Полный текст (2 230 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وذلك لأنه في حالة دفع الثمن قد يتوهم أنه بالثمن لموكله فلا يصح له حبس عنه أما في حالة عدم الدفع فلا يتوهم التبرع.
وإذا هلكت السلعة في يد قبل أن يحبسها عن موكله فإنها تهلك من مال الموكل فعليه أن يدفع ثمنها.
ومثل ذلك ما إذا دفع الموكل له ثمن السلعة لشتريها فضاع منه الثمن فإنه يضيع على الموكل لا على الوكيل نعم إذا اشترى سلعة ثم أعطاه الموكل ثمنها ليدفعه إلى البائع فققد منه الثمن قبل يعطيه للبائع فإن الوكيل يكون ملزماً به وكذلك إذا هلكت السلعة في يد الوكيل بعد حبسها عن الموكل فإنها تهلك على الوكيل وليس له أن يطالب الموكل بثمنها سواء كانت قيمة السلعة متساوية مع ثمنها أو لا.
وبعضهم يقول: إن السلعة في هذه الحالة كالمرهون. فإن تهلك بالأقل من ثمنها وقيمتها بمعنى أنها تقوم وقت هلاكها فإن كانت قيمتها تساوي ثمنها بأن كان ثمنها عشرة ولم ينقص عن ذلك ولم يزد عند هلاكها فالأمر ظاهر.
أما إذا زادت قيمتها عن ثمنها خمسة كانت الخمسة حقاً للموكل فيطالب بها الوكيل وإن نقضت خمسة كانت حقاً للوكيل فيطالب بها الموكل. مثلاً إذا وكله بشراء جمل فاشتراه له بخمسة عشر ولم يدفع الموكل الثمن ولم يرض الوكيل بإعطائه الجمل قبل دفع الثمن ثم مات بعد ذلك في يد الوكيل. ففي هذه المسألة رأيان:
أحدهما: أن الجمل هلك بثمنه على الوكيل فلا يطالب الموكل بشيء سواء زادت الجمل أو نقصت.
ثانيهما: أنه ينظر إلى ثمن الجمل وقيمته عن ثمنه بحيث أصبح يساوي عشرة فإن الوكيل يحسب عليه عشرة فقط ويرجع على الموكل بالخمسة.
أما إذا كانت قيمته هلاكه قد ارتفعت إلى عشرين فإنه بخمسة عشر ويرجع الموكل على الوكيل بالخمسة التي زادت.
رابعاً: إذا اشترى الوكيل السلعة بثمن معجل ثم أجله له البائع بعد الشراء فإن للوكيل الحق في مطالبة الموكل بالثمن حالاً.
أما إذا اشتراها بثمن مؤجل من أول الأمر فليس له مطالبة الموكل بالثمن حالاً.
خامساً: إذا أراد شخص أن يتعاقد مع آخر في سلم فإنه يصح له أن يوكل عنه من يدفع للمسلم إليه (البائع) رأس مال السلم (الثمن) ، أما المسلم فإنه لا يجوز له أن يوكل عنه غيره في قبض رأس مال السلم وذلك لأنه مجرد أن يقبض الوكيل رأس المال (الثمن) فإنه يصير المسلم فيه (المبيع) في ذمتهстр. 1157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فيكون مسؤولاً عنه مع أن الثمن يعطي إليه ولا يجوز أن يبيع الإنسان ماله بشرط أن الثمن لغيره وبذلك يكون التوكيل باطلاً ويكون الوكيل هو المتعاقد (المسلم إليه) فيكون رأس المال مملوكاً له والمسلم فيه ديناً في ذمته فإذا أعطى رأس المال من وكله كان في ذمته.
وفي الصورة الأولى الجائزة وهي ما إذا وكل رب السلم (المشتري شخصاً ليدفع عنه رأس مال المسلم (الثمن) فإنه لا يصح للوكيل أن يفارق المسلم إليه البائع قبل أن يدفع له رأس المال فإذا فارقه بطل العقد. وإذا كان الموكل حاضراً وفارق المجلس قبل القبض. هل يبطل العقد أو لا؟ رأيان فبعضهم يقول: إن الوكيل نائب فإذا حضر الأصيل فلا يعتبر النائب. وبعضهم يقول: إن الوكيل وإن كان نائباً في أصل العقد ولكنه في التصرف في الحقوق فلا عبرة بحضور الموكل ولا بمفارقته ما دام الوكيل حاضراً.
ومثل السلم الصرف فإنه يجوز لكل من العاقدين أن يوكل عنه من يستلم العين التي يتبادلانها بشرط ألا يفارق الوكيل صاحبه قبل العقد.
سادساً: إذا وكله على أن يشتري له شيئاً بعينه كفرس فلان أو ثوره أو غير ذلك فإنه لا يجوز للوكيل أن يشتري ذلك الشيء عند غيبة موكله.
أما إذا كان موكله حاضراً فإن له أن يشتريه لنفسه لأن له أن يعزل نفسه عن التوكل رأساً بحضرة موكله ويكون حراً. أما في حالة غيبة موكله فإنه لا يجوز له عزل نفسه فلا يصح أن يشتري لنفسه ما أمره موكله بشرائه له وإلا كان مغرراً وذلك لا يجوز. نعم إذا قال له اشتر لي كذا بعشرين فاشتراه لنفسه بخمسة وعشرين أو قال له اشترلي بورق فاشتراه بذهب فإنه يجوز لأن في مخالفة لأن في مخالفة الموكل عزلاً ضمنياً للوكيل.
ومثل ذلك ما إذا وكله على أن يزوجه امرأة بعينها فإن للوكيل أن يزوجها لنفسه وذلك لأن النكاح لا بد من إضافته إلى الموكل فإذا أضافه الوكيل لنفسه فقد عزل نفسه لمخالفته مقتضي التوكيل.
وإذا وكله على أن يشتري شيئاً غير معين كأن قال له اشتر لي ما رأيت فهذه تحتمل ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن ينسب الثمن إلى مال أحدهما أحدهما وفي هذه الحالة تكون السلعة لصاحب المال سواء كان الوكيل أو الموكل.
الصورة الثالثة: أن لا ينسب الثمن إلى مال أحد كالصورة الثانية ولكن الوكيل لم ينو عند الشراء أن تكون السلعة له أو للموكل ووافقه الموكل على ذلك وفي هذه الحالة رأيان:стр. 1158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الرأي الأول: أن تكون السلعة لمشتري (الوكيل) مطلقاً سواء دفع ثمنها من ماله أو من مال الموكل.
الرأي الثاني: أن تكون للذي دفع الثمن من ماله.
سابعاً: إذا ادعى الوكيل أنه اشترى حيواناً كفرس فهذه المسألة تحتمل صوراً:
الصورة الأولى: أن يكون مأثوراً بشراء ذلك الحيوان بعينه والحيوان حي لم يحدث فيه عيب وفي هذه الحالة يكون القول للوكيل سواء أخذ ثمنه أو لا بعد أن يحلف وذلك لأنه أخبر عن شيء يملك فعله في أي وقت ما دام وكيلاً.
الصورة الثانية: أن يكون الحيوان قد هلك أو حدث به عيب. وهذه تحتمل وجهين:
الوجه الثاني: أن لا يكون قد فقد الثمن وفي هذه الحالة يكون القول للموكل.
الصورة الثالثة: أن يكون مأموراً بشراء حيوان غير معين والثمن مفقود وفي هذه الحالة يكون القول للوكيل سواء كان حياً أو ميتاً.
الصورة الرابعة: أن يكون الحيوان غير معين والثمن غير منقود وفي هذه الحالة يكون القول للموكل لما فيها من جهة التهمة للوكيل فإنه يحتمل أن يكون قد اشتراه لنفسه فلما رأى الصفقة خاسرة قال إنه اشتراه للموكل.
ثامناً: إذا قال شخص لآخر بعني هذا الثور لفلان فباعه إياه ثم أنكر المشتري أن فلاناً أمره بالشراء حقيقة.
تاسعاً: إذا وكله على أن يشتري له سلعتين معينتين ولم يسم ثمناً فاشترى له إحداهما بقدر قيمته أو بزيادة يسيرة يتعغابن فيها الناس فإنه يصح، أما إذا اشتراها بزيادة فاحشة فإنه لا يصح وذلك لأن الوكيل على شراء شيء لا يجوز له أن يشتري بغبن فاحش.
وإذا وكله على بيع شيء فخالفه فإن كانت المخالفة في خير فإنها تنفذ كما قال له بع هذا الفرس بعشرين جنيهاً فباعها بخمسة وعشرين بشرط أن يبيع بالنقد أي بحيث لو باعها بورق فإنه لا يصح ولو كانت مصلحة للموكل.
الحادي عشر: لا يجوز لوكيل أن يبيع السلعة الموكل على بيعها لنفسه أو لمن له عليه ولا ية بسبب الحجر لصغر أو جنون أو سفه أو لمن لا تقبل شهادته كابنه الكبير وأبيه فهؤلاء الأنواع الثلاثةстр. 1159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لا يجوز للوكيل أن يبيع سلعة موكله لهم كما أن يبيع سلعة موكله لهم كما لا يجوز ان يشتري له سلعة منهم لتهمة المحاباة فضلاً عن أن البيع والشراء من نفسه أو ممن له عليه ولاية يستلزم أن يكون البائع والمشتري واحداً والمعروف أن عقد البيع لا يكون إلا بين اثنين. فإذا أذنه الموكل أن يبيع لمن لا تقبل شهادته فإنه يصح أن يبيع لهم أو يشتري منهم بثمن المثل كما لا يجوز له أن يبيع لهم بأزيد ويشتري منهم بأنقص بلا خلاف فإن باع أو اشترى منهم بغبن فاحش فإنه لا يصح قولاً واحداً وفي الغبن اليسير خلاف (والغبن الفاحش هو الذي لا يتغابن الناس فيه عادة أي لا يخدع بعضهم فيه بعضاً. وقدره بعضهم في عروض التجارة بما زاد على نصف العشر وفي الحيوان بما زاد على العشر وفي العقار بما زاد على الخمس) فذلك هو الغبن الفاحش وما عداه فهو يسير.
أما إذا أذنه الموكل بأن يبيع لنفسه أو لابنه الصغير ففيه رأيان:
أحدهما: أنه لا يجوز لأن العاقد في هذه الحالة يكون واحداً.
ثانيهما: انه يجوز (ويظهر أن الذي يقول بعدم الجواز لعلة كون العقد واحداً لا يمنع أن يبيع الوكيل السلعة لأجنبي ثم يشتريها منه ثانباً لأنه في هذه الحالة يكون البائع غير المشتري)
الثاني عشر: يجوز للوكيل أن يبيع السلعة الموكل على بيعها بيعاً مطلقاً والكثير فلا يسأل عن الغبن سواء كان فاحشاً أو يسيراُ عند أبي حنيفة. اما صاحباه فيقولان انه يجوز أن يبيع بغير ثمن. المثل وقد رجح بعضهم قول الإمام وبعضهم رجح قول صاحبيه وعليه الفتوى.
أما إذا وكله على أن تشتري له سلعة فإنه لا يجوز لوكيل أن يشتريها بأكثر من ثمن المثل بحسب العرف والعادة بالإجماع فإذا أشترى على خلاف العادة والمعروف أو اشترى بغير النقود نفذ شراؤه على نفسه وكان ملزماً بالثمن الذي أخذه من مال موكله.
واعلم أنهم قسموا الذين ينصرفون في البيع والشراء إلى أقسام.
الأول: الأب والجد والوصي إذا باعوا أو اشتروا مال القاصر أو المحجور عليه وهؤلاء ليس لهم أن يبعوا أو يشتروا بحسب العرف والعادة ويغتفر لهم الغبن اليسير.
الثاني: الوكيل بالبيع المطلق والمضارب وشريكا العنان وهؤلاء يجوز لهم أن يبعوا كما يحبون ونفذ تصرفهم ولو غبنوا غبناً فاحشاً عند أبي حنيفة أما صاحباه فقد عرفت رأيهم في ذلك آنفاً وقد عرفت أن شراء هؤلاء لا ينفذ إذا كان بحسب العرف والعادة باتفاق.
الثالث: المريض مرض الموت إذا كان عليه دين يستغرق جميع ماله وهذا إذا باع منه شيئاً فإنه يجن أن يكون بحسب العرف والعادة ولا ينفذ تصرفه إذا غبن فيه سواء كان الغبن فاحشاء أو يسيراً، والمشتري بالخيارإما أن يرد السلعة لأو يكمل مانقص من ثمنها، فإن مات وترك وصياً وباع وصيه بالمال لسداد دينه فإنه يعفى في بيع الوصي عن الغبن اليسير في هذه الحالة.
أما إذا باع الوصي لمن لاتقبل له شهادته وحاباه ولو يسيراً فإنه لا يصح.стр. 1160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الرابع (الوصي) وهو لا يجوز له أن يبيع مال اليتيم، أو يشتريه لنفسه إلا إذا كان فيه خير لليتيم، وتقدر الخيرية بزيادة الثلث، فيجوز له إن يشتري ما يساوي عشرة بخمسة عشر، ويبيع له ما يساري خمسة عشر بعشر وإلا فلا.
الخامس: (الكاتب) و (العبد) المأذون بالتجارة؛ وهذان لهما أن يبيعا وأن يشتريا على خلاف العرف والعادة عند أبي حنيفة، فلو باعا ما يساوي عشرة بواحد فإنه يصح، أما صاحباه فيقولان أنه لا يجوز أن يبيعا على خلاف المعروف.
الثالث عشر: إذا وكله أن يبيع له سلعة يتجر فيها فباعها بثمن مؤجل فإنه يصح، أما إذا وكله على أن يبيع له إردَبّاً من القمح ليدفعه في الخراج المطلوب منه فوراً فإنه لا يصح أن يبيعه بثمن مؤجل، وكذا في كل سلعة قامت القرينة على الاحتياج إلى ثمنها على أنه يشترط في البيع بثمن مؤجل ألا تطول مدة الأجل طولاً يخالف العادة في مثل ذلك، وإلا لم ينفذ بيعه.
الشافعية - قالوا: ينعلق بالوكالة بالبيع والشراء أمور:
أولاً: إذا وكله على أن يشتري له شيئاً فعليه أن يبين صنفه. فإذا قال وكلتك على شراء دار فيجب أن يبين جهتها كأن يقول في بلد كذا في حارة كذا أو شارع كذا ما لم يكن الغرض من الشراء التجارة فإنه لا يشترط بيان النوع لأن المقصود للموكل أن يشتري له ما فيه ربح في أي جهة كان وعلى أي صفة وجد فيطفي أن يقول له اشتر ما فيه ربح.
ثانياً: إذا وكله على شراء معين فيجب على الوكيل أن يتبع ما أمره موكله فإذا قال له اشتر لي فلان ناقة بثمن كذا فإنه يتعين ولا يجوز للوكيل الخروج عنه وإذا وكله على أن يبيع له سلعة بثمن مؤجل إلى أجل معين كشهر أو شهرين فإنه يصح، وعلى الوكيل أن يتبع ما أمره به موكله فإن خالف ذلك بأن باع بثمن حال، أو بأجل انقض من الأجل الذي عينه له موكله فإنه يصح بشرطين:
الأول: ألا ينهاه الموكل عن البيع الحال، أو يكون فيه ضرر على الموكل كنقص في الثمن.
