كتاب الطلاق
تعريفه
-معناه في اللغة حل القيد، سواء كان حسياً، كقيد الفرس، وقيد الأسير. أو معنوياً، كقيد النكاح، وهو الارتباط الحاصل بين الزوجين، فيقال لغة: طلق الناقة، بتخفيف اللام، طلاقاً إذا حل قيدها وسرحها مثل أطلقها طلاقاً، وكذا يقال: طلقت المرأة بتخفيف اللام، مضمومة ومفتوحة، إذا بانت، فالطلاق مصدر طلق - بفتح اللام. وضمها مخففة - كالفساد، أما التطليق فهو مصدر طلق المشدد، كسلم تسليماً، وكلم تكليماً، وهو يستعمل كالطلاق في حل القيد، سواء كان حسياً، أو معنوياً، ثم إن الطلاق مع كونه مصدر طلق بالتخفيف، فإنه يستعمل اسم مصدر لطلق بالتشديد، فيقال: طلق الرجل امرأته، بالتشديد، طلاقاً فالطلاق اسم المصدر، وهو التطليق.
وإذا علمت ذلك فإنه يتضح لك أن اللغة تستعمل لفظ الطلاق أو التطليق في حل عقدة النكاح كما تستعمله في حل القيد الحسي. فالطلاق كانوا يستعملونه في الجاهلية في الفرقة بين الزوجين. فلما جاء الشرع أقر استعماله في هذا المعنى بخصوصه. مع تفاوت يسير في بعض عبارات الفقهاء. لما يترتب على ذلك من تفاوت في بعض الأحكام. ولهذا عرف في الاصطلاح بأنه إزالة النكاح. أو نقصان حله بلفظ مخصوص. ومعنى إزالة النكاح رفع العقد بحيث لا تحل له الزوجة بعد ذلك. وهذا فيما لو طلقها ثلاثاً. وقوله: أو نقصان حله معناه نقص عن الطلاق الذي يترتب عليه نقص حل الزوجة. وهذا كما إذا طلقها طلقة رجعية فإنها تنقص حلها. فبعد أن كانت تحل له مطلقاً. ويملك ثلاث طلقات. أصبحت لا تحل له بعد طلقتين، ولا يملك إلا طلقتين، وهو معنى قول بعضهم في تعريف الطلاق: إنه رفع قيد النكاح أو بعضه، لأن غرضه رفع بعض القيد بطلقة رجعية، فإن القيد يرتفع كله بثلاث طلقات، فيرتفع بعضه بواحدة.
والحاصل أن الطلاق الرجعي لا يرفع عقدة النكاح (١) . وإنما ينقص عدت الطلقات الذي
стр. 1542
يترتب عليه نقصان الحل على الوجه الذي عرفته، فلذا يحل للمطلق رجعياً أن يطأ زوجته المطلقة ما دامت في العدة، ويعتبر وطؤه رجعة، فلا يشترط أن يراجعها بلفظ خاص قبل أن يطأها، كما سيأتي في مباحث الرجعة، كما لا يشترط أن ينوي (١) رجعتها بالوطء، فكان من الضروري زيارة قيد في تعريف الطلاق يدخل به الطلاق الرجعي.
أركان الطلاق
-للطلاق أركان أربعة (٢) : أحدها الزوج، فلا يقع طلاق الأجنبي الذي لا يملك عقدة
стр. 1543
النكاح لأنك قد عرفت أن الطلاق رفع عقدة النكاح، فلا تتحقق ماهية الطلاق إلا بعد تحقق العقد، فلو علق الطلاق على زواج الاجنبية، كما لو قال: زينب طالق إن تزوجتها، ثم تزوجها، فإن طلاقه لا يقع (١) لقوله صلى الله وعليه وسلم: "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك ولا طلاق فيما لا يملك" رواه أحمد. وأبو داود والترمذي وحسنه.
ثانيها: الزوجة، فلا يقع الطلاق على الأجنبية، كما عرفت. ومثلها الموطوءة بملك اليمين، فلو طلق جاريته لا يقع طلاقه لأنها ليست زوجة، ولو قال: هند بنت فلان طالقة قبل أن يتزوجها ثم تزوجها فإن طلاقه الأول يكون ملغى، ويكون مالكاً للطلقات الثلاث، ويلحق بالأجنبية امرأته التي طلقها طلاقاً بائناً ولم يجدد عليها عقداً، فإنه إذا طلقها ثانياً فإن طلاقه لا يعتبر لأنها ليست زوجة له، أما امرأته التي طلقها رجعياً فإنه طلقها وهي في العدة طلاقاً ثانياً فإنه يلحق بالأول، لأن الطلاق الرجعي لم يخرجها عن كونها زوجة له.
