ووقت النية (١) عند وضع يده على ما تيمم به.
ومنها الصعيد الطهور (٢) ، وهو الذي لم تمسه نجاسة، فإذا مسته نجاسة لم يصح به التيمم، ولو زال عين النجاسة وأثرها، وفي بيان الصعيد تفصيل المذاهب.
стр. 145
ومنها (١) مسح جميع الوجه، ولو بيد واحدة، أو إصبع، ويدخل في الوجه اللحية ولو طالت (٢) ، وكذا الوترة، وهي الحاجز بين طاقتي الأنف، وما غار من الأجفان، وما بين العذار، وكذا ما تحت الوتد من البياض الذي بين الأذن والعذار، ولا يتتبع ما غار من بدنه.
ومنها مسح اليدين مع المرفقين (٣) ، ويجب أن ينزع ما ستر شيئاً منها، كالخاتم والأساور، ويجب أن يمسح ما تحته، فلا يكفي تحريكه في التيمم (٤) ، بخلاف الوضوء؛ وزاد بعض المذاهب على ذلك فروضاً أخرى (٥) .
стр. 146
سنن التيمم
وأما سننه: فمنها التسمية على تفصيل المذاهب (١) .
ومنها الترتيب (٢) ؛ ومنها غير ذلك، كما هو مفصل في المذاهب في أسفل الصحيفة (٣) .
стр. 147
مندوبات التيمم
وللتيمم مندوبات مفصلة في المذاهب (١) .
стр. 148
مبطلات التيمم
وأما مبطلاته فهي مبطلات الوضوء المتقدمة، والمتيمم عن حدث أكبر لا يعود محدثاً حدثاً أكبر الا بما يوجب الغسل، وإن اعتبر محدثاً حدثاً أصغر بنواقض الوضوء، فإن تيمم لجنابة، ثم انتقض تيممه لم يعد جنباً، بل يصير محدثاً حدثاً أصغر، فيجوز له أن يقرأ القرآن، ويدل المسجد (١) ، ويمكث فيه، وتزيد مبطلات التيمم عن مبطلات الوضوء أمراً آخر، وهو
стр. 149
زوال العذر المبيح للتيمم، كأن يجد الماء بعد فقده (١) . أو يقدر على استعماله بعد عجزه (٢) .
مبحث من عجز عن الوضوء والتيمم ويقال له: فاقد الطهورين
من عجز عن الوضوء والتيمم لمرض شديد، أو حبس في مكان ليس به ما يصح التيمم عليه؛ فإنه يجب عليه أن يصلي في الوقت بدون وضوء وبدون تيمم. على أن المريض الذي لا يقدر على القيام للصلاة فإنه يصلي قاعداً، فإن عجز يصلي بالإشارة، كما سيأتي في مبحث الصلاة بالإيمان، والغرض من هذا إنما هو إظهار الخشوع والخضوع لله في جميع الأحوال، فما دام الإنسان قادراً على إظهار هذا الخشوع بأي كيفية من الكيفيات فعليه أن يفعلها، وله على ذلك أجر العاملين الأقوياء بلا فرق، بل ربما كان أوفر أجراً، لأن الذي يخضع قلبه لمولاه آثار هذا الخضوع على جوارحه وهو مريض، تعب أقرب إلى رضوان الله تعالى ورحمته إن شاء الله.
أما كيفية طهارة فاقد الماء وفاقد ما يصح التيمم عليه وصلاتهما، فإن فيهما تفصيل المذاهب (٣) .
مباحث الجبيرة
تعريفها
الجبيرة في اصطلاح الفقهاء هي الخرقة التي يربط بها العضو المريض، أو الدواء الذي يوضع على ذلك العضو، ولا يشترط في الرباط أن يكون مشدوداً بأعواد من خشب أو جريد، أو نحو ذلك، كما لا يشترط أن يكون العضو المربوط مكسوراً، بل المعول في حكم الجبيرة على أن يكون العضو مريضاً، سواء كان مكسوراً، أو مرضوضاً أو به آلام - روماتزمية - أو نحو ذلك، فالجبيرة عند الفقهاء اسم للرباط الذي يربط به العضو المريض: أو الدواء الذي يوضع فوق ذلك العضو.
ما يفترض على من جبيرة تمنعه من استعمال الماء
إذا كان على عضو من أعضاء المكلف - التي يجب غسلها في الوضوء أو الغسل - جبيرة من رباط أو دواء، وكان غسل ذلك العضو يضره أو يؤلمه، فإنه يفترض عليه المسح على الرباط إن كان العضو مربوطاً أو المسح على الدواء إذا كان العضو عليه دواء بدون رباط، فإن كان المسح على الدواء يضره فليربطه بخرقة نظيفة، ثم يمسح على هذه الخرقة، ولا يعدم المريض رباطاً يربط به العضو المريض، وهذا هو حكم صاحب الجبيرة الذي به ألم في عضو من أعضاء الوضوء أو الغسل؛ وهو أن يفترض عليه أن يمسح على العضو المريض إذا ضره الغسل، فإنه ضره المسح عليه ربطه بخرقة ومسح على الرباط، ولم يخالف في هذا سوى الشافعية، وبعض الحنفية، وقد ذكرنا مذهبيهما تحت الخط الذي أمامك (١) .
