Полный текст (2 230 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
حكم العارية وركنها وشرطها
-العارية في ذاتها من أعمال البر التي تقتضيا الإنسانية لأن الناس لا غنى لهم عن الاستعانة ببعضهم بعضاً فهي منودبة بحسب ذاتها.
وقد يعرض لها الوجوب كما إذا احتاج شخص من آخر مظلة في الصحراء وقت الحر الشديد توقفت عليها حياته أو إنقاذه من مرض فإنه يجب على صاحبها في هذه الحالة أن يعيرها إياه.
وقد يعرض لها الحرمة كما إذا كان عند شخص جارية أو خادمة تشتهى وطلب غعارتها منه شخص يختلي بها أو يتمكن من قضاء إربه منها فإنه في هذه الحالة لا يحل له أن يعيرها إياه.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ استعار فرساً من أبي طلحة فركبه واستعار درعاً من صفوان بن أمية يوم حنين فقال له صفوان أغصب يامحمد في هذه الحالة أو عارية فقال له بل عارية مضمونة.
وقد أجمع المسلمون على مشروعيتها على أنها داخلة في قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر التقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ .
إذا لا شك أن سد حاجات الناس بعضاً بعضاً والإحسان إليهم من أنواع البر التي توثق بها الشروط وتنمو بها الألفة وتتأكد وذلك المودة ممدوح في نظر الشريعة الإسلامية كل المدح.
وأركان العارية أربعة: (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: للعارية ركن واحد وهو الإيجاب والقبول فلا بد في العارية من الإيجاب والقبول لأنها تمليك وهو لا يتحقق إلا بذلك ولا يشترط الللفظ بل يكفي التعاطي وهو أن يعطي المعير العارية للمستعير والمعير يأخذها ويكون معروفاً بينهما أنها عارية تصح بلفظ أعرتك وأطعمتك غلةстр. 1227
معير وهو الذي يمنح العارية.
ومستعير وهو الذي يأخذها.
ومعار وهو الذي تمنح.
وصيغة. ولكل ركن من الأركان شروط مفصلة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: يشترط في المعير أن يكون أهلاً للتبرع ما اجتمع فيه أمور:
أحدها: أن يكون بالغاً، فلا تصح العارية من الصبي.
ثانيهما: أن يكون عاقلاً، فلا تصح من مجنون.
ثالثهما: أن يكون غير محجور عليه لسفه فلا تصح من محجور عليه، وهل يجوز لكل من الصبي والمحجور عليه أن يعير بنفسه كأن يخدم شخصاً في عمل من الأعمال مجاناً أو لا؟ الجواب أنه يجوز بشرطين:
الأول: أن لا يكون العمل الذي يعمله مجاناً لا يؤخذ عليه أجر في العادة. أما إذا كان يؤخذ عليه أجر فإنه لا يصح للصبي أو المحجور عليه أن يعير ليعمل ذلك العمل مجاناً.
الثاني: أن لا يكون ذلك العمل متعاقاً بصناعته التي يكسب بها عيشه. كما إذا كان صبي نجار فأعار نفسه لشخص مجاناً ليصلح له صنودقاً مجاناً. أو يصنع له (دولاباً) كذلك، أو كان صبي حداد فأعار نفسه لشخص مجاناً ليصلح له قفلاً أو كان خياط فأعار نفسه لشخص ليخيط له ثياباً وهكذا فإن هذه الإعارة لا تجوز.
ومن هنا يتضح انه إذا قال شخص لولد غيره. اعمل لي كذا فإن كان العمل مما لا يؤخذ عليه أجر في العادة كأن يكلف غلام بإحضار أمر من الأمور، فإنه يصح وإلا فلا.
وأما المحجور عليه لفلس فإنه يجوز له أن يعير نفسه بشرط أن لا يشغله العمل الذي يعمله له عن كسبه كما يصح أن يعير شيئاً من ملكه غير منقول كما إذا أعار جاره داراً يوماً.
رابعها: أن يكون المعير مالكاً للمنفعة التي يريد إعارتها ولا يشترط أن يكون مالكاً للعين لأن الإعارة إنما ترد على المنفعة دون العين.
فتصح إعارة المكتري والموصي له بالمنفعة والموقوف عليه بإذن الناظر لأنهم وإن كانوا لا يملكون العين إلا أنهم يملكون المنفعة وهي التي يباح للمستعير أن ينتفع بها.
أما الذي لا يملك العين ولا يملك كالمساعير فإنه لا تصح إعارته فمن استعار دابة غيره لا يصح أن يعيرها لغيره إلا بإذن مالكها كان كل منهما ضامناً فإن تلفت عند الثانيстр. 1228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) كان عليه ضمانها إلا أنه يشترط لضمان الأول أن لا يسمى مستعيراً خاصاً فإن قال له: ائذن لي أن اعيرها فأذن أصبح مستعير بل هو وكيل وبرئ من الضمان.
هذه شروط المعير، أما المستعير فيشترط له أمران:
أحدهما: تعيينه فلا تصح الإعارة لمجهول فإذا فرش لمن يجلس عليه لم يكن عارية بل يكون مجرد إباحة وكذا إذا قال لزيد وعمرو: أعرت أحدكما فرسي ولم يعينه إن كان زيداً أو عمراً.
ثانيها: أن يكون المستعير مطلق التصرف فلا يصح أن يعير فرسه لصبي مجنون إلا إذا تعاقد على ذلك مع وليهما. وأما السفيه جواز فإن الراجح جواز قبوله الإعارة فلا تتوقف على قبول الولي.
وأما (المعار) فيشترط له أمور: أحدها الانتفاع به حالاً أو مالاً ومثال ما ينتفع به مالاً الجحش الصغير فإنه يصح إعارته إعارة مطلقة أو مقيدة بمدة يمكن الانتفاع به فيها أما ما لا يمكن الانتفاع به أصلاً كاحيوان المعقد المريض فإن إعارته. والمراد بالمنفعة ما يسيتفيده المستعير.
وهي قسمان: قسم منفعة محضة ليست بعين كسكنى الدار وركوب الدابة واستظلال بالمظلة ونحو ذلك، وقسم عين من العين المستعارة كلبن الشاة وثمر الشجر فإذا استعار شاة لآخذ لبنها أو نسلها أو شجرة لأخذ ثمرها فإن العارية تصح إن كان اللبن تؤخذ من الشاة المستعارة والثمر عيناً تؤخذ من الشجرة المستاعرة فتصح غعارة الشاة لآخذ لبنها أو نسلها وإعارة الشجر لأخذ ثمرها ونحو ذلك على المعتمد.
وبعضهم يقول: إن اللبن والنسل والثمر لم يستفيدها المستعير بطريق الإعارة وإنما استفادها بطريق إباحتها، وقد استعيرت الشاة والشجر للوصول إلى ما أبيح له وذلك كما اسيتعار شخص قناة في أرض غيره ليوصل منها ماءه إلى أرضه. فالماء المملوك له لا يمكنه الوصول إليه باستعارة القناة، فمنفعة القناة هي الإيصال إلى الاستفادة بالماء ولا فرق في ذلك بين أن تكون بلفظ العارية أو بلفظ الإباحة.
ثانيهما أن يكون المستعير مباحاً فلا تصح إعارة ما يحرم الانتفاع به كإعارة خادمة مشتهاة لمن لا يؤمن عليها إذا كانت الخدمة تتضمن خلوة أو نظراً محرماً فإذا كانت غير مشتهاة لصغر أو قبح منظر أو كانت الخدمة للأولاد الصغار ولا تختلط بها والدهم فإن العارية تصح.
ومن الأشياء التي يحرم الانتفاع بها آلات الهو المحرمة كالمزمار.
أما غير المحرمة كالطبل والشطرنج فإن إعارتها تجوز كما تجوز إجارتها.
ومنها: إعارة السلاح لحربي يستعين به قتال المسلمين فإنه يحرم.
ثالثها: أن ينتفع بالمستعار مع بقاء عينه أما إذا استهلكت العين فإن العارية لا تصح لعدم وجودстр. 1229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حقيقتها إذا العارية هي ما ينتفع مع بقائه ليرد لصاحبه وعلى هذا فلا تصح إعارة المطعومات لاستهلاكها بتناولها.
وأما الصيغة فيشترط فيها أن تكون لفظاً يشعر بالإذن في الانتفاع سواء كان اللفظ صادراً من المستعير. كأن يقول: اعرني كذا أو صادراً من المعير كقوله: اعرتك فلا بد من لفظ أحدهما.
أما الآخر فلا يشترط لفظه بل يكفي فعله كما لا يشترط الفور بل لو قال له: أعرتك دابتي ولم يرد عليه فوراً فإن الإعارة تصح ويقوم مقام اللفظ الصريح الكناية مع النية وكذا إشارة الأخرس المفهمة.
الحنفية - قالوا: يشترط للعارية شروط بعضها يتعلق بالمعير والمستعير فيشترط فيه أن يكون عاقلاً فلا تصح إعارة المجنون وأن يكون مميزاً فلا تصح إعارة الصبي الذي لا يعقل.
أما البلوغ فليس بشرط فتصح إعارة من الصبي المأذون بالتصرف ويعضهما يتعلق بالمعار فيشترط فيه أن يكون الانتفاع به ممكناً بدون استهلاكه. فإذا لم يكن الانتفاع به ممكناً أصلاً كالحيوان المريض فإنه لاتصح غعارته، وكذا إذا كان يمكن الانتفاع به مع الاستهلاكه كالمطعوم والشمع الذي لا ينتفع به بدون حرقه، وكذا يشترط في المعار أن يقبضه المستعير فإذا لم يقبضه لا تصح الإعارة.
وأما الشروط المتعلقة بالصيغة فقد تقدمت في بيان الركن قريباً.
المالكية - قالوا: يشترط للعارية شروط، بعضها يتعلق بالمعير: وبعضها يتعلق بالمستعير وبعضها يتعلق بالمستعار، فيشترط في المعير شروط منها أن يكون مالك المنفعة بسبب ملك الذات المنتفع بها أو استئجاره لها أو استعارته لها فلا يشترط فيه أن يكون مالكاً لذاتها بل الشرط ملك المنفعة سواء كان مالكاً للذات أو فيصح لمن استأجر داراً مثلاً ان يعير لغيره، وكذا من استعارها فإن له أن يعيرها بشرط أن لا يمنعه المالك المعير من الإعارة لغيرها صريحاً أو ضمناً والمنع الضمني: لولا أبوك أو أخوك ما أعرتك، لأن هذا يتضمن قصر الإعارة عليه فلا يصح أن يعيرها لغيره فإذا أعار شخص ما لا يملكه بسبب من الأسباب المذكورة كان فضولياً فلا تنعقد إعارته أصلاً لأنها بغير عوض بأخذه من المستعير ومثلها الهبة والوقف وسائر ما يخرجه الفضولي بغير عوض.
أما ما يخرجه بعوض كما إذا باع شخص ملك غيره بدون إذنه فإن البيع ينعقد موقوفاً على إجازة المالك فإذا أجاز البيع نفذ.
ومنها أن لا يكون المعير محجوزاً عليه لصغر أو سفه فلا تصح إعارة الصبي والسفيه والرقيق ولو كان مأذوناً له في التجارة لأنه مأذون له في التصرف بعوض لا أن يعير بدون عوض. نعم يصح له أن يعير ما به اسئلاف الناس منه تجارته (الزباين) .
ومنها: أن لا يكون المعير مالك الانتفاع فقط وهو من ملك أن ينتفع دون غيره.
والفرق بينه وبين المنفعة أن مالك المنفعة جعل الشارع له الانتفاع بنفسه كما جعل له أن يتنازل عن الانتفاع لغيره كالمالك والمستأجر والمستعير فلكل منهم أن يؤاجر وأن يهب وأن يعير، كماстр. 1230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) له أن ينتفع بنفسه أما مالك الانتفاع فقد قصره الشارع على ان ينتفع بنفسه فقط وذلك مثل الأماكن الموقوفة على المجاورين وأبناء السبيل ونحوهم فإنها إذا استحق السكنى فيها شخص بعنوان كونه مجاوراً مثلاً فإنه لا يملك منها إلا حق الانتفاع فقط فلا يصح ان يعيرها لغيره أو يهبها أو غيره ذلك. نعم يجوز له أن يتنازل عن حقه في الانتفاع بها مجاناً وفي مقابلة دارهم مدة معينة أو دائماً.
وهنا مسألة يعبرون عنها بملك الخلو وهي من قبيل ملك المنفعة. والخلو (هو اسم لما يملكه دافع الجنيهات من المنفعة التي وقعت الجنيهات من مقابلتها) توضيح ذلك ان توجد دار خربه موقوفة على جهة أو أرض فضاء لا بناء عليها موقوفة كذلك وليس للوقف ريع يعمر به فيدفع شخص مبلغاً لجهة الوقف لبناء الذي أنفق عليه ماله، وهذه المنفعة تسمى بالخلو فإذا كانت أجرة الوقف بعد بنائه تساوي عشرة فاتفق الباني على ان يدفع منها ثلاثة حكراً والسبعة الباقية في مقابلة ما أنفق على البناء فإنه يصح ويصير المبلغ الذي أنفقه على البناء مالكاً بذلك المكان فيجوز له ان يعيرها لغيره وأن يهبها له وتورث عنه إذا مات إلى غير ذلك.
وكذلك الخلو المعروف بمصر الان وهو أن يستأجر شخص دكاناً مثلاً بأجرة شهرية ثم يريد إخلاءها لغيره على أن يأخذ منه مبلغاً في نظير الإخلاء فإنه جائز عملاً بعرف الناس ويكون من قبيل ملك المنفعة.
واما المستعير فيشترط فيه ان يكون أهلاً للتبرع عليه بالمستعار فلا يصح أن يعطي الإنسان غعارة لمن ليس أهلاً لها كإعارة المصحف لكافر لأنه لا يصح التبرع عليه به.
وأما المعار فيشترط فيه أن يكون عيناً ذات منفعة، وأن يكون استعمالها مباحاً وإن لم يكن بيعها مباحاً ككلب الصيد وجلد الأضحية فإنه يجوز استعمالها لا بيعها فتصح إعارتهما بناء على ذلك.
