Полный текст (2 230 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ونقل عن ابن البيطار من الأطباء: (إن الحشيشة التي توجد في مصر مسكرة جداً، إذا تناول الإنسان منها قدر درهم، أو درهمين) .
وقبائح خصالها كثيرة، وقد عد منها بعض العلماء مائة وعشرين مضرة دينية، ودنيوية، وقبائح خصالها موجودة في الأفيون، وفيه زيادة مضار.
وما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وغيرهما من العلماء هو الحق الذي يسوق إليه الدليل وتطمئن به النفس، وإذ قد تبين أن النصوص من الكتاب والسنة تتناول الحشيش، فهي تتناول أيضاً الأفيون الذي بين العلماء أنه أكثر ضرراً، ويترتب عليه من المفاسد، ما يزيد على مفاسد الحشيش. وتتناول أيضاً ساءر المخدرات التي حدثت، ولم تكن معروفة من قيل، إذ هي كالخمر من العنب مثلاً في أنها تخامر العقل، وتغطيه، وفيها ما في هذه الخمر، من مفاسد، ومضار، وتزيد عليها بمفاسد أخرى، كما في الحشيش، بل أفظع، وأعظم، كما هو مشاهد ومعلوم ضرورته، ولا يمكن أن تبيح الشريعة الإسلامية شيئاً من المخدرات.
ومن قَالَ بحل شيء منها فهو من الذي يفترون على اللَّه الكذب، أو يقولون على اللَّه ما لا يعلمون. وقد سبق أن قلنا أن بعض علماء الحنفية قَالَ: (إن من قَالَ بحل الحشيشة زنديق مبتدع) وإذا كان من يقول بحل الحشيشة زنديقاً مبتدعاً. فالقائل بحل شيء نت هذه المخدرات الحادثة التي هي أكثر ضرراً، وأكبر فساداً، زنديق مبتدع أيضاً. بل أولى بأن يكون كذلك.
وكيف تبيح الشريعة الإسلامية شيئاً من هذه المخدرات التي يلحق ضررها البليغ بالأمة أفراداً وجماعات، مادياً، وصحياً، وأدبياً، حيث أن مبنى الشريعة الإسلامية على جلب المصالح الخاصة أو الراجحة، وعلى درء المفاسد، والمضار كذلك؟ وكيف يحرم اللَّه العليم الحكيم الخمر من العنب مثلاً كثيرها وقليلها. لما فيها من المفسدة، ولأن قليلها داع إلى كثيرها، وذريعة إليه ويبيح من المخدرات ما فيه هذه المفسدة، ويزيد عليها، بما هو أعظم منها، وأكثر ضرراً للبدن والعقل، والدين، والخلق، والمزاج؟. هذا الحكم لا يقوله إلا رجل جاهل بالدين الإسلامي، أو زنديق مبتدع كما سبق القول به. فتعاطي هذه المخدرات على أي وجه من وجوه تعاطي من أكل، أو شرب، أو شم، أو احتقان حرام، بإجماع الأمة. اه.
إن أعداء الإسلام يروجون الحشيش وغيره من المخدرات بقصد إضعاف شباب الأمة الإسلامية وضياع مالها، ورجولتها، وقتل شهامتها، وإفساد عقول رجالها، حتى تستمر في التأخر عن مصاف الأمم المتقدمة، ويتغلب عليها الأجانب، ويقهرها الأعداء، ويستعمرون بلادهم. كما تفعل إسرائيل من ترويج الحشيش والأفيون بين البلاد العربية بقصد هلاكها.
وقد أكثر من الكلام في هذا الموضوع لما سئلت كثيراً عن حكم الحشيش والبيرة،стр. 1857
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والويسكي، والفنكي، وغيرها، ولما رأيت من انتشار هذه المخدرات بين كثير من الأوساط التي جرّت عليهم ضياع الصحة، وفساد الأسرة، وتبدد الثروة. ولما تبذله الحكومة من مجهود جبار في محاربة المهربين، والحشاشين، ولو أن هذه الأمور الطائلة التي تنفقها الحكومة في هذا الصدد، صرفت في مشاريع خيرية، ومصانع وشركات، لعادت على الأمة بالخير الكثير، والفائدة العظمى. ولو أن الناس فهموا هذا الحكم الشرعي ووعوده، وعملوا به، وأعرضوا عن تعاطي هذه المخدرات، وتلك المسكرات، لحفظنا على الأمة شبابها، وقوتها، وعزمها، وكرامتها، وحريتها، واستقلالها، ولوأنصفت الحكومات الإسلامية لأصدرت تشريعاً مشدداً، وحكماً رادعاً قاسياً حتى يردع كثيراً من الذي يتعاطون هذه المهلكات، ويفسدون عقولهم وأجسامهم، وأموالهم، ولو أدى ذلك إلى إصدار حكم الإعدام على المهربين، وكبار المشتغلين بتجارته.
حكم الاتجار بالمخدرات
لقد اشتغل بعض المسلمين بتجارة المخدرات من الخمور، والحشيش والأفيون، والكوكايين، لما تدر عليهم تجارة هذه الأشياء من الربح الطائل، من أسهل الطرق ويصلون إلى الغنى الفاحش في أقرب وقت. مع أن الشريعة الإسلامية تحرم هذه الأرباح، وتعتبر أن عيشة أصحابها من الحرام.
وقد ورد عن رَسُول اللَّهِ ﷺ أحاديث كثيرة في تحريم بيع الخمور. منها ماروى البخاري ومسلم وعن جابر ﵁ أن الْنَّبِيّ ﷺ قَالَ: (إن اللَّه حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام) .
ووردت عنه أحاديث كثيرة تفيد أن ما حرم اللَّه الإنتفاع به، يحرم بيعه وأكل ثمنه، فيتناول التحريم بيع هذه المخدرات، لما يترتب على ترويجها من المفاسد، والمضار بين أفراد الأمة. فهو كالمتسبب في هلاكها، ودمارها، بل إنه يقتل الأنفس، ويضيع الأموال، فهي وإن كانت تجارة في ظاهرها كما يظن بعض الناس، لكنها تجارة بأرواح الناس، وفساد الشباب، وضياع الأخلاق، وهلاك الأمة.
فلا شك في حرمة الإتجار بها، ولإنها تعين على معصية. واللَّه تعالى قد نهانا عن التعاون على الإثم والعدوان. فقال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ فالتجارة في هذه الأشياء لا شبهة في حرمتها لدلالة القآن الكريم على تحريمها، وبهذا قَالَ جمهور العلماء: أن هذه المخدرات لا قيمة لها في حق المسلم فلا يجوز بيعها، ولا يضمن غاصبها، ولا متلفها، لأن ذلك دليل على عزتها، وتحريمها دليل إهانتها. وقد روي عن الْنَّبِيّ ﷺ أنه قَالَ: (إن الذي حرم شربها، حرم بيعها وأكل ثمنها) .
حرمة زراعة الحشيش
اتفق الأئمة على تحريم زراعة الحشيش، والخشخاش، لإستخراج المادة المخدرة منها لتعاطيها أو الإتجار فيها، وحرمة زراعتهما من وجوه:
أولاً: ماروي عن ابن عباس ﵄ أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إن من حبس العنب أيامстр. 1858
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمراً فقد تقحم النار) فهذا دليل على حرمة زراعتهما بطريق دلالة النص.
ثانياً: إن زراعتها لهذا الغرض رضاً من الزارع تعاطي الناس لها، وإتجارهم فيها والرضا بالمعصية معصية، وذلك لأن إنكار امنكر بالقلب، الذي هو عبارة عن كراهية القلب وبغضه المنكر، فرض على كل مسلم في كل حال.
بل ورد في صحيح مسلم عن رَسُول اللَّهِ ﷺ : (أن من لم ينكر المنكر بقلبه - بالمعنى الذي بينا - ليس عنده من الإيمان حبة خردل) وفيه مخالفة لولي الأمر الذي نهى عنها بالقوانبن التي وضعت لذلك، وفيه مخالفة لولي الامر الذي نها عنها بالقوانين التي وضعت لذلك، لوجوب طاعة ولي الامر فيما ليس لمعصية لله ولرسوله بإجماع المسلمين.
حرمة الربح والناتج من هذه التجارة
لقد علم أن بيع هذه المخدرات حرام، فيكون الثمن الناتج من هذه التجارة حراماً، لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ أي لا يؤخذ ولا يتبادل ببعضكم مال بعض بالباطل، وذلك من وجهين:
الأول: أخذه على وجه الظلم، والسلب، والسرقة، والنهب، والخيانة، والتدليس وما جرى مجرى ذلك.
الثاني: أخذه من وجهة محظورة، كأخذه بالعب القمار، أو بطريق غير مشروع، كالعقود المحرمة كما في المعاملة بالربا، وبيع ما حرم اللَّه الإنتفاع بهن كالخمر المتناول للمخدرات المذكورة. فإن هذا كله حرام مثل السرقة سواء بسواء، وإن كان بطيبة نفس من مالكه.