الثاني: ألا يعين له المشتري فإن عينه كأن قال له بع لفلان بثمن مؤجل فإنه لا يصح أن يخالفه أما إذا قال له بع بثمن مؤجل ولم يحدد الأجل فإنه على الأجل المتعارف في بيع هذه السلعة فإن لم يكن فيه عرف بين الناس فعلى الوكيل أن يتبع ما فيه مصلحة موكله.
خامساً: لا يصح لوكيل أن يبيع سلعة موكله لنفسه أو لابنه الصغير أو السقيه أو المجنون وذلك لأن عقد البيع يجب أن يكون بين اصنين أحدهما موجب كأن يقول بعت كذا والآخر قابل وهو الذي يقول قبلت (وهنا الشخص واحد) لأنه إما أن يبيع لنفسه أو يبيع لمن هو ولي عنه، وهذا لا يصح. نعم إذاстр. 1161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حدد الموكل الثمن، ووكل عن ابنه الصغير، أو المجنون أو السفيه من يقبل عنه البيع ورضي موكله الأصلي بذلك فإن البيع يصح.
أما البيع لولده الكبير (البالغ الرشيد) ولأبيه وإن علا فإنه يصح في الأصل، وبعضهم يقول: يصح لوجود التهمة، فإن صرح الموكل بالبيع لهما فإنه يصح بلا خلاف.
ثالثاً: إذا قال له وكلتك على أن تبيع هذه السلعة بما شئت أو بما تراه فإن له أن يبيعها بغير نقد البلد (بالعملة المستعملة في البلاد الجنبية) وليس له أن يبيع بغبن فاحش أو بثمن مؤجل.
وإذا قال له بعها بكم شئت فإن له أن يبيع بغبن فاحش وليس له أن يبيع بثمن مؤجل أو بغير نقد البلد، وذلك لأن (كم) للعدد فيشمل القليل والكثير فهو أذنه في أن يبيع بأي ثمن، وليس فيه تصريح له بالبيع إلى أجل أو بغير البلد.
وإذا قال له بعها كيف شئت فله بيعتها بثمن مؤجل وليس له بيعها نغبن فاحش أو نقد البلد وذلك لأن (كيف) للحال فيشمل الثمن الحال والمؤجل فهو المصرح لا بالغبن ولا بمخالفة نقد البلد.
رابعاً: إذا وكله وكالة مطلقة فليس له أن يبيع أو يشتري إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: ألا يتعاقد إلا بثمن فيه مصلحة الموكل فلا يبيع السلعة إلا بثمن المثل أو أكثر ولا يشتري إلا بثمن المثل أو أقل، فإذا غبن في بيعه غبناً فاحشاً فإنه لا يصح.
والغبن الفاحش هو ما لا يغتفر بحسب العرف، أما الغبن اليسير وهو كثيراً بين الناس فإنه لا يضر، وإذا باع السلعة بثمن المثل ووجد لها راغب بثمن أزيد فإذا كان فرق الثمن كثيراً بحيث يقع الغبن الفاحش فإنه يجب أن يبيع السلعة للراغب إذا كان زمن الخيار فإن لم يفعل انفسخ العقد الأول.
الشرط الثاني: أن يبيع بثمن حال لا مؤجل، فإذا باع مؤجل فإن البيع لا يصح.
الشرط الثالث: أن يبيع بالنقود المستعملة في بلد البيع، فلا يصح البيع بالنقود المستعملة في الممالك الأجنبية عنها مالم يأذن به الموكل.
الحنابلة - قالوا: يتعلق بالوكالة بالبيع والشراء أمور:
أولاً: لا يجوز للوكيل أن يبيع سلعة موكله لنفسه لأن العرف في البيع أن يبيع الشخص لغيره والوكالة على العرف، وكذا لا يصح أن يبيع لولده أو زوجه وكذا سائر من لا تقبل شهادته له لأن في ذلك تهمة كالتهمة التي تلحقه إذا باع لنفسه.
ثاباً: لا يجوز للوكيل أن يبيع سلعة موكله بعرض تجارة ولا بثمن مؤجل ولا بنقود غير مستعملة في بلد البيع إلا أذن له موكله، وإذا اختلفا في الإذن فالقول للوكيل، أما إذا اختلفا في التصرف كما إذا قال له أمرتني ببيع السلعة والموكل قال: بل امرتك برهنها فالول للموكل.
ثالثاً: إذا حدد ثمن السلعة لوكيله، فإن عليه أن يتبع أمره، فإذا باع مما عينه له صحстр. 1162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) البيع، ولكن الوكيل ملزماً بدفع الثمن الذي عينه له الموكل. وكذا إذا لم يحدد له ثمناً ولكنه باع بأقل من ثمن المثل فإنه يلزم بدفع ثمن المثل.
ومثل ذلك ما إذا اشترى بأزيد من الثمن الذي عينه له، أما بأزيد من ثمن المثل، فإن البيع والشراء يصح، ولكنه يكون ملزماً بدفع الثمن. فإذا باع بأكثر مما عينه له الموكل صح ويعفى في البيع والشراء عن الغبن اليسير.
أما الغبن الفاحش، وهو ما لا يقع مثله ويقدر بعشرين في المائة، فإنه لا يعفى عنه وبلزم به الوكيل.
رابعاً: إذ قال له الموكل اشتر لي سلعة بثمن حال فاشتراها بثمن مؤجل فإنه يصح، أو بع هذه السلعة بثمن مؤجل فباعها بثمن حال فإنه يصح إذا لم يترتب على ذلك ضرر للموكل لأنه في هذه الحالة قد فعل ما فيه زيادة خير لموكله.
أما إذا ترتب على ذلك ضرر، كما إذا قال له: بع هذه السلعة بثمن مؤجل فباعها بثمن حال فحجز عليه ظالم، أو لم يستطع حفظه في ذلك الوقت فعرضه للضياع فإن الوكيل لا ينفذ تصرفه، وبعضهم يقول: وعليه ضمان الضرر، ومثل ذلك ما إذا قال: اشتر لي سلعة بعشرة فاشتراها بأكثر من ذلك لأجل.
خامساً: إذا اشارى الوكيل سلعة بها عيب معلوم له فإن الشراء يلزم الوكيل فليس له رد السلعة وإذا رضي بها موكله مع عيبها فإنه يصح لأنه مقصود بالشراء.
أما إذا كان العيب غير معلوم للوكيل فإن رد السلعة ما لم يحضر الموكل قبل ردها فإن حضر فليس للوكيل الرد وذلك لأن حق السلعة المعيبة للموكل والوكيل قائم مقامه فقط، فإذا حضر الموكل كان صاحب الشأن وكذلك حق تسليم الثمن وقبض المبيع فإنه للموكل لا لوكيل فإذا حضر الموكل كان هو صاحبه.
سادساً: إذا وكله على أن يبيع له سلعة فإن عليه أن يسلمها لمن اشتراها وليس له قبض الثمن فإن لم يأذنه صريحاً ولكنه أذنه ضمناً بأن قامت قرينة على إذنه بقبض الثمن فإنه يصح، وذلك كما وكله أن يبيع جملاً في سوق عامة بعيدة عنه ولم يعين له المشتري فلا معنى لهذا إلا أنه قد أذنه بقبض الثمن فإن باع الوكيل السلعة وسلمها ولم يقبض ثمنها كان ملزماً به لأنه في هذه الحالة يكون مفرطاً.
سابعاً: إذا وكله على أن يشتري له سلعة فإن على الوكيل أن يسلم ثمن السلعة لو أخر تسليم الثمن بلا عذر ثم فقد كان الوكيل ضامناً له.
ثامناً: إذا وكله أن يشتري شيئاً فلا بد من بيان نوعه وثمنه، فإذا قال له: وكلتك على أن تشتري لي ما تشاء أو تشتري لي عيناً بما تشاء فإنه لا يصح.стр. 1163
مبحث التوكيل بالخصومة
-إذا وكل عنه من يقوم مقامه في الخصومة بأن يدعي عنه دعوى صحيحة أو يجب عن دعوى فإن ذلك جائز ولا يملك هذا الوكيل قبض هذا الدين ولا الصلح بل لا بد من التوكيل على ذلك في عقد الوكالة وفي ذلك تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (المالكية - قالوا: التوكيل في الخصومة جائز بشروط:
أحدهما: أن يمون وكيل الخصومة واحداً لا أكثر فلا يصح له أن يوكل أكثر من واحد إلا برضا الخصم.
ثانيهما: ألا يكون الوكيل عدو للخصم فإن ثبتت عدواته فإنه يصح ضده، أما إذا لم تثبت عدواته له فإنه توكيله بدونة رضا الخصم.
ثالثهما: لا بد من تعيين في الخصومة فلا يصح أن يقول: وكلتك كل من يخاصم عني حتى لو كان شخصان شريكين في حق عند واحد وقالا: من يحضر منا يخاصم ضده فإنه لا ينتفع لأنه يكون بمنزلة توكيل متعددة بدون تعيين الوكيل فلا بد تعيين من يخاصم منهما.
رابعها: ألا يباشر الموكل نفسه الخصومة أمام الحاكم فإذا باشرها بنفسه وحضر ثلاث جلسات إنه لا يصح له أن يوكل بعد ذلك لما في ذلك من تفاقم الشر واتساع الخصومة وذلك منهي عنه في نظر الشريعة السمحة، نعم يصح له أن يوكل عنه لعذر من مرض أو سفر أو اعتكاف وفي هذه الحالة عليه أن يحلف بأنه ما وكل عنه إلا لسبب من هذه الأسباب فإن امانتع عن الحلف فلا يصح له أن يوكل إلا برضا خصمه. ومن العذر أن يتشاتما أو يضيق الخصم عن احتمال خصمه فيحلف بالله ألا يقف إلى جانبه في الخصومة.
أما إذا حلف لغير سب فإنه لا ينفع حلفه وليس لوكيل الخصومة نفسه بعد أن يحضر ثلاث جلسات إلا لعذر بعد أن يحلف اليمين أنه ما عزل نفسه إلا لهذا العذر وكذلك للموكل عزله. أما قبل حضوره ثلاث جلسات فإن عزل نفسه وللموكل عزل موكله قبل ذلك فلخصمه أن يوكله إلا إذا أصبح عدواً للموكل الأول فإنه لا يصح.
وإذا خاصم الوكيل في قضية، ثم انتهت وأراد الدخول في قضية أخرى فإنه يصح بشرط أن يكون الوكالة غير معينة، ولم تطل مدة انقطاع الخصومة بين القضيتين، فإذا طالت إلى ستة أشهر فإنه لا يصح.
أما إذا كانت متصلة، ولم تنقطع فللوكيل أن يتكلم عن موكله وإن طال المدى كثيراً.стр. 1164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولا يملك وكيل الخصومة الخاصة الإقرار عن موكله إلا إذا نص عليه في عقد التوكيل فإن أقر بشيء لم يلزم الموكل ويكون الوكيل في هذه الحالة كشاهد.
أما الوكيل وكالة مفوضة فإنه يملك الإقرار ويشترط لنفاذ الإقرار على الموكل في الحالتين شروط بحيث لا ينفذ من وكيل الخصومة الخاصة المنصوص فيها عن أن له الإقرار ولا من الوكيل المفوض إلا إذا تحققت هذه الشروط:
الأول: أن يقر بشيء معقول يناسب الدعوى فلا يقر بشيء زائد عن المناسب.
الثاني: أن يقر بما هو من نوع الخصومة كأن يوكله في دين فيقر بأنه قبض بعض أو أبرأه عن بعضه. أما إذا وكله بدين له عند خصمه فأقر له اتلف له وديعة عنده ونحو ذلك فإن الإقرار لا ينفذ.
الثالث: ألا يقرلشخص بينه وبينه ما يوجب التهمة كصديقة أو قريبة أو نحو ذلك.
وإذا قال الموكل لوكيله: أقر عني بألف يكون ذلك إقرار من الموكل، فلا يحتاج لإنشاء الوكيل إقرار وليس للموكل الرجوع بعد، ولا عزل الوكيل عن الإقرار ويكون شاهداً عليه بها.
الحنفية - قالوا: الوكالة في الخصومة جائزة لا فرق بين أن يوكل واحداً أو أكثر ولكن هل تصح بدون رضا الخصم أو لا؟ فبعضهم رجح قول الإمام وهو أن التوكيل في الخصومة لا يجوز إلا برضا الخصم وبعضهم رجح قول صاحبيه وهو أنه يجوز رضا الخصم سواء كان المدعي أو مدعى عليه.
وبعضهم فوض الأمر للقاضي وهو أنه إذا علم من الموكل التعنت والإضرار بالخصم بدون حق فلا يقبل التوكل وإذا علم من أحد الخصمين التعنت في عدم قبول التوكيل الذي يقصد منه بيان الحقيقة لا يصغي له. وهذا حسن في وماننا لأن كثيراً من الناس يعلم حق العلم أنه مبطل وأن قضيته خاسرة ولكن يحمله العناد والإغراق في الخصومة على توكيل محام لا عمل له الإضرار بالخصم بأن يحاول تأخير حقه على نفقات ضائعة نكاية به أو غير ذلك فلو أن الموكل الذي يظهر منه ذلك للقاضي لا يقبل منه لإلا برضا خصومة يكون حسناً.
ومحل ذلك كله ما إذا كان القاضي غير محل التهمة وإلا فالعمل برأي الصالحين أولى وأنفع, وعلى أن الإمام أجاز التوكيل بالخصومة وإن لم يرض الخصم للضرورة كما كان الموكل مريضاً لا يمكنه حضور مجلس القضاء بقدميه فإذا أمكنه الحضور على ظهور دابة فإنه يلزمه الحضور إن لم يترتب على ذلك زيادة مرضه وإلا فلا.
وكذا إذا عزم على سفر مدة بحيث تقوم القرينة على أنه مسافر حقاً خصمه يحلفه القاضي بالله وكذا المحذرة التي تخالط الرجال عادة فإن لها أن توكل بدون رضا الخصم وكذلك إذا كان لا يحسن الدعوى فإن له أن يوكل عنه رضي الخصم أو لم يرض. وهذه الطريقة قد تجعل لمعظم العامة الحق في التوكيل. ولوكيل الخصومة أن يعزل نفسه متى شاء إذا كان متبرعاً ومثله وكيلстр. 1165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) القبض ووكيل البيع والشراء وغير ذلك إلا في أمور ثلاثة: فليس للوكيل نفسه أو يعزله موكله.
الأمر الأول: إذا وكله في أن يسلم عيناً لشخص كأن قال له: أعط هذه الثياب أو الكتب أو الحيوانات لفلان، ثم غاب الموكل عن البلدة فإنه يجب على الوكيل في هذه الحالة أن يسلمها ولا يصح له أن يعزل نفسه.
الأمر الثاني: أن يوكله على بيع الرهن كما إذا رهن عيناً في نطير دين ووكل شخصاً على أن يبيع هذه العين لسداد الدين فإنه يجبر على بيعها ولا يصح له أن يعزل نفسه.