زكذا لا تصح إعارة جارية لمن لا يؤمن عليها، وإعطاء مالاً لا يمكن استعماله إلا باستهلاك عينه كالطعام والنقود لا يسمى عارية بل هو قرض وإن وقع بلفظ العارية لأن المقصود من العارية الانتفاع بها مع ردها لصاحبها.
وأما الصيغة فهي كل ما دل على تمليك المنفعة بدون عوض سواء كانت بلفظ كأعرابي وأعرتك أو نعم جواباً لأعرابي أو كانت بإشارة أو غير ذلك.
الحنابلة - قالوا: يشترط في العين المستعارة أن تكون مما ينتفع به مع بقاء عينه كالدور والثاب والدواب ونحوها فلا تصح غعارة ما لا ينتفع به إلا إذا استهلمكت ذاته كالأطعمة والأشربة ونحوها كن إن اعطاها أحد لآخر بلفظ إعارة كان محتملاً لإباحة الانتفاع بها على وجه إتلافها واستهلاكها.
ويشترط في المعير أن يكون اهلاً لأن يتبرع لغيره فلا تصح إعارة المحجور عليه ولا ناظر الوقف ولا ولي يتيم من مال اليتيم.стр. 1231
أقسام العارية وما يتعلق بها من الأحكام
-تنقسم العارية إلى أقسام وتتعلق بها أحكام مفصلة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: تنقسم العارية إلى أربعة أقسام:
أحدها: أن تكون مطلقة في الوقت والانتفاع كما إذا قال له: أعرتك داري أو دابتي أن يفيده بزمن أو يبين كيفية الانتفاع.
حكم هذا القسم أن للمستعير الحق في أن ينتفع بالعارية بدون شرط ولا قيد.
وثانيها: ان تكون مقيدة بالوقت والانتفاع كما إذا قال له: أعرتك داري شهراً لتخزن فيها متاعك، وفي هذه الحالة لا يجوز للمستعير أن ينتفع بها أكثر من شهر ولا ينتفع بها بغير خزن متاعه وله أن يستعملها فيما هو أحسن مما أبيح له كما إذا أباح خزن الحديد والأحجار فاستعملها في خزن القماش.
ثالثها: أن تكون مقيدة بالوقت مطلقة كما إذا قال له: اعرتك دابتي ثلاثة أيام ولم يبين له كيف يستعملها.
رابعها: ان تكون مقيدة بالانتفاع مطلقة في الوقت. وفي الحالتين لا يجوز له أن يتعدى ما أمره به صاحبها.
وعلى أي حال فهي غير لازمة فلصاحبها أن يستردها متى شاء إلا إذا ترتب على استردادها ضرر بالمستعير؛ فإن العارية في هذه الحالة تبطل وتبقى العين المستعارة بيد المستعير بأجر المثل مثال ذلك أن يعيره حائطه ليضيع عليه خشب سقفه، فإذا فعل وبنى فليس لصاحب الحائط أن يستردها في هذه الحالة لما يترتب على ذلك من هدم السقف الضار بالمستعير فتبقى الحائط بأجر مثلها إن كان مثلها له أجرة.
ومثل ذلك ما إذا أعاره فرساً ليسافر بها إلى جهة وسافر معه فليس له أن يستردها في مكان لا يقدر فيه المستعير على الركوب بالأجرة او بالشراء فتبقى مع المستعير بأجر المثل.стр. 1232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومثل ذلك ما إذا أعاره أرضاً ليزرعها فليس له أن يستردها حتى يحصد زرعه ولصاحبها أجر المثل. وإذا أعار حائط منزله فوضع عليها السقف ثم باع المنزل فللمشتري أن يسترد الحائط ويرفع اليقف إلا إذا شرط ابائع عليه عدم استردادها وقت البيع فيعمل بالشرط.
ومثل المشتري الوارث - إلا أن الوارث له استرداد العارية على أي حال -
فإذا استعار شخص حائطاً، ووضع عليها خشب سقفه وبنى، ثم مات المعير فإن للوارث استرجاع الحائط على أي حال حتى ولو كان المستعير من ضمن الورثة إلا قسمت التركة وقعت تلك الحائط في نصيب المستعير.
وإذا استعار أرضاً ليقيم عليها بناء أو يغرس فيها شجراً فإنه يصح وللمالك أن يسترد أرضه متى شاء لما تقرر من أن العارية غير لازمة، ثم إن كانت العارية مؤقتة بوقت ورجع المالك قبل حلول الوقت فإن له تكليف المستعير إزالة البناء وقلع الشجر على أن يضمن المالك ما نقص من قيمة البناء والشجر بأن يقوم الشجر وهو مغروس إلى المدة المضروبة للعارية، فإن كان يساوي وقت استردادها أربعة ويساوي وقت انتهاء أجل العارية عشرة كطان المالك أن يدفع الستة التي نقصت، أما إذا رجع المالك بعد حلول الوقت المالك يسترد أرضه من غير أنن يضمن شيئاً فعلى المستعير أن يقلع غرسه ويزيل بناءه إلا إذا كان ذلك يضر بالأرض، فإذا كان المستعير قد زرع أشجاراً للفاكهة ومضت مدة الاستعارة، واسترد المالك أرضه، وكان قلع الشجر يضر بالأرض، فإن المستعير يكلف بترك الأشجار قائمة على الأرض بدون قلع، وله الحق في أخذ قيمتها بحيث لو فرض وقلعت في ذلك الوقت وبيعت احتساباً كانت قيمنتها هي التي يستحقها المستعير ملكاً لصاحب الأرض، ومثل ذلك ما لو بنى على الأرض ومضت مدة العارية وكان الهدم يضر بالأرض فإن المستعير يكلف ترك البناء قائماً بون هدم وله الحق في أخذ قيمته أنقاضاً ويكون ملكاً لصاحب الأرض، وإذا كانت العارية مطلقاً واسترد المالك أرضه، فإن المستعير يخبر في هذه الحالة بين أن قيمة الشجر أو البناء قائمين ويصيران ملكاً لصاحب الأرض بعد أن يدفع قيمتها، وبين أن يقلعها ويأخذهما خشباً وأنقاضاً إلا إذا كان القلع يضر بالأرض، فإن الخيار في هذه الحالة يكون للمالك، فله أن يكلف
المستعير بإزالة ما أحدثه على الأرض من شجر وبناء شيئاً ويحتمل ما لحق أرضه من ضرر، وله أن يستبقي الشجر والبناء ويدفع للمستعير بنسبة ما إذا كانا للمستعير ما إذا كان مقلوعين لا قائمين.
وإذا أعاره ليزرعها لا يصح له أن يستردها قبل حصاد الزرع سواء كانت العارية مؤقتة أو لا؛ ولكن للمالك الحق التي أنفقها المستعير إذا كان الزرع لم ينبت لأن بيع الزرع قبل نباته؛ أما بعد نباته فإنه يجوز على المختار فإذا لم يرض المستعير بأن يدفع أجر المثل وأبى القلع يضمن له صاحب الأرض ما انفقه فقيل ذلك وقيل لا.
الحنابلة - قالوا: تنقسم العارية إلى مطلقة ومؤقتة بوقت أو عمل وهي غير لازمة على حال،стр. 1233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فللمستعير أن يرد عاريته متى شاء لأن المنافع لم تحصل في يد المستعير دفعة واحدة. حتى يملكها بل هي تستوفي شيئاً فشيئاً؛ فما يستوفيه منها فقد وما لم يستوفيه لم يقبضه؛ فيصح لصاحبه الرجوع فيه كالهبة قبل القبض إلا إذا ترتب على ردها ضرر المستعير؛ كما إذا أعار إذا أعار سفيه لحمل متاعه فليس له أن يستردها في وسط البحر لا يتمكن من غيرها؛ وإنما له استرداد بعد أن ترسو على الشاطئ.
وكذا إذا أعار حائطاً ليضع عليها خشب سقفه فليس لضاحبها مرجوع إذا وضع سقفه وبنى لأن استردادها يترتب عليه الإضرار بالمستعير فإذا سقط السقف من تلقاء نفسه فليس له حق إعادته على الحائط ثاياً إلا بإذن صاحبها أو عند الضرورة بحيث لا يجد وسيلة للسقف إى بإنكار على هذا الحاشئط؛ فإن الإعارة في هذه الحالة تكون لازمة. وكذا إذا أعار أرضاً ليزرعها فليس له الرجوع قبل الحصاد.
وإذا أراد أن يدفع قيمة الزرع ليملكه ويسترد عاريته فإنه لا يجاب إى ذلك إلا إذا رضي المستعير. نعم له أن يأخذ أجرة مثل الأرض إذا كان الزرع يمكن حصاده وقت طلب العارية من حين رجوعه إلى حين الحصاد وليس له أن يأخذ أجراً فيما عدا ذلك من الأمثلة التي ذكرت قبل كأجرة على سفينة أو حائط أو نحوهما.
وإذا أعار أرضاً ليغرس أو بيني فيما حجرة. فإن في ذلك تفصيلاً وهو إما أن يشترط صاحب الأرض على المستعير أن يقلع شجره أو يهدم بناءه في وقت كذا أو متى رجع المالك عن إعارته أو لا يشترط فإن عومل المستعير بهذا الشرط ولصاحب الأرض أن يطالبه بإزالة الشجر وهدم البناء في الوقت المعين أو عند رجوعه حسبما شرط بدون حق للمستعير في المطالبة بما ينقصه شجره بعد القطع أو بناه بعد الهدم لأن المؤمنين عند شروطهم. ويلزم المستعير أن يسوّي الأرض إذا حصل فيها حفرة بقلع الشجر أو هدم البناء إلا إذا شرطه عليه صاحبها قبل أن يعيرها إياه.
أما إذا أعاره الأرض بدون أن يشترط عليه شيئاً فزرع فيها شجراً أو بنى فيها بناءً ثم طلبها فإن المستعير لا يلزم بالقلع ولا بالهدم إلا ضمن له المستعير ما ينقص من قيمة بنائه وشجرة فإذا ضمن البناء أو الشجر فإن المستعير عليه. وأجرة القلع أو الهدم تكون على المستعير ولصاحب الأرض أن يأخذ الشجر أو البناء بقيمته ولو لم يرض المستعير. وليس للمستعير بقيمتها بدون رضا صاحبها متى رضي صاحبها بدفع النقص أو الشراء وإذا أبى صاحب الأرض أن يدفع بيع الأرض النقص أو يأخذ الشجر أو البناء فإنه لا يجبر على ذلك ولكن للمستعير في هذه الحالة أن يطلب بيع الأرض الأرض له ويجبر المعير على البيع دفعاً للنزاع لأنه أبى قبول الزرع أو البناء بقيمته فعليه أن يبيع الأرض بقيمتها فإذا لم يرض المستعير ولم يرض بالشراء ولم يرض المالك النقص يترك الشجر والبناء قائمين يتفقا.
المالكية - قالوا: تنقسم العارية إى ثلاثة أقسام:
الأول: العارية المقيدة بالزمن كأن يقول له: اعرتك هذه الدار شهراً أو سنة أو نحو ذلك.
الثاني: العارية المقيدة بالعمل كأن يقول له: اعرتك ثوري لتطحن عليه إرباً أو لتحرث به فداناًстр. 1234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أو اعرتك جملي لنتقل عليه جرنك أو نحو ذلك فإن العارية في هذه الأمثلة مقيدة بالعمل الذي استعيرت من أجله.
الثالث: العارية المطلقة وهي ما لا تقيد بزمان أو عمل كان يقول له: اعرتك هذه الأرض أو هذه الدابة أو الدار أو هذا الثوب.
وحكم المقيدة بقسمتها اللزوم إلى انتهاء القيد فليس لصاحبها الحق في استرجاعها قبل فراغ الأجل ونهاية العمل فلا يصح له ان بعيره ثوراً ليحرث له فداناً ثم يأخذ منه قبل نهاية حرث الفدان وهكذا.
وحكم المطلقة أن لصاحبها الحق في ردها متى شاء الراجح ما لم يترتب على ردها ضرر بالمستعير فإذا أعار أرضاً مطلقة فله استراجاعها قبل أن يشغلها المستعير بالزرع متى أرد ولو بعد مضي الزمن الذي جرت العادة به مثل ذلك العادة يعمل بها كالشرط. وذلك هو الراجح.
أما التعويض فهو قيمة ما بنى به من مواد وأجرة عمال إن كانت المواد مملومة له أما إن كان قد اشتراها بغبن فاحش أما إذا اشتراها بغبن فاحش فلا يلزم صاحب الأرض إلا يالقيمة. وكذلك يدفع النقات نفسها إن كان جديداً لم يستعمل ولم تتغير حاله أما إذا مضى عليه زمن كويل فإنه يلزم بدفع قيمته وقت استرداده.
فإذا كانت استعارة الأرض مقيدة بزمن أو لم تكن مقيدة بزمن مضى المعتاد بالنسبة لها فإن صاحب الأرض بالخيار بين أن يأمر بهدم البناء وقلع الشجر وتسوية الأرض كما كانت وبين أن يدفع قيمته انقاضاً بعد إسقاط أجرة من يهدم ويستوي الأرض إذا كان المستعير لا يتولى ذلك بنفسه، فإذا تولى المستعير ذلك بنفسه لا تحسب عليه أجرة الهدم.
الشافعية - قالوا: العارية تنقسم قسمين: مطلقة، مؤقتة بوقت معين وهي عقد جائز من الطرفين فيجوز للمستعير أن يرد العارية كما يجوز لصاحبها أن يطلبها متى أراد إلا في أمور فإنها تكون لازمة.
منها: ان يعيره سفينة لينقل عليها متاعه من شاطئ إلى شاطئ فإنه لا يجوز له ان يستردها في وسط البحر والمتاع موجود فيها، وإنما له أن يستردها قبل أن تقوم ولصاحبها في هذه الحالة أجرة المثل من وقت طلب ردها إلى أن تصل إلى الشاطئ.
ومنها: ما إذا أعاره سترة يضعها أمامه في الصلاة فإنه لا يجوز أن يستردها حتى تنتهي الصلاة.
ومنها: ما إذا أعاره أرضاً لزرعها فإنه لا يجوز له أن يسترد العارية قبل الزرع حصاده.
