابى على النصف من دية المسلم، وأن دية نسائهم على النصف من دياتهم، وحجتهم ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﵇ قال: "دية المعاهد نصف دية المسلم " وفى لفظ آخر: "عقل الكتابى نصف عقل المسلم " ويرى أحمد وحده أن المسلم إذا قتل ذميًا تضاعف عليه الدية فتكون دية الذمى دية كاملة، وحجته أن عثمان قضى بهذا فى رجل قتل رجلاً من أهل الذمة. ودية المجوس عند الأئمة الثلاثة ثمانمائة درهم ونساؤهم على النصف من دياتهم، وعبده الأوثان ومن لا كتاب له فيلحقون بالمجوسيين (٢) ، وحجتهم أن بعض الصحابة قضى بهذا وأن المجوس ومن لا كتاب له أنقص مرتبة من الكتابى لنقصان دينه. ونظرية أبى حنيفة فى التسوية بين الأشخاص دون نظر إلى أديانهم متفق مع الاتجاهات الحديثة فى التشريعات الوضعية الحديثة، فهى تسوى بين الأشخاص ولو اختلفت أديانهم فى المسائل التى لا تبنى على الدين والمتعلقة بالدنيا. ثانيًا: التعزير: ٢١٦- يعتبر التعزير عقوبة بدلية فى القتل العمد: ويوجب مالك أن يعاقب القاتل تعزيرا كلما امتنع القصاص أو سقط عنه لسبب من الأسباب فيما عدا سقوطه بالموت طبعًا وسواء بقيت الدية أم سقطت هى الأخرى، ويرى أن

стр. 958

تكون العقوبة الحبس لمدة سنة والجلد مائة جلدة (١) . ولا يرى باقى الأئمة هذا ويقولون: إن هذا حق الله تعالى أى حق للجماعة بعد سقوط القصاص وهى تأديب للقاتل يرجع نفعه للناس كافة. ونقل ابن رشد عن أبى ثور أن القاتل إذا كان معروفًا بالشر وسقط القصاص عنه بسبب عفو ولى الدم فإن الإمام يؤدبه على قدر ما يرى. والأئمة الثلاثة لا يوجبون عقوبة معينة على القاتل إذا سقط القصاص أو عفى عنه ولكن ليس عندهم ما يمنع من عقاب القاتل عقوبة تعزيرية بالقدر الذى تراه الهيئة التشريعية صالحًا لتأديبه وزجر غيره. ويلاحظ الفرق الظاهر بين عقوبة التعزير التى تحل محل القصاص وبين عقوبة التعزير على جرائم الشروع فى القتل الخائبة، فالعقوبة فى الحالة الأولى بدلية وفى الحالة الثانية أصلية. كذلك هناك فرق بين عقوبة التعزير التى توقع على الشركاء وبين العقوبة فى الحالة الأولى، فعقوبة الشركاء أصلية لأن الشريعة لا تعاقب الشركاء بالقصاص ولا الدية وإنما تعاقبهم بالتعزير عدا ما يراه مالك فى حالة الاشتراك بالمساعدة، أما عقوبة التعزير فى الحالة الأولى فهى بدلية ولو أنها واقعة على الفاعل الأصلى. وليس فى الشريعة ما يمنع أن تكون عقوبة التعزير فى جريمة القتل الإعدام أو الحبس مدى الحياة. ثالثًا: الصيام: ٢١٧- الصيام عقوبة بدلية لعقوبة الكفارة الأصلية وهى العتق: ولا يجب الصيام إلا إذا لم يجد القاتل الرقبة أو قيمتها فاضلة عن حاجته، فإن وجدها فلا يجب الصيام عليه وإن لم يجد وجب عليه الصيام. ٢١٨- ومدة الصوم شهران ويشترط فى الصيام أن يكون متتابعًا: فإذا كان متفرقًا لم يجزئ وتحتسب المدة بالأهلَّة إذا صام من أول الشهر ولو

стр. 959

كان أحد الشهرين ناقصًا، فإذا صام من وسط الشهر تحتسب المدة بالأيام باعتبار الشهر ثلاثين يومًا (١) . ٢١٩- وإذا لم يستطع الصوم لمرض أو كبر: فيرى مالك وأبو حنيفة وبعض فقهاء مذهبى الشافعى وأحمد أن الصوم يثبت فى ذمته وليس عليه شئ آخر بدلاً من الصوم. ويرى بعض فقهاء مذهبى الشافعى وأحمد أن عليه إطعام ستين مسكينًا قياسًا على كفارة الظهار، فقد نُص فيها على العتق وعلى الصيام ثم الإطعام عند العجز عن العتق والصيام (٢) . ٢٢٠- ولا يجب الصيام أصلاً إلا على بالغ عاقل (٣) : وترتب على هذا أن الصيام يجب تأخيره لحين البلوغ أو الإفاقة عند من يقول بأن الكفارة واجبة على الصبى والمجنون. * * * العقوبات التبعية للقتل العمد ٢٢١- العقوبات التبعية للقتل عقوبتان: الأولى: الحرمان من الميراث، الثانية: الحرمان من الوصية. أولاً: الحرمان من الميراث ٢٢٢- الأصل فى ذلك قوله ﵇: "ليس للقاتل شئ من الميراث، وليس للقاتل ميراث بعد كصاحب البقرة". وقد اختلف الفقهاء فى تطبيق النص اختلافًا كبيرًا بحيث لا يتفق مذهبان فى هذه المسالة.

стр. 960

٢٢٣- فالإمام مالك يرى أن القتل المانع من الميراث هو القتل العمد، سواء كان القتل مباشرة أو تسببًا وسواء اقتص من القاتل أو درئ عنه القصاص بسبب ما. ويلاحظ أن القتل العمد عند مالك يشمل شبه العمد أيضًا لأنه يقسم القتل إلى عمد وخطأ. أما القتل الخطأ عند مالك فلا يحرم القاتل من ميراث المقتول وإنما يحرمه فقط من الدية التى وجبت بالقتل. واختلف فى مذهب مالك فى الصغير والمجنون إذا قتلا عمدًا هل يمنعان من الميراث أم لا؟ فرأى البعض أن لا يمنعا من الميراث لأن عمدهما كخطئهما، ولرأى البعض حرمانهما من الميراث، وهو الراجح فى المذهب. وإذا كان القتل عمدًا ولكنه غير عدوان فلا يحرم من الميراث كالقتل دفاعًا عن النفس، فمن قتل ولده دفاعًا عن نفسه يرث ولده، والحاكم الذى ينفذ القصاص أو الحد على ولده يرثه (١) . ٢٢٤- ويرى أبو حنيفة: أن القتل العمد، والقتل شبه العمد، والقتل الخطأ وما جرى مجرى الخطأ - كل هذه الأنواع من القتل تحرم القاتل من الميراث بشروط: أولها: أن يكون القتل مباشرًا فإن كان القتل بالتسبب فلا حرمان من الميراث ولو كان القتل عمدًا. وثانيها: أن يكون القاتل بالغًا عاقلاً، فإن كان صغيرًا أو مجنونًا فلا حرمان. وثالثها: أن يكون القتل فى العمد وشبه العمد عدوانًا فإن كان بحق كالقتل دفاعًا عن النفس فلا يكون القتل مانعًا من الميراث (٢) . ٢٢٥- واختلف أصحاب الشافعى: فمنهم من فرق بين القتل المضمون وبين القتل غير المضمون ورأى الحرمان من الميراث إذا كان القتل مضمونًا لأنه