الأمر الثالث: أن يوكل شخصاً بالخصومة وهو غائب ليجيب الدعوى بناء الدعوى على طلب المدعي فإنه يجب على الوكيل أن يباشر عمله حيث لا يجد أمامه من يقاضيه.
أما إذا كان المدعي عليه حاضراً فللموكل عزله لأنه يمكنه أن يطلب منه حقه وهو حاضر وكذا 'ذا لم يكن التوكيل بطلب المدعي لأنه لا حق له في الوكالة وسيأتي لذلك مزيد في عزل الوكيل.
والوكيل بالخصومة والمطالبة بالحقوق والمطالبة لا يملك القبض على المفتي به بل لا بد لقبض الدين ونحوه من الحقوق المالية من نص عليه في التوكيل فإذا وكله على قبض الدين ولم يوكله على الخصومة فإن له أن يخاصم عنه الخصومة طريق لأخذ ضد الصلح الموكل عليه ووكيل الخصومة يملك الإقرار بخلاف غيره من الوكلاء فلا يملك الإقرار لا فرق بين وكيل القبض أو وكيل الصلح أو غيرهما وإنما يملك وكيل الخصومة الإقرار بشروط:
الشرط الأول: أن يقر مجلس القضاء فلو أقر خارجه الموكل.
الشرط الثالث: ألا ينص في توكيل الخصومة على ألا يكون للوكيل حق فإذا نص على ذلك الوكيل لا يملك الإقرار. وحاصل هذه المسألة أنه إذا قال له: وكلتك بالخصومة على ألا يكون لك حق الإقرار عني فإنه يصح فلو أقر عليه في مجلس القضاء بعد ذلك فإنه يخرج من الوكالة فلا تسمع خصومته ويكون للوكيل في هذه الحالة حق الإنكار فقط فإذا استثني الإنكار كان له حق الإقرار فإذا وكله بالخصومة على ألا يكون له حق الإقرار ولا حق الإنكار ففي صحة هذا التوكيل خلاف.
الحنابلة - قالوا: التوكيل يالخصومة جائز، وليس الخصومة أن يقبض الحقوق المالية إلاстр. 1166
مبحث هل للوكيل أن يوكل غيره ؟
-إذا أذن الموكل وكيله يتوكيل الغير فإنه يصح له أن يوكل، وأما إذا لم يأذنه فإن فيه اختلاف المذاهب (١) . الحواشي
(١) (المالكية - قالوا: إذا لم يأذن الموكل الأصلي وكيله بتوكبل الغير فإنه لا يصح له أن يوكل إلا في حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون وكيلاً على أمر لا يليق به أن يتولاه بنفسه كما إذا وكله على بيع دابة بسوق عامة وهو عظيم لا يناسبه أن يباشر بنفسه وذلك البيع فله في هذه الحالة فإذا لم يتحقق هذا الشرط ووكل عنه غيره بدون إذن الموكل الأصلي وضاع المال كان مسؤولاً عنه.
الحالة الثانية: ان يوكل على عمل كثير لا يستطيع أن يتولاه وحده فله في هذه الحالة أن يوكل عنه غير ليساعده في العمل وليس له أن يوكل من يستقل بالعمل وحده.
وإذا وكل الوكيل الوكيل عنه ثم عزل الموكل الأصلي الوكيل الأول فإن الوكيل الثاني لا ينعزل بمعزل الأول فإذا أراد الموكل الأصلي عول الثاني فله عزله استقلالاً وللوكيل الأول عزل الوكيل الثاني، وإذا مات الموكل الأصلي انعزل الوكيلان وأما الوكيل وكالة مفوضة فله الغير توكيل الغير مطلقاً.
الحنفية - قالوا: لا يجوز للوكيل أن يوكل عنه في دفع ما عليه بدون إذن موكله إلا في أمور:
أحدها: أن يوكل شخص آخر في دفع ما عليه من زكاة فللموكل في هذه الحالة أن يوكل عنه غيرهстр. 1167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بدون إذن موكله ويجوز تصؤفه بدون إذن الموكل الأصلي ما إذا وكل شخص آخر على أن يشتري له أضحية فوكل الوكيل غيره فاشترها فالشراء في هذه الحالة يقع موقوفاً على إجازة الموكل الأصلي فإن أجازه صح وإلا فلا.
ثانيهما: أن يوكل شخص آخر في أن يقبض ديناً فللوكبيل أن يوكل عنه شخصاً ممن يعولهم (أي من ضمن عياله) فإذا وكل عنه من كان في عياله ودفع المديون له الدين فإنه يبرأ لأن يد من كان من ضمن العيال كيد الوكيل. أما إذا وكل شخصاً أجنبياً ليس من ضمن عياله ودفع المديون له الدين ثم وصل ليد صاحبه (الموكل الأصلي) فإن المديون يبرأ من الدين. أما إذا لم يصل الدين إليه وهلك في يد الوكيل الثاني لم يبرأ المدين وعلى الوكيل الثاني ضمان الدين وله الرجوع على الوكيل الأول الذي وكله.
ثالثها: إذا وكل شخصاً على أن يبيع له سلعة ثم طلبه ليقدر له ثمنها الذي يبيعها به فوكل الوكيل عنه من يذهب إلى الموكل ليسمع منه تقدير الثمن فإن التوكيل يصح بدون إذن الموكل الأصلي لأن مقصودة وهو تقدير الثمن حصل بدون ضرر.
ويقوم التفويض إلى رأي الوكيل مقام الإذن بالتوكيل فإذا قال الموكل له: اعمل برأيك أو اصنع ما شئت فله أن يوكل عنه وإذا قال الوكيل الأول للوكيل الثاني: اعمل برأيك أو اصنع ما شئت فليس أن يوكل عنه وكيلا ثالثاً بذلك ويستثنى من ذلك الطلاق والعتاق كما مر فلا يصح أن يوكل عنه غيره.
وإذا وكل الوكيل الول عنه وكيلاً آخر بدون إذن أو تفويض فتصرف الوكيل الثاني فإن تصرفه لا يصح إلا إذا أجازه الوكيل الأول سواء كان حاضراً أو غائباً لأن الغرض هو حصول رأي الوكيل وقد حصل بإجازته للفعل ويسمى الثاني وكيلاً وإن كانت وكالته بدون إذن أو تفويض غير صحيحة لأن إجازة تصرفه وكيلاً حالاً ألا ترى أن الفضولي بعد عمله يصير وكيلاً فالإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة.
وإذا وكل الوكيل الأول بأمر الموكل أو بالتفويض يكون الثاني تابعاً للموكل الأصلي فلا ينعزل الوكيل الأول الذي وكله ولا بموته وينعزلان معاً بموت الموكل الأصلي.
الحنابلة - قالوا: لا يجوز للموكل أن يوكل غيره فيما يمكنه أن يباشر عمله بنفسه فإذا كان وكيلاً على شيء لا يصح لمثله أن يتولاه فإنه يصح له أن يوكل غيره فيه وكذا كان وكيلاً على شيء يعجز عن مباشرة عمله بنفسه فإنه يصح له أن يوكل في عمله غيره وإذا أذنه الموكل الأصلي توكيل الغير عنه فإنه يصح وكذا إذا وكله ومالة مفوضة بان يقول له: اصنع ما شئت فإنه في هذه الحالة يصح له أن يوكل عنه غيره.стр. 1168
مبحث عزل الوكيل
-الوكالة من العقود الجائزة لأنها من جهة الموكل إذن ومن جهة الوكيل بذل نفع وكلاهما غير لازم فكل واحد من الموكل فسخ عقد التوكيل فيصح للوكيل كما يصح للموكل أن يعزله على تفصيل في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: الوكالة من العقود الجائزة إلا في ثلاثة مواضع فإنها تكون لازمة بحيث لا يصح عزل الوكيل فيها وذلك لأنها لا تكون مقصودة على الوكيل والموكل بل يتعلق بها حق لغير في هذه المواضع وقد تقدمت في مبحث الوكالة بالخصومة وهي:
(أ) الوكالة بيع الرهن فإذا رهن شخص عند آخر عيناً في نظير دين ثم وكل شخصاً على أن يبيع هذه العين لسداد ذلك الدين فإن الوكالة تصبح لازمة فليس للوكيل عزل نفسه كما أنه ليس للموكل عزله لتعلق حق صاحب بهذه الوكالة لأنه يريد أخذ حقه ببيع العين. ومن ذلك ما إذا وكل آخر بأن يقبض دينه من فلان المديون فإنه لا يجوز له عزله إلا إذا علم المديون لتعلق حق بذلك.
(ب) الوكالة بالخصومة بالتماس الطالب عند غيبة المطلوب مثلاً إذا علم لشخص عند آخر دين ثم أراد المدين السفر إلى بلاد نائبة فطلب صاحب الدين من المدين أن يوكل عنه شخصاً ليخاصمه في طلب الدين حال غيابه فوكل عنه بناء على هذا الطلب فعند ذلك الوكيل غير قابل للعزل لأنه قام مقام المدين الغائب وليس لصاحب الدين من يطالبه بدينه سواه فلو عزل الوكيل ضاع عليه حقه أما إذا كان المدين حاضراً لا غائباً فإن الوكالة تكون جائزة لا لازمة لأنه يمكن أن يخاصم المدين. وكذلك إذا لم يكن تعيين الوكيل بناء على طلبه لأنه في هذه الحالة لا يكون له حق فيه.
(ج) الوكالة على تسليم عين لشخص مع غياب الموكل فإنه يجب على الوكيل أن يسلم هذه العين لصاحبها ولا يجوز له عزل نفسه كما تقدم في مبحث الخصومة فهذه الأمور تصبح فيها الوكالة لازمة وما عداها فإن الوكالة فيها لكل منهما فسخها ولكن يشترط علم كل منهما بالعزل، فإذا عزل الوكيل نفسه فعليه أن يكون بكتاب يصل إليه أو إرسال رسوله إليه بشرط مميزاً سواء كان عدلاً أو غيره أو كبيراً وسواء صدقه أو كذبه أو بمشافهته بالعزل أو نحو ذلك، ومحل ذلك إذا كان الوكيل متبرعاً أما إذاى كان بأجر فإنه يعامل بشرطه ولا يشترط علمه بالعزل في أمور:
أحدهما: إذا وكل شخص آخر ولم يعلم الوكيل بالوكالة فإن للموكل عزله بدون علمه بالعزل.
ثانيهما: الوكالة بالنكاح، والطلاق، والعتق، فإن للموكل عزل نفسه بدون علم موكله.
ثالثها: الوكالة بيع مال الموكل جميعه فإن عزل نفسه بدون علم موكله.стр. 1169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) رابعها: الوكالة بشراء شيء بغير عينه لوكيل أن يعزل نفسه بدون علم موكله. وعلة ذلك كله أن الموكل لا يلحقه ضرر بعزل الوكيل بدون علمه.
مثلاً إذا وكله على أن يبييع ماله وكان سوق البيع رائجاً فإذا عزل نفسه عن البيع بدون علم الموكل وفاته سوق البيع اعتماداً على وكيل في هذه الحالة لا يجوز له عزل نفسه بدون علم موكله، وينعزل الوكيل بلا عزل: أحدهما: نهاية الشيء الموكل فيه كما إذا وكلع على قبض دين قبضه فإن الوكالة تنتهي بالقبض.
ثانيها: موت أحدهما وجنونه جنوناً مطبقاً مدة شهر على المفتى به.
ثالثهما: إذا وكل المرتد شخصاً، ثمو لحق بدار الحرب أو قتل، فإن الوكيل ينعزل بمجرد الحكم بلحاق المرتد بدار الحرب أو قتله. أما إذا أسلم فإن التوكيل ينفذ وتبطل الوكالة اللازمة بالموت وبالجنون في أمرين: الوكالة بالخصومة بناء على طلب الخصم، والوكالة بتسليم عين مع غياب الموكل، أما الوكالة ببيع الرهن فإنها بهذه العوارض.
المالكية - قالوا: الوكالة من العقود فلكل من الوكيل فسخ عقدها كما يشاء في ثلاثة أحوال.
الحالة الأولى: الوكالة بالخصومة، فإنه لا يصح للموكل أن يعزله بعد نفسه كما لا يصح لموكل أن يعزله بعد أن يحضر مع الخصم ثلاث جلسات كما تقدم في منحث الوكالة، ولا فرق في هذه الحالة بالخصومة، ولا فرق في هذه الحالة بين أن يوكله في مقابلة عوض على الإجارة أولا، وهذه الحالة لا خلاف فيها.
الحالة الثانية: أن تقع الوكالة في مقابلة عوض على وجه الإجارة وذلك بأن يوكله على عمل معين بأجرة معلومة أو على غير معين في زمن معين ومثال الأول أن يوكله على أن يبيع له جماله المعروفة وله بعد بيعها خمسة جنيهات بدون أن يحدد له زمناً ومثال الثاني أن يوكله على أن يعرض هذه الجمال في السوق للبيع خمسة أيام وله جنيهات بعد هذه المدة سواء باع هذه الجمال بالفعل أو لا، ولا يصح أن يعين له العمل والعمل والزمان، كأن يقول له: بع هذه السلعة في خمسة أيام بأجر كذا، فإن لم يبيعها لا يستحق شيئاً، لأن تعيين العمل يفسد الإجارة.
الحالة الثالثة: أن تقع الإجارة في مقابلة عوض على وجه الجعالة، وذلك كما إذا وكله على أن يستخلص له ديناً في نظير جعل ياخذه بشرط أن يبين له قدر الدين أو الشخص الذي عنده الدين، ولا يشترط في الجعالة أن يبين له المدين قدر الدين والشخص المدين كانت إجارة لا جعالة. وهاتان الحالتين مختلف فيهما: فبعضهم يقول: إن الوكالة لا تلزم على كل حال، سواء كانتстр. 1170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) في مقابلة عوض على وجه الإجارة أو على وجه الجعالة، أو لم تكن، وبعضهم يقول: إنها تلزم ثم إنها إنها كانت على وجه الإجارة تلزم الوكيل والموكل بمجرد العقد.
وإذا كانت على وجه الجغالة تلزم الجاعل (الموكل) بشروع الوكيل في العمل أما المجمول له (الوكيل) فلا تلزمه بل له الفسخ.
وينعزل الوكيل بموت موكله لأن الوكيل نائب عن الموكل في ماله خاصة فإذا مات الموكل انتقل ماله خاصة فإذا مات الموكل انتقل ماله إلى ورثته فلا يملك شيئاً يتصرف فيه نائبه حينئذ وهل ينعزل الوكيل بمجرد موت الموكل وإن لم يعلم به أو لابد من العلم؟ خلاف والراجح أنه لا ينعزل إلا إذا علمه فإذا تصرف قبل العلم ينفذ تصرفه.
وإذا عزل الموكل وكيله فقيل ينعزل بمجرد العزل وقيل لا ينعزل ألا إذا علم فإذا تصرف قبل العزل لا ينفذ تصرفه على الأول وينفذ على الثاني.
الشافعية - قالوا: الوكالة لاتلتزم ولو كانت بجعل إلافي حالتين:
الحالة الأولى: أن يترتب على خروج الوكيل من الوكالة ضياع مال الموكل أو فساده فإن الوكالة في هذه الحالة يكون لازمة ولا يقبل الوكيل العزل.