وإذا أعاره أرضاً للبناء عليها أو لغرس الشجر فإن ذلك يكون على وجهين:
الأول: أن يعيره الأرض للغرس عليها أو البناء بشرط أن بقلع ما غرسه أو يهدم ما بناه عندماстр. 1235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يطلب منه العارية. وفي هذه الحالة يلزم المستعير أن يقوم بالشرط أيضاً وإلا فلا، فإذا امتنع المستعير عن قلعه فللمعير أن يقلعه، وإذا احتاج القلع إلى نفقه صرفها بإذن القاضي فإن لم يجد صرفها بية الرجوع وأشهد على الصرف.
الوجه الثاني: أن يعيره الأرض ليبني عليها أو يغرس فيها بدون أن يشترط عليه القلع او الهدم عند استرجاع العارية. وفي هذه الحالة إن أجابه المستعير وقلع غرسه وهدم بناءه باختبار فذاك، وعليه في هذه الحالة تسوية الأرض وإن لم يشترطها عليه صاحبها لأنه فعل باختياره. وإن امتنع من القلع أو الهدم فلا يجبر عليه وخبر بين ثلاث خصال:
أحدهما: ان يشتري ما بناه المستعير أو رغسه بقيمته بعقد مستقل مشتمل على إيجاب وقبول وبذلك يكون البناء أو الشجر ملكاً لصاحب الأرض.
ثانيهما: أن يقلع الشجر أو يزيل البناء. وبشرط أن يدفع ما ينقصه ثمنه عند بيعه أنقاصاً أو خشباً مقلوعاً فإذا كان يساوي ثمن البناء او الشجر قائماً عشرة وإذا قطع أو هدم بيع ثلاثة كان صاحب الأرض ملزماً بدفع سبعة وأجرة القطع والهدم على المستعير. أما أجرة نقل النقاض فهي على المالك قطعاً.
ثالثهما: أن يبقى الشجر قائماً بأجرة على أن تكون الإجارة مؤيدة لجهالة المدة، فإذا اختار الأجر، كان للمستعير الحق في أن يقلع الشجرة ويغرس بدلها في محلها، وسواء من جنسها أو من غير جنسها.
وإن كان مستأجراً لجميع الأرض فإنه يصح له أن يؤجرها ما بين المغروس. ولا بد من عقد إجارة مستقل على المعتمد فإن لم يتعاقدا قدرت أجرة المثل.
فإن امتنع المالك عن أن يختار واحداً من هذه الثلاث وامتنع المستعير عن أن يقلع باختباره تركا حتى يختار واحد منهما ما له الخيار فيه ويبقى قائماً حتى تنتهي، ولكل منهما أن يدخل لملاحظة ما يخصه بشرط أن لا يترتب على دخوله ضرر وليس لصاحب الأرض حق في الأجرة مدة التوقف على الأوجه.
ويشترط لتخيير المالك بين هذه الخصال ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون في قلع الشجر أو هدم البناء نقص في قيمتها، فإن لم يكن تعيين القلع أو الهدم بلا نزاع فإنه لا ضرر على المستعير حينئذ، وللمالك الحق في الاسيلاء على ملكه لا ضرر.
الثاني: أن لا يكون المستعير شريكاً تعيين بقاء الشجر أو البناء باجرة المثل فليس له القلع مع دفع نقص الثمن لأن معنى الأرض، وليس للمالك حق شرائها بدون رضا مالكها.
الثالث: أن لا يكون ذلك قلع الشجر المملوك لغيرك أو المفروض أنه شريك في كل أجزاء الشجر فيه ثمر قد صلاحه، وفي هذه الحالة يجب انتظار المالك حتى يجنى ثمره ثم يكون له بعد ذلك الخيار.стр. 1236
مبحث ما تضمن به العارية وما لاتضمن
-المستعير أمين في نظر الشريعة الإسلامية، لأن العارية التعاون الموجب للتواد ولا معنى لهذا إلا أن يكون كل واحد منهم ذا غيره على مال أخيه، خصوصاً المستعير فإنه ينبغي له أن يبالغ في المحافظة على العارية التي بذلها له أخوه لمجرد المعونة تقديراً لفضله واعترفاً بما له من جميل إذ لا يليق به أن ينسى منه مالك العارية وسماحته فيستهين بماله ويخونه فيما أباحه له من منفعة فيؤديه بذلك، ومن يفعل ذلك يكون ذئباً ضارياً لا يصح أن يكون فرداً من أفراد النوع الانساني الذي لا بد من التعاون والتواد.
من أجل ذلك كان الشأن في المستعير المانة والحرص على العارية فإذا أصابها تلف أو هلاك فإن المستعير لا يكون مسؤولاً عنها يكون بمنزلة صاحبها.
أما إذا خرج عن طبيعته واستهان بها فهلكت أو تلفت كان مسؤولاً عنها، وذلك في أمور مفصلة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: لا تضمن العارية من غير تعد، فإذا أعار شخص دابته لآخر فلم يرهقها ولم يفرط في حفظها ولم يتعد عليها، فماتت فإنها تضيع على صاحبها ولا يلزم المستعير بدفع شيء؛ وإذا أعاره الدابة وشرط عليه ضملنها كان الشرط باطلاً لا يعمل به وإنما تضمن العارية ويلزم بها المستعير في أمور: منها أن تكون مستحقة للغير.
فإذا استولى شخص على دابة مملومة لغيره، ثم أعارها فهلكت عند المستعير كان المستعير ملزماً بها لأن صاحبها الأصلي لم يعره فعليه ان يدفع قيمتها، ولا رجوع له علىالمعير متبرع لم يأخذ شيئاً ولصاحب الدابة أن يلزم لها المعير ولا رجوع على المستعير.
ومنها: أن يؤجرها المستعير أو يرهنها، فإذا أعاره دابة ليقطع مسافة فأجرها المستعير فهلكت عند المستأجر فإن المستعير يلزم بها المستأجر على المعير إذا كان لا يعلم أنها عارية؛ أما إذا كان يعلم ما يدفعه يضيع؛
وكذا رهن الدابة فهلكت في يد المرتهن فإن للمعير أن يلزم بها المستعير
ويلزم بها المرتهن فإذا دفع قيمتها المرتهن ضاعت عليه ولا يرجع على المستعير بشيء سوى دينه الأول الذي من أجله ارتهن الدابة.стр. 1237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومنها: أن يعير العارية بدون إذن صاحبها إذا كانت من الأشياء التي تختلف باختلاف المستعمل؛ فإذا أعاره دابة ليركبها فليس له أن يعيرها لغيره بدون إذن صاحبها؛ لأن الدابة يختلف حالها باختلاف مستعملها؛ فإن قد يركبها رجل سمين لا تقولاى على حمله؛ ورجل نحيف لا يرهقها السير. وقد يستعملها بعض الأفارد برفق، وبعضهم بقسوة وعنف؛ إلى غير ذلك. فإذا أعار شخص دابته لمن يظن فيه الرفق وحسن الاستعمال؛ فلا يجوز له ان يعيرها لغيره إلا بإذن صاحبها. ومثل الدابة الثوب؛ فإن استعماله يختلف المستعمل، فإذا أعارها لشخص آخر وهلكت كان المستعمر الأول ضامناً أما إذا أذنه صاحبها بإعارتها صراحة قال أعرني
هذه الدابة على أن أركبها وأركب من أشاء أو اعرني هذا الثوب لألبسه أنا وأعيره لغيري هذه الدابة على أن أركبها وأركب من أشاء أو أعني الثوب لألبسه لغيري كما أشاء فإنه في هذه الحالة يجوز له إعارتها وإذا هلكت لا يضمن ومن استعار دابة ونحوها على ان يركبها هو أو يركبها من يشاء بهذا الإطلاق ثم ركبها هو أول مرة فإنه لا يصح له أن يعطيها لغيره ليركبها بعد ذلك وكذا إذا اعطاها لغيره فركبها مرة ثانية فإنه لا يصح أن يستعملها هو فأي الأمرين فعل يعين ابتداء فلا يجوز له العدول عنه إلى غيره.
ومثل ذلك ما إذا استعار ليحمل عليها متاعاً أو ليركبها فإنه متى شاء فعل أحد المرين مرة تعين فلا يجوز العدول عنه إلى الأمر الثاني.
هذا كله إذا كانت العارية تختلف باختلاف المستعمل كما بينا، أما إذا كانت لا تختلف كما إذا أعاره آلة (ميكانيكية) ليحرث بها أرضه، فأعار لجاره مع تساوي الأرضين وضروف العمل من كل وجه لا يضمن.
وإذا قيد المعيرلا يوقت خاص فاستعملها في غير ما قيده فهلكت، فغن كانت مخالفة إلى شر فإنه يضمن وإلا فلا، مثلاً إذا استعارها ليحمل عليها كيساً من الملح، فحمل عليها كيساً من الشعير فماتت فإنه لا يضمن لأن المعلوم أن الشعير أخف من الملح وأهون على الدابة، وكذلك لا يضمن إذا حمل كيساً يساوي وزنه كيس الملح من أي نوع من الأنواع، أما إذا حمل عليها كمية من الحديد يزيد وزنها عن كيس الملح فإنه يضمن.
ومنها: أن تكون العارية مؤقتة بوقت فيمضي وقتها ولا يردها المستعير فتموت وهي تحت يد المستعير فإنه يضمنها وليس له أن يقول إن ربها تركها لأن نفقة الرد على المستعير فيجب عليه ردها عند نهاية الوقت وإلا ضمن بخلاف ما إذا استعار سلعة ليرهنها فإن نفة ردها على صاحبها أن يرجع على المستعير وذلك لأن صاحبها ينتفع برهنها لأنها تصير مضمونة ثم يمسكها المستعير بعد ذلك ثم يردها المستعير يالقيمة ومنها: أن تكون العارية مؤقتة ثم يمسكها المستعير بعد ذلك ثم يردها إلى صاحبها مع آخر فتموت أو تتلف فإن المستعير يضمنها، لأنه تعدى بإمساكها بعد المدة فعليه الضمان، أنا إذا أرسلها قبل مضي المدة فإنه لا يضمن، وذلك لأنه قبل مضي المدة فعليه الضمان، أما إذا أرسلها قبل المدة فإنه لا يضمن، وذلك لأنه قبل المدة يكون باقياً على وصف المستعير يصح له أن يودع على المختار، فإذا أعطاها لأجنبي كانت وديعة عند ذلكстр. 1238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الأجنبي وذلك حق من حقوق المستعير، فإذا هلكت لا يضمن أما بعد مضي المدة فإن المستعير يكون وديعاً وليس للوديع غيره فإذا أعطاها لغيره فهلكت ضمن.
ومن هذا تعلم أنه إذا أرسلها قبل مضي المدة مع الغير فإنه لا يضمن سواء كان ذلك الغير أجنبياً أو خادماً أو غيرهما لأن المستعير له أن يعير في بعض الأحوال فكذلك له الإيداع في باب أولى.
أما بعد انقضاء المدة فإنه يضمن على أي حال سواء أرسلها مع أجنبي أو مع أجيره أو خادمه.
ومنها: أن يستعير قلادة من ذهب ثم يلبسها الصبي لا يحفظ لباسه لعدم تمييزه فإذا سرقت ضمنها لأنه بذلك يكون مفرطاً.
ومنها: أن يضع العارية بين يديه ثم ينام مضطجعاً فتضيع فإنه لتقصيره في حفظها.
أما إذا أخذه النوم وهو جالس فضاعت فإنه لا يضمن لعدم تعمد التفريط في هذه الحالة.
واعلم أن كل أمين ادعى إيصال الأمانة إلى صاحبها فإنه يقبل قوله بيمينه كالوديع إذ ادعى رد الوديعة والمستعير إذا دعى رد العارية وغيرهما.
المالكية - قالوا: العارية إما أن تكون من الأشياء التي يمكن إخفاؤها كالثياب والحلي ونحوهما مما يمكن وضعه في صندوق أو (دولاب) أو نحو ذلك وتسمى (مما لا يغاب عليه) أس مما يمكن إخفاؤه.
وإما أن تكون من الأشياء التي لا يمكن إخفاؤها كالعقار والحيوان ولو صغيراً كاطير فإن هذه الأشياء لا يخفيها الناس (مما لا يغاب عليه) أي وستره عن العين في العادة.
فإن كانت من الأشياء الت يمكن إخفاؤها فإن المستعير يضمنها إذا تلفت أو هلكت إلا قامت البينة على أنها تلفت بغير سببه وأنه ما قصر في حفظها فإذا لم تشهد البينة له بذلك فإنه يلزم بضمان ما ضاع بسرقة أو حرق أو كسر وغيره. أما ما فسد فساداً فإنه يلزم بقيمة النقص الذي وإن كان الفساد كثيراً ضمن الكل.
وإذا شرط المستعير نفي الضمان عن نفسه فهل يصح شرطه أو لا؟ خلاف: والأرجح أن شرطه لا يقبل، عليه ضمان ما ضاع أو فسد ولو شرط براءته من الضمان ابتداء، فيغرم المستعير قيمة العارية يوم ضياعها إن كان ذلك اليوم معروفاً للشهود. فإذا شهد الشهود انهم رأوها عنده منذ خمسة أيام، وكانت تساوي في ذلك التاريخ عشرة يلزم بالعشرة، أما إذا لم يرها أحد ولم يعلم تاريخ فقدها فإنه يلزم بقيمتها يوم إعارتها فإن كانت تساوي يوم إعارتها عشرة وتساوي وقت ادعاء ثمانية يلزم المستعير يالعشرة، وإن كانت وقت إعارتها تساوي عشرة ووقت ادعاء ضياعها تساوي ثمانية يلزم بالأكثر فيغرم العشرة. على أنه إنما يدفع قيمتها كاملة إذا لم يكن استعماله إياها في مدة الاستعارة بما هوстр. 1239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) مأذون فيه غير منقص لقيمتها، أما إذا كان منقصاً لقيمتها بعد إسقاط ذلك النقص لأنه مرخص له فيه فأصبح حقاً من حقوقه.
أما إذا كانت العارية من الأشياء التي لا يمكن غخفاؤها فإن المستعير لا يضمنها وإذا شرط عليه المعير الضمان. ويكون شرطه لغواً لا قيمة له ولكن يكون عليه الضمان إذا استعملها المأذون له فيه من صاحبها أو أقل منه مساوياً له، فإذا أعاره دابة ليحمل عليها أردباً من البر مصر إلى القناطر الخيرية مثلاً فحمل عليها ذلك الإردَبّ بعينه فعطبت فإنه لا يضمن، وكذا إذا حمل عليها إردَبّاً مثله في الثقل كإردَبّ من العدس ومن باب أولى وإذا حمل إردَبّاً أخف منه كإردَبّ من الشعير فإنه في هذه الأحوال لا يضمن.
