Полный текст (2 230 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أقل من ثلث ماله. فيشترط في الكفيل البلوغ والعقل وهما شرطا انعقاد. والحرية وهي شرط نفاذ والصحة وهي شرط فيما زاد عن الثلث من ماله.
القسم الثاني: يرجع إلى الأصيل وهو المديون فيشترط فيه أن يكون قادراً على تسليم المكفول به ينفسه أو نائبه فإذا كفل ميتاً مفلساً لا تصح كفالته لأن الميت المفلس عاجز عن تسليم المكفول به بنفسه وبنائبه من الورثة لأنه مفلس، فإذا ترك الميت مالاً فإنه يصح الكفالة عنه بقدر ذلك المال. وهذا القول هو الصحيح.
وكذا يشترط في الأصيل أن يكون معلوماً، فلا تصح كفالة المجهول إذا كانت الكفالة في المستقبل وتسمى مضافة، فإذا قال شخص لآخر كفلت لك ما تبعيه للناس بالدين فإن الكفالة لا تصح. وقد يقع هذا فيما أراد شخص أن يعلم ولده التجارة ويجلب له الناس يشترون منه فيقولون له بع: للناس ولو بالدين وأنا أضمن لك ما تبيعه من ذلك، فهذه الكفالة غير صحيحة لأن الناس كفلهم مجهولون.
ومثل ذلك ما إذا قال له: إن غصب منك أحد شيئاً فأنا كافل له وتسمى هذه كفالة معلقة بالشرط وهي في معنى الكفالة المضافة، فالمراد بالمضافة والمعلقة ما يقع في المستقبل ويقابلها الكفالة المنجرة الواقعة في الحال، وهذه لا يشترط فيها أن يكون الأصيل الذي يراد كفالته معلوماً. ومثال ذلك أن يقول له: كفلت بما ثبت لك على الناس، فهذه صحيحة ويلزمه أن يقوم مما ثبت له في الماضي على الناس الذين يعينهم المكفول له صاحب الدين لأنه بذلك يكون له الحق في تعيين من له عليه الدين.
ولا يشترط في الأصيل المكفول عنه أن يكون حراً بالغاً حراً فتصح كفالة الصبي بالمال والنفس سواء كان مميزاً أو لا وسواء كان مأذوناً له في التجارة أو لا، ثم إن كانت الكفالة بأمر الولي يجبر الصبي على الحضور مع الكفيل في الكفالة بالنفس ويرجع الكفيل بما غرم على مال الصبي.
أما لم تكن الولي فإن كانت الصبي وكان مأذوناً بالتجارة غير محجور عليه فإن الكفيل يرجع بما غرم على مال الصبي في كفالة المال ويجبر الصبي على الحضور معه في كفالة النفس وإلا فلا.
القسم الثالث: يرجع إلى المكفول له صاحب الدين فيشترط أن يكون معلوماً فلا يصح للشخص أن يكفل شخصاً لمن يجهله. وأن يكون عاقلاً فلا تصح الكفالة عند المجنون ومثله الصبي الذي لا يعقل. لأن المكفول له لا تتم الكفالة إلا بقبوله على الصحيح فيجب أن يكون من أهل القبول ولا تصح الكفالة بقبول وليهما عنهما. أما حرية المكفول له فإنها ليست بشرط.
القسم الرابع: يرجع إلى المكفول به سواء كان ديناً أو عيناً فيشترط لصحة الكفالة في الدين شرطان:стр. 1192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الشرط الأول: أن يكون ديناً صحيحاً. والدين هو الذي لا يسقط إلا بأدائه لصاحبه أو بالبراءة بأنه يسامح فيه صاحبه. ويقوم مقام الإبراء منه أن يفعل صاحبه ما يستلزم سقوطه مثال ذلك مهر الزوجة قبل الدخول فإنه يسقط إذا رضيت لابنه البالغ أن يقبلها بشهوة فهو وإن لم تبرئه حقيقة ولكنها بفعلها هذا أبرأته حكماً.
فالدين الصحيح هو الذي لا يسقط إلا بقضائه أو الإبراء منه حقيقة أو حكماً، وهذا هو الدين الذي يصح ضمانه، أما غيره فإنه لا يصح كدين الكتابة فإن للمديون وهو العبد المكاتب أن يفسخ عقد الكتابة متى شاء، ويستثنى من ذلك الدين المشترك بين اثنين فإنه وإن كان صحيحاً ولكن لا يصح لأحد الشريكين أن يضمنه.
مثلاً إذا اشترى شخص من تاجر شريكين بعشرين جنيهاً إلى أجل فإنه لا يصح لأحد الشريكين أن يضمن المشتري في الثمن لأنه إن ضمنه مع بقاء الشركة بأن ضمنه في نصف شائع كان ضامناً لنفسه لأن كل جزء يؤديه الأصلي يكون له فيها نصيب وإن ضمنه في نصف صاحبه بدون شيوع كان ضامناً لنفسه لأن كل جزء يؤديه الأصيل يكون له فيه نصيب وإن ضمنه في نصف صاحبه بدون شيوع كان معناه قسمة الدين قبل قبضة وهي لا تجوز لأن معنى القسمة هي أن يفرز كل مهما نصيبه ويحزه، وذلك لا يتصور في الدين قبل قبضه لأنه شغل ذمة المدين وهو أمر معنوي فإذا كان الضامن أجنبياً فإنه يصح مع بقاء الشركة فمن اشترى سلعة من تاجر وأتى لهما بضامن فإنه يصح ويكون ما يدفعه الضامن بمنزلة ما يدفعه الأصيل، وكذا تستثنى النفقة المقروءة بالقضاء أو بالتراضي فإنها دين غير صحيح لأنها تسقط بالموت أو بالطلاق ومع ذلك فإنه يصح ضمانها ومحل كون النفقة تسقط بالموت أو الطلاق إذا لم تكن مستدانة بأمر القاضي وإلا فهي دين صحيح لا يسقط أصلاً.
الشرط الثاني: أن يكون الدين قائماً ومعنى كونه قائماً أن يكون باقياً غير ساقط. فإذا كان له على ميت مفلس فإنه لا يصح ضمانه لأن الميت المفلس سقط عنه الدين. ولا يشترط أن يكون الدين معلوماً تصح الكفالة بالمجهول.
ومثال الدين الصحيح القرض وثمن المبيع بعقد صحيح فإذا اشترى شخص سلعة من آخر ولم يدفع ثمنها ثم كفله شخص فيها ودفع ثمنها ثم ظهر فساد العقد بعد ذلك كان الكفيل مخيراً بين أن يرجع بما دفعه على البائع أو على المشتري. أما إذا كان عقد البيع صحيحاً وقت الكفالة ثم أضيف إليه شرط أفسده بعد ذلك فإن الكفيل يرجع بما دفعه على المشتري فقط يرجع على البائع والفرق أن البائع قد قبض ما يستحقه لأن العقد كان صحيحاً والكفيل يرجع على المشتري لا على البائع.
ويشترط في كفالة الأعيان أن تكون مضمونة بنفسها أو بغيرها كما ذكرنا في تعريف الكفالة. ومن الأعيان المضمونة بنفسها المبيع على سوم الشراء فإذا ساوم شخص آخر على سلعة سمى له ثمنها ثم استلمها على أن ينظر إليها أهله قبل أن يبت في شرائها فإن كفالتها تصح.стр. 1193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أما إذا لم يسلم ثمنها فإنها تكون أمانة ولا تصح بما ليس مضموناً كالوديعة ومال المضاربة والشركة ولكنها أمانة كالعارية والمستأجر في يد وهذه تصح كفالتها. ولكن إذا هلكت الدابة في يد المستأجر فإن الكفيل لا تلزمه قيمتها ثم إن الكفالة وإن كانت لا تصح بنفس الأعيان غير المضمونة كما ذكرنا ولكنها تصح بتسليمها فإذا كفل شخص لآخر تسليم الوديعة التي عند فلان فلان فإنها تصح ومثل ذلك ما إذا كفل له بتسليم العرية التي عنده ويشترط في الكفالة بالنفس أن تكون النفس مقدورة التسليم فلا يصح أن يكفل شخصاً غائباً لا يدري مكانه لأنه يقدر على إحضاره وتسليمه. ومثل ذلك ما إذا اتفق شخص مع آخر على أن يبني له داراً بشرط أن يتولى بناءها بنفسه فإنه لا يصح كفالة الشخص الذي يتولى العمل بنفسه لأنه ليس في قدرة الكفيل أن يرغمه على العمل، نعم تصح كفالته بنفسه بحيث يتولى الكفيل إحضاره عند الحاجة.
ومن الشروط التي ترجع إلى المكفول به أن لا يكون حداً أو قصاصاً فلا تصح الكفالة بهما لأنهما لا يمكن تسليمها وإنما تصح كفالة الشخص الذي وجب علبه حد أو قصاص بمعنى إحضاره عند اللزوم.
القسم الخامس: يرجع إلى الصيغة فيشترط لها أن لا تكون معلقة على شرط غير موافق للكفالة كأن يقول له: أكفل لك مالك على فلان من دين إن نزل المطر أو هبت الريح ونحو ذلك فمثل هذه الصيغة لا تصح بها الكفالة لأنها معلقة على شرط غير محقق الوقوع والغرض من الكفالة التأكيد فهذا الشرط لا يناسبها. أما المعلقة على شرط موافق فهي صحيحة ويكون الرشط موافقاً للكفالة بواحد من أمور ثلاثة:
الأول: أن يمون الشرط سببباً للزوم الحق كأن يقول له: أكفل لك هذه اليلعة المبيعة إن ظهر أنها ملك لغير بائعها فالشرط هنا وهو ظهور كون المبيع ملكاً للبائع سبباً للزوم الحق المكفول به وهو وجوب الثمن للبائع على المشتري.
ومثل ما إذا قال له: أكفل لك سلعة المودعة عند فلان إن أنكرها وذلك لأن إنكارها سبب لوجوب ثمنها عليه وهكذا. بخلاف ما إذا قال له: امش في طريق كذا وإن أكلك سبع فأنا ضامن فإنه ضمان غير صحيح لأن فعل السبع غير مضمون.
الأمر الثاني: أن يكون سبباً لسهولة تمكن من استيفاء المال من الأصيل كقوله إن قدم زيد فعلي ما عليه من الدين فالشرط في هذا المثال قدوم زيد سبب في تسهيل استيفاء صاحب الدين حقه من القادم الذي عليه الدين هو زيد. ويشترط أن يكون زيد القادم مديناً للمكفول له كما ذكرنا أو مضارباً أو غاصباً أو نحو ذلك، أما إذا كان أجنبياً كأن يقول: ضمنت لك ما على زيد عندстр. 1194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حضور عمرو من سفره فإنه لا يصح لأن عمرو الأجنبي الذي ليس مديناً ولا علاقة له بالدين لا يصح التعلق على حضوره.
الأمر الثالث: أن يكون سبباً لتعذر الاستيفاء نحو إن غاب زيد عن البلد فعلىّ فالشرط وهو غياب زيد سبب لتعذر استيفاء الدين منه فيصح أن يكفله فيه.
ومثل ما إذا قال له: ضمنت لك ما على فلان من الدين إن مات ولم يترك شيئاً ونحو ذلك.
وحاصل هذا المقام أن تعليق الكفالة صحيح إذا لم يترتب على ذلك إخلال بعقد الكفالة وهو توثيق الدين وتأكيده فإذا كان الشرط من الأمور ليست محققة الوقوع فإنه لا يصح.
ومثل ذلك ما إذا أجل الكفالة إلى أجل مجهول جهالة شديدة كما إذا قال له: أكفل لك نفس زيد عند هبوب الريح أو نزول المطر وفي هذه الحالة تثبت الكفالة ويبطل الأجل.
أما إذا أجل إلى أجل مجهول جهالة يسيرة كما إذا قاله: كفلت لك زيداً إلى الحصاد أو إلى موسم النيروز ونحو ذلك فإنه يصح وثبتت الكفالة والأجل.
أما إذا أجل الكفالة إلى وقت معين كما إذا قال له: أكفل لك زيداً أو ما على زيد من هذه الساعة إلى شهر فإنه يكون كفيلاً مدة شهر بلا خلاف.
أما إذا قال له: أكفله لك شهراً بدون أن يذكر (من) وإلى، فإن فيه خلافاً فبعضهم يقول: إنه يكون كفيلاً دائماً وبعضهم يقول: إنه كفيل في المدة التي ذكرها ولا يكون كفيلاً بعد ذلك، أما إذا قال: أكفله إلى شهر فقط (من) فكذلك فيها الخلاف فبعضهم يقول إنها كالأول وبعضهم يقول إنها كالثاني.
والتحقيق في ذلك أن صيغ الكفالة مبنية على العرف جارياً على أن هذه الصيغ لا يقصد منها إلا تأجيل الكفالة بأجل معلوم فإنها تحمل عليه لا فرق بين أن يذكر (من) وإلى، أو لم يذكر منهما، فلو قال: كفلت لك شهراً يكون كفيلاً في هذه المدة فقط ولا يكفله بعد ذلك إلا إذا قامت قرينة على خلاف العرف فيعمل بها.
وكما أن الكفالة نفسها لا تصح إذا علقت على شرط غير ملائم فكذلك البراءة منها لا تصح إذا علقت على شرط غير ملائم فإذا قال صاحب الدين للكفيل: إن جاء الغد فأتت بريء من الدين لا تصح البراءة ويكون لصاحب الدين مطالبة الكفيل كما كانمن قبل، والمراد بالشرط غير الملائم هنا هو كل شرط لا يستنفذ منه صاحب الدين شيئاً كما مثله وكقوله إن دخلت الدار فأتت بريء من الكفالة ونحو ذلك من الشروط التي لم يتعارف الناس. أما الشروط المتعارفة التي يستنفذ منها صاحب الدين فإنه يصح تعليق البراءة عليها كقوله: إن دفعت لي بعض الدين فأتت بريء من الكفالة في الباقي.
الشافعية - قالوا: تنقسم شروط الضمان إلى أربعة أقسام:стр. 1195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) القسم الأول: يرجع إلى الضامن فيشترط فيه شروط:
أحدها: أن يكون عاقلاً فلا يصح ضمان المجنون بخلاف الذي غاب عقله بسبب السكر فإن ضمانه يصح.
ثانيها: أن يكون باغاً فلا يصح ضمان الصبي.
ثاثها: أن لا يكون محجوراً عليه لسفه فلا يصح ضمان المحجور عليه بسبب السفه أما المحجور عليه بسبب الإفلاس فلا ضمانه يصح وكذا يصح ضمان السفيه الذي لم يحجر عليه.
رابعها: أن لا يكون مريضاً مرض الموت وهو لا يصح ضمانه بشرطين:
الأول: أن يكون عليه دين يستغرق كل ماله فإن لم يكن عليه دين مستغرق فإن ضمانه يصح.
الثاني: أن لا يطرأ له مال جديد بعد الموت فلو ظهر أن استحقاقاً في مال بعد موته فإنه يصح الضمان بالنسبة له ويؤخذ المضمون من ذلك المال. أما الذي يبرأ من مرضه فإن ضمانه يصح.
رابعها: أن لا يكون مكروهاً فلا يصح ضمان المكره.
القسم الثاني: يرجع إلى المضمون له وهو صاحب الحق. ويشترط فيه أن يكون معروفاً للضامن بشخصه فلا تكفي معرفة اسمه لتفاوت الناس في المطالبة شدة وليناً. وهل معرفة شخص وكيل المضمون له؟ نعم تكفي على المعتمد.
ولا يشترط رضاء المضمون له لأن الضمان لا يضره إذ التزام يزيد تأكيداً.