الحالة الثانية: أن تكون الوكالة بلفظ الإجارة واستكملت شرائطها فإنها تلزم في هذه الحالة، وفيهما عدا ذلك يكون لكل من (الوكيل والموكل) فسخها متى شاء، ولو بعد التصرف. وفسخها بكون بالقرل، كأن يقول: فسختها أو أيطلتها، أو يقول الموكل: عزلت نفسب، أو نحو ذلك من الألفاظ الدالة على الفسخ، كقوله: رددت وكالتك أو رفعتها.
وهل ينعزل الوكيل بمجرد العزل أو لا ينعزل إلا بعد أن يبلغه خبر عزله؟ والجواب: أنه لا ينعزل إلا بعد غلمه بالعزل فلو تصرف قبل عبمه ينفذ تصرفه.
وتنفسخ الوكالة بموت الوكيل أو الموكل أو بجنون أحدهما أو إغمائه.
وكذا تنفسخ بطروء فسق على الوكيل بالنكاح، فإذا وكل شخص آخر في عقد تكاح ففسق الوكيل كأن زنى أو سوق أو ارتكب جريمة توجب فسقة فإن وكالته تسقط لأنه يشترط في الوكيل بلنكاح ان يكون عدلاً، وكذا تنفسخ الوكالة بزوال ملك الموكل عن المحل الذي وكله بالتصرف فيه، فإذا وكله على بيع دار أو حيوان أو طعام، ثم باعه الموكل أو وقفه فإن الوكالة تنفسخ. وكذا تنفسخ إذا وكله على بيع دار ثم أجرها الموكل للغير.
الحنابلة - قالوا: الوكالة من العقود الجائزة فلكل من العقدة فسخها متى شاء ويبطل الوكالة في ذاتها بموت أحد العاقدين أو جنونه جنوناً مطبقاً ويالحجر عليه لسفه لأن الشخص في هذه الأحوال لا يكون أهلاً للتصرف فلا يصح أن يتوكل عن غيره.
وكذا تبطل بطروء فسق على أحدهما فيما يشترط فيه العدالة فإذا وكل شخص آخر علىстр. 1171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) إيجاب النكاح كأن قال له وكلتك على أن تزوج بنتي من فلان بأن تقول له زوجتك فلانة ثم ارتكب الموكل بعد ما يجوز فسقه فإن الوكيل ينعزل.
أما إذا وكله على أن يقبل له النكاح كأن يقول له وكلتك على أن تقبل نكاح فلانة فلانة لابني أو لي الوكالة لا تبطل بفسق الموكل.
وكذا تبطل الوكالة بردة الموكل لأنه ممنوع عن الصرف في ماله، ولا تبطل بردة الوكيل إلا فيما ينافي الوكالة.
وإذا وكل شخص آخر على أن يطلق له زوجه ثم ذهب الزوج ووطئها بطلب الوكالة بذلك لأن وطأها دليل على الرغبة فيها.
ويعزل الوكيل بموت موكله وبعزله إياه ولو لم يعلم بالعزل ويكون ما بيده لا يضمن ما تلف منه تصرفه أما ما يتصرف فيه فإنه يضمنه) .стр. 1172
مباحث الحوالة
تعريفها
-الحوالة بالفتح والكسر ولكن الفتح أفصح ومعناها لغة النقل إلى محل والمعنى اللغوي عام يشمل نقل العين كنقل الزجاجة من مكان إلى مكان آخر كما يشمل نقل الدين من ذمة إلى ذمة والحوالة اسم مصدر أحاله إحاله إحاله المصدر هو الإحالة يقال أحلت زيداً على عمرو فأنا محيل وزيد محال ويقال له محتال وعمرو محال عليه أو محتال عليه والمال محال به.
أما معناها في الشرع فهو الدين من ذمة إلى ذمة أخرى بدين مماثل له فتبرأ بذلك النقل الذمة الأولى فإذا كان لزيد مائة جنيه على عمرو ويحل موعد دفعها بعد ثلاثة أشهر مثلاً.
ولعمرو مثل هذه المائة على خالد يحل موعدها في ذلك الوقت فأحال عمرو وزيداً على خالد بالشرائط الآتية فإن ذمة عمر ويبرأ زيد وتشتغل ذمة خالد به عمرو (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: في تعريف الحوالة رأيان: أحدهما: أنها نقل المطالبة (فقط) من ذمة المديون إلى ذمة الملتزم فإذا كان لشخص دين عند آخر فأحاله على آخر وقبل المحال عليه ذلك الدين والتزم له فإن مطالبتة الدائن بدينه تنتقل من ذمة المديون الأصلي إلى ذمة المحال عليه الذي التزم بسداده عن المديون. أما الدين فهو باق بذمتة المديون الأصلي.
ثانيهما: أنها نقل المطالبة ونقل الدين معاً بمعنى أن ذمة المديون الأصلي تبرأ بحوالة الدائن إلى الشخص الملتزم بدفع الدين.
وقد استدل من يقول بأنها نقل المطالبة فقط بأمور، منها أن المديون الأصلي: وهو المحيل إذا أراد أن يسدد الدين ينفسه فإن صاحب الدين يجبر على قبول ولو انتقل الدين إلى ذمة المحال عليه لم يجبر صاحب الدين على قبوله منه لأن المديون الأصلي في هذه الحالة يكون متبرعاً بالسداد ولا يجبر شخص على قبول التبرع من غيره.
ومنها: أن صاحب الدين وهو المحال لو برأ المحال عليه بالدين فإنه لا يصح له أن يرد ذلك بخلاف ما إذا وهبه ذلك الدين فإن له أن يرد هذه الهبة ولو كان الدين قد انتقل إلى ذمته لكان له حق رد الإبراء والهبة ولكنه لما لم ينتقل الدين وكان باقياً بذمة المحيل لم يكن من حق المحال عليه رد الإبراء منه بخلاف هبته فإنه صاحب الحق في عدم قبولها. ونظير ما إذا كفل شخص آخر في دين فأبرأ الدائن الكفيل فإنه ليس له أن يرد ذلك الإبراء لأن الدين متعلق بالأول على الصحيح كما سيأتي.стр. 1173
أركان الحوالة وشروطها
-للحوالة أركان وشروط مفصلة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية قالوا: للحوالة ركن واحد وهو الإيجاب والقبول فلإيجاب هو أن يقول المديونстр. 1174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) (المحيل) لرب الدين (المحال) أحلتك على فلان بكذا. والقبول هو أن يقول من رب الدين المحال والمحال عليه قبلت أو رضين أو نحو ذلك مما يدل على القبول والرضى. فالقبول لا بد أن يقع من المحال والمحال عليه أما المحيل وهو المديون فإنه لا يشترط قبوله كما ستعرفه في الشروط وفي هذه الحالة يقع الإيجاب والقبول من المحال عليه فقط.
وأما شروط الحوالة فأربعة أنواع:
النوع الأول: يتعلق بالمحيل (المديون) فيشترط فيه أن يكون عاقلاً تصح الحوالة من مجنون ولا صبي لا يعقل. وأن يكون بالغاً فلا تفذ حوالة غير البالغ إلا بعد أن يجبرها وليه وإن كانت تنعقد حوالة العاقل الذي لم يبلغ - موقوفة على إذن وليه فالبلوغ شرط لنفاذ الحوالة لا لانعقادها.
ولا يشترط لصحة الحوالة أن يكون النحيل سيليماً من الأمراض فتصبح حوالة المريض ولا يشترط في المحيل الديون أن يكون راضياً. فإذا انفق صاحب عليه على أن يعطيه دينه فإن له ذلك وإن لم يرض المحيل فإذا أعطاه الدين صح ولرئت ذمة المديون ولا يشترط الحرية في المحيل.
النوع الثاني: يتعلق برب الدين وهو المحيل لأجله: فيشترط فيه (أن يكون عاقلاً) فلا يصح لرب الدين أن يقنل الحوالة إذا كان مجنوناً أو صبياً لا يعقل لأن القبول لابد له من العقل. (وأن يكون بالغأ) فلا ينفذ قبول الصبي العاقل إلا بإذن وليه فالبلوغ شرط للنفاذ كما تقدم.
ويجوز للأب والوصي أن يقبل الحوالة بمال اليتيم على من كان أكثر مالاً من المديون. أما إن كان مثله ففي قبولها خلاف. (وأن يكون راضياً) فلا يصح قبول الحوالة من مكره (وأن يكون حاضراً في المجلس) فلا يصح قبلول الحوالة إذا كان رب الدين غائباً عن المجلس فلو قبل عنه شخص وبلغه الخبر فأجاز لا يصح على الصحيح.
النوع الثالث: يتعلق بالمحال عليه. فيشترط فيه (أن يكون عاقلً) فلا يصح للمحال عليه أن يقبل الحوالة إذا كان مجنوناً أو صبياً لا يعقل (وأن يكون بالغاً) واليلوغ في المحال عليع شرط للانعقاد والنفاذ فلا يصح للصبي العاقل أن يقبل الحوالة نطلقاً فإذا قبلها لاتنعقد ولو أجلزها وليه.
(وأن يكون راضياً) فلا يصح من المحال عليه قبول الحوالة إذا كان مكرهاً ولا يشترط حضور المحال عليه في المجلس حتى لو كان غائباً ثم علم ورضي فإنه يصح.
النوع الرابع: يتعلق بالمحال وهو الدين فيشترط في المحال به (أن يكون ديناً للمحال على المحيل) فإن لم يكن للمحال دين على المحيل كانت وكالة لاحوالة ولا يشترط أن يكون للمحيل دين على المحال عليه فيجوز أن يحيل على شخص متبرع بماله ويشترط في الدين (أن يكون معلوماً) وأن يكون لازماً فلا يصح للزوجة أن تحتل دائنها بمهرها كلة قبل الدخول بها لأنه غير لازم لجواز أن تطلق قبل الدخول فلا تستحق سوى نصفه وكذا لا يصح لمن له عبد مكاتب على عبده لأن دين الكتابة أنстр. 1175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يحيل دائنة بمال الكتابة غير لازم. وخرج بالدين الأعيان فلا تصح الإحالة بها فإذا كان لشخص عند آخر نصيب في ميراث كمنزل أو فدان أو متحصلات زراعية وكان لشخص نصيب عند آخر مثلها فإنه لا يصح أن يحيله بها وذلك لأن النقل من ذمة الى ذمة نقل شرعي وهو لا يتصورإلا في الدين لأنه وصف شرعي. أما الأعيان فإنه لا يتصور فيها النقل الحسي. ويرد على هذا أنه إذا كان لشخص نقود من ذهب أو فضة عند آخر وديغة. وكان عليه دين للغير فأحال صالحب الدين على المودع عنده فإنه يصح مع أن الوديعة هنا عين لا دين.
والجواب: أن الحوالة هنا نقلت الدين من ذمة المحيل إلى المحال عليه فصار المودع عنده. وديعة مطالباً بالدين فسده من المال المودع عنده. نعم إذا كان للمودع عنده وديغة عند آخر مثل الوديعة التي عنده فأحال رب الوديعة الأول على المودع عنده الثاني فإنه لا يصح لأنها حوالة عين بعين. مثلاً إذا كان لزيد عند عمرو مائة جنيه وديعة وكان لخالد عند زيد مائة جنيه مثلها وديعة فأحال زيد خالداً على عمرو ليأخذ منه المائة عنده وديعته فإنه لا يصح.
بقيت هاهنا مسألة وهي ما إذا كان شخص مستحقاً في وقف وكان فهل له أن يحيل صاحب الدين على ناظر الوقف ليأخذ استحقاقه في دينه أو لا؟
والجواب: نعم، يجوز ذلك سواء أحاله على الناظر بدون أن يذكر نصيبه في الوقف كأن يقول له أحلتك علي أن تأخذ نصيبي أو لا. وذلك لأن المحال به في هذه الصورة دين معلوم مستقر. وقد عرفت أن المحال عليه لا يشترط فيه أن يكون مديناً للمحيل. وهذه بخلاف ما إذا أحال الناظر المستحق ليأخذ نصيبه من مستأجر قبل ظهور غلة الوقف فإن الحوالة لا تصح لأن المستحق ليس له دين عند الناظر في هذه الحالة حتى تصبح الحوالة به كذا بعد ظهور الغلة قبل قسمتها. نعم إن الحق يتأكد بعد ظهور الغلة ولكنه لا يكون ديناً عند الناظر. ولكونه حقاً مؤكداً صح إرثه بعد موت المستحق فإن المستحق في وقت على الذرية إذا مات ظهور غلته يورث تصيبه في استحقاقه بخلاف الاستحقاق الذي لم يتأكد كالنصيب قبل ظهور الغلة فإنه لا يورث. وإذا ضم الناظر الغلة بعد ظهورها كانت أمانة عنده مملوكة للمستحق جميعاً بالاشتراك فإذا طلبها المستحقون وجب عليه تسلميها وإذا هلكت بعد الطلب كان ضامناً لها ولا يصح أن يحيل بعضهم على نصيب الآخر لأن الحوالة تكون بالعين لا بالدين إذ بالدين لكل واحد من المستحقين نصيب مثل نصيب الآخر في العين نعم يجوز ذلك إذا استهلكها أو خلطها بماله فصارت ديناً في ذمته هو.
الشافعية - قالوا: أركان الحوالة ستة محيل، ومحال، ومحال عليه، ودينان دين للمحال على المحيل. ودين للمحيل على المحال عليه. وصيغة وهي الإيجاب والقبول أحلتك على فلان بالدين الذي لك علي أو أحلتك فلان بعشرين جنيهاً ولم يذكر الدين. أو يقول نقلت إلى فلان أو جعلت ما أستحقه على فلان لك أو ملكتك الدين الذي لي بحقك أو نحو ذلك مماстр. 1176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يؤدي معنى الحوالة فلا يشترط أن تكون بلفظ الحوالة. ولا تصح الحوالة بلفظ البيع ولا تدخلها الإقالة.
وأما شروطها فهي ستة: الأول: رضا المحيل الذي عليه الدين فإن لم يرض فلا تصح الحوالة ثم إن أريد بالرضا عدم الإكراه كان عده شرطاً ظاهراً.
أما إذا أريد به الإيجاب وهو أحلتك ونحوه فيكون عده شرطاً تسامحاً لأن الإيجاب جزء من الصيغة وقد أن الصيغة ركن لا شرط.
الثاني: رضا المحال وهو صاحب الدين له أن يستوفيه بنفسه وبغيره، كما إذا وكل عنه من يستوفي دينه فليس للمحال عليه أن يمتنع عن أداء الحق الذي عليه للمحال، وهذا القول هو الأصح، وقيل: يشترط رضا المحال عليه أيضاً.
الثالث: أن يكون الدين المحال به معلوماً قدراً أو صفة، فلو كان الدين مجهولاً عند العاقدين أو أحدهما فإن الحوالة تكون باطلة.
الرابع: أن يكون الدين المحال به لازماً في الحال أو المال. فالدين الازم هو الذي لا يسقط عن المدين في وقت من الأوقات، كصداق المرأة بعد الدخول بها. وثمن المبيع بعد انقضاء مدة أما الدين الذي يؤول إلى اللزوم كصداق المرأة قبل الدخول بها وثمن المبيع قبل انقضاء مدة الخيار فكل ذلك تصح به الحوالة.