стр. 1544
ثالثها: صيغة الطلاق، وهي اللفظ الدال على حل عقدة النكاح صريحاً كان، أو كناية.
رابعها: القصد، بأن يقصد النطق بلفظ الطلاق، فإذا أراد أن ينادي امرأته باسمها طاهرة، فقال لها: يا طالقة خطأ لم يعتبر طلاق ديانة، كما ستعرفه في الشروط.
شروط الطلاق
-طلاق المكره - طلاق السكران - الطلاق بالإشارة، والكتابة - طلاق الهازل، والمخطئ - طلاق الغضبان. يشترط للطلاق شروط: بعضها يتعلق بالزوج المطلق، وبعضها يتعلق بالزوجة، وبعضها يتعلق بالصيغة، فيشترط في المطلق أمور:
أحدها: أن يكون عاقلاً، فلا يصح طلاق المجنون، ولو كان جنونه متقطعاً يأتيه مرة، ويزول عنه مرة أخرى، فإذا طلق حال جنونه لا يعتبر ولا يحسب عليه بعد الإفاقة.
والمراد بالجنون من زال عقله بمرض، فيدخل المغنى عليه. والمحموم الذي غيبت عقله الحمى فصار يهذي. ومن زال عقله بسبب صداع شديد أو مرض مخي. أما الذي لم يزل عقله ولكنه يغطي ويستتر بسبب تناول مسكر من خمر. وحشيش. وأفيون. وكوكايين. ونحو ذلك من المخدرات التي تغطي العقل، فإن تناولها الشخص وهو عالم بأنها تزيل العقل ليسكر ويطرب، فذهب عقله وطلق امرأته فإن طلاقه يقع عليه، وإن تناولها وهو يعتقد أنها لا تسكر. أو تناولها لتوقف إزالة مرضه عليها، فغاب عقله وطلق فإن طلاقه لا يقع.
وحاصل ذلك أن كل ما يأثم الإنسان بتناوله من المسكرات، فإنه إذا غاب به وطلق زوجته وهو لا يدري فإن طلاقه يقع عليه زجراً ولأمثاله الذين ينتهكون حرمات الدين، أما الذي لا يأثم بتناوله فإنه لا يحسب عليه لأنه معذور.
ولا فرق في وقوع طلاق السكران المعتدي بسكره بين أن يصل إلى حد يشبه فيه المجنون (١) ، فلا يفرق بين السماء والأرض، ولا بين الرجل والمرأة أو لا، فطلاقه يقع سواء
كان في أول سكره، أو في نهايته القصوى، ثانيها: أن يكون بالغاً، فلا يقع طلاق الصغير الذي لم يبلغ، ولم مراهقاً مميزاً (١) ، ولا يحسب عليه طلاقه حال الصغر مطلقاً ولو كبر. ثالثها: أن يكون مختاراً فلا يصح طلاق المكره على تفصيل في المذاهب (٢) .
стр. 1547
ويشترط في الزوجة أمور:
الأول: أن تكون باقية في عصمته، فإذا بانت منه وطلقها وهي في العدة فلا يقع طلاقه لأنها وإن كانت زوجته باعتبار كونها في العدة، ولكن لما طلقها طلاقاً بائناً لم يكن له عليها ولاية.
الثاني: أن لا تكون موطوءة بملك اليمين، فإذا طلق أمته فلا يقع عليه، كما تقدم.
الثالث: أن تكون زوجته بالعقد الصحيح، فإذا عقد على معتدة. أو عقد على أخت امرأته. أو نحو ذلك من العقود الباطلة التي تقدمت فإنه لا يقع عليه طلاقها لأنها ليست زوجة له.
ويشترط في الصيغة أمران أحدهما: أن تكون لفظاً يدل على الطلاق صريحاً، أو كناية، فلا يقع الطلاق بالأفعال، كما إذا غضب على زوجته فأرسلها إلى دار أبيها، وأرسل لها متاعها ومؤخر صداقها بدون أن يتلفظ بالطلاق، فإن ذلك لا يعتبر طلاقاً، وكذا لا يقع بالنية. بدون لفظ، فلو نوى الطلاق. أو حدث به نفسه (١) فإنه لا يقع.