وكذا لا يشترط معرفة المضمون عنه وهو الذي عليه الحق ولا رضاه فيجوز للإنسان أن يضمن دين الميت الذي لا يعرفه وهذا في غير ضمان النفس فإنه يشترط فيه رضاء المكفول لأنه لا يلزمه أن يذهب معه للتسليم إلا إذا أذنه بأن يكفله. ومن ضمن بغير إذن متبرعاً فلا رجوع له.
القسم الثالث: يرجع إلى الصيغة فيشترط للصيغة شرطان:
أحدهما: أن تكون لفظاً يشعر بالاتزام كأن يقول: ضمنت دينك الذي لك علي أو تكفلت لك ببدن فلان ونحو ذلك مما يدل على أنه قد التزم بالشيء الذي ضمن به.
أما إذا أتى بصيغة لا تشعر بالالتزام كما إذا قال: أودي المال الذي لك عند فلان أو أحضر الشخص الذي لك عنده كذا فمثل هذه الصيغة لا تكون ضماناً وإنما تكون وعداً إلا إذا نوى بها الضمان فإنها تكون ضماناً. د
ثانيهما: أن لا تكون معلقة أو مؤقتة فإذا قال: إن جاء الغد ضمنتك أو قال: أنا ضامن مال فلان شهراً أو كافل بدنه أسبوعاً لا يصح. نعم إذا كفل دين فلان الحال أن يدفعه مؤجلاً بعد شهر مثلاً فإنه يصح. فإذا كان لشخص عند آخر أجل موع
كفله شخص على أن يدفع ذلك الدين بعد شهر صحت الكفالة ويثبت الأجل للكفيل لا للأصيل حتى لو مات الأضصيل لم يحل الدين على الكفيل.стр. 1196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أما إذا كان الدين مؤجلاً ثم منه على أن يدفعه حالاً فإن الضامن لا يلزم بدفعه حالاً لأن الأجل ثابت في حق الأصيل استقلالاً وفي حق الكفيل تبعاً. فلا يطالب أحد منهما قبل حلول الأجل فإذا مات الأصيل حل الدين عليهما معاً.
القسم الرابع: يرجع إلى المضمون به سواء كان ديناً أو عيناً أو نفساً فيشترط في الدين أن يكون لازماً في الحال أو المال. ومثال الدين في الحال الرض وثمن السلعة المبيعة ونحو ذلك.
والدين الذي يؤؤل للزوم ثمن السلعة في مدة الخيار فإنه وإن لم يلزم في الحال ولكنه يلزم مالاً فيصح ضمانه. وكذا يشترط أن يكون الدين معلوماً ضمان المجهول قدراً أو جنساً أو صفة فلا بد من بيان ذلك كأن يقول: ضمنت ما لك على زيد من دين قدره عشرون جنيهاً مصرية أو إنكليزية أو نحو ولم يبين جنسها أو قال: ضمنت لك العشرين جنيهاً ولم صفتها فإنه لا يصح.
ويستثنى من ذلك إبل الدية فإنه يصح ضمانها مع عدم ذكر صفتها لأنها معروفة السن والعدد ويرجع في صفتها إلى غاب أبل البلد فلا حاجة إلى ذكر صفتها.
أما الأعيان فإنها تنقسم إلى قسمين مضمونة كما تقدم في التعريف فيشترط لصحة ضمان الأعيان أن تكون مضمونة يجب ردها إلى مالكها فمعنى ضمانها ضمان ردها إلى مالكها.
أما ضمان قيمتها إذا تلف فإنه لا يصح لأنها لم تتلف وقت الضمان لتثبيت قيمتها في الذمة فإن تلف بافعل فإنه يصح ضمان قيمتها بعد تلفها لثبوته في الذمة حينئذ.
ومثال العين المضمونة العين المغصوبة والمستعارة. ومثال العين غير المضمونة المودعة والموصى بها والمؤجرة فهذه الأعيان لا يصح ضمان ردها لا يجب على واضع اليد وإنما الذي يجب هو أن يخلى بينها وبين مالكها. وأما كفالة النفس فيشترط لصحتها أن يكون على المكفول ببدنه حق لآدمي مالاً كان عقوبة.
الحنابلة - قالوا: يشترط للضمان شروط منها ما يتعلق بالضامن فيشترط فيه أن يكون أهلاً للتصرف فلا يصح المجنون، والصغير، والسفيه ويصح ضمان المفلس لأن الضمان يتعلق بالذمة، وكذا يشترط رضاء الضامن فلا يصح ضمان المكره.
ولا يشترط في الضامن أن يعرف المضمون له وهو صاحب الحق كما لا يشترط أن يعرف الضامن المضمون عنه وهو عليه الحق فيجوز أن يضمن من لا يعرفه حياً كان أو ميتاً.
ومنها ما يتعلق بالمضمون به وهو الدين أو العين او النفس فيشترط لصحة الضمان باليدن أن يكون الدين لازماً حالاً أو مالاً والأول كالقرض وثمن المبيع الذي لا خيار فيه. والثاني كمن المبيع قبل مضي مدة الخيار فإنه يؤؤل للزوم فلا يصح الضمان بالدين غير اللازم كدين الكتابة فإن للمكاتب أن ينقص العقد عن الأداء فدينه ليس بلازم حالاً ولا مآلاً.стр. 1197
أحكام تتعلق بالكفالة
-تتعلق بالكفالة أحكام مفصلة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (المالكية - قالوا: تتعلق باكفالة أحكام كثيرة منها: أنه يصح الضمان بدون إذن من عليه الدين وهو المضمون عنه فإذا كان لشخص دين ىخر فضمن الدين بدون إذن المدين صح الضمان ولزم: وبعضهم يقول: لا يصح بدون إذن الموديون وإلا فلا يلزمه الدفع. وكذا يصح لشخص أو يؤدي دين آخر بدون إذنه ويجبر صاحب الدين على قبوله بشرط الغرض من ذلك الشفقة والرفق بالمدين.
أما إذا كان الغرض سداد دينه ليشهر بمطالبته عند الرجوع عليه أو يؤذيه بمداينته إياه لعداوة بينهما فإنه لا يصح وليس لمن يدد غيره بقصد الإضرار به بمطالبة عليه مطلقاً.
ومثل ذلك ما إذا اشترى ما إذا اشترى شخص دين آخر ليغطيه بالمطالبة ويشهر به لعداوة بينهما فإن ذلك الشراء لم يصح وعلى رب الدين أن يرد الثمن الذي باع به الدين للمشتري فإن ضاع منه فإن كان من الأشياء المثلية فعليه للذي اشترى منه الدين أن يطالب المدين بل الذي يتولى مطالبتة الحاكم ليأخذ منه المبلغ ويدفعه للمشتري ولكن لا يجب على البائع أن يرد ثمن الدين الذي قبضه إلا إذا علم أن غرض المشتري هو الإضرار بالمدين والتشهير به.
أما إذا لم يعلم بذلك فإن البيع ينفذ ولا يجب عليه رد الثمن. وفي هذه لا يكون للمشتريстр. 1198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحق في أن يتولى مطالبة المدين بل يبيع الدين لغيره وبعضهم يقول: يفسخ الدين مطلقاً علم أو لم يعلم والأول أظهر.
(ومنها) أنه إذا ادعى شخص أن ديناً له ديناً على غائب فقال آخر: أنا ضامن لذلك الدين ثم حضر الغائب وأنكر الدين ولم يثبت ونحوها فإن الضمان يسقط. فإذا أقر الغائب بادين وكان موسراُ فإن الضمن يلزم الضمان بلزم. أما إذا كان معسراً فإن الضمان لاحتمال أنه قد تواطأ مع المدعي على أكل مال الضامن.
ومنها: أنه يلزم من براءة المضمون براءة الضامن من براءة الضامن براءة المديون. مثلاً إذا ضمن شخص ديناً في ذمة آخر فتنازل صاحب الدين عن دينه كأن وهبه المديونأو أبرأه أو احاله على دين ثابت لازم فغن ذمة الضامن تبرأ. ومثل ذلك ما إذا مات المديون عن مال وصاحب الدين وراثه فإن ذمته يبرأ الضامن تبعاً بخلاف ما إذا مات المديون مفلساً فإن ذمة الضامن لا تبرأ بموته. فهذه براءة الضامن المضمون.
أما إذا برئ الضامن فغن الضامن المضمون قد لا يبرأ فالأول كما إذا دفع الضامن الدين فإن ذمة كل منهما تبرأ من الدين فلا يكون لصاحبه حق قبلها. والثاني كما غذا وهب صاحب الدين للضامن فغن ذمة الضامن تبرأ ولا تبرأ المضمون بل يكون لصاحب الدين ولا تتم الهبة للضامن إلا إذا قبض الدين قبل أن يحصل لصاحب الدين مانع يمنه من الهبة.
وكذا إذا كان الضمان مؤقتاً بمدة كأن يقول الضامن ضمان دين فلان علي في مدة شهرين مثلاً بحيث إذا مات أو أفلس فيهما كنت ملزماً بدينه. فذمة الضامن تبرأ بعد انقضاء الشهرين وتبرأ ذمة المديون الأصلي.
ومن ذلك تعلم أنه يجوز الضمان مؤقتاً بمدة معينة.
ومنها أنه لا يجوز لصاحب الدين أن يطالب الضامن إلا في أربعة أحوال:
الحالة الأولى: أن يكون المضمون الأصلي مفلساً.
الحالة الثانية: أن يكون موسراً ولكنه مماطل معروف باللدد في الخصومة والشدة فيها.
الحالة الثالثة: أن يكون المديون الصلي غائباً وليس له مال يمكن سداد الدين منه. أما إذا كان له مال يستطيع صاحب الدين أن ياخذ منه دينه بدون صعوبة ولا مشقة فليس له في هذه الحالة مطالبة الضامن.
وحاصل ذلك أن المضمون غذا كان موسراً حاضراً فليس لصاحب الدين مطالبة الضامن وإذا كان غاباً ولكن له مال يمكن اخذ الدين منه بسهولة فطذلك ليس لصاحب الدين مطالبة الضامن.
الحالة الرابعة: أنة يشترط صاحب الدين أن يأخذ دينه من أيهما جاء فإن له في هذه الحالة أن يطالب الضامن. ومثل ذلك أن يشترط مطالبة الضامن في حالة معينة كعسر المضمون أو موته أو نحوстр. 1199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ذلك هو الراجح, وبعضهم يقول إن صاحب الدين مخير بين أن يطالب الضامن أو يطالب المضمون على أي حال.
ومنها الدين المؤجل يصح في ثلاثة أحوال.
الحالة الأولى: موت الضامن إذا ترك مالاً يكفي لسداد الدين أو بعضه فإذا ترك كل الدين لصاحب الدين الخيار في أن ياخذ دينه من ترك الضامن أو أن يتبع المضمون الصلي فإذا أخذ دينه من تركه الضامن فليس لورثته مطالبة المضمون إلا بعد حلول أجل الدين ولو كان المضمون حاضراً موسراً لأن الدين في هذه الحالة يعجل بالنسبة للضامن
فقط موسراً فإذا مات الضامن معسراً فلا حق لصاحب الدين في المطالبة إلا عند حلول الأجل وإذا ترك بعض الدين كان له الحق في أخذه ويصبر بالبعض الآخر الأجل.
الحالة الثانية: أن بفلس الضامنى وفي هذه الحالة يكون صاحب الدين مخيراً بين أن أن يدخل مع الدائنين في تصفية مال الضامن ويأخذ الحصة التي يستحقها معهم، وليس للضامن أن يطالب بها إلا بعد أن يحل الأجل.
الحالة الثالثة: أن يموت المديون موسراً وفي هذه الحالة لصاحب الدين أن ياخذ من تركة الميت ولو لم يحل أجل الدين. أما غذا مات معسراً فليس لصاحب الدين الدين أن يطالب الضامن إلا بعد بعد حلول الجل، لنه لا يلزم من حلول الدين على الصيل حلوله على الضامن.
ومنها أن الضامن إذا دفع الدين يرجع به على المضمون بعد أن يثبت أنه دفعه بينه أو إقرار من صاحب الدين بانه استلم دينه
أو نحو ذلك، فإذا لم يثبت ذلك فليس له الحق في الرجوع على المضمون.
ثم إن كان الدين من الأشياء التي تقوم كالثياب، فإن كان الضامن قد دفع الدين ثياباً من جنس الثياب التي أخذها المدين، فإنه يستحق أن يأخذ من المدين ثياباً مثلها.
أما إذا كان قد دفع قيمة الثياب، فإنه يلزم بالقيمة إن كانت القيمة أقل من الياب، فغن كانت أكثر فإن الذي يلزم المضمون بدفعه هو الثياب لا القيمة هذا إذا كان الضامن قد دفع الثياب من عنده أما إذا كان قد اشتراها من الغير بثمن فإن المثل بدون محاباة فإن المديون يلزم به بدون خلاف.
أما إذا كان قد اشتراها بغبن ومحاباة فليس على المديون إلا ثمن فقط، فإذا اشترى ثياباً بعشرة وهي تساوي خمسة كان على المديون خمسة.
الحنفية - قالوا: يتعلق بالكفالة أحكام كثيرة، منها أن الكفالة بدون أمر المديون فإذا كفل شخص آخر بدون أمره كان متبرعاً فليس له أن يرجع بما أراده من الدين ومثل ذلك ما إذا كفله بامره أجنبي فإذا قال زيد لعمرو أضمن خالداً في الدين الذي عليه لبكر، ففعل، فإنه يكون متبرعاً وليس الرجوع لا على المديون ولا على زيد الأجنبي.стр. 1200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أما إذا كفل المديون بامره فإنه يرجع عليه بشرطين:
الشرط الأول: أن ينص على أن الحق الذي يضمنه فيه يكون ملزماً به كأن يقول له: اضمن لفلان مائة جنيه على أن ما تضمنه يكون علىّ سداده: فهذه الصيغة تجعل للضامن الحق في الرجوع على المديون بلا خوف، وفي حكم ذلك ما إذا قال له اضمن لفلان مائة جنيه أو عني لأن التصريح بكلمة (على أو عني) معناه الالتزام بالدين يدفعه عنه.
وبعضهم يقول: إن هذه الصيغة مختلف فيها، ولكن التحقيق أنه لا خلاف في أن للضامن حق الرجوع فيها.
أما الصيغة التي فيها الخلاف فهي أن يقول له: اضمن لفلان مائة جنيه، ولم يصرح بكامة (عني) ولا (علي) ولم ينص على انه يكون ملزماً فبعضهم يقول: إن له حق الرجوع مطلقاً وبعضهم يقول ليس له حق الرجوع إلا غذا كان الضامن الذي قال له ذلك خليطة كأن يكون والداً أو زوجة أو أجيراً أو شريكاً شركة عنان أو نحو ذلك.
الشرط الثاني: أن لا يكون الآمر محجوراً عليه أو رقيقاً فإن أمره صبي يضمنه فليس له حق الرجوع في ماله، كما تقدم في مبحث الشروط. أما إذا كان رقيقاًفإنه لا يرجع إذا أعتق.
ومنها: انه إذا دفع الضامن الدين فإن ذمة المديون الأصلي تبرأ، ولا يكون لصاحب الدين حق عنده بل ينتقل الحق للكفيل الذي دفع، ويبرأ الأصيل. وذلك فيما إذا كان للضامن دين عند آخر؛ ثم أحال الضامن صاحب الدين على مديونه، وشرط براءة نفسه فقط، فإن ذمة الضامن تبرأ في هذه الحالة، ولصاحب الدين أن يطالب الأصيل أو المحال، بشرط أن يكون المحال عليه مفلساً أو منكراً للدين ولا بينة عليه.