وإذا اشترى شخص سلعة بالخيار وقبل أن تمضي مدة الخيار أحال ذلك المشتري بائع والمشتري بالإحالة فقد اتفقا على لزوم البيع فإذا بقي الخيار بطل ما تقضيه الحوالة من اللزوم، وكذا لو باع شخص سلعة بالخيار، ولم يقبض ثمنها، ثم أحال آخر على المشتري ليأخذ منه الثمن فإنه بذلك يبطل خياره.
أما المشتري فإنه لا يبطل خياره إلا إذا رضي لاحوالة فإذا لم يرض بها لم يبطل خياره على المعتمد وتصح الحوالة بدين الكتابة، إذا كانت من العبد، فمن كاتب عبده بمال يدفعه أقساطاً فأحاله العبد المكاتب على شخص ثالث فإنه يصح لأن الكتابة لازمة في حق السيد فلا يصح له الرجوع عنها.
أما إذا أحال السيد شخصاً على العبد، فإن الحوالة لا تصح وذلك لأن دين الكتابة غير لازم بالنسبة للعبد.
الخامس: أن يساوي الدين الذي على المحيل بالدين الذي على المحال عليه في الجنسстр. 1177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والقدر والحلول والتأجيل والصحة والتكسير فلا تصح الحوالة بالجنيهات على القروش والريالات لاختلاف القدر.
نعم، تصح بخمسة من العشرة التي على فلان وكذا لا تصح بدين حل موعده على دين لم يحل موعده وبالعكس، وكذا لا تصح لقروش مكسرة على ريالات صحيحة وعكسه.
ولا يشترط التساوي في التوثيق فإذا كان لزيد دين على عمرو وكان بيد زيد رهن على دينه أو كان له كفيل به وكان لعمرو دين على خالد رهن ولا كفيل، ثم أحال عمرو زيداً على خالد فإن الحوالة تصح وينتقل الدين بدون رهن أو كفيل وينفك الركن الأول ويبرأ الكفيل لأن الحوالة بمنزلة القبض، ألا ترى أنه لو اشترى شخص من آخر سلعة ولم يعطيه ثمنها فلم يسلمها اليائع للمشتري لعدم قبض الثمن فإذا أحاله المشتري بالثمن على آخر ورضي به فإنه لا يكون له حق في منع السلعة لأن الحوالة بمنزلة القبض.
وكذا إذا أحال الزوج بالصداق على آخر ورضيت بذلك، فإنه لا يكون لها حق منع نفسها عنه، وإذا شرط المحال (صاحب الدين) أن ياتي له المحيل برهن أو كفيل لم تصح الحوالة لأن المحيل يبرأ بمجرد الحوالة فلا معنى لا شتراط ما يكفل الدين.
أما إذا اشترط الرهن أو الكفيل على المحال عليه فإن الحوالة تصح ولا يلزم المحال عليه يتنفيذ الشرط.
السادس: أن يكون دين المحيل ودين المحال عليه من الديون التي يصح بيعها واسبدالها بغيرها فلا تصح الحوالة بدين المسلم سواء كان رأس المال أو كان المسلم فيه قال شخص لآخر أسلمت إليك عشرين جنيهاً في عشرين إردَبّاً من القمح فإنه لا يجوز للمسلم وهو صاحب رأس المال أن يحيل المسلم بغيره فإن المحال عليه إذا دفع المبلغ المحال منه رأس مال السلم لا يمكن أن يستبدل بغيره فإن المحال إذا دفع المبلغ المحال فإنما يدفعه عن نفسه وهو غير صاحب رأس مال السلم (المسلم) .
نعم، ويجوز أن يحيل المسلم إليه وهو صاحب السلعة شخصاً له دين يأخذ رأس مال السلم من المسلم في مجلس، لأن السلم في هذه الحالة يدفع رأس مال السلم نفسه.
ومثل ذلك المسلم فيه وهو السلعة لأنه ببعيها واستبدالها، ومثال المسلم مال الزكاة فإنه لا يصح لرب المال أن يحيل الفقير على غيره ليأخذ منه الزكاة لأن الزكاة لا يصح بيعها.
المالكية - قالوا: أركان الحوالة: محيل، ومحال به، وصيغة، ولا تنحصر الحوالة في لفظ مشتق من الإحالة، فتصح بكل ما يدل على نقل الدين كقزله: خذ من فلان وأنا برئ منه، كما تصح بقوله أحلتك على فلان وحولت حقك عليه وأنت محال على فلان، ونحو ذلك، ويكفي الإشارة الدالة على الحوالة من الأخرس لا من الناطق.стр. 1178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ويشترط لها شروط:
(أحدها) رضا المحيل والمحال، أما المحال عليه فلا يشترط رضاه على المشهور كما لا يشترط حضوره ولإقراره، نعم إذا ثبت أن بينه وبين المحال عداوة فإن الحوالة لا تصح على المشهورة فإذا طرات العداوة بعد الإحالة فإن المحال يمنع من أخذ الدين من المحال عليه في هذه الحالة حتى لا يفاقم الشر وتزيد الخصومة التي نهى عنها الشارع.
(ثانيها) أن يكون للمحال دين على المحيل وأن يكون للمحيل على دين المحال عليه فإذا لم يطون للمحال دين على المحيل كان وكالة لاحوالة لأنه طلب ممن ليس له دين أن يتقلضي له من المحال عليه عليه ماله عنده وذلك هو معنى الوكالة وإذا لم يكن للمحيل دين على المحال عليه عقد حمالة لأن المحال عليه احتمل سداد الدين عن المحيل للمحال وفي هذه الحالة المحال عليه أو مات كان للمحال وهو رب الدين أن يرجع على المحيل (المديون الأصلي) إلا إذا علم المحال من أول الأمر بأن المحيل ليس له دين عند المحال عليه ثم شرط المحيل براءته من الدين فإنه في هذه الحالة لا يكون للمحال حق الرجوع على المحيل ولو أفلس المحال عليه لأنه ترك حقه باختباره.
وبعضهم يقول: إذا أفلس المحال عليه أو مات فإن للمحال أن يرجع على المحيل حتى المحيل ولو شرط عليه البراءة ثم إذا دفع المحال عليه الدين بالفعل فهل له أن يرجع به على المحيل ليأخذه منه؟ والجواب: أنه إذا مات قامت قرينه على متبرع به لم يكن له حق الرجوع وإلا فله حق الرجوع لجواز أن يكون قد دفعه بطريق قد دفعه بطريق القرض للمحيل.
(ثالثها) أن يكون أحد الدينين حالاً، فإن الدين الذي مؤجلاً والدين الذي على المحال عليه مؤجلاً مثله فإن الحوالة لا تصح لما يتلاتب عليه من بيع الدين الممنوع.
(رابعها) أن يكون الدين لازماً فلا تصح الحوالة بدين غير لازم كما إذا أحال السيد دائنة على عبده المكاتب لأن الدين غير لازم على المكاتب. أما إذا أحال المكاتب سيده على من يقبض له دينه فإنه يصح.
(خامسها) أن يساوي الدين الذي على المحيل الدين الذي على المحال عليه في القدر والصفة ومعنى - التساوي في القدر - أنه لا يجوز أن ياخذ من المحال عليه أكثر مما يستحقه عند المحيل. فإذا كان لشخص دين عند آخر قدره خمسة، فأحاله المديون على شخص له عنده عشرة، فيجب أن يحيله بالخمسة فقط بحيث لا يأخذ أكثر منها، لأنه إذا كان الدين قرضاً كانت الزبادة في الحوالة ربا وإذا كان الدين ثمن سلعة باعها فإنه يصح له باعهل له فإنه كان يصح لأن يعطيه أكثر من ثمنها. ولكنه يكون من باب بيع الدين يالدين الذي لم يرخص فيه. وكذا لا يصح أن يختلف الدينان في الصفة فلا تصح الإحالة بالجنيهاتстр. 1179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المتساوية في القدر المختلفة في الجنس مثلاً كاجنيه الإنكليزي والمصري وإذا فرض تساويها في القيمة.
(سادسها) ألا يكون الدينان (دين المحيل ودين المحال عليه) حاصلين من بيع الطعام كالحبوب ونحوها.
فإذا أسلم زيد إلى بكر عشرين في قمح. وأسلم بكر إلى خالد مثلها عشرين جنيهاً في قمح أيضاً فإنه لا يجوز لبكر أن يحيل زيداً على خالد ليأخذ منه القمح المسلم فيه. أما إذا اقترض بكر من زيد عشرين إردَبّاً من القمح. واقترض خالد من بكر عشرين إردَبّاً كذلك فإنه يجوز لبكر أن يحيل زيداً على خالد منه قمحه.
ففي الصورة الأولى كان الدينان من بيع (سلم) . وفي الصورة الثانية كاد الدينان من قرض والأول ممنوع لما يلزم عليه من بيع الطعام قبل قبضه وهو ممنوع في الطعام المستبدل. والثاني جائز فإذا كان أحد الدائنين من بيع والآخر من قرض فإنه يجوز، فإذا أسلم زيد لبكر عشرين إردَبّاً وأقرض بكر خالداً أو أكثر أو أقل فإنه يجوز لبكر زيداً على خالد بأخذه منه حقه من الغلة بشرط أن يكون الدين الذي عند بكر حالاً لا مؤجلاً، ومثل ذلك ما إذا كان الدينان من قرض فإنه يشترط أن يكون الدين المحال حالاً.
وبعضهم يقول: إنه لا يجوز مطلقاً إذا ترتب عليه بيع طعام المقارضة قبل قبضه فلا تجوز الحوالة في صورة ما إذا كان أحدهما دين قرض والآخر دين سلم فليس لبكر أن يحيل زيداً بدين الطعام الذي أسلم فيه ليأخذ دين القرض الذي أقرضه بكر لخالد لأن فيه طعام القرض الذي يستحقه بكر عند خالد لزيد قبل قبضه، نعم يجوز إحالة صاحب دين القرض على دين البيع فإذا أقرض زيد عشرين إردَبّاً لبكر وأسلم بكر لخالد عشرين جنيهاً في عشرين إردَبّاً فإنه يصح لبكر أن يحيل زيداً على خالد لبأخذه منه حقه وذلك لأنه يجوز قضاء القرض بطعام البيع إذ ليس فيه بيع الطعام قبل قبضه فيه سداد للقرض.
فشروط الحوالة ستة. وبعضهم يعد الصيغة شرطاً تسامحاً فتكون شروطها سبعة.
الحنابلة - قالوا: أركان الحوالة ما تتحقق به محيل ومحال ومحال به وعليه وصيغته الخ. ولا يشترط في الصيغة أن تكون بلفظ الحوالة بل تصح بمعناها كما إذا قال شخص لآخر أتبعك بدسنك على زيد.
وشروط الحوالة خمسة:
(أحدها) : أن يتفق المحال به مع دين المحال عليه في الجنس والصفة والحلول والصفة والأجل فيلزم أن يحيل الدين الذي من ذهب على مثله فإذا أحال ذهباً على فضة فإنه لا يصح لاختلاف الجنس. وكذا لا يصح أن يحيل بدين مكسور على دين صحيح لاختلاف الصفة ولا يحيل ديناً حل دفعه على دين مؤجل وبالعكس.стр. 1180
مبحث في براءة ذمة المديون بالحوالة
-إذا كان لشخص دين عند آخر فأحاله بذلك الدين على شخص فهل تبرأ ذمة المديون (المحال) أو لا تبرأ؟ في ذلك تفصيل في المذاهب (١) . الحواشي
(١) الحنابلة - قالوا: متى توفرت شروط الحوالة فإن المحيل يبرأ من الدين يمجرد الحوالة سواء أفلس المحال عليه أو مات أو أنكر الدين. أما إذا لم تتوفر الشروط فإن الحوالة لم تصح وتكون وكالة حكمها حكم الوكالة. ومثل ذلك ما إذا حال شخصاً لا دين له عليه شخص مدين له فإن ذلك وكالة وإن كان بلفظ الحوالة.
وإذا أحال شخصاً لا دين له على شخص غير مدين له فإن ذلك وإن كان بلفظ الحوالة كان وكالة في اقتراض منه.
المالكية - قالوا: يتحول حق المحال عليه بمجرد الحوالة وتبرأ بذلك ذمة المديون فإذا أفلس المحال عليه أو مات أو أنكر الدين بعد الحوالة لا يكون للمحال الحق في الرجوع على المحيل (المديون له الأصلي) أما إذا أنكر المحال عليه الدين الذي للمحيل عنده قبل الحوالة ولا بينة عليه فإن الحوالة لا تصح لأن من شروط صحتها أن يكون الدين ثابتاً فإذا كان المحال عليه مفلساً قبل الحوالة تكون صحيحة ولكن إذا كان المحال (صاحب الدين) عالماً بلإفلاسه وقبل الحوالة فلا حق له في الرجوع على المحيل سواء كان المديون عالماً بلإفلاس المحال أو لا فإذا لم يعلم اختلفا في العلم فقال المحال إن المحيل يعلم بإفلاس وأنكر فإنه يحلف إن كان يظن فيه الكذب وإلا فلا يحلف وإن تهمه المحال.стр. 1181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: إن المديون يبرأ بإحالة الدائن مؤقتة ومعنى ذلك أن المحال بالدين ليس له حق الرجوع على الحيل إلا في حالة التوى التي تقدم ذكرها وهي أن يفلس المحال عليه أو بموت ففي هذه الحالة يصح للمحال أن يرجع على المديون الأول (المحيل) ويترتب على براءة المحيل أنه إذا مات لا يأخذ المحال الدين من ورثته بل له الحق في المطالبة بكفيل من الورثة يحفظ له حقه من الضياع.
الشافعية - قالوا: يترتب على الحوالة براءة ذمة المحيل (المديون) من دين المحال عليه وبراءة ذمة المحال عليه من دين المحيل ولكن يتحول نظير دين المحيل إلى ذمة المحال عليه للمحال، وليس للمحال الحق في ارجوع إلى المحيل بعد الحوالة على أي حال سواء أفلس المحال عليه أو مات أو أنكر ما عليه من الدين. ومثل ذلك ما إذا أنكر الدين قبل الحوالة سواء المحال بذلك أو لم يعلم وذلك لأن قبول المحال عليه الحوالة إقرار ضمني بالدين فإنكاره لا يضر المحال وكذا إذا كان المحال عليه مفلساً قبل الحوالة فإنه لا حق للمحال في الرجوع.