стр. 152
شروط المسح على الجبيرة
يشترط لصحة المسح على الجبيرة، سواء كانت خرقة، أو دواء، أو نحوهما شرطان؛ الشرط الأول: أن يكون غسل العضو المريض ضاراً به. بحيث يخاف من غسله زيادة الألم، أو تأخر الشفاء، أو نحو ذلك، فإن كان العضو المريض عليه دواء بدون رباط، ويضره المسح عليه، فإنه في هذه الحالة يجب عليه أن يضع عليه رباطاً لا يضر، ثم يمسح على الرباط، كما ذكرنا؛ الشرط الثاني: تعميم الجبيرة بالمسح بمعنى أن يغسل الجزء السليم من المرض، ثم يمسح على الجزء المريض جميعه.
стр. 153
هذا إذا كانت الجبيرة على قدر محل المرض، فإن تجاوزت محل المرض لضرورة ربطها، فإنه يجب مسحها جميعها، ما كان منها على الجزء المريض، وما كان منها على الجزء السليم (١) فإن كان المحل المرْيض مما يمسح. كالرأس ففيه تفصيل المذاهب (٢) .
стр. 154
مبطلات المسح على الجبيرة
ويبطل المسح على الجبيرة لسقوطها عن موضعها. أو نزعها عن مكانها. على تفصيل في المذاهب (١) .
صلاة الماسح على الجبيرة
الصلاة بالمسح على الجبيرة المستوفية للشروط المتقدمة صحيحة، ولا إعادة على من صلى بذلك المسح بعد برء العضو (٢) .
стр. 155
كتاب الصلاة
[مباحث عامة]
حكمة مشروعيتها
ما تقدم من مباحث الطهارة إنما هو وسيلة للصلاة، وقد علمت أن هذه الوسائل كلها منافع للمجتمع الإنساني؛ لأن مدارها على نظافة الأبدان؛ وطهارة أماكن العبادة من الأقذار التي تنشأ عنها الأمراض والروائح القذرة، نعم إن في بعض الوسائل ما قد يخلو عن هذا المعنى، ولكن ذلك لحكمة ظاهرة: وهي أن الغرض من العبادات إنما هو الخشوع لله سبحانه باتباع أوامره واجتناب نواهيه، أما الصلاة فهي أهم أركان الدين الإسلامي؛ فقد فرضها الله سبحانه على عباده ليعبدوه وحده، ولا يشركوا معه أحداً من خلقه في عبادته، قال تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ أي فرضاً محدوداً بأوقات لا يجوز الخروج عنها، وقال ﵊: "خمس صلوات كتبهّن الله على العباد؛ فمن جاء بهن، ولم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة" وقد وردت أحاديث كثيرة في تعظيم شأن الصلاة، والحث على أدائها في أوقاتها: والنهي عن الاستهانة بأمرها والتكاسل عن إقامتها؛ فمن ذلك قوله ﷺ : "مثل الصلوات الخمس، كمثل نهر عذب غمر، بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات، فما ترون ذلك يبقى من درنه؟ قالوا: لا شيء، قال ﷺ : "فإن الصلوات الخمس تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن" ومعنى ذلك أن الصلوات الخمس تطهر النفوس؛ وتنظفها من الذنوب والآثام، كما أن الاغتسال بالماء النقي خمس مرات في اليوم يطهر الأجسام وينظفها من جميع الأقذار.
وسئل رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل: قال: "الصلاة لمواقيتها" فالصلاة هي أفضل أعمال الإسلام، وأجلها قدراً، وأعظمها شأناً؛ وكفى بذلك حثاً على أدائها في أوقاتها.
أما ترهيب تاركها وتخويفه؛ فيكفي فيه قول رسول الله ﷺ : "لا سهم في الإسلام لمن لا صلاة له" وقوله: "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" وفي هذا الحديث زجر شديد للمسلم الذي يتسلط عليه الكسل فيحمله على ترك الصلاة التي يمتاز بها عن الكافر، حتى قال بعض أئمة المالكية: إن تارك الصلاة عمداً كافر وعلى كل حال فقد أجتمعوا على أنها ركن من أركان الإسلام، فمن تركها فقد هدم ركناً من أقوى أركانه. وينبغي أن يعرف
стр. 156
الناس أن الغرض الحقيقي من الصلاة إنما هو غشعار القلب بعظمة الإله الخالق حتى يكون منه على وجل فيأتمر بأمره، وينتهي عما نهاه عنه، وفي ذلك الخير كله للنوع الإنساني، لأن من يفعل الصالحات ويجتنب السيئات لا يصدر عنه للناس الا المنفعة والخير، أما الذين يأتي بالصلاة وقلبه غافل عن ربه، مشغول بشهواته النفسانية، وملاذه الجسمانية، فإن صلاته، وإن أسقطت عنه الفرض عند بعض الأئمة، ولكنها في الحقيقة لم تثمر الثمرة المطلوبة منها، إنما الصلاة الكاملة هي التي قال الله في شأنها: ﴿قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتها خاشعون﴾ .