أما إذا كان المحال عليه مقراً بالدين وكان ذا مال فإن ذمة الأصيل تبرأ أيضاً، ويكون المطالب هو المحال عليه فقط.
وكذا إذا دفع الأصيل الدين فإن الكفيل يبرأ ببراءة ذمة الأصيل. ومثل ما إذا أبرأ صاحب الدين المديون أو مد له في أجل الدين فإن الكفيل يتبعه في ذلك إلا إذا كفله بشرط أن يبرئه، فلو قال الضامن لصاحب الدين أضمن لك دينك بشرط أن تبرئ المديون منه وفعل فإن ذمة المديون تبرأ وتبقى ذمة الضامن مشغولة بالدين وحده لأنها في هذه الحالة تكون حوالة لا كفالة. وإذا مات صاحب الدين وكان المديون وراثه ذمة الضامن تبرأ.
وإذا أبرأ صاحب الدين المديون فلم يقبل منه هذه المنة فإن ذمة المديون لا تبرأ لأنه يشترط قبوله إبراء صاحب الدين، وهل ذمة الكفيل ولا يعود الدين عليه؟ خلاف. أما إذا أبرأ صاحب الدين الضامن فإنه يصح ولو لم يقبل الضامن لأنه ليس مديناً وإنما مطالب ولا يشترط في سقوط المطالبةстр. 1201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) القبول، كما تقدم في تعريف الكفالة، ولا يلزم من إبراء الضامن المديون الأصلي، ولمن ليس للكفيل أن يرجع عليه بالمال الذي كفله به بعد ذلك لصاحب الدين مطالبة المديون الأصلي.
أما إذا تصدق صاحب الدين على الكفيل بالدين فإن للكفيل أن يرجع على المجديون ومثل ذلك إذا وهبه الدين كما تقدم.
ومنها: أن صاحب الدين إذا أجل دينه للكفيل فلا يلزم منه تأجيل للأصيل فإذا حل أجل الدين فمد صاحبه الأجل للضامن شهراً مثلاً فليس له الحق في مطالبته ولكن له الحق في مطالبة المديون الأصلي لأنه إنما أجل مطالبة الكفيل لا مطالبة المديون.
ومنها: أن الضامن بالمال إذا ضمن بألف ثم صاحب الدين على خمسمائة فإنه يرجع بخمسمائة لا بالألف التي ضمنتها.
أما إذا ضمن عيناً جيدة، ثم دفع لصاحبها عيناً رديءة فلإنه يرجع على المضمون له بالعين الجيدة، وذلك لأن حكم الكفالة أن الكفيل يملك بأدائه، فهو محل صاحب الدين الجيد يملك المطالبة به متصفاً بالجودة، فكذلك الكفيل الذي حل محله. ولا يضره أنه دفع الدين رديئاً ورضي به صاحب الدين.
مثلاً إذا استدان شخص من آخر ثاباً من القماش الجيد وضمنه فيها آخر، ثم دفع الضامن لصاحبها ثياباً من القماش الردئ ورضي بها للضامن في أخذ القماش الجيد الذي ضمن فيه لأنه أصبح مالكاً للدين الجيد وتنازل صاحب الحق للضامن عن بعض حقه لا يلزم منه تنازله للمدين الأصلي، ألا ترى أنه يصح لصاحب الدين أن يهدد الكفيل فإذا وهب صاحب الدين دينه للكفيل فإن الكفيل يملكه ويطالب به المديون على أن يدفعه له بعينه.
أما إذا أمر شخص آخر بأن يدفع عنه السلعة الجيدة التي استدانها من فلان فدفع له سلعة رديئة ورضي بها صاحبها، فإنه لا يرجع على المديون الأصلي إلا بالسلعة الرديئة. وذلك لأن المأمور بسداد الدين لا يملك الدين بالأداء كما يملكه الضامن فلا يأخذ إلا ما دفعه.
ومنها: أنه ليس للضامن من الحق في مطالبة المديون الأصلي قبل أن يدفع عنه الدين الذي ضمنه فيه لأنه لا يملك إلا بعد أدائه كما تقدم.
ومثل ذلك ما إذا دفع الدين قبل وجوب دفعه على الأصيل، فإذا استأجر شخص منزلاً بأجرة يدفعها في نهاية الشهر شخص، ثم دفعها الضامن لا يرجع بها، وذلك لأن الأجرة في لا تجب على المستأجر بمجرد العقد ولا تملك بالعقد كما تقدم في الإجارة فالضامن دفع مالاً يملكه صاحب الدين أيضاً.
وإذا دفع المديون الأصلي الدين ولم يعلم الكفيل فدفعه الكفيل لصاحب الدين مرة ثانية فإنه لا يرجع على المديون الأصلي وإنما يرجع على صاحب الدين أخذ حقه مرتين.стр. 1202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وهذا بخلاف ما إذا حل الدين على المديون قبل أحد، ثم أتى بكفيل يضمنه إذا مد له صاحب الدين الأجل، فقيل فإن التأجيل يكون للأصيل والضامن معاً في هذه الحالة.
والفرق بين الحالتين ظاهر لأن الكفالة في الحلة الأولى كانت مقررة من قبل فكان لصاحب الدين الحق في مطالبة الضامن والكفيل ولا يلزم من مد المطالبة ككفيل تأجيل الدين للأصيل.
أما في الحالة الثانية فغن الكفالة لم تكن موجودة وليس لصاحب الدين حق يصح تأجيله إلا نفس الدين ومتى تأجل فقد تأجل بالنسبة للمديون وللضامن.
ومع ذلك فغن صاحب الدين إذا اشترط أن يكون التأجيل خاصاً بالضامن لا بالإصيل، فإنه يعمل بشرطه ويكون له الحق في مطالبة الأصيل بسداد دينه متى شاء. ومثل ذلك ما إذا قال الكفيل أجلني أنا فأضاف الأجل إلى نفسه خاصة.
ومنها: أن الدين المؤجل يحل بموت المديون أو بموت الضامن فغذا مات الضامن وأخذ صاحب الدين حقه من ورثته فليس له الحق في مطالبة المديون إلا عند حلول أجل الدين. وكذلك إذا مات المديون وحل دينه فليس لصاحب الدين مطالبة الضامن إلا عند حلول الأجل، وإذا مات الاثنان معاً كان صاحب الحق مخيراً بين أن يأخذ من تركه أيهما شاء.
ومنها: أنه إذا صالح الكفيل صاحب الدين على نفسه بأن كان دينه ألفاً فرضي بأن يأخذ خمسمائة ويترك الباقي فإن الصلح ينفذ بالنسبة للأصيل والوكيل في ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن يشترط الكفيل براءتهما معاً.
الحالة الثانية: أن يشترط براءة الأصيل ويسكت عن نفسه.
الحالة الثالثة: أن يسكت ولم يشترط شيئاً. أما إذا اشترط براءة نفسه فقط فإن ذلك يكون فسخاً للكفالة ويبقى الدين في ذمة الأصيل فيأخذ منه صاحب الدين الدين الخمسمائة الباقية له ويأخذ الكفيل الخمسمائة التي دفعها لصاحب الدين.
ومنها: أن المديون إذا دفع الدين ككفيل قبل أن يدفعه الكفيل لصاحب الدين فإن ذلك يحتمل ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن يدفعه تعجيلاً لقضاء الدين كأن يقول له خذ ما علىَّ من الدين الذي ضمنتي فيه قبل أن تؤديه وفي هذه الحالة يصبح ذلك الدين ملكاً للضامن فليس للمديون أن يسترده منه ثانياً، ولو لم يسلمه لصاحبه لأنك قد عفرت في تعريف الكفالة أن الكفالة تقتضي ديناً ومطالبة للضامن في ذمة المديون مؤجلين إلى أن يدفع الدين لصاحبه فإذا عجل المديون دفع الدين للضامن فقد ملكه ملكاً صحيحاً فإذا اتجر فيه وربح كان ربحه حلالاً طيباً وإذا هلك في يده كان ضامناً له ومسؤولاً عنه.
الأمر الثاني: أن يدفعه له وعلى وجه الرسالة كأن يقول له خذ دين فلان الذي ضمنتي فيه وادفعه له فإن الدين يكون أمانة في يده وللمديون أن يسترده منه قبل ثانياً قبل أن يدفعه لصاحبه على التحقيق وإذاстр. 1203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) اتجر فيه وربح لا يحل أن يأكل ربحه بل عليه أن يتصدق به كالغاصب وإذا هلك الدين في يده بدون تفريط فإنه لا يضمنه ولا يكون مسؤولاً عنه لأنه أمين عليه.
الأمر الثالث: أن يدفعه له بدون أن يذكر أنه على وجه الرسالة أو على وجه تعجيل قضاء الدين وفي هذه الحالة يحمل على وجه القضاء. وعلى أي حال فإذا دفع المديون لصاحبه بعد أن اعطاه للضامن فإنه على الضامن بما أعطاه.
ومنها: أن الكفالة في الضرائب ونحوها جائزة سواء كانت عادلة أو ظالمة فيجوز للشخص أن يضمن في عوائد الأملاك سنوياً وفي الخراج المقرر كذلك ونحو ذلك مما يأخذه الحاكم ليضون به الأمن أو ينشيء به المصالح العامة من شق الأنهار وبناء القناطر وإصلاح الطرق وغير ذلك من المصالح العامة وكذلك يجوز له أن يضمنه في الضرائب الظالمة كالمكوس التي كانت تفعل في الأزمنة الغابرة ونحوها. وبعضهم يقول إن الضرائب الظالمة لا يصح الضمان فيها والرأيان مصححان ولكن الأول هو الأرجح. ويرجح الكفيل بما دفعه على المضمون إن كانت الكفالة بأمره.
ومنها: أن الخبر المبني على غلبة ظن الشخص واجتهاده لا يكون ضماناً ملزماً للمخبر به مثلاً إذا قال شخص لآخر: اسلك هذه الطريق فإنها فسلكها فلقيه لص سلبه ماله فإن المخبر الذي قال له إنها آمن لا يضمن لان عبارته هذه مبنية على ما يظنه وقد يكون مخطئاً أو يكون قد عرض عليها خلل الأمن وهو لا يدري.
نعم إذا أكد هذا القول بأن قال له اسلك هذا الطريق فإن كان مخوفاً ونهب مالك فأنا ضامن ففعل ونهب ماله فقد اختلف فيه فقال بعضهم إنه يضمن ما فقده من المال وبعضهم قال لا يضمن وذلك لأنه يشترط لصحة الضمان أن يكون المضمون معلوماً، وأمن الطريق مجهول، فكيف يصح الضمان؟ وقد أجاب القائلزن بصحة الضمان في مثل هذا مع جهل المكفول عنه بطريقة استثنائية زجراً للناس عنه فإن خطورة هذه الأمور تستدعي احتاطاً خاصاً فإذا عرف الناس عدم المؤاخذة فيما يقولونه من ذلك يقدمون عليه بدون مبالاة فيغررون بالناس ويوقعونهم في الأخطار، وهو وجيه. أما ما أجاب به بعضهم بأن المكفول عنه وإن كان مجهولاً، ولكن الضمان صحيح لأن فيه تعزيراً، والغرر يوجب الرجوع على من غرر إذا كان الشرط فإنه جواب لا يجدي لأن ضمان الغرر هو في الحقيقة ضمان الكفالة فيشترط له ما يشترط لها.
ومنها: أنه إذا قال زيد لعمرو ضمنت لك بما يقتضي لك عليه القاضي ثم غاب خالد المضمون فادعى عمرو المضمون له على زيد الضامن أن له كذا على خالد المضمون الغائب ويربهن على ذلك فإنه لا قبل منه وذلك لأنه لا يمكن القضاء على الغائب إلا إذا ادعى حقاً على الحاضر لا يمكن إثباته إلا على الغائب وليس للمدعي حق على الكفيل لأنه إنما كفله بقضي القاضي بهстр. 1204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) على الغائب فإذا أقام البينة على أن القاضي على المضمون عليه بكذا قبل غيابه وبعد الكفالة فإذا كانت الكفالة بأمر الغائب فإنه يقتضي له على الكفيل وعلى الغائب ضمناً وإن حضر الغائب وأنكر فلا يلتفت لانكاره، أما إذا كانت الكفالة بغير أمره قضى على الكفيل دون الغائب.
الشافعية - قالوا: يتعلق بالضمان أحكام، منها أنه لا يصح الضمان بشرط براءة المضمون الأصلي فإذا قال شخص: ضمنت الدين الذي على فلان بشرط براءة ذمته فإنه لا يصح لأن عقد الكفالة يقتضي شغل ذمة المديون والضامن معاً.
ومثل ذلك الكفالة فإذا كان لشخص كفيل فجاء آخر وقال إنني أكفله بشرط براءة الكفيل الأول فإنه لا يصح.
ومنها: أن لصاحب الدين أو أوراثه مطالبة الضامن والمضمون معاً أو مطالبة أحدهما بكل الدين أو ببعضه فإذا دفع أحدهما برئت ذمة الآخر كما تقدم لأن الذمتين قد شغلتا بدين واحد فالدين بمنزلة فرض الكفالية يتعلق بذمة المتعدد ويسقط بأداء البعض.
ومنها: براءة المديون الأصلي تسلتزم براءة الضامن فإذا برئ الضامن بأن أدى الدين أو أبرأه صاحب الدين أو غير ذلك فإن ذمته تبرأ بذلك.
أما براءة الكفيل بغير الدين فإنها لا تستلزم المديون الأصلي. أما إذا كانت بغير الدفع كأن أبرأه صاحب الدين فإن كانت براءته من الضمان فقط فإنها لا تستلزم براءة ذمة المدين، أما إن كانت من المدين فإنها تستلزم براءة الأصيل إن قصد صاحب إباءة أيضاً وإلا فلا.
ومنها: أن الدين المؤجل يحل بموت المديون أو موت الضامن فإن مات المديون الأصلي فلصاحب الدين أخذ دينه من تركه قبل حلول أجل الدين فإن تأجر عن أخذ دينه فللضامن الذي أمره المديون بأن يضمنه أن يطالبه بأخذه من تركه أو إبرائه من الضمان إذ تبدد التركة فلا يجد ما يرجع عليه إن دفع.
أما الضامن الذي ضمن بدون أمر المديون فليس له أن يحث صاحب الدين على أخذ دينه من التركة لأنه لاحق له في الرجوع كما تقدم في الشروط.
وإذا مات الضامن قبل حلول أجل الدين فإن لصاحب الدين أن يأخذ دينه من ترته حالاً وليس لورثته الحق في مطالبة الأصلي الذي أذن بالضمان قبل حلول الجل.
ومنها أن الكفيل إذا عقد صلحاً مع صاحب الدين بان يأخذ أقل فلا حق له في أن يأخذ أكثر مما صالح عليه فإذا كان ضامناً لمائة فصالح على سبعين منها رجع على المديون بالسبعين فقط.
وكذا لو كان الدين أثواباً جيدة فصالح على أثواب رديئة فإنه لا يستحق إلا الأثواب التي دفعها.стр. 1205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإذا كان لصاحب الدين مائة جنيه فياعه الضامن بها أثواباً فإنه يرجع على المديون الأصلي بالمائة التب باع بها لا بقيمة الثوب سواء كانت أقل من المائة أو أكثر.
ومنها أن الحوالة بالدين كآدائه فإذا أحال للضامن صاحب الدين بدينه على آخر فإن كان الضامن مأذوناً بالضمان من المديون كان له حق مطالبته والرجوع عليه وإلا فلا.
ثم إن كان الدين من الأشياء التي تقوم كالثياب، فإن كان الضامن قد دفع الدين ثياباً من جنس الثياب التي أخذها المدين، فإنه يستحق أن يأخذ من المدين ثياباً مثلها.