نعم إذا أنكر الدين قبل الحوالة وحلف ثم أحاله بعد ذلك فللمحال أو يحلف المحيل بأنه لم يكن بعلم ببراءة ذمة المحال عليه بيمينه فإن حلف المحيل فلا حق للمحال في الرجوع وإن لم يحلف حلف المحال وبطلت الحوالة. وكذا لو قامت بينه على أن المحال عليه قد أعطى المحيل دينه.стр. 1182
مباحث الضمان
تعريفه
-الضمان في اللغة التزام في ذمة الغير وهو مشتق من الضمن لأن الذمة من ضمن البدنفي معناه الكفالة يقال كفل فلان بمعنى فلاناً ضمه إليه ومنه قوله تعالى: ﴿وكفلها زكريا﴾ أي ضمها إلى نفسه ليعولها ويقوم بترتيبها. وهي مصدر كفل بفتح الفاء وضمها وكسرها يقال كفل كفلاً وكفولاً ويتعدى بالباء يقال كفلت بالرجل وقد يتعدى بعن إذا تعلق بالمديون فيقال كفلت عن المديون ويتعدى باللام إذا تعلق بالدائن فيقال كفلت للدائن. أما معناه اصطلاحاً ففيه تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: في تعريق الكفالة رأيان:
أحدهما: أنها ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة بنفس أو دين أو عين فالأقسام ثلاثة كفالة بالنفس وكفالة بالدين وكفالة بالعين.
ثانيهما: أنها ضم ذمة إلى ذمة في أصل الدين. ولكن التعريف الأول أصح من الثاني وذلك لأنه عام يشمل أقسام الثلاثة. أما الأول فإنه مقصور على الكفالة في الدين وبيان ذلك أنه إذا كان لشخص عند آخر دين فغن له أن يطالبه بكفيل موقوق به عنده ليضمه إلى المديون الأصلي وهنا اختلفت آراء علماء الحنفية فمنهم من يقول: إن ضم الكفيل إلى أصيل يجعل لصاحب الدين الحق في مطالبته بالدين من غير أن تشتغل ذمته بذلك الدين لأن الدين مشغولة به ذمة الأصيل فقط.
وصاحب هذا الرأي يستدل عليه بأنا إذا قلنا إن ضم ذمة الكفيل إلى الأصيل يتلاتب علها شغل ذمة الكفيل لا يكون جامعاً لكا أقسام الكفالة فإن الضمان بالنفس ليس فيه شغل لذمة الكفيل بلا خلاف لصاحب الدين إلا أن يطالبه بإحضار الشخص المديون بذاته. ومثل الكفالة بالأعيان وهي ثلاثة أقسام:
الأول المضمونة بنفسها.
الثاني: العيان المضمونة بغيرها.
الثالث: العيان غير المضمونة.
فأما الأعيان المضمونة بنفسها فهي التي يجب على من أخذها أن يردها بعيمها إن كانت موجودة فإن هلكت كان عليه أن ياتي بمثلها إن كان لها مثل وإلا فعليه وذلك قيمتها كالمغصوب والمبيع بيعاًстр. 1183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فاسداً فإذا غصب شخص من آخر بقرة مثلاً فإنه يجب على الغاصب أن يرد البقرة ما دامت موجودة فإذا ماتت وجب عليه أن يشتري مثلها لصاحبها.
وإذا اغتصب جوهرة ليس لها مثيل وفقدت عليه أن يدفع لصاحبها قيمتها متى ثبت ضياعها بينه أو إقرار. وكذلك إذا اشترى سلعة بعقد فاسد كما ستعرفه موضحاً في مبحث شروط الكفالة.
أما العيان المضمونة بغيرها فهي الأعيان التي يجب تسليمها ما دامت موجودة فإذا هلكت لا يجب تسليم مثلها ولا قيمتها فإنه مضمون بغيره وهو الثمن فإذا اشترى سلعة وأعطاه ثمنها ولم يقبضها وكفلها للمشتري فغن الكفيل لا يلزم برد مثلها ولا قيمتها ومثل ذلك الرهن فإنه مضمون بغيره وهو الدين فإذا كان لشخص عند آخر دين وأعطاه سلعة رهناً عن ذلك الدين ثم كفل السلعة آخر وهلكت السلعة لا يلزم الكفيل بثمنها ولا قيمتها فالأعيان المضمونة بنفسها والمضمونة بغيرها تصح كفالتها ولكن ذمة الكفيل لا تشغل بها اتفاقاً فليس لصاحبها إلا أن يطالب الكفيل بإحضارها في حال وجودها ويدفع قيمتها أو رد مثلها في الأعيان المضمونة بنفسها ولا يطالب بشيء عند هلاك العيان المضمونة بغيرها فمن أجل ذلك قلنا إن الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة ليشغل التعريف أقسام الكفالة الثلاثة.
أما الأعيان غير المضمونة لا بنفسها ولا بغيرها فإنها لا يجب تسليمها ولا تصح كفالتها وهي الأمانات كالوديعة، ومال المضاربة والشركة ونحوها. وقد اعترض على التعريف الثاني وهو ضم ذمة إلى ذمة في الدين أن هذا التعريف يستلزم تعدد الدين ومضاعفته فإذا كان لشخص دين عند آخر قدره ألف ثم كفله فيه غيره وشغلت ذمة الكفيل به في ذمة كل منها ألف ولكن هذا الاعتراض ليس بشيء لأن الدين وإن شغلت به ذمة الكفيل إلا أنه ليس لصاحبه أن يأخذ دينه إلا من أحدها فقط ومتى دفعه أحدهما فقد برأت ذمة الآخر منه فلا يلزم من شغل الذمتين به أن يأخذه من اثنين ونظير هذه الغصب من الغاصب فإذا اغتصب زيد سلعة من عمرو واغتصب خالد تلك السلعة من زيد الغاصب فإن كلاً من زيد الغاصب الأول وخالد الغاصب الثاني منه يكون ضامناً لتلك السلعة لا يتعدد حقه بذلك فليس إلا أن يستوفي حقه من أحدهما إلا أنه في مسألة الغاصب تبرأ ذمة أحدهما إذا اختار صاحب السلعة الثاني وضمنه سلعته بخلاف الكفالة في الدين فإنه لا تبرأ الذمة اختيار واحد منهما ليضمن له دينه بل لا تبرأ إلا بالقبض فعلاً.
فوجهة نظر من يقول إن الكفالة هي ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة فقط هي جعل التعريف عاماً يشمل الأقسام الثلاثة.
أما من قال: إنها ضم في نفس الدين مع المطالبة أيضاً فقد استدل بأدلة منها.
أن صاحب الدين إذا وهبه للكفيل الحق في ان يرجع به على الأصيل فلو لم تكن ذمة الكفيل مشغولة بالدين لما صح أن يهبه له الدائن لأن الدين لا تصح هبته لمن ليسстр. 1184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) عليه الدين إلا إذا أمره بقبضه كما يأتي في الهبة فدل ذلك على أن ذمة الكفيل مشغولة بالدين. وأيضا، فإن صاحب الدين إذا اشترى من الكفيل سلعة بدينه فإنه يصح مع شراء بالدين لا يصح إلا ممن عليه الدين، وأيضاً فإن الكفيل إذا مات يؤخذ الدين من تركته ولو ذمته غير مشغولة بالدين فإن المطالبة تسقط عنه بموته.
وهذه المسائل متفق عليها فكيف تقولون إنها ضم في المطالبة فقط؟
والجواب عن ذلك أن من قال إن الكفالة هي الضم في المطالبة لا ينفي أنها قد تكون ضماً في أصل الدين تعريفها بذلك لأنه لا يشمل أقسامها الثلاثة التي ذكرناها وذلك لأن الذي يتصور فيه ضم إلى ذمة إلى ذمة في أصل الدين هو الكفالة في الدين فقط. أما القسمان الآخران فأنه لا يتصور فيهما ذلك اتفاقاً ولا يقال إن من عرفها بأنها ضم ذمة إلى ذمة في نفس لاحظ تعريف قسم واحد فغن ذلك لا يمنع كون التعريف ناقصاً وأن الأصح بما يشمل الأقسام الثلاثة. وعلى هذا يكون الخلاف في التعريف لا ثمرة له.
أما كون ثمرته في اليمين لأن حلف ألا يحنث على القول بأن ذمته مشغولة بالدين ولا يحنث على أن ذمته مشغولة بالمطالبة فهذا مما لا معنى له.
هذا والمراد بالذمة العهد المتعلق بالإنسان فقولهم في ذمته كذا أي في نفسه باعتبار عهدها المتعلق بها فقولهم ضم ذمة إلى ذمة معناه ضم شخص إلى شخص إلى شخص في التعهد بالحق. وبعضهم يقول: إنها وصف شرعي تتحقق به الهلية لوجوب ماله وعليه والأول أو ضح، والكالقة والضمان بمعنى واحد عند الحنفية.
(وبعد) فإن الكفالة لا تصح إلا إذا أمر بها المدين كما سيأتي وإذا كانت الكفالة بالأمر فإنها توجب دينين وثلاث مطالبات.
المالكية - قالوا: الضمان والكفالة والحمالة بمعنى واحد وهو أن يشغل صاحب الحق ذمة الضضامن مع ذمة المضمون سواء كان شغل الذمة متوقفاً على شيء أو لم يكن متوفقاً.
وبيان ذلك أن الضمان عندهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ضمان المال فإذا ضمن شخص آخر في مال فغن ذمته تشغل بذلك المال كما شغلت به ذمة الأصيل بدون أن يتوقف على أمر آخر.
القسم الثاني: ضمان الوجه وهو التزام الاتيان بالغريم الذي الدين عند الحاجة فهذا الضمان لم يصح في غير المال، ولا تشغل ذمة الضامن بالمال إلا إذا لم يحضر المديون أما إذا أحضره فلا يلزم بالدين. فهذا القسم يتوقف فيه شغل الذمة بالحق على عدم إحضار المضمون.
القسم الثالث: ضمان الطلب وهو أن يلتزم الضامن طلب الغريم والتفتيش عليه. وهذا القسمстр. 1185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يصح فيه ضمان غير المال ولا تشغيل ذمة الضامن بالمال إلا إذا ثبت تفريطه في الإتيان بالمضمون أو في الدلالة علم موضعه وتركه فشغل الضامن في هذا القسم تتوقف على تفريط الضامن أو تهريبه وبذلك يتضح أن شغل الذمة لا يتوقف على شيء في ضمان المال. ويتوقف على عدم الإتيان بالمضمون في ضمان الوجه. ويتوقف على تفريط الضامن في ضمان الطلب. فالطلب على الوجه الذي يشمل أقسام الضمان الثلاثة.
الحنابلة - قالوا: ضمان الديون الثابتة فإذا ضمن شخص آخر في دين فقد شغلت ذمته بذلك الدين كذمة المديون الأصلي فلم الدين فلم ينتقل الدين من ذمة المضمون إلى الضامن بل باق مع شغل الضامن ولصاحب الدين الحق في مطالبة الاثنين فإذا برئت ذمة المضمون الأصلي بقضاء أو حوالة فقد برئت ذمة الضامن لأنه تابع للمضمون.
أما إذا برئت ذمة الضامن فغن المضمون لم تبرأ ذمته. ومثله إذا قضى الحاكم ببراءة ذمة الضامن أو حال الضامن صاحب الدين عنه فإن المديون الأصلي لا تبرأ ذمته بذلك ويكون لصاحب الدين حق مطالبته.
أما إذا قبض دينه من أحدهما فعلاً فإن ذمتها تبرأ من دينه ثم إذا دفع الضامن الرجوع على المضمون صح له أن يرجع. أما إذا لم ينو فليس له حق الرجوع.
القسم الثاني: ضمان ما يؤؤل إلى الوجوب وإن لم يكن واجباً بالفعل وذلك كالعيان المغصوبة والمستعارة، فإن مثل هذه العيان إن لم تكن واجبة في ذمة الغاصب أو المستعير بالفعل ولكنها تؤول إلى الوجوب لأنها ردها إلى صاحبها ما دامت قائمة فغن هلكت كان ملزماً بقيمتها فمعنى ضمان هذه العيان أو ضمان قيمتها عند هلاكها.
ومثل العيان المغصوبة والمستعارة العيان المقبوضة على سوم الشراء ومعنى المقبوضة على سوم الشراء هو أن يساوم شخص آخر في شراء سلعة ولم يتعاقد معه نهائياً سواء قطع معه ثمنها وقبضها ولم يسلمه الثمن أو لم يقطع معه ثمنها، ولكن قبضها ليطلع عليها أهله أو أصحابه فمثل هذه السلعة تكون مضمونة كالعارية والعين المغصوبة بحيث إذا هلكت وجب عليه رد قيمتها وإلا ردها بعينها.
أما إذا أخذ العين بغير مساومة وبغير قطع ثمن فلا تكون مضمونة ولا يصح الضمان فيها ومثل الأعيان التي تؤخذ مساومة العيان غير المضمونة كالوديعة ومال الشركة والعين المستأجرة فإنها لا يصح فيها الضمان وذلك لأنه لا يجب على من وضع عليها يده أن يردها. فكذا لا يجب على ضامنه، نعم لا يصح ضمان التعدي عليها بمعنى أنه تعدى عليها من كانت بيده فإنها تجب عليه فكذا ضامنه.стр. 1186
أركان الضمان وشروطه
-أركانه خمسة: ضامن. ومضمون له وهو صاحب الحق. ومضمون عنه وهو الذي عليه الحق. ومضمون وهو الحق. ويقال مضمون به أي بسببه ولكل ركن من هذه الأركان شروط مفصلة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: للكفالة ركن واحد وهو الإيجاب والقبول. لأنه هو الذي تتحقق به ماهية العقد وأما غير ذلك فإنه شروط كما تقدم.
وعلى ذلك فلا بد من قبول صاحب الدين وهو المكفول له سواء كانت الكفالة بالنفس أو المال فإذا كان لشخص دين عند آخر فأراد أن يكفله فيه ثالث فلا تصح كفالته إلا إذا قبل صاحب الدين في المجلس أو ناب عنه في القبول شخص آخر في المجلس ثم أقر نيابه بعد المجلس وبعضهم يقول لا يلزم في الكفالة قبول صاحب الدين في المجلس فتصح الكفالة بالنفس والمال بدون قبول صاحب الحق لأن الكفيل زيادة في توثيق الدين لا يضر وجود صاحب الحق فلا تتوقف صحة الكفالة على قبوله.
أما صيغة الكفالة فهي كل ما يفيد التعهد والالتزام كقوله: كفلت وضمنت وتحملت وأنا بذلكстр. 1187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المال زعيم وحميل وغريم: دين فلان علي أو والي أو نحو ذلك. وتصح الكفالة بالنفس بكل ما يعبر عنه عن البدن حقيقة كما في الطلاق وذلك كأن يقول: ضمنت إحضار نفسه أو روحه ورأسه ووجهه. ومثل ذلك الجزء الشائع في بدنه كنصفه وثلثه. أما الجزء المعين كاليد والرجل بأن قال: ضمنت يده أو رجله فإنه لا يصح.
المالكية - قالوا: يشترط ككفالة شروط وبعضها يتعلق بالمكفول عنه. وبعضها يتعلق بالكفيل ويعضها يتعلق بالمال المكفول به وبعضها يتعلق فيشترط في المكفول عنه ألا يكون محجوراً عليه بسفه في الشيء الذي يضمن فيه. وذلك تصرف السفيه إلى قسمين:
أحدهما: أن يشتري أو يبيع أو ينفق شيئاً لازماً له لا بد منه في ضروريات أموره.
ثانيهما: أن يتصرف كذلك فيما ليس بلازم بل يمكنه الاستغناء عنه.