فالغرض الحقيقي من الصلاة، إنما هو تعظيم الإله فاطر السموات والأرض بالخشوع له والخضوع لعظمته الخالدة، وعزته الأبدية، فلا يكون المرء مصلياً لربه حقاً الا إذا كان قلبه حاضراً مملوءاً بخشية الله وحده، فلا يغيب عن مناجاته بالوساوس الكاذبة أو الخواطر الضارة، ومن ي قف بين يدي خالقه وقلبه على هذه الحالة ذليلاً خاشعاً، خائفاً وجلاً من جلال ذلك الخالق القادر القاهر، ذي السطوة التي لا تحدّ، والمشيئة التي لا تردّ، فإنه بذلك يكون تائباً من ذنبه، منيباً إلى ربه، وتصلح أعماله الظاهرة والباطنة، وتقوى علاقته بربه، ويستقيم مع عبادته تعالى، ويقف عند حدود الدين، وينتهي عما نهاه عنه رب العالمين. كما قال: ﴿إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر﴾ وبذلك يكون من المسلمين حقاً.
فالصلاة التي تنهي عن الفحشاء والمنكر، وهي تلك الصلاة التي يكون العبد فيها معظماً ربه، خائفاً منه، راجياً رحمته، فحظ كل واحد من صلاته إنما هو بقدر خوفه من الله، وتأثر قلبه بخشيته، لأن الله سبحانه إنما ينظر إلى قلوب عباده لا إلى صورهم الظاهرة، ولذا قال تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾ ، ومن غفل قلبه عن ربه لا يكون ذاكراً له، فلا يكون مصلياً صلاة حقيقية، وقال ﷺ : "لا ينظر الله إلى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع بدنه".
فهذه هي الصلاة في نظر الدين، وهي بهذا المعنى لها أحسن الأثر في تهذيب النفوس، وتقويم الأخلاق، فإن في كل جزء من أجزائها تمريناً على فضيلة من الفضائل الخلقية، وتعويداً على صفة من الصفات الحميدة، وإليك جملة من أعمال الصلاة وآثارها في تهذيب النفوس:
أولاً: النية، وهي عزم القلب على امتثال أمر الله تعالى بأداء الصلاة كاملة، كما أمر بها الله مع الإخلاص له وحده، ومن يفعل ذلك في اليوم والليلة خمس مرات، فلا ريب في أن الإخلاص ينطبع في نفسه، ويصبح صفة منصفاته الفاضلة التي لها أجمل الثر في حياة الأفراد والجماعات، فلا شيء أنفع في حياة المجتمع الإنساني من الإخلاص في القول
стр. 157
والعمل، فلو أن الناس أخلصوا لبعضهم بعضاً في أقوالهم وأعمالهم، لعاشوا عيشة راضية مرضية، وصلحت حالهم في الدنيا والآخرة، وكانوا من الفائزين.
ثانياً: إن القيام بين يدي الله تعالى، فالمصلي يقف ببدنه وروحه بين يدي خالقه مطرقاً يناجيه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، يسمع منه ما يقول، ويعلم منه قلبه ما ينوي، ولا ريب في أن من يفعل ذلك مرات كثيرة في اليوم والليلة، فإن قلبه يتأثر بخالقه، فيأتمر بما أمره به، وينتهي عما نهاه عنه، فلا ينتهك للناس حرمة، ولا يعتدي لهم على نفس، ولا يظلمهم في مال، ولا يؤذيهم في دين أو عرض.
ثالثاً: القراءة، وسيأتي لك حكمها عند الأئمة، ولكن ينبغي لمن يقرأ أن لا يحرك لسانه بالقراءة، وقلبه غافل، بل ينبغي له أن يتدبر معنى قراءته ليتعظ بما يقول، فإذا مر على لسانه ذكر الإله الخالق وجل قلبه خوفاً من عظمته وسطوته، كما قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً﴾ وإذا ذكرت صفات الله تعالى من رحمة وإحسان وجب عليه أن يعلم نفسه كيف تتخلق بتلك الصفات الكريمة، لأن النبي ﷺ قال: "تخلقوا بأخلاق الله فهو سبحانه كريم عفو غفور، عادل لا يظلم الناس شيئاً، فالإنسان مكلف بأن يتخلق بهذه الأخلاق، فإذا ما قرأ في صلاته الآيات التي تشتمل على صفات الإله الكريمة وعقل معناها، وكرّرها في اليوم والليلة مرات كثيرة. فإن نفسه تتأثر بها لا محالة ومتى تأثرت نفسه بجميل الصفات حبب إليه الاتصاف بها، ولذلك أحسن الأثر في تهذيب النفوس والأخلاق.