ولما ورد من الأحاديث النبوية التي تنص على تحريم ثمن ما حرم اللَّه الإنتفاع به، كقوله ﷺ : (إن اللَّه إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) رواه ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عن ابن عباس.
وقد جاء في كتاب (زاد المعاد) ما نصه: (قال جمهور الفقهاء: إنه إذا بيع العنب لمن يعصره خمراً حرم أكل ثمنه. لخلاف ما إذا بيع لمن يأكله، وكذلك السلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلماً حرم أكل ثمنه. وإذا بيع لمن يغزو به في سبيل اللَّه فثمنه من الطيبات. وكذلك ثياب الحرير إذا بيعت لمن يلبسها ممن يحرم عليه لبسها حرم أكل ثمنها، بخلاف بيعها ممن يحل له لبسها) ا. هـ.
وإذا كانت الأعيان التي يحل الإنتفاع بها إذا بيعت لمن يستعملها في معصية اللَّه على رأي جمهور الفقهاء - وهو الحق - يحرم ثمنها لدلالة ما ذكرنا من الأدلة وغيرها عليه، كان ثمن العين التي لا يحل الإنتفاع بها كالمخدرات حراماً من باب أولى.
وإذا كان ثمن هذه المخدرات حراماً، كان خبيثاً، وكان إنفاقه في القربات، كالصدقات وبناءстр. 1859
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المساجد، وحج بيت اللَّه الحرام غير مقبول أي لا يثاب المنفق عليه، فقد روى مسلم عن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : (إن اللَّه تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن اللَّه تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: " يا أيها الرسل كل من الطيبات واعملوا صالحاً" الآية. وقال تعالى: " يا أيها الذين أمنو كلوا من طيبات ما رزقناكم وأشكروا الله أن كنتم أياه تعبدون"، ثم ذكر الرجل يطل السفر أشعث أغبر يمد يده الى السماء، يارب، يارب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب ذلك؟.
وقد جاء في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده عن أبي مسعود ﵁ أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: (والذي نفسي بيده لا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه، فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره، إلا كان زاده في النار، إن اللَّه لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث) .
وروي عن أبي هُرَيْرَة عن الْنَّبِيّ ﷺ قَالَ: (من كسب مالاً حراماً فتصدق به لم يكن له أجر، وكان اصره - يعني اثمه وعقوبته - عليه) .
وما في مراسيل القاسم بن مخيمرة قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : (من أصاب مالاً من مأثم، فوصل به رحمه، أو تصدق به أو أنفقه في سبيل اللَّه، جمع ذلك جميعاً، ثم قذف به في نار جهنم) .
وروي عن الْنَّبِيّ ﷺ أنه قَالَ: (أنه إذا خرج الحاج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز - أي الركاب - وقال: لبيك، ناداه ملك من السماء: لا لبيك، ولا سعديك، وحجك مردود عليك) .
فهذه الأحاديث التي يشد بعضها بعضاً تدل على أنه لا يقبل اللَّه صدقة، ولا حجة، ولا قربة آخرى من القربات من مال حرام، من أجل ذلك نص علماء الحنفية على أن الإنفاق على الحج من المال الحرام حرام.
ونستطيع أن نلخص ما ذكرناه فيما يأتي:
أولاً: تحريم تعاطي الحشيش والأفيون والقات، وغيرها من المخدرات المسكرة والمفطرة.
ثانياً: تحريم الإتجار فيها واتخاذها حرفة تدر الربح.
ثالثاً: حرمة تهريبها، ومساعدة التجار على رواجها، والتدليس عليها.
رابعاً: حرمة زراعتها لإتخاذ المادة المخدرة لتعاطيها، أو الإتجار بها.
خامساً: إن الربح الناتج من الإتجار في هذه المواد حرام خبيث، وإن إنفاقه في الطاعات غير مقبول.
هذا وقد أطلت القول في شرح هذا الموضوع وإقامة الأدلة عليه، تبياناً للحق، وكشفاً للصواب، ليزول ما قد عرض من شبهة عند الجاهلين الذين يفتون بحل هذه المخدرات، وليعلم أن القول بحل هذه المخدرات من أباطيل المبطلين، وأباضاليل المضلين، وحتى أضع حداً لهذه المخدراتстр. 1860
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) التي شاعت في هذا الزمان، وانتشرت بين جميع الأوساط والطبقات، حتى كادت تودي بالأمة الإسلامية، وتطيح بكرامتها وعزتها. واللَّه ولي التوفيق.
مضار البيرة
لقد أعلن البروفيسير ايت موترين مدير جامعة لاما في "كندا" أمام المؤتمر العالمي لأمراض القلب المنعقد في لندن - أنه قام بالدراسة تبين منها أن ٤٨ رجلاً وامرأتين كانوا يعانون من أعراض تشبه مرض "البري بري" اتضح فيما بعد أنهم مصابون بمرض في القلب بسببه أحد مكونات أنواع معينة من "البيرة". وقال: (إن هؤلاء المرضى كانوا يحتسون يومياً ١١. ٣ ليتراً من البيرة، وأن سبب المرض هو مادة "الكبريتات والكربات" التي تستخدم لزيادة تأثيرات المادة المسكرة في أنواع معينة من البيرة وأثبتت التجارب أنها تسبب تضخماً في القلب وتمدداً في الصمامات.
وقد ذكر الإمام مُحَمَّد رشيد رضى في تفسيره، بعد تفسير آية الخمر التي في المائدة وقد اطنب فيها ما نصه: أطلنا هذه الإطالة في بيان حقيقة الخمر، لأنه قد ظهر في الناس من عهد بعيد مصداق ما ورد في الحديث من استحلال الناس لشرب الخمر بتسميتها بغير اسمها، وقد اخترع الناس بعد زمن التنزيل أنواعاً كثيرة من الخمور أشد من خمرة العنب ضرراً في الجسم والعقل باتفاق الأطباء، وأشد إيقاعاً في العداوة والبغضاء، وصداً عن ذكر اللَّه، وعن الصلاة. والقول بأنه لا يحرم منها قطعاً إلا ما كان من عصير العنب، وأنه إنما يحرم من غيرها القدر المسكر فقط، يجرئ الناس على شرب القليل من تلك السموم المهلكة، والقليل يدعو إلى الكثير، فابلإدمان فالإهلاك، وفي هذا القول مفسدة عظيمة، وليس في تضغيفه، وترجيح قول السلف والخلف عليه إلا المصلحة الراجحة، وسد ذرائع شرور كثيرة، اه.
هذا وإن حوادث العداوة والبغضاء التي تنشأ عن السكر، ما يحدث بين السكارى من القتل والضرب، والعداوة والسلب، والفسق والفحش، والتجرؤ على ارتكاب المحرمات، والإقدام على الزنا، ومن إفشاء أسرار الأسر والعائلات، وهتك الأستار المخبئة، وخيانة الحكومات، والأوطان - ما زالت حديث الناس في كل زمان ومكان وكثيراً ما يلجأ بعض الجواسيس إلى إسكار كبار القادة، وعظماء الساسة، لكي يسلب منه أسرار الجيوش، وسياسة الشعوب. ورب جرعة خمر من رئيس أضاعت أمة بأجمعها، وأهلكت شعباً بأكمله، وكانت سبباً في هزيمة جيش جرار. ولهذا شدد الدين الإسلامي في تحريم شرب الخمر، وذكرها في ثلاث آيات من كتاب اللَّه تعالى، وشدد رَسُول اللَّهِ ﷺ في النهي عنها فقال صلوات اللَّه وسلامه عليه: (من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها حرمها في الأخرة) رواه البخاري وأصحاب السنن، وزاد اٌاما مسلم في رواية (فلم يسقها) ومعناها أن اللَّه حرم عليه الجنة فلا يدخلها فيشربها فيها، وقيل معناه: لا يشربها فيها وإن مات مؤمناً ودخل الجنة، لأنه استعجل شيئاً فجزي بحرمانه، إلا أن يعفو اللَّه عنه.стр. 1861
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وروى أحمد والبخاري وملسم وأبو داود والترمذي والنسائي، عن أبي هُرَيْرَة رضي اللَّه تعالى عنه أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) قيل النفي لكمال الإيمان، وقيل هو خبر بمعنى النهي، وقيل: إن الإيمان يفاق مرتكب هذه الكبائر مدة ملابسته لها، وقد يعود إليه بعدها. وإذا مات وهو مرتكبها مات على غير الإيمان.
ومن العجيب أننا نرى جميع المتعلمين مذنباً في العصر. وأكثر الناس في البلاد المتحضرة الراقية التي تنتشر فيها الجرائد والمجلات العلمية يعتقدون أن الخمر شديدة الضرر في الجسم، والعقل، والمال، والصحة العامة، وأداب الإجتماع، ولم نر هذا الإعتقاد باعثاً على التوبة منها والإقلاع عنها، حتى أن الأطباء منهم - وهم أعلم الناس بمضارها - كثيراً ما يعاقرونها، ويدمنونها مع علمهم أن السكر يحدث الأمراض، والأدواء، ويؤدي بصاحبه إلى الجنون، ويفسد عليهم شبابهم، وعفتهم، وبيوتهم، وثروتهم، ولكن ضعف الإرادة عند هؤلاء، وغريزة حب التقليد للأصحاب والخلان، ما يحدثه الخمر من لذة النشوة، والذهول عن المكدرات، ومجاملة الأخوان، جعلهم يدمنون عليه، ويقدمون على شربه، ويغضبون رب العالمين.