أما إذا حمل ما هو أثقل من المباح له كأن حمل حجارة أو ملحاً بدل الحنطة فعطبت به فإنه يضمن.
ومثل ذلك ما إذا اكترى دابة لحمل أو ركوب فأكراها لغيره فإن مثل ما اكتراها له فعطبت فإنه لا يضمن، وإن في أثقل فإنه يضمن.
الشافعية - قالوا: لا يضمن المستعير العارية إذا تلفت كلها أو بعضها إلا بعضها إلا إذا استعملها استعمالاً غير مأذون فيه فإذا أعاره دابة فحجمل عليها متاعه وأزعجها بالسير فانطلقت تعدو حتى وقعت في حقفرة فماتت فإنه يضمنها لأن موتها تسبب عن استعمال غير مأذون فيه.
أما إذا ماتت حال الاستعمال المأذون فيه كما إذا حمل عليها القدر الذي أذن له فيه صاحبها أو أقل منه أو مساوياً ولم يزعجها بالضرب ونحوه ولكنها عطبت بسبب ذلك القدر المأذون فهلكت فإنه لا يضمن.
أما إذا هلكت بسبب آخر المأذون باستعماله فإنه يضمن.
كما إذا استعار لاستعماله في ساقيه الثور في الساقية فإنه يضمنه مات بسبب غير الاستعمال فإنه يضمنه لأنه مات بسبب غير الاستعمال المأذوم فيه.
وإذا أعاره ثوباً فذاب من الاستعمال فإنه لا يضمنه.
أما إذا نام به فبلي فإنه يضمنه لأنه لم يأذنه يالنوم فيه.
وإذا اختلفا في كون التلف من الاستعمال المأذون فيه أو لاصدق المستعير بيمينه على المعتمد لأن الأصل براءة ذمته.
ولا يشترط في الضمان أن تكون العارية في يد المستعير بل يضمن ولو كانت في يد صاحبها.
مثال ذلك أن يطلب شخص من آخر أن يحمل متاعه على دابته وهو سائر وليس عليها شيء فيجيبه إلى طلبه ويسيراً معاً. وبذلك تكون الدابة عارية لصاحب المتاع فإذا أزعجها بالسير فعطبت وماتت ضمنها المستعير. أما إذا ماتت بثقل الحمل فإنه لا يضمن.стр. 1240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإذا استعار عارية بشرط عدم الضمان يفسد العقد على النعتند.
والضمان بالقيمة لا بالمثل وإن كانت العارية من المثليلت كالخشب والحجر. وبعضهم يقول بل الضمان بالمثل في المثليات. ولكن إليه وقت تلفه حتى لا يكلفه يدفع ما أذهبه بالاستعمال المأذون له فيه في الماضي.
وإذا اكترى شخص دابة من آخر ثم أعارها لغيره فهلكت في يد المستعير فإنه لا يضمن لأنه أعار المنفعة التي يستحقها والرقبة غير مملوكة له.
الحنابلة - قالوا: العارية متى قبضها المستعير في ضمانا كان الشرط فاسداً لا يعمل به.
ويستثنى من ضمان العارية كتب العلم الموقوفة.
فمن استعار كتاباً موقوفاً وتلف بغير تعد ولا تفريط لم يكن ملزماً به لأن المستعير أحد الموقوف عليهم طبعاً. فتلف الكتاب في يده بلا تعد ولا تفريط يرفع عنه الضمان.
وبخلاف ما إذا كان الكتاب مملوكاً أو موقوفاً على معين فإذا تلف عنده ضمنه.
وإذا تلفت العارية بالاستعمال أو بطول الزمن فإنه لا يضمنها لأن الأذن في الاستعمال الائق بالشيء إذن باستهلاكه.
ولا يشترط في العارية تعيين نوع الانتفاع فإذا أعاره عارية مطلقة فله أن يستعملها بما جرت به العادة والعرف.
وإذا استعمله في غير ما جرى به العرف كما إذا أعاره ثوباً فاستعمله في الاستظلال به من الشمس فإنه يضمن ما نقص من قيمته بسبب ذلك الاستعمال.
وليس للمستعير أن يعير غيره أو يؤجر إلا بإذن مالك العارية فإذا فعل وتلفت العارية عند الثاني كان لصاحبها أن يلزم بها من شاء منهما. ولكن الرجوع على الثاني.
وإذا أجر المستعير العارية بإذن صاحبها فالأجرة لصاحبها) .стр. 1241
مباحث الهبة
تعريفها
-كل من شأنه أن يقرب من قلوب الناس فيها المحبة ويؤكد روابط الود مطلوب في نظر الشريعة الإسلامية ويتفاوت طلبه بتفاوت حاجة الناس إليه، فما كان لازماً ضرورياً لحياتهم كان القيام به فرضاً لازماً على كل فرد من الأفراد كزكاة الأموال التي فرضها الله تعالى بقوله: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾ لأن لا بد منه في هذه الحياة الدنيا أن يوجد أفراد بين الناس عاجزون عن سلزك سبل الحياة وتحصل الضروري من القوت.
فمن المفروض إنقاظ هؤلاء وإعطائهم ما يدفع غائلة الجوع والعري.
أما ما زاد على ذلك من إنفاق المال وبذله، فهو مندوب، لما فيه من إيجاد التألف والتحاب.
فالهبة مندوبة رسول الله ﷺ "تهادوا تحابوا"
فمن تصدق بهيبته التحبب إلى الناس روابط الأخوة الإسلامية التي قال الله تعالى في شأنها ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ وقصد امتثال النبي ﷺ فإنه يثاب على هبته بقدر نيته.
أما من وهب ماله أو اهاده لغرض خسيس لا يقره ورسوله فإنه يعاقب بقدر نيته. كما قال رسول الله ﷺ "إنما الأعمال بالنيات"
ومعنى الهبة في اللغة التفضل على الغير ولو مال قال الله تعالى: (فهب لي من لدنك ولياً) .
أما معناها في اصطلاح الفقاء ففيه تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: الهبة تمليك العين بلا شروط العوض في الحال.
ومعنى ذلك ان الشخص الذي يملك عيناً صحيحاً يصح له أن يملكها غيره من غير أن يتوقف ذلك التمليك على عوض يأخذه صاحب العين المرهوب له.
وهذا لا ينافي أن للمالك أن يهب تلك العين بشرط أن بأخذ عوضاً وهي الهبة بشرط العوض.
لأن الغرض نفى كون مشروطاً في صحة الهبة.стр. 1242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أما كونها قد لا يفعلها إلا الوض فذلك كما إذا قال له وهبتك هذه الدار بشرط أن تعطني مائة جنيه.
فقوله تمليك جنس يشمل البيع والهبة وغيرهما.
وقوله العين فصل يخرج تمليك المنافع من إجارة وعارية ونحوهما. ولكنه يخرج هبة الدين لغير المدين لأن الدين لا يسمى عيناً.
فإذا كان لشخص مائة جنيه ديناً على آخر فوهبها لشخص آخر وأمره بقبضها فإن الهبة تصح لأن الموهوب له أن بقبض المائة أولاً بالنيابة عن صاحبها ثم يكون قابضاً لها عن نفسه لأنها موهوبة له.
نعم لا تصح الهبة إلا إذا امره بالقبض. ولا تلزم إلا بالقبض فإذا رجع الواهب قبل القبض بطلت الهبة.
الجواب: ان الدين وغن كان لا يسمى عيناً وهو دين إلا أنه يصير مالاً بعد أن يأذنه بالقبض ثم يقبضه بالنيابة فإنه يصير بعد ذلك عيناً لا ديناً فتصح هبته فالمراد ما هو في الحال أو المآل.
أما هبة الدين لمن عليه الدين فإنها ليست هبة حقيقة بل هي مجاز عن إبرائه من الدين فهي إسقاط وإن كانت بلفظ الهبة.
وقوله بلا شرط العوض، فصل أخرج البيع ونحوه مما يشترط فيه العوض، ولكن تدخل فيه الصدقة لأنها تمليك العين بلا عوض.
وأجاب بعضهم بأن التعريف هنا تعريف بالأعم وهو جائز في مثل هذه التعارف وقد يقال إن الصدقة ملاحظ فيها وجه الله تعالى فقط.
أما الهبة فيلاحظ فيها خاطر الموهوب له سواء كان ذلك مع ملاحظة وجه الله أو لا كما يقول المالكية فإذا لوحظ ذلك في التعريف يكون حسناً.
وقوله: في الحال فصل يخرج الوصية لأنها تمليك بلا عوض في المستقل.
المالكية - قالوا: الهبة تمليك لذات بلا عوض لوجه الموهوب له وحده وتسمى هدية.
ومعنى ذلك أن الشخص الذي عيناً ملكاً صحيحاً له أن يملكها غيره بدون مقابل يأخذه مرضاة لذلك الشخص بقطع النظر عن الثواب الأخروي فالتمليك على هذا الوجه يسمى هبة.
فقوله تمليك جنس يشمل الهبة والبيع ونحوهما.
وقوله: لذات فصل يخرج المنافع كالعارية والوقف ونحوهما.
وقوله: بلا عوض فصل يخرج ونحوه مما يشترط فيه العوض.стр. 1243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقوله: لوجه الموهوب له الخ فصل الصدقة لأنها تمليك لوجه الله تعالى وحده أو تمليك بقصد مرضاة الشخص ومرضاة الله على الراجح.
وقيل الصدقة هي ما قصد بها ما قصد بها وجه الله وحده بدون ملاحظة المعطى (بالفتح) .
الشافعية - قالوا: الهبة تطلق على معنين:
أحدهما: عام يتناول الهدية والصدقة.
ثانيهما: خاص بالهبة ويقال لها ذات الأركان.
فالمعنى تمليك تطوع حال الحياة فالتمليك خرج عنه ما ليس فيه تمليك كالعارية والضيافة والوقف لأنها إباحة وخرج بالتطوع التمليك القهري كالحاصل بالبيع، هل الزكاة والنذر والكفارة كالبيع يقع فيها التمليك قهراً أو هي لا تمليك فيها بل هي من قبيل وفاء الدين؟
والجواب: أن المستحقين في هذه الأشياء ملكهم قبل ان تدفع إليهم فإذا حال الحول على المال أصبح ملك المستحقين للزكاة متقرراً في ذمة المكلف فإعطاؤها للذمة لا تمليك جديد ومثلها النذر والفارة. وقوله الحياة أخرج الوصية.
فالمتطوع بتمليك ماله من غير عوض حال حياة يقال له: مصدق ومهدي وموهب أما المعنى الخاص فهو مقصور على الهبة وهو تمليك تطوع في حياة لا لإكرام ولا ثواب أو احتاج بإيجاب وقبول.
فقوله: لا لأجل ثواب أو احتياج أخرج الصدقة لأن المقصود منها الثواب الأخروي أو سد حاجة الفقير.
وكذلك قوله بإيجاب وقبول فإن الصدقة والهدية لا يشترط فيها الإيجاب والهبة بهذا المعنى هي مقصودة عند الإطلاق.
ومن هذا تعلم أن الصدقة هي تمليك تطوع حال الحياة لأجل الثواب أو الاحتباج، وهذا المعنى يسمى هبة، والهدية تمليك تطوع كذلك لقصد الإكرام الخ. وهذا المعنى يُسمى هبة أيضاً فكل صدقة هبة، وكل هدية هبة.
أما الهبة بالمعنى الخاص فلا تسمى صدقة ولا هدية. فإذا حلف لا يتصدق أو لا يهدي ثم وهب بالمعنى الخص فإنه لا يحنث.
أما إذا حلف لا يهب ثم تصدق أو أهدى فإنه يحنث.
ويمكن اجتماع الثلاثة فيما إذا أعطى له شيئاً إكراماً وقصد ثواب الآخرة تأتى بإيجاب وقبول فهذا يقال له هبة وصدقة وتنفرد فيما إذا يقصد الثواب أو الإكرام ويأتي بالإيجاب والقبول.стр. 1244
مبحث أركان الهبة وشروطها
-أركان الهبة ثلاثة: عاقد وهو الواهب، والموهوب له، وموهب وهو المال، وصيغة. وكل ركن من هذه الأركان له شروط مفصلة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية قالوا: الهبة ركن واحد وهو الصيغة، وهل هي الإيجاب والقبول معاً أو الركن الإيجاب فقط ليس ركناً، فإذا قال: وهبت داري لفلان صحت الهبة ولو لم يقبل الموهوب له؟ خلاف. فمنهم من يقول: إن الهبة تصح بمجرد الإيجاب والدليل على ذلك أنه لو حلف أن لا يهب شيئاً من ماله، ثم وهب ولم يقبل الموهوب له فغن يحنث فلو لم تصح الهبة بمجرد الإيجاب لما حنث.стр. 1245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومنهم من يقول لا بد من القبول قولاً فلا تصح الهبة إلا به، أما حنثه بمجرد الإيجاب المذكور فإنه مبني على أن غرض الحالف بقوله: والله لا أهب عدم إظهار الجود فإذا أظهره فقد حنث وقد أظهر بمجرد الهبة وإن لم تتحق ماهيتها.
والدليل على ذلك أنه ألقى مالاً في الطريق ليكون لمن يرفعه فإنه يصح ويكون هبة. وقد عرفت أنه لا يشترط أن يكون الإيجاب والقبول لفظاً، فلو قال شخص لولديه وهبت هذه الدابة لأحدهما فأيكما أخذها تكون له فأخذها أحدهما صحت الهبة. وتنعقد الهبة بالتعاطي، فإذا كان معروفاً بين اثنين أحدهما قد وهب دابته للآخر فأعطاها المالك فأخذها بدون أن يتلفظا بالإيجاب والقبول فإنه يصح.
الحنفية - قالوا: شروط الهبة انواع:
نوع يتعلق بالركن المذكور، ونوع بالموهوب وهو المال يتعلق بالواهب.
فأما الذي يتعلق بالركن فهو أن لا يكون معلقاً على شيء غير محقق الوقوع كقوله: وهبت لك هذه الدار متى حضر أخوك من السفر، أو إن أمطرت السماء أهب لك هذه الدابة أو نحو ذلك لأن الحضور من السفر ونزول المطر أمر محتمل. وأن لا يكون مضافاً إلى وقت بأن يقول: وهبت لك هذا الشيء غداً أو أول الشهر أو نحو ذلك.
ومن ذلك ما إذا قال له: داري لك رقبي (بضم الراء القاف) وعناه إن مت أنا فهي لك وإن مت أنت فهي لي فهي معلقة بموت صاحبها وهو يحتمل أن يموت قبل الموهوب له وبعده، فهي معلقة على أمر غير محقق، فلذا كانت غير صحيحة، وإذا كانت هبة غير صحيحة فتكون عارية، وسميت رقبى لأن كلاً منهما يرقب موت صاحبه، وقيل تكون هبة ويلغو الشرط، أما الألفاظ التي تنعقد بها الهبة فهي كل لفظ يدل على تمليك الرقبة كقوله: وهبت لك هذه الدار أو نحلت بمعنى أعطيت أو أعطيت أو أطعمتك هذه الغلة، ومثل ذلك ما إذا أضاف إلى جزء يعبر عنه الكل كقوله: وهبت لك رقبة هذه الدابة أما إذا أتى بلفظ يدل على تمليك المنفعة كانت عارية كقوله: أعرتك هذه الدار أو أطعمتك هذه الأرض لأن الأرض لا تطعم وإنما تطعم الغلة فتدل هذه العبارة على إعارة الأرض لا على تمليكها وإذا أتى يحتمل الأمرين ينظر إلى نية القائل مثل أن يقول: حملتك على هذه الدابة أو أعمرتك هذه الدار أي جعلتها لك طول عمرك فإن المحل يحتمل أن يراد به إعارتها مؤقتاً ويحتمل أن يكون دائماً.
وأما قوله: جعلتها لك طول عمرك أو عمري فإنه يحتمل أن يريد جعل له منفعتها أو جعل له رقبتها. فإذا دفعها إليه ونوى الهبة وإلا كانت عارية.стр. 1246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإذا قال له: ملكتك هذه الدار أو هذا الثوب فإنه لا يكون هبة إلا إذا قامت قرينة على الهبة لأن التمليك يصدق على البيع والهبة والوصية، وبعضهم يقول إنها هبة.
وإذا قال: جعلت هذا البستان باسم ابني، ولم يقل جعلته له، فقيل: يكون هبة وقيل لا يكون والظاهر أنه يكون هبة لأن العرف جار على ذلك.
بل لو قال: غرسته باسم ابني فلان ولم يقل جعلته يكون هبة لأن العرف على انعقاد الهبة بمثل ذلك.
وأما الشروط المتعلقة بالواهب فأمور:
منها: أن يكون حراً فلا تصح هبة الرقيق.
ومنها: أن يكون عاقلاً محجور عليه فلا تصح هبة المجنون والمحجور عليه.
ومنها: أن يكون بالغاً فلا تصح هبة الصغير.
ومنها: أن يكون بالغاً فلا تصح الصغير.
ومنها: أن يكون مالكاً للموهوب، فلا تصح ما ليس بمملوك.
أما الموهوب له فإنه لا يشترط فيه، وذلك الهبة للصغيرة ونحوه.
نعم إن كان الواهب يعول الصبي كالأخ عدم الأب فإن الهبة تتم بالإيجاب وحده.
أما إذا وهب له أجنبي فإن الهبة لا تتم إلا بقبض الولي وهو أربعة:
الأب ثم وصيه، ثم الجد، ثم وصي الجد.
وعند عدم وجود أحدهم تتم بقبض من يعوله كعمه وامه وأجنبي. فإن كان الصبي مميزاً فإنها تتم بقبضه هو ولو وجود أبيه لأنها من مصلحته.
وأما الشروط التي تتعلق بالموهوب فأمور:
منها: أن يكون موجوداً وقت الهبة، فلا تصح ما ليس بموجود وقت العقد بان وهب له ثمر بستانه في العام المقبل أو ما تلد أغنامه بعد حملها.
ومن ذلك ما يفعله العوام من هبة ما تلده الغنم أو البقر للولي أو للمسجد فإنها هبة باطلة.
ومثل ذلك ما لو وهب له الزبد الذي يخرج من هذا اللبن أو الدهن الذي يخرج من هذا السمسم، أو الدقيق الذي يخرج من هذه الحنطة، فإن هبة كل ذلك لا تصح حتى ولو قال له: سلطتك على قبضها عند وجودها لأن المعدوم لا تصح هبته على أي حال.
أما إذا كان موجوداً فغن هبته تجوز ولو كان متعلقاً بشيء آخر.
كما إذا وهب له الصوف الذي على ظهر الغنم، ثم جزه وسلمه إياه فإنه يصح وتكون الهبة لازمة.стр. 1247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومنها: أن يكون الموهوب مالاً فلا تصح هبة ما ليس بمال أصلاً كالميتة والدم والخنزير وصيد الحرم وغير ذلك، كما لا تصح هبة المال الذي لا قيمة له في نظر الشرع كالخمر.
ومنها: أن يكون الموهوب مقبوضاً، وهذا الشرط للزوم الهية وثبوت الملك للموهوب له فلا يثبت له الملك بالقبض.
ومنها: أن يكون الموهوب مشاعاً فيما يقبل القسمة. فإذا وهب له نصف دار غير مقسوم فإن الهبة لاتصح.
فإذا أراد شخص أن يهب للآخر نصف دار فعليه أن يقسمها أولاً، فإن تهسر عليه قسمتها فيمكنه أن يبيعه النصف بثمن معين ثم يبرئه من الثمن.
أما الذي لا يمكن قسمته كالحمام والآلات البخارية ونحوها، فإنه تصح هبة المشاع فيها بشرط أن يكون قدره معلوماً.
وإذا وهب له مشاعاً فيما يقبل القسمة وسلمه له قبل القسمة فإن الموهوب له لا يملكه بالقبض، وإذا تصرف فيه لا ينفذ تصرفه ويكون عليه ضمانه وإنما التصرف للمالك الأصلي
وبعضهم يقول: إنها تملك بالقبض لأنها هبة فاسدة والفاسدة يملك بالقبض.
وعلى كل فقد أجمعوا على أن لصاحبها الرجوع بعد القبض في هذه الحالة.
وإذا مات الواهب كان لوارثه حق الرجوع، على أن الصحيح أن هبة المشاع قبل قسمته لاتفيد الملك بالقبض.
ومنها: أن لا يكون الموهوب مشغورلاً بملك الواهب، فإذا وهب لابيه بستاناً على أن الثمر الذي عليه للمواهب فالهبة لاتصح.
ومثل ذلك ما إذا وهب فيها متاع للواهب. فإنه لا يصح بل عليه أن يفرغها أولاً من متاعه.
ومنها: أن يكون الموهوب مملوكاً للواهب فلا تجوز هبة الأشياء المباحة كالماء والعشب كما لا تجوز هبة ملك الغير بدون إذنه.
المالكية - قالوا: يشترط في الواهب أن يكون أهلاً للتبرع، وهو من اجتمعت فيه أمور:
ثانهيما: أن لا يكون مديناً بدين يستغرق كل ماله وهبته وإن كانت تصح إلا أنها تقع موقوفة على إجازة رب الدين فإن أجازها فإنها تنفذ فهذا لنفاذها.
ثالثهما: أن لا يكون مجنوناً ولا سكراناً. فلا تصح هبتها.
رابعهما: أن لا يكون مرتداً فلا تصح.
خامسهما: أن لا يكون زوجة فيما زاد على ثلث مالها.стр. 1248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فإذا وهبت المرأة من ثلث مالها الهبة موقوفة على إذن زوجها أما إذا وهبت الثلث فأقل فإنه يصح ويفذ بدون إذن الزوج فهذا شرط نفاذ أيضاً.
سادسها: أن لا يكون مريضاً مرض الموت فيما زاد على الثلث فإذا وهب المريض زيادة عن ثلث ماله انعقدت هبته موقوفة على إذن الوارث.
ويشترط في الموهوب شروط:
منها: أن يكون مملوكاً فلا تصح هبة ما لاتصح ملكه كالكلب الذي لم يؤذن في اقنائه، كما لا تصح هبة ملك الغير بدون إذنه.
فإذا وهب شخص ملك غيره لم تنعقد الهبة بخلاف ما إذا باع ملك غيره فإنه يقع صحيحاً موقوفاً على إجازة المالك. وبعضهم يقول: إن هذه الأمور كالبيع فمتى أجازها المالك نفذت لأنها تكون في الحقيقة صادرة منه في هذه الحالة.
ومنها: أن يكون الموهوب من الأشياء القابلة من ملك إلى ملك في نظر الشارع هبة الاستمتاع بالزوجة لأن نقل هذا الاستمتاع ممنوعاً شرعاً ومثل ذلك هبة أم الولد. وتصح هبة جلود الأضاحي لأنها وإن كانت لا يصح بيعها فلا تقبل النقل بالبيع ولكن يصح إهداؤها والتبرع بها فتصح هبتها.
ولا يشترط في الموهوب أن يكون معلوماً فيجوز أن يهب مجهول العين والقدر ولو كان يظن أنه يسير فظهر له أنه كثير وهب من عمه لشخص وكان لا يعرف قدره ويظن أنه يسير فاتضح أنه كثير فإن الهبة تصح.
وكذا إذا وهبه ما في جيبه وهوز يظن أنهاعشرة قروش فيه جنيهاً أو جنيهين فإن الهبة تصح وليس للواهب الرجوع على المشهور.
وأما الصيغة فهي كل ما يدل على التمليك من لفظ أو فعل ولا فرق بين أن تكون دلالة اللفظ صريحة أو لا. مثال اللفظ الصريح ملكت. ومثال اللفظ الذي يدل على التمليك فهماً لا صراحة خذ هذه الدار مثلاً.
ومثال الفعل أن يمنح الأب أو الأم ولدهما حلياً سواء كان الولد أو انثى أو صغيراً فإذا اشترى الأب لأحد أبنائه من ذهب أو خاتماً من الماس أو حلى له مصحفاً بالذهب أو اشترى لبنته حلقاً ذهب أو أساور من الماس أو لبنة من ذهب أو غير ذلك كان مملوكاً للابن بطريق الهبة فإذا مات الأب لا يصح للورثة أن ينازعوه فيه ومثل الأب في ذلك الأم ولا يطالب الولهب بالاشهاد على ذلك لأن الاستعمال الحلي المشتري في حال الوالد أو الوالدة قرينة على التمليك إلا إذا أشهدстр. 1249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الواهب سواء كان أباً أو أماً بأن هذا الحلي ليس نعطى للولد بطريق التمليك بل ليستمتع به فقط فإن في هذه الحالة لا يكون مملوكاً.
وعلى عكس ذلك الزوجة فإن زوجها إذا اشترى لها حلياً ولبسته يحمل على أن الغرض من ذلك تزيينها لاتمليكها إلا إذا أشهد على أنه ملك لها، هذا إذا كانت عنده، أما ما جرت به العادة من إرسال متاع العروس وهي دار ألبها فإن سماه عارية كان كذلك وإن سماه هدية كان هبة وإن لم يسم شيئاً يحما على الهدية.
ومثل الحلي في ذلك ما اشترى لولده دابة ليركبها أو كتب علم يحضر فيها أو سلاحاً يتزين به أو ثياباً فاخرة يلبسها أو نحو ذلك.
وإذا قال بولده ابن هذه الخبرة لتكون داراً وقال: إن هذه الخبرة دار ابني فلان فإن ذلك لا ينعقد به الهبة لأن العرف ينسب ملك الأب للابن وأمره ببنائها لا يقتضي التمليك.
ومثل ذلك ما إذا قالت المرأة لزوجها: ابن هذه التجربة لأنها دارك.
أما إذا قال الأجنبي لغيره ذلك فإنه يحمل على التمليك. فإذا بنى الابن أو الزوج الخبرة من ماله ومات الأب أو الزوجة فإن للباني قيمة بنائة منقوضاً لأنه يكون عارية وقد انقضت بموت الأب أو الزوجة.
هذا وتملك الهبة بلإيجاب والقبول أما قبضها في تمليك الموهوب على المشهور. فإذا قال المالك: وهبت هذه الدار لفلان وقبلها أصبحت الدار مملوكة له بحيث لا يصح للواهب الرجزع فيها بعد ذلك واذا امتنع عن تسليمها ولو برفع الأمر للحاكم.
وبعضهم يقول: يشترط في تمام الهبة القبض والحيازة فإن عدم القبض فإنها لا تلزم وإن كانت صحيحة.
ويجوز تأخير القبول عن الإيجاب فإذا وهب داراً فسكت عن قبولها ثم قبلها بعد ذلك فإن له ذلك.
وليست العمرى هبة وانما هي تمليك المنفعة مدة حياة المعطَى - بالفتح - أو المعطِي (بالكسر) - بلا عوض إنشاء والعمرى يضم العين وسكون الميم معناه مدة العمر وهي عند الإطلاق تحمل على عمر المعطي فإذا قال: عمرتك داري كان معناه أعطيك داري لتنتفع بها طوا عمرك.
والعمرى مندوية لأنها إحسان فإذا كانت في نظير عوض كانت إجارة فاسدة لأن مدة عمره مجهولة فزمن الإجارة مجهولة. وهي من قبيل الوقف على زيد مدة حياته فيخرج بها الوقف المؤبد أو المؤقت بزمن معين.
ولا يشترط فيها لفظ الإعمار بل كل ما يدل على تمليك المنفعة في عقار أو غيره مدة عمر المعطى - بالفتح - يكون عمرى.стр. 1250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) كقوله: أعرتك داري أو ضيعتي أو فرسي أو سلاحي. وأعطيت أو أيكنت ونحوه ولكن إذا قال له: أعطيت فإنه لا بد من قرينة تدل على الإعمار، بأن يقول: أعطيتك سكنى داري أو غلة أرضي مدة حياتك. فإن لم يفعل ذلك كانت هبة لا عمرى.
فإذا مات المعطى - بالفتح - رجعت الدار ونحوها ملكاً للمعطي - بكسر - إن كان حياً ولوارثه من بعده إن كان قد مات.
أما الرقبى وهي أن يقول شخص لآخر: داري لك إن مت أنا قبلك تضعها إلى دارك ودارك لي إن مت أنت قبلي أضمها إلى داري، فهي باطلة، فإن وقع ذلك قبل موت أحدهما فسخ العقد وإن علم بعد الموت رجعت الدار للورثة ولا يعبأ بالعقد.
الشافعية - قالوا: يشترط في الواهب شروط: منها أن يكون ملكاً حقيقة أو حكماً والملك الحكمي هو كملك صوف الأضحية الواجبة بالنذر فإنها وإن كانت عن ملكه بالنذر إلا أن اختصاصاً فيصح له أن يهب صوفها.
ومثل ذلك هبة الضرة ليلتها لضرتها فإنها مملوكة لها حكماً. ومنها أن يكون مطلق التصرف في ماله فلا تصح الهبة من المحجور عليه لصغر أو سفه أو جنون. ومنها غير ذلك مما تقدم في البيع. ويشترط في الموهوب له أن يكون أهلاً للتملك. وهل يكفي في ذلك التمييز بحيث لو أهدى رجل بالغ صبياً مميزاً شيئاً وقبله تصح الهبة ويملكه الصغير أو لا؟
والجواب إن الصغير لا يملك بالقبول ولكن لا يحرم الدفع له إلا إذا قامت قرينة بأن الوالي لا يرضيه ذلك خوفاً من تعويد الصبي على التسفل والدناءة كان كذلك فإنه إعطاء الصبي شيئاً بدون رضاء وليه.
وتصح الهبة للمحجور عليه ويقبض له أو الحاكم إن يكن له ولي وعلى الوالي أن يقبل وهب لمحجوره فإن لم يفعل انعزل سواء وصياً أو قيماً.
أما الأب فإنهما لا يعزلان عن الولاية بعدم قبول الهبة. ولابد لملك الهبة من القبض فإذا وهب الجد أو الأب ابنه شيئاً لا يملكه إلا إذا قبضه عنه. وطريق قبضه أن ينقله من مكان إلى مكان.
ولو مات الواهب أو الموهوب له قبل القبض لا تنفسخ ويقوم الوارث مقام الأصل في ذلك. ويشترط في الصيغة الشروط التي تقدمت في البيع.
ومنها أن يكون مطابقاً للإيجاب على المعتمد فإذت وهب له نعجتين فقال أحدهما: لم تصح الهبة لعدم المطابقة بين الإيجاب والقبول.
ومنها: أن يكون القبول عقب الإيجاب فوراً وأنه الفصل إلا بالأجنبي فإذا قال له: وهبت لك وسلطتك على القبض فقال له: قبلت فإن الفصل بقوله وسلطتك لا يضر لتعلقه بالعقد.стр. 1251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومنها: أن لا يعلق العقد فلا يصح أن يقول له: وهبت لك هذه الدار إن قدم فلان أو وهبت لك هذه الدابة أول الشهر وإذا وهبه شيئاً على أن يرجع إذا احتاج إليه فإنه لا يصح.
وتصح الهبة بعمرى ورقبى فالعمرى كأن يقول له: أعرتك هذا المنزل أي جعلته عمرك فإن مت رجع لي والرقبى كأرقبتك هذا أو جعلته لك رقبى على معنى إن مت قبلي عاد وإن مت قبلك كان لك فالهبة في هذا صحيحة والشرط لغو لا قيمة ولا تملك الهبة إلا بالقبض بإذن الواهب، فإذا قبض بغير إذنه بأن وضع يده على الموهوب كان عليه ضمانه ولو أذن له ورجع الإذان قبل أن يقبض بطل الإذن ومثل ذلك ما إذا مات أحدهما قبل القبض.
ولا يطفي في القبض أن يضع الموهوب بين يدي الموهوب له بل لا بد من الإذن.
الحنابلة - قالوا: اشترط في الواهب أن يكون جائز التصرف فلا تصح من سفيه ولا صغير ولا عبد ونحوهم كسائر التبرعات فإذا وهب الصغير أو السفيه فلا تصح هبتهما وإن أجاوها الولي أما العبد فتجوز هبته بإذن سيده.
ويشترط في الموهوب له أن يكون أهلاً للتصرف قبول الهبة من صغير ولو كان مميزاً كما لا يصح قبضه للهبة ومثله المجنون؛ فيقبض ويقبل لهما وليهما.
فالأب العدل ولو ظاهر يقوم مقامهما فإن لم يوجد لهما ولي أو وصي يقبل عنهما الحاكم أو من يقيمونه مقامهم وعند عدم الأوليلء يقبضهما
أو من يليهم من قريب.
ويشترط في الموهوب أن يكون معلوماً فلا تصح هبة المجهول إلا إذا تعذر علمه كما تقدم فلا تصح الحمل في البطن واللبن في الضره والصرف على الظهر وإذا أذن صاحب الشاة في جز الصوف ولبن الشاة كان إباحة ومثل ذلك هبة الدهن في السمسم والزيت في الزيتون فإنه لا يصح هبتهما قبل عصره.
ويشترط في الموهوب أيضاً أن يكون موجوداً فلا تصح هبة المعدوم كهبة الثمر قبل أن يبدو.
وأن يكون مقدوراً على تسليمه فلا تصح هبة ما لا يصح بيعه وبعضهم يقول: تصح هبة الكلب المأذون فيه والنجاسة التي يباح الانتفاع بها.
واما الصيغة فالشرط فيها أن تكون بما يدل على الهبة عرفاً من لفظ كوهبت وملكت ونحوهما أو فعل كتجهيز ابنته هبة بالفعل ويصح تعليقها على شرط مستقبل كقوله: إن جاء رأس الشهر وهبتك.
وإذا علق على الموت كقوله: إن مت وصية.
ولا يصح توقيت الهبة بوقت كقوله: وهبتك هذا الثوب شهراً. ويستثنى من ذلك العمرى والرقبى فإن الهبة بهما جائزة وقد تقدم بيانهما في المذاهب النتقدمة فارجع إليهما. وهل الهبة تصح ويملكстр. 1252
مبحث في هبة الدين
-إذا كان لشخص دين عند آخر له هذا الدين أو وهبه لأجنبي فإنه لا يجوز على تفصيل في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: هبة الدين جائزة.
فإذا قال له: وهبت لك الدين الذي لي عليك فإنه يصح ولكن هبة حقيقية لأن الهبة يشترط فيها إن يكون عيناً لاديناً فهي مجاز عن إسقاط الدين عنه وإن كانت بلفظ الهبة كما تقدم.
ويتم اسقاط الدبن بمجرد قول الواهب وهبت لك الدين فلا يشترط قبول المدين.
فإذا لم يقبل المدين ورد الهبة فإنها ترتد ويبقى الدين عليه على المختار.
هذا إذا كان كفيلاً فوهب له صاحب الدين دينه الذي كفله فإن الهية تصح بشرط القيول.
واذا رفض هذه المنحة فإن رفضه يصح.
إما إذا أبرأه صاحب الدين من الكفالة فإن إبرأه يتم من غير قبول ولو رد إبراأه لا يقبل رده لأن صالحب الدين قد استغنى عن كفالته فلا يجبر على قبولها.
وإذا أبرأ الأصيل عن الدين أو وهبه له فإن قبل فقد برئ الأصيل والكفيل. وإن لا يقبل لا يبرأ واحد منها.
وإذا كان لشخص دين على آخر فمات الدين لوارثه فإنه يصح ولو رد الزارث الهبة فإنها ترتد ولو وهب الدين لبعض الورثة كانت الهبة للجميع.
أما إذا أبرأ أحد الورثة فإن الإبراء يصح في نصيبه وحده.
هذا كله في هبة الدين لمن عليه الدين.
أما هبة الدين للأجنبي فهي صحيحة: وقد عرفت في تعريف الهبة أنه يشترط في صحة هبة الدين أن يأمر الدائن الموهوب له بالقبض فيقبضه بالنيابة عنه، وبذلك يصير الدين غيناً فيقبضه عن تفسه.
المالكية - قالوا: تصح هبة الدين لمن عليه الدين ولغيره، فإن كانت لمن عليه الدين كانت إبراء، ولإبراء يحتاج الى قبول على الراجع لأنه نقل للملك.
فإذا لم يقبل المدين لاتصح هية الدين له، وبعضهم يقول: إن هبة الدين إيقاط لانقل للملك فلا يحتاج إلى قبول.стр. 1253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أما إذا وهب الدين لغير من عليه الدين فإن الهبة تصح بشروط ثلاثة:
الشرط الأول: أن يشهد على الهبة ولإشهاد شرط صحة.
الشرط الثاتي: أن يدفع الواهب له سند الدين إن كان له سند.
وهذا الشرط يختلف فيه فبعضهم يقول: إنه شرط صحة وبعضهم يقول: إنه شرط كمال.
الشرط الثالث: أن يجمع بين الموهوب له وبين من عليه الدين إن كان حاضراً أما إن كان غائباً فلا يشترط الجمع، وهل شرط الجمع بينهما إن كان المدين حاضراً شرط صحة أو كمال؟ والراجع أنه شرط كمال.
فإذا كان لشخص مائة جنيه ديناً عند آخر وأراد أن يهبها لأخيه مثلاً فإن الأكمل في ذلك أن يشهد على الهبة، وأن يجمع بين أخيه وبين المدين إن كان حاضراً ويحيله، ويعطي أخاه سند الدين إن كان معه سند.
وبذلك تتم الهبة اتفاقاً فإن تعذر حضور المدين أو لم يكن للدين سند فإنه يكفي لصحة الهبة الإشهاد والقبول.
وهل إذا كان تامدين حاضراً ولم يجمع بينهما أو كان للدين سند ولم يعطه للموهوب له يصح أو لا؟ خلاف ذكلرناه لك أولاً.
إن دفع المدين الدين للواهب بعد علمه بالهبة ضمنه الموهوب له.
ونظير هذه المسألة رهن الدين فإنه لابد فيه من الإشهاد.
وصورة رهن الدين أن يشتري سلعة من محمد بعشرين جنيهاً، وللمشتري دين عند خالد يسوي عشرين جنيهاً أو أكثر أو أقل فرهن دينه عند محمد في نظير سلعته فعليه في هذه الحالة أن يشهد بأنه رهن لمحمد دينه الذي له عند خالد وأن يعطي محمداً سند الدين إن كان له سند وأن يجمع بينه وبين اغلمدين على التفصيل الذي ذكرناه في الهبة.
الشافعية - قالوا: هبة الدين للذي عليه الدين إبراء فلا تحتاج لقبول.
أما هبته لغير من عليه الدين فمختلف فيها:
فبعضهم يقول إنها هبة صحيحة وبعضهم يقول إنها باطلة.
والثاني هو المعتمد لأن الدين غير مقدور على تسليمه وهو متصف بكونه ديناً فإنه إذا قبض لا يكون ديناً بل يكون عيناً، أما بيع الدين، فإن المعتمد صحته.
فإذا كان لشخص دين عند آخر فإنه يصح له أن يبيعه بثمن فيكون الدين في مقابله الثمن.
وذلك التزام لتحصيل المبيع وهو التزام صحيح بخلاف الهبة فإنها لا مقابل لها فالتزام تحصيل الموهوب غير صحيح.стр. 1254
مبحث الرجوع في الهبة
-ليس للواهب أن يرجع في هبته في أمور مفصلة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: يصح للواهب أنة يرجع في هبته بعد أن يقبضها الموهوب له، ومن باب أولى له الرجوع قبل القبض لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض، وإن كان الرجوع في الهبة مكروهاً تحريماً على الراجح أو تنزيهاً، وإذا أسقط الواهب حقه في الرجوع ثم رجع بعد ذلك صح رجوعه لأن حقه في الرجوع لا يسقط بإسقاطه.
ويبطل حق الرجوع في الهبة بسبعة أمور:
الأول: أن يزيد الموهوب له في العين زيادة متصلة بها كما إذا وهب له نعجة غجفاء فعلفها حتى سمنت فليس للواهب أن يرجع في هذه الحالة حتى ولو عادت عجفاء كما كانت، ومثل ذلك ما إذا أهدى له حيواناً صغيراً عنده، أو أهدى رقيقاً جاهلاً فعلمه، أو ثوباً فصبغه أو خاطه.
أما إذا أهداه شاة فجعلت عنده، فإن كان الحبل يزيد في قيمتها فإنه يمنع الرجوع وإلا فله حق في الرجوع.
وإذا أهداه أرضاً فبنى فيها أة غرس أجشاراً فإن كان البناء والغرس يزيد في قيمة الأرض كلها فإنه يمنع الرجوع منها كلها وإن كان يزيد في البقعة التي فيها امتنع الرجوع في تلك البقعة، ثم إذا هدم البناء او قلع الشجر كان له الرجوع في هذه الحالة لأن الزيادة ليست في نفس العين كما في سمن الحيوان وهزاله.
فإذا وهب له عيناً تساوي عشرة ثم زاد سعرها فإن الزيادة لا تمنع الرجوع، وإذا نقلها الموهوب له من مكان إلى مكان فارتفع سعرها بسبب ذلك النقل لم يكن له حق الرجوع لأن الزيادة التي طرأت عليها كانت بعمل الواهب واتفاقه يقول له الرجوع.
أما الزيادة المنفصلة فإنها لا تمنع الرجوع في أصل العين، فإذا أهدى له بقرة فولدت كان له حق الرجوع في البقرة لا في الولد. وهل يرجع في البقرة مع احتياج ولدها للرضاع أو ينتظر؟ قولان.стр. 1255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومن الزيادة المنفصلة الثمر، فإذا أهدى له بستاناً فأثمر كان له حق الرجوع في هبة البستان أما الثمر فهو من حق الموهوب له.
الأمر الثاني من موانع الهبة: موت أحد العاقدين بعد القبض فإذا وهب شخص داره لأخيه ثم مات الموهوب له فلا حق للواهب في الرجوع وكذا إذا مات الواهب فلا حق لوارثه.
الأمر الثالث: العوض فإذا وهب داراً بشرط عوضاً فإنه يصح وضع الرجوع وسيأتي بيان ذلك في باب الهبة في مقابل العوض.
ويشترط في الخروج عن الملك أن يكون تاماً من كل وجه بقي له به اختصاص فإن الرجوع لا يسقط.
مثال ذلك ما إذا وهب له شاة فضحى بها وصارت لحماً فإن له أن يرجع ويأخذ اللحم فإنه في هذه الحالة لم يخرج من ملكه بالكلية.
الأمر الخامس: الزوجية - فإذا وهب الزوج لزوجته شيئاً فإنه لا يصح له الرجوع فيه، أما إذا وهب لها قبل أن يتزوج بها ثم تزوج فإن له الرجوع.
الأمر السادس: القرابة، فلو وهب لذي رحم منه ولو كان ذمياً أو مستأمناً فإنه لا يصح له الرجوع فإذا وهب لأبيه أو ابنه أو عمه أو غير
ذلك من محارمه بالنسب فإن حقه في الرجوع يسقط. أما إذا وهب لمحارمح من الرضاع أو المصاهرة فإن له حق الرجوع.
الأمر السابع: هلاك العين الموهوبة وذلك ظاهر فإذا ادعى الموهوب له الهلاك صدق بدون حلف.
وإذا قال الواهب إن العين باقية وهي هذه وأنكر الموهوب له حلف المنكر أنها ليست هذه ولا يصح الرجوع إلا بتراضيهما. أو بحكم الحاكم وإذا رجع يالرضا أو القضاء كان ذلك فسخاً لعقد الهبة من الأصل وغعادة لملكه القديم لا هبة للواهب، فلهذا لا يشترط فيه قبض الواهب ولو كان هبة جديدة لاشترط فيه القبض.
المالكية - قالوا: ليس للواهب حق في الرجوع أن الهبة عقد لازم لكن بعضهم يقول: إنها تتم وتلزم بمجرد العقد فلا يشترط في إتمامها القبض وهذا المشهور، وبعضهم يقول: إنها لا تتم إلا بالقبض فالقبض شرط في تمامها فإن عدم لم تلزم وكان للواهب حق الرجوع، إلا الأب والأم فإن لهما حق الرجوع على التفصيل الآتي بعد.
على أنهم أموراً بها الهبة منها أن يتأخر قبضها لثبوت دين على الواهب يستغرق كل ماله سواء كان ذلك الدين سابقاً على عقد الهبة أو طرأ بعده، إلا أن بطلانها في الحالة الأولى نتفق عليه أما بطلانها في الحالة الثانية فهو على المشهور.
ومنها: أن يهب لشخص آخر قبل الأول بشرط أن يقبضها الموهوب له الثاني قبل الأولстр. 1256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لأنه يرجع على الأول بوضع يده على الموهوب ولا يلزم بدفع تعويض للموهوب له الأول لم يتهاون الأول في طلبها على المشهور.
ومن ذلك هبة الدين فإذا كان لشخص عند آخر دين ثم وهبه من عليه الدين ولم يعمل الأشياء التي تقوم مقام القبض من استلام الدين إن كان.
أما إذا عمل الأول الأشياء تقوم مقام القبض فإن الدين ولا يبرأ الثاني.
ومنها: أن يعد شخص هدية لآخر، ثم بها هو أو رسوله ثم يموت الواهب تبطل في هذه الحالة لأنه لم يقبضها قبل المانع من القبض وهو موت الواهب، وكذلك إذا مات الموهوب له فإنها تبطل لعدم القبول إن لم يسهد بأن الهبة لفلان، فإذا أشهد لا تبطل بموت أحدهما لأن الوارث يقوم مقام المرسل إليه في القبول.
ولا تبطل الهبة ببيع الواهب إياها فإذا وهب له عيناً ولم يعلم له بالهبة ولم يقصر في طلبها ثم باعها فإن الموهوب له بخير في إجازة البيع وأخذ الثمن أو في فسخه وأخذ الهبة.
أما إذا باع الهبة بعد علم الموهوب له بها وتفريطه في وضع يده عليها فإن البيع ينفذ والثمن مختلف في أمره هل يأخذه الواهب الموهوب والراجح أن الثمن للموهوب له.
ومنها: أن يتأخر قبض الهبة حتى يمرض مرضاً يموت به فإن الهبة في هذه الحالة تبطل حتى ولو قبضها حال مرضه لأن الشرط أن يقبضها حال فتبقى الهبة موقوفة حال المرض حتى يتبين الحال فإن بطلت الهبة ولا تؤخذ منى الثلث ولا من غيره لأن المفروض أنه وهبها حال الصحة لا في حال المرض تنفذ من الثلث كالوصية أما إذا برء فإنها لا تبطل.
ومثل ذلك ما إذا جن الواهب فإنه وهب حال الصحة ثم تأخر الهبة توقف حتى يتبين حاله من الإفاقة أو الموت مجنوناً.
ومنها: ومنها: أن يهب الوديعة أو العارية لمن هي بيده وفي ذلك ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يعلم الموهوب له ويقبل الهبة في حياة الواهب، فإذا مات الواهب بعد ذلك تمت الهبة اتفاقاً.
الصورة الثانية: أن يعلم الموهوب له بالهبة وفي هذه الصورة تبطل الهبة باتفاق لعدم تحقق القبول والصحيح القبول لا بد منه.
وإذا قبض الموهوب له الهبة قبل أن يجزم بالقبول بل أخذها ها يقبل أو لا، ثم مات الواهب قبل ذلك وقبل الموهوب له الهبة بعد موته فإنه يصح.стр. 1257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومثل ذلك ما إذا قبل الهبة في حال حياته ثم طلب الهبة وألح في طلبها ولكن الواهب يسوقه حتى مرض ومات الواهب فإن الهبة لا تبطل بذلك.
ومثل ذلك ما إذا باع الموهوب له الهبة أو وهبها قبل قبضها من الواهب ثم مات الواهب فإنها لا تبطل لأن تصرفه فيها بمنزلة قبضها وإن لم يقبضها المشتري أو الموهوب له الثاني، وكذلك إذا وهبه عيناً ولم يعلم الموهوب له بها حتى مات الموهوب له فإنها لا تبطل ويأخذها وارثه.
ومنها: ان يرجع الأب في هبته فإذا هبته بطلت فإذا رجع بطلت وعادت له وذلك للأب وحده دون غيره من الأقارب والأرحام إلا الأم على التفصيل الآتي:
أما الأب فله حق الرجوع في هبته لودله الحر سواء كان ذكراً أو أنثى صغيراً أو كبيراً غنياً أفقيراً بعد أن يقبضها الولد ويضع عليها يده وصيغة الرجوع أن يقول الأب: رجعت فيما وهبت أو أخذته منه أو اعتصرته (أي أخذته قهراً عنه) وبعضهم يقول: لا بد من أن يقول اعتصرته، والأول أظهر لأن العامة لا تعرف لفظ اعتصرته.
والحديث الوارد في هذا الموضوع لا يشترط هذا اللفظ ولفظ الحديث (لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يعود فيها إلا الوالد) وبكن يشترط لصحة رجوع الأب في هبته شرطان:
الشرط الأول: أن يريد بالهبة الصلة والعطف والحنان على الولد لكونه محتاجاً أو خمىلاً بين الماس أو نحو ذلك فغن أراد ذلك فإن الرجوع.
الشرط الثاني: أن يريد بالهبة مجرد ثواب الآخرة لاذات الولد فإن أراد ذلك كان صدقة بلفظ الهبة فلا يصح له الرجوع. نعم إذا أراد العطف أو الصدقة ولكنه شرط الرجوع في هبته أو صدقته متى شاء فإن له ذلك ويعمل شرطه.
ومنها: ان ترجع الأم في هبتها وللأم حق الرجوع بالشرطين المذكورين في الأب مع زيادة شرط ثالث:
وهو أن لها حق الرجوع بشرط أن يكون ولدها كبيراً أو صغيراً له أب. أما إذا كان الولد يتيماً ووهبت له فليس لها حق الرجوع. ولها حق الرجوع مع وجود الأب سواء كان الأب والابن موسرين أو معسرين حتى ولو كان الأب مجنوناً.
وإذا وهبت لابنها في حياة أبيه ثم مات أبوه بعد ذلك فإن لها حق الرجوع على المختار.
ويمنع رجوع الأب والأم أمور:
احدهما: أن يتصرف الموهوب له في الهبة ببيع أو رهن أو هبة أو يعمل ما يغير صفة الهبة كأن صوغ النقود حلياً ونحو ذلك.
ثانيها: أن يطرأ على ذات الهبة زيادة القيمة كتعليم صنعة أو كبر وسمن هزيل. ومثل ذلك النقص كهزال سمين، فذلك التغير يمنع الرجوع.стр. 1258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثالثها: أن تكون الهبة سبباً في الثقة بالولد فيعطيه ديناً أو يزوجه بنته أو يزوج الموهوب لها لابنه إن كانت أنثى في هذه الحالة لا يجوز للأب أن يرجع في هبته.
أما إذا وهب له وهو متزوج أو عليه دين فإن له الرجوع لأن الهبة لم تكن في تغرير أحد.
ومنها: أن يمرض الولد فإنه لا يصح للأب الرجزع عليه حال المرض لأنه إذا مات كانت الهبة حقاً لورثته برئ كان لوالده حق الرجوع.
الشافعية - قالوا: كتى تمت الهبة بالقبض بإذن الواهب أو تسليمه للشيء الموهوب فإن الهبة تلزم ولا يصح الرجوع فيها إلا الأب وإن علا فيصح للأب أن يرجع في هبته ومثله الجد وإن علا وكذلك الأم والجدة وهكذا. فللوالد أن يرجع في هبته على ولده سواء كان الولد ذكراً أو أنثى صغيراً أو كبيراً.
ويشترط للرجوع شروط:
أحدهما: أن يكون الولج حراً فإذا كان رقيقاً فلا يصح الرجوع. لأن الهبة للرقيق هبة لسيده وهو أجنبي لا رجوع عليه.
ثانيهما: أن يكون الموهوب شيئاً عيناً فإن كان ديناً للولد فوهبه الوالد له فإنه لا يصح له الرجوع فيه.
ثالثهما: أن يكون الموهوب في سلطة الولد بحيث يتصؤف فيه فلا رجوع إذا انقطعت سلطة الوالد على الموهوب كما إذا وهب العين الموهوبة له بغيره وقبضها الغير فإنه في هذه الحالة تنقطع سلكته وملكه فليس لوالده الرجوع. ومثل ذلك ما إذا رهن العين النوهوبة وقبضها المرتهن فإنه في هذه الحالة لا حق للوالد في الرجوع. وذلك لأن الولد لا سلطة له عبى العين حينئذ وإن كان ملكه باقياً. أما إذا اغتصب العين الموهونة من الولد فإن سلطته تبقى عليها للولد الرجوع.
رابعها: أن لا يحج على الولد لسفه فإن حجر عليه امتنع الرجوع.
خامسها: أن لا تكون العين اللمرهومة مستهلكة كبيض الدجاج والبذر إذا نبت في الأرض. ولا يمنع الرجوع زراعة الأرض وإجارتها لأن العين ياقية وإذا رجع الوالد لا تفسخ الإجارة بل تبقى على حالها ولا ينتفع بها مدة الإجارة.
سادسها: أن لا يبيع الولد الموهوبة فإن باعها امتنع الرجوع.
ومثل ذلك الوقف ونحوه من كل ما يزيل السلطة فإذا عاد ملكه بعد بيعه لم يعد الرجوع.
ولا يمنع الرجوع الزيادة المتصلة بالعين من سمن ونحوها فللوالد أنة يأخذها مع تلك الزيادة.
أما إذا زادت منفصلة كأن ولدت الدابة الموهوبة أو أثمر البستان فإن زسادة المنفصلة تكون للولد لأنها حدثت وهي في ملكه فللأب الرجوع في الأصل.
وإذا أسقط حق الرجوع فإنه لا يسقط ويحصل الرجوع بقوله: رجعت فيما وهبت أو استرجعته أو رددته إلى ملكي الهبة أو أبطلتها أو فسختها ونحو ذلك، ولا يحصل الرجوع ببيعстр. 1259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الواهب العين التي وهبها ولا بوقفها ولا بهبتها ولا بإعتاقها. ويكره الرجوع من غير سبب أما إذا كان لسببب كرجر الولد الإنفاق في الشهوات الفاسدة والمعاصي فإنه لا يكره، بل إذا كان الرجوع في الهبة وتجريد الولد من المال هو الطريق الوحيد منعه عن المعاصي فإنه يجب على الوالد أن يفعل.
أما إذا كان الودل عاقاً وكان الرجوع يزيد في عقوقه فإنه يكره.
الحنابلة - قالوا: للواهب الرجوع في هبته قبل القبض لأن عقد الهبة لا يتم إلا بالقبض.
وإذا باع الواهب الموهوب أو هبته قبل القبض لأن عقد الهبة لا يتم إلا بالقبض.
وإذا باع الواهب الموهوب أو وهبه قبل بطلت الهبة لأن ذلك يعتبر رجوعاً.
أما بعد القبض فإن الهبة تتم للموهوب له، فلا حق للواهب في الرجوع إلا إذا كان أباً فقط، فإذا فضل الأب أبنائه بهبته فإن له الرجوع فيها، ويجب الرجوع إذا وهب له من غير إذن الباقي؛ لأن التسوية بين الأبناء بحسب حقوقهم الشرعية زاجبة على الأب والأم وغيرهما من الأقارب. وعلى أن الرجوع خاص بالأب المباشر فقط سواء أراد التسوية بين أولاده؛ فليس للأم ولا للجد ولا لغيرهما من الأقربين الرجوع في الهبة بعد تمامها بالقبض.
الأول: أن تكون عيناً لا ديناً ولا منفعة؛ فإذا كان للأب على ابنه فوهبه له حق له في الرجوع في هبته؛ لأن هبة الدين إسقاط لا تمليك حتى يملك إليه.
وكذلك ليس له الرجوع في إباحة منفعة بعد استيفائها فإذا أباح الأب لابنه سكنى دار سنة مثلاً، وسكن الوالد بالفعل كا هذه المدة فليس لوالده أن يرجع في ملك المدة التي سكنها وله الرجوع من الآن.
الثاني: أن تكون باقية في ملك الولد. فإن خرجت عن ملكه بأن باعها الوالد أو وهبها لغيره، أو وقفها ولو على نفسه ثم على غيره من بعده، أو دفعها صداقاً لامرأة، أو عوضاً في صلح أو نحو ذلك بطل حق رجوع الأب فيها. وإن عادت إلى الولد بسبب جديد كأن اشتراها ثانياً أو ورثها أو غير ذلك لم يعد حق الرجوع على الابن.
أما إذا عادت بسبب فسخ البيع بعيب فيها أو لفلس المشتري فلم يقدر على دفع الثمن ونحو ذلك فإن للأب حق الرجوع.
ومثل ذلك ما إذا تلفت العين فلا حق للأب في الرجوع في قيمتها.
الثالث: أن لا تخرج العين عن سلطة كما غذا وهبها وقبضها المرتهن فليس للأب حق الرجوع بعد ذلك.
ومثله ما إذا حجر على الابن لفلس، فإذا فك الرهن ورف الحجر عاد حق الرجوع.
أما إذا لم تزل سلطة الابن وتصرفه في العين، فإن للأب الرجوع كالرهن والهبة قبل القبض والإجارة والمزارعة وجعلها مضاربة.стр. 1260
مبحث في مقابل عوض مالي
-تصح الهبة في مقالبل عوض مالي، كما إذا قال شخص لآخر: وهبت لك داري هذه بشرط أن تعوضني عنها مائة جنيه أو نحو ذلك على تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (المالكية - قالوا: للواهب أن يشترط العوض المالي على هبته، ويعبر عن العوض بالثواب، ويقال للهبة (هبة الثواب)
وينبغي أن يكون شرط العوض مقارناً لصيغة الهبة كأن يقول وهبتك أو أعطيتك هذا الشيء على أن تعوضني أو تثيبني.
وهل يشترط تعين جنس العوض وقدره أو لا؟
والجواب أنه لا يشترط على الصحيح
ففي ذلك صورتان، الصورة الأولى: أن لا يعين جنس العوض وقدره بأن يقول الواهب: وهبت لك كذا بشرط أن تعوضني فإذا قبل الموهوب له كان الحكم في هذه الصورة أن عقد الهبة بلزم الواهب إذا قبض الموهوب العين الموهوبة.
أما قبل القبض فللواهب الرجوع فإذا قبضها الموهوب له لا يلزمه دفع العوض بالقبض بل له أن يردها على صاحبها أو يدفع له قيمتها على صاحبا قبولها أو قبول قيمتها.
أما قبل القبض فله أن يمتنع عن قبول قيمتها ولو مضاعفة، هذا إذا لم يتصرف فيها الموهوب لهстр. 1261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تصرفاً يزيد في قيمتها فإن زادت عنده بسمن أو كبر أو نقصت بمرضص فإنها تلزم الموهوب له في هذه الحالة وعليه دفع فقيمتها على المعتمد وليس له ردها.
والحاصل أن الواهب يكون مخيراً قبل القبض، أما بعد القبض فإن الواهب يلزم بتنفيذ الهبة ويكون الخيار للموهوب له بين رد العين الموهوبة وبين دفع قيمتها يوم قبضها وهذا إذا لم يتصرف بما يغير حالها من زبادة فإن فعل كان ملزماً بالقيمة.
الصورة الثانية: أن يعين جنس العوض وقدره كأن يقول له وهبت لك هذه الدار بشرط ان تعوضني مائة أو تعوضني البستان الفلاني وحكم هذه الصورة أن العقد يلزم بمجرد القبول سواء قبض الموهوب له بالعوض سواء قبض أو لم يقبض فالعقد منهما برضى الموهوب له فإذا متنع عن دفع العوض يجبر عليه.
والهبة في نظير العوض بيع في الحقيقة فلا تخالف إلا في أمور يسيرة منها أنها تجوز مع جهل العوض بخلاف البيع فإنه يشترط فيه الثمن وأنها تجوز الأجل بخلاف البيع.
ولا يلزم أن يكون القبول فيها فوراً كما في البيع، فهي تحل ما أحله البيع ما حرمه؟؟ فلا تصح هبتة ما لا يصح بيعه كالجنين في بطن أمه وثمر البستان الذي يظهر صلاحه.
ويلاحظ في العوض أن يكون مما يصح دفعه في بيع السلم حتى لا يفضي إلى الربا فإذا وهب له عروض تجارة يجوز أن يعوضه عنها من فضة وذهب أو طعام من قمح وشعير إلى ونحوهما أو عروض تجارة من غير جنس العروض الوهوبة وهب له قماشاً ساغ أن يعوضه عنها أو أصنافاً عطرية ونحو ذلك.
وإذا وهب له فضة فلا يصح أن يعوضه عنها دهباً إذا كان في المجلس قبل تفرقهما أما في المجلس فيجوز لأنه يكون من قبيل الصرف.
وكذلك إذا وهب له ذهباً فإنه لا يجوز أن يعوضه فضة إلا في المجلس له خروفاً مذبوحاً (لحماً) فإنه لا يجوز أو يعوضه خروفاً حياً وبالعكس. وإذا وهب (حبوباً) فإنه يجوز أن يعوضه عنها عروض تجارة ونقوداً ولا حبوباً لئلا يفضي ذلك بيع الطعام لأجل منع الزيادة ولو في الجملة.
وإذا لم يشترط الواهب العوض لفظاً لا مبهماً ولا معيناً ولكنه ادعى أنه قصد العوض عند هبته بعد قبض العين الموهوبة فإنه يصدق مالم تقم قرينة أو يدل عرف عملي يشهد ضده فإذا كان مثل الواهب لا يطلب في هبته عوضاً من مثل الموهوب لن القول للوهوب له قبل القبض فالقول للواهب مطلاقً.
وإذا كانت الهبة لعرس وكان العرف يقتضي معوض عليها فللواهب أن يأخذ قيمة هبته معجلاً ولا ينتظر إلى عرس عنده كما هو المعتاد في بعض الجهات هدايا العرس مثلها إلى مهديها.стр. 1262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإذا أخذ المهدي قيمتها عاجلاً فإن لصاحب العرس أن يحاسبه على ما أكله عنده وأتباعه من نساء ورجال.
أما إذا كان العرف لا يقضتي الرد فلا حق للواهب في طلبها.
وإذا وهب نقوداً مسكونة ولم يشترط العوض فإنه لاحق له في المطالبة بالعوض بدعوى أنه كان ينوي العوض مطلقاً ومثل التقود المسكوكة السبائك والحلي المكسر فإنه لا عوض فيه إلا بالشرط أما الحلي الصحيح فإن الواهب يصدق فيه.
فإن وهب أحد الزوجين للآخر فإنه لا يصدقْ في دعوى العوض إلا إذا شرطه أو قامت قرينه تدل على نية العوض وهذا في غير النقود المسكوكة، أما هي فلا يصدق فيها إلا بالشرط ولا تكفي القرينة.
وكذا إذا وهب شيئاً لقادم من سفر، ولم يشترط العوض فإنه لا يصدق في دعوى العوض ولو كان فقيراً وتضيع الهبة مجاناً.
الحنفية - قالوا: الهبة بشرط العوض جائزة ويصح عقد الهبة والعوض لازماً للواهب والموهوب له إذا قبض الواهب العوض أما إذا لم يقبضه كان لكل منهما الرجوع ولو قبض الموهوب الهبة كما عرفت.
ويشترط في ذلك أن يذكر الموهوب له لفظاً يعلم الواهب منه لأن العوض بدل عن كل هبته كأن يقول له: خذ هذا المال أو العقار عوض هبتك أو بدلها أو في مقابلها ونحو ذلك. فإذا لم يذكر ذلك كان للواهب حق الرجوع في هبته، وكان للموهوب له حق الرجوع في العوض الذي دفعه.
وبعضهم يقول إنه لا يشترط أن يقول خذ بدل هديتك أو عوضها بل اللازم فعل ما يدل على ذلك بما هو متعارف بين الناس، فإذا دفع إليه المبلغ بقصد العوض وكان معروفاً أنه لا يكون لهما حق الرجوع.
ويشترط في العوض ما يشترط في الهبة فلا يتم إلا بالقبض، ولا بد أن يكون مقروزاً غير شائع الخ ولا فرق فيه بين أن يكون موازياً للهبة أو أكثر أو أقل.
وإذا وهب الأب لابنه الصغير فإنه لا يجوز له أن يأخذ في نظير هبته عوضاً من مال الصغير، وإذا وهب الموهوب. وإذا وهب النصراني للمسلم عيناً فإنه لا يجوز أن يعوضه بدلها خمراً أو خنزيراً.
ويشترط أن لا يكون العوض بعض الموهوب. فإذا وهب له بقرتين فلا يصح أن يعطيه إحداهما عوضاً، فإذا فعل كان للواهب حق الرجوع في الثانية.
وهل يشترط في العرض أن يذكر في عقد الهبة أو يصح بعد تمامها بحيث إذا قبضها الموهوب له وأراد الواهب الرجوع فيها فأعطاه الموهوب له عوضاً يصح ويمنع الرجوع؟ خلاف.
وبعضهم يقول: إنه لا بد من ذكره في عقد الهبة.стр. 1263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وبعضهم يقول: لا بل اللازم هو إضافة للهبة التي تمت كأن يقول: هذا عوض عن هبتك، فإذا قبضه لا يكون له حق الرجوع.
أما إذا لم ينص على أنه عوض عن هبته فإن الوض يكون هبة جديدة، ويكون لكل منهما حق الرجوع.
الشافعية - قالوا: الهبة بشرط العوض ويقال له الثواب صحيحة بشرط أن يكون العوض معلوماً، وفي هذه الحالة تكون بيعاً لها حكم البيع.
أما إذا لم يشترط العوض ولا عدمه فإذا كانت قرينة على طلب العوض وجب دفعه أو رد الموهوب، وإذا لم تقم قرينة فلا عوض، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الواهب أعلى من الموهوب له أو نظيره أو أدنى منه.
وإذا شرط عوضاً غير معين كأن قال: وهبتك على أن تعوضني دابة مثلاً فإن الهبة تبطل، فإذا قبضها كانت معاوضة بالشراء الفاسد؛ فيضمنها ضمان المغصوب.
الحنابلة - قالوا: الهبة بشررط العوض تصح إن كان العوض معلوماً حكم اليبع تثبت فيها الشفعة ونحوها مما يثبت في البيع.
أما إن كان العوض مجهولاً فإن الهبة لم تصح أصلاً؛ ويكون حكمها في هذه الحالة حكم البيع الفاسد؛ فغن قبضها الموهوب له كان عليه ضمانها بمثلها وإن كانت مثلية، وقيمتها إن كانت متقومة، وإن كانت باقية وجب عليه ردها بزيادتها المتصلة والمفصلة.
وإذا لم يشترط الواهب العوض لفظاً، وادعى أنه وهبها للعوض يسمح قوله - ولو قامت القرينة على ذلك أو كان العلاف مؤيدة في دعواه - لأن مدلول لفظ هبة العوض والقرائن لا تساوي اللفظ الصريح فلا يعمل بها) .стр. 1264
مباحث الوصية
تعريفها ودليليها
-الوصية تطلق في اللغة على معان، يقال إلى فلان بمال جعلته له وأوصيته بولده استعطفته عليه، وأوصيته بالصلاة أمرته بها. ويقال وصيت الشيء بالشيء إذا وصلته به وصلته به كأن الموصي لما أوصى بالمال وصل ما بعد الموت بما قبله في نفوذ التصرف.
والاسم الوصاية، بكسر الواو وقد تفتح.
وأما معناها في اصطلاح الفقهاء ففيه تفصيل المذاهب (١) الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع.
فقوله تمليك يشمل العقود التي تنقل ملكيتها كالبيع والهبة وغيرهما.
وقوله مضاف لما بعد الموت يخرج ما عدا الوصية.
وقوله بطريق التبرع يخرج الإقرار بالدين فلو أقر في حياته بدين لآخر ثم مات كان ذلك الإقرار تمليكاً للدين بعد الموت.
وقد يقال إن الإقرار بالدين ليس تمليكاً، وإنما هو إظهار لما في ذمته فهو خارج بتمليكه وعلى هذا فلا حاجة إلى قيد بطريق التبرع.
ولا فرق في الموصى به بين أن يكون عيناً أو منفعة. ولا يشترط أن يضيف الوصية إلى الموت لفظاً فلو قال أوصيت بكذا ولم يقل بعد موتي صح حتى ولو لم يصرح بالوصية بل ذكر على الوصية كقوله لفلان ألف قرش من ثلثي مالي أو ربعه فلا تصح إلا إذا ذكرت الوصية.
المالكية - قالوا: الوصية في عرف الفقهاء عقد يوجب حقاً في ثلث مال عاقده يلزم بنوته، أو يوجب نيابة عنه بعده.
ومعنى التعريف أن عقد الوصية يترتب عليه أحد أمرين:
الأول: ملكية الموصى له ثلث مال العاقد (الموصي) بعد موته بحيث لا يكون العقد لازماً إلا بعد الموت أما قبل الموت فلا يكون العقد لازماً.
الثاني: نيابة عن الموصي في التصرف فالموصي إما أن يوصي بالإقامة نائب عند موته (وصي) وإما أن يوصي بمال.стр. 1265
وأما دليل مشروعيتها فالكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية﴾
وأما السنة فقوله ﷺ : "وما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"
ومعنى الحديث: ليس من الحزم والرأي السديد أن يمر على الإنسان زمن يملك فيه مالاً يوصي به ولا يكتب وصيته فليس المراد خصوص الليلتين بل الحث على المبادرة بكتابة الوصية.
أركان الوصية وشروطها
-أركانها: موصٍ، وموصى له، وموصى به، وصيغة. وأما شروطها ففيها شروط المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: إن للوصية ركناً واحداً وهو الإيجاب والقبول كما عرفت في نظائره.
فأما الإيجاب فهو أن يقول أوصيت بكذا لفلان أو أوصيت إلى فلان. أو جعلت إلى فلان ثلث مالي بعد موتي ونحو ذلك من الألفاظ المستعملة في الوصية.
وأما القبول فإنه شرط فادة الملك به فلا يملكه الموصى له قبل القبول فلا يشترط القبض في الوصية بخلاف الهبة.
ويشترط في القبول أن يكون بعد الموت فإذا قبل الموصى له في حال حياة الموصي أو ردّ الوصية وقع ذلك باطلاً وله القبول بعد الموت. وذلك لأن الوصية تمليك بعد الموت فهي معلقة على الموتследующие страницы →