الحنابلة - قالوا: من الأحكام المتعلقة بالكفالة أنه إذا قال شخص لآخر اضمن عن فلان أو أكفل عنه ففعل كان الضمان والكفالة لازمين لنفس الذي ضمن أو كفل، أما الآمر فإنه لا يلزم بشيء ومنها غير ذلك مما تقدم في تعريف الضمان وشروطه) .стр. 1206
مباحث الوديعة
تعريفها
-معنى الوديعة في اللغة ما وضع عند غير ليحفظه يقال أودعته مالاً أي دفعته إليه ليكون وديعة عنده. ويقال أيضاً مالاً بمعنى قبلت منه ذلك المال ليكون وديعة عندي. فالوديعة من أسماء الأضداد تستعمل في إعطاء المال لحفظه وفي قبول ومصدر أودع - الإيداع - وهو بمعنى الوديعة فالوديعة اسم للإيداع وتطلق على العين المودعة، أما معناها في الشرع ففيه تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الماكية - قالوا: للوديعة تعريفان:
أحدهما: تعريفها بمعنى المصدر وهو الإيداع، ويلزم من تعريف الشيء المودع.
ثانيهما: تعريفها بمعنى الشيء المودع.
فأما تعريفها بمعنى المصدر فهو على وجهين:
الأول: أنها عبارة عن توكيل على مجرد حفظ المال. فالإيداع نوع خاص من أنواع التوكيل لأنه توكيل على خصوص حفظ المال. فالتوكيل على البيع والشراء، أو الطلاق والنكاح، أو الخصومة، ونحو ذلك لا يسمى إيداعاً.
وكذا خرج غير المال كإيداع الولد والزوجة عند الغير فإنه لا يسمى وديعة.
وكذا خرج ما ليس مقصوراً على الحفظ كالوديعة في أمر من الأمور الأخرى فإن الوكيل فيه ليس مقصوراً على مجرد الحفظ بل التصرف أيضاً.
الوجه الثاني: أنها عبارة عن نقل مجرد حفظ الشيء المملوك الذي يصح نقله إلى المودع (بفتح الدال) ومعنى ذلك أن الشيء المملوك الذي نقله كالحيوان وأثاث المنازل والذهب والفضة يكون حفظه منوطاً بمالكه فإيداعه عند الغير عبارة عن نقل مجرد هذا الحفظ إليه بدون تصرف وبذلك خرج مقل الملك نفسه بالبيع والشراء والهبة والصدقة وغير ذلك من العقود التي ينقل بها الملك من شخص لآخر كالرهن والإجارة وغيرها.
وخرج بقوله الشيء الزوجة والولد فإنهما لا يملكان، وخرج بقوله الذي يصح نقله العقار الثابت كالدور والأراضي فإن حفظها عند الغير لا يسمى وديعة على أن بعضهم يقول إنه يسمى وديعة ولا يصح إخراجها من التعريف عند الغير لا يسمى وديعة على أن بعضهم يقول أن بعضهم يقول إنه يسمى وديعة ولا يصح إخراجها من التعريف، وعلى هذا فلا حاجة قيد يصح نقله.стр. 1207
أركان الوديعة وشروطها
-للوديعة بمعنى الإيداع أربعة أركان: العين المودعة، والصيغة، والمودع - بكسر الدال - والمودع - بفتح الدال - ويقال له وديع وهو الأمين الذي يحفظه الوديعة وسنلتزم التعبير به، ولكل ركن من هذه الأكان شروط مفصلة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: للوديعة ركن واحد وهو الإيجاب والقبول لأن المراد الإيداع وهو العقد وذلك هو الركن الذي تتحقق به الوديعة، أما غيره فليس داخلاً في الماهية فيكون شرطاً لاركناً.
الشافعية - قالوا: يشترط في الوديعة شروطها منها ما يتعلق بالعين المودعة ويشترط فيها أن تكون شيئاً له قيمة ولو كان نجساً كالكلب الذي ينفع لصيد وحراسة ونحوها، أما إذا لم تكن كالكلب الذي لا منفعة له فإنه لا تصح فيه الوديعة.стр. 1208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومنها: ما يتعلق يالصيغة. وهو إما (صريح أو كناية) فالصريح كقوله: (استودعتك هذا المال) ، أو (أطلب حفظ هذا المال) والكناية كقوله: خذ هذا المال (ناوياً إيداعه عنده) . فالكناية لا بد فيها من النية، ولا يشترط أن يكون اللفظ من جانب المودع، بل يصح أن يكون من جانب الوديع. فإذا قال له أودعني هذا المال، فدفعه إليه ساكتاً فإنه يصح. فالشرط أن يصدر اللفظ من أحدهما: فإذا قال المودع: (استودعتك هذا الحيوان) ، ولم يقل له الوديع: قبلت، ولكنه استلم الحيوان صحت الوديعة.
أما إذا قال له: لا أقبل عنده فضاع فإنه لا يضمن ولا يكفي أن يتركه بين يديه بل لابد من قبضه إياه، فإذا وضع شخص ثوبه أمام آخر وقال له: استودعتك هذا الثوب، فسكت ولم يقبضه لا يكون وديعاً.
وعلى هذا فإن الثياب التي يخلعها صاحبها في الحمام لا يلزم صاحب الحمام بها إلا إذا قال له احفظ ثيابي هذه وسلمها إياه أو أعطاه عليها أجرة؛ فإذا لم يفعل ذلك وضاعت فإن الحمامي لا يضمنها. ومثل الحمام في ذلك الخان (الوكالة) المعروفة المعدة لحفظ الحيوانات ونحوها. فإذا أودع شخص حماره أو فرسه في الوكالة فإن أعطى لصاحبها أجرة أو سلمها له فضاعت فإنه يضمنها إذا قصر في حراستها.
أما إذا قام بواجب الحراسة بما يقتضيه العرف فخرجت الدابة من غير أن يشعر فإنه لا يضمنها ويصدق بيمينه في ذلك.
أما إذا وضع فرسه في الوكالة بدون أجر وبدون أن يسلمها إلى صاحب الوكالة فإنها تضيع على صاحبها بدون ضمان.
الحنفية - قالوا: يشترط للوديعة شروط. منها ما يتعلق بالصيغة؛ وهي الإيجاب والقبول ويشترط في الإيجاب أن يكون بالقول أو بالفعل، والقول إما أن يكون صريحاً أو كناية، فالقول الصريح كأن يقول صاحب لوديعة: أودعتك هذا المال؛ والكناية هي ما قابل الصريح بحيث يكون اللفظ محتملاً لمعنى الإيداع لمعنى الإيداع وغيره. مثاله: أن يقول شخص لآخر: اعطني هذه الدابة مثلاً فيقول أعطيتك؛ فإن كلمة أعطني الهبة، وتحتمل الوديعة؛ والوديعة أقل من الهبة طبعاً، فيكون هو المهنى المتقن الذي يمكن اعتباره.
وأما الإيجاب بالفعل فهو أن يضع شخص ثوباً ونحوه بين يدي رجل آخر ولم يقل له شيئاً فإن لك يكون إيداعاً. وهذا النوع كان كثير الوقوع بين طلبة الأزهر فإن الطالب كان يأتي بمتاعه ويضيعه امام آخر من إخوانه ويذهب لقضاء حاجته. وكان معنى الإيداع متعارفاً بينهم وإن لم يقل له لا أقبل الوديعة أو احفظها عند غيري أو نحو ذلك مما يدل على عدم القبول.
ومن ذلك ما إذا أرسل شخص نعجته 'لى راعي الغنم مع رسول ليودعها عنده فلم يقبلها الراعي (الغنام) وردها مع الرسول فضاعت فإن ظاهر مسألة الثوب تقتضي أن الراعي لا يضمنها لأنه لم يقبلها صريحاً، وهذا رأي بعضهم.
ولكن التحقيق أن الراعي يضمنها في هذه الحالة وذلك لأن عليه أن يقبلها ثم يردها بنفسهстр. 1209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لصاحبها إن شاء، أما كونه بعيدها مع رسول أجنبي منه فإنه تفريط يوجب الضمان. فهذه ليست كمسألة الثوب لأنه لم يقبل إيداعه من صاحبه.
وكذلك القبول من الوديع فإنه تارة يكون صريحاً كقبلت أو دلالة كسكوته عند وضع المتاع بين يديه كما ذكرنا في مسألة الثوب وكما إذا وضع ثيابه في حمام بمرأى حارس الثياب فإن ذلك يكون إيداعاً. ومثل ذلك ما إذا قال صاحب الدابة لرب الخان (الوكالة) أين أربطها؟ فقال له: هناك، فإن ذلك يكون إيداعاً.
وإذا وضع شخص متاعه عند آخر فقال له: لا أقبل إيداعه فتركه صاحبه ومضى فأخذه الآخر الذي لم يقبل إيداعه وأدخله منزله فإنه يعتبر قابلاً بذلك فيلزم أن لا يقصر في حفظه.
وإذا وضع شخص كتابه بين يدي قوم فذهبوا وتركوه فضاع كان عليهم ضمانه وإذا تركوا عنده واحداً منهم فقام وراءهم ضمنه وحده لأنه هو الذي وجب عليه حفظه بعد قيامهم.
وإذا أدخل شخص دابته في منزل آخر فأخرجها فضاعت فإن صاحب المنزل لا يضمنها لأنها تضر بمنزله بخلاف ما إذا أدخلها في مرابط دوابه فإنه إذا أخرجها فضاعت ضمنها لأن وجودها لا يضيره.
ومن الشروط أن يكون المال قابلاً لإثبات اليد فلا يصح أن يودع طيراً في الهواء مثلاً.
ومنها: أن يكون الوديع مكلفاً فلو أودع عند صبي فاستلكها الصبي لم يضمن لأنه لا يجب الحفظ عليه.
المالكية - قالوا: قد عرفت أن للوديعة تعريفين: أحدهما مبني على أنها نوع من أنواع الوكالة وعلى ذلك فيشترط في المودع - بكسر الدال - ما يشترط في الموكل. وشرطه أن يكون بالغاً رشيداً ويشترط في الوديع ما يشترط في الوكيل. فبعضهم يقول: يكفي في الوكيل أن يكون مميزاً ولا يلزم ولا يلزم أن يكون بالغاً؛ مبني أنها ليست نوعاً من أنواع الوكالة لأنها نقل مجرد حفظ الملك إلى الوديع وعلى هذا التعريف فإنه يشترط لها باعتبار جواز فعلها أن يكون المودع محاجاً للإيداع وأن يكون الوديع ممن يظن فيه حفظ الوديعة فمتى وجد هذا الشرط في المودع والوديع فإن الإيداع يكون جائزاً فيصح للصبي أن يودع ما يخاف ضياعه أو تلفه عند من يظن أنه يحفظه له.
ويشترط لها باعتبار ضمانها أي إلزام الوديع بها إذا قصر في حفظها أو تعدى عليها أن يكون كل من المودع والوديع غير محجور عليهما فهذه شروط الوديعة المطلوبة في المودع والوديععلى كلا التعريفين.
وأما الصيغة فإنهم لا يشترطون أن تكون باللفظ بل يقولون: إنه إذا وضع متاعه أمام آخر فسكت كان عليه حفظه لأنه بسكوته أصبح ذلك المتاع وديعة عنده إلا إذا رفض قبوله.
الحنابلة - قالوا: يشترط في الوديعة ما يشترط في الوكالة من البلوغ والرشد والعقل. ويشترط في الشيء المودع أن يكون مالاً معتبراً في نظر الشرع فلا تصح وديعة الخمر والكلب الذي لا يصح اقناؤه. أما الذي يصح اقتناؤه ككلب الصيد فإن وديعته تصح) .стр. 1210
مبحث حكم الوديعة وما تضمن به وما لا تضمن
-الأصل في الوديعة الإباحة فالناس أحرار في حفظ ما يملكونه بأنفسهم أو بواسطة من يأتمنونه على حفظها وقد تكون واجبة، كما إذا خاف صاحب المال هلاك ماله أو تلفه إن بقي معه ووجد أيناً يحفظه له فإنه يجب عليه أن يودعه في هذه الحالة ويجب على الأمين أن يقبله فإن حفظ المال واجب.
وقد وردت نصوص كثيرة صريحة في النهي عن إضاعة المال فمن خاف على ماله من سرقة أو تلف فإنه يجب عليه إيداعه بأي مكان أمين.
وهي عقد جائز من الطرفين كالوكالة فلكل منهما التخلي عنها متى شاء وعلى المودع حفظها كما له. وليس عليه بعد ذاك ضملنها إن فقدت أو تلفت. وإذا اشترط المودع - بالكسر - ضمانها على المودع كان الشرط باطلاً وإنما يضمنها إذا قصر في حفظها أو تعدى عليها وفي ذلك تفصيل في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: يضمن الوديعة الوديع إذا ضاعت في أمور:
منها: أن يدفعها لأجنبي عنه ليحفظها عنده فتصح أو تتلف عند ذلك الأجنبي وفي هذه الحالة يلزم الوديع الأول بها إلا إذا فعل ذلك لضرورة كما إذا وقع داره الذي به الوديعة حريق ينقلها إلى داره جاره خوفاً من حرقها فإذا ضاعت في هذه الحالة فإنه لا يضمنها بل يجب عليه في مثل هذه الحالة نقلها حتى لا تحترق فإذا أهملها مع قدرته على النقل حتى احترقت ضمنها. وإذا لم يستردها عقب انتهاء الحريق وتركها فضاعت عند الثاني فقبل: يضمن الأول وقيل لا يضمن.
على أن للوديع أن يحفظ الوديعة عند من يساكنه عادة من عياله وإن لم يكن معه بالفعل أو ينفق عليه فيجوز أن يحفظها عنده ولده وزوجه، كما يجوز له أن يحفظها عند والديه وإن لم يحسبا من عياله لأنه يصح أن يساكنهما فإذا دفع الوديعة لولده ونحوه ممن يساكنه من عياله فهلكت عند الثاني فإن الأول لا يضمن لأنه دفعها لمن يصح أن يحفظ عنده ماله إنما يشترط أن يكون الولد ونحوه قادراً على حفظ الوديعة، وأن يكون معروفاً بالأمانة ويشترط في الولد أن يكون مميزاً.
فإذا اختل شرط من هذه الشروط كان الوديع الأول ملزماً بالوديعة، وإذا نهاه المودع عن دفع الوديعة إلى بعض عياله فدفعها إليه فضاعت فإن الوديع يضمنها بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون لع عيال غير ذلك الذي بهي عن حفظ الوديعة عنده.
فإذا كان له ولدان مثلاً، فنهاه عن الإيداع عند أحدهما فلم ينفذ ذلك الني وأودعها عنده، كان ضامناً لها، إذا كان من الممكن أن يدفعها لولده الثاني.стр. 1211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أما إذا لم يكن له سوى ولد واحد، ولم يكن له بد من دفع الوديعة إليه لحفظها فإنه لا يضمن.
الشرط الثاني: أن تكون الوديعة مما لا يصح حفظه في يد من نهي عن دفعها إليه، مثال ذلك أن يودع شخص عند آخر فرساً وينهاه عن دفعها لزوجه، وليس له من عياله سواها فحفظها عندها فضاعت فإنه في هذه الحالة يضمنها، لأنه وإن كان ليس له عيال سواها، ولكن الفرس لا يصح حفظها في يد المرأة، فإذا ضاعت كان الوديع ضامناً لها على أي حال بخلاف ما إذا أودع عنده عقداً من الجواهر ونهاه عن دفعه لزوجه وليس له أحد من عياله فدفعه إليها لتحفظه، كما يحفظ ماله فإنه لا يضمنه لأنه لا بد له من حفظها سواه فخالف وفقدت فإنه لا يضمن.