(وقد لخص العلماء أضرار الخمور فيما يأتي:)
أولاً: تنتزع من الشارب الخمر أنواع الإيمان حين شربه.
ثانياً: استحق لعنة اللَّه وطرده من رحمته، لمخالفته أمره تعالى.
ثالثاً: شرب الخمر يدعو إلى جلب الهموم، وتضييق الأرزاق وإنتشار الأزمة والسخف والمسخ، ويسبب التخنث.
رابعاً: لا يقدم على شرب لاخمر إلا الفاجر العاصي، الذي لا يؤمن باللَّه واليوم الآخر.
خامساً: شرب الخمر يجر إلى الوقوع في ارتكاب المعاصي كلها، لأنها أم الخبائث.
سادساً: يعذب اللَّه شارب الخمر يوم القيامة، بشربه القذارة الخارجة من فروج الزناة. - والعياذ باللَّه -.
سابعاً: حرم اللَّه تعالى الجنة على شارب الخمر، فلا يشم رائحتها.
ثامناً: عقاب شارب الخمر، كعقاب عابد الوثن والصنم.
تاسعاً: يحشر اللَّه شارب الخمر شديد الظمأ، كثير العطش.
عاشراً: لا يقبل اللَّه عبادة شارب الخمر أربعين يوماً، ولا يجيب له دعاء.
الحادي عشر: يستحق شارب الخمر الإهانة والإزدراء، والتحقير كما قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : (لا تسموا على شربة الخمر) .стр. 1862
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الثاني عشر: شارب الخمر حل عليع غضب اللَّه، ولو مات في هذه الحالة حرم من ثواب اللَّه تعالى ورحمته.
الثالث عشر: السكران إن مات على حالته يعذبه اللَّه بسكره، ويذوق مرارة فعله هذا في غيره. ويموت على غير اٌيمان.
الرابع عشر: شارب الخمر تنبع له عين في نار جهنم تمده باقيح والصديد وأنواع الأذى (يجري منها القيح والدم) .
الخامس عشر: شارب الخمر مسكين، مضيع فاقد الخير، (فكأنما ملك الدنيا، وسلبها) .
السادس عشر: شرب الخمر إحدى الخصال المدمرة التالفة، المذهبة للثروة، المضيعة للعقل المهلكة للأمة.
السابع عشر: شرب الخمر يفسد الصحة، ويحرم صاحبها من التمتع بعافيته، ويجلب له النقم والهلاك والدمار.
الثامن عشر: إن أضرارها تنتقل من الرجل إلى أولاده وذريته، فيولدون مرضى.
التاسع عشر: شارب الخمر لا يقبل اللَّه منه صرفاً ولا عدلاً، ولا فرضاً ولا نفلاً.
العشرون: من فارق الدنيا وهو سكران، يدخل القبر سكران، ويبعث من قبره سكران، ويزج في النار سكران، ويؤمر به إلى حبل يقال له سكران فيه عين يجري منها القيح والصديد وهو طعامهم وشرابهم، مادامت السموات والأرض، كما أخبر بذلك رَسُول اللَّهِ ﷺ في الحديث الشريف (ملخص من شرح الترغيب والترهيب) .
الآيات الواردة في تحريم الخمر في كتاب اللَّه تعالى
-١ - قَالَ اللَّه تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ : آية ٢١٩ من سورة البقرة.
-٢ - قَالَ اللَّه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنو إنما الخمر والميسر، والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ . آية ٩٠ من سورة المائدة.
-٣ - قَالَ تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وأحسنوا إن اللَّه يحب المحسنين﴾ . آية ١٩٥ من سورة البقرة.
-٤ - قَالَ تعالى: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ . آية ٢ من سورة النساء.
-٥ - قَالَ تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنو كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ . آية ١٧٢ من سورة البقرة.
-٦ - وقال تعالى: ﴿وكلوا مما رزقناكم حلالاً طيباً﴾ . آية ٨٨ من سورة المائدة.
-٧ - قَالَ تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن اللَّه كان بكم رحيماً﴾ . آية ٢٩ من سورة النساء.стр. 1863
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) -٨ - قَالَ تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم﴾ . آية ٥١ من سورة المؤمنون.
-٩ - قَالَ تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنو لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ . آية ٤٣ من سورة النساء.
إقامة الحد في الحرب
اتفق الأئمة على أن الحدود لا تقام في حال الغزو، ولا في دار الحرب.
مع أن الشريعة اٌسلامية تأمر أتباعها من الضباط، والجند، والقادة، بالمحافظة على طاعة اللَّه تعالى، والتمسك بأوامر الشارع الحكيم، والتحلي بالتقوى حتى يكتب اللَّه لهم النصرة على الأعداء حيث يقول اللَّه تعالى: ﴿ولينصرن اللَّه من ينصره إن اللَّه لقوي عزيز﴾ .
ويقول ﵎: ﴿إن تنصروا اللَّه ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ ولهذا كان الأمراء والقادة يوصون الجند والضباط، بالمحافظة على الصلاة في ميدان القتال. ويأمرونهم بالبعد عن ارتكاب المعاصي والذنوب، حتى ينصرهم اللَّه تعالى على أعدائهم، ﴿وما النصر إلا من عند اللَّه﴾ .
وقد ثبت أن سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ أرسل إلى سيدنا سعد بن أبي وقاص ﵁ قائد جيش المسلمين في حرب الفرس بالقادسية فأرسل إليه يوصيه وجنده ويقول له: أوصيك ومن معك بتقوى اللَّه تعالى على كل حال، فإن تفوى اللَّه من أفضل العدة على العدو، ومن أقوى المكيدة في الحرب. وأمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخطر عليهم من عدوهم، وإنما ينتصر المسلمون بطاعتهم للَّه تعالى وإيمانهم به ومعصية عدوهم له، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة.
ومع كل هذا فإذا وقع أحد المسلمين المجاهدين في ذنب يوجب الحد، فلا يقام عليه الحد في دار الحرب، والدليل على ذلك ما فعله سيدنا سعد بن أبي وقاص مع أبي مجحن الثقفي. فقد كان من الشجعان الأبطالفي الجاهلية والإسلام، ومن أولي البأس والنجدة. وكان شاعراً مطبوعاً كريماً، إلا أنه كان منهمكاً في الشراب، لا يكاد يقلع عنه، ولا يردعه حد ولا لوم لائم، وقد جلده عمر بن الخطاب في "الخمر" مراراً، ونفاه إلى جزيرة في البحر، وبعث معه رجلاً فهرب منه ولحق بسعد بن أبي وقاص بالقادسية وهو يحارب الفرس، وكان قد هم بقتل الحارث الذي بعثه معه عمر، فأحس الرجل بذلك فخرج فاراً ولحق بعمر، وأخبره خبره. فكتب سيدنا عمر إلى سعد بن أبي وقاص بحبس أبي محجن فحبسه. فلما كان (قس) الناطف بالقادسية والتحم القتال سأل أبو محجن امرأة سعد أن تحل قيده، وتعطيه فرس سعد، وعاهدها أنه إذا سلم عاد إلى حاله من القيد والسجن، وإن استشهد فلا تبعة غليه، فخلت سبيله وأعطته الفرس. فقاتل أيام القادسية، وأبلى فيها بلاءً حسناً ثم عاد إلى محبسه، وكان نصر المسلمين على يده، فترك سعد بن أبي وقاص إقامة الحد عليه حيث أن الحدودстр. 1864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لا تقام في حال الغزو. والتعزير يرجع إلى الاجتهاد وقد رأى سيدنا سعد عدم إقامة حد الشرب على أبي محجن ولا تعزيره بعد أن بذل نفسه في سبيل اللَّه تعالى، وأبلى ما أبلى. ولا مطهر من الذنب أقوى من هذا، فقد ضمن اللَّه للمجاهد إن مات أن يدخله الجنة، وإن رجع يرجعه بما نال من أجر وغنيمة مغفور له، وقد أثر هذا العفو في نفس أبي محجن فتاب إلى اللَّه تعالى توبة نصوحة، وأقلع عن الشرب بعد ذلك. وهكذا يكون المؤمن قوي الإيمان، قوي العزيمة. يقلع عن الذنب بعد الادمان عليه، إذا خاف ذنبه. ورجع إلى ربه.
وقد روي أن الْنَّبِيّ ﷺ (نهى أن يقام حد في أرض العدو) أخرجه ابن أبي شيبة رحمه اللَّه تعالى) .
-стр. 1865
. .
. . .
. . .
. . .
. . .
. . .