стр. 961

قتل بغير حق، أما القتل غير المضمون فلا يمنع من الميراث لأنه قتل بحق. ومنهم من قال: إن كان متهمًا باستعجال الميراث حرم من الميراث كما فى القتل الخطأ وكما لو حكم حاكم فى الزنا على أساس البينة على مورثه فإنه يحرم لأنه متهم فى قتله لاستعجال الميراث، وإن لم يكن متهمًا باستعجال الميراث فلا حرمان لو حكم عليه فى الزنا بإقراره. والرأى الراجح فى المذهب غير هذين: وهو أن القاتل يحرم من الإرث فى كل حال سواء كان القتل عمدًا أو شبه عمد أو خطأ وسواء كان مباشرة أو تسببًا، وسواء كان القتل بحق أو بغير حق، وساء كان القاتل بالغًا عاقلاً أو صغيرًا مجنونًا، وأصحاب هذا الرأى يرون أن الحرمان من الميراث قصد به سد الذرائع ومنع المورث من استعجال الميراث (١) . ٢٢٦- ويرى أحمد أن القتل المضمون هو القتل المانع من الإرث، سواء كان عمدًا أو شبه عمد أو خطأ وسواء كان مباشرة أو تسببًا، وسواء كان من صغير أو مجنون أو من بالغ عاقل، أما القتل غير المضمون فلا يمنع من الميراث كالقتل دفاعًا عن النفس والقتل قصاصًا. ويعللون حرمان الصبى والمجنون من الميراث مع أن كليهما ليس أهلاً بأن ما فعله أحدهما هو فعل محرم لكنه لم يعاقب عليه عقوبة الحد لقصور أهليته، وامتناع القصاص لقصور الأهلية لا يمنع من حرمان الميراث، بل إن الاحتياط يقتضى المنع من الميراث صونًا للدماء (٢) . * * * ثانيًا: الحرمان من الوصية ٢٢٧- الأصل فى الحرمان من الوصية قول الرسول ﷺ : "لا وصية لقاتل"، "ليس لقاتل شئ" وذكره "الشئ" نكرة فى محل النفى يعم الميراث والوصية جميعًا.

стр. 962

وقد اختلف الفقهاء فى تفسير هذين النصين وتطبيقهما: ٢٢٨- ففى مذهب مالك يفرقون بين القتل العمد والخطأ كما فرقوا فى الميراث، ويتفقون على أن القتل الخطأ لا يصلح سببًا للحرمان من الوصية، فالقاتل خطأ تصح الوصية له فى المال ولو لم يكن المقتول عالمًا بأنه هو قاتله، فإن علم بأنه قاتله وأوصى له صحت الوصية فى المال وفى الدية. ولكنهم اختلفوا فى القتل العمد. فرأى بعضهم أن الوصية لا تصح إذا كان المقتول لا يعلم أن الموصى له قاتله، فإن علم بأنه قاتله وأوصى له بعد الجناية فالوصية تصح فى المال ولا تصح فى الدية، لأن الدية مال لم يجب إلا بالموت. وعلى هذا إذا كانت الوصية قبل الجريمة فإنها تبطل بارتكاب جريمة العمد إلا رأى المقتول البقاء على الوصية. ويرى البعض الآخر أن الوصية تصح للقاتل عمدًا سواء علم الوصى بأنه قاتله أو لم يعلم، ويستوى عند أصحاب هذا الرأى أن تكون الوصية قبل القتل أو بعده فهى صحيحة فى الحالين (١) . ٢٢٩- ويرى أبو حنيفة حرمان القاتل من الوصية فى القتل العمد العدوانى وشبه العمد العدوانى والخطأ وما جرى مجرى الخطأ بشرط أن يكون القتل مباشرًا لا قتلاً بالتسبب وأن يكون القاتل بالغًا عاقلاً، فإن كان القتل بالتسبب أو كان الإبل صغيرًا أو مجنونًا أو كان القتل ليس عدوانًا فلا يحرم من الوصية (٢) ويرى أبو حنيفة ومحمد أن الوصية تصح إذا أجازها الورثة، ويرى أبو يوسف أنها لا تصح للقاتل ولو أجازها الورثة؛ لأن المانع من الوصية هو القتل لا مصلحة الورثة والقتل لا ينعدم بإجازة الورثة. ٢٣٠- وفى مذهب الشافعى وأحمد نظريتان: أما الأولى: فيرى أصحابها أن الوصية لا تصح لقاتل، وأصحاب هذه النظرية ينقسمون بعد ذلك

стр. 963

إلى فريقين: فريق يرى أن الوصية لا تصح ولو أجازها الورثة لأن المانع من الوصية هو القتل لا مصلحة الورثة فإجازة الورثة تكون هبة مبتدئة ينبغى أن تتوفر فيها شروط الهبة، وفريق آخر يرى أن الوصية تصح بإجازة الورثة. والنظرية الثانية: يرى أصحابها أن الوصية صحيحة فى كل حال للقاتل دون حاجة لإجازة الورثة. * * * عقوبات القتل شبه العمد ٢٣١- العقوبات على القتل شبه العمد منها ما هو أصلى: وهو الدية والكفارة، ومنها ما هو بدل: وهو التعزير والصيام، ومنها ما هو تبعى: وهو الحرمان من الميراث والحرمان من الوصية. * * * العقوبات الأصلية أولاً: الدية: ٢٣٢- الدية: هى العقوبة الأصلية الأساسية للقتل شبه العمد، والأصل فيها قوله ﵊: "ألا إن فى قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل". وتعتبر الدية فى شبه العمد عقوبة أصلية لأنها ليست بدلاً من عقوبة أخرى، ولأنها العقوبة الأساسية لهذا النوع من القتل، ولكن الدية فى القتل العمد تعتبر عقوبة بدلية لا أصلية لأنها بدل من عقوبة القصاص وهى العقوبة الأصلية للقتل العمد. ٢٣٣- الأجناس التى تجب فيها دية القتل شبه العمد: تجب دية القتل شبه العمد فى نفس الأجناس التى تجب فيها الدية فى القتل العمد. فهى عند الشافعى تجب فى الإبل وحدها، وعند مالك وأبى حنيفة تجب فى ثلاثة أجناس هى: الإبل والذهب والفضة، وعند أحمد وأبى يوسف ومحمد تجب فى ستة أجناس هى: الإبل والذهب والفضة والشعير والغنم والحلل.

стр. 964

وقد بينا أسباب هذا الخلاف وسند كل فريق وأهمية هذا الخلاف، وما قلناه عن هذا كله فى دية القتل العمد يغنى عن إعادته هنا (١) . ٢٣٤- مقدار الواجب من كل جنس: المقدار الواجب من كل جنس فى دية شبه العمد هو نفس المقدار الواجب فى دية القتل العمد، وقد سبق أن ذكرنا ما فيه الكفاية بمناسبة الكلام عن دية القتل العمد (٢) . ٢٣٥- هل تتساوى الديات لكل الأشخاص؟: تختلف الديات لسببين؛ أولهما: الجنس، وثانيهما: التكافؤ، والأول متفق عليه والثانى مختلف فيه، وقد تكلمنا عن هذا الموضوع بما فيه الكفاية فى الفقرة (٢١٢) وما قيل هناك هو ما يمكن أن يقال هنا. ٢٣٦- أوصاف الإبل فى دية شبه العمد: هى نفس أوصافها فى دية العمد على الخلاف والوفاق إلى سبق ذكره هناك، مع ملاحظة أن شبه العمد يدخل فى العمد عند مالك إلا ما كان على وجه العب أو التأديب لأن القتل عنده إما عمد وإما خطأ. ٢٣٧- هل تغلظ الدية فى شبه العمد؟: لا يرى التغليظ فى شبه العمد إلا أحمد للأسباب التى بيناها عند الكلام على التغليظ فى دية العمد، وصفة التغليظ وكيفيته هناك هى صفته وكيفيته هنا. ومن يقول من المالكية بشبه العمد يرى أن الدية تغلظ فى شبه العمد وهو ضرب المؤدب والأب ولده والأم والأجداد وفعل الطبيب والخاتن وهو كل من جاز فعله شرعًا، وقيل: اللطمة والوكزة والرمية والحجر والضرب بعصاة متعمدًا فهذا شبه العمد وتكون فيه دية مغلظة على الجانى وليست على العاقلة (٣) ، والرأى المشهور فى مذهب مالك أنه لا يعرف شبه العمد.

