ثالثها (١) : أن تكون المرأة غير ناشزة، فلو كانت خارجة عن طاعة زوجها فلا حق لها في القسم.
ولا يسقط القسم وجود مانع يمنع الوطء، سواء كان قائماً بالمرأة، كحيض. أو نفاس. أو رتق. أو مرض. أو كان قائماً بالرجل، كما إذا كان مجبوباً. أو عنيناً. أو مريضاً، لأن الغرض من المبيت الأنس لا الوطء، لما عرفت من أن الوطء غير لازم فإذا كان مريضاً مرضاً لا يستطيع معه الانتقال أقام عند من يستريح لتمريضها وخدمتها.
مبحث لا تجب المساواة بين الزوجين في الحب القلبي وما يترتب عليه من شهوة
-كما لا تجب التسوية في النفقة كذلك لا تجب في الوطء والميل القلبي، لأن ذلك ليس في اختيار الإنسان، وإنما هو تابع لحالة طبيعية، فقد تنبعث شهوته إلى واحدة دون الأخرى، وقد يتعلق قلبه بواحدة من حيث لا يدري، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل﴾ ، فالمراد نفي الاستطاعة التي ليست في اختيار الإنسان من المحبة القلبية وما يترتب عليها من استمتاع. أما ما عدا ذلك من إقامة العدل في المبيت وإعطاء كل واحدة نفقة مثلها بدون جور فإنه مستطاع من كل أحد، فلذا كان ﷺ يتحرى الدقة في العدل بين نسائه في هذا ويقول: "اللهم ان هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك" ولكن ليس معنى هذا أن الرجل يترك إحدى زوجاته بدون وطء فيعرضها للخنا والفساد، فإنه إن فعل ذلك فقد ارتكب إثماً، بل يجب على الزوج أن يعف زوجته ويصرفها عن التعلق بغيره، وإن لم يستطع وجب عليه أن يسرحها، وهل للزوجة الحق في طلب إعفافها؟ وإذا طالبته فهل يقدر لها القاضي قدراً معيناً؟ وكذلك هل لها أن تشكو كثرة استعمالها إذا تضررت منه؟ وهل يقدر القاضي له قدراً معيناً أو لا، في ذلك تفاصيل المذاهب (٢) .
كيفية القسم، وما يترتب عليه
-للزوج أن يقسم بينهن بحسب حاله، فإن كان ممن يعمل لقوته بالنهار قسم بالليل، وإن كان ممن يعمل بالليل كالحارس وغيره قسم بينهن بالنهار، ثم إن تراضوا على مدة معينة كأن يكون لهذه جمعة وللأخر مثلها فذاك، وأن لم يتراضوا ففي ذلك تفصيل المذاهب (١) .
стр. 1509
مبحث حق الزوجة الجديدة في القسم وتنازل المرأة عن حقها فيه
-إذا تزوج جديدة، فإذا كانت بكراً كان لها الحق في المبيت عندها أسبوعاً نافلة لها بحيث لا يحتسب عليها. وإن كانت ثيباً كان لها الحق في المبيت عندها ثلاث ليال، فإذا انتهت مدة
стр. 1510
إقامته عند الجديدة عاد إلى القسم بين زوجاته على التفصيل المتقدم (١) ولا فرق بين أن تكون الجديدة أمة تزوجها على حرة. أو حرة، لخبر ابن حيان في صحيحه" سبع للبكر وثلاث للثيب" وفي الصحيحين عن أنس أن السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً ثم قسم وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثاً ثم قسم.
وللزوجة أن تتنازل لضرتها عن نصيبها في مقابل مال تأخذه منها. أو بدون مقابل، وإذا تنازلت لها ثم رجعت فإن رجوعها يصح وفي ذلك تفصيل المذاهب (٢) .
مبحث هل لمن يريد السفر أن يختار من تسافر معه من زوجاته ؟
-وإذا سافر المتزوج أكثر من مرة واحدة فلا يخلو إما أن يكون مسافراً سفر انتقال من بلدة إلى أخرى ليستوطن بها، أو مسافراً سفراً مؤقتاً لقضاء حاجة، فإن كان الأول فإنه لا يجوز له أن يترك بعضهن ويأخذ البعض الآخر، لما في ذلك من المضارة للباقيات فإذا كان لا يستطيع أن يعيش معهن جميعاً في البلدة المنقول إليها وجب عليه أن يسرح منهن البعض الذي لا يريده، وإلا وجب عليه أن يقرع بينهن ويأخذ معه من عليها القرعة على أن تمكث معه زمناً ثم يعيدها ويأخذ غيرها لتمكث معه مثل الزمن الذي قضاه مع ضرتها، وهكذا، أما ما اعتاده بعض الناس الذين يتزوجون أكثر من واحدة في بلاد الأرياف ثم ينزحون بواحدة منهن إلى مصر ويتركون الباقيات كالمعلقات بحجة أنه لا يمكن العيش بهن جميعاً في مصر فإنه لا يجوز إلا برضاء الباقيات، وينبغي أن يكون هذا مما لا خلاف فيه، لأن لكل زوجة الحق في القسم في مثل هذه الحالة، إذ لا يقال للزوج إنه مسافر وإنما يقال له: إنه أقام في جهة وهجر نساءه في جهة أخرى، مع أن لهن عليه حقوقاً يجبر عليها، أما إن كان السفر لغرض من الأغراض من تجارة، وغزو، وحج، واستشفاء، ونحو ذلك، فإن فيه تفصيل المذاهب (١) .