أما إذا نهاه عن حفظ عقد الجوهر عنده وليس له غيره فدفعه فإنه يضمن لأن عقد الجوهر لا يصح حفظه عند الخادم.
ويجوز للوديع أن يحفظ الوديعة له ماله من غير عياله، كوكيله وشريكه شركة مفاوضة أو عنان على المفتى به.
وليس على الوديع الثاني ضمان، فإذا أودع شخص عند آخر فرساً مثلاً، فدفعها الوديع لأجنبي ليحفظها عنده، ثم تركها وانصرف فهلكت، كان الوديع الأول ضامناً لها ولا شيء على الثاني.
أما إذا دفعها إليه فهلكت قبل انصرافه، فإنه لا يضمنها أحد لأنها هلكت بحضرة الوديع، وهو أمين فلا شيء عليه، وإذا ادعى صاحب الفرس أنها هلكت عند الثاني وقال الوديع بل ردها إلي وهلكت عندي، فإنه لم يصدق إلا بالبينة، وذلك لأنه اعترف بالضمان بإيداعها عند الأجنبي وادعى البراءة فلا يصدق إلا إذا أقام على دعواه.
ومن الأمور التي توجب على الوديع ضمان الوديعة أن يخلط الوديعة بماله أو بمال غيره بغير إذن مالكها، ويشمل ذلك صوراً أربعاً:
إحداها: أن يخلطها خلط مجاورة كخلط الحنطة بالحنطة.
ثانيها: أن يخلط ممازجة بجنسها أيضاً كخلط ماء الورد أو خلط السمن بالسمن وحكم هاتين الضورتين أن المالك مخيراً بين أمرين:
الأول: أن يعتبر وديعته مستهلكة بذلك فيلزم الوديع بها ولا يكون له عليها سبيل.
الثاني: أن يعتبرها موجودة فيقسم الجميع ويأخذ ما يخصه بالقسمة لأنه وإن لم يكن قد وصل إلى غير حقه في الصورة، ولكنه قد وصل إليه بالقسمة في المعنى، لأن القسمة فبما يكال أو بوزن إفراز.
ثالثها: أن يخلط الوديعة بغير جنسها خلطاً يتعسر معه تمييزها خلط مجاورة كخلط القمح بالشعير فإنه وإن لم يتعذر فرز القمح من الشعير وبكنه يحصل بعسر ومشقة.стр. 1212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وفي هذه الحالة تعتبر الوديعة مستهلكة بالخلط ويضمها الوديع فيلزم بها ومتى ضمنها اصبح مالكاً لها ولكن لا يباح له التصرف قبل قبل أداء الضمان، ولا سبيل للمالك الأصلي عليها في هذه الحالة وإذا أبرأه المالك الأصلي سقط حقه من العين المودعة والدين.
رابعها: أن يخلطها بغير جنسها لا يعتبر معه التمييز، كخلط الجوز بالوز، وفي هذه الحالة تعتبر قائمة كما هي ولا ينقطع صاحبها عنها.
أما إذا خلط الوديعة بماله أو مال غيره بإذن مالكها، فإن ذلك يكون شركة ملك بينهما. وقد انهارت عرفت أحكام شركة الملك في أول مبحث الشركة، ومثل ذلك ما إذا حصل الخلط قهراً كأن انهارت صبرة قمح الوديعة فاختلطت بغيرها.
ومن الأشياء التي توجب الضمان على الوديع أن يموت ولم يبين الوديعة التي عنده فإذا مات الوديع مجهلاً (لم يبين حال الوديعة) صارت الوديعة ديناً في تركته بشرطين:
الأول: ألا تعرف الوديعة بعينها ولم توجد في تركته بعد موته.
الصثاني: أن لا يكون أحد من ورثته عالماً بها فإذا أخبر الوديع الورثة بها، وسئل قبل موته عنها، فقال: إن فلاناً يعرفها، فلا يضمنها وحل الوارث الذي محل الوديع المتوفي.
وإذا أنكر صاحبها علم الوارث بها وقال: إن الوديع مات، ولم يبين الوديعة لأحد كان على الوارث أن يفسر حال الوديعة، فإذا فسرها فإنه يصدق، وإذا قال الوارث إن الوديع ردها في حياته فإنه لا يصدق إلا بالنية.
أما إذا برهن على أن الوديع قال في حياته: إنه ردها يقبل قوله، وإذا قال الوارث: إن الوديعة كانت معلومة وموجودة يوم موته ثم هلكت بعد ذلك، وقال صاحبها: إنها كانت مجهولة فإنه يصدق قوله لا قول الوارث لأن الوديعة صارت تركة في الظاهر فلا يصدق الورثة إلا بالنية.
ومن الأمور الموجبة لضمان الوديعة على الوديع أن يتعدى الوديع عليها بالتصرف فيها واستعمالها فإذا أودعه دابة فركبها فهلكت كان ضامناً لأنه قد تعدى باستعمالها، أما إذا هلكت من غير استعمال فإنه لا يضمن وإذا استعملها مرة ثم ترك استعمالها فإن كان ينوي العودة إلى استعمالها ثانياً فسرقت كان ضامناً لها.
أما إذا لم ينو استعمالها ثانياً فإن التعدي يكون قد زال فلا ضمان عليه، ومثل ذلك ما إذا أودعه ثوباً فلبسه في النهار، ثم خلعه ليللاً فإن كان ينوي لبسه في النهار ثانياً وسرق الثوب ليلاً كان ضامناً لأن التعدي لا يزال قائماً.
أما إذا لم يكن ينوي لبسه بانهار، وعزم على عدم استعماله، فإن التعدي يكون قد زال فلا ضمان عليه، على أنه يضمن ما نقصته الوديعة بالاستعمال على أي حال.стр. 1213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومن هذا تعلم أن تعدي الوديع يزول برجوعه عنه، ويرتفع عنه الضمان بينة عدم العودة إليه، وكذلك الحال في كل أمين، كالوكيل في البيع والإجارة.
فإذا وكل شخصاً على أن يشتري له دابة فاشتراها وركبها، ثم ترك ركوبها، لا يضمنها إذالا هلكت، وكذا إذا وكله على أن يبيع له ثوباً فلبسه لا يضمن، وكذا المضارب فإنه إذا استعمل ما لا يصح له استعماله ثم رجع لا يضمن، والشريك شركة مفاوضة أو عنان على ما تقدم إيضاحه في بابه.
ويستثنى من ذلك المستعير والمستأجر فإن من استعار دابة ليركبها فتوى
أنه لا يردها لصاحبها ثم ندم وهلكت الدابة وهو سائر فإنه يضمنها وندمه لا ينفع.
أما إذا كان واقفاً وترك نية عدم ردها فإنه يعود أميناً ومثله الدابة إذا نوى عدم ردها لصاحبها ثم عدل عن نيته فإن كان سائراً فإن عدوله لا ينفعه.
أما إذا كان واقفاً فإنه ينفعه، وإذا استأجر دابة إلى مكان معين ثم جاوزه ورجع إليه ثانياً لا يبرأ.
ومما يوجب الضمان على الوديع أن ينكر الوديعة فإذا أودع شخص مالاً عند آخر وطلبه منه فأنكره ثم سرق كان الوديع ضامناً له ملزماً به حتى ولو عدل عن إنكاره وأقر به ثانياً. وإنما يجب عليه الضمان بثلاثة شروط:
الأول: أن ينكرها بعد أن يطلبها أما إذا أنكرها قبل أن يطلبها أو سأله صاحبها عن حالها فأنكرها فإنه لا يخرج بذلك الإنكار عن كونه وديعاً فلا يضمنها.
الشرط الثاني: أن ينقلها من مكانها التي هي فيه إن كانت من المنقولات وقت الإنكار فلو لم ينقلها وقته وهلكت فإنه لا يضمن. وبعضهم يقول: إن كانت الوديعة وجحدها بعد طلبها فإنه يضمنها ولو لم ينقلها بالفعل وذلك لأن العقد ينفسخ يطلب صاحبها وبذلك يكون الوديع قد عزل نفسه عن الحفظ وبقي مال الغير في يده بغير إذنه فيكون مضموناً وهو وجيه.
الشرط الثالث: أن لا يحضرها لصاحبها بعد إنكاره فإذا أحضرها لصاحبها ومكنه من استلامها فردها إليه صاحبها ثانياً فهلكت فإنه لا يضمن لأنها تكون وديعة جديدة في هذه الحالة.
ومما يوجب الضمان على الوديعة الضمان على الوديعة أن يسافر بالوديعة. وإنما يضمن بالسفر بها بشروط أن ينهاه صاحبها عن السفر بها فإذا نهاه وخالف فإن سافر بها في البحر فغرقت يضمن بلا نزاع وإن سافر بها في البر كان السفر ضرورياً له وأخذ معه أهله فهلكت لا يضمن. فإذا سافر فإنه لا يضمن أما إذا لم ينهه صاحبها عن السفر فإن سافر بها إلى جهة مخوفة يخشى منها ضياع الوديعة وإلا لم ينهه صاحبها عن السفر فإن سافر بها إلى جهة مخوفة منها على ضياع فإنه يضمن وإلا فلا.
الماكية - قالوا: يضمن الوديع التي عنده بأمور:
منها: أن يسقط على الوديعة شيء من يده فيكسرها أو ينقلها ولو سقط من يده خطأ بدون قصد.стр. 1214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فإذا أودع شخص عند آخر إناء من البلور فأيقط عليه حديدة كان يعبث بها فكسرته فإنه يضمنه ولو لم يكن معتمداً إسقاطها لأن أموال الناس وودائعهم يجب صانتها والاحتياط في أمرها فلا فرق بين إتلافها عمداً أو خطأ.
ومنها: أن ينقلها من مكان إلأى آخر من غير حاجة إلى نقلها فتكسر أو تتلف فإنه يضمنها في هذه الحالة، أما إذا كانت الحاجة ماسة إلى نقلها فكسرت فإنه لا يضمن بشرط أن لا يفرط في الاحتياط بها أن ينقلها كما ينقل مثلها عادة فإن كان مثلها ينقل على حمل فنقلها على حمار أو كانت تحمل على أعناق الرجال كالمرأة مثلاً فنقلها على جمل فكسرت فإنه يضمن لأنه فرط في صيانتها.
ومنها: أن يخلط الوديعة بغيرها فإنه يضمنها بشروط:
أحدهما: أن يتعذر تمييزها أو يعسر كما إذا خلط بدهن أو زيت فإنه تعذر فزرها في الدهن ويتعسر في الزيت الذي لا يجمد إذ من الممكن تخليص السمن منه بعد أن يجمد ولكن مع شائبة لا يمكن تخليصها. ومن المتعسر أن يخلط قمحاً بقوله فإنه وإن كان يمكن فرز القمح من الفول ولكن بصعوبة. ومثل هذا الخلط يوجب الضمان وإن لم تتلف الوديعة وقيل لا يوجبه إلا إذا تلف.
ثانيها: أن لا تكون الوديعة مماثلة لما خلطت به جنساً وصفة، أما إذا كانت مثل ما خلطت به في الجنس والصفة كخلط قمح هندي أو صعيدي (بعلي) بمثله فإنه لا يضمن بشرط أن يكون الخلط للحفظ أو للمصلحة، أما الخلط بدون سبب فإنه يوجب الضمان إذا فقدت الوديعة أو تلف لاحتمال أنها تركت وحدها سلمت. وإذا تلف بعض القمح بعد خلطه يقسم التالف بحسب الأنصباء فإذا كانت الوديعة ثمانية أرادب والقمح المخلوط بها مثلها قسم التالف مناصفة وإذا كانت الوديعة ثلاثة أرادب والمخلوط بها ستة قسم التالف بينهما أثلاثاً وهكذا.
ومنها: أن ينتفع الوديع فإذا أودع شخص عند آخر دابة فاستعملها بالركوب أو الحمل عليها بدون إذن صاحبها فهلكت كان الوديع ضامناً لها وملزماً ومثل ذلك ما إذا أصابها عطب على تفصيل وهو أنه إذا ركبها وقطع بها مسافة كبيرة من شأنها أن تعطب الدواب من قطعها فإنه يضمنها سواء كان عطبها بسبب سماوي أو كان بسبب استعمالها ومثل ذلك ما إذا لم يعمل إن كانت المسافة تعطب من قطعها الدواب غالباً أو لا وكذا إذا استوى الأمران. أما إذا قطع بها مسافة من شأنها أن لا تعطب الدواب بقطعتها عادة فإنه لا يضمن سواء كان عطبها بسبب استعمالها. وبعضهم يقول: إذا كان العطب بسبب الاستعمال فإنه يضمن حتى ولو كان مثله ممن يأخذ أجرة وإلا فلا. وإذا تنازعا فقال المودع: إنها عطبت
بالاستعمال. وقال الوديع كلا، صدق المودع لأن القول قوله في هذه الحالة.
ومن الأشياء الموجبة لضمان الوديعة أن يسافر بها فتتلف منه فإنه يضمنها بشرطين:стр. 1215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أحدهما: أن يقدر على ردها لصاحبها أو يجد أميناً بودعها عنده أما إذا عجز عن ردها لصاحبها لسبب من الأسباب كغايبه ولم يجد أيناً يودعها عتده قبل سفره فإنه لا يضمن.
ثانيهما: أن لا يرجع بها إلى محلها سالمة فإن رجع بها ثم تلف عقب ذلك فإنه لا يضمنها وذلك لأن موجب الضمان هو هلاطها في حال المخالفة لا مجرد السفر بها كما تقدم في مسألة الانتفاع. وإذا ادعى الوديع أنه سافر بها إلى محلها وهي سالمة وتلفت بعد ذلك فإنه يصدق بدون إشهاد عليه.
ومنها: أن ينساها الوديع في موضع إيداعها أو في غيره فتضيع فإنه يضمنه وكذا إذا نسيها في موضع غير المكان الذي أودع فيه أولاً. مثال ذلك أن يعطي شخص مالاً لآخر ليشتري له به بضاعة من بلدة أخرى
فوضعه في جراب فوق دابته ثم نزل ليقضي حاجته فخاف على المال فأخذه معه ولما قضى حاجته نسيه وقام ذكره ونسي المكان الذي وضعه فيه فإنه يضمنه وقيل لا يضمنه.
ومنها: أن يدخل بها الحمام ونحوه فتضيع فإنه يضمنها بشرطين:
الأول: ان لا يجد أميناً يضعها عنده قبل دخوله.
الثاني: أن لا يعلم صاحبها عند الإيداع أن الوديع ذاهب إلى الحمام أو المفلس فإذا كان عاماً بذلك فإن الوديع لا يضمن إلا إذا كانت العادة أن الوديع لا يدخل الحمام أو المغطس قبل أن يودع ما معه أمين فإن كان كذلك فإن الوديع يضمن. ومثل الحمام والمغطس في ذلك السوق.
ومنها: أن يودعها الوديع عند أمين آخر بدون إذن صاحبها فإذا فعل وضاعت أو تلفت كان ضامناً لها بشرطين:
الشرط الأول: أن يودعها عند أجنبي عنه أما إذا أودعها عند زوجة وأمة أو شخص استأجره لخدمته أو ابنه فإنه لا يضمن إذا اعتاد الإبداع عندهم بأن تطول بأن تطول مدة إقامتهم معه ويثق معه ويثق أما إذا كانت الزوجة جديدة أو الأمة أو الأجير كذلك ولم يعرف أمنتهم فإنه يضمن إذا ضاعت الوديعة عندهم كما يضمن بإيداعها عند الأجنبي. وإذا عها عند أجنبي ثم رجعت إليه سالمة وضاعت عنده بعد ذلك فإنه لا يضمن.