стр. 965

٢٣٨- على من تجب دية شبه العمد؟: يرى أبو حنيفة والشافعى وأحمد وهم القائلون بالقتل شبه العمد أن دية شبه العمد تجب على العاقلة وليست فى مال الجانى، ويخالفهم فى هذا ابن سيرين والزهرى والحارث العكلى وابن شبرمة وقتادة وأبو ثور وأبو بكر الأصم، ويرون أن دية القتل شبه العمد على القاتل فى ماله لأنها موجب فعله الذى تعمده فلا تحمله عنه العاقلة كما هو الحال فى العمد المحض، وهذا هو مقتضى مذهب مالك، لأن شبه العمد عنده فى حكم العمد، وهو يجعل الدية فى العمد فى مال القاتل، فكأن ما يعتبر شبه عمد عند مالك إذا وجبت فيه الدية وجبت فى مال القاتل لا فى مال العاقلة (١) . وحجة القائلين بتحميل الدية العاقلة ما رواه أبو هريرة قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلها وما فى بطنها، فقضى رسول الله ﷺ بدية المرأة على عاقلتها" أى على عاقلة الجانية. ويقولون إن القتل العمد يختلف عن القتل شبه العمد، ففى الأول يقصد الجانى الفعل ويقصد القتل فغلظ على الجانى من كل وجه أما فى الثانى فيقصد الجانى الفعل ولا يقصد القتل، فغلظ عليه من وجه حيث جعلت عليه الدية مغلظة كما هو الحال فى دية العمد، وخففت عليه من وجه لأنه لا يقصد القتل وجعلت الدية على العاقلة كما هو الحال فى القتل الخطأ. هل تجب الدية على الجانى ابتداء أم على العاقلة؟: اختلفوا فى التصوير القانونى لتحميل الدية، ففى مذهب الشافعى وأحمد أنها تجب على العقلة ابتداء ولا تجب على الجانى لأنه لا يطالب بها غيرهم ولا يعتبر تحملهم ورضاهم بها، فهم ملزمون رضوا أم لم يرضوا ولا تجب على غيرهم، والأرجح فى المذهب أنها تجب ابتداء على الجانى لأنه هو الذى ارتكب الجناية ثم تنتقل منه إلى العاقلة تخفيفًا عنه ومناصرة له، ولأن حفظ القاتل فى الواقع واجب على عاقلته فإذا لم يحفظوه فقد فرطوا، وهذا التفريط يقتضى منهم أن يتحملوا بعض نتائج ذنبه، خصوصًا وأن القاتل يقتل بظهر عشيرته فكانوا كالمشاركين له فى القتل وعلى هذا الرأى أبو حنيفة ومالك (٢) .

стр. 966

وتظهر نتيجة الفرق بين الرأيين إذا لم يكن للجانى عاقلة، أو كان له ولكنها لا تستطع حمل الدية فإن أخذنا بالرأى الأول وجب ألا يرجع على الجانى بالدية، وإن أخذنا بالرأى الثانى وجب أن يرجع عليه بها؛ لأنه هو الجانى المسئول عن الدية أصلاً (١) . ٢٣٩- متى تؤدى دية شبه العمد؟: من المتفق علبه الأئمة الثلاثة أن دية شبه العمد ليست حالَّة وأنها تجب مؤجلة فى ثلاث سنوات فيؤدى فى آخر كل حول ثلثها ويعتبر بدء السنة عند الشافعى وأحمد من اليوم الذى تجب فيه الدية وهو يوم الموت ويرى أبو حنيفة أن السنة تبدأ من يوم الحكم بالدية لا من يوم الموت. وهذا هو ما يراه مالك فى دية الخطأ (٢) . وإذا كان الواجب دية واحدة فإنها تقسم فى ثلاث سنين فى كل سنة ثلثها، فإذا كان الواجب على شخص واحد أكثر من دية كأن قتل شخصين مثلاً فعليه لكل واحد منهما ثلث الدية فى كل سنة؛ لأن لكل واحد منهما دية مستقلة فيستحق ثلثها كما لو انفرد حقه، ولو وجبت الدية على عواقل كثيرة فإذا قتل عشرة مثلاً شخصًا وجبت الدية على عواقلهم وقُسط نصيب كل عاقلة على ثلاث سنوات. وفى الدية الناقصة كدية المرأة وجهان: أحدهما: أنها تقسم على ثلاث سنين لأنها بدل النفس فأشبهت الدية الكاملة فتأخذ حكمها، وثانيهما: الدية الناقصة يجب فيها فى العام الأول قدر ثلث الدية الكاملة وباقيها فى العام الثانى. والوجة الأول يقول به بعض الفقهاء فى مذهب الشافعى وأحمد (٣) والثانى مذهب أبى حنيفة ويقول به بعض الفقهاء فى مذهب الشافعى وأحمد. ويرى مالك التأجيل على ثلاث سنوات فى الدية الكاملة، أما الدية الناقصة ففيها آراء مختلفة؛ منها أنها حالَّة ومنها أنها تؤجلَّ على أن ما يدفع لا يقل عن ثلث الدية الكاملة (٤) .

стр. 967

وإذا وجبت الدية بالصلح فهى حالَّة فى مال الجانى ما لم يكن هناك شرط بتأجيلها، وإذا وجبت بإقرار الجانى فيرى أبو حنيفة أنها تجب مؤجلة، ويرى أحمد أنها تجب حالة وهو رأى الشافعى ومالك (١) . ٢٤٠- هل تحمل العاقلة كل الدية فى القتل شبه العمد؟: يرى أحمد أن العاقلة لا تحمل ما دون ثلث الدية الكاملة فإن بلغ الثلث أو زاد عليها حملته العاقلة، وحجته ما روى عن عمر أنه قضى فى الدية أن لا يحمل منه شئ حتى تبلغ عقل المأمومة (عقل المأمومة ثلث الدية) ولأن مقتضى الأصل وجوب الضمان على الجانى لأنه موجب جنايته وبدل متلفه، فكان عليه كسائر الجنايات والمتلفات، وإنما خولف فى القلق فصاعدًا تخفيفًا عن الجانى لكونه كثيرًا يجحف به (٢) . ويرى أبو حنيفة أن العاقلة لا تحمل ما دون نصف عشر الدية الكاملة ويحمله الجانى، فإن بلغ نصف عشر الدية حملته العاقلة، وحجته ما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تعقل العاقلة عمدًا - إلى قوله - ولا ما دون أَرْش المُوضحة" (أرش الموضحة نصف عشر الدية الكاملة) (٣) . ويرى الشافعى أن العاقلة تحمل الجميع ما قل أو كثر من الدية؛ لأن ما ألزم بالكثير ألزم بالقليل من باب أولى (٤) . ويرى مالك أن الدية إذا بلغت ثلث دية المجنى عليه أو الجانى حملتها العاقلة فإذا كانت دون الثلث فهى على الجانى وحده (٥) ، وفى المذهب رأى بأن العاقلة لا تحمل إلا ما زاد على الثلث، ومقتضى هذا الرأى أن الثلث يحمله الجانى وينظر فى هذا إلى مصلحة الجانى فإن كانت ديته أقل اعتبرت دون دية المجنى عليه، فلو جنى مسلم على مجوسية ما يبلغ ثلث ديتها أو ثلث ديته حملته عاقلته، ولو جنى