فإذا تصرف في شيء لازم فإنه يصح كفالته في ذلك الشيء وإذا دفعه الكفيل فإنه يرجع به على المحجور عليه ويؤخذ من ماله على الراجح أما إذا تصرف في شيء مستغني عنه فإن الكفالة فيه لا تصح ولا يرجع على المحجور عليه.
وهل يلزم الكفيل أن يدفع المال الذي ضمنه لصاحب الدين الدين أو لا؟ في ذلك تفصيل وهو أن الضامن إذا كان يعلم أنه محجور عليه ثم ضمنه بعد ذلك وكان المضمون له لا يعلم فإن على الضامن أن يدفع المال الذي ضمن به اتفاقلَ ويضيع ما دفعه فلا حق له له في ارجوع على المجور عليه.
أما إذا كان العكس وهو أن الضامن لا يعلم بأن المضمون محجور عليه والمضمون له (وهو صاحب المال) يعلم أنه محجور عليه فإن الضامن غفي هذه الحالة لا يلزمه شيء اتفاقاً.
أما إذا كان الاثنان يعلمان محجور عليه أو كانا لا لا يعمان شيئاً فإن في ذلك خلافاً فبعضهم يقول: يلزم الضامن أن يدفع ما ضمن به وبعضهم يقول: لا يلزمه شيء فإذا ضمن صبياً بحق أمر وليه صح الضمان ويرجع الضامن بما دفعه في مال الصبي ومثل ذلك ما إذا كسر الصبي زجاجاً ونحوه أو أتلف شيئاً فدفع أحد قيمته لصاحبه فإن له أن يرجع بما دفعه في مال الصبي إلا إذا كان الصبي صغيراً جداً مثل ابن ستة أشهر لا ينزجر لأن ما يتلفه في هذه الحالة لا يلزم به.
ولا يشترط في المكفول عنه (المديون) أن يكون قادراً على تسليم المكفول به فيصح كفالة المبيت بمعنى حمل الدين عنه لا بمعنى ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الميت لأن ذمة الميت قد انتهت ثم إذا كان الضامن يعلم أنه لامال له ثم طرأ للميت مال لم يكن في الحسبان فليس للضامن أن يأخذ منه لأنه دفع متبرعاً. أما إذا كان يطن أن له مالاً أو يشك ثم ظهر أن له مالاً فإنه يرجع عليه والقول في ذلك للكفيل إلا إذا قامت قرينه على أنه متبرع.
ويشترط في الكفيل أمور:
أولاً: أن يكون بالغاً فلا يصح لللصبي أن يضمن غيره.стр. 1188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثانياً: أن يكون عاقلاً فلا تصح كفالة المجنون.
ثالثاً: أن لا يكون محجوراً عليه لسفه فلا يصح للسفيه أن يضمن غيره.
رابعاً: أن لا تكون امرأة متزوجة إذا رأت أن تضمن في مقدار يزيد عن ثلث مالها بغير إذن زوجها، فإذا تكفلت المرأة بمقدار يساوي ثلث مالها فإن كفالتها تصح ولو لم يأذن زوجها، ومثل ذلك ما إذا تصدقت أو وهبت أو أعتقت أو نحو ذلك فإن تصرفها ينفذ في مقدار الثلث فقط فغن فعلت أكثر من ذلك بدون إذن زوجها فإن له الحق في رد كل ما تصرفت فيه.
خامساً: ان يكون مريضاً (خطراً) إذا أراد أن يضمن في أكثر من ثلث ماله، فإذا ضمن المريض في أكثر من ثلث بشيء يزيد على الدينار فغن ضمانه لا ينفذ إلا أجازته الورثة.
واعلم أن الشرط الرابع والخامس من شروط النفاذ لا من شروط الصحة فإن الكفالة بدونها تصح بغير إذن سيده فغن ضمانه يصح ولا ينفذ إلا إذا أجازه السيد، وإذا عتق العبد فإن الضمان يلزمه بعد العتق.
سادساً: أن لا يكون الضامن عليه دين يستغرق كل ماله، فمن كان عليه دين يستغرق جميع ماله فإن كفالته لا تصح ولا يكون أهلاً للتبرع.
ويشترط في المال المكفول به أن يكون ديناً، فلا تصح الكفالة في الأمانات - كالعين المستعارة، والعين المودعة - وكذا مال المصاربة والشركة، فإذا استعار سلعة من آخر واتى له بضامن يضمنه في تلك السلعة فإنه لا تصح، وكذا لو أودع عند آخر وديعة أو مالاً يعمل به مضاربة، نعم يصح أن يأتي بضامن يضمن قيمتها له إذا فقدت بسبب تعد أو تفريط في المحافظة عليها، وإذا فرط المستعير في العارية، أو الشريك في مال شريكه، أو اتلفه بتعديه لزم الضامن قيمته ما اتلفه المضمون.
ويشترط في الدين أن يكون لازماً أو يؤول إلى اللزوم، فمثال اللازم الذي يصح ضمانه دين القرض وثمن السلعة المبيعة، فإذا اشترى شخص سلعة من آخر بثمن مؤجل وأتى بضامن ثمنها فإنه يصح ضمانه دين القرض، فإذا اشترى شخص سلعة من آخر بثمن بثمن مؤجل ولأتى بضامن من ثمنها فإنه يصح ويلزم. ومثل ذلك ما إذا استأجر أرضاً بأجرة معلومةن فإنه يصح الضمان ويلزم.
ومثال الدين غير اللازم الذي لا يصح ضمانه دين الصبي بغير إذن وليه والسفيه المحجور عليه على التفصيل المتقدم، ودين الرقيقي بغير إذن سيده، ودين المكاتب، فإذا أتى بضامن فإنه لا يصح لأن دينه لازم. إذ يجوز له أن يبطل عقد الكتابة فهذا الدين لا يصح ضمانه لأنه لا يلزم المدين أن يفي به.
ومثال الدين الذي لا يلزم في الحال ولكن يلزم في المال دين الجعل فإن من جعل لآخر جعلاً على عمل يعمله فإن الجعل يلزم بعد الفراغ من ذلك العمل فيصح ضمانه لأنه وإن لم يلزم في الحال لكنстр. 1189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يلزم في المال. فإذا قال شخص لآخر: إن جئتني بجمالي الضالة فلك عشرة جنيهات وأتى له بضامن يضمنه فيها يصح ولو يشرع في العمل لأنه إن جاء ثبت له المبلغ في ذمة الأصيل فكذلك في ذمة الكفيل وإن لم يأت بها لم يثبت له شيء وهذا هو الراجح، وبعضهم يقول: دين الجعل قبل الشروع في العمل كدين الكتابة لا تصح كفالته.
ويصح ضمان الدين الحال مؤجلاً كما إذا كان لزيد عشرة جنيهات عند عمرو وحل موعد سدادها فإنه يجوز لخالد ان يقول لزيد: أجل أو شهرين أو نحو ذلك وأنا ضامن لك وذلك الدين وإنما يصح ذلك إذا تحقق واحد من أمرين:
أحدهما: أن يكون المدين موسراً وقت الضمان وذلك لأنه يكون التأجيل سلفاً جر منفعة وهو ممنوع وذلك لأن صاحب الدين في الحالة الأولى ضامن لحقه وقادر على أخذه فإذا أجلخ بضامن لا تكون له فائدة من الضامن فرضاؤه بمد الأجل بمنزلة القرص بدون منفعة تعود عليه.
أما إذا كان المديون معسراً فإن صاحب الدين لم يكن قادراً على أخذ دينه فإذا أجل له الدين نظير لنتفاعه بالضامن فإنه يكون قد أسلفه بفائدة.
ثانيهما: ألا يكون المديون موسراً وقت الضمان ولكن ضمنه مدة لا يتصور أن يطرأ عليه فيها يسر بل معسرأ إلى انتهائها وذلك أن صاحب الدين يجب عليه أن ينتظر إلى ميسرته بطبيعته فالضمان لم يفده شيئاً.
ثانيهما: ألا يكون المديون موسراً وقت الضمان ولكن الضامن مدة لا يتصور أن يطرأ عليه فيها انتفاعه بل يظل معسراً إلى انتهائها لأن صاحب الدين يجب عليه أن ينتظر إلى ميسرته بطبيعة الحال لم بفده شيئاً.
أما إذا أيسر في أثناء المدة فإنه لا يجوز، فإذا كان لشخص آخر عشرة حل موعد دفعها اليوم فطلب منه ان يؤجلها له ثلاثة أشهر بضمانة الغير فإن كان للمديون ما يسد به العشرة قبل حلول الأجل عادة فإن الضمان يصح.
أما إذا أيسر بعد شهر أو شهرين كأن كان مستحقاً في وقت ينتظر الحصول على غلته أو موضفاً بوظفيته ينتظر قبض راتبها فإن الضمان لا يصح، وذلك لأن صاحب الدين في هذه الحالة يكون قد أجل دينه في نظير أنه ينتفع يالضامن المدة التي يكون فيها معسراً وقد يقال انتفع في الصورة الأولى بالضامن في مدة الإعسار جميعها بأي فرق.
وكذا يصح ضمان الدين المؤجل حالاً كما إذا كان لشخص دين عند آخر مؤجلاً إلى شهرين مثلاً فقال له المدين إنه تنازل عن الأجل وصار الدين حالاً، ثم جاء له ضامن يضمنه وهذه الصورة غير عملية إذ لا يعقل أن يتنازل المديون عن المدة التي يحل فيها دينه ثم يأتي بضامن خوفاً من الممطالة ولهم في ذلك تفصيل لا فائدة من ذكره.
ولا يشترط في المضمون به أن يكون معيناً فإذا قال شخص لآخر: داين فلاناً وأنا ضامن له فإنه يصح الضمان فيما داينه بينه أو إقراره لا يكون حجة على الضامن، وهل ضمان جميع ماстр. 1190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) استدانه مهما بلغ قدره، أو يلزمه ضمان ما يعامل له مثله فقط؟ قولان. وللضامن في هذه الحالة أن يرجع عن الضمان - قبل المعاملة لا بعدها - فإن عامله في البعض لزم الضمان فيما عامل به فقط.
وأما الصيغة فيشترط فيها أن تدل على الحفظ والحياطة عرفاً مثل: أنا حميل بفلان أو زعيم أو كفيل أو قبيل أو هو لك عندي أو عليّ أو إليّ أو قبلي أو أنا قبيل به أو أذين أو عوين أو صبير أو موين ونحو، ذلك، فهذه كلها ألفاظ ينعقد بها الضمان.
والاستعمال الصيغة ثلاثة أحوال:
(الحالة الأولى) أن تذكر لفظ الضمان مطلقاً غير مقيد بما يدلا على أنه ضمان عن المال أو النفس، كما إذا قال: انا ضامن لفلان، ولم يقل: في المال الذي عليه، أو في إحضاره بنفسه، وفي هذه الحالة خلاف، فبعضهم يقول: إنها تحمل على الضمان بالمال، وبعضهم يقول: بل تحمل على الضمان بالنفس.
(الحالة الثانية) أن يذكر بفظ الضمان مقيداً بما يدل على المضمون لفظاً كأن يقول: أنا ضامن لما على فلان من الدين أو ضامن لنفس فلان، وهذه الحالة لا خلاف في معاملة الضامن بما قيد به الصيغة من ذلك.
(الحالة الثالثة) أن يذكر لفظ الضمان مقيداً بما يدل على المضمون فيه كأن يقول: أنا ضامن لفلان وينوي دينه أو نفسه وحكم هذه الحالة أن الضامن يعامل بما نواه ويصدق في ذلك لأنه متبرع والأصل براءة ذمته.
الحنفية - قالوا: ينقسم شرط الطفالة إلى خمسة أقسام:
(القسم الأول) يرجع إلى الكفيل: فيشترط في الكفيل أن يكون عاقلاً بالغاً، فلا تنعقد كفالتة المجنون ولا كفالة الصبي أصلاً إلا في حالة واحدة يصح للصبي أن يكفل ذلك بالمال لا بالنفس ما إذا كان الصبي يتيماً واستدان وليه سواء كان أباً أو غيره لينفق على الصبي فيما لا بد منه فإنه يجوز للصبي أن يكفل ذلك المال بأمر وليه وتصح كفالته في هذه الحالة ويطلب بالمال كما يطالب بذلك.
أما إذا أمره أن يكفل نفس الولي لصاحب المال بمعنى أن الصبي يحضر الولي عند الحاجة فإن الكفالة لا تصح لأن الصبي في كفالة المال الذي أنفق في ضرورياته ملزم به فكفالته للولي في ذلك المال تزيد في تأكيده بخلاف كفالته في النفس فإنها محض تبرع وهو أهلاً للتبرع.
وكذا يشترط في الكفيل أن يكون حراً وهذا شرط نفاذ لا شرط انعقاد فإن كفالة العبد تصح ولكن لا نتفذ إلا بإذن السيد أو بعد عتقه. فإذا عتق كان ملزماً بما كفل به وهو رقيق وكذا تشترط الصحة فيما زاد عن ثلث المال فلا يصح للمريض أن يكفل لوارث أو عن وارث أصلاً ولو كان الدينстр. 1191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أقل من ثلث ماله. فيشترط في الكفيل البلوغ والعقل وهما شرطا انعقاد. والحرية وهي شرط نفاذ والصحة وهي شرط فيما زاد عن الثلث من ماله.
القسم الثاني: يرجع إلى الأصيل وهو المديون فيشترط فيه أن يكون قادراً على تسليم المكفول به ينفسه أو نائبه فإذا كفل ميتاً مفلساً لا تصح كفالته لأن الميت المفلس عاجز عن تسليم المكفول به بنفسه وبنائبه من الورثة لأنه مفلس، فإذا ترك الميت مالاً فإنه يصح الكفالة عنه بقدر ذلك المال. وهذا القول هو الصحيح.
وكذا يشترط في الأصيل أن يكون معلوماً، فلا تصح كفالة المجهول إذا كانت الكفالة في المستقبل وتسمى مضافة، فإذا قال شخص لآخر كفلت لك ما تبعيه للناس بالدين فإن الكفالة لا تصح. وقد يقع هذا فيما أراد شخص أن يعلم ولده التجارة ويجلب له الناس يشترون منه فيقولون له بع: للناس ولو بالدين وأنا أضمن لك ما تبيعه من ذلك، فهذه الكفالة غير صحيحة لأن الناس كفلهم مجهولون.
ومثل ذلك ما إذا قال له: إن غصب منك أحد شيئاً فأنا كافل له وتسمى هذه كفالة معلقة بالشرط وهي في معنى الكفالة المضافة، فالمراد بالمضافة والمعلقة ما يقع في المستقبل ويقابلها الكفالة المنجرة الواقعة في الحال، وهذه لا يشترط فيها أن يكون الأصيل الذي يراد كفالته معلوماً. ومثال ذلك أن يقول له: كفلت بما ثبت لك على الناس، فهذه صحيحة ويلزمه أن يقوم مما ثبت له في الماضي على الناس الذين يعينهم المكفول له صاحب الدين لأنه بذلك يكون له الحق في تعيين من له عليه الدين.