رابعاً: الركوع والسجود، وهما من أمارات التعظيم لمالك الملوك، خالق السموات والأرض وما بينهما، فالمصلي الذي يركع بين يدي ربه لا يكفيه أن يحنى ظهره بالكيفية المخصوصة، بل لا بد أن يشعر قلبه بأنه عبد ذليل، ينحني أما عظمة إله عزيز كبير، لا حد لقدرته، ولا نهاية لعظمته فإذا انطبع ذلكالمعنى في قلب المصلي مرات كثيرة في اليوم والليلة كان قلبه دائماً خائفاً من ربه فلا يعمل الا ما يرضيه، وكذلك المصلي الذي يسجد لخالقه، فيضع جبهته على الأرض معلناً عبوديته لخالقه. فإنه إذا استشعر قلبه ذل العبودية، وعظمة الرب الخالق فلا بد أن يخافه ويخشاه، وبذلك تتهذب نفسه وينتهي عن الفحشاء والمنكر.
هذا ويتعلق بالصلاة أمور أخرى لها فوائد اجتماعية جليلة الشأن: منها الجماعة، فقد شرع الإسلام الجماعة في الصلاة، وحث عليها النبي ﷺ ، فقال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة".
стр. 158
ففي الاجتماع لأداء الصلاة بصفوف متراصة متساوية، تعارف بين الناس يقرب بين القلوب المتنافرة، ويزيل منها الضغائن والأحقاد، وذلك من أجل عوامل الوحدة التي أمر الله تعالى بها في كتابه العزيز، فقال: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ وفي الاجتماع لأداء الصلاة تذكير بالأخوة التي قال الله عنها: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ فالمؤمنون الذين يجتمعون لعبادة رب واحد لا ينبغي لهم أن ينسوا أنهم إخوة، يجب أن يرحم كبيرهم صغيرهم، ويوقر صغيرهم كبيرهم، ويواسي غنيهم فقيرهم، ويعين قويهم ضعيفهم، ويعود صحيحهم مريضهم، عملاً بقول الرسول ﷺ : "المسلم أخول المسلم لا يظلمه ولا يثلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرّج الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة". ولو شئنا أن نذكر ما اشتملت عليه الصلاة من فوائد لاستغرقنا صحائف كثيرة فنقف عند هذا الحد، والله يوفقنا إلى العمل بدينه الحنيف، إنه سميع الدعاء.
تعريف الصلاة
معنى الصلاة في اللغة: الدعاء بخير، قال تعالى: ﴿وصلِّ عليهم﴾ أي دع لهم، وأنزل رحمتك عليهم، ومعناها في اصطلاح الفقهاء: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، بشرائط مخصوصة، وهذا التعريف يشمل كل صلاة مفتتحة بتكبيرة الإحرام، ومختتمة بالاسلام، ويخرج عنه سجود التلاوة وهو سجدة واحدة عند سماع آية من القرآن المشتملة على ما يترتب عليه ذلك السجود من غير تكبير، أو سلام، كما سيأتي في مبحثه، فهذا السجود لا يقال له: صلاة عند الحنفية والشافعية (١) .
أنواع الصلاة
للصلاة أنواع مبينة في المذاهب، فانظرها تحت الخط الذي أمامك (٢) .
стр. 159
شروط الصلاة
للصلاة شروط تتوقف عليها صحتها، فلا تصح الا بها، وشروط يتوقف عليها وجوبها. فلا تجب الا بها، وقداختلفت اصطلاحات المذاهب في بيان هذه الشروط وعددها، فلذا ذكرناها لك مفصلة تحت الخط الذي أمامك (١) .
دليل فرضية الصلاة وعدد الصلوات المفروضة
فرضت الصلوات الخمس - بمكة ليلة الإسراء قبل الهجرة إلى المدينة بسنة - في الأوقات المعروفة وهي وقت الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح؛ وأول الفرائض التي صلاها النبي ﷺ هو الظهر، أما كون الصلاة المذكورة فرضاً من الفرائض التي لا يتحقق الإسلام الا بها، فقد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع أئمة الدين، فمن أنكر كونها فرضاً فهو مرتد عن دين
стр. 162
الإسلام بلا خلاف، قال تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ . ومعنى الكتاب المكتوب المفروض، ومعنى الموقوت المحدد بأوقات معلومة، فكأنه قال: الصلاة مفروضة على المسلمين في أوقات معلومة للرسول الذي أمره الله أن يبين للناس ما نزَّل إليه من ربه، وقد كلف الله تعالى المؤمنين بإقامة الصلاة في كثير من آيات القرآن الكريم.