الشرط الثاني: أن يودعها عند الأجنبي بغير عذر. أما إذا أودعها لعذر فإنه لا يضمنها فإذا كانت في منزل وقد يقط بعض حيطانه وخاف عليها من السرقة ولم يستطع ردها لصاحبها لغيابه أو لسجنه فأودعها عند أمين غيرهفإنه لا يضمنها إذا ضاعت أو تلف. ومثل ذلك ما إذا وقع حريق في المنزل الذي هي فيه أو أراد الوديع السفر إلى جهة ولم يستطع ردها لصاحبها فإن له إيداعها عند أجنبي ولا ضمان عليه. ولكن لا بد من الشهود على العذر فإذا ادعى الوديع أنه أودعها لسقوط داره أو لسفره بدون أنстр. 1216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تشهد البينة على ذلك فإنه لا يصدق ولا بد أن تكون البينة قد شاهدت نفس العذر فلا يكفي أن يقول للشهود: اشهدوا أنني أودعتها عند فلان لسقوط حيطان المنزل من غير أن يروا ذلك.
فإذا زال العذر وجب عليه أن يسترجعها فإذا لم يسترجعها وذاعت كان عليه ضمانها إلا إذا كان العذر السفر فإنه لا يجب عليه استرجاعها إلا إذا كان ناوياً العودة إلى البلدة التي سافر منها.
أما إذا نوى الارتحال ليقيم في بلدة أخرى ولا يعود ينو شيئاً ثم عاد بعد ذلك فإنه لا يجب عليه استرجاعها وإنما يستحب له ذلك ولا يجب على الوديع الثاني أن يردها إلى الأول إلا في الحالة الأولى وهي حالة ما إذا كان ينوي العودة أما في الحالة الثانية فإنه لا يجب عليه ردها إليه فإذا حصل تنازع في نية العودة فقال الوديع الأول: إنه كان ينوي العودة وقال الثاني: إنه ينوي عدم العودة فإنه ينظر إلى السفر فإن كان الغالب في مثله العودة فيقضي بها للوديع الأول وإن كان الغالب فيه عدم العودة
أو استوى الأمران فيقتضي بها للوديع الثاني ويكون ضمانها على الثاني ويبرأ الأول منها.
ومن الأمور التي توجب ضمان الوديعة أن يرسلها الوديع إلى صاحبها بدون إذنه فتضيع من الرسول أو تتلف فإنه يضمنها. وكذا إذا ذهب الوديع بنفسه بها صاحبها فهلكت في الطريق أو تلفت فإنه يضمنها. ومثل ذلك الوديع في ذلك الوصي على مال فإذا أو صى شخص آخر على ماله ثم مالت صاحب المال فبعث المال للورثة بدون إذنهم أو سافر به إليهم فضاع أو تلف فإنه يكون ضامناً له على الراجح. وبعضهم يقول: لا يضمن وبعضهم يقول: إن سافر بها في وقت مخوف ضمن وإلا فلا.
ومنها: أن تكون الوديعة دابة ونحوها فيطلق عليها الوديع الفحل بقصد إحبالها بدون إذن صاحبها فتموت بسبب وطء الحمل أو تحبل ثم تموت بسبب الولادة فإن الوديع يضمنها. أما إذا أذنه صاحبها بذلك فلا ضمان عليه.
أما الراعي الذي يرعى بقرة ونحوها فإنه إذا طلب فحلاً على أنثى من الحيوانات التي يرعاها لغرض إحبالها فماتت فإنه لا يضمنها وإذا كان المتعارف أن الرعاة يعملون مثل ذلك حتى لا تفوت مدة حمل الحيوان فتضيع ثمرته في هذه الحالة يكون مأذوناً حكماً.
أما إذا كان العرف على خلاف ذلك أو اشترط صاحبها عدم ذلك فإنه يضمن وهذا القول هو الظاهر:
ومنها: أن ينكر الوديعة رأساً كأن يقول لصاحبها: لم تودعني شيئاً هذه المسألة أربع صور:
الصورة الأولى: أن يستمر على إنكاره ولا بينة لصاحبها عليه وفي هذه الحالة لا يضمن الوديع شيئاً.
الصورة الثانية: ان يعترف بها إنكارها ثم يدعي ضياعها ولا بينة له وفي هذه الحالة يضمنها ولا ينفعه إقراره بلا خلاف.стр. 1217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الصورة الثالثة: أن ينكر إيداعها ثم يعتبر به ويدعي أنه ردها لصاحبها ويقيم البينة على ذلك وهذه فيها خلاف فبعضهم يقول: إن بينة الوديع ناقص نفسه يقول تقبل.
الصورة الرابعة: أن ينكر إيداعها فيقيم صاحبها البينة على الإيداع فيدعي الوديع ردها ويقيم البينة على ذلك. وحكم هذه الصورة الثالثة. ورجح القول بعدم سماع بينة الوديع بعد إنكاره في الحالتين.
ومنها: أن يموت الوديع ولم يبين الوديعة ولم توجد في تركته فإن لصاحبها الحق في أن يأخذ مثلها أو قيمتها من تركة الميت. وإن كانت التركة مدينة فإن له أن يدخل مع الدائنين بحصة مناسبة لوديعته وفي هذه المسألة صورتان:
الصورة الأولى: أن يثبت الإيداع بإقرار الوديع قبل موته وفي هذه الحالة لا يكون لصاحبها الحق في المطالبة بها موته إذا مضى على إيداعها زمن طويل بقدر بعشر سنين فإذا مضى عليها ذلك فلا يكون له الحق إذ يجوز أن يكون قد أخذها من الوديع قبل موته.
الصورة الثانية: ان يثبت الإبداع ببينة مقصودة لتوثيق بأن يحضرها المودع عند الإيداع لتأكد المحافظة على وديعته وفي هذه الحالة لا تسقط مهما طال طال عليها الزمن.
هذا لم يبنها الوديع قبل موته ولم توجد في تركته. أما إذا بينها وأوصى بها بأن قال: إن الوديعة التي في مكان كذا هي لفلان فإن الميت يبرأ فإن وجدت في المكان الذي قال عنه اخذها صاحبها وإن لم توجد ضاعت عليه ولا يكون له الحق في المطالبة بشيء لأن الوديع أمين فهو مصدق فيما يقول فحيث قال إنها بمكان كذا دل ذلك على أنه لم يستلفها حال حياته ولم يتصرف فيها وأنها سرقت من ذلك المكان فلا يضمنها.
أما إذا لم يقل فيحمل على أنه تسلفها وتصرف فيها فعليه ضمانها. وإذا ادعى شخص أن له وديعة عند فلان الميت ولم يثبت الإيداع ببينة أو إقرار فإن وجدت الوديعة مكتوباً عليها بخط المتوفى في أنها لفلان فإنها تكون حقاً لصاحبها بشرط أن يثبت بالنية أن الخلط خط المتوفى.
أما إذا كانت الكتابة بخط صاحبها لا بخط المتوفى فقيل يكون فيها أيضاً وقيل لا إذ يحتمل أن يكون قد تواطأ مع أحد الورثة على إخراج شيء إليه كتب عليه اسمه.
ومنها: أن يكون صاحب الوديعة مضطهداً من ظالم يريد أن يصادره في ماله فيحملها الوديع إلى صاحبها حين مصادرة الظالم إياه فإذا استولى عليها الظالم فإن الوديع يضمنها في هذه الحالة لأنه يجب عليه إخفاؤها عن الظالم وحفظها. وإذا خاف الوديع فيصادرها مع ماله فقيل يجوز له حملها إليه وقيل لا.
ومن الأشياء الموجبة لضمان الوديعة هلاكها بيد رسول أرسلت معه وفي هذه المسألة ثلاث صور:стр. 1218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الصورة الأولى: أن يكون ضامناً على رسول فيضمنها الرسول (سواء كان من طرف صاحب الوديعة أو من طرف الوديع) في حالة واحدة وهي أن يحملها فيموت قبل أن يصل إلأى البلد التي بها صاحقب الوديعة ولم توجد في تركته فتؤخذ في هذه الحالة من تركة الرسول ثم إن كان من طرف رب المال فلا يكون الوديع مسؤولاً عنها وإن كان من طرف الوديع كان مسؤولاً عنها فعليه أن يسلمها لربها ويأخذها هو من تركة الرسول.
الصورة الثانية: أن يكون ضمانها على الوديع فيضمنها الوديع إذا أرسلها مع رسول من طرفه فمات الرسول بعد وصوله إلى البلد القاطن الوديعة ولم توجد معه وادعى صاحبها أنها لم تصل إليه كان الوديع ضامناً لها لأنه لا يبرأ إلا بوصول المال أو إلى رسول صاحبه بينة أو إقرار.
الصورة الثالثة: أن تضيع على صاحبها ويبرأ الرسول والوديع وذلك إذا أرسلها مع رسول من طرف صاحب الوديعة فحملها ووصل بها البلد الذي به صاحب الوديعة ثم مات الرسول فإنها في هذه الحالة تضيع على صاحبها لاحتمال أن الرسول أعطاها لصاحبها الذي أرسله بعد وصوله فلا ضمان عليه كما لا ضمان على الوديع لأنه سلم الوديعة لرسول صاحبها ببينة فإذا سلمها إليه بدون بينة ولم يمت الرسول ولكن بينة وبين صاحبها خلف فقال الرسول إنه سلمها وقال المرسل إليه كلا ولا بينة للرسول كان الوديع ضامناً.
أما إذا سلمها الوديع للرسول بينة فإنه يبرأ بذلك ويكون الضمان على الرسول إذا لم تكن له بينة.
ومن الأشياء التي توجب الضمان على الوديع أن يدفع الوديعة لشخص غير صاحبها فيدعي ذلك الشخص أنها ضاعت أو تلفت. ويدعي الوديع لذلك الشخص بناء على أمر صاحبها مباشرة أو بواسطة بأن يقول: أنت أمرتني بدفعها له بنفسك ولا بواسطة بدفع وديعتي لغيري.
فإن لم تكن للوديع بينه على دعواه طلب من صاحب الوديعة أن يحلف فإذا حلف يلزم بها الوديع وإن لم يحلف حلف الوديع وبرئت ذمته.
ثم إن كانت دعوى الوديع أنه دفعها للشخص بأمر صاحبها بنفسه مباشرة فليس له حق الرجوع على ذلك الشخص في حالة ضمانه للوديعة لأنه يكون في دعواه معترفاً بأن صاحبها أمره بدفعها له وقد ظلمه بالإنكار فلا يظلمه الوديع بالرجوع عليه أما إن كانت دعواه بأنه له بأمارة أو كتاب بغير خط صاحبها فغن الرجوع على ذلك الشخص إن كانت الوديعة موجودة في يده أو أتلفت بسببه أما إن كانت قد تلفت بسبب آخر فلا حق في الرجوع عليه على المعتمد.
أما إن كانت للوديع بينه على صاحبها بأنه أمره بدفعها إلى ذلك الشخص فإن ذمته تبرأ ولصاحبهاстр. 1219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحق في الرجوع على ذلك قبضها إن ثبت تعديه عليها أو كانت موجودة لم تتلف أما إذا لم يثبت تعديه عليها فلا حق له في الرجوع عليه كما لاحق له في الرجوع على الوديع.
الشافعية - قالوا: الوديع أمين لا ضمان عليه بحسب الأصل وإنما يضمن لعارض من الوارض سواء أكانت الوديعة بأجرة أم بغير أجرة. والصور التي يضمن بها الوديع عشر.
الصورة الأولى: أن ينقل الوديعة من بلدة إلى أخرى أو من دار إلى دار أقل منها صيانة وحفظاً بدون ضرورة فإن ترتب على ذلك ضياع الوديعة او تلفها كان الوديع ضامناً لها ولو لم ينهه المودع إلا إذا كان نقلها خطأ أنها ملكه ولم ينتفع بها أثناء نقلها فإذا نقلها إلى جهة مساوية للجهة التي كانت بها أو احسن من الصيانة والحفظ وضاعت أو تلفت فإنه لا ضمن وكذا إذا نقلها من (دور) إلى دور (دور) منزل واحد أو من حجرة إلى حجرة فإنه لا ضمن ولو كانت أقل حفظاً ما لم ينهه المودع عن نقلها فإنه إذا خالف نهيه يضمن.
الصورة الثانية: أن يدفعها الوديع إلى شخص آخر يحفظها عنده سواه كان ذلك الشخص أجنبياً عن الوديع أو ولد أو زوجة أو خادماً وكذا ليس له إيداعاً عند القاضي إلا بإذن مالكها.
فإذا فعل ذلك وضاعت الوديعة أو تلف كان ضامناً لها وذلك لأن صاحب الوديعة قد اختار لها الوديع بعينه ومعنى ذلك أنه لم يرض بامانة غيره. نعم للوديع وإنما يضمنها الوديع بدفعها إلى غيره بحارس أو خادم يعلفها ويسقيها إن كانت بحسب ما جرت به العادة وإنما يضمنها الوديع بدفعها إلى غيره بشرطين:
الشرط الأول: أن يفعل الوديع ذلك بدون إذن صاحب الوديعة فإنه لا يضمنها إذا ضاعت أو تلف لأن الثاني يكون وديعاً أيضاً.
ولا يخرج الأول عن الإيداع إلا إذا صرح المالك بذلك أو قامت قرينه على انه يريد استقلاق الثاني بالوديعة وإذا صرح صاحبها بأن يكون في حفظ الاثنين تعيين ذلك فعليهما أن يقوما بوضعها في مكان بملكانه أو يستأجرانه أو يستعيرانه على أن يكون لكل منهما مفتاح فإذا انفرد أحدهما نحفظه برضاء الآخر كان كل منهما مسؤولاً عنها.
الشرط الثاني: ان يدفعها لغيره بدون عذر أما إذا دفعها بعذر فإنه لا يضمن ولو لم يأذنه صاحبها.
والعذار التي تبيح للوديع إعطاء الوديعة هي كالسفر أو المرض المخوف أو الحريق الذي يشب في الجهة التي بها الوديعة أو الغرق الذي يهدد مكان الوديعة أو نحو ذلك بشرط أن لا يجدهما كأن كانا غيره ينقلها إليه ويشترط أن يحاول أولاً أن يرد الوديعة إلى صاحبها أو وكيله فإن لم يجدهما كأن كانا مسافرين أو مسجونين فإنه يجب عليه أن يردها للقاضي الأمين وعلى القاضي أخذها بعد ذلك، ولا يلزم تأجيره سفره من أجل الوديعة لما في ذلك من الجرح الذي لا يخفى فإذا لم يتمكن من ردها بأن مات فجأة أو قتل غيله أو سافر بها لعجز عن إيصالها لمن ذكروا فلا ضمان عليه.
الصورة الثالثة: أن يسافر الوديع بها مع القدرة على ردها لصاحبها أو وكيله أو القاضي الأمين فإذاстр. 1220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فعل وضاعت فإنه يضمن لأنه عرضها للضياع ينقلها من مكانها الأمين إلى أقل منه، وكذا يضمنها إذا دفنها بمكان وسافر ولم يعلم بها أميناً براقبها.
الصورة الرابعة: أن ينكرها بعد طلب المالك لها فإذا فعل يصير غير أمين فيضمن الوديعة إلا إذا أنكرها لمصلحة كأن أنكرها ليدفع شر ظالم عن مالكها أو أنكرها إذا طلبها منه أجنبي ولو بحضرة مالكها لأن إنكاره يحمل على شدة حفظها بإخفائها عن غير صاحبها.