стр. 968

مجوسى أو مجوسية على مسلم ما يبلغ ثلث دية الجانى حملته العاقلة ولو كان أقل من ثلث دية المجنى عليه، ويجعل مالك وأحمد ما لا تحمله العاقلة حالاً لا مؤجلاً، أما أبو حنيفة فالديات كلها مؤجلة عنده (١) . وإذا حملت العاقلة الدية فيرى أبو حنيفة ومالك أن يتحمل الجانى من الدية ما يحمله أفراد العاقلة، أما الشافعى وأحمد فيريان أن لا يحمل الجانى شيئًا. ويرى مالك أن يتحمل الجانى مع العاقلة. وتظهر أهمية هذه الآراء المختلفة إذا ما أخذنا بالرأى القائل بأن الديات تتفاوت بحسب الدين، فإن دية المجوسى وعابد الوثن أقل من ثلث الدية فلا تحملها عنه العاقلة. فإن دية المجوسى وعابد الوثن اقل من ثلث الدية فلا تحملها عنه العاقلة. طبقًا لرأى أحمد، وهى أكثر من نصف العشر لأنها ١/١٥ من الدية فتحملها العاقلة طبقًا لرأى أبى حنيفة والمرأة المجوسية ديتها تبلغ ١/٣٠ فلا تحملها العاقلة فى رأى أبى حنيفة، وأحمد ولكن تحملها طبقًا لرأى الشافعى، والكتابية ديتها ١/٤ الدية الكاملة فلا تحملها العاقلة طبقًا لرأى أحمد وتحملها طبقًا لرأى أبى حنيفة والشافعى. ٢٤١- هل تتحمل العاقلة الديات عن الإمام والحاكم؟: من المتفق عليه أن ما يجب على الإمام والحاكم فى عير الحكم والاجتهاد فهو على العاقلة إذا كان مما تحمله العاقلة، أما ما وجب عليه بسبب الحكم والاجتهاد ففيه نظريتان فى مذهب الشافعى وأحمد: الأولى: أنه على عاقلته؛ لما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه بعث إلى امرأة ذكرت بسوء فأجهضت جنينها، فقال عمر لعلى: عزمت عليك لا تبرح حتى تقتسمها - أى الدية - على قومك. ولأن الحاكم جان فكان خطؤه على عاقلته كغيره. الثانية: أنه فى بيت المال؛ لأن الخطأ يكثر فى أحكامه واجتهاده فإيجاب العقل على عاقلته مجحف بهم، ولأنه نائب عن الله تعالى فى أحكامه وأفعاله فكان

стр. 969

أرش جنياته فى مال الله. وأبو حنيفة من القائلين بالوجه الثانى (١) ومالك من القائلين بالوجه الأول. ٢٤٢- العاقلة: العاقلة من يحمل العقل، وسميت عقلاً وهى الدية لأنها تعقل لسان ولى المقتول، وقيل: إنها سميت العاقلة لأنهم يمنعون عن القاتل، والعقل هو المنع. ولا خلاف فى أن العاقلة هم العصبات وأن غيرهم كالإخوة لأم وسائر ذوى الأرحام والزوج ليسوا من العاقلة. ومذهب الشافعى أن الأب والجد والابن وابن الابن لا يدخلون فى العاقلة، وهو رأى أحمد، وحجته ما رواه أبو هريرة عن الرسول ﵇ قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى فقتلتها فاختصموا إلى رسول الله لى الله عليه وسلم فقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ". وفى رواية " ثم ماتت القاتلة فجعل النبى ميراثها لبنيها والعقل على العصبة " ولأن مال ولده ووالده كماله، ولهذا لم تقبل شهادتهما له. والدية جعلت على العاقلة إبقاء على القاتل وتخفيفًا له فلو جعلناها على الأب والابن أجحفنا به لأن مالهما كماله (٢) . ومذهب مالك وأبى حنيفة وهو رأى لأحمد: أن الأباء والأبناء من العاقلة؛ لأن العقل أساسه التناصر وهم من أهله، ولأن العصبة فى تحمل العقل كَهُمْ فى الميراث فى تقديم الأقرب فالأقرب وآباؤه أقرب الناس إليه فكانوا أولى بتحمل عقله، ولأن الرسول ﷺ قضى - كما روى عمرو بن شعيب - بأن عقل المرأة بين عصبتها [من كانوا لا يرثون شيئًا إلا ما فضل عن ورثتها] وإن قتلت فعقلها بين ورثتها (٣) . ويدخل فى العاقلة سائر العصبات مهما بعدوا لأنهم عصبة يرثون المال إذا لم

стр. 970

يكن وارث أقرب منهم، ولا يشترط أن يكونوا وارثين فى المال بل متى كانوا يرثون لولا الحجب عقلوا. وقد كان العقل قبل خلافة عمر رضى الله عنه بالتعصيب فلما وضع الديوان جعل العقل على أهل ديوان القاتل، وهم المقاتلة من الرجال البالغين ومن ثم يرى أبو حنيفة أن عاقلة الشخص أهل ديوانه ولكنه يقول: إن العاقلة هى العصبة إذا لم يوجد الديوان، واليوم لا ديوان فالعاقلة دون شك هم العصبة، ويرى مالك أن العاقلة هى العصبة ولكنه يجعل أهل الديوان مع العصبة ويبدأ بهم فى تقسيم الدية، أما الشافعى وأحمد فلا يريان أهل الديوان من العصبة. ويشترك فى العقل الحاضر والغائب من العصبة طبقًا لرأى أبى حنيفة وأحمد؛ لأن الغائبين استووا مع الحاضرين فى التعصيب والإرث فاستووا فى تحمل العقل كالحاضرين، ولأنه معنى تعلق بالتعصيب فاستوى فيه الحاضر والغائب، ويرى مالك أن يخص العقل بالحاضر فقط لأن التحمل أساسه التناصر وهو بين الحاضر، وبعض الفقهاء فى مذهب الشافعى يأخذون بالرأى الأول والبعض يأخذون بالرأى الثانى (١) . وتقسم الدية على العاقلة مع مراعاة الأقرب فالأقرب ولا يُحمل العقل إلا من يعرف نسبه من القاتل أو يعلم أنه من قوم يدخلون كلهم فى العقل، ومن لا يعرف منه ذلك لا يحمل وإن كان من قبيلته فلو كان القاتل قرشيًا لا يلزم قريشًا كلهم التحمل فإن قريشًا وإن كانوا كلهم يرجعون لأب واحد إلا أن قبائلهم تفرقت وصار كل قوم ينتسبون لأب يتميزون به، فيعقل عنهم من يشاركهم فى نسبهم إلى الأب الأدنى (٢) . ولا تُكلَّف العاقلة من المال ما يجحف بها ويشق عليها لأنه لزمها من غير جناية على سبيل المواساة للجانى والتخفيف عنه فلا يخفف عن الجانى بما يشق على غيره ويجحف به، ولو كان الإجحاف مشروعًا كان الجانى أحق به لأنه موجب جنايته وجزاء فعله، فإن لم يشرع فى حقه ففى حق غيره أولى.

стр. 971

واختلف الفقهاء فى مقدار ما يحمله كل فرد فقال مالك وأحمد: يترك الأمر للحاكم يفرض على كل واحد ما يسهل عليه ولا يؤذيه، وفى مذهب مالك رأى يفرض ربع دينار على كل شخص، وفى مذهب أحمد رأى آخر يفرض نصف مثقال على الموسر وربع مثقال على متوسط الحال، وهو مذهب الشافعى ويرى أبو حنيفة أن لا يزيد ما يؤخذ من الفرد عن ثلاثة دراهم أو أربعة، كما يرى التسوية بين الغنى والمتوسط (١) ، والقائلون بنصف دينار وربعه اختلفوا، فبعضهم يرى هذا القدر هو الواجب فى السنوات الثلاث، والبعض يراه الواجب سنويًا. والمفروض أن الدية تقسم على ثلاث سنوات، فالمبلغ المقدر على كل فرد هو أقصى القسط السنوى ويجب عليه فى آخر السنة، ومن مات أو افتقر أو جن قبل الحول لم يلزمه شئ من الدية؛ لأن تحميل الفقير إجحاف ولأن المرأة والصبى والمجنون ليسوا من أهل النصرة، ولكن هؤلاء إذا كانوا جناة يعقل عنهم. وإذا لم يكن للجانى عاقلة أصلاً، أو كان له عاقلة فقيرة، أو عددها صغير لا تحمل كل الدية، فهناك نظريتان: الأولى: يرى أصحابها أن يقوم بيت المال مقام العاقلة، فإذا لم يكن عاقلة أو كانت فقيرة أخذت الدية من بيت المال، وإن كانت عاقلة لا تحمل كل الدية أخذ باقيها من بيت المال، ويرى بعض أصحاب هذا الرأى أن ما يجب على بيت المال يدفع فورًا، لأن التأجيل للعاقلة قصد به التخفيف ولا حاجة للتخفيف إذا قام مقامها بيت المال، ويرى البعض أن الواجب يقسط على ثلاث سنوات على حسب المستحق على العاقلة، وأصحاب هذه النظرية مالك والشافعى، وهى ظاهر مذهب أبى حنيفة والراجح فى مذهب أحمد. الثانية: ويرى أصحابها أن الدية تجب على مال القاتل لا على بيت المال، لأن الأصل أن القاتل هو المسئول عن الدية، وإنما حملتها العاقلة للتناصر والتخفيف، فإذا لم تكن عاقلة يرد الأمر لأصله كذلك فإن فى بيت المال حقوقًا