مبحث هل للزوج أن يجمع بين زوجاته في بيت واحد وفي فراش واحد ؟
-إن كان البيت - عمارة - تحتوي على عدة مساكن - شقق، أو أدوار - لكل شقة باب خاص بها ولها منافع تامة من دورة مياه ومطبخ ومنشر تنشر عليه الملابس المغسولة، فإن للزوج أن يجمع بين الضرائر في هذه العمارة بدون رضائهن، ولا تشترط المساواة في السكنى، بل الشرط أن يكون سكن كل واحدة مناسب لحالها بحيث يرتفع الجور عنها، كما تقدم.
أما إن كان البيت له باب واحد ودورة مياه واحدة ومطبخ واحد ومنشر واحد وكان فيه عدة حجر لكل واحدة منهن حجرة خاصة بها فإنه يجوز بشرط رضائهن، وإلا كان ملزماً بإحضار سكن يليق بكل واحدة، فإذا كان به حجرة واحدة، ورضوا بالسكنى بها فإنه يجوز، ومثل ذلك ما إذا كان في سفر ومعه زوجات وجميعهن في خيمة واحدة أو على فراش واحد (١) فإنه يجوز
стр. 1515
ولكن يكره أن يطأ إحداهن أمام الأخرى وهي مستورة العورة (١) ، أما إن كانت مكشوفة فإنه يحرم، إذ لا يحل النظر إلى العورة، كما تقدم في الجزء الأول.
стр. 1516
مباحث الرضاع
تعريفه
-الرضاع - بفتح الراء، وكسرها - ويقال: رضاعة - بفتح الراء، وكسرها - أيضاً، معناه في اللغة أنه اسم لمص الثدي. سواء كان مص ثدي آدمية أو ثدي بهيمة أو نحو ذلك، فيقال لغة لمن مص ثدي بقرة أو شاة: إنه رضعها، فإذا حلب لبنها وشربه الصبي فلا يقال له: رضعه، ولا يشترط في المعنى اللغوي أن يكون الرضيع صغيراً.
أما معناه شرعاً، فهو وصول لبن آدمية إلى جوف طفل لم يزد سنه على حولين (١) - أربعة
стр. 1517
وعشرين شهراً - فإن شرب صغير وصغيرة لبن بهيمة لا تحرم عليه، ولا فرق بين أن يصل اللبن إلى الجوف من طريق الفم بمص الثدي أو بصبه في حلقه أو إدخاله من أنفه، فمتى وصل اللبن إلى معدة الطفل أثناء مدة الحولين المذكورين بالشروط الآتية كان رضاعاً شرعياً عليه التحريم الآتي بيانه، أما إن كان كبيراً زائداً على الحولين ورضع فإن رضاعه لا يعتبر، وذلك لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ فقد دلت الآية الكريمة على أن أكثر مدة الرضاع المعتبرة في نظر الشرع حولان، فلو رضع بعدها ولو بلحظة فلا يعتبر رضاعة ولا يترتب عليه تحريم لقوله ﷺ "لا رضاع إلا ما فتق الامعاء وكان قبل الحولين" رواه الترمذي وحسنه ومعنى قوله "فتق الامعاء" وصل إليها، ولقوله ﵊: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين" رواه البيهقي وغيره.
فإن قلت: ورد في صحيح مسلم أن النبي ﷺ أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالماً مولى أبي حذيفة زوجها بعد البلوغ حتى تكون أماً له فلا يحرم نظره إليها، وذلك لأن سهلة ذهبت إلى النبي ﷺ وقالت له يا رسول الله ﷺ إن سالماً مولى أبي حذيفة مضى في بيتنا وقد بلغ ما يبلغ الرجال وعلم ما يعلم الرجال، فقال: " أرضعيه تحرمي عليه" فهذا صريح في أن رضاع الكبير يوجب التحريم، والجواب أن ذلك كان قبل تحديد مدة الرضاع بالحولين، فنسخ العمل به أو هو خصوصية لسالم وسهلة، لما رآه النبي ﷺ من الضرورة الملحة التي تستلزم الترخيص لأهل هذا البيت، حيث لا يمكن الاستغناء عن دخول سالم بحال، على أن هناك إشكالاً آخر، وهو أن الرضاع يستلزم الثدي ومصه ولمسه وهو محرم. والجواب أنه لا يستلزم لأن التحريم كما يكون بالمص يكون بالشرب، كما عرفت، فيصح أن تكون قد حلبت له ثديها فشرب.