القسم الثاني
الحدود المتفق عليها
حد الزنا - تعريفه
الحواشي
(١) النفوس(٢) العقول(٣) الأعراض(٤) الأديان(٥) الأموال.
وفائدته: الامتناع عن الفعال الموجبة للفساد في العالم. ففي حد الزنا منع ضياع الذرية وإماتتها معنوياً بسبب اشتباه النسب، ولذا ندب الشارع عموم الناس إلى حضور حده، فقال تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) . وفي باقي الحدود، زوال العقل في الخمر، وإفساد الأعراض في القذف، وأخذ أموال الناس في السرقة. وقبح هذه الأمور في العقول، وثابت في الغرائز عند الجميع. ولذا لم تبح الأموال ولا الأعراض، ولا الزنا، ولا السكر، في الملل السابقة.
ولما كان فساد هذه الأمور عاماً في الإنسانية كلها، وخطراً من أشد الأخطار عليها لما ينجمстр. 1866
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) منها. كانت الحدود التي تمنع منها حقوق اللَّه على الخلوص. فإن حقوقه دائماً تفيد مصالح عامة للمجتمع كله.
مبحث حكمة مشروعية الحدود
وحكمة مشروعيته هو الزجر عما يتضرر به العباد. من إفساد الفرش، وإضاعة الأنساب، وهتك الأعراض، وإتلف الأموال، وزهاق الأنفس، واضطراب الامن. والحدود دواء شاف وعلاج ناجح، لما يصيب المجتمع من الأمراض الاخلاقية الخطيرة، ولأمراض النفسية الفتاكة. التة تهلك المجتمع وتنخر في جسده، وتمزق اوصاله، وتودة به الى الهاوية.
إنما الامم الاخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت إخلاقهم ذهبوا
فالإسلام ينظر إلى الإنحراف على أنه خروج عن الفطرة السليمة التي قفطر اللَّه الإنسان عليها. وعصيان على الطبيعة، وتمرد عليها، ويحاول العلاج لمن انحرف عن طبعه، وغذا تعذر العلاج، ولم يفد الإصلاح كان موقف الإسلام أشد صلابة في ردع المجرم، والقسوة في الحكم عليه حتى لا يكون بقاء الفساد قضاء على المجتمع كله.
وبهذه الطريقة يحارب الإسلام الإنحرافات، ويضع لها الحدود الرادعة، التي تناسب خطورة الذنب، وقاية للجماعة الإنسانية من الضياع والفساد. كالعضو الذي أصيب بمرض فتاك. فإذا لم يمكن علاجه اضطر إلى بتره حماية للجسد كله.
حد الزنا
الزنا عبارة عن وطء مكلف في فرج امرأة مشتهاة، خال عن الملك وشبهته، ويثبت به حرمة المصاهرة، نسباً ورضاعة.
ولما كانت جريمة الزنا من ابشع الجرائم التي ترتكب ضد الشرف والأخلاق، والفضيلة، والكرامة، وتؤدي إلى تفويض بناء المجتمع، وتفتيت الأسر، واختلاط الأنساب، وقطع العلاقات الزوجية، وسوء تربية الأولاد، بل تقضي إلى ضياع الطفل الذي هو قتل له معنى. فإن ولد الزنا، ليس له من يربيه، والأم بمفردها لا تستضيع تربية والقيام بشؤونه، لقصور يدها. فيشب على أسوأ الأحوال، ويصير عضواً فاسداً في جسد المجتمع الإنساني، ينشر الحقد، والبغضاء. ويبث الفساد، والإجرام، لأنه ثمرة الجريمة البشعة المنكرة.
فجريمة الزنا من أخطر أمور الحياة كلها، بل أشدها تعلقاً بنظامها، ودوام سعادتها، وهنائها. وتمسكها، وترابطها، ولذلك اهتم الشارع الحكيم بهذا الحد أكبر اهتمام، صوناً للحياة المنزلية من الانهيار، وحفظاً للروابط الأسرية مما يتهددها من بلاء وأطار، فذكر غقاب من لا يحفظ فرجه، وبينه أعظم بيان، وجعله من أشد العقوبات، وأفظعها، وأوجب أن لا تأخذنا شفقة، ولا رحمة. بالجناة.стр. 1867
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وأن يشهد إقامة الحد جماعة من المؤمنين فقَالَ تَعَالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ . آية رقم /٢ / من النور.
ثم بين ما يجب علينا أن نراعيه في حفظ الفروج، وما تحتاج إليه لصيانتها من الضياع، وما يجب للإبضاع من الحرمة والصون، والإحتياط والمحافظة. فأمرنا بغض النظر إلى الأجنبيات، لأن النظر يريد الزنا. وأمرنا بصون أجساد النساء من التبذل، والظهور أمام الأجانب، وحث المرأة على حفظ جسدها بالإحتشام والتستر، والبعد عن مواطن الريبة، وبؤر الفساد، وعن الإختلاط بالرجل الأجنبي حتى لا تقع في محرم، ولا يجرها الإختلاط والتبذل إلى الوقوع في الذنب، وتستوجب إقامة الحد عليها. قَالَ تَعَالى: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ فقد خاطب اللَّه تعالى أمهات المؤمنين ونساء النَبِي ﷺ وهن الصالحات القانتات، الائي تربين في مدرسة النبوة، ونشأن في أعظم جامعة إسلامية. وتأدبن بأداب النبوة، وتخلقن بأخلاق الرسول صَلَوَات اللَّهِ وسَلاَمهُ عَلَيْه، وقد كن لا يخرجن من بيوتهن إلا لعذر شرغي، كحج أو عمرة، أو زيارة أبوين، أو صلة أرحام، أو عيادة مريض، أو نحو ذلك. وإذا خرجن لا يبدين زينتهن، ولا يظهرن شيئاً من محاسنهن، ولا يلبسن ثياب براقة، فإذا كان اللَّه تَعَالى قد أمرهن هذا الأمر، وهن على هذا الحال، فغيرهن من سائر النساء أولى أن يخشى عليهن، لو خرجن ومشين في الطرقات على أعين الناس، وفيهم من في قلبه مرض من العصاة الفجرة، والمجرمين الفسقة، الذين لا يخشون اللَّه، ولا يخافونه، عن ابن مسعود ﵁، عن النَبِي ﷺ قَالَ: (إن المرأة عورة. فإذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان وإن أقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في عقر بيتها) .
واتفقت كلمة الفقهاء على أن خروج المرأة من بيتها قد يكون كبيرة. إذا تحققت منه المفسدة، كخروجها متعطرة متزينة. سافرة عارية. مبدية محاسنها للرجال الأجانب، كما هو حاصل في هذا الزمان، مما يوجب الفتنة. ويكون الخروج من المنزل حراماً، وليس كبيرة إذا ظنت وقوع الفتنة، ويصد عنها المفسدين المعتدين.
وتبرج الجاهلية الأولى - وهي التي كانت قبل الإسلام، التبختر في تثن مع إظهار المحاسن، والزينة، وما يجب ستره من العنق، والصدر، والشعر، والقفا، والظهر، والذراعين، والساقين.
ومما يدمي قلب الحر المؤمن الغيور، ما نشاهده في هذا الزمان من تبرج النساء، والفتيات، وخروجهن متبذلات، كاسيات عاريات. مائلات مميلات. عاريات الشعور والظهور، من غير حياء ولا مبالاة. حتى صرن أكثر تبذلاً، وانحلالاً من أهل الجاهلية التي كانت قبل الإسلام. وإثم ذلك راجع إليهن أولاً وإلى أولياء أمورهن ثانياً، من الأزواج والآباء، والأخوة. لعنهن اللَّه، ولعن من يرضى بذلكстр. 1868
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) منهن، ولعن من ينظر إليهن، ومن يوافقهن من الرجال. وصدق رَسُول اللَّه ﷺ إذ يقول: (صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا) وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أن رَسُول اللَّه ﷺ قد حدث عما يحدث في المستقبل، وأخبر عن المغيبات التي حصلت بعد حياته صَلَوَات اللَّهِ وسَلاَمهُ عَلَيْه بتسعين وثلاثمائة وألف عام.
فتشريع حد الزنا من أهم الحدود التي تعالج مرضاً قوي الاستحكام في النفوس، قوي التأثير فيها، والتمكن منها، وهو سلطان الشهوة في الإنسان، وقوة طغيانها على العقل، لأنه تَعَالى ركبها في البشرية بهذه القوة الجامحة لعمارة الكون، ودوام الجنس البشري، ولكنها قد تخرج بصاحبها عن حدود الفضيلة. فسن الشارع لها الحد حتى يردعها من غيها، ويرجعها إلى طريق الصواب.
مضار الزنا
أما مضار الزنا الشنيعة، وآثاره الممقوتة، فهي أكثر من أن تحصى، لأنها مضار أخلاقية، ودينية، وجسمانية، واجتماعية، وأسرية، وناهيك بجريمة يرتكبها صاحبها وهو جزلان مسرور، بينما يجني على نفسه بإغضاب ربه، وتعرضه لمقته وغضبه، وشديد عقابه. بل يتعرض لانتزاع الإيمان من قلبه، كما يخلع الإنسان قميصه من عنقه. فإن مات وهو متلبس بجنايته، مات على ملة غير ملة الإسلام. قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) رواه البخاري وغيره.