ولعل بعضهم يقول: إن الذي ثبت بكتاب الله تعالى إنما هو فرضية الصلاة، أما كونها خمس صلوات بالكيفية المخصوصة فلا دليل عليه في القرآن. والجواب: إن القرآن قد أمر النبي ﷺ أن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر الناس أن يتبعوا ما جاءهم به الرسولن، قال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ فكل شيء جاء به الرسول من عند الله فهو ثابت بالكتاب من هذه الجهة، أما السنة الصحيحة الدالة على أن عدد الصلوات خمس فهي كثيرة بلغت مبلغ التواتر: منها قوله ﷺ : "أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا" رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، فهذا الحديث صريح في أن الصلوات خمس، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر" رواه مسلم والترمذي، وغيرهما، وعن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ "مثل الصلوات الخمس، كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات" رواه مسلم؛ والغمر - بفتح الغين، وإسكان الميم - الكثير، ومنها غير ذلك.
ولهذا فقد أجمع أئمة المسلمين على أن الصلوات المفروضة خمس صلوات، وهي الظهر، والعصر إلى آخر ما تقدم قريبا، ولكنهم اختلفوا في تحديد هذه المواقيت، فمنهم من يقول مثلاً: إن الوقت ينقسم إلى ضروري واختياري، وهم المالكية، ومنهم من يقول: إن وقت الظهر ينتهي إذا بلغ ظل كل شيء مثله، ومنهم من يقول: لا ينتهي الا إذا بلغ ظل كل شيء مثليه، وهكذا مما ستعرفه قريباً.
مواقيت الصلاة المفروضة
قد عرفت مما قدمناه لك في "شروط الصلاة" أن دخول الوقت شرط من شروط الصلاة. فلا يجب على المكلف الا إذا دخل وقتها على أنك قد عرفت أن الحنفية لم يعدوا دخول الوقت شرطاً من شروط الوجوب، ولا من شروط الصحة، وذلك لأنهم قالوا: إن دخول الوقت شرط لأداء الصلاة، بمعنى أن الصلاة لا يصح أداؤها الا إذا دخل الوقت؛ والأمر في ذلك سهل،
стр. 163
لأنهم متفقون مع غيرهم على أن الصلاة لا تجب الا إذا دخل وقتها الآتي بيانه، فإذا دخل وقتها خاطبه الشارع بأدائها خطاباً موسعاً. بمعنى أنه إذا فعلها في أول الوقت صحت، وبرئت ذمته منها، وإذا لم يفعلها في أول الوقت لا يأثم إلى أن يبقى من الوقت جزء يسير لا يسع الا الطهارة من وضوء أو غسل إن كان جنباً، ويسع الصلاة بعد الطهارة، فإذا أدرك الصلاة كلها في الوقت فقد أتى بها على الوجه الذي طلبه الشارع منه وبرئت ذمته، كما لو أداها في أول الوقت أو وسطه، أما إذا صلاها كلها بعد خروج الوقت فإن صلاته تكون صحيحة، ولكنه يأثم إثماً عظيماً بتأخير الصلاة عن وقتها، وإذا أدرك بعضها في الوقت، وصلى البعض الآخر بعد خروج الوقت، فإن بعض الأئمة يقول: إنه يأثم (١) وبعضهم يقول إنه لا يأثم، على أنهم قد اتفقوا على أن الذي لا يدرك بعض الصلاة يكون قد صلى أداء لا قضاء، فالأداء لا ينافي الإثم عند بعض الأئمة، وقد بينا آراء الأئمة في ذلك تحت الخط الذي أمامك، وإليك بيان أوقات الصلوات الخمس محددة في المذاهب، فأولها الظهر، كما عرفت ويبتدئ وقته عقب زوال الشمس مباشرة.