الصورة الخامسة: أن يترك الوديع الوصبة بالوديعة عند الإشراف على الموت ومعنى الوصية أن يعلم بها القاضي أو الأمين عند عدم وجود القاضي مع وصفها بما تتميز به إن كانت غائبة أو الإشارة لعينها إن كانت حاضرة مع الأمر بردها إليهما بالفعل أما في حال السفر فإن الوصية لا تغني عن رد الوديعة إليهما بالفعل على المعتمد فإذا ترك الوديع رد الوديعة لصاحبها في حال المرض المخوف كما تقدم أو ترك ردها لأنه عرضها للضياع بوضع يد عليها، ولا يجب عليه الإشهاد على الوصية على المعتمد.
الصورة السادسة: أن يهمل الوديعة فلا يدفع عنها ما يتلفها كترك تهوية ثياب الصوف والسجاد فيجب عليه أن يستعملها الذي يحفظها وكذلك يجب عليه أن يطعمخا ويسقسها إن كانت حيواناً فإن أعطاه المالك علفاً به وإلا طلب منه أو من وكيله علفها فإن لم يجدها طلب من القاضي تقدير علف لها ليرجع به على المالك وله أن يؤجرها بما يعلفها به أو يبيع به منها جزءاً يعلفها منه بحسب ما يستطيع فإن تعذر عليه شيء من ذلك علفها من عنده مع الإشهاد على ما بنفقه ليرجع به المالك فإذا كان الحيوان به تخمة ونهاه مالكه عن إطعامه حتى يبرأ فخالفه وأطعمه فإن كان ذلك عمداً وعلم بالعلة فإنه يضمن وبعضهم يقول مطلقاً أما إذا نهاه عن إطعام الصحيح أو دفع مهلكات الثياب ونحوه فهلكت فإنه لا يضمن وإن أثم طعام الحيوان.
الصورة السابعة: أن يمنع لصاحبها بدون عذر فإذا طلبها فتأجر في دفعها بدون عذر وهلكت ضمنها. أما إذت منع ردها لعذر كصلاة وأكل ونحوهما فإنه لا يضمن والمراد بتأجيرها عن صاحبها، أن لا يخلي بينهما وبين صاحبها إلا أن يحملها إليه أن ذلك لا يلزم الوديع.
الصورة الثامنة: أن يضعها الوديع في مكان غير أمين أو ينساها أو يدل عليها ظالماً بتعيين محلها له أو يسلمها له ولو مكرهاً فإنه يضمنها ويرجع بما عزمه على الظالم أما إذا أخذها الظالم من يده قهراً عنه من غير أن يدله عليها فإنه لا يضمن وكذا لو أخبره بأنها عنده من غير أن يعين له مكانها فإنه وإن كان يحرم عليه ذلك وإذا حلف وجب عليه أن يوري في يمينه إن عرف التوية وأمكنه وإلا كفر عن يمينه إن كان الحلف بالله أما إن كان بالطلاق أو العتق فإنه يحنث.
الصورة التاسعة: أن ينتفع الوديع كأن يلبسها إن كانت ثوباً لا يصلحه اللبس أو يركبها إن كانت دابة لا يصلحها الركوب فإذا كانت جموحاً يصلحا الركوب فلا يضمن بركوبها لذلكстр. 1221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الصورة العاشرة: أن يخالف الوديع صاحب الوديعة فيما يأمره به إلا إذا كان فيه زيادة حفظ فإذا قال لا تحمل هذا الصندوق على دابة فحمله فانكسر ما فيه ضمن وكذا إذا قال له لا تنم عليه ففعل فانكسر ما فيه فإنه يضمن أما إذا نام فلم ينكسر ما فيه وبعد ذلك سرق فإنه لا يضمن لأن المخالفة لم يترتب عليها ضرر.
أما إذا نهاه عن وضع قفلين ففعل فإنه لا يضمن فيه زيادة احتياط.
الحنابلة - قالوا: الوديع لا يضمن الوديعة إلا إذا تعدى عليها بأن فيها أو فرط في حفظها فتلفت أو ضاعت ويحصل ضمانها بأمور: منها أن يضعها الوديع في مكان لا يحفظ فيه مثلها في العرف كما إذا كانت عقد جوهر في صندوق لا قفل له فسرقت فإنه يضمن لتفريط في حفظها فإذا وضعها في مكان يحفظ فيه مثلها (حرز المثل) ثم نقلها إلى مكان آخر يحفظ فيه مثلها أيضاً ولكنه أقل من الأول صيانة وحفظاً لا يضمن لأنه فعل الواجب لوضعها في حرز مثلها.
وإذا عين له صاحبها مكاناً لحفظها وجب عليه أن يضعها فيه أو في مكان مثله أو اعلى منه في الصيانة والحفظ فإذا وضعها في مكان أقل منه فضاعت ضمنها أما إذا وضعها في المكان الذي عينه صاحبها من أول الأمر فإنه يحرم عليه أن يخرجها من ذلك المكان من غير حاجة فإذا فعل وضاعت ضمنها حتى ولو كان المكان الذي نقلها إليه أصون من المكان الأول.
أما إذا أخرجها من مكانها خوفاً عليها من حرق أو غرق أو هدم المكان الذي هي فيه فهلكت لم يضمن بل يجب عليه في هذه الحالة أن يخرجها من المكان بالأخطار وإنما يلزمه أن يضعها في حرز مثلها أو أعلى إن لم يمكن فإنه لا يكلف إلا ما قدر عليه ولا ضمان.
فإذا تركها في المكان الذي عينه له صاحبها في حالة الخطر وهلكت كان الوديع ضمانها سواء هلكت بالأمر المخوف أو لسبب وهلكت فإنه لا يضمن وإذا خالفه فأخرجها فإنه لا يضمن أيضاً لأنه فعل ما فيه الحفظ في الثاني وامتثل أمر صاحبها في الأول.
ومنها: أن يهمل في أمر حفظها فإذا كان الوديعة حيواناً يجب على الوديع أن يصعمه ويسقيه إلا أن ينهاه صاحبه عن ذلك فإن فعل لا يضمن ولكن يأثم بتركه الحيوان من غير إطعام ويطالب الوديع صاحب الحويان أو وكيله بعلفه أو رده إليهما فإن لم يجدهما رفع الأمر إلى الحاكم ليأخذ قيمة علفه من مالهما مال وإلا بما فيه المصلحة من بيع الحيوان أو إجارته أو الاستدانة عليه للإنفاق عليه ويجوز أن يأمر الوديع بالإنفاق عليه من ماله بحسب اجتهاده ويرجع بما أنفقه على صاحب الحيوان.
ومنها: أن يدفع الوديع إلى أجنبي ليحفظها عنده فإذا فعل وضاعت فإذا دفعها إلى من يحفظ ماله كزوجة ولده وخادمه وخازنه ووكيله لم يضمن إن تلفت.стр. 1222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أما إذا دفعها إلى شريكه فإنه يضمن صاحبها إذا تلفت. ولصاحبها الحق في مطالبة الوديع الأول ببدل الوديعة لأنه صار ضامناً بدفعا إلى غيره وإعراضه عن حفظها وله مطالبة الوديع الثاني لأنه قبض ما ليس له قبضه فإذا كان عاماً بأنها بأنها وديعة وأنه لا عذر للوديع في دفعها إليه وألزمه المالك ببدل الوديعة فلا رجوع للوديع على الأول وإن كان جاهلاً بأنها كان جاهلاً بأنها وديعة ولزمه مالكها بدفع بدلها فإنه يرجع بما دفعه على الوديع الأول لأنه غيره.
وللوديع أن يساعين بالأجنبي في حمل الوديعة وعلفها وسقيها ونحو ذلك مما جرت به العادة فإذا هلكت في أثناء ذلك فلا يضمن.
ومنها: أن يسافر بها الوديع مع نهي صاحبها عن السفر بها وتلفت ضمنها إلا إذا كان السفر لضرورة كجلاء عن البلد لهجوم عدو أو غرق أو حرق أو نحو ذلك فإن تركها في مكانها ولم في مكانها ولم يسافر بها فتلفت ضمنها.
وإذا أراد الوديع السفر على الوديعة عنده فله ردها لصاحبها إن كان موجوداً فإن لم يوجد فله ردها على من يحفظ مال صاحبها كزوجه وخازنه ووكيله في قبضها إن كان له وكيل وله السفر مع وجود صاحبها إن لم يخف عليها ولم ينهه صاحبها فالوديع في هذه الحالة يكون مخيراً بين اليفر وبين ردها لمن ذكروا.
ومنها: أن يحملها إلى صاحبها وعنده ظالم يريد ماله أو يسعى بها إلى الظالمأو يدل عليها لصاً فيسرقها فإذا فعل كان ضامناً لها.
ومنها أن يموت الوديع ولم يبين الوديعة فإذا مرض مرض الموت رد الوديعة إلى صاحبها أو وكياه فإن لم يجدها دفعها إلى الحاكم المأمون فإن تعذر عليه ذلك أودعها عند ثقة أو دفنها إن لم يضرها الدفن واعلم بها ثقة يسكن الدار التي دفنها بها فإن لم بفعل كان ضامناً ومثل ذلك ما إذا أراد أن يسافر معه على الوديعة.
ومنها أن ينتفع الوديع بها كأن يركبها إن كانت دابة لمصلحته. أما إذا ركبها بأجرة علفها فلا يضمن وكأن يلبس ثوباً مودعاً عنده لا لمصلحة الثوب.
أما إن لبسه لمصلحة الثوب غن خاف عليه من العث (العتة) إن كان صوفاً فإنه لا يضمن.
ومنها: أن ينكر الوديعة ثم يقر بها لأن الإقرار بها بعد إنكارها لا يرفع عنه الخيانة فيضمنها إذا فقدت. ومثل ذلك إذا طلبها صاحبها أو من له حق في طلبها كوكيله فلم يدفعها إليه فإنه يضمنها إذا تلفت بعد المنع.
ومنها: أن يخلط الوديعة بماله أو بمال غيره إذا كانت لا تتميز منه كخلط زيت بزيت أو سمن بمثله بغير إذن صاحبها فإذا فعل الوديع ذلك بطلت الوديعة وضمنها الوديع ووجب عليه الرد فوراً.стр. 1223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإذا خلطها غير الوديع بدون إذن كان الضمان على الخالط لا على الوديع لأنه هو المعتدي وإذا برئ المالك الوديع بريء.
وإذا خلطها خلطاً لا يتعذر معه كخلط بر بشعير أو عدس فإنه لا يضمن. وإذا وقع خلط الذي يتعذر تمييزه رغم إرادته فإنه لا يضمن ويصيران شريكين) .стр. 1224
مباحث العارية
تعريفها
-العارية مشددة وقد تخفف تطلق في اللغة على معان:
أحدهما: أنها اسم لما يتداوله الناس بينهم يقال للكتاب مستعار. بمعنى متعاور أي متداول بين الناس ومثلها العارة - بفتح الراء مخففة - كناقة والجمع عواري - بتشديد الباء وتخفيفها - وعلى هذا تكون مأخوذة من التعاور التداول، وفعلها اعتور الشيء وتعوره وتعاوره، يقال اعتوروا الشيء الشيء بمعنى تداولوه.
ثانيهما: أنها اسم لما يذهب ويجيء بسرعة يقال أعاره الشيء وأعاره منه إعارة منه كما يقال عاره يعوره بمعنى أخذه وذهب فحقيقة العارية ذهاب الشيء وإيابه، وهو قريب من الأول وعلى هذا تكون العارية مأخوذة من عار إذا ذهب وجاء سريعاً وهو لا يخرج عن الأول لما فيه من التداول.
ثالثهما: أنها اسم لما يقصده المستعير فهي مأخوذة من عرواً إذ قصده لأن الشيء المستعار مقصود للمستعير وأصل عارية المشتقة من التعور بمعنى التدوال عورية بفتحتين مشدداً على وزان فعليه فالعين الكلمة والواو عين الكلمة لام الكلمة تحركت الواو وانفتح ما قبلها قبلت أفاً فصارت عارية فالألف أصيلة لأنها منقلية عن الواو التي هي عين الكلمة.
ومثلها المأخوذة من عار يعور إذا ذهب وجاء أما المأخوذ من عراه يعروه إذا قصده فإذا كانت العارية مشددة الياء يكون أصلها عاوورة بواوين على وزان فاعولة قلبت الواو ياء لوقوعها متطرفة فصارت عاروية اجتمعت الواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وإذا كانت مخففة يكون أصلها عاروية اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون الخ وعلى كلتا الحالتين تكون الألف زائدة لأن العين فاء الكلمة والراء عينها ويصح أن تكون الألف اصلية إذا دخل الكلمة القلب بأن تؤخر عين الكلمة وهي الراء على لازمها والراء عينها فتحركت الواو التي هي لام الكلمة وانفتح قبلت أفاً فصارت عارية وعلى هذا تكون الألف أصلية لنها منقلبة عن الواو التي هي لام الكلمة.
стр. 1225
ذلك هو الصحيح في معنى العارية واشتقاقها وبعضهم يقول إنها منسوبة إلى العار وذلك لأن ردها لصاحبها بعدما منحها للمستعير عار لا ينبغي وقوعه وذلك خطأ من وجهين: أحدهما أن رد العارية ليس بعار ولو كان ذلك لما فعله النبي ﷺ وقد ثبت أنه فعله. ثانيهما إن العار ياتي أما العارية فهي واوي ولذا قالوا إن القوم يعتبرون بمعنى يعير بعضهم بعضاً ولم يقولوا يتعاورون نعم نقل أنهم يتعيرون العواري وهي جمع العواري وهي جمع عارية كما عرفت ولكنه ضعيف وقد تستعمل الياء بدل الواو فما ورد من ذلك لا يكون حقيقة بأصل وضعه.
وأما معناها في اصطلاح الفقهاء ففيه تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (المالكية - قالوا: تعرف العارية على أنها مصدر. وتعرف على أنها اسم للشيء المستعار فعلى الأول يقال إنها تمليك منفعته مؤقتة لا بعوض.
فإذا ملك شخص غيره منفعة الدابة ليسافر أياماً معلومة بدون اجر أو جملة لينقل عليه جرته أو محراثه ليحرث له أرضه في زمن معين أو غير ذلك التمليك عارية ولا فرق بين أن يكون الوقت طويلاً أو كثيراً فيدخل في العريف تكليك المنفعة طول حياة المستعير ويقال له (العمري) بضم العين وسكون الميم وكذلك يدخل فيه وهو تمليك منفعته الخادم طول حياة المستعير ولا يدخل فيه حبس منفعة العين (الوقف) إلا على القول بأنه يصح ان يكون مؤقتاً. وعلى أنها اسم للشيء المستعار يقال لها (مال ذو منفعة مؤقتة ملكت بلا عوض) . ولكن يرد على التعريفين أنه يدخل فيهما ما ليس منهما في بعض الأحوال وهو إرث المنفعة ومثاله أن يستأجر شخص أرضاً أو داراً، أو أثاث منزل مدة معينة ثم يموت قبل أن يستوفي منفعتها ففي هذه الحالة تنقل المنفعة إلى الورثة بدون عوض منهم، وهنا ينطبق عليه تعريف العارية لأنه يملك منفعة بدون عوض أو مال بدون عوض مع أنه ليس بعارية.
والجواب أن العارية ليس لها عوض مطلقاً اما هذه الصورة فإن المستأجر المنوفي إنما أجرهم بعوض فهي في الحقيقة تكليك بعوض من المستأجر الأول وإن انقلت إلى الورثة بدون عوض منهم.
الحنفية - قالوا: العارية هي تمليك المنافع مجاناً وبعضهم يقول إنها إباحةلا تمليك وهو مردود من وجهتين:
الأول: أن العارية تنعقد بلفظ التمليك الشيء الذي استعاره لغيره إذا كان ذلك الشيء بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه على المتبرع.
فإن ملك دابة أو كتاباً أو ثياباً أو غيرها مما يحل الانتفاع به وكان أهلاً للتبرع فإنه يصح لهстр. 1226
حكم العارية وركنها وشرطها
-العارية في ذاتها من أعمال البر التي تقتضيا الإنسانية لأن الناس لا غنى لهم عن الاستعانة ببعضهم بعضاً فهي منودبة بحسب ذاتها.
وقد يعرض لها الوجوب كما إذا احتاج شخص من آخر مظلة في الصحراء وقت الحر الشديد توقفت عليها حياته أو إنقاذه من مرض فإنه يجب على صاحبها في هذه الحالة أن يعيرها إياه.
وقد يعرض لها الحرمة كما إذا كان عند شخص جارية أو خادمة تشتهى وطلب غعارتها منه شخص يختلي بها أو يتمكن من قضاء إربه منها فإنه في هذه الحالة لا يحل له أن يعيرها إياه.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ استعار فرساً من أبي طلحة فركبه واستعار درعاً من صفوان بن أمية يوم حنين فقال له صفوان أغصب يامحمد في هذه الحالة أو عارية فقال له بل عارية مضمونة.
وقد أجمع المسلمون على مشروعيتها على أنها داخلة في قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر التقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ .
إذا لا شك أن سد حاجات الناس بعضاً بعضاً والإحسان إليهم من أنواع البر التي توثق بها الشروط وتنمو بها الألفة وتتأكد وذلك المودة ممدوح في نظر الشريعة الإسلامية كل المدح.
وأركان العارية أربعة: (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: للعارية ركن واحد وهو الإيجاب والقبول فلا بد في العارية من الإيجاب والقبول لأنها تمليك وهو لا يتحقق إلا بذلك ولا يشترط الللفظ بل يكفي التعاطي وهو أن يعطي المعير العارية للمستعير والمعير يأخذها ويكون معروفاً بينهما أنها عارية تصح بلفظ أعرتك وأطعمتك غلةстр. 1227
معير وهو الذي يمنح العارية.
ومستعير وهو الذي يأخذها.
ومعار وهو الذي تمنح.
وصيغة. ولكل ركن من الأركان شروط مفصلة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: يشترط في المعير أن يكون أهلاً للتبرع ما اجتمع فيه أمور:
أحدها: أن يكون بالغاً، فلا تصح العارية من الصبي.
ثانيهما: أن يكون عاقلاً، فلا تصح من مجنون.
ثالثهما: أن يكون غير محجور عليه لسفه فلا تصح من محجور عليه، وهل يجوز لكل من الصبي والمحجور عليه أن يعير بنفسه كأن يخدم شخصاً في عمل من الأعمال مجاناً أو لا؟ الجواب أنه يجوز بشرطين:
الأول: أن لا يكون العمل الذي يعمله مجاناً لا يؤخذ عليه أجر في العادة. أما إذا كان يؤخذ عليه أجر فإنه لا يصح للصبي أو المحجور عليه أن يعير ليعمل ذلك العمل مجاناً.
الثاني: أن لا يكون ذلك العمل متعاقاً بصناعته التي يكسب بها عيشه. كما إذا كان صبي نجار فأعار نفسه لشخص مجاناً ليصلح له صنودقاً مجاناً. أو يصنع له (دولاباً) كذلك، أو كان صبي حداد فأعار نفسه لشخص مجاناً ليصلح له قفلاً أو كان خياط فأعار نفسه لشخص ليخيط له ثياباً وهكذا فإن هذه الإعارة لا تجوز.
ومن هنا يتضح انه إذا قال شخص لولد غيره. اعمل لي كذا فإن كان العمل مما لا يؤخذ عليه أجر في العادة كأن يكلف غلام بإحضار أمر من الأمور، فإنه يصح وإلا فلا.
وأما المحجور عليه لفلس فإنه يجوز له أن يعير نفسه بشرط أن لا يشغله العمل الذي يعمله له عن كسبه كما يصح أن يعير شيئاً من ملكه غير منقول كما إذا أعار جاره داراً يوماً.
رابعها: أن يكون المعير مالكاً للمنفعة التي يريد إعارتها ولا يشترط أن يكون مالكاً للعين لأن الإعارة إنما ترد على المنفعة دون العين.
فتصح إعارة المكتري والموصي له بالمنفعة والموقوف عليه بإذن الناظر لأنهم وإن كانوا لا يملكون العين إلا أنهم يملكون المنفعة وهي التي يباح للمستعير أن ينتفع بها.
أما الذي لا يملك العين ولا يملك كالمساعير فإنه لا تصح إعارته فمن استعار دابة غيره لا يصح أن يعيرها لغيره إلا بإذن مالكها كان كل منهما ضامناً فإن تلفت عند الثانيстр. 1228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) كان عليه ضمانها إلا أنه يشترط لضمان الأول أن لا يسمى مستعيراً خاصاً فإن قال له: ائذن لي أن اعيرها فأذن أصبح مستعير بل هو وكيل وبرئ من الضمان.
هذه شروط المعير، أما المستعير فيشترط له أمران:
أحدهما: تعيينه فلا تصح الإعارة لمجهول فإذا فرش لمن يجلس عليه لم يكن عارية بل يكون مجرد إباحة وكذا إذا قال لزيد وعمرو: أعرت أحدكما فرسي ولم يعينه إن كان زيداً أو عمراً.
ثانيها: أن يكون المستعير مطلق التصرف فلا يصح أن يعير فرسه لصبي مجنون إلا إذا تعاقد على ذلك مع وليهما. وأما السفيه جواز فإن الراجح جواز قبوله الإعارة فلا تتوقف على قبول الولي.
وأما (المعار) فيشترط له أمور: أحدها الانتفاع به حالاً أو مالاً ومثال ما ينتفع به مالاً الجحش الصغير فإنه يصح إعارته إعارة مطلقة أو مقيدة بمدة يمكن الانتفاع به فيها أما ما لا يمكن الانتفاع به أصلاً كاحيوان المعقد المريض فإن إعارته. والمراد بالمنفعة ما يسيتفيده المستعير.
وهي قسمان: قسم منفعة محضة ليست بعين كسكنى الدار وركوب الدابة واستظلال بالمظلة ونحو ذلك، وقسم عين من العين المستعارة كلبن الشاة وثمر الشجر فإذا استعار شاة لآخذ لبنها أو نسلها أو شجرة لأخذ ثمرها فإن العارية تصح إن كان اللبن تؤخذ من الشاة المستعارة والثمر عيناً تؤخذ من الشجرة المستاعرة فتصح غعارة الشاة لآخذ لبنها أو نسلها وإعارة الشجر لأخذ ثمرها ونحو ذلك على المعتمد.
وبعضهم يقول: إن اللبن والنسل والثمر لم يستفيدها المستعير بطريق الإعارة وإنما استفادها بطريق إباحتها، وقد استعيرت الشاة والشجر للوصول إلى ما أبيح له وذلك كما اسيتعار شخص قناة في أرض غيره ليوصل منها ماءه إلى أرضه. فالماء المملوك له لا يمكنه الوصول إليه باستعارة القناة، فمنفعة القناة هي الإيصال إلى الاستفادة بالماء ولا فرق في ذلك بين أن تكون بلفظ العارية أو بلفظ الإباحة.
ثانيهما أن يكون المستعير مباحاً فلا تصح إعارة ما يحرم الانتفاع به كإعارة خادمة مشتهاة لمن لا يؤمن عليها إذا كانت الخدمة تتضمن خلوة أو نظراً محرماً فإذا كانت غير مشتهاة لصغر أو قبح منظر أو كانت الخدمة للأولاد الصغار ولا تختلط بها والدهم فإن العارية تصح.
ومن الأشياء التي يحرم الانتفاع بها آلات الهو المحرمة كالمزمار.
أما غير المحرمة كالطبل والشطرنج فإن إعارتها تجوز كما تجوز إجارتها.
ومنها: إعارة السلاح لحربي يستعين به قتال المسلمين فإنه يحرم.
ثالثها: أن ينتفع بالمستعار مع بقاء عينه أما إذا استهلكت العين فإن العارية لا تصح لعدم وجودстр. 1229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حقيقتها إذا العارية هي ما ينتفع مع بقائه ليرد لصاحبه وعلى هذا فلا تصح إعارة المطعومات لاستهلاكها بتناولها.
وأما الصيغة فيشترط فيها أن تكون لفظاً يشعر بالإذن في الانتفاع سواء كان اللفظ صادراً من المستعير. كأن يقول: اعرني كذا أو صادراً من المعير كقوله: اعرتك فلا بد من لفظ أحدهما.
أما الآخر فلا يشترط لفظه بل يكفي فعله كما لا يشترط الفور بل لو قال له: أعرتك دابتي ولم يرد عليه فوراً فإن الإعارة تصح ويقوم مقام اللفظ الصريح الكناية مع النية وكذا إشارة الأخرس المفهمة.
الحنفية - قالوا: يشترط للعارية شروط بعضها يتعلق بالمعير والمستعير فيشترط فيه أن يكون عاقلاً فلا تصح إعارة المجنون وأن يكون مميزاً فلا تصح إعارة الصبي الذي لا يعقل.
أما البلوغ فليس بشرط فتصح إعارة من الصبي المأذون بالتصرف ويعضهما يتعلق بالمعار فيشترط فيه أن يكون الانتفاع به ممكناً بدون استهلاكه. فإذا لم يكن الانتفاع به ممكناً أصلاً كالحيوان المريض فإنه لاتصح غعارته، وكذا إذا كان يمكن الانتفاع به مع الاستهلاكه كالمطعوم والشمع الذي لا ينتفع به بدون حرقه، وكذا يشترط في المعار أن يقبضه المستعير فإذا لم يقبضه لا تصح الإعارة.
وأما الشروط المتعلقة بالصيغة فقد تقدمت في بيان الركن قريباً.
المالكية - قالوا: يشترط للعارية شروط، بعضها يتعلق بالمعير: وبعضها يتعلق بالمستعير وبعضها يتعلق بالمستعار، فيشترط في المعير شروط منها أن يكون مالك المنفعة بسبب ملك الذات المنتفع بها أو استئجاره لها أو استعارته لها فلا يشترط فيه أن يكون مالكاً لذاتها بل الشرط ملك المنفعة سواء كان مالكاً للذات أو فيصح لمن استأجر داراً مثلاً ان يعير لغيره، وكذا من استعارها فإن له أن يعيرها بشرط أن لا يمنعه المالك المعير من الإعارة لغيرها صريحاً أو ضمناً والمنع الضمني: لولا أبوك أو أخوك ما أعرتك، لأن هذا يتضمن قصر الإعارة عليه فلا يصح أن يعيرها لغيره فإذا أعار شخص ما لا يملكه بسبب من الأسباب المذكورة كان فضولياً فلا تنعقد إعارته أصلاً لأنها بغير عوض بأخذه من المستعير ومثلها الهبة والوقف وسائر ما يخرجه الفضولي بغير عوض.
أما ما يخرجه بعوض كما إذا باع شخص ملك غيره بدون إذنه فإن البيع ينعقد موقوفاً على إجازة المالك فإذا أجاز البيع نفذ.
ومنها أن لا يكون المعير محجوزاً عليه لصغر أو سفه فلا تصح إعارة الصبي والسفيه والرقيق ولو كان مأذوناً له في التجارة لأنه مأذون له في التصرف بعوض لا أن يعير بدون عوض. نعم يصح له أن يعير ما به اسئلاف الناس منه تجارته (الزباين) .
ومنها: أن لا يكون المعير مالك الانتفاع فقط وهو من ملك أن ينتفع دون غيره.
والفرق بينه وبين المنفعة أن مالك المنفعة جعل الشارع له الانتفاع بنفسه كما جعل له أن يتنازل عن الانتفاع لغيره كالمالك والمستأجر والمستعير فلكل منهم أن يؤاجر وأن يهب وأن يعير، كماстр. 1230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) له أن ينتفع بنفسه أما مالك الانتفاع فقد قصره الشارع على ان ينتفع بنفسه فقط وذلك مثل الأماكن الموقوفة على المجاورين وأبناء السبيل ونحوهم فإنها إذا استحق السكنى فيها شخص بعنوان كونه مجاوراً مثلاً فإنه لا يملك منها إلا حق الانتفاع فقط فلا يصح ان يعيرها لغيره أو يهبها أو غيره ذلك. نعم يجوز له أن يتنازل عن حقه في الانتفاع بها مجاناً وفي مقابلة دارهم مدة معينة أو دائماً.
وهنا مسألة يعبرون عنها بملك الخلو وهي من قبيل ملك المنفعة. والخلو (هو اسم لما يملكه دافع الجنيهات من المنفعة التي وقعت الجنيهات من مقابلتها) توضيح ذلك ان توجد دار خربه موقوفة على جهة أو أرض فضاء لا بناء عليها موقوفة كذلك وليس للوقف ريع يعمر به فيدفع شخص مبلغاً لجهة الوقف لبناء الذي أنفق عليه ماله، وهذه المنفعة تسمى بالخلو فإذا كانت أجرة الوقف بعد بنائه تساوي عشرة فاتفق الباني على ان يدفع منها ثلاثة حكراً والسبعة الباقية في مقابلة ما أنفق على البناء فإنه يصح ويصير المبلغ الذي أنفقه على البناء مالكاً بذلك المكان فيجوز له ان يعيرها لغيره وأن يهبها له وتورث عنه إذا مات إلى غير ذلك.
وكذلك الخلو المعروف بمصر الان وهو أن يستأجر شخص دكاناً مثلاً بأجرة شهرية ثم يريد إخلاءها لغيره على أن يأخذ منه مبلغاً في نظير الإخلاء فإنه جائز عملاً بعرف الناس ويكون من قبيل ملك المنفعة.
واما المستعير فيشترط فيه ان يكون أهلاً للتبرع عليه بالمستعار فلا يصح أن يعطي الإنسان غعارة لمن ليس أهلاً لها كإعارة المصحف لكافر لأنه لا يصح التبرع عليه به.
وأما المعار فيشترط فيه أن يكون عيناً ذات منفعة، وأن يكون استعمالها مباحاً وإن لم يكن بيعها مباحاً ككلب الصيد وجلد الأضحية فإنه يجوز استعمالها لا بيعها فتصح إعارتهما بناء على ذلك.
زكذا لا تصح إعارة جارية لمن لا يؤمن عليها، وإعطاء مالاً لا يمكن استعماله إلا باستهلاك عينه كالطعام والنقود لا يسمى عارية بل هو قرض وإن وقع بلفظ العارية لأن المقصود من العارية الانتفاع بها مع ردها لصاحبها.
وأما الصيغة فهي كل ما دل على تمليك المنفعة بدون عوض سواء كانت بلفظ كأعرابي وأعرتك أو نعم جواباً لأعرابي أو كانت بإشارة أو غير ذلك.
الحنابلة - قالوا: يشترط في العين المستعارة أن تكون مما ينتفع به مع بقاء عينه كالدور والثاب والدواب ونحوها فلا تصح غعارة ما لا ينتفع به إلا إذا استهلمكت ذاته كالأطعمة والأشربة ونحوها كن إن اعطاها أحد لآخر بلفظ إعارة كان محتملاً لإباحة الانتفاع بها على وجه إتلافها واستهلاكها.
ويشترط في المعير أن يكون اهلاً لأن يتبرع لغيره فلا تصح إعارة المحجور عليه ولا ناظر الوقف ولا ولي يتيم من مال اليتيم.следующие страницы →