مبحث ما يجب على الجنب أن يفعله قبل أن يغتسل من دخول مسجد، وقراءة قرآن، ونحو ذلك
يحرم على الجنب أن يباشر عملاً من الأعمال الشرعية الموقوفة على الوضوء، قبل أن يغتسل، فلا يحل له أن يصلي نفلاً أو فرضاً وهو جنب، إلا إذا فقد الماء أو عجز عن استعماله لمرض ونحوه مما يأتي "في مباحث التيمم" أما الصيام فرضاً أو نفلاً، فإنه يصح من الجنب
стр. 109
فإذا أتى الرجل زوجه قبل طلوع الفجر في يوم من رمضان، ولم يغتسل بعد ذلك، فإن صيامه يصح، كما يأتي في "مباحث الصوم" ومن الأعمال الدينية التي لا يحل للجنب فعلها، قراءة القرآن، فيحرم عليه قراءة القرآن وهو جنب، كما يحرم عليه مس المصحف من باب أولى، لأن مس المصحف لا يحل بغير وضوء، ولو لم يكن الشخص جنباً، فلا يحل مسه للجنب من باب أولى، ومنها دخول المسجد، فيحرم على الجنب أن يدخل المسجد، على أن الشارع قد رخص للجنب في تلاوة اليسير من القرآن وفي دخول المسجد، بشروط مفصلة في المذاهب فانظرها تحت الجدول الذي أمامك (١)
مباحث الحيض
يتعلق بالحيض مباحث: أحدها: تعريفه، ويشتمل التعريف على بيان معنى دم الحيض وألوانه، ومقداره الذي تعتبر به المرأة حائضاً، وبيان السن الذي يصح أن تحيض فيه الآدمية والذي لا يصح، وبيان كون الحامل تحيض أو لا تحيض، وغير ذلك من الأمور التي يستلزمها التعريف، ثانيها: بيان مدة الحيض، ومدة الطهر، ثالثاً: بيان معنى الاستحاضة، وإليك بيانها على هذا الترتيب.
تعريف الحيض
معنى الحيض في اللغة السيلان، يقال: حاض الوادي، إذا سال به الماء وحاضت الشجرة إذا سال منها الصمغ الأحمر، وحاضت المرأة تحيض حيضاً ومحيضاً، فهي حائض وحائضة، إذا جرى دم حيضها، ويسمى الحيض الطمث، والضحك، والإعصار، وغير ذلك.
أما معناه في اصطلاح الفقهاء، فقد ذكرناه مفصلاً في المذاهب تحت الخط الذي أمامك، ليسهل حفظه، ومعرفة ما اشتمل عليه (١) من بيان معنى دم الحيض، وبيان هل الحامل تحيض أو لا؛ وبيان السن الذي يمكن فيها الحيض، وبيان القدر الذي يعتبر حيضاً، ونحو ذلك.
مدة الحيض
المراد بمدة الحيض مقدار الزمن الذي تعتبر فيه المرأة حائضاً، بحيث لو نقص أو زاد لا تعتبر المرأة حائضاً، وإن رأت الدم، وله مبدأ ونهاية، فأقل الحيض يوم وليلة، بشرط أن يكون الدم نازلاً كالمعتاد في زمن الحيض، بحيث لو وضعت قطنة لتلوثت بالدم، والمراد باليوم والليلة أربع وعشرون ساعة فلكية، بحيث لو رأت الدم وانقطع قبل مضي هذه المدة لا تعتبر المرأة حائضاً، ولا يشترط أن ترى الدم في أول النهار، ثم يستمر طول النهار وطول الليل، بل المدار في ذلك على مضي أربع وعشرين ساعة من وقت نزوله، وأما أكثر مدة الحيض، فهو خمسة عشر يوماً مع لياليها، فإذا رأت الدم بعد ذلك، فإنه لا يكون دم حيض، ولا عبرة في هذا
стр. 116
التقدير بعادة المرأة، فلو اعتادت أن تحيض ثلاثة أيام، أو أربعة، أو خمسة، أو نحو ذلك، ثم تغيرت عادتها فرأت الدم بعد هذه المدة، فإنها تعتبر حائضاً. إلى خمسة عشر يوماً؛ وهذا هو رأي الشافعية؛ والحنابلة، وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على هذا التقدير، ولكنها جميعها غير صحيحة، ومنها الحديث المعروف في كتب الفقه، من أن النبي ﷺ قال: "النساء ناقصات عقل ودين، قيل: وما نقصان دينهن؟ قال: تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي" ومعنى ذلك أنها تمكث نصف شهر حائضاً، ولكن هذا الحديث غير صحيح. فقد قال ابن الجوزي: إن هذا الحديث لا يثبت بوجه من الوجوه، والواقع أنه لا معنى له مطلقاً، لأن الشارع هو الذي منع النساء من الصلاة وهن حائضات، فأي ذنب لهن في ذلك حتى يوصفن بهذا الوصف الظالم، وكل ما عول عليه الشافعية، والحنابلة في ذلك ما ثبت عن علي ﵁ من أنه قال: ما زاد على الخمسة عشر استحاضة، أما المالكية، والحنفية فقد ذكرنا رأيهما تحت الخط أمامك (١)
стр. 117
مدة الطهر
أقل مدة الطهر خمسة عشر يوماً، فلو حاضت المرأة (١) ، ثم انقطع حيضها، بعد ثلاثة أيام مثلاً، واستمر منقطعاً إلى أربعة عشر يوماً، أو أقل، ثم رأت الدم، لا يكون حيضاً، سواء كان الطهر واقعاً بين دمي حيض؛ بأن حاضت المرأة، ثم انقطع حيضها، ثم حاضت بعد مضي المدة المذكورة، أو كان واقعاً بين دمي حيض ونفاس، بأن كانت المرأة نفساء، ثم انقطع دم نفاسها، ثم حاضت بعض مضي هذه المدة (٢) ، أما أكثر مدة الطهر فلا حد لها، فلو انقطع دم الحيض. وبقيت المرأة خالية من الحيض طول عمرها، فإنها تعد طاهرة، وإذا رأت المرأة يوماً دماً، ثم انقطع ورأت يوماً دماً أيضاً، فإنها تعتبر حائضاً في المدة التي انقطع فيها الدم عند الشافعية، والحنفية (٣) .
مبحث الاستحاضة
الاستحاضة هي سيلان الدم في غير وقت الحيض والنفاس من الرحم، فكل ما زاد على أكثر مدة الحيض، أو نقص عن أقله، أو سال قبل سن الحيض المتقدم ذكره في "التعريف" فهو استحاضة (٤) ، ولا يشترط في دم الاستحاضة أن يخرج ممن بلغت سن الحيض، بل إذا نزل
стр. 118
الدم من صغيرة ينقص سنها عن تسع سنين أو سبع. على الخلاف المتقدم "في تعريف الحيض" فإنه يقال له: دم استحاضة، والمستحاضة من أصحاب الأعذار، فحكمها حكم من به سلس بول، أو إسهال مستمر، أو نحو ذلك من الأعذار المتقدمة في "مباحث المعذور" وحكم الاستحاضة أنها لا تمنع شيئاً من الأشياء التي يمنعها الحيض والنفاس، كقراءة القرآن، ودخول المسجد، ومس المصحف والاعتكاف. والطواف بالبيت الحرام وغير ذلك مما يأتي في صحيفة ١٢٣، نعم قد تتوقف مباشرة الصلاة ونحوها على الوضوء لا على الغسل، كما مر في "مباحث المعذور".
أما تقدير زمن حيض المستحاضة، ففيه اختلاف المذاهب.
стр. 119
مبحث النفاس
تعريفه
هو دم يخرج عند ولادة المرأة، أو قبلها بزمن يسير، أو معها، أو بعدها، كما هو مفصل في المذاهب، تحت الخط الذي أمامك (١) ، ولو شق بطن المرأة، ولو خرج منها الولد، فإنها لا تكون نفساء، وإن انقضت به العدة.
أما السقط فإن ظهر بعض خلقه (٢) من غصبع، أو ظفر، أو شعر، أو نحوه فهو ولد تصير المرأة بالدم الخارج عقبه نفساء، وإن لم يظهر من خلقه شيء من نحو ذلك، بأن وضعته علقة أو مضغة؛ فإن أمكن جعل الدم المرئي حيضاً بأن صادف عادة حيضها فهو حيض وإلا فهو دم علة وفساد؛ وإذا ولدت المرأة توأمين - ولدين - فمدة نفاسها تعتبر من الأول (٣) لا من الثاني، فلو
стр. 120
مضى زمن بين ولادة الأول والثاني، حسبت مدة النفاس من ولادة الأول؛ ولو كان ذلك الزمن أكثر مدة النفاس، فلو فرض وجاء الولد الثاني بعد أربعين يوماً من ولادة الأول يكون الدم النازل بعد ولادته دم علة وفساد، لا دم نفاس؛ ولا حد لأقل النفاس، فيتحقق بلحظة، فإذا ولدت وانقطع دمها عقب الولادة، أو ولدت بلا دم، انقضى نفاسها، ووجب عليها ما يجب على الطاهرات؛ أما أكثر (١) مدة النفاس فهي أربعون يوماً، والنقاء المتخلل بين دماء النفاس، كأن ترى يوماً دماً، ويوماً طهراً، فيه تفصيل المذاهب (٢)
стр. 121
مبحث ما يحرم على الحائض، أو النفساء فعله قبل انقطاع الدم
يحرم على الحائض، أو النفساء أن تباشر الأعمال الدينية التي تحرم على الجنب، من صلاة، ومس مصحف، وقراءة قرآن، وتزيد الحائض، والنفساء عن الجنب أمور: منها الصيام: فإنه يحرم على الحائض، أو النفساء أن تنوي صيام فرضٍ أو نفل، وإن صامت لا ينعقد صيامها، ومن يفعل منهن ذلك في رمضان. كان معذباً لنفسه آثماً، وذلك جهل شائن.
ويجب على الحائض، أو النفساء أن تقتضي ما فاتها في ايام الحيض والنفاس من صوم رمضان أما ما فاتها من صلاة، فإنه لا يجب عليها قضاءه، وذلك لأن الصلاة تتكرر كل يوم، فيشق قضاؤها؛ وقد رفع الله المشقة والحرج عن الناس، كما قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ ، ومنها صحة الاعتكاف، فإنه لا يصح الاعتكاف من الحائض والنفساء، وهذا الحكم ليس موجودا في الرجال طبعاً، ومنها جواز طلاقها، فيحرم إيقاع الطلاق على من تعتد بالأقراء - القرء هو الحيض، أو الطهر ومع كونه حراماً؛ فإنه يقع، ويؤمر بمراجعتها إن كانت لها رجعة، ومن أراد أن يعرف حكم طلاق الحائض، وما ورد فيه من نهي، ويعرف أقسام الطلاق من سي، وبدعي، ومحرم، وجائز الخ، فليرجع إلى "الجزء الرابع" من كتابنا هذا - الفقه على المذاهب الأربعة - صحيفة ١٢٣ وما بعدها، ومنها تحريم قربانها، فيحرم عليها أن تمكن زوجها من وطئها، وهي حائض، كما يحرم عليه أن يأتيها قبل أن ينقطع دم الحيض وتغتسل (١) ، فإن عجزت عن الغسل، وجب عليها أن تتيمم قبل ذلك، ومنها تحريم الاستمتاع بما بين السرة والركبة، فإنها لا يحل (٢) لها أن تمكن الرجل من الاستمتاع بهذا الجزء، وهي حائض، كما لا يحل له أن يجبرها على ذلك، إلا إذا وضع مئزراً على فرجه، وما فوقه إلى سرته، وما تحته إلى ركبته، أو وضعت المرأة ذلك المئزر فوق هذا المكان من بدنها، ويشترط
стр. 122
في المئزر أن يمنع وصول حرارة البدن، أما إذا كان رقيقاً لا يمنع وصول حرارة البدن عن التلاصق فإنه لا يكفي، أما ما عدا (١) وذلك من أجزاء البدن، فإنه يجوز الاستمتاع به، بلا خلاف، أما وطء الحائض قبل النقطاع دم الحيض، فإنه يحرم ولو بحائل - كالكيس - المعروف، فمن وطئ امرأته أثناء نزول الدم، فإنه يأثم وتجب عليه التوبة فوراً، كما تأثم هي بتمكينه، ومن السنة أن يتصدق بدينار أو بنصفه، وقد بينا مقدار الدينار في "كتاب الزكاة" فارجع إليه "حنفي - شافعي") .
стр. 123
مباحث المسح على الخفين
يتعلق بالمسح على الخفين مباحث: أحدها: تعريف المسح: ثانيها: تعريف الخف الذي يصح المسح عليه لغة واصطلاحاً: ثالثها: حكمه؛ رابعها: دليله؛ خامسها: شروطه: سادسسها: القدر المفروض مسحه، سابعها: كيفية المسح المسنونة: ثامنها: مكروهاته: تاسعها: بيان المدة التي يستمر المسح فيها، عاشرها: مبطلات المسح على الخف، وإليك بيانها على هذا الترتيب:
تعريف المسح على الخف، وحكمه
أما المسح فمعناه لغة إمرار اليد على الشيء فمن مر بيده على شيء، فإنه يقال له: مسح عليه، وأما معناه في الشرع. فهو عبارة عن أن تصيب البلة - البلل - خفاً مخصوصاً، وهو من تحققت فيه الشروط الآتية، في زمن مخصوص.
أما حكمه، فإن الأصل فيه الجواز. فالشارع قد أجاز الرجال والنساء أن يمسحوا على الخف في السفر والإقامة، فهو رخصة رخص الشارع للمكلفين فيها، ومعنى الرخصة في اللغة السهولة، وفي الشرع ما ثبت على خلاف دليل شرعي بدليل آخر معارض، أما ما ثبت بدليل ليس له معارض، فإنه يقال له: عزيمة على أن المسح على الخفين قد يكون واجباً، وذلك فيما إذا خاف الشخص فوات الوقت وإذا خلع الخف وغسل رجليه، فإنه في هذه الحالة يفترض عليه أن يمسح على الخف، ومثل ذلك ما إذا خاف فوات فرض آخر غير الصلاة، كالوقوف بعرفة، فإنه يفترض عليه في هذه الحالة أن لا ينزع خفه؛ وكذا إذا لم يكن معه ماء يكفي لغسل رجليه، فإنه يجب عليه أن يمسح على الخف، أما في غير هذه الأحوال فإنه يكون رخصة جائزة، ويكون الغسل أفضل من المسح (١) .
стр. 124
تعريف الخف الذي يصح المسح عليه
الخف الذي يصح المسح عليه هو ما يلبسه الإنسان في قدمي رجله إلى الكعبين، والكعبان هما العظمان البارزان في نهاية القدم: سواء كان متخذاً من جلد، أو صوف، أو شعر، أو وبر، أو كتان، أو نحو ذلك (١) ، ويقال لغير المتخذ من الجلد؛ جورب وهو، الشراب - المعروف عند العامة، ولا يقال للشراب: خف، إلا إذا تحققت فيه ثلاثة أمور: أحدها: أن يكون ثخيناً، يمنع من وصول الماء إلى ما تحته؛ ثانيها: أن يثبت على القدمين بنفسه من غير رباط، ثالثها: أن لا يكون شفافاً يرى ما تحته من القدمين، أو من ساتر آخر فوقهما، فلو لبس شراباً ثخيناً يثبت على القدم بنفسه، ولكنه مصنوع من مادة شفافة يرى ما تحتها فإنه لا يسمى خفاً، ولا يعطى حكم الخف، فمتى تحققت في الجورب هذه الشروط كان خفاً، كالمصنوع من الجلد بلا فرق، ولا يشترط أن يكون له نعل، وبذلك تعلم أن - الشراب - الثخين المصنوع من الصوف يعطى حكم الخف الشرعي إذا تحققت فيه الشروط الآتي بيانها.
دليل المسح على الخفين
قد ثبت المسح على الخفين بأحاديث كثيرة صحيحة تقرب من حد التواتر، فقد قال في كتاب "الاستذكار": إن المسح على الخفين رواه عن رسول الله ﷺ نحو أربعين من الصحابة وقال الحسن. قد حدثني سبعون عن أصحاب النبي ﷺ أنه قد مسح على الخفين، فمن الأحاديث الصحيحة التي وردت فيه حديث جرير بن عبد الله البجلي، رواه الأئمة الستة من حديث الأعمش عن إبراهيم عن همام عن جرير أن جريراً بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه، فقيل له: اتفعل هذا؟! فقال: نعم: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه، ذكره الزيلعي في كتابه "نصب الراية"، ثم قال: إن هذا الحديث كان يعجبهم، لأن إسلام جرير كان بعد نزول - سورة المائدة - يعني أن - سورة المائدة - قد ورد فيها حكم الوضوء بالماء، وهو قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق،
стр. 125
وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ ، فهذه الآية صريحة في ضرورة غسل الرجلين بالماء، ولكن هذا الدليل قد عراضته أحاديث كثيرة صحيحة بلغت مبلغ التواتر، وقد ثبت ورودها بعد نزول هذه الآية، وهي تفيد أن الله تعالى قد فرض غسل الرجلين إذا لم يكن عليهما الغسل، ومن ذلك ما رواه البخاري عن المغيرة بن شعبة من أن النبي ﷺ خرج لحاجته، فأتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء، فصب عليه حين فرغ من حاجته، فتوضأ، ومسح على الخفين، وروى البخاري عن المغيرة أيضاً، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال ﵇: "دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين"، فمسح عليهما، إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري، ومسلم، وغيرهما من رواة الصحيح.
شروط المسح على الخف
قد عرفت أن الخف يطلق على ما كان متخذاً من الجلد، أو من الصوف، أو غيره متى تحققت فيه الأمور الثلاثة التي ذكرناها، فكل ما يصح إطلاق اسم الخف عليه يصح المسح عليه بدل غسل الكعب، بشروط أحدها: أن يكون الخف ساتراً للقدم مع الكعبين، أما ما فوق الكعبين من الرجل فإنه لا يلزم ستره وتغطيته بالخف، ولا يلزم أن يكون الخف مصنوعاً على حالة يلزم منها تغطية القدم، بل يصح أن يكون مفتوحاً من أعلاه مثلاً؛ ولكنه ينطبق بالأزرار، أو المشابك، أو نحو ذلك فالشرط المطلوب فيه هو أن يغطي القدم، سواء كان مضموماً من أول الأمر، أو كان بعضه مفتوحاً، ولكن به أزرار، أو مشابك ينضم بها بعد لبسه، فإنه يصح؛ ثانيها أن لا ينقص ستر الخف للكعبين، ولو قليلاً، فلو كان به خروق يظهر منها بعض القدم، فإنه لا يصح المسح عليه، وذلك لأنه يجب غسل جميع القدم مع الكعبين، بحيث لو نقص منها في الغسل جزء يسير بطل الوضوء، فكذلك الخف الذي يسترهما، فإنه إذا نقص منه شيء، فلا يقوم مقام القدم، وهذا رأي الحنابلة، والشافعية (١) ؛ ثالثها: أن يمكن
стр. 126
تتابع المشي فيه؛ وقطع المسافة به، أما كونه واسع يبين فيه ظاهر القدم كله أو معظمه، فإنه لا يضر، متى أمكن تتابع المشي فيه "حنفي شافعي" (١) ؛ رابعها: أن يكون الخف مملوكاً بصفة شرعية، أما إذا كان مسروقاً، أو مغصوباً، أو مملوكاً بشبهة محرمة، فإنه لا يصح المسح عليه، وهذا رأي الحنابلة، والمالكية (٢) ؛ خامسها: أن يكون طاهراً فلو لبس خفاً نجساً، فإنه لا يصح المسح عليه ولو أصابت النجاسة جزءاً منه، على أن في ذلك تفصيل في المذاهب (٣) ،
стр. 127
سادسها: أن يلبسهما بعد تمام الطهارة بمعنى أن يتوضأ أولاً وضوءاً كاملاً، ثم يلبسهما، فلو غسل رجليه أولاً، لم لبسهما، وأتم وضوءه بعد لبسهما، فإنه لا يصح، وهذا القدر متفق عليه عند المالكية، والشافعية؛ والحنابلة (١) سابعها: أن تكون الطهارة بالماء، فلا يصح أن يلبسهما بعد التيمم، سواء كان تيممه لفقد الماء أو المرض أو نحو ذلك، وهذا متفق عليه، ولم يخالف فيه سوى الشافعية (٢) ، ثامنها: أن لا يكون على محل المسح المفروض حائل يمنع وصول الماء إلى الخف، كعجين، ونحوه من الأشياء التي لو وضعت على القدم تمنع من وصول الماء إليه، تاسعها: أن لا يستطيع لابس الخف أن يمشي به مسافة معينة، بحيث لو نزل عن القدم حال المشي، أو عجز لابسه عن متابعة المشي قبل أن يقطع هذه المسافة، فإنه لا يصح عليه، وفي تقدير هذه المسافة تفصيل في المذاهب (٧) .
стр. 128
هذا، ولصحة المسح على الخفين شروط أخرى مفصلة في المذاهب (١) .
стр. 129
مبحث بيان القدر المفروض مسحه من الخف
لم يشترط الشارع مسح جميع الخف الساتر للقدم، مع أن المسح هنا قائم مقام الغسل، وقد فرض غسل جميع القدم، وذلك لأن المسح على الخف رخصة خاصة، فوسع الشارع في أمرها مبالغة في الرأفة بالناس، أما القدر المفروض مسحه من الخف، ففيه تفصيل المذاهب (١) .
стр. 130
مبحث إذا لبس خفاً فوق خف، ونحوه
وإذا لبس خفاً فوق - شراب - ثخين يصلح أن يكون خفاً أو لبس خفاً فوق خف آخر، كأن كان الخفان من جلد ناعم، أو لبس جرموقاً فوق خف؛ والجرموق: هو غطاء للقدم مأخوذ من الجلد، كالذي يلبس فوق الحذاء ليحفظه من الماء أو الطين، فإنه يكفي أن يمسح على الأعلى منهما. بشروط مفصلة في المذاهب (١) .
كيفية المسح المسنونة (٢)
وكيفية المسح المسنونة، أن يضع أصابع يده اليمنى على مقدم خف رجله اليمنى، ويضع أصابع يده اليسرى على مقدم خف رجله اليسرى ويمر بهما إلى الساق فوق الكعبين، ويفرج بين أصابع يده قليلاً، بحيث يكون المسح عليهما خطوطاً.
стр. 131
مدة المسح عليهما
يمسح المقيم يوماً وليلة (١) ، ويمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليها، سواء كان السفر سفر قصر مباحاً أو لا (٢) ، وسواء كان الماسح صاحب عذر أو لا (٣) . وذلك لما رواه شريح بن هانئ، قال: سألت عائشة ﵂ عن المسح على الخفين، فقالت: سل علياً، فإنه كان يسافر مع النبي ﷺ ، فسألته فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم، رواه مسلم؛ ويعتبر مبدأ تلك المدة من أول وقت الحدث بعد اللبس (٤) فلو توضأ ولبس الخف في الظهر مثلاً، واستمر متوضئاً إلى وقت العشاء ثم أحدث، اعتبرت المدة من وقت الحدث، لا من وقت اللبس.
стр. 132
مكروهاته
يكره تنزيهاً في المسح على الخفين أمور: منها الزيادة على المرة الواحدة؛ ومنها غسل الخفين، بدل مسحهما، إذا نوى بالغسل رفع الحدث، أما إن نوى به النظافة فقط، أو إزالة ما عليهما من نجاسة من غير أن ينوي رفع الحدث، فإنه لا يجزئ عن المسح. وعليه أن يمسح الخفين بعد ذلك الغسل (١) .
مبطلات المسح على الخفين
يبطل المسح على الخفين بأمور: منها طرو موجب الغسل، كجنابة، أو حيض، أو نفاس؛ ومنها نزعه من الرِّجل، ولو بخروج بعض القدم إلى ساق الخف (٢) ؛ ومنها حدوث خرق في الخف على تفصيل في المذاهب (٣) .
مباحث التيمم
يتعلق بالتيمم مباحث: أحدها: تعريفه، ودليله، وحكمة مشروعيته، ثانيها: أقسامه؛ ثالثها: شرطه؛ رابعها: الأسباب التي تجعل التيمم مشروعاً: خامسها: أركان التيمم، أو فرائضه؛ سادسها: سننه؛ سابعها: مندوباته ومكروهاته؛ ثامنها: مبطلاته، وإليك بيانها.
تعريف التيمم ودليله وحكمة مشروعيته
معناه في اللغة: القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ فمعنى - تيمموا تقصدوا، ومعناه في الشرع مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص (١) ، وليس معناه أن يعفر وجهه ويديه بالتراب، وإنما الغرض أن يضع يده على تراب طهور، أو حجر، أو نحو ذلك من الأشياء التي سيأتي بيانها، وهو مشروع عند فقد الماء، أو العجز عن استعماله لسبب من الأسباب الآتي بيانها. وقد ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب فقد قال تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على صفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء، فتيمموا صعيداً طيباً، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾ ، فهذه الآية الكريمة قد دلت على أن التيمم شرع للناس عند عدم الماء: أو العجز عن استعماله.
وحكمة مشروعيته هي أن الله سبحانه قد رفع عن المسلمين الحرج والمشقة فيما كلفهم به من العبادات، وقد يقال: إن رفع الحرج يقتضي عدم التكليف بالتيمم عند فقد الماء، أو العجز عن استعماله، فتكليفهم بالتيمم فيه حرج أيضاً وهذا قول فاسد، لأن معنى رفع الحرج هو أن يكلفهم الله سبحانه بما في طاقتهم، فمن عجز عن الوضوء أو الغسل، وقدر على التيمم، فإنه يجب عليه أن يمتثل أمر الله تعالى، ولا يناجيه إلا بالكيفية التي بينها لها، لأن الغرض من العبادات جميعها إنما هو امتثال أمر الله تعالى، وإشعار القلوب بعظمته، وأنه هو وحده الذي يقصد بالعبادة، ثم إن بعض الأمور التي أمرنا أن نعبده بها لنا فيها مصلحة ظاهرة،
стр. 135
كالغسل - والوضوء، والحركة في الصلاة، والبعد عن الملاذ في الصيام، ونحو ذلك من الأمور التي تنفع الأبدان، وبعضها لنا فيه مصلحة باطنة، وهو طهارة القلوب بامتثال أمره، وهذه تفضي إلى المنافع الظاهرة، لأن من خشي ربه وامتثل أمره حسنت علاقته مع الناس؛ فسلموا من شره، وانتفعوا بخيره، وذلك ما يطالب به المرء في حياته الدنيا، فامتثال الأوامر الإلهية خير ومصلحة للمجتمع الإنساني في جميع الأحوال، ومما لا ريب فيه أن التيمم إنما يفعل امتثالاً له ، فهو من وسائل طاعته الموجبة للسعادة.
وقد يظن بعض من لا يفقه أغراض الشريعة الإسلامية التي تترتب عليها سعادة المجتمع، وتهذيب أخلاق الناس أن التراب قد يكون ملوثاً - بالميكروبات - الضارة، فمسح الوجه به ضرر لا نفع فيه، والذي يقول هذا لم يفهم معنى التيمم، ولم يدرك الغرض منه، لأن الشارع قد اشترط أن يكون التراب طاهراً نظيفاً، ولم يشترط أن يأخذ بالتراب، ويضعه على وجهه، بل المفروض هو أن يأتي بكيفية خاصة تبيح له العبادة الموقوفة على الوضوء والغسل، والذي يقول: إن وضع اليد على الرمل النظيف أو الحجر الأملس النظيف، أو الحصى، ونحو ذلك ينقل الميكروبات الضارة جدير به أن لا يضع يده على الخبز، أو الفواكه، أو الخضر، وجدير به أن يحجر على الناس العمل في المعادن، ودبغ الجلود، وصنع الأحذية، والخشب، بل جدير به أن لا يضع يده على شيء من الأشياء؛ لما عساه أن يكون قد علق بها شيء من الميكروبات، إن هذا قول من يريد أن ينسلخ عن التكاليف ليكون طليقاً في باب الشهوات التي تطمح إليها النفوس الفاسدة فتفضي بها إلى الهلاك والدمار؛ وإلا فإننا قد شاهدنا العمال الذين يباشرون تسميد الأرض - بالسباخ - ويباشرون تنقية المزروعات من الافات أقوى من هؤلاء المستهترين بالدين صحة، وأهنأ منهم عيشاً، فما بال الميكروبات لم تفتك بهم؟ على أن الدين الإسلامي يحث الناس دائماً على الطهارة والنظافة، ويأمرهم باجتناب الأقذار، والبعد عن وسائل الأمراض، ولذا اشترط أن يكون التراب الذي يضع عليه المتيمم يده طاهراً نظيفاً، كالثوب النظيف، والمنديل النظيف فإن كان قذراً ملوثاً، فإنه لا يصح التيمم به.
بقي شيء آخر، وهو أن يقال: لماذا شرع التيمم في عضوين من أعضاء الوضوء، وهما الوجه واليدان دون باقي الأعضاء؟ والجواب: ان الغرض من التيمم إنما هو التخفيف فيكفي فيه أن يأتي ببعض صورة الوضوء، على أن العضوين اللذين يجب غسلهما دائماً في الوضوء هما الوجه واليدان: أما الرأس فإنه يجب مسحها في جميع الأحوال، وأما الرجلان فتارة يغسلان، وتارة يمسحان، وذلك فيما إذا كان لابساً الخف، فالله سبحانه أوجب التيمم في العضوين اللذين يجب غسلهما دائماً، ولا يخفى ما في ذلك من التخفيف.
وأما دليل مشروعية التيمم من السنة: فأحاديث كثيرة: منها ما رواه البخاري، ومسلم من
стр. 136
حديث عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً، لم يصلّ مع القوم، فقال: "ما يمنعك يا فلان أن تصلي في القوم؟ فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك"، وقد أجمع المسلمون على أن التيمم يقوم مقام الوضوء والغسل، وإن اختلفت آراؤهم في أسباب التيمم، وفيما يصح عليه التيمم من أجزاء الأرض، وسنبينه لك مفصلاً في موضعه قريباً.
أقسام التيمم
ينقسم التيمم إلى قسمين (١) ، الأول: التيمم المفروض، الثاني: التيمم المندوب، فيفترض التيمم لكل ما يفترض له الوضوء أو الغسل من صلاة، ومس مصحف، وغير ذلك ويندب لكل ما يندب له الوضوء، كما إذا أراد أن يصلي نفلاً ولم يجد ما يتوضأ به، فإنه يصح له أن يتيمم ويصلي، فالنفل مندوب، والتيمم له مندوب؛ يعني أن يثاب عليه ثواب المندوب، وإن كان الصلاة لا تصح بدون التيمم، فهو شرط لصحة الصلاة مع كونه في ذاته مندوباً، بحيث لو تركه وترك الصلاة النافلة التي يريد أن يصليها به، فإنه لا يؤاخذ.
شروط التيمم
يشترط لصحة التيمم أمور: منها دخول الوقت (٢) ، فلا يصح التيمم قبله، ومنها النية (٣) ؛ ومنها الإسلام، ومنها طلب الماء عند فقده على التفصيل الآتي، ومنها عدم وجود الحائل على عضو من أعضاء التيمم، كدهن وشمع يحول بين المسح وبين البشرة، ومنها الخلو من الحيض والنفاس، ومنها وجود العذر بسبب من الأسباب التي ستذكر بعد.
هذا، وللتيمم شروط وجوب (٤) أيضاً، كالوضوء والغسل، وقد ذكرت الشروط مجتمعة عند كل مذهب في أسفل الصحيفة.
الأسباب التي تجعل التيمم مشروعاً
ترجع هذه الأسباب إلى أمرين أحدهما: فقد الماء، بأن لم يجده أصلاً. أو وجد ماء لا يكفي للطهارة (١) ، ثانيهما: العجز عن استعمال الماء، أو الاحتياج إليه، بأن يجد الماء الكافي للطهارة، ولكن لا يقدر على استعماله، أو كان يقدر على استعماله، ولكن يحتاجه لشرب ونحوه، على التفصيل الآتي، أما باقي الأسباب التي سنذكرها بعد فإنها أسباب للعجز عن استعمال الماء، وأما من فقد الماء، فإنه يتيمم لكل ما يتوقف على الطهارة بالماء من صلاة مكتوبة، وصلاة جنازة (٢) ، وجمعة، وعيد، وطواف، ونافلة، ولو كان يريد صلاتها وحدها (٣) دون الفرض، وغير ذلك، ولا فرق في فاقد الماء بين أن يكون صحيحاً أو مريضاً، حاضراً أو مسافراً سفر قصر أو غيره، ولو كان السفر معصية، أو وقعت فيه معصية (٤) ، وأما من وجد الماء،
стр. 139
وعجز عن استعماله لسبب من الأسباب الشرعية، فإنه كفاقد الماء، يتيمم لكل ما يتوقف على الطهارة، ومن أسباب العجز أن يغلب على ظنه حدوث مرض باستعماله، أو زيادة مرض، أو تأخر شفاء، إذا استند في ذلك إلى تجربة، أو إخبار طبيب حاذق مسلم (١) ، ومنها خوفه من عدم يحول بينه وبين الماء إذا خشي على نفسه أو ماله أو عرضه، سواء أكان العدو آدميا، أم حيواناً مفترساً، ومنها احتياجه للماء في الحال أو المآل، فلو خاف - ظناً لا شكاً - عطس نفسه، أو عطش آدمي غيره، أو حيوان لا يحل قتله، ولو كلباً (٢) غير عقور عطشاً يؤدي إلى هلاك، أو شدة أذى، فإنه يتيمم، ويحفظ ما معه من الماء، وكذلك إن احتاج للماء لعجن أو طبخ، وكذلك إن احتاج إليه لإزالة نجاسة غير معفو عنها (٣) ، ومنها فقد آلة الماء، كحبل ودلو، لأنه يجعل الماء الموجود في البئر ونحوها كالمفقود (٤) ، ومنها خوفه من شدة برودة الماء، بأن يغلب على ظنه حصول ضرر باستعماله بشرط أن يعجز عن تسخينه، فإنه في كل هذه الأحوال يتيمم (٥) ، وفي لزوم طلب الماء عند فقده تفصيل في المذاهب (٦) .
ووقت النية (١) عند وضع يده على ما تيمم به.
ومنها الصعيد الطهور (٢) ، وهو الذي لم تمسه نجاسة، فإذا مسته نجاسة لم يصح به التيمم، ولو زال عين النجاسة وأثرها، وفي بيان الصعيد تفصيل المذاهب.
стр. 145
ومنها (١) مسح جميع الوجه، ولو بيد واحدة، أو إصبع، ويدخل في الوجه اللحية ولو طالت (٢) ، وكذا الوترة، وهي الحاجز بين طاقتي الأنف، وما غار من الأجفان، وما بين العذار، وكذا ما تحت الوتد من البياض الذي بين الأذن والعذار، ولا يتتبع ما غار من بدنه.
ومنها مسح اليدين مع المرفقين (٣) ، ويجب أن ينزع ما ستر شيئاً منها، كالخاتم والأساور، ويجب أن يمسح ما تحته، فلا يكفي تحريكه في التيمم (٤) ، بخلاف الوضوء؛ وزاد بعض المذاهب على ذلك فروضاً أخرى (٥) .