أما الأضرار التي تعود على المرأة من جراء هذه الفاحشة. فهو هتك عرضها، وسلب شرفها، واقتراف جريمة من أفظع جرائم المجتمع، وهي لاهية مسرورة، بلحظات قليلة، وشهوة حقيرة.
ولا ننسى تدنس شرف أسرتها، وإلحاق العار بأهلها الأبرياء، نساء ورجالاً، بلا ذنب ولا جريرة ثم الجناية على الجنين الذي قد يولد من طريق الزنا، ويأتي ثمرة هذه الجريمة، فيتعرض للقتل وهو الغالب وإن عاش فالضياع، والفساد، والعار الملازم له طول حياته. واحتقار المجتمع له، ونفورهم منه، حتى يصبح الموت أفضل عنده من هذه الحياة. فإن من لم يثبت نسبه ميت حكماً.
والجناية على زوجها إن كان لها زوج، وهتك عرضه، وضياع شرفه وسمعته، وسقوطه بين أصحابه، وجيرانه ومعارفه، وملاحقة العار له مدة حياته، وبعد وفاته. والجناية على الأولاد والذرية من ذكور وإناث، جناية تعدل القتل، وسلب الروح من الجسد، فهذه الجريمة البشعة لا تنسى مع الزمن، ولا تخفى على أحد، لأن رائحتها الكريهة تزكم النفوس، وتنتشر انتشار الريح العاصف وقد قيل: إن الجريمة لها أجنحة تطير بها.
وإذا تصورت ما يترتب على هذه الجريمة حينما تدخل الزوجة على أولادها، وأسرة زوجهاстр. 1869
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) مولوداً ليس منهم، وتقحم عليهم شخصاً غريباً عنهم، يشاركهم بلا حق، في معيشتهم وشرفهم، وأسمهم وميراثهم وكل خواصهم، وما يتبع ذلك من أضرار جسيمة ما يعلمها إلا علام الغيوب. علمت فظاعة هذه الجريمة.
ثم إذا نظرت إلى الأضرار الصحية التي تترتب على فاحشة الزنا من أمراض الزهري، والسيلان، وغيرهما مما أثبته الطب من مضار الزنا، وأفردت له كتباً مؤلفة في هذا الشأن، أدركت حكمة تشديد الشرع في تحريمه.
وبعد فإن هذا البلاء الخطير متى وقع فيه الشخص مرة استمرأ، وتلذلذ به، ولا يستطيع الإقلاع عنه. وأحب التنقل فيه، بعد أن ذاق لذته، فيتفاقم شره، ويتزايد ضرره، ويصبح وباء للمجتمع الإنساني.
فلا غرابة إذاً في أن يكون الأسلوب الذي يعالج به مرتكب هذه الجريمة، أن يضرب بالسوط مائة جلده إن كان بكرة ويفتضح أمره على مرأى من أصحابه وجيرانه، حتى يحتقر في نفوسهم، وتسقط منزلته بينهم، ويأخذوا منه حذرهم، ويبتعد عن مصاحبته، لأنه أصبح كالمريض الأجرب، لخبث نفسه، وسوء سريرته، وشناعة فعله، وشددة خطره على الأفراد الذين يتصلون به. وهذه عقوبته الدنيوية، ولعذاب الأخرة إن لم يتب أشد وأبقى.
أما عقوبة الرجم بالحجارة للزاني المحصن، ففيه معنى إسقاط منزلة الزاني وتجريهما من الإنسانية الكاملة الفاضلة، وإلحاقهما بالعجماوات التي لا تفهم تأديب والزجر إلا بالضرب الشديد المؤلم. أو الموت الشنيع، حيث لا ينفع معهما ردع، ولا نصح، ولا يبقى له وسيلة تؤدبه إلا الضرب المبرح، فجعل الشارع الحيكم الجلد، أو الرجم، امام طائفة من امؤمنين ليكون الخزي والعار أبلغ وأكمل في حقهما، وليرتدع من تسول له نفسه الوقوع في ذلك الذنب بعد أن رأى عاقبته ونهايته.
فالشارع الحكيم قصد من تشريع عقوبة الزنا، الردع للمجتمع، والزجر والتخويف للغير أكثر من التنفيذ على الجاني، فإن العبد حينما يقارن بين ما سيحصله من اللذة المعارضة بالزنا وبين ما سيتبع هذه اللذة من العقوبات الشديدة، والخزي، والعار، والفضيحة أمام المجتمع في حياته أو بعد مماته أمتنع عن الوقوع فيها وفضل بعقله البعد عنها، والفرار منها صوناً لنفسه، وعرضه، وشرفه وكرامته.
وزيادة من الشارع في الإحتياط عن الوقوع في هذه الجريمة، وحفظ المجتمع منها حتى يعيش في سلام ومحبة. فليس هنا من يقطع أوصال المجتمع، وينشر العداوة بين أفراده وجماعته مثل جريمة الزنا. من أجل ذلك كله نهى الشارع المؤمنين من الإقتراب من الزنا والوقوع في مقدماته، وأسبابه، خوفاً من أن يقعوا في شركه كما ينهى النهندس المواطنين عن الإقتراب من موقع الخطر كتجمع الكهرباء، وحقول الألغام، ومخازن المفرقعات، حتى لا يدهمهم خطرهم، وهم لا يشعرون.
قَالَ تَعَالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً﴾ أي ولا تقتربوا من الزنا بمباشرةстр. 1870
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أسبابه القريبة أو البعيدة، فضلاً عن مباشرته، وإنما نهي الشرع عن قربانه لأن قربانه داعه إلى مباشرته ﴿إنه كان فاحشة﴾ لأن فعله ظاهر القوى، متجاوز عن الحد، ﴿وساء سيبلاً﴾ أي بئس طريقة طريقاً فإنه غضب الإضياع المؤد إلى اختلال أمر الأنساب، وهيجان الفتن، وفساد المجتمع، كيف لا وقد عده اللَّه تَعَالى بعد الشرك والقتل فقال تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع اللَّه إلهاً آخراً، ولا يقتلون النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفل ذلك يلق أثاماً. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً﴾ وبين لبرسول صَلَوَات اللَّهِ وسَلاَمهُ عَلَيْه بعض أضراره ومساوئه فقال ﷺ : (إياكم والزنا فإن فيه ستة خصال، ثلاثة في الدنيا، وثلاثة في الأخرة، وأما التي في الدنيا: فذهاب البهاء، ودوام الفقر، وقصر العمر. وأما التي في الأخرة: فسخط اللَّه تَعَالى، وسوء الحساب، والخلود في النار) ، ورواه أبوحذيفة بن اليمان رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ.
وقال ﷺ : (إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، فكان على رأسه الظلة، فإذا انقطع رجع إليه) ..
وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي وردت بالنهي عن الزنا والأسباب التي تقرب منه.
عورة المرأة
اختلف العلماء فيما يباح للمرأة كشفه من أعضائها أمام الرجل الأجانب، وما لا يباح كشفه تبعاً لإختلافهم في فهم المراد من قوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ الآية. والمراد بغض البصر يعني كف النظر إلى المحرم، والمراد بحفظ الفروج حفظها من النظر إليها، ومن لمسها، ومن وطئها إلا على زوجها، قَالَ تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ - ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ أي لا يظهرن محل زينتهن ﴿إلا ما ظهر منها﴾ ، وقد اختلف العلماء في تحديد العورة على مذاهب.
الشافعية في إحدى روايتين والحنابلة قالوا: جميع بدن الحرة عورة، ولا يصح لها أن تكشف أي جزء من جسدها أمام الرجال الأجانب إلا إذا دعت لذلك ضرورة، كالطبيب للعلاج والخاطب للزواج، والشهادة أمام القضاء، والمعملة في حالة البيع والشراء، واستثنوا من ذلك الوجه والكفين لأن ظهورهما لضرورة، أما القدم فلا جرم اختلفوا فيه هل هو عورة أم لا؟ فيه وجهان، والأصلح أنه عورة.
الحنفية والرأي الثاني للشافعية والمفتي به عند المالكية، قالوا: جميع بدن المرأة الحرة عورة إلا الوجه والكفين فيباح للمرأة كشف وجهها وكفيها في الطرقات، وأمام الرجل الأجانب ولكنهم قيدوا هذه الإباحة بشرط أمن الفتنة، أما إذا كان كشف لاوجه واليدين يثير الفتنة لجمالهما الطبيعي أو لما فيهما من الزينة وأنواع الحلي فإنه يجب عليها سترهما ويصيران عورة كبقية أعضاء جسدها، وذلك من باب سد الزرائع وقطع دابر الفتنة وصيانة الأداب وحفظ الأعراض والأناب، فإن النظرة رسول الشهوة وبريد الزنا ورائدة الفجور وسهم مسموم يصب في القلوب، ورد نظرة كانت بذرة لأخبث شجرة.стр. 1871
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقيل: مكتوب في التوراة: النظرة تزرع في القلب الشهوة ورب شهوة أورثت حزناً طويلاً.