ولا يشترط في الأصيل المكفول عنه أن يكون حراً بالغاً حراً فتصح كفالة الصبي بالمال والنفس سواء كان مميزاً أو لا وسواء كان مأذوناً له في التجارة أو لا، ثم إن كانت الكفالة بأمر الولي يجبر الصبي على الحضور مع الكفيل في الكفالة بالنفس ويرجع الكفيل بما غرم على مال الصبي.
أما لم تكن الولي فإن كانت الصبي وكان مأذوناً بالتجارة غير محجور عليه فإن الكفيل يرجع بما غرم على مال الصبي في كفالة المال ويجبر الصبي على الحضور معه في كفالة النفس وإلا فلا.
القسم الثالث: يرجع إلى المكفول له صاحب الدين فيشترط أن يكون معلوماً فلا يصح للشخص أن يكفل شخصاً لمن يجهله. وأن يكون عاقلاً فلا تصح الكفالة عند المجنون ومثله الصبي الذي لا يعقل. لأن المكفول له لا تتم الكفالة إلا بقبوله على الصحيح فيجب أن يكون من أهل القبول ولا تصح الكفالة بقبول وليهما عنهما. أما حرية المكفول له فإنها ليست بشرط.
القسم الرابع: يرجع إلى المكفول به سواء كان ديناً أو عيناً فيشترط لصحة الكفالة في الدين شرطان:стр. 1192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الشرط الأول: أن يكون ديناً صحيحاً. والدين هو الذي لا يسقط إلا بأدائه لصاحبه أو بالبراءة بأنه يسامح فيه صاحبه. ويقوم مقام الإبراء منه أن يفعل صاحبه ما يستلزم سقوطه مثال ذلك مهر الزوجة قبل الدخول فإنه يسقط إذا رضيت لابنه البالغ أن يقبلها بشهوة فهو وإن لم تبرئه حقيقة ولكنها بفعلها هذا أبرأته حكماً.
فالدين الصحيح هو الذي لا يسقط إلا بقضائه أو الإبراء منه حقيقة أو حكماً، وهذا هو الدين الذي يصح ضمانه، أما غيره فإنه لا يصح كدين الكتابة فإن للمديون وهو العبد المكاتب أن يفسخ عقد الكتابة متى شاء، ويستثنى من ذلك الدين المشترك بين اثنين فإنه وإن كان صحيحاً ولكن لا يصح لأحد الشريكين أن يضمنه.
مثلاً إذا اشترى شخص من تاجر شريكين بعشرين جنيهاً إلى أجل فإنه لا يصح لأحد الشريكين أن يضمن المشتري في الثمن لأنه إن ضمنه مع بقاء الشركة بأن ضمنه في نصف شائع كان ضامناً لنفسه لأن كل جزء يؤديه الأصلي يكون له فيها نصيب وإن ضمنه في نصف صاحبه بدون شيوع كان ضامناً لنفسه لأن كل جزء يؤديه الأصيل يكون له فيه نصيب وإن ضمنه في نصف صاحبه بدون شيوع كان معناه قسمة الدين قبل قبضة وهي لا تجوز لأن معنى القسمة هي أن يفرز كل مهما نصيبه ويحزه، وذلك لا يتصور في الدين قبل قبضه لأنه شغل ذمة المدين وهو أمر معنوي فإذا كان الضامن أجنبياً فإنه يصح مع بقاء الشركة فمن اشترى سلعة من تاجر وأتى لهما بضامن فإنه يصح ويكون ما يدفعه الضامن بمنزلة ما يدفعه الأصيل، وكذا تستثنى النفقة المقروءة بالقضاء أو بالتراضي فإنها دين غير صحيح لأنها تسقط بالموت أو بالطلاق ومع ذلك فإنه يصح ضمانها ومحل كون النفقة تسقط بالموت أو الطلاق إذا لم تكن مستدانة بأمر القاضي وإلا فهي دين صحيح لا يسقط أصلاً.
الشرط الثاني: أن يكون الدين قائماً ومعنى كونه قائماً أن يكون باقياً غير ساقط. فإذا كان له على ميت مفلس فإنه لا يصح ضمانه لأن الميت المفلس سقط عنه الدين. ولا يشترط أن يكون الدين معلوماً تصح الكفالة بالمجهول.
ومثال الدين الصحيح القرض وثمن المبيع بعقد صحيح فإذا اشترى شخص سلعة من آخر ولم يدفع ثمنها ثم كفله شخص فيها ودفع ثمنها ثم ظهر فساد العقد بعد ذلك كان الكفيل مخيراً بين أن يرجع بما دفعه على البائع أو على المشتري. أما إذا كان عقد البيع صحيحاً وقت الكفالة ثم أضيف إليه شرط أفسده بعد ذلك فإن الكفيل يرجع بما دفعه على المشتري فقط يرجع على البائع والفرق أن البائع قد قبض ما يستحقه لأن العقد كان صحيحاً والكفيل يرجع على المشتري لا على البائع.
ويشترط في كفالة الأعيان أن تكون مضمونة بنفسها أو بغيرها كما ذكرنا في تعريف الكفالة. ومن الأعيان المضمونة بنفسها المبيع على سوم الشراء فإذا ساوم شخص آخر على سلعة سمى له ثمنها ثم استلمها على أن ينظر إليها أهله قبل أن يبت في شرائها فإن كفالتها تصح.стр. 1193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أما إذا لم يسلم ثمنها فإنها تكون أمانة ولا تصح بما ليس مضموناً كالوديعة ومال المضاربة والشركة ولكنها أمانة كالعارية والمستأجر في يد وهذه تصح كفالتها. ولكن إذا هلكت الدابة في يد المستأجر فإن الكفيل لا تلزمه قيمتها ثم إن الكفالة وإن كانت لا تصح بنفس الأعيان غير المضمونة كما ذكرنا ولكنها تصح بتسليمها فإذا كفل شخص لآخر تسليم الوديعة التي عند فلان فلان فإنها تصح ومثل ذلك ما إذا كفل له بتسليم العرية التي عنده ويشترط في الكفالة بالنفس أن تكون النفس مقدورة التسليم فلا يصح أن يكفل شخصاً غائباً لا يدري مكانه لأنه يقدر على إحضاره وتسليمه. ومثل ذلك ما إذا اتفق شخص مع آخر على أن يبني له داراً بشرط أن يتولى بناءها بنفسه فإنه لا يصح كفالة الشخص الذي يتولى العمل بنفسه لأنه ليس في قدرة الكفيل أن يرغمه على العمل، نعم تصح كفالته بنفسه بحيث يتولى الكفيل إحضاره عند الحاجة.
ومن الشروط التي ترجع إلى المكفول به أن لا يكون حداً أو قصاصاً فلا تصح الكفالة بهما لأنهما لا يمكن تسليمها وإنما تصح كفالة الشخص الذي وجب علبه حد أو قصاص بمعنى إحضاره عند اللزوم.
القسم الخامس: يرجع إلى الصيغة فيشترط لها أن لا تكون معلقة على شرط غير موافق للكفالة كأن يقول له: أكفل لك مالك على فلان من دين إن نزل المطر أو هبت الريح ونحو ذلك فمثل هذه الصيغة لا تصح بها الكفالة لأنها معلقة على شرط غير محقق الوقوع والغرض من الكفالة التأكيد فهذا الشرط لا يناسبها. أما المعلقة على شرط موافق فهي صحيحة ويكون الرشط موافقاً للكفالة بواحد من أمور ثلاثة:
الأول: أن يمون الشرط سببباً للزوم الحق كأن يقول له: أكفل لك هذه اليلعة المبيعة إن ظهر أنها ملك لغير بائعها فالشرط هنا وهو ظهور كون المبيع ملكاً للبائع سبباً للزوم الحق المكفول به وهو وجوب الثمن للبائع على المشتري.
ومثل ما إذا قال له: أكفل لك سلعة المودعة عند فلان إن أنكرها وذلك لأن إنكارها سبب لوجوب ثمنها عليه وهكذا. بخلاف ما إذا قال له: امش في طريق كذا وإن أكلك سبع فأنا ضامن فإنه ضمان غير صحيح لأن فعل السبع غير مضمون.
الأمر الثاني: أن يكون سبباً لسهولة تمكن من استيفاء المال من الأصيل كقوله إن قدم زيد فعلي ما عليه من الدين فالشرط في هذا المثال قدوم زيد سبب في تسهيل استيفاء صاحب الدين حقه من القادم الذي عليه الدين هو زيد. ويشترط أن يكون زيد القادم مديناً للمكفول له كما ذكرنا أو مضارباً أو غاصباً أو نحو ذلك، أما إذا كان أجنبياً كأن يقول: ضمنت لك ما على زيد عندстр. 1194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حضور عمرو من سفره فإنه لا يصح لأن عمرو الأجنبي الذي ليس مديناً ولا علاقة له بالدين لا يصح التعلق على حضوره.
الأمر الثالث: أن يكون سبباً لتعذر الاستيفاء نحو إن غاب زيد عن البلد فعلىّ فالشرط وهو غياب زيد سبب لتعذر استيفاء الدين منه فيصح أن يكفله فيه.
ومثل ما إذا قال له: ضمنت لك ما على فلان من الدين إن مات ولم يترك شيئاً ونحو ذلك.
وحاصل هذا المقام أن تعليق الكفالة صحيح إذا لم يترتب على ذلك إخلال بعقد الكفالة وهو توثيق الدين وتأكيده فإذا كان الشرط من الأمور ليست محققة الوقوع فإنه لا يصح.
ومثل ذلك ما إذا أجل الكفالة إلى أجل مجهول جهالة شديدة كما إذا قال له: أكفل لك نفس زيد عند هبوب الريح أو نزول المطر وفي هذه الحالة تثبت الكفالة ويبطل الأجل.
أما إذا أجل إلى أجل مجهول جهالة يسيرة كما إذا قاله: كفلت لك زيداً إلى الحصاد أو إلى موسم النيروز ونحو ذلك فإنه يصح وثبتت الكفالة والأجل.
أما إذا أجل الكفالة إلى وقت معين كما إذا قال له: أكفل لك زيداً أو ما على زيد من هذه الساعة إلى شهر فإنه يكون كفيلاً مدة شهر بلا خلاف.
أما إذا قال له: أكفله لك شهراً بدون أن يذكر (من) وإلى، فإن فيه خلافاً فبعضهم يقول: إنه يكون كفيلاً دائماً وبعضهم يقول: إنه كفيل في المدة التي ذكرها ولا يكون كفيلاً بعد ذلك، أما إذا قال: أكفله إلى شهر فقط (من) فكذلك فيها الخلاف فبعضهم يقول إنها كالأول وبعضهم يقول إنها كالثاني.
والتحقيق في ذلك أن صيغ الكفالة مبنية على العرف جارياً على أن هذه الصيغ لا يقصد منها إلا تأجيل الكفالة بأجل معلوم فإنها تحمل عليه لا فرق بين أن يذكر (من) وإلى، أو لم يذكر منهما، فلو قال: كفلت لك شهراً يكون كفيلاً في هذه المدة فقط ولا يكفله بعد ذلك إلا إذا قامت قرينة على خلاف العرف فيعمل بها.
وكما أن الكفالة نفسها لا تصح إذا علقت على شرط غير ملائم فكذلك البراءة منها لا تصح إذا علقت على شرط غير ملائم فإذا قال صاحب الدين للكفيل: إن جاء الغد فأتت بريء من الدين لا تصح البراءة ويكون لصاحب الدين مطالبة الكفيل كما كانمن قبل، والمراد بالشرط غير الملائم هنا هو كل شرط لا يستنفذ منه صاحب الدين شيئاً كما مثله وكقوله إن دخلت الدار فأتت بريء من الكفالة ونحو ذلك من الشروط التي لم يتعارف الناس. أما الشروط المتعارفة التي يستنفذ منها صاحب الدين فإنه يصح تعليق البراءة عليها كقوله: إن دفعت لي بعض الدين فأتت بريء من الكفالة في الباقي.
الشافعية - قالوا: تنقسم شروط الضمان إلى أربعة أقسام:стр. 1195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) القسم الأول: يرجع إلى الضامن فيشترط فيه شروط:
أحدها: أن يكون عاقلاً فلا يصح ضمان المجنون بخلاف الذي غاب عقله بسبب السكر فإن ضمانه يصح.
ثانيها: أن يكون باغاً فلا يصح ضمان الصبي.
ثاثها: أن لا يكون محجوراً عليه لسفه فلا يصح ضمان المحجور عليه بسبب السفه أما المحجور عليه بسبب الإفلاس فلا ضمانه يصح وكذا يصح ضمان السفيه الذي لم يحجر عليه.
رابعها: أن لا يكون مريضاً مرض الموت وهو لا يصح ضمانه بشرطين:
الأول: أن يكون عليه دين يستغرق كل ماله فإن لم يكن عليه دين مستغرق فإن ضمانه يصح.
الثاني: أن لا يطرأ له مال جديد بعد الموت فلو ظهر أن استحقاقاً في مال بعد موته فإنه يصح الضمان بالنسبة له ويؤخذ المضمون من ذلك المال. أما الذي يبرأ من مرضه فإن ضمانه يصح.
رابعها: أن لا يكون مكروهاً فلا يصح ضمان المكره.
القسم الثاني: يرجع إلى المضمون له وهو صاحب الحق. ويشترط فيه أن يكون معروفاً للضامن بشخصه فلا تكفي معرفة اسمه لتفاوت الناس في المطالبة شدة وليناً. وهل معرفة شخص وكيل المضمون له؟ نعم تكفي على المعتمد.
ولا يشترط رضاء المضمون له لأن الضمان لا يضره إذ التزام يزيد تأكيداً.
وكذا لا يشترط معرفة المضمون عنه وهو الذي عليه الحق ولا رضاه فيجوز للإنسان أن يضمن دين الميت الذي لا يعرفه وهذا في غير ضمان النفس فإنه يشترط فيه رضاء المكفول لأنه لا يلزمه أن يذهب معه للتسليم إلا إذا أذنه بأن يكفله. ومن ضمن بغير إذن متبرعاً فلا رجوع له.
القسم الثالث: يرجع إلى الصيغة فيشترط للصيغة شرطان:
أحدهما: أن تكون لفظاً يشعر بالاتزام كأن يقول: ضمنت دينك الذي لك علي أو تكفلت لك ببدن فلان ونحو ذلك مما يدل على أنه قد التزم بالشيء الذي ضمن به.
أما إذا أتى بصيغة لا تشعر بالالتزام كما إذا قال: أودي المال الذي لك عند فلان أو أحضر الشخص الذي لك عنده كذا فمثل هذه الصيغة لا تكون ضماناً وإنما تكون وعداً إلا إذا نوى بها الضمان فإنها تكون ضماناً. د
ثانيهما: أن لا تكون معلقة أو مؤقتة فإذا قال: إن جاء الغد ضمنتك أو قال: أنا ضامن مال فلان شهراً أو كافل بدنه أسبوعاً لا يصح. نعم إذا كفل دين فلان الحال أن يدفعه مؤجلاً بعد شهر مثلاً فإنه يصح. فإذا كان لشخص عند آخر أجل موع
كفله شخص على أن يدفع ذلك الدين بعد شهر صحت الكفالة ويثبت الأجل للكفيل لا للأصيل حتى لو مات الأضصيل لم يحل الدين على الكفيل.следующие страницы →