стр. 1518
شروط الرضاع
-يشترط لتحقيق الرضاع الشرعي الموجب لتحريم النكاح، كما توجبه القرابة والمصاهرة، شروط: بعضها يتعلق بالمرضعة، وبعضها يتعلق بالرضيع، وبعضها يتعلق بلبن الرضاعة، وفيها كلها اختلاف المذاهب (١)
مبحث من يحرم بالرضاع ومن لا يحرم
-قال رسول الله صلى الله وعليه وسلم: "يحرم بالرضاع ما يحرم من النسب" رواه الشيخان، هذا الحديث يدل على أن الرضاع يحرم الأصناف التي حرمها النسب، وهي سبعة أصناف:
الأول: الأم، سواء كانت أماً مباشرة، أو أماً بواسطة الأب والجد، فيشمل الجدة وإن علت سواء كانت جدة لأب، أو جدة لأم.
الثاني: البنت والمراد بها البنت الصلبية، وهي بنت الإنسان مباشرة، أو البنت بالواسطة، وهي بنت البنت وإن نزلت، وبنت الابن وإن نزلت.
الثالث: الأخت، سواء كانت شقيقة أو لأب، أو لأم.
الرابع: بنت الأخت بأقسامها، وإن نزلت.
الخامس: بنت الأخ، سواء كان شقيقاً، أو لأب، أو لأم، وإن نزلت.
السادس: العمات، فالعمة محرمة. سواء كانت أخت الأب شقيقته أو أخته لأبيه، أو أخته لأمه، أما عمة العمة فإنها لا تحرم إلا إذا كانت العمة القريبة شقيقة للأب، أو كانت أخته لأبيه أما كانت أخته لأمه فإن عمتها لا تحرم، مثلاً عمة محمد فاطمة أخت أبيه إبراهيم شقيقته، ولدهما جده هاشم من جدته محبوبة، ولجده هاشم هذا أخت اسمها خضرة، فخضرة هذه عمة محمد والعمة وهي فاطمة لأنها أخت أبيها هاشم، وهي عمة إبراهيم أيضاً والد محمد فخضرة هذه عمة محمد بالواسطة فهي محرمة عليه كعمته فاطمة بلا فرق، ومثل ذلك ما إذا كان فاطمة أخت إبراهيم من أبيه هاشم فقط، ولها أم أخرى اسمها نائلة تزوجها هاشم على محبوبة أم إبراهيم، ولهاشم أخت اسمها خضرة فإن خضرة أيضاً تكون محرمة على إبراهيم لأنها لا زالت عمة عمته فاطمة أخت هاشم جد محمد، أما إذا كانت فاطمة أخت إبراهيم من أمه محبوبة،، ولها أب آخر اسمه حامد، ولحامد هذا أخت اسمها خضرة فإنها تحل لمحمد
стр. 1527
لأنها ليست أخت جده هاشم، بل هي أخت حامد الأجنبي زوج جدته محبوبة قبل أن تتزوج بجده، فلا علاقة له بها، مثل ذلك ما إذا كانت عمة الأم مثلاً: أحمد أمه ناعسة بنت إسماعيل بن محمد، ولإسماعيل أخت اسمها وردة، فوردة هذه عمة لناعسة، وهي محرمة على أحمد لأنها عمة أمه، سواء كانت أخت إسماعيل لأبيه أو أمه، وذلك لأنها أخت جده لأمه، ولكن كانت وردة أخت إسماعيل لأمه فلم يكن والدها محمداً أبا إسماعيل، بل كان لها والد آخر اسمه رياض مثلاً، وكان رياض أخت اسمها فوزية مثلاً، فإنها تكون عمة لوردة عمة أم أحمد، ولكنها تحل لأحمد. وعلى هذا القياس في عمات الأجداد وعماتهن، سواء أجداد الآباء، أو الأمهات فالعمات يحرمن من أي نوع وإن علون، عمات العمات يحرمن إذا كن من جهة الآباء لا من جهة الأمهات.
الصنف السابع: الخالات، وخالات الخالات، فالخالات محرمات من أي نوع، سواء كن شقيقات الأمهات، أو أخواتهن لأب أو لأم، وأما خالات الخالات فإنهن يحرمن إذا كن شقيقات أمهات الأمهات، أو كن إخواتهن لأم فقط عكس عمات العمات، فإنهن لا يحرمن إلا إذا كن من جهة الآباء كما تقدم، وإليك مثلاً في الحالات، وخالات الخالات تقيس عليه الباقيات.
إبراهيم أمه هانم لها أخت اسمها نفيسة ولدها أبو طالب من زوجته ظريفة، فنفيسة خالة إبراهيم شقيقة أمه محرمة عليه، ومثل ذلك ما إذا كانت نفيسة أخت هانم من أبيها أبي طالب فقط ولها أم أخرى غير ظريفة اسمها مريم، أو كانت أخت هانم من أمها ظريفة فقط لها أب آخر اسمه علي، فإذا كانت هانم أخت نفيسة لأبيها أبي طالب فقط، وأمها مريم لها أخت اسمها سعدية، فإن سعدية تحل لإبراهيم وإن كانت خالة خالته نفيسة، لأنها في هذه الحالة خالة لنفيسة فقط، وليست خالة لأختها هانم، بل تكون أختاً لزوجة أبيها أبي طالب، فهي حلال لأبنها إبراهيم، أما إذا كانت أخت نفيسة لأمها ظريفة فقط، وكان لظريفة أخت اسمها شريفة كانت شريفة في هذه الحالة خالة نفيسة وخالة هانم أم إبراهيم، فلا تحل له لأنها خالته بالواسطة، فهذه هي الأنواع السبعة المحرمة من النسب، فتحرم بالرضاع على هذا التفصيل.