стр. 972

للنساء والصبيان والمجانين والفقراء وهؤلاء لا عقل عليهم فلا يجوز صرف ما يستحقونه فيما لا يجب عليهم وهذه النظرية رواية عن أبى حنيفة لمحمد ورأى فى مذهب أحمد (١) . وإذا لم يمكن الأخذ من بيت المال، فيرى القائلون بأن الدية تجب ابتداء على العاقلة، وهم بعض الفقهاء فى مذهب الشافعى وأحمد، بأن الدية تسقط كلها إذا لم تكن عاقلة أو يسقط منها ما لم تحمله العاقلة إذا كان عددها صغيرًا، أما القائلون بأنها تجب على الجانى ابتداء فيرون إلزام الجانى بها أو بما بقى منها. وإذا أخذنا بالرأى القائل بأن الغنى يدفع نصف دينار سنويًا والمتوسط يدفع ربع دينار، وافترضنا أن الفقراء ضعف عدد الأغنياء ومتوسطى الحال وأن متوسطى الحال ضعف الأغنياء وأن النساء والصبيان ضعف عدد الرجال، فإنه يجب ألا يقل عدد أفراد العائلة عن تسعة آلاف نفس، وإذا طبقنا هذا على ما يقول به أو حنيفة من تحمل الشخص أربعة دراهم، وجب أن يصل أفراد العاقلة إلى عشرة آلاف نفس. وفى مذهب مالك يرى بعضهم أن أقل ما توزع عليهم الدية سبعمائة شخص، ويرى البعض أن أقلهم ألف، وإذا أخذنا بالفروض السابقة وصل عدد أفراد العاقلة إلى عشرة آلاف نفس. ٢٤٣- أهمية نظام العاقلة: بينا فى الجزء الأول أهمية نظام العاقلة وتحملها الدية ودللنا على أنه نظام عادل وإن كان يلوح فى ظاهر الأمر أنه يحمل الإنسان وزر غيره، وقلنا إننا لو أخذنا بالقاعدة العامة فيحمل كل مخطئ وزره لكانت النتيجة أن تنفذ العقوبة على الأغنياء وهم قلة ولامتنع تنفيذها على الفقراء وهم الكثرة، ويتبع هذا أن يحصل أولياء المجنى عليه أو هو نفسه على الدية كاملة إذا كان الجانى غنيًا وعلى بعضها إذا كان متوسط الحال، أما إذا كان الجانى فقيرًا

стр. 973

وهو كذلك فى أغلب الأحوال فلا يحصل المجنى عليه من الدية على شئ، وهكذا تنعدم المساواة والعدالة بين المتهمين كما تنعدم بين المجنى عليهم. وقلنا إن هذا النظام قصد به أن يحصل المجنى عليهم على حقهم كاملاً وأنه يحقق العدالة والمساواة على جميع الوجوه، وقلنا أكثر من ذلك فليراجعه من شاء. لكن هذا النظام على ما فيه من عدالة وتسوية بين المتهمين والمجنى عليهم لا يمكن أن يقوم فى عهدنا الحاضر لأن أساسه وجود العاقلة، ولا شك أن العاقلة ليس لها وجود الآن إلا فى النادر الذى لا حكم له وإذا وجدت فإن عدد أفرادها قليل لا تتحمل أن يفرض عليها كل الدية، ولقد كان للعاقلة وجود طالما احتفظ الناس بأنسابهم وقراباتهم وانتموا إلى قبائلهم وأصولهم، أما الآن فلا شئ من هذا بحيث يندر أن تجد شخصًا يعرف جده الثالث، وإذن فلا محيص من الأخذ بأحد الرأيين اللذين أخذ بهما الفقهاء من قبل، إما الرجوع على المجنى عليه بكل الدية، وإما الرجوع على بيت المال، والرجوع على المجنى عليه يؤدى إلى إهدار دماء أكثر المجنى عليهم لأن أكثر المتهمين فقراء وهذا لا يتفق مع أغراض الشريعة التى تقوم على حفظ الدماء وحياطتها وعدم إهدارها، والرجوع إلى بيت المال يرهق الخزانة العامة، ولكنه يحقق المساواة والعدالة ويحقق أغراض الشيعة والخوف من إرهاق الخزانة لا يجب أن يقف حائلاً دون تحقيق المساواة والعدالة ولا يصح أن يحول دون تحقيق أغراض الشريعة، فالحكومة تستطيع أن تدبر أمرها بفرض ضريبة عامة يخصص دخلها لهذا النوع من التعويض، ونستطيع أن نفرض ضريبة خاصة على المتقاضين لهذا الغرض، وإذا كانت الحكومات العصرية تلزم نفسها بإعانة الفقراء أو العاطلين، فأولى أن تلزم نفسها بتعويض ورثة القتيل المنكوبين، ولقد سبقتنا بعض البلاد الأوروبية إلى هذا العمل، فأنشأت صندوقًا لتعويض المجنى عليهم فى الجرائم إيراده المبالغ المتحصلة من الغرامات التى تحكم بها المحاكم، وهذا هو بالذات ما قصدته الشريعة الإسلامية من نظام

стр. 974

العاقلة، فنظام العاقلة يقوم اليوم فى (بعض) (١) وهى من البلاد الأوروبية، فأولى بنا وهو نظامنا أن نقيمه بيننا على الوجه الذى يتلاءم مع ظروفنا وحالاتنا. ثانيًا: الكفارة: ٢٤٤- تجب الكفارة عقوبة أصلية على القتل شبه العمد مع الدية: وقد سبق أن تكلمنا على الكفارة بمناسبة الكلام على عقوبة القتل العمد، وما قلناه هناك يغنى الاطلاع عليه عن إعادته هنا. * * * العقوبات البدلية ٢٤٥- العقوبات البدلية فى القتل شبه العمد هى: أولاً: التعزير بدلاً من الدية. ثانيًا: الصيام بدلاً من الكفارة وهى عتق الرقبة أو التصدق بقيمتها. وقد استوفينا الكلام على التعزير والصيام بمناسبة عقوبات القتل العمد وما قلناه هناك يغنى عن إعادته هنا. العقوبات التبعية ٢٤٦- العقوبات التبعية فى القتل شبه العمد هى: أولاً: الحرمان من الميراث. ثانيًا: الحرمان من الوصية. وقد استوفينا الكلام عليهما فى باب القتل العمد ومن ثم فليس ما يدعم لتكرار القول هنا. عقوبات القتل الخطأ ٢٤٧- عقوبات القتل الخطأ منها ما هو أصلى وهو الدية والكفارة، ومنها هو ما بدل وهو التعزير والصيام، ومنها ما هو تبعى وهو الحرمان من الميراث والحرمان من الوصية.

стр. 975

العقوبات الاصلية أولاً: الدية: ٢٤٨- هى عقوبة أصلية وليست بدلاً من عقوبة أخرى: لأن عقوبة الخطأ روعى فى تقديرها انعدام قصد الجانى فاكتفى بتقدير الدية عليه، ومقدارها هو نفس مقدار الدية فى العمد وشبه العمد أى مائة من الإبل. ٢٤٩- وتجب دية القتل الخطأ مخمسة أى تؤخذ أخماسًا: عشرون بنات مخاض، وعشرون بنو مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقَّة، وعشرون جَذَعة، وهذه الأوصاف متفق عليها بين الأئمة الأربعة، ودليلهم ما روى عبد الله بن مسعود قال رسول الله ﷺ : "فى دية الخطأ عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون بنو مخاض" (١) . ٢٥٠- ودية الخطأ على العاقلة دون خلاف طبقًا لقضاء الرسول ﵇، وعلة فرضها على العاقلة أن جنايات الخطأ تكثر ودية الآدمى كثيرة فإيجابها على الجانى فى ماله مجحف به، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل والإعانة له تخفيفًا عنه إذ انعدام القصد عذر له فى فعله يشفع فى التخفيف عنه. ٢٥١- ولا خلاف فى أنها مؤجلة فى ثلاث سنين: وأساس التأجيل فى الدية هو قضاء الصحابة، فقد قضى عمر وعلى بجعل الدية فى القتل الخطأ على العاقلة فى ثلاث سنين، ولا مخالف لهما من الصحابة فاتبعهم فى ذلك أهل العلم، وعلة التأجيل أنه مال يجب على سبيل المواساة فلم يجب حالاً كالزكاة. وما لا تحمله العاقلة يجب حالاً عند مالك والشافعى وأحمد ولكن أبا حنيفة يرى التأجيل فيما يجب على العاقلة وما يجب على الجانى.

стр. 976

٢٥٢- وإذا كانت العاقلة تحمل الدية وهى عقوبة أصلية أساسية فهل تحمل أيضًا الكفارة وهى عقوبة مالية أصلية أخف بكثير من الدية؟. يرى الفقهاء أن الكفارة فى مال الجانى وحده ولا تحمل العاقلة عنه شيئًا ولا بيت المال، ولكن فى مذهب الشافعى رأى بأن بيت المال يتحملها عن الجانى (١) . ٢٥٣- ولا يرى مالك وأبو حنيفة التغليظ فى دية الخطأ، أما الشافعى وأحمد فيريان التغليظ، ولكن بينهما فرقًا هو أن أحمد يرى أن التغليظ فى العمد وشبه العمد والخطأ أما الشافعى فيرى التغليظ فى الخطأ، ولعل الشافعى لم ير التغليظ فى العمد وشبه العمد لأنه يوجب الدية فيهما مثلثة، أما أحمد فيوجبها مربعة، فكأن دية العمد وشبة العمد مغلظة بطبيعتها عند الشافعى ويوجب أحمد التغليظ للقتل فى الحرم، وللقتل فى الشهور الحرم، والقتل المحرم. واختلف فى المذهب فى التغليظ لقتل ذى الرحم المحرم فيرى البعض التغليظ لقتله ولا يرى البعض التغليظ. ويجوز عند أحمد أن يجمع بين أكثر من سبب من أسباب التغليظ وتغلظ الدية لكل سبب بأن يزاد عليها مقدار الثلث ومن ثم تصل الدية إلى ديتين إذا كان القتل فى الحرم والشهور الحرم شخصًا محرمًا (٢) ، أما الشافعى فيرى التغليظ بالقتل فى الحرم وفى الشهور الحرم وبقتل ذى الرحم المحرم، واختلفوا فى المذهب فى القتل فى الحرم المدنى فرأى البعض أن القتل فيه سبب للتغليظ، ورأى البعض أن القتل فيه ليس سببًا للتغليظ وهو الرأى الراجح فى المذهب، وصفة التغليظ عند الشافعى هو إيجاب دية العمد بدلاً من دية الخطأ، فإن قتل ذا رحم محرم مثلاً فعليه ثلاثون حقَّة وثلاثون جَذَعّة وأربعون خَلَفة. ٢٥٤- ولا تحمل العالقة دية القتل العمد: سواء درئ القصاص للشبهة أو وجبت الدية بالعفو أو الصلح، وهذا متفق عليه بين الأئمة؛ لأن العاقلة حملت فى الخطأ وشبه العمد لانعدام القصد إلى القتل ولعذر الجانى، أما العامد فلا عذر له

стр. 977

فى جريمته ومن ثم لا يستحق تخفيفًا ولا معاونة. ٢٥٥- وإذا جنى الرجل على نفسه خطأ ففيه روايتان: الأولى: على عاقلته الدية لورثته إذا قتل نفسه. والقائلون بهذا الرأى بعض فقهاء مذهب أحمد، وحجتهم: "أن رجلاً ساق حمارًا فضربه بعصا كانت معه فطارت منها شظية ففقأت عينه فجعل عمر ديته على عاقلته وقال: هى يد من أيدى المسلمين"، ويحتجون بأنها ليست إلا جناية خطأ كأى جناية خطأ ديتها على العاقلة. ويترتب على هذا الرأى أنه إذا كانت العاقلة هم بعض الورثة لم يجب شئ عليهم لأنه لا يجب للإنسان شىء على نفسه، هذا إذا كان ما يجب عليهم من الدية يماثل نصيبه فى الميراث فإن كان أكثر سقط عنه ما يقابل نصيبه وعليه ما زاد، وإن كان نصيبه من الدية أقل من نصيبه فى الميراث فله ما بقى. والرواية الثانية: يرى أصحابها أن الجناية هدر، وهذا ما يراه مالك وأبو حنيفة والشافعى وهو رأى فى مذهب أحمد وحجتهم: أولاً: بارز عامر بن الأكوع مرحبًا يوم خبير فرجع سيفه على نفسه فمات ولم يعلم أن النبى قضى فيه بدية ولا غيرها ولو وجبت لبينه النى ﵇. ثانيًا: أن وجوب الدية على العاقلة قصد منه مواساة الجانى والتخفيف عنه والجانى هنا هو نفس المجنى عليه فليس إذن ما يدعو للإعانة والمواساة. وحكم شبه العمد هو حكم الخطأ فى هذه المسألة (١) . ثانيًا: الكفارة: ٢٥٦- تكلمنا على الكفارة بمناسبة الكلام على القتل العمد، وفيما قلناه كفاية. العقوبات البدلية ٢٥٧- هى الصيام فقط: وقد تكلمنا عليه من قبل، وليس ثمة تعزير باتفاق الفقهاء فى الخطأ اكتفاء بالعقوبتين الأصليتين وهما الدية والكفارة

стр. 978

وبالعقوبات التبعية، على أنه ليس فى الشريعة ما منع أن يقدر الشارع عقوبة تعزيرية فى حالة العفو عن الدية إذا رأى ذلك فى صالح الجماعة. العقوبات التبعية ٢٥٨- هى الحرمان من الميراث والحرمان من الوصية: وقد فصلنا الكلام عليهما من قبل بمناسبة الكلام على عقوبة القتل العمد، وفيما قلناه هناك ما يغنى عن إعادته هنا. * * * الفصل الثاني الجناية على ما دون النفس ٢٥٩- يعبر فقهاء الشريعة بالجناية على ما دون النفس عن كل أذى يقع على جسم الإنسان من غيره فلا يودى بحياته، وهو تعبير دقيق يتسع لكل أنوع الاعتداء والإيذاء التى يمكن تصورها؛ فيدخل فيه الجرح والضرب والدفع والجذب والعصر والضغط وقص الشعر ونتفه وغير ذلك. ويعبر قانون العقوبات المصرى عن نفس المعنى بالجرح والضرب فقط، وهو تعبير ناقص لا يتسع لغير الجرح والضرب من أنوع الإيذاء مما حمل المحاكم المصرية على التوسع فى تأويل هذا التعبير بما يجعله متفقًا مع اتجاه الشريعة، فحكمت محكمة النقض بأن عبارة الضرب والجرح تشمل كل فعل يقع على الجسم ويكون له تأثير ظاهرى أو باطنى، فمن يضغط على عنق إنسان أو يجذبه فيوقعه على الأرض يعد مرتكبًا لجريمة الضرب عمدًا. ٢٦٠- الجنايات على ما دون النفس إما عمد أو خطأ: فالعمد هو ما تعمد فيه الجانى الفعل بقصد العدوان كمن قذف أحدًا بحجر بقصد إصابته. والخطأ هو ما تعمد فيه الجانى الفعل دون قصد العدوان كمن ألقى حجرًا من نافذة ليتخلص منه فأصاب أحد المارة، أو ما وقع فيه الفعل نتجة تقصير الجانى دون قصد منه كمن انقلب على نائم بجواره فكسر ضلوعه.