وهل الإشارة والكناية من الأخرس أو من غيره يقومان مقام اللفظ، أو لا؟ في الجواب عن ذلك تفصيل المذاهب (٢) .
стр. 1551
ثانيهما أن يكون اللفظ مقصوداً، فإذا أراد أن يقول لامرأته: أنت طاهرة، فسبق لسانه وقال لها: أنت طالق فإن طلاقه لا يقع بينه وبين الله تعالى، أما في القضاء فإنه يعتبر لأنه لا اطلاع للقاضي على ما في نفسه، ويقال لمن وقع منه ذلك: مخطئ.
أما طلاق الغضبان فاعلم أن بعض العلماء قد قسم الغضب إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون الغضب في أول أمره، فلا يغير عقل الغضبان بحيث يقصد ما يقوله ويعلمه، ولا ريب في أن الغضبان بهذا المعنى يقع طلاقه وتنفذ عباراته باتفاق.
الثاني: أن يكون الغضب في نهايته بحيث يغير عقل صاحبه ويجعله كالمجنون الذي لا يقصد ما يقول ولا يعلمه، ولا ريب في أن الغضبان بهذا المعنى لا يقع طلاقه، لأنه هو والمجنون سواء.
الثالث: أن يكون الغضب وسطاً بين الحالتين، بأن يشتد ويخرج عن عادته ولكنه لا يكون كالمجنون الذي لا يقصد ما يقول ولا يعلمه، والجمهور على أن القسم الثالث يقع به الطلاق (١) .
стр. 1556
هذا، ولا يشترط لصحة الطلاق الإسلام، فإذا طلق الذمي امرأته فإن طلاقه يعتبر، كما تقدم في مبحث أنكحة غير المسلمين (١) .
مبحث تقسيم الطلاق
-قسم الفقهاء الطلاق باعتبارات مختلفة، فمن حيث وصفه بالأحكام الشرعية قسموه إلى واجب، ومحرم، ومكروه، ومندوب، وجائز، فيقال: الطلاق واجب إذ عجز الرجل عن القيام بحقوق الزوجية، ويقال: محرم إذا ترتب عليه الوقوع في حرام، أو تربت عليه اجحاف بالمرأة وظلم، ويقال: مكروه أو مندوب. أو جائز باعتبار ما يترتب عليه مما سنعرفه قريباً.
стр. 1557
وقسموه باعتبار الوقت الذي ينبغي أن يوقعه الزوج فيه إلى سني، ويدعي، وهذا لا ينافي وصفه بالأحكام الشرعية المتقدمة.
وقسموه من حيث صيغته ولفظه إلى صريح، وكناية، وإلى بائن، ورجعي، ونبين كل قسم في مبحث خاص به.
تقسيمه إلى واجب ومحرم الخ
-الأصل في الطلاق أن يوصف بالكراهة فكل طلاق في ذاته مكروه (١) فليس للرجل أن يطلق زوجته بدون سبب، ولذا قال ﷺ "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، ولا يراد أن الحلال ليس فيه شيء مبغوضاً لله تعالى، بل جميع أفراده ممدوحة في نظر الشرع فهي محبوبة، لأن المراد بالحلال ما قابل الحرام فيشتمل المباح والمكروه، والطلاق من أفراد المكروه المبغوض وهو أشد المكروهات بغضاً، فالطلاق، وإن جعله الشارع سبباً صحيحاً لفرقة الزوجين، ولكنه يكرهه ولا يرضى عن استعماله بدون سبب، ثم إن الأسباب التي تعرض للطلاق تارة تجعله موصوفاً بالوجوب، وتارة تجعله موصوفاً بالحرمة، وتارة تجعله مكروهاً، وتارة تجعله مندوباً، فيكون واجباً يجبر عليه إذا عجز الزوج عن اتيان المرأة أو الانفاق (٢) عليها فإن لها أن تطلب تطليقها وتجاب إلى طلبها، على أنه يجب على الرجل ديناً في هذه الحالة أن يطلق زوجته حتى لا يترتب على إمساكها فساد أخلاقها، وهتك عرضها والإضرار بها، ويكون حراماً إذا ترتب عليه الزنا بها أو بأجنبية، أو ترتب عليه أكل حقوق الناس، ويكون مكروهاً إذا طلقها دون سبب، لما عرفت أن الأصل في عدم الجواز، ويكون مندوباً إذا كانت فاسدة (٣) الأخلاق، سواء كانت زانية أو متهتكة أو تاركة للفرائض من الصلاة، والصيام، ونحوهما.