فإذا رضع الطفل الأجنبي من امرأة كانت أمه فيحرم عليه أن يتزوجها، كما يحرم عليه أن يتزوج بنتها أو بنت بنتها وإن نزلت لأنها أخته وبنت أخته، ولا بنت ابنها وإن نزلت لأنها بنت أخيه، ولا أختها، لأنها خالته، ولا أمها لأنها جدته، ومثل ذلك زوج مرضعته الذي جاءها اللبن منه. فإنه يكون أباً له فيحرم عليه أيتزوج بنته لأنها أخته، ولو كانت من امرأة أخرى، ولا بنت بنته وإن نزلت، ولا بنت ابنه كذلك، وكذا يحرم عليه أن يتزوج أخت أبيه من الرضاع لأنها عمته، ولا أمه لأنها جدته، وكذل يحرم على الرجل زوج المرضعة أن يتزوج بنت ابنه من
стр. 1528
الرضاعة، ولا بنتها إن نزلت، أم أمه فإنها تحل له كما حلت له أم ابنه نسباً، جدته وأخته كما سيأتي قريباً.
وكذلك لأخ الرضيع أن يتزوج أخت أخيه من الرضاع، كما لغيره من حواشيه، وذلك لأن الحرمة بالنسبة للرضيع لا تسري إلا على فروعه فقط، فلآبائه أن يتزوجوا بأم المرضعة وأخواته من الرضاع، وكذلك لحواشيه من أعمامه وأخواله وإخوته وغير ذلك كما يأتي، أما المرضعة فتحرم أصولها وفرعها وحواشيها دائماً، فلا يحل للرضيع ولا فروعه التزوج منهم، وأما زوجها ذو اللبن فذلك تسري الحرمة منه إلى أصوله وفرعه وحواشيه، فلا يحل للرضيع، أحد منهم، فإذا كان الطفل أنثى، فإنه يجري منه التفصيل المذكور، وهو أن المرضعة تكون أماً له، ويكون زوجها الذي جاءها منه اللبن أباها فتحرم البنت الرضيعة على أصول هذه المرأة، وهم آباءهم لأنهم أجدادها لأمها، كما تحرم على فروعها لأنهم إخوتها، وكذلك تحرم على أخوات المرضعة، لأنهم أخوالها، ومثل أخوال المرضعة في ذلك زوجها الذي جاء منه اللبن، فإن الرضيعة بنته من الرضاع فلا تحل له، وأخت أولاده مطلقاً، سواء كانوا من أمها المرضعة كما قلنا أو من زوجة أخرى. فلا تحل لواحد منهم كما لا تحل لإخوته لأنهم أعمامها، ولا لأعمامه لأنها بنت أخيهم. ولا لأخواله لأنها بنت ابن أختهم. وأما أولاد الرضيعة فإنهم لا يحلون كذلك لأمها من الرضاع لأنها جدتهم. ولا لأولادها لأنهم أخوال وخالات لهم، ولا لآباء المرضعة لأنهم أجدادهم وجداتهم.
وبالجملة فلا يحلون لأصول المرضعة وفروعها وحاشيتها، وكذلك الرجل صاحب اللبن فإن أولاد الرضيع لا يحلون لأصوله وفروعه وحواشيه، أما أصول الرضيعة وحواشيها فلا يسري إليهم التحريم، فيحل لأب البنت الرضيعة أن يتزوج أمها من الرضاع وجدتها، وأختها، وخالتها، وعمتها وهكذا. كما يحل ذلك لأخيها، وعمها وهكذا.
هذا إذا رضع الطفل، أما إذا رضع أبوه، أو جده أو جدته أم أبيه، أو رضعت أمه، أو جدته لأمه من امرأة كانت المرضعة في الحالة الأولى جدة له من جهة الأب فأبناؤها وبناتها أعمام له أو عمات، وفي الحالة الثانية كانت المرضعة جدة له من جهة الأم فأبناؤها وبناتها أخوال له. وخالات. فيجري التحريم على هذا الوجه. ويمكن تعريف الأم في الرضاع بأنها هي التي أرضعت الطفل، أو أرضعت من ينتهي نسبه إليها بالولادة، فيشمل من أرضعت آباءه وأمهاته، وتعريف بنت الرضاع بأنها التي أرضعتها زوجة الرجل، أو بنته، أو زوجة ابنه، فيشمل البنت مباشرة، وبنت البنت، وبنت الابن، وسيأتي استثناء في بعض صور هذه الأخيرة، وتعريف أخت الرضاع بأنها كل بنت ولدتها المرضعة، أو ولدها زوجها الذي جاء منه اللبن،
стр. 1529
وكذا كل من رضعت مع الولد من ثدي واحد، لا فرق بين أن يكون الولد الثاني ابناً للمرضعة من النسب، أو من الرضاع، وكذا لا فرق بين أن يكونا قد رضعا في زمن واحد أو في أزمنة مختلفة، بل المدار في ثبوت الأخوة على الرضاع من ثدي واحد، وبنت الأخ هي من أرضعتها زوجة أخيك بلبنه النازل من المرأة بسببه، وبنت الأخت هي من أرضعتها أختك، وتحرم بنت الأخ وبنت الأخت على زوج المرضعة لا على أولاده لأنها تحل لهم نسباً، والعمات هن أخوات زوج المرضعة، وعمات العمات هن أخوات آباء العمات، ولا تحرم عمات العمات إلا إذا كانت العمات من جهة الآباء لا من جهة الأمهات، كما تقدم توضيحه، والخالات هن أخوات المرضعة، وخالات الخالات هن أخوات أمهات الخالات، ولا يحرمن إلا إذا كن من جهات الأمهات على التفصيل المتقدم.
فهذا بيان المحرمات المذكورة في الحديث من النسب ومن الرضاع، ولكن بقيت المحرمات بسبب المصاهرة وهي لم يشملها الحديث، فلا يصح أن يقال: ويستثنى من هذا كذا، وبيان ذلك أن المحرمات بالمصاهرة قسمان: قسم يحرم بالرضاع كما يحرم بالمصاهرة، وقسم يحرم بالمصاهرة ولا يحرم بالرضاع، فالأول: أم الزوجة، وبنتها، فإنهما يحرمان بالمصاهرة والرضاع فإذا رضعت طفلة من امرأة ثم تزوجت فلا يحل لزوجها أن يتزوج المرضعة التي أرضعتها لأنها أمها، كما لا يحل له أن يتزوج أمها من النسب وكذا إذا تزوج المرضعة نفسها، فإنه لا يحل له أن يتزوج الطفلة التي أرضعتها إذا كان قد دخل بها، أما إذا لم يدخل بها فإنه يحل، كما تقدم في المحرمات بالنسب.
وكذا أخت الزوجة، وخالتها، وعمتها فإنه لا يجوز الجمع بينهن بسبب المصاهرة والرضاع، فلا يحل للرجل أن يتزوج امرأة رضعت ثدي أخرى ويتزوج معها بنت المرضعة التي أرضعتها لأنها أختها من الرضاع، إذا لا يحل الجمع بين الأختين رضاعاً ونسباً، ومثلها بنت زوج المرضعة التي جاءها منه اللبن لأنها أختها، وأيضاً لا يحل له الجمع بين زوجته، وبين أخت مرضعتها، أو أخت زوج مرضعتها، لأن الأولى خالتها، والثانية عمتها، ولا يحل الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، نسباً ورضاعاً، وكذا لا يحل له أن يجمع بينها، وبين بنت أخيها من الرضاع، أو بنت أختها.
وأما القسم الثاني: وهو ما يحرم بالمصاهرة ولا يحرم بالرضاع فهو أمور:
أحدها: أم الأخ، سواء كان شقيقاً، أو غير شقيق، ولكن إذا كان شقيقاً كانت أم أخيه أمه هو وحرمتها ثابتة بالنسب لا بالمصاهرة، وقد تقدم أن الأم محرمة نسباً ورضاعاً، فليست مقصودة هنا بل المقصود امرأة الأب، لأن تحريمها بالمصاهرة، فلا يحل للشخص أن يتزوج
стр. 1530
امرأة أبيه، وهي أم أخيه غير الشقيق، ولكن إذا أرضعت أخاه أجنبية فإنها تحل له، ومثل أم الأخ أم الأخت لأنها إما أم إذا كانت الأخت شقيقة، وإما امرأة أب إذا لم تكن كذلك والأولى محرمة نسباً ورضاعاً والثانية محرمة بالمصاهرة لا بالرضاع، وهي المقصود هنا.
هذا إذا كان الأخ، أو الأخت من النسب، والأم من النسب، أو الرضاع، وقد عرفت أن أم الأخ النسبية هي أم الرجل، هي محرمة نسباً ورضاعاً، وأم الأخ بالمصاهرة هي زوجة الأب وهي محرمة بالمصاهرة، أما أم الأخ، أو الأخت من الرضاع فهي غير محرمة، ومثل ذلك ما إذا كان الأخ، أو الأخت من الرضاع، بأن رضع طفلان من ثدي امرأة فصارا أخوين بالرضاع، ثم رضع أحدهما من مرضعة أخرى فهذه المرضعة تكون أم أخيه من الرضاع فتحل له. وكذا لو كان لأخيه من الرضاع أم من النسب فإنها تحل له.
ثانيها: أم ولد الولد - سواء كان ذكراً أو أنثى. لأن الولد يشملهما، وكما لا يخفى، وهكذا في كل ما يأتي - ويقال لها: أم نافلة، أي أم ولد نافلة، وهو ولد الولد، وسمى نافلة لزيادته على الولد فنافلة صفة لولد الولد وأم ولد الولد تحتمل معنيين، الأول: أن تكون زوجة ابنك، إذ هي أم ولد ابنك، وهو حفيدك. والثاني: أن تكون بنتك لأن البنت أم ولد الولد، وهو حفيد الرجل، فالحفيد إما ان يكون ابن الابن، أو بنت البنت، والثانية ليست مرادة هنا لأن تحريم البنت قد تقدم في المحرمات بالنسب، بل المراد الأولى، وهي زوجة الابن، ويقال لها أم ولد الولد، وهي محرمة بالمصاهرة لا بالرضاع، فلو أرضعت أجنبية ولد ولدك - حفيدك - فإن لك أن تتزوجها، ومثل ما إذا أرضعت زوجة ابنك ولداً أجنبياً، وله أم من النسب فإنها تحل لك، وكذا لو كان له أم أخرى أرضعته فإنها تحل لك، فأم ولد الولد المحرمة زوجة الابن خاصة، فإذا أرضعت ولد الولد أجنبية وكانت أمه من الرضاع لا تحرم، أو أرضعت زوجة الولد أجنبياً، فإنه يكون حفيد الرجل في الرضاع، لأنه رضع لبن ابنه، وكانت لهذا الولد أم نسبية، فإنها تحل، وكذا إذا كانت له أم أخرى من الرضاع، فإنها تحل، فالتي تحرم فقط هي زوجة الابن، وهي أم ولد الولد، سواء كان من النسب، أو كان ولد ولد بسبب الرضاع، أما أمهات ولد الولد من الرضاع، أو من النسب - غير زوجة الابن - فإنهن لا يحرمن.
ثالثها: جدة الولد، وجدة ولد الإنسان إما أمه، وإما أم زوجته، والأولى غير مقصودة هنا، والثانية، وهي أم تحرم بالمصاهرة لا بالرضاع، فلو أرضعت أجنبية ولدك فلا تحرم عليك أم هذه المرضعة مع كونها جدة ابنك في الرضاع لأمه.
هذا إذا كان الابن نسبياً، وله جدة من الرضاع، أما إذا كان رضاعياً بأن أرضعت زوجتك
стр. 1531
طفلاً أجنبياً، وله جدة من النسب، سواء كانت لأب، أو لأم، أو كانت له جدة رضاعية بأن رضع ثدي امرأة أخرى لها أم، فإن جداته تحل لوالده في الرضاع على كل حال.
أما أم الولد من النسب، فهي زوجة الرجل، وأما أمه من الرضاع، أي مرضعة الولد، فإنها تحل لأبيه بلا كلام، فأم الولد حلال لأبيه نسباً ورضاعاً.
رابعها: أخت ولدك، وهي إما أن تكون بنتك، أو تكون بنت امرأتك، والأولى أخت ولدك لأبيه، والثانية أخته لأمه، والأولى غير مقصودة هنا، لأن البنت محرمة بالنسب والرضاع كما تقدم، أما الثانية فإنها تحرم بالمصاهرة، إذ لا يجوز للرجل أن يتزوج بأخته من الرضاع، سواء كانت أخته بنت المرضعة، أو بنت زوجها الذي نشأ اللبن بسببه، أو كانت أجنبية عنهما، ولكن رضعت من ثدي مرضعته.
هذا إذا كان الولد نسبياً وكانت أخته نسبية، أو رضاعية، أما إذا كان الولد رضاعياً بأن أرضعت زوجتك طفلاً أجنبياً وكان له أخت من النسب، أو أخت من الرضاع، رضع هو وهي من ثدي امرأة أخرى غير زوجتك فإنهما يحلان لك كذلك.
وههنا مسألة وهي ما إذا رضع الابن من جدته لأمه نسباً، فهل تحرم أمه على زوجها؟ والجواب: كلا، فإن أمه في هذه الحالة تكون أختاً للولد من الرضاع، وقد عرفت أن أخت الولد من الرضاع تحل لأبيه، وأخت البنت كأخت الابن في جميع ما ذكر.
خامسها: أم العمة، أو العم، وأم العمة إما أن تكون هي الجدة، كما إذا كانت العمة شقيقة، أو تكون هي زوجة الجد إذا كانت غير شقيقة، وقد عرفت أن الأولى غير مقصودة، لأن الجدة حرمتها كحرمة الأم بالنسب لا بالمصاهرة، والثانية، وهي زوجة الجد لا يحل نكاحها بالمصاهرة ويحل بالرضاع، فلو أرضعت أجنبية العم، أو العمة، وصارت أماً لهما فإنها لا تحرم بالرضاع.
هذا إذا كان العم، أو العمة من النسب وأمهما من النسب، أو الرضاع، ومثل ذلك ما إذا كانا من الرضاع بأن أرضعت جدته أم أبيه أجنبياً، أو أجنبية، فصار له عماً، أو صارت له عمة بسبب هذا الرضاع، وكان لأحد العمين أم غير جدته رضع منها، فيقال لها: أم رضاعية، أو كان له أم نسبية فإن الأمين تحلان.
سادسها: أم الخال أو الخالة، وأم الخال هي الجدة لأم، وتحريمها ثابت بالنسب وبالرضاع، كالأم، وقد تقدم، والمقصود هنا زوجة الجد لأم، وهي لا تحل مصاهرة، وتحل
стр. 1532
رضاعاً، فلو أرضعت أجنبية خالك أو خالتك، فإنها تحل لك وإن كانت أماً لهما، ويقال في أم الخال والخالة مثل ما قيل في أم العم والعمة.
وبعد، فقد بقيت ههنا مسألتان: احداهما أنه قد تقدم أن حرمة المصاهرة تثبت بالعقد الصحيح وبالوطء، ولو كان بعقد فاسد أو بشبهة، وتقدم الخلاف في ثبوت حرمة المصاهرة بالزنا، فهل تثبت الحرمة في الرضاع بالزنا أو لا؟. ثانيتهما ما حد لبن الرجل النازل للمرأة، فهل يشترط فيه أن يكون نازلاً بسبب الحمل والولادة بوطء هذا الرجل أو لا؟ وإذا نزل للمرأة لبن وهي تحت زوج ثم طلقها وتزوجت بآخر ورضع منها طفل بعد طلاقها من الأول، فمن منهما يكون أبا الطفل من الرضاع؟.
والجواب عن المسألة الأولى: هو أنه إذا زنى رجل بامرأة وجاءت بولد من هذا الزنا، ونزل لها لبن بسبب هذه الولادة، فأرضعت منه طفلة أجنبية أصبحت هذه الطفلة بنتاً للزانية، بلا كلام، كما أن ولد الزنا ابنها، بلا خلاف، فتحرم الرضيعة على أصولها وفروعها وحواشيها، وإن كان الرضيع ذكراً حرمت عليه المرضعة وأصولها وفروعها وحواشيها، كما يحرمون على ولد الزنا نفسه. أما الزاني فإن هذه الطفلة تحرم عليه (١) وعلى أصوله وفروعه فقط، فلا تحرم على إخوته وأعمامه، وأخواله، كما تحرم بنت الزنا نفسها، وذلك لأن المولودة من الزنا لم يثبت نسبها منه، فلم تنشر الحرمة إلى حواشي الرجل، وإنما حرمت عليه أصوله وفروعه لكونها جزءاً منه متولدة من منيه كما تتولد بنت النسب وقد رضعت من لبنه القائم مقام المني في تحقيق هذه الجزئية.
стр. 1533
وأما الجواب عن المسألة الثانية، ففيه تفصيل المذاهب (١) .
стр. 1534
مبحث ما يثبت به الرضاع
يثبت الرضاع، إما بالشهود، وإما بإقرار الزوجين: أو أحدهما على تفصيل في المذاهب (١) .
كتاب الطلاق
تعريفه
-معناه في اللغة حل القيد، سواء كان حسياً، كقيد الفرس، وقيد الأسير. أو معنوياً، كقيد النكاح، وهو الارتباط الحاصل بين الزوجين، فيقال لغة: طلق الناقة، بتخفيف اللام، طلاقاً إذا حل قيدها وسرحها مثل أطلقها طلاقاً، وكذا يقال: طلقت المرأة بتخفيف اللام، مضمومة ومفتوحة، إذا بانت، فالطلاق مصدر طلق - بفتح اللام. وضمها مخففة - كالفساد، أما التطليق فهو مصدر طلق المشدد، كسلم تسليماً، وكلم تكليماً، وهو يستعمل كالطلاق في حل القيد، سواء كان حسياً، أو معنوياً، ثم إن الطلاق مع كونه مصدر طلق بالتخفيف، فإنه يستعمل اسم مصدر لطلق بالتشديد، فيقال: طلق الرجل امرأته، بالتشديد، طلاقاً فالطلاق اسم المصدر، وهو التطليق.
وإذا علمت ذلك فإنه يتضح لك أن اللغة تستعمل لفظ الطلاق أو التطليق في حل عقدة النكاح كما تستعمله في حل القيد الحسي. فالطلاق كانوا يستعملونه في الجاهلية في الفرقة بين الزوجين. فلما جاء الشرع أقر استعماله في هذا المعنى بخصوصه. مع تفاوت يسير في بعض عبارات الفقهاء. لما يترتب على ذلك من تفاوت في بعض الأحكام. ولهذا عرف في الاصطلاح بأنه إزالة النكاح. أو نقصان حله بلفظ مخصوص. ومعنى إزالة النكاح رفع العقد بحيث لا تحل له الزوجة بعد ذلك. وهذا فيما لو طلقها ثلاثاً. وقوله: أو نقصان حله معناه نقص عن الطلاق الذي يترتب عليه نقص حل الزوجة. وهذا كما إذا طلقها طلقة رجعية فإنها تنقص حلها. فبعد أن كانت تحل له مطلقاً. ويملك ثلاث طلقات. أصبحت لا تحل له بعد طلقتين، ولا يملك إلا طلقتين، وهو معنى قول بعضهم في تعريف الطلاق: إنه رفع قيد النكاح أو بعضه، لأن غرضه رفع بعض القيد بطلقة رجعية، فإن القيد يرتفع كله بثلاث طلقات، فيرتفع بعضه بواحدة.
والحاصل أن الطلاق الرجعي لا يرفع عقدة النكاح (١) . وإنما ينقص عدت الطلقات الذي
стр. 1542
يترتب عليه نقصان الحل على الوجه الذي عرفته، فلذا يحل للمطلق رجعياً أن يطأ زوجته المطلقة ما دامت في العدة، ويعتبر وطؤه رجعة، فلا يشترط أن يراجعها بلفظ خاص قبل أن يطأها، كما سيأتي في مباحث الرجعة، كما لا يشترط أن ينوي (١) رجعتها بالوطء، فكان من الضروري زيارة قيد في تعريف الطلاق يدخل به الطلاق الرجعي.
أركان الطلاق
-للطلاق أركان أربعة (٢) : أحدها الزوج، فلا يقع طلاق الأجنبي الذي لا يملك عقدة
стр. 1543
النكاح لأنك قد عرفت أن الطلاق رفع عقدة النكاح، فلا تتحقق ماهية الطلاق إلا بعد تحقق العقد، فلو علق الطلاق على زواج الاجنبية، كما لو قال: زينب طالق إن تزوجتها، ثم تزوجها، فإن طلاقه لا يقع (١) لقوله صلى الله وعليه وسلم: "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك ولا طلاق فيما لا يملك" رواه أحمد. وأبو داود والترمذي وحسنه.
ثانيها: الزوجة، فلا يقع الطلاق على الأجنبية، كما عرفت. ومثلها الموطوءة بملك اليمين، فلو طلق جاريته لا يقع طلاقه لأنها ليست زوجة، ولو قال: هند بنت فلان طالقة قبل أن يتزوجها ثم تزوجها فإن طلاقه الأول يكون ملغى، ويكون مالكاً للطلقات الثلاث، ويلحق بالأجنبية امرأته التي طلقها طلاقاً بائناً ولم يجدد عليها عقداً، فإنه إذا طلقها ثانياً فإن طلاقه لا يعتبر لأنها ليست زوجة له، أما امرأته التي طلقها رجعياً فإنه طلقها وهي في العدة طلاقاً ثانياً فإنه يلحق بالأول، لأن الطلاق الرجعي لم يخرجها عن كونها زوجة له.
стр. 1544
ثالثها: صيغة الطلاق، وهي اللفظ الدال على حل عقدة النكاح صريحاً كان، أو كناية.
رابعها: القصد، بأن يقصد النطق بلفظ الطلاق، فإذا أراد أن ينادي امرأته باسمها طاهرة، فقال لها: يا طالقة خطأ لم يعتبر طلاق ديانة، كما ستعرفه في الشروط.
شروط الطلاق
-طلاق المكره - طلاق السكران - الطلاق بالإشارة، والكتابة - طلاق الهازل، والمخطئ - طلاق الغضبان. يشترط للطلاق شروط: بعضها يتعلق بالزوج المطلق، وبعضها يتعلق بالزوجة، وبعضها يتعلق بالصيغة، فيشترط في المطلق أمور:
أحدها: أن يكون عاقلاً، فلا يصح طلاق المجنون، ولو كان جنونه متقطعاً يأتيه مرة، ويزول عنه مرة أخرى، فإذا طلق حال جنونه لا يعتبر ولا يحسب عليه بعد الإفاقة.
والمراد بالجنون من زال عقله بمرض، فيدخل المغنى عليه. والمحموم الذي غيبت عقله الحمى فصار يهذي. ومن زال عقله بسبب صداع شديد أو مرض مخي. أما الذي لم يزل عقله ولكنه يغطي ويستتر بسبب تناول مسكر من خمر. وحشيش. وأفيون. وكوكايين. ونحو ذلك من المخدرات التي تغطي العقل، فإن تناولها الشخص وهو عالم بأنها تزيل العقل ليسكر ويطرب، فذهب عقله وطلق امرأته فإن طلاقه يقع عليه، وإن تناولها وهو يعتقد أنها لا تسكر. أو تناولها لتوقف إزالة مرضه عليها، فغاب عقله وطلق فإن طلاقه لا يقع.
وحاصل ذلك أن كل ما يأثم الإنسان بتناوله من المسكرات، فإنه إذا غاب به وطلق زوجته وهو لا يدري فإن طلاقه يقع عليه زجراً ولأمثاله الذين ينتهكون حرمات الدين، أما الذي لا يأثم بتناوله فإنه لا يحسب عليه لأنه معذور.
ولا فرق في وقوع طلاق السكران المعتدي بسكره بين أن يصل إلى حد يشبه فيه المجنون (١) ، فلا يفرق بين السماء والأرض، ولا بين الرجل والمرأة أو لا، فطلاقه يقع سواء