стр. 979

والعمد وإن كان يختلف عن الخطأ فى ماهية الفعل وعقوبته إلا أنهما يتفقان فى كثير من الأحكام، ومن ثم جرى الفقهاء على الجمع بينهما عند شرح أحكامهما فيتكلمون عنهما دفعة واحدة. وإذا كان شراح القوانين يفرقون بين جرائم العمد والخطأ على أساس نوع الجريمة، ويتكلمون عن كل على حدة فإن فقهاء الشريعة يجعلون أساس الفرق هو محل الجريمة هل هو النفس أو ما دونها؛ لأن ما يقع على النفس يتحد فى كثير من أحكامه على اختلاف أنواعه كما بينا فيما سبق، والجرائم التى تقع على ما دون النفس تتحد فى كثير من أحكامها كما سنبين فيما بعد. ثم يفرقون بعد ذلك على أساس نوع الجريمة بين مختلف الجرائم التى تقع على ما دون النفس. ٢٦١- ويقسم الفقهاء الجناية على ما دون النفس سواء كانت الجناية عمدًا أو خطأ خمسة أقسام، ناظرين فى هذا التقسيم إلى نتيجة فعل الجاني؛ لأن الجانى فى الجناية على ما دون النفس يؤخذ بنتيجة فعله ولو لم يقصد هذه النتيجة بغض النظر عما إذا كانت الجناية عمدًا أو خطأ، وهذه الأقسام هى: أولاً: إبانة الأطراف أو ما يجرى مجرى الأطراف، ثانيًا: إذهاب معانى الأطراف مع بقاء أعيانها، ثالثًا: الشجاج، رابعًا: الجراح، خامسًا: ما لا يدخل تحت الأقسام الأربعة السابقة. ٢٦٢- القسم الأول: إبانة الأطراف وما يجرى مجراها: ويقصد من إبانة الأطراف قطعها وقطع ما يجرى مجراها، ويدخل تحت هذا القسم: قطع اليد والرجل والإصبع والظفر والأنف والذكر والأنثيين والأذن والشفة وفقء العين وقطع الأشفار والأجفان وقلع الأسنان وكسرها وحلق أو نتف شعر الرأس واللحية والحاجبين والشارب. ٢٦٣- القسم الثانى: إذهاب معانى الأطراف مع بقاء أعيانها: ويقصد من ذلك تفويت منفعة العضو مع بقائه قائمًا فإذا ذهب العضو ذاته فالفعل من القسم الأول، ويدخل تحت هذا القسم: تفويت السمع والبصر والشم

стр. 980

والذوق والكلام والجماع والإيلاد والبطش والمشى، ويدخل تحته أيضًا: تغير لون السن إلى السواد والحمرة والخضرة ونحوها، كما يدخل إذهاب العقل وغيره. ٢٦٤- القسم الثالث: الشجاج: يقصد بالشجاج جراح الرأس والوجه خاصة. أما جراح الجسم فيما عدا الرأس والوجه فتسمى جراحًا، وتسمية جراح الجسم بالشجاج غلظ؛ لأن العرب تفصل بين الشجة وبين مطلق الجراحة، فتسمى ما كان فى الرأس والوجه شجه، وتسمى ما كان فى سائر البدن جراحة. ويرى أبو حنيفة أن الشجاج لا تكون إلا فى الرأس والوجه فى مواضع العظم مثل الجبهة والوجنتين والصدغين والذقن دون الخدود، وباقى الأئمة يرون ما كان فى الرأس والوجه مطلقًا شجة. ٢٦٥- والشجاج عند أبى حنيفة إحدى عشرة شجة (١) : ١- الخارصة: وهى التى تخرص الجلد أى تشقه ولا يظهر منها الدم. ٢- الدامعة: وهى التى يظهر منها الدم ولا يسيل كالدمع فى العين. ٣- الدامية: وهى التى يسيل منها الدم. ٤- الباضعة: وهى التى تبضع اللحم أى تقطعه. ٥- المتلاحمة: وهى التى تذهب فى اللحم أكثر مما تذهب الباضعة. ويرى محمد أن المتلاحمة قبل الباضعة وعرفها بأنها التى يتلاحم فيها الدم ويسود. ٦- السمحاق: وهى التى تقطع اللحم وتظهر الجلدة الرقيقة بين اللحم والعظم، واسم الجلدة السمحاق فسميت بها الشجة. ٧- الموضحة: وهى التى تقطع الجلدة المسماة السمحاق وتُوضِح العظم أى تظهره ولو بقدر مغرز الإبرة. ٨- الهاشمة: وهى التى تهشم العظم أى تكسرة.

стр. 981

٩-المنقلة: وهى التى تنقل العظم بعد كسرة أى تحوله عن مكانه. ١٠- الآمَّة: وهى التى تصل إلى أم الدماغ، وهى جلدة تحت العظم وفوق الدماغ أى المخ. ١١- الدامغة: وهى التى تخرق تلك الجلدة وتصل إلى الدماغ. ٢٦٦- ويرى مالك أن الشجاج عشرة فقط: ويسمى الأول دامية، والثانية خارصة، والثالثة سمحاقًا, والسادسة ملطاة, ويحذف مالك الثامنة وهى الهاشمة ويرى أنها تكون فى جراح البدن لا فى الرأس والوجه، ويتفق فيما عدا ذلك مع أبى حنيفة (١) . ٢٦٧- ويرى الشافعى وأحمد أن الشجاج عشرة فقط: وهما يحذفان الثانية عند أبى حنيفة وهى الدامعة ويعترفان بالعشرة الباقية، ويسمى أحمد الدامية بهذا الاسم أو بالبازلة، ويسمى الشافعى وأحمد العاشرة بالمأمومة أو بالآمَّة (٢) . ٢٦٨- القسم الرابع: الجراح: ويقصد بالجراح ما كان فى سائر البدن عدا الرأس والوجه. والجراح نوعان: جائفة، وغير جائفة. فالجائفة: هى التى تصل إلى التجويف الصدرى والبطنى سواء كانت الجراحة فى الصدر أو البطن أو الظهر أو الجبين أو بين الأنثيين أو الدبر أو الحلق. وغير الجائفة: ما لم تكن كذلك؛ أى التى لا تصل إلى الجوف (٣) . ٢٦٩- القسم الخامس: ما لا يدخل تحت الأقسام السابقة: ويدخل تحت هذا القسم كل اعتداء أو إيذاء لا يؤدى إلى إبانة طرف أو ذهاب معناه ولا يؤدى إلى شجة أو جرح، فيدخل تحته كل اعتداء لا يترك أثرًا أو ترك أثرًا لا يعتبر جرحًا ولا شجة.

стр. 982

الجناية على ما دون النفس عمدًا ٢٧٠- الجناية على ما دون النفس عمدًا هى أن يتعمد الجانى ارتكاب فعل يمس جسم المجنى عليه أو يؤثر على سلامته وأركان الجريمة اثنان: الأول: فعل يقع على جسم المجنى عليه أو يؤثر على سلامته. الثانى: أن يكون الفعل متعمدًا. الركن الأول: فعل يقع على جسم المجنى عليه أو يؤثر على سلامته: ٢٧١- يشترط لوقوع الجريمة أن يرتكب الجانى فعلاً يسمى جسم المجنى عليه أو يؤثر على سلامة هذا الجسم بأى حال، ولا يشترط أن يكون الفعل ضربًا أو جرحًا بل يكفى أن يكون أى فعل من أفعال الأذى أو العدوان على اختلاف أنواعها كالضرب والجرح والخنق والجذب والدفع والضغط والعصر. ٢٧٢- وليس من الضرورى أن يستعمل الجانى أداة معينة للإيذاء والعض وحلق الشعر ونتفه ولوى الذراع وغير ذلك، فقد يستعمل يده أو رجله أو أسنانه وقد يستعمل عصًا أو سكينًا أو سيفًا أو بندقية أو مادة مضرة أو سامة، لأن ما دون النفس لا يقصد إتلافه بآلة دون أخرى فتستوى فيه كل الآلات. وفى مذهب أحمد رأى يرى أن ما دون النفس فيه عمد وشبه عمد، ويفرق بينهما بأن فى الأول القصاص وفى الثانى الدية (١) , ويفرقون بين العمد وشبه العمد بأن الأول هو قصد الضرب بما يفضى إلى النتيجة غالبًا، والثانى هو قصد الضرب بما لا يفضى إلى النتيجة غالبًا مثل أن يضربه بحصاة لا يُوضح مثلها فتوضحه فلا يجب به القصاص لأنه شبه عمد (٢) . ويظهر أنه هو الرأى الراجح فى المذهب، أما الرأى الآخر فيرى أن الجراح كلها عمد دون تفرقة وأن فيها القصاص لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥] .

стр. 983

أما أبو حنيفة فلا يفرق بين العمد وشبه العمد إلا فى النفس، ويكفى عنده تعمد الفعل فيما دون النفس (١) ، وليس ما يمنع عند مالك والشافعى وأحمد أن يكون الجانى مسئولاً عن الجناية ولو لم تكن الجناية مباشرة لفعله، كمن طلب إنسانًا بسيف مجرد فهرب منه فخر به سقف فأصيب بجرح أو كسر؛ لأنه هو الذى ألجأ المجنى عليه للهرب بفعله. ويرى الشافعى أن العمد فيما دون النفس إما أن يكون عمدًا محضًا أو شبه عمد، فالعمد المحض هو ما أدى إلى نتيجة الفعل غالبًا، أما شبه العمد فهو ما لم يؤد إلى نتيجة الفعل غالبًا؛ كمن لطم إنسانًا على رأسه فورمت ثم انشقت حتى وضحت فهذه شبه عمد لأن الغالب أن اللطمة لا تؤدى لإيضاح، ولو رماه بحصاة فورمت ثم أوضحت فهى شبه عمد لأن الغالب أن الرمى بالحصاة لا يؤدى للإيضاح (٢) . ومع أنهم وضعوا هذه القاعدة إلا أنهم يختلفون فى طبيعة تطبيقها، وهذا الخلاف مرجعه التقدير. فمثلاً ابن رشد يضرب مثلاً على شبه العمد للطمة التى تفقأ العين لأن اللطمة لا تفقأ العين غالبًا (٣) بينما يرى الشافعى أن اللطمة التى تفقأ العين عمد محض لأن اللطم يؤدى غالبًا لفقأ العين (٤) . ٢٧٣- ويستوى أن يكون الفعل مباشرًا أو بالتسبب، فالضرب باليد وشد حبل رفيع فى طريق المجنى عليه ليتعثر فيه كلاهما يكون الجريمة. ٢٧٤- ويصح أن يكون الفعل ماديًا كالضرب والجرح، ويصح أن يكون معنويًا كمن أذعر رجلاً فأصيب بشلل أو ذهب عقله أو سقط فجرح. ونص القانون المصرى كما ذكرنا من قبل لا يتسع للأفعال المعنوية، أما فى فرنسا فيعاقبون على الفعل المعنوى فيما دون النفس؛ لأن القانون الفرنسى يجعل فى حكم الضرب أنواع التعدى والإيذاء الأخرى بينما القانون المصرى لم يذكر إلا عبارة الضرب والجرح.

стр. 984

٢٧٥- ويشترط أن يكون المجنى عليه معصومًا: فإن لم يكن كذلك فالفعل مباح ولا يعتبر جريمة، وقد تكلمنا عن العصمة بمناسبة الكلام على القتل وما قلناه هناك يغنى عن الإعادة هنا. ٢٧٦- ويشترط ألا يؤدى الفعل لوفاة: فإذا أدى للوفاة فهو جناية على النفس قد تكون قتلاً عمدًا إذا ثبت أن الجانى تعمد الفعل وقصد القتل، وقد تكون قتلاً شبه عمد إذا ثبت أن الجانى تعمد الفعل ولم يقصد القتل. الركن الثانى: أن يكون الفعل متعمدًا: ٢٧٧- لكى يكون الفعل جريمة عمدية يجب أن يصدر عن إرادة الجانى وأن يرتكب بقصد العدوان، فإن لم يرد الجانى الفعل أو أراده ولم يقصد العدوان فالفعل غير متعمد وإنما خطأ. ٢٧٨- ويؤخذ الجانى بقصده المحتمل: فيسأل عن نتيجة الفعل الذى أتاه لا عما قصده وقت إحداث الفعل، فإن ترتب على الفعل ذهاب عضو أو إبطال منفعته أو إحداث موضحة أو جائفة أو اقل من ذلك، سئل عن نتيجة فعله ولو لم يكن يقصد إحداث هذه النتيجة بالذات وقت إتيان الفعل. ٢٧٩- ويسأل الجانى عن قصده غير المحدود: فمن ألقى حجرًا على جماعة بقصد إصابة أحدهم سئل عن نتيجة عمله سواء كان يعرف أفراد هذه الجماعة أو لا يعرفهم. وقد سبق أن تكلمنا عن الخطأ فى الشخص والخطأ فى الشخصية، كما تكلمنا عن الإذن فى الجرح واستعمال الحق وأداء الواجب، وما قلناه ينطبق هنا. ٢٨٠- ويستوى فى الجريمة على ما دون النفس أن يتعمد الجانى الفعل دون أن يقصد القتل، أو أن يتعمد الفعل بقصد القتل ما دام الفعل لم يؤد للموت؛ لأن الشريعة لا تعاقب على الشروع فى القتل إذا كان الشروع يكوَّن جريمة

стр. 985

تامة على ما دون النفس أيًا كانت نتيجة هذه الجريمة جرحًا أو شجة أو جائفة أو إتلافًا لعضو أو ذهاب معناه، وقد عللنا هذا الحكم بمناسبة الكلام على القتل العمد. * * * الجناية على ما دون النفس خطأ ٢٨١- سبق أن بينا تعريف الخطأ وأنواعه بمناسبة الكلام على القتل الخطأ كما بينا أركان جريمة القتل الخطأ، وما قيل هناك ينطبق بحذافيره هنا، ولا فرق إلا أن الفعل إذا أدى للوفاة فهو جناية على النفس أى قتل خطأ، وإذا لم يؤد للوفاة فهو جناية على ما دون النفس، ومن ثم لا داعى للكلام هنا عن الجريمة وأركانها لأنه تكرار لما قيل هناك. ٢٨٢- فرق هام: ويجب أن نلاحظ أن الشريعة جعلت العقوبة للجناية على ما دون النفس فى حالة الخطأ متمشية مع نتيجة الفعل كما هو الحال فى العمد، فعقوبة من أتلف عضوًا أو أذهب منفعته أشد من عقوبة الجرح الذى شفى دون أن يتخلف عنه عاهة، وعقوبة من أذهب بصر إنسان أشد من عقوبة من أذهب نصف بصره وهكذا. والشريعة تتفوق على القانونين المصرى والفرنسى فى هذا لأنهما يسويان فى العقوبة مهما اختلفت نتائج الفعل، وبعض شراح القانونين ينتقدون على المشرع أنه سوى بين عقوبة الإصابات المختلفة مع اختلاف نتائجها دون مبرر لهذه التسوية. عقوبة الجناية على ما دون النفس عقوبة الجناية على ما دون النفس تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عقوبة الجناية على ما دون النفس عمدًا، وعقوبة الجناية على ما دون النفس شبه عمد، وعقوبة الجناية على ما دون النفس خطأ. العقوبة الأصلية للجناية على ما دون النفس عمدًا هى القصاص، وعند مالك:
следующие страницы →