стр. 1558
مبحث الطلاق السني والبدعي وتعريف كل منهما
-قد عرفت أن الطلاق ينقسم إلى سني وبدعي، فأما السني فهو ما كان في زمن معين وكان بعدد معين (١) ، والبدعي ما ليس كذلك، مثلاً إذا طلقها وهي حائض، أو نفساء. أو طلقها ثلاثاً كان ذلك طلاقاً بدعياً، على أن تعريف السني والبدعي، وما يتعلق بهما تفصيل المذاهب (٢)
مبحث ما يترتب على الطلاق البدعي من الأحكام
-إذا طلق الزوج امرأته طلاقاً بدعياً فإنه تسن له رجعتها (١) إن كان لها رجعة ثم يمسكها إلى أن تطهر من الحيض الذي طلقها فيه ثم تحيض ثانياً وتطهر بدون أن يقربها ثم يطلقها في الطهر الثاني الذي لم يقربها فيه ولا في الحيض الذي قبله، ويحسب عليه الطلاق البدعي سواء كان واحداً أو أكثر باتفاق الأئمة الأربعة، وخالفهم بعض الشواذ الذين لا يعول على آرائهم.
دليل تحريم طلاق البدعة من الكتاب والسنة
-عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله وعليه وسلم، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله وعليه وسلم عن ذلك، فقال: رسول الله صلى الله وعليه وسلم: "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" رواه البخاري.
سنورد لك في شرح هذا الحديث خلاصة لما تقدم، لأنه يشتمل على أمور:
- ١ - بيان معناه
- ٢ - هل طلاق الحائض ومن في حكمها حرام. أو مكروه؟
- ٣ - هل للزوج أن يطلق زوجته في غير زمن الحيض والنفاس بدون سبب أو لا؟ وما رأي الأئمة في ذلك؟
- ٤ - هل قوله ﷺ لعمر: "مره فليراجعها" أمر لابنه عبد الله، أو لا؟
- ١ - معنى هذا الحديث أن النبي ﷺ نهى عن الطلاق في حالتين: احداهما أن تكون المرأة حائضاً. ثانيهما: أن تكون طاهرة من الحيض ولكن زوجها أتاها في هذا الطهر لأنه ﵊ خيره بين إمساكها وبين طلاقها في الطهر قبل أن يمسها، وقد جاء في بعض الروايات أنه ﵊ قد غضب من تطليق عبد الله زوجته حال حيضها، وسبب غضبه فيما يظهر أن الطلاق حال الحيض قد نهى الله عنه بقوله: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ ، وما كان لعمر وابنه أن يخفى عليهما ذلك الحكم مع ما لهما من المنزلة العلمية الرفيعة في الدين، أما كون عبد الله قد فعل ذلك عمداً لعدم استطاعته ضبط نفسه وهو عالم بالحكم فهو بعيد، لأن عبد الله بن عمر كان شديد التمسك بأحكام الدين معروفاً بالورع والتقوى والقدرة على ضبط نفسه.
ومعنى قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ لوقت عدتهن: أي طلقوهن عند حلول وقت العدة لا قبلها بحيث تشرع المرأة في العدة عقب الطلاق بدون فاصل.
وظاهر أن الطلاق في الحيض يعوق المرأة عن الشروع في العدة، فإن الحيض الذي طلقت فيه لا يحسب لها من العدة باتفاق بين من يقول: إنها تعتد بثلاث حيض. وبين من يقول: إنها تعتد بثلاثة أطهار، أما الثاني فظاهر، وأما الأول فلأن الحيضة التي وقع الطلاق في
стр. 1570
خلالها لا تحسب إذ الشرط عندهم أن تكون الحيضة كاملة بعد وقوع الطلاق، فلا يعتد بالناقصة ولو لحظة. وظاهر هذا التعليل يؤيد الشافعية والمالكية الذين يقولون: إن المرأة تعتد بالطهر لا بالحيض فإذا طلق الرجل امرأته في الطهر الذي لم يقربها فيه فإنها بذلك تشرع في العدة عقب الطلاق مباشرة بدون أن يفوتها من الزمن شيء ما، وذلك لأن الطهر الذي طلقت فيه يحسب لها من الأطهار الثلاثة التي تنقضي بها عدتها حتى ولو بقيت منه لحظة واحدة مثلاً إذا طلقها قبل طلوع الشمس بخمس دقائق وهي طاهرة ثم نزل بها دم الحيض بعد طلوع الشمس حسبت لها الخمس دقائق طهراً كاملاً، فإذا كانت ممن يحيض كل خمسة عشر يوماً مرة، فحاضت مرة ثانية وطهرت احتسب لها الطهر ثانياً، فإذا حاضت بعد خمسة عشر يوماً مرة ثالثة وطهرت احتسب لها طهراً ثالثاً، وتنقضي عدتها بمجرد أن ينزل عليها دم الحيضة الرابعة وعلى هذا القياس.
أما الحنفية والحنابلة الذين يقولون: إن المرأة تعتد بالحيض، ويقولون: إذا طلقت وهي حائض فإن هذه الحيضة لا تحسب من حيض عدتها الثلاث، فإنهم يقولون: إن الغرض من الآية الكريمة إنما هو الأمر بطلاق المرأة في وقت الذي تستقبل فيه عدتها بلا فاصل، فإذا طلقها في الطهر الذي لم يجامعها فيه، فإنها بذلك تستقبل أول حيضة تحسب لها من العدة وليس الغرض أن تشرع في العدة عقب طلاقها فوراً، لأن ذلك مما لا لزوم له، ولكل من الفريقين أدلة يؤيد بها رأيه محلها مباحث العدة.
وسواء أكان هذا أم ذاك فإن الكل متفقون على أنه لا يجوز للرجل أن يطلق زوجته وهي حائض، أو نفساء. كما لا يجوز له أن يطلقها وهي طاهرة من الحيض والنفاس إذا جامعها في هذا الطهر، وهذا صريح حديث ابن عمر الذي بين به النبي ﷺ آية ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ وكذلك قد اصطلحوا على تسمية الطلاق في هذه الحالة بدعياً، وتسمية ما يقابله، وهو ما إذا طلقها في طهر لا وطء فيه، ولا في حيض قبله سنياً.
ومما لا خفاء فيه أن المراد الزوجة المدخول بها وهي التي تجب عليها العدة، فإن أراد أن يطلق زوجته قبل الدخول وهي حائض فإن له ذلك، وكذا إذا أراد أن يطلق زوجته الصغيرة التي لا تحيض، أو اليائسة من الحيض، فإن له أن يطلقها بدون تحديد وقت، لأن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر لا بالحيض، وأيضاً زوجته الحامل فإن له أن يطلقها بدون تحديد لأن عدتها تنقضي بالحمل، وقد أصبح معلوماً لهما، فلا يندم على طلاقها.
стр. 1571
- ٢ - أما الجواب عن السؤال الثاني، فقد أجمع الأئمة الأربعة على أن طلاق المرأة وهي حائض أو نفساء معصية محرمة، ويقال له: بدعي، منسوب للبدعة المحرمة، بخلاف طلاقها في الطهر الذي جامعها فيه، فإن المالكية قالوا: إنه مكروه لا حرام، ولكن الحديث الذي معنا لم يظهر منه فرق بين الحالتين، فمن أين نأخذ أنه في الأول حرام، وفي الثاني مكروه؟ ولعلهم يفرقون بين الحالتين بأن النبي ﷺ قد غضب لما قال له عمر: إن عبد الله طلق امرأته وهي حائض وغضب النبي ﷺ على أنه معصية، أما في الحالة الثانية فإنه بين الطريق التي تتبع فخيره بين أن يمسكها وبين أن يطلقها من قبل أن يمسها، ولا دليل في هذا على التحريم إذا طلقها بعد أن يمسها، غايته أنه يكره.
- ٣ - أما الجواب عن السؤال الثالث، فبالسلب، فلا يجوز للرجل أن يطلق امرأته بدون سبب ولو كان طلاقاً سنياً. وقد أجمع الأئمة الأربعة على أن الأصل في الطلاق المنع ما عدا المالكية فإنهم قالوا: خلاف الأولى، ثم إن الشافعية والحنابلة قالوا: مكروه، وظاهر عبارات الحنفية تفيد كراهة التحريم، وعلى هذا فلا يحل للزوج أن يطلق زوجته إلا لحاجة تقتضي الطلاق، وذلك لأن الطلاق يقطع عقد الزواج وقد شرعه الله لضرورة التناسل الذي لا بد منه لبقاء العمران إلى الأجل الذي أراده الله وقضاه، فخلق من أجل ذلك الزوجين وجعل بينهما مودة ورحمة، فطلاق الزوجة من غير سبب سفه وكفران لنعمة الله، فضلاً عما فيه من أذى يلحق الزوجة وأولادها إن كان لها أولاد. فما يفعله بعض الشهويين الذين لا خلاق لهم من تطليق زوجاتهم بدون سبب لا يقره الدين الإسلامي ولا يرضاه، ولا بد أن ينتقم الله من هؤلاء في الدنيا وفي الآخرة، ولا يبرر جنايتهم على زوجاتهم الغافلات المخلصات وأبنائهم الضعاف ما يزينه لهم بعض السخفاء من جواز الحصول على أكبر قسط ممكن من اللذات المباحة، لأن العدوان على الزوجة المخلصة بدون سبب يجعله حراماً لا مباحاً، فلا يصح للإنسان أن يؤذي الناس من أجل أن يتلذذ، وإلا كان هو والحيوان المفترس سواء، على أن الذين يعتقدون أن علاقة الزوجية منحصرة في الاستمتاع والتلذذ بالمرأة بدون أن تتجاوزه إلى معنى آخر فيندفعون وراء شهواتهم كالبهم بدون حساب، مخطئون كل الخطأ، فإن علاقة الزوجية لها من التقديس والاحترام فوق هذا الذي يظنون، كيف لا وهي أساس بناء العمران وسبب وجود الإنسان، إذ لولا ما أوجده الله من الرحمة والمودة بين الزوجين وأودعه في قلبيهما من العطف الذي يدفع كل واحد إلى التعلق بالآخر لما وجد النوع الإنساني، فلا يحل للرجل أن ينظر إلى زوجته نظراً مهيناً فيظن أنها ليست سوى محل لقضاء اللذة بدون تدبر للسبب الحقيقي الذي جمعهما الله من أجله.
стр. 1572
أما الأسباب التي تعرض للطلاق، فإن بعضها يرجع إلى الزوج، وبعضها يرجع إلى الزوجة.
فالأسباب التي ترجع إلى الزوج تنقسم إلى قسمين: قسم يجعل الطلاق واجباً، وقسم يجعله محرماً.
فأما القسم الأول فإنه يجب الطلاق في حالتين: الحالة الأولى أن يعجز عن اعفاف المرأة بأن كان عنيناً بحسب خلقته. أو عرض له ما أقعده عن اتيانها بسبب مرض، أو كبر، وكانت المرأة تتوق للرجال فلا تستطيع عنهم صبراً، فإنه يجب عليه في هذه الحالة طلاقها فراراً بعرضه وكرامته، لأن إمساكها على هذه الحالة يترتب عليه فساد أخلاق، وانتهاك حرمات، وضياع أعراض، وكل ذلك شر وبيل يجب القضاء عليه واجتنابه بكل الوسائل، على أن العنة وعدم القدرة على اعفاف المرأة قد يكون سبباً لإجبار الزوج على الطلاق في بعض الأحوال، كما تقدم في بابه.
والحنابلة يقولون: إنه إذا عجز عن اتيانها كل أربعة أشهر فإن لها أن تطلب طلاقها ويطلق القاضي عليه. الأمر الثاني: أن يعجز عن الانفاق عليها، وهذه الحالة أسوأ من الأولى، لأن الذي يترك زوجته بدون انفاق فقد عرضها بذلك للفساد الدائم إذ لا مناص لها من الحصول على قوتها وملبسها وما يلزم من ضروريات العيش فتضطر لسلوك أخس السبل للحصول على ضرورياتها. خصوصاً إذا كانت ممن يرغب فيها، وقد يطيب لبعض فاسدي الأخلاق الاتجار بعرض زوجته وذلك واقع كثيراً، ولذا أجمع ثلاثة من الأئمة على إجبار الرجل على تطليق زوجته إذا لم ينفق عليها، أما الحنفية الذين يقولون: إن الطلاق في يد الرجل وحده فإنهم لا يتركون المرأة بدون نفقة، بل يقولون: إن من لم ينفق ولم يسرح زوجته بالمعروف يعزره القاضي بالحبس ونحوه حتى يرغمه على الطلاق أو الإنفاق، فهذان السببان هما اللذان يوجبان الطلاق على الزوج. ومتى كان الرجل قادراً على اعفاف المرأة وصيانة عرضها. وقادراً على الإنفاق عليها ولم يقصر معها في حقوقها فإنه لا يتصور وجوب الطلاق عليه عند ذلك.
ويجب أيضاً إذا حكم به الحكمان في صورة الشقاق المذكورة في قوله تعالى: ﴿فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها﴾ ، فإذا قضي الحكمان بالطلاق فإنه يجب تنفيذ طلاقهما بعوض أو غير عوض خلافاً للحنفية ولكن الواقع أن الشقاق مهما اشتد أمره فإنه قابل للزوال، فلا يصح للحكمين تطليقها بسبب الشقاق إلا إذا أفضت معاشرتهما إلى فساد، كأن ترتب على شقاقهما كره طبيعي يسوق المرأة إلى البحث عن غيره وخيانته في عرضه، أو غير ذلك من المفاسد الخلقية والاجتماعية التي تقضي على الأسرة وتخل بنظامها، فإنني أرى في هذه الحالة وجوب الفراق.
стр. 1573
وأما القسم الثاني: فإن الطلاق يكون محرماً في حالتين أيضاً:
احداهما: أن يطلقها فراراً من إعطائها حقها، كما إذا كان تحته أكثر من زوجتين فأعطى بعضهن حقوقهن في القسم حتى إذا جاءت نوبة واحدة طلقها قبل أن يقسم لها، لأن ذلك ظلم لها فلا يحل له أن يطلقها قبل أن يعطيها حقها. الحالة الثانية: أن تكون عفيفة مستقيمة وله فيها رغبة ويخشى على نفسه الزنا إذا طلقها لعدم قدرته على غيرها فإن في هذه الحالة يحرم عليه تطليقها، وقد مثل بالأول الشافعية وبالثاني المالكية، وكلاهما حسن لأن الغرض درء المفاسد بقدر المستطاع، فهذه هي الأسباب التي ترجع إلى الزوج وبها يجب عليه الطلاق، أو يحرم. أما الأسباب التي ترجع إلى الزوجة، فإنها تارة تكون متعلقة بعرضها ودينها وتارة تكون متعلقة بعدم صلاحيتها للاستمتاع، فإن كان الرجل يرتاب في سلوك المرأة، أو اعتقد أنها زانية بالفعل أو كانت فاسقة بترك الصلاة ونحوها من الفرائض فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز للرجل أن يمسكها متى عجز عن تقويمها وتربيتها، إلا أنهم اختلفوا في عدم الجواز، فقال بعضهم: إنه يحرم عليه إمساكها ويجب عليه طلاقها، وبعضهم قال: إنه يكره له إمساكها، ويسن له طلاقها والأول مذهب الحنابلة، ويظهر أن الذين قالوا بالكراهة فقط نظروا إلى ما عساه أن يترتب على تطليقها من شر وفساد يلحق الرجل، فربما كان متعلقاً بها لا يستطيع أن يسلوها فيضطر إلى معاشرتها بالحرام، أو يكون غير قادر على ضبط نفسه وليس لديه من المال ما يتزوج به غيرها فيقع بسبب طلاقها في الزنا، ومثل هذه الأمور تحتاط لها الشريعة الإسلامية كل الاحتياط.
فليس من محاسن التشريع الإسلامي المشهور بدقته أن يكون فراقها حتماً لازماً، لأن النفوس تتفاوت. وحاجات الناس تختلف. فمن كان قوي الإرادة ذا غيرة وحماس فإن الشريعة تشجعه على طلاق فاسدة الأخلاق وتقول له: إن لك عليه أجراً، ومن كان ضعيف الإرادة يؤذيه طلاق امرأته فإنها لم تحتم عليه طلاقها وذلك هو أعدل الموازين، أما أنا فأميل إلى ما ذهب إليه الإمام أحمد من أن المرأة فاسدة الأخلاق إذا عجز زوجها عن تقويمها ويئس من اصلاحها، وعلم أنها غير مصونة العرض، فإن طلاقها يكون واجباً وإمساكها يكون محرماً. فإن الرضا بها معناه الرضا بتكوين أسرة فاسدة تضر المجتمع الإنساني، إذ المرأة الفاسدة لا يقتصر ضررها عليها وحدها، ولكنه يتناول أولادها ومن يتصل بها، ومثل هذه يجب على الناس كلهم أن ينبذوها ولا يتخذوها أماً لأولادهم ولا مربية لأبنائهم وبناتهم، وهذا هو الذي
стр. 1574
تؤيده قواعد الدين الحنيف، دين الأدب والأخلاق، فقد حثت السنة على الغيرة على الأعراض، وأوجبت الدفاع عنها في كثير من المواضع، وزجرت الذي يرضى بالفساد زجراً شديداً، فقد قال رسول الله ﷺ " ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً: الديوث، والرجلة من النساء، ومدمن الخمر. فقالوا: يا رسول الله أما مدمن الخمر فقد عرفناه، فما الديوث؟ قال الذي لا يبالي من دخل على أهله. قيل: فما الرجلة من النساء؟ قال: "التي تشبه بالرجال" رواه الطبراني، وروى مثله النسائي، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وقد روى البخاري أن سعد بن عبادة قال للنبي ﷺ "لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح"، فقال النبي ﷺ : "أتعجبون من غيره سعد؟! لأنا أغير منه والله أغير مني".
فإذا كانت قواعد الإسلام مبنية على الغيرة على الأعراض واحتقار الديوث وحرمانه من رضوان الله، فكيف يكون طلاق فاسدة الأخلاق مندوباً فقط؟! لا شك أنه واجب وإمساكها محرم، وليس من الشهامة أن يصبر الإنسان على عضو فاسد حتى يفسد جميع بدنه خوفاً من التألم الذي يلحقه عند بتره، أما إذا كان السبب عدم صلاحية المرأة للاستمتاع، بسبب عيوب قائمة بها أو كبر أو نحو ذلك. فإنه يباح للرجل في هذه الحالة أن يطلقها على أن الشريعة في هذه الحالة تنظر إلى الآثار المترتبة على إمساكها، أو تطليقها. فإن كان الرجل في غنى عن النساء وليس له أمل في ذرية فإنه يترجح إمساكها، خصوصاً إذا كان طلاقها يؤذيها ويعرضها للبؤس والشقاء فإن الرحمة والشفقة من الضروريات في نظر الشريعة، وإن كان إمساكها يترتب عليه فساد الرجل كما هو مشاهد في بعض الشبان الذين يتزوجون العجائز طمعاً في مالهن لينفقوه على شهواتهم المحرمة، فإن إمساكها يكون حراماً.
- ٤ - أما الجواب عن السؤال الرابع، فإن أمر عمر في هذه الحالة بأن يأمر ابنه معناه أن يبلغه أمر الوصول. وبذلك يكون الأمر موجهاً إلى عبد الله مباشرة، وهذا مما لا يصح أن يرتاب فيه، لأن المسألة مختصة بعبد الله، وليس لأبيه عمر أي دخل فيها، فلا يصح أن يقال: إن المسألة الأصولية إذا أمر شخص غيره بأمر يأمر به غيره لا يكون المأمور الثاني مكلفاً بذلك الأمر، ونظير ذلك قوله ﷺ : "مروا أولادكم بالصلاة لسبع" فالأولاد ليسوا مأمورين بهذا الأمر، لأن هذا محله إذا كان المأمور الثاني غير مكلف كالأولاد، ولم تقم قرينة على أن الأمر متعلق بالمأمور الثاني كما هنا، لأن الأمر إن لم يكن مختصاً بعبد الله كان لغواً لا معنى له إذ لا علاقة له بعمر، فهذا المبحث لا يظهر تطبيقه على هذا الحديث.
стр. 1575
الطلاق الصريح
-قد عرفت أن الطلاق ينقسم باعتبار صيغته إلى صريح، وكناية، والصريح ينقسم إلى رجعي. وبائن، وفي كل ذلك تفصيل المذاهب (١) .