стр. 164
ما تعرف به أوقات الصلاة
تعرف أوقات الصلاة بخمس أمور: أحدها: بالساعات الفلكية المنضبطة المبنية على الحساب الصحيح، وهي الآن كثيرة في المدن والقرى، وعليها المعول في معرفة الأوقات الشرعية ثانيها: زوال الشمس، والظل الذي يحدث بعد الزوال، ويعرف به وقت الظهر ودخول وقت العصر؛ ثالثها: مغيب الشمس، ويعرف به وقت المغرب؛ رابعها: مغيب الشفق الأحمر أو الأبيض على رأي، ويعرف به دخول وقت العشاء؛ خامسها: البياض الذي يظهر في الأفق، ويعرف به وقت الصبح؛ وقد أشار إلى هذه الأوقات الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي، والنسائي عن جابر بن عبد الله، قال: "جاء جبريل إلى النبي ﷺ حين زالت الشمس، فقال قم يا محمد فصل الظهر، حين مالت الشمس، ثم مكث حتى إذا كان فيء الرجل مثله جاءه للعصر، فقال: قم يا محمد فصل العصر ثم مكث حتى إذا غابت الشمس جاءه فقال قم فصل المغرب، فقام فصلاها حين غابت الشمس سواء، ثم مكث حتى إذا غاب الشفق جاءه، فقال: قم فصل العشاء، فقام فصلاها، ثم جاءه حين سطع الفجر في الصبح؛ فقال قم يا محمد فصل الصبح"؛ والى هنا قد بين هذا الحديث أول كل وقت، وله بقية اشتملت على بيان نهاية الوقت، ومعناها أنه جاءه في اليوم التالي وأمره بصلاة الظهر حين بلغ ظل كل شيء مثله، وأمره بصلاة العصر حين بلغ ظل كل شيء مثليه، وأمره بصلاة المغرب في وقتها الأول، وأمره بصلاة العشاء حين ذهب ثلث الليل الأول، وأمره بصلاة الصبح حين أسفر جداً، ثم قال له ما بين هذين وقت كله، اهـ.
فهذا الحديث وأمثاله يبين لنا مواقيت الصلاة بالعلامات الطبيعية التي هي أساس التقيوم الفلكي، والساعات المنضبطة - المزاول - ونحو ذلك، فلنذكر آراء الأئمة في تحديد مواقيت الصلاة تفصيلاً، مع العلم بأن بعضهم (١) يقسم الوقت إلى ضروري واختياري، وبعضهم لا يقسمه إلى ذلك.
стр. 165
وقت الظهر
يدخل وقت الظهر عقب زوال الشمس مباشرة؛ فمتى انحرفت الشمس عن وسط السماء، فإن وقت الظهر يبتدئ (١) ويستمر إلى أن يبلغ ظل كل شيء مثله، ولمعرفة ذلك تعرز الظل في النقص شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى منه سوى جزء يسير، وعند ذلك يقف الظل قليلاً، فتوضع عند نهايته علامة إن بقي شيء من ظل الخشبة، وإلا فيكون البدء من نفس الخشبة، كما في الأقطار الاستوائية؛ ومتى وقف الظل كان ذلك وقت الاستواء؛ فإذا أخذ في الزيادة علم أن الشمس زالت، أي مالت عن وسط الماء، وهذا هو أول وقت الظهر، فإذا طال ظل الخشبة حتى صار مثلها بعد الظل الذي كان موجوداً عند الزوال خرج وقت الظهر.
وقت العصر
يبتدئ وقت العصر من زيادة ظل الشيء عن مثله بدون أن يحتسب الظل الذي كان موجوداً عند الزوال، كما تقدم، وينتهي إلى غروب الشمس (٢) .
стр. 166
وقت المغرب
يبتدئ المغرب من مغيب جميع قرص الشمس، وينتهي بمغيب الشفق الأحمر (١) .
ووقت العشاء يبتدئ من مغيب الشفق إلى طلوع الفجر الصادق (٢) .
وقت الصبح
ووقت الصبح من طلوع الفجر الصادق، وهو ضوء الشمس السابق عليها الذي يظهر من جهة المشرق، وينتشر حتى يعم الأفق، ويصعد إلى السماء منتشراً، وأما الفجر الكاذب فلا عبرة به، وهو الضوء الذي لا ينتشر، ويخرج مستطيلاً دقيقاً يطلب السماء، بجانبيه ظلمة، ويشبه ذنب الذئب الأسود، فإن باطن ذنبه أبيض، بجانبيه سواد، ويمتد وقت الفجر إلى طلوع الشمس (٣) .
стр. 167
مبحث المبادرة بالصلاة في أول وقتها وبيان الأوقات التي لا تجوز فيها الصلاة
لأداء الصلاة في أوقاتها المذكورة أحكام أخرى من استحباب، أو كراهة أو نحو ذلك مفصلة في المذاهب (١) .
مبحث ستر العورة في الصلاة
الشرط الثاني من شروط الصلاة: ستر العورة. فلا تصح الصلاة من مكشوف العورة التي أمر الشارع بسترها في الصلاة، الا إذا كان عاجزاً عن ساتر يستر له عورته (١) ، ويختلف حد العورة بالنسبة للرجل، والمرأة الحرة، والأمة؛ وحد العورة (٢) للرجل والأمة، والحرة مفصل في المذاهب.
ولا يضر التصاقه بالعورة، بحيث يحدد جرمها، ومن فقد ما يستر (١) به عورته، بأن لم يجد شيئاً أصلاً صلى عرياناً، وصحت صلاته (٢) ، وإن وجد ساتراً، الا أنه نجس العين، كجلد خنزير، أو متنجس، كثوب أصابته نجاسة غير معفوِّ عنها، فإنه يصلي عرياناً أيضاً، ولا يجوز له لبسه في الصلاة (٣) وإن وجد ساتراً يحرم عليه استعماله،
стр. 172
كثوب من حرير، فإنه يلبسه ويصلي فيه للضرورة، ولا يعيد الصلاة، أما إن وجد ما يستر به بعض العورة فقط، فإنه يجب استعماله فيما يستره، ويقدم القبل والدبر، ولا يجب عليه أن يستتر بالظلمة إن لم يجد (١) ساتراً غيرها.
وإذا كان فاقداً لساتر يرجو الحصول عليه قبل خروج الوقت فإنه يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت (٢) ندباً؛ ويشترط ستر العورة من الأعلى والجوانب، لا من الأسفل، عن نفسه (٣) ، وعن غيره، فلو كان ثوبه مشقوقاً من أعلاه أو جانبه، بحيث يمكن له أو لغيره أن يراها منها بطلت صلاته، وإن لم تُرَ بالفعل؛ أما إن رئيت من أسفل الثوب، فإنه لا يضر.
ستر العورة خارج الصلاة
يجب على المكلف (٤) ستر عورته خارج الصلاة عن نفسه وعن غيره ممن لا يحل له النظر إلى عورته الا لضرورة، كالتداوي، فإنه يجوز له كشفها بقدر الضرورة، كما يجوز له كشف العورة للاستنداء والاغتسال، وقضاء الحاجة، ونحو ذلك إذا كان في خلوة، بحيث لا يراه غيره، وحد العورة من المرأة الحرة خارج الصلاة هو ما بين السرة والركبة إذا كانت في خلوة، أو في حضرة محارمها (٥) ، أو في حضرة نساء مسلمات (٦) ، فيحل لها كشف ما عدا ذلك
стр. 173
من بدنها بحضرة هؤلاء، أو في الخلوة، أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي، أو امرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها، ما عدا الوجه والكفين، فإنهما ليسا بعورة، فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة (١) .
أما عورة الرجل خارج الصلاة فهي ما بين سرته وركبته فيحل النظر إلى ما عدا ذلك من بدنه مطلقاً عند أمن الفتنة (٢) ؛ ويحرم النظر إلى عورة الرجل والمرأة، متصلة كانت، أو منفصلة، فلو قص شعر امرأة، أو شعر عانة رجل، أو قطع ذراعها، أو فخذه: حرم النظر إلى شيء من ذلك بعد انفصاله (٣) ، وصوت المرأة ليس بعورة: لأن نساء النبي ﷺ كن يكلمن بتلاوة القرآن، ويحرم النظر إلى الغلام الأمرد إن كان صبيحاً - بحسب طبع النظر - بقصد التلذذ، وتمتع البصر بمحاسنه، أما النظر إليه بغير قصد اللذة فجائز إن أمنت الفتنة، وأما حد العورة من الصغير فمفصلة في المذاهب (٤) . وكل ما حرم النظر إليه حرم لمسه بلا حائل، ولو بدون شهوة.
مباحث استقبال القبلة
لعلك على ذكر من شرائط الصلاة التي ذكرناها في "أول كتاب الصلاة" ومن بينها دخول الوقت، وستر العورة، واستقبال القبلة؛ وقد بينا الأحكام المتعلقة بدخول الوقت. وستر العورة، ونريد أن نبين هنا الأحكام المتعلقة باستقبال القبلة؛ ويتعلق بها مباحث؛ أحدها: تعريف القبلة ؛ ثانيها: دليل اشتراطها؛ ثالثها: بيان ما تعرف به القبلة؛ رابعها: بيان الأحوال التي تصح فيها الصلاة مع عدم استقبال القبلة؛ خامسها: حكم الصلاة في جوف الكعبة، وإليك بيانها على هذا الترتيب:
تعريف القبلة
القبلة هي جهة الكعبة، أو عين الكعبة، فمن كان مقيماً بمكة أو قريباً منها فإن صلاته لا تصح الا إذا استقبل عين الكعبة يقيناً ما دام ذلك ممكناً، فإذا لم يمكنه ذلك، فإن عليه أن يجتهد في الاتجاه إلى عين الكعبة، إذ لا يكفيه الاتجاه إلى جهتها ما دام بمكة، على أنه يصح أن يستقبل هواءها المحاذي لها من أعلاها، أو من أسفلها، فإذا كان شخص بمكة على جبل مرتفع عن الكعبة. أو كان في دار عالية البناء ولم يتيسر له استقبال عين الكعبة، فإنه يكفي أن يكون مستقبلاً لهوائها المتصل بها، ومثل ذلك ما إذا كان في منحدر أسفل منها، فاستقبال هواء الكعبة المتصل بها من أعلى أو أسفل. كاستقبال بنائها عند الأئمة الثلاثة، وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الجدول (١) .
ومن كان بمدينة النبي ﷺ ، فإنه يجب عليه أن يتجه إلى نفس محراب المسجد النبوي. وذلك لأن استقبال عين محراب مسجد النبي ﷺ هو استقبال لعين الكعبة، لأنه وضع بالوحي، فكان مسامتاً لعين الكعبة، ولا يلزمه أن يستقبل عين الكعبة، بل يصح أن ينتقل عن عين الكعبة إلى يمينها أو شمالها، ولا يضر الانحراف اليسير عن نفس الجهة أيضاً، لأن الشرط هو
стр. 176
أن يبقى جزء من سطح الوجه مقابلاً لجهة الكعبة، مثلاً إذا استقبل المصلي في مصر الجهة الشرقية بدون انحراف إلى جهة اليمين، فإنه يكون مستقبلاً للقبلة، لأن القبلة في مصر وإن كانت منحرفة إلى جهة اليمين، ولكن ترك هذا الانحراف لا يضر؛ لأنه لا تزول به المقابلة بالكلية؛ فالمدار على استقبال جهة الكعبة أن يكون جزء من سطح الوجه مقابلاً لها، وهذا رأي ثلاثة من الأئمة وخالفها الشافعية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
وليس من الكعبة الحجر، ولا الشاذروان، وهما معروفان لمن كان بمكة، وسيأتي بيانهما في كتاب الحج إن شاء الله، فمن كان بمكة واستقبل الحجر، أو الشاذروان، فإن صلاته لا تصح عند ثلاثة من الأئمة، وخالف الحنابلة، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) .
دليل اشتراط استقبال القبلة
استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة بالكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وقد نرى تقلب وجهك في السماء؛ فلنولينك قبلة ترضاها، فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾ : وأما السنة فكثيرة. منها ما أخرجه البخاري، ومسلم عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت؛ فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة؛ وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها، وكان وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة.
وأخرج مسلم عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس؛ فنزلت: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولنيك قبلة رتضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ فمر
стр. 177
رجل من بني سلمة، وهم ركوع في صلاة الفجر؛ وقد صلوا ركعة فنادى: ألا إن القبلة قد حولت، فمالوا كما هو نحو القبلة إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة.
وقد أجمع المسلمون على أن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة.
مبحث ما تعرف به القبلة
تعرف القبلة بأمور مفصلة في المذاهب: وقد ذركناها مجتمعة في كل مذهب تحت الخط الذي أمامك (١) ليسهل حفظها ومعرفتها بدون تشتت لا ضرورة إليه. على أننا سنذكر المتفق عليه والمختلف فيه أثناء التفصيل.
وبعد، فلعلك قد عرفت أن أدلة القبلة عند الأئمة لا تخرج عن أمور: منها المحاريب الموجودة في المساجد على التفصيل الذي بيناه؛ ومنها خبر العدل عند عد موجود المحاريب؛ ومنها التحري والاجتهاد عند عدم وجود العدل، وقد عرفت أن بعضهم يقول: إن التحري والاجتهاد مقدم على خبر العدل، إلى آخر ما بيناه مفصلاً في كل مذهب.
وبقي ههنا أمور: أحدها: ما حكم من تحري، فلم يرجح جهة على أخرى؟: ثانيها: ما حكم من تحرى، وأراد تحريه إلى جهة، ثم تبين له أنه أخطأ يقيناً أو ظناً، وهو في أثناء الصلاة أو بعد الفراغ منها؟ ثالثها: ما حكم من ترك الاجتهاد، وهو قادر عليه، ثم صلى بدونه؟؛ رابعها: ما حكم من يقدر على الاجتهاد، وقلد مجتهداً آخر؟، أما الجواب عن الأول فهو أن الذي يجتهد، ولم يستطع أن يرجح جهة على أخرى، فقد قام بما في طاقته، وعلى هذا فإن صلاته تصح بالتوجه إلى أي جهة، ولا إعادة عليه باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف الشافعية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، وأما الجواب عن الثاني، فهو أنه إذا صلى شخص إلى جهة أداه إليها اجتهاده، ثم ظهر له أنه أخطأ أثناء الصلاة، بأن تيقن أو ظن أن القبلة في جهة أخرى، فإنه يتحول إلى الجهة التي تيقن أو ظن أنها القبلة، وهو في صلاته يبني على ما صلاه قبل، فإذا صلى ركعة من الظهر مثلاً إلى جهة اعتقد أنها القبلة بعد التحري، ثم ظهر له بعد أداء هذه الركعة أن القبلة في جهة أخرى، فإنه يتحول إليها، ويبني على الركعة التي