وروي عن أم سلمة: أنها كانت عند النَبِي ﷺ وميمونة، إذ أقبل ابن متكوم فدخل عليهما، فقال ﵊ احتجبا منه. فقلت يَا رَسُولَ اللَّه أليس هو أعمى لا يبصرنا؟ فقال ﵊: أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟.
حكم صوت المرأة
اختلف العلماء في صوت المرأة فقال بعضهم إنه ليس بعورة، لأن نساء النبي كن يروين الأخبار للرجال، وقال بعضهم إن صوتها عورة، وهي منهية عن رفعه بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب إذا كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها، وقد قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ فقد نهى اللَّه تَعَالى عن استماع صوت خلخالها لأنه يدل على زينتها، فحرمة رفع صوتها أولى من ذلك، ولذلك كره الفقهاء أذان المرأة لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت، والمرأة منهية عن ذلك، وعلى هذا فيحرم رفع صوت المرأة بالغناء إذا سمعها الأجانب سواء أكان الغناء على آلة لهو أو كان بغيرها، وتزيد الحرمة إذا كان الغناء مشتملاً على أوصاف مهيجة للشهوة كذكر الحب والغرام وأوصاف النساء والدعوة إلى الفجور وغير ذلك.
مبحث حكم الغناء
اختلف العلماء في حكم الغناء، واستماعه.
الحنفية - قالوا: الغناء إما أن يكون من امرأة أو رجل، فإن كان من امرأة وكان بصوت غير مرتفع بحيث لا يسمعه الناس فلا مانع منه، أما إذا كان الغناء بصوت مرتفع يسمعه الأجانب فهو حرام، وخصوصاً إذا كان مشتملاً على كلام مهيج للشهوة، ومثير للفتنة كتحسين الخمور وأوصاف النساء أو دعوة إلى الحب والغرام إلى غير ذلك.
أما الرجل فإن كان غناؤه لدفع الوحشة عن نفسه، أو كان لحماس الجند أو الحث على العمل والجهاد فهو جائز، أما إذا كان الغناء مشتملاً على ذكر الحب والغرام، ويخشى أن تفتتن به امرأة أجنبية تسمعخ فيكون في هذه الحالة حراماً، كما هو حاصل في الإذاعة والسينمات ودور الملاهي والتمثيل. وكذلك غناؤه في حادث سرور مباح إذا كان بغير آلة ولم تكن فيه عبارات مهيجة ولم تحصل منه فتنة، وكان الاجتماع غير محذور لا تختلط فيه النساء مع الرجال وكان الغناء على غير آلة لهو، ولم يكن سبباً لمحرم، أما إذا لم يستوف هذه الشروط فغناؤه حرام، كما هو الحال في الأغاني التي يذيعها المطربون والمغنون.
المالكية - قالوا: الغناء حرام على النساء وسماعه حرام. إلا إذا كانت الأغاني من الرجال بعبارات حماسية يف لاحرب أو تسلية للإبل على السير في الصحراء ولم تصحبه آلة لهو وطرب.
وقد سئل الإمام مالك ﵁ عما ترخص فيه أهل المدينة من الغناء، فقال: إن ماстр. 1872
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يفعله عندنا الفساق، فقد روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : (الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل) . وعن يزيد بن الوليد أنه قَالَ: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن لاخمر ويفعل ما يفعله السكر.
الشافعية - قالوا: إن الغناء الماجن مع آلات الطرب واللهو حرام على النساء والرجال، وسماعه حرام، فقد نقل عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قَالَ: الغناء لهو مكروه يشبه الباطل، من استكثر منه فهو سفيه وترد شهادته.
الحنابلة - قالوا: الغناء حرام سواء أكان من النساء أم من الرجال إذا كان القول يثير الشهوة، لمن استمع إليه، أو أدى إلى اختلاط الرجال بالنساء، أو خروج عن حشمة ووقار.
والاستماع يأخذ حكمه، فإن الشخص إذا سمع وصف الخمر والصدر والخد والشدي وذكر وتحتد وباعث الشر، وتستيقظ دوافع الفتنة، وتنبه الآعضاء إلى لذة الفاحشة، وذلك نصر لحزب الشيطان، وتخذيل للعقل المانع منه، الذي هو حزب الرحمن، فهو يؤدي إلى حرام وما أدى إلى حرام فخو حرام، كالنظر إلى الأجنبية بشهوة أو لمسها أو الخلوة بها.
الزنا معطل للنسل الصالح
إن الإسلام بتشريعه حد الزنا، وعنايته التامة بإقامته واهتمامه الزائد بتنفيذ أمام طائفة من عباد اللَّه المؤمنين، ونزول الآبات الكثيرة بشأنه والنهي عن اقتراف مقدماته وأسبابه والاقتراب منه، وتحريم الأشياء المقربة منه، كالاختلاط والغناء والرقص وخلافه، واعتباره من أعظم الفواحش ومن أكبر الذنوب ومقارنته بالشرك باللَّه تعالى وقتل الأنفس، ووصفه في القرآن الكريم بأنه يكون سبباً في مضاعفة العذاب يوم القيامة والخلود في نار جهنم، وأنه يسبب المقت والمهانة، ويجلب على صاحبه العار والفضحية ويجرفه إلى أسوأ السبيل، وقول النَبِي ﷺ (بأنه يخلع الإيمان من قلب الزاني والزانية كما يخلع الرجل قميصه من عنقه) ، وتشريع ضرب الزاني المحصن بالحجارة حتى يموت، هو أشنع عقاب وأشد عذاب في التشريع.
فالإسلام يقصد من وراء ذلك كله إلى صيانة الأعراض أيما وحفظها من التلوث والدخالة، لأن الأعراض الطاهرة تستوجب الطمأنينة السعيدة في الأسرة، وتنبت ذرية قوية صالحة، وأفراداً شرفاء فضلاء، وأشبالاً أشداء أقوياء، ترفع الإنسانية وتسمو بها، وتعلي من قدرها، وما من شك في أن الأسرة المتهدمة والعائلة المتفرقة، لا تكون أمة نبيلة ولا شعباً كريماً، لأن بناء المجتمع الصالح إنما يكون من لبنات متينة قوية متماسكة. والشعوب التي يفشو فيها الزنا وتظهر فيها الفاحشة وتنتشر بينها المفاسد يسارع إليها الخراب المادي والأدبي، وينتشر فيها الفساد الخلقي انتشار النار في الهشيم، وينخر فيها المنكر كنخر السوس في الخشب، ويستحيل أهلها إلى شراذم متهدمة لا تناصر بينهم ولا تعارف ولاстр. 1873
مبحث حد المحصن
-أما حد الزنا فقد فرقت الشريعة فيه بين الذي تزوج والذي لم يتزوج، فشددت العقوبة
الحواشي
(١) محبة ولا تآلف لعدم وجود عاطفة القرابة ورابطة الأخوة والدم فتتنافر وتتشاحن وتتفرق، وتذهب قوتها وهيبتها وتضيع كرامتها.
وقد أشار ذلك الرسول صَلَوَات اللَّهِ وسَلاَمهُ عَلَيْه حيث قَالَ: (لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا، أوشك أن يعمهم اللَّه بعقابه) .
فالزنا من الأسباب التي تقوض دعائم الأمم وتهدم مجدها، وتجلب لها الذل والاستعمار لأنه معطل للنسل القوي الصالح المتناصر، وقاتل للنخوة والشهامة ومميت للجرأة والشجاعة، وقاطع للرحم التي تربط بين الناس، والتي على نظامها وتقديرها تبنى كافة الروابط الإنسانية، من الأبوة والنبوة والآخوة وسائر القرابات.
ولهذا كان النَبِي ﷺ يفتخر بحسبه ونسبه وأن اللَّه حفظ أصله وآباءه من هذا الوباء، فقال ﷺ : (ولدت من نكاح، ولم أولد من سفاح) وولد الزنا لا يغار على وطن ولا إلى أهل، وكان من قول الخنساء ﵂ وهي تنصح أولادها الأربعة في حرب القادسية وتحرضهم على الثبات والجلد والقتال: (أي بني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد، كما إنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حشبكم ولا غيرت نسبكم) فهي تشير إلى أمر مهم في القتال وهو أنهم قد ولدوا من بطن طاهر ومن أصل طاهر ومن حسب نقي ومن أبوين عفيفين غير ملوثين) .
-
تعريف المحصن
-١ - اتفق الأئمة على أن من شرائط الإحصان.
-٢ - الحرية.
-٣ - البلوغ.
-٤ - العقل.
-٤ - أن يكون متزوجاً بامرأة محصنة مثل حاله بعقد صحيح.
-٥ - وأن يكون دخل بها ووطئها في حالة جاز فيها الوطء، وهما على صفة الإحصان.
فلا يقام الحد على عبد، ولا على صبي، ولا مجنون، ولا غير متزوج زواجاً صحيحاً كما وصفنا، ولو وطئ زوجته في الدبر فليس بمحصن أو وطئ جاريته في القبل فليس بمحصن، أو وطئ في نكاح فاسد كأن تزوجها بلا ولي أو بلا شهود فليس بمحصن، أو وطئ زوجته وهو عبد ثم عتق، أو كان صبياً ثم بلغ، أو كان مجنوناً ثم أفاق.стр. 1874
على الأول لأنه عرف معنى الزوجية، وقدر قيمة العدوان على العرض حق قدره، فكان جزاؤه الإعدام (١) . الحواشي
(١) اتفق الأئمة على ان من كملت فيه شروط الإحصان ثم زنا بامرأة قد كملت غيها شروط الإحصان بأن كانت حرة بالغة عفلة مدخولاً بها في نكاح صحيح وهي مسلمة_ فهما زانيان محصنانстр. 1875
ولا ريب أنه جزاء يناسب هذه الجريمة مناسبة تامة، لأن العدوان على العرض بهذه الصورة الشنيعة كالعدوان على النفس، بل ربما فضل الغيور على عرضه، قتله على الزنا بحليلة أو محرمة (١) . الحواشي
(١) وإذا وجب إقامة حد الرجم على الزاني أو الزانية بإقرار، أو شهادة شهود، أو بينة فيرجم بحجارة معتدله، لابحصيات خفيفة لئلا يفوت التنكيل المقصود من اقامة الحد، بل يضرب بحجر ملء الكف وينفى ضرب الوجه لما روي مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال (نهى رَسُول اللَّه ﷺ عن الضرب في الوجه، وعن الوسم فيه، وهو الكي بالنار، ولأن النَبِي ﷺ لما أمر برجم الغامدية أخذ حصاة ورماها بها ثم قال للناس ارموا واتقوا الوجه.
والرجل الزاني وقت الحد لا يربط، ولا يقيد، ولا يحفر له حفرة، أما المرأة فيجوز أن يحفر لها حفرة عند رجمها إلى صدرها حتى لا تنكشف عورتها وتشد عليها ثيابها وقت إقامت الحد عليها كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم ايام رَسُول اللَّه ﷺ .
واتفق الفقهاء على ان حد الرجم يقام على الزاني في الحر او البرد الشديدين ويقام على المريض، لأن النفس مستوفاة به فلا يؤخر حده إلى البرء بخلاف الجلد.
واتفقوا على ان حد الرجم لا يقام على المرأة الزانية اذا كانت حبلى ويؤخر إلى أن تلد ويرضع الطفل حتى يأكل، كما فعل النَبِي ﷺ في حد الغامدية، ولأن إقامة الحد على الحامل فيه قتل للجنينстр. 1876
مبحث حد غير المحصن
أما غير المتزوج فقد قدرت له مائة جلدة، لما عرفت من أنه لم يعرف معنى الغيرة على الزوجة، فكان له حق في التخفيف (١)
- الحواشي
(١) اتفق الفقاء على ان البكرين الحرين العاقلين البالغين المسلمين إذا زنيا فعلى كل واحد منهما الجلد مائة جلدة، وذلك ثابت في كتاب الله تعالى حيث قال الله (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من الؤمنين)
قال المفسرون خصصت هذه الآية بلأحاديث الواردة في رجم المحصن وبقيت في حكم غير المحصن.
كيفية قانون حد الجلد
قال الفقهاء: ضرب التعزير أشد من ضرب الزنا، وضرب الزنا أشد من ضرب شارب الخمر وفي حالة الجلد لا يضرب بسوط جديد حتى لا يزيد الألم، ولا بسوط قديم بال حتى لا يؤلمه الضرب،стр. 1877
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإنما يضرب بسوط وسط مصنوع من الجلد، قالوا: ولا يمد المضروب ولا يشد ولا يبالغ الجلاد في الضرب ولا يجرد من جميع ثيابه فيترك عليه قميص يستر عورته ويرفع عنه الفرو وثياب الجلد ويفرق الضرب إلى جميع الأعضاء حتى يعطى كل عضو حظه من الضرب لأنه قد ذاق اللذة في كل عضو، ولأن جمع الجلدات في عضو واحد ربما يؤدي إلى الإتلاف، والإتلاف غير مستحق فيرق الضرب على الأعضاء كي لا يؤدي إلى الإتلاف المنهي عنه بقول النَبِي ﷺ (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، زنا بعد إحصان، وارتداد بعد إسلام، ومقتل نفس بغير نفس) رواه الترمذي عن سيدنا عثان بن عفان ﵁.
ويتقي في الضرب المقاتل، كثغرة النحر والفرج والوجه لأنه يجمع بين المحاسن ولقول النَبِي ﷺ (إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه) وما روي عن سيدنا عمر ﵁ أنه قَالَ للجلاد دق الرأس فإنه فيه شيطاناً، ويضرب الرجل قائماً.
أما المرأة فتضرب جالسة مستورة ولا تجرد من ثيابها لأنه عورة مستورة وكشف العورة حرام، إلا أنه ينزع عنه الحشو والفرو، والجلد، ليخلص الألم إلى جسدها حتى يحصل المطلوب من إقامة الحد وهو الشعور بالألم لتتزجر وتقلع عن الذنب، وإنما تضرب وهي قاعدة. لقول سيدنا عمر بن الخطاب ﵁: يضرب الرجل قائماً والمرأة قاعدة، ولأن مبنى حال الرجل على الانكشاف والظهور حتى يعتبر به غيره، ومبنى حال المرأة على الستر والخفاء.
جلد المريض
إذا كان المطلوب جلده نحيفاً، أو هزيلاً شديد الهزال، أو مريضاً خبيثاً لا يرجى برؤه، كالمسلول والمجذوم، والمصاب بالسرطان، وغير ذلك من الأمراض الفتاكة الخطيرة، يجلد بمكتال النخل، أي (عرجون عليه غصن) وبه مائة غصن أو خمسون ففي المائة يضرب به مرة واحدة، وفي الخمسين يضرب به مرتين مع ملاحظة مس الاغصان لجميع جسمه، أو يضرب بطرف ثوب مفتول، او يضرب بالنعال، كما حدث أيام الرَسُول اللَّه ﷺ فقد روي البخاري ﵀ وأبو داود، أن أبا هريرة ﵁ قال: أتي النَبِي ﷺ برجل قد شرب الخمر فقال: اضربوه، منا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم أخزاك الله فقال ﵊: (ولا تقولواهكذا لاتعينوا عليه الشيطان)
فيفهم من الحديث جواز الضرب في حالة الحد بكل شئ يؤلم، فيستعمل هذا في حالة المرض الشديد تيسيراً من الله على المرضى.
أما في حالة الصحة فلا يجوز استعمال هذه الآلات. حيث انه لا يؤدي الخرض المطلوب، منстр. 1878
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) إقامة الحد، وهو التألم والانزجار عن الوقوع في الجلد، فيتعين الضرب بسوط الجلد حتى يحصل المقصود.
واتفق الفقهاء على انه لا يجوز جلد الزاني في حالة الحر الشدي، ولا في حالة البرد الشديد، بل يجب تأخيره الى اعتدال الجو.
واتفق الأئمة على ان الزاني غير المجصن اذا كان مريضاً بمرض يرجى برؤه لا يقام عليه الحد، بل يؤخرويسجن حتى يبرأ منه كي لا يهلك اجتماع الضرب مع المرض.
حد النفساء والحامل
اتفق الفقهاء على ان الرأة لاتجلد في حالة الحمل بل تؤخر حتى تضع الجنين، تزول ألم اولادة وتبرأ من النفاس حفظاً للجنين والمرأة لئلا يهلكا باجتماع الجلد وألم الولادة ومرض النفاس، لما روي عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه خطب المسلمين فقال: أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرَسُول اللَّه ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بالنفاس، فخشيت إن جلدتها قتلتها، فذكرت ذلك للنَبِي ﷺ فقال: (أحسنت) .
وروى الخمسة غير البخاري عن عمران بن حصين ﵁: أن امرأة من جهينة أتت رَسُول اللَّه ﷺ وهي حبلى من الزنا. فقالت: يا نبي اللَّه أصبت حداً فأقمه عليّ، فدعى نبي اللَّه ﷺ وليها فقال: (أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها ففعل، فأمر بها النَبِي اللَّه ﷺ فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها، فقال عمر: تصلي عليها يا نبي اللَّه وقد زنت؟ فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها للَّه تعالى؟) .
فيؤخذ من الحديث إقامة الحد على العبد والأمة، من ككان محصن أو غير محصن، كما يؤخذ من الحديث تأخير الحد عن النفساء حتى تصح ويتم نفسها وترضع طفلها، حتى يستغنى عنها رحمة بالجنين وهذا من يسر الإسلام.
الجمع بين الجلد والرجم
المالكية، والشافعية، والحنفية - قالوا: لا يجوز الجمع بين الجلد والرجم على المحصن، لأن حد الرجم نسخ حد الجلد ورفعه، ولأن الحد الأصغر ينطوي تحت الحد الأكبر، ولا تحصل منه الفائدة المرجوة، وهو الزجر والإقلاع عن الذنب حيث أن الجاني سيموت.
الحنبلة قالوا: إن المحصن يجلد في اليوم الأول ثم يحد بالرجم في اليوم الثاني، لما روي عن النَبِي ﷺ أنه جلد رجلاً يوم الخميس ورجمه يوم الجمعة.
ولكن الراجح هو قول الجمهور لأن النَبِي ﷺ رجم ماعزاً، ورجم امرأة من جهينة، ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه جلد واحداً منهما قبل رجمه.стр. 1879
مبحث من قتل الرجل الذي زنى بامرأته
وكثيرا ما نرى الناس يقتل بعضهم بعضاً من جراء الزنى، ولذلك نجد القوانين في كل الشرائع قد رفعت القصاص عن قاتل الزاني بامرأته، لأنها ترى أن هذه الخيانة تستوجب قتل مرتكبها (١) . الحواشي
(١) اختلف العلماء في حكم من وجد مع امرأة رجلا، وتحقق وجود الفاحشة منهما. فقتله هل يقتل ام لا؟ .стр. 1880
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الجمهور - قالوا: لا يصح ان يقدم الرجل على قتل رجل وجده عند زوجته، وتحقق من ارتكابه الفاحشة لما روى البخاري عن ابي هريرة ﵁: (ان سعد بن عبادة رضي اله عنه قال: يارسول الله أرأيت ان وجدة مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال رَسُول اللَّه ﷺ : (نعم فإن قتله يقتص منه، إلا أن يأتي ببينة على ارتكابه جريمة الزنا وهومحصن أو يعترف القتول بذلك، أما اذا قتلهما أو أحدهما، ولم يستطع ان يأتي بالبينة وإحضار الشهداء على الزنا، او الإعتراف. فإنه يطالب بالقود، والقصاص، أو الدية لأنه يجوز لرجل أن يدعو رجلاً آخر لدخول بينه لعمل شيء ثم يقتله لضغن في نفسه ويقول: وجدته مع امرأتي كذباً.
ويجوز ان يقتل الرجل زوجته ليتخلص منها لشيء في نفسه، ثم يدعي عليها زوراً، أنه وجد معها رجلاً يزني بها، لذلك احتاط الشارع في هذا حفظاً للأرواح بأنه يجب على القاتل إقامة البينة على دعواه، فإن استطاع إقامة البينة فلا شيء عليه) .
وذهب بعض السلف: إلى انه لا يقتل أصلاً، ويعذر فيما فعله، إذا ظهرت أمارات صدقه، بكشف الطبيب الصادق عليهما، أو وجود شبهات سابقة على سوء سلوك الزوجة، أو اشتهار المقتول بالزنا أو غير ذلك.
الحنابلة، والمالكية -: قالوا: إن أتى بشاهدين إلى انه قتله بسبب الزنا، وكان القتول محصناً فلا شيء عليه.
الهادوية - قالوا: يجوز للرجل أن يقتل من وجده مع زوجنه. أو أمته، أو ولده حال الفعل، ولا شيء عليه، وأما بعد انتهاء الفعل فيأتي ببينة أو يقتص منه إن كان بكراً.
الشافعية - قالوا: إذا وجد الرجل مع امرأته رجلاً فادعى أنه ينال ينال منها ما يوجب الحد، وهما ثيبان فقتلهما. أو أحدهما، ولم يأت بالبينة كان عليه القود أيهما قتل، إلا أن يشاء أولياء الدم أخذ الدية، أو العفو.
ولو ادعى على أولياء المقتول منهما أنهم علموه قد نال منها ما يوجب عليه القتل إن كان الرجل، أو ميلاً من المرأة إن كانت المرأة المقتولة، اكن على أيهما ادعى ذلك عليه أن يحلف أنه ما علم.
وهكذا لو وجد رجلاً يتلوط بابنه، أو يزني بجاريته، لا يختلف الحكم. ولا يسقط عنه القود، والقتل إلا إذا أتى ببينة على الفعل.
ولو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً ينال منها ما يوجب حد الزاني فقتلهما والرجل محصن والمرأة غير محصنة بأن كانت غير مسلمة، أو أن العقد بغير شهود فلا شيء في الرل، وعليه القود في المرأة، وإذا كان الرجل غير محصن والمرأة محصنة كان عليه القود في الرجل، ولا شيء عليه في المرأة، إذا استطاع أن يأتي بابينة على ارتكابهما الزنا.
فقد روي عن ابن المسيب أن رجلاً بالشام وجد مع امرأته رجلاً فقتله وقتلها، فكتب معاوية إلىстр. 1881
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أبي موسى الأشعري بأن يسأل له عن ذلك علياً ﵁، فسأله فقال علي كرم اللَّه وجهه: (أنا أبو الحسن إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته) . أي يقتل.
وروي عن سيدنا عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ أنه أهدر دم المقتول، وقال: هذا قتيل اللَّه، واللَّه لا يودى أبداً.
وهذا الذي صدر عن سيدنا عمر، لأن البينة قامت عنده على أن المقتول ارتكب الزنى وهو محصن، أو على أن ولي القمتول أقر عنده بما وجب به أن يقتل المقتول.
وقد قَالَ: إن كان القاتل معروفاً بالقتل فاقتلوه، وإن كان غير معروف بالقتل فذروه ولا تقتلوه ...
وأما الأديان السابقة، فقد أجمعت على تحريم الزنا، كما ثبت ذلك في الكتب المزلة من السماء.
موقف القوانين الوضعية من هذه الجريمة
لقد انقسمت القوانين الوضعية في معلجتها لهذه الجريمة البشعة إلى ثلاثة أقسام:
-١ - قوانين لا تعاقب على جريمة الزنا إطلاقاً، بل تبيحها كالقانون الإنكليزي.
-٢ - قانون يعاقب على الجريمة بالتساوي دون التفرقة بين الزوج والزوجة، كالقانون الألماني.
-٣ - قانون يعاقب على الجريمة، ولكنه يفرق بين الزوج والزوجة، كالقانون الفرنسي، وهو الذي، تسير عليه القوانين الحالية في محاكم الجمهورية العربية.
مقارنة بين القانون السماوي والقانون الوضعي
إن الدين الإسلامي يعتبر كل اتصال جنسي محرم بي رجل وامرأة. أو بين رجل ورجل جريمة زنا، سواء أكان الرجل محصناً، أم غير محصن، أم غير محصن إذا كان مميزاً، بالغاً، عقلاً، غير مكوه، ولا دخل للمكان فيه.
أما القانون الوضعي: فلا يعتبر هذه الجريمة زنا إلا إذا كان الفعل بين رجل متزوج، وامرأة متزوجة، أو كان أحدهما متزوجاً، ووقعت الجريمة بالشروط، والأوضاع التي بينها القانون.
فبالنسبة للرجل، لا تتحقق الجريمة إلا في منزل الزوجية، فلو وقعت في غير هذا المكان لا تعد حناية، ولا يعاقب عليها، وبالنسبة للمرأة، فإن الجريمة تقع منها متى ارتكبتها في أي مكان، ما دامت مقترنة بزوج.
ويتضح الفرق في القانون الوضعي بين الزوج، والزوجة فيما يأتي:
-١ - يثبت الزنا على الزوجة إذا ارتكبته في أي مكان، أما الزوج فلا يثبت عليه الزنا إلا إذا ارتكبه في منزله - المادة (٢٧٤ - ٢٧٧) من القانون.
-٢ - تعاقب الزوجة بالحبس إذا ضبطت متلبسة بالجريمة، مدة لا تزيد عن سنتين، أما الزوج فيحبس لمدة ستة أشهر.стр. 1882
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٧٤) .
-٤ - يخفف القانون عقوبة الزوج الذي تعفو عنه زوجته، إذا ضبط متلبساً بجريمة الزنا، بينما هي لا تستفيد من هذا التخفيف.
-٥ - من فاجأ زوجته حال تلبسها بجريمة الزنا فقتلها، وقتل من يزني بها يعاقب بالحبس مدة متناسبة بدلاً من العقوبات المقررة في المادتين (٢٣٤ - ٢٣٦) في شأن من قتله رجل آخر.
وقد جرى قانون النقض في المحاكم المصرية على أن القتل في هذه الحالة يعتبر جريمة جنحة، فلا يعاقب على الشروع فيه لعدم النص.
مبحث دفاع الرجل عن ماله وحريمه
اتفق الفقهاء: على أن الرجل إذا هجم عليه رجل يريد أخذ ماله، أو قتله في مصر فيه غوث، أو كان في صحراء لا غوث فيها، أو أريد هتك حريمه في واحد منهما، فالإختيار له، أن يكلم المجرم، الذي يريده ويستغيث بالمسلمين، أو الجند، فإن منع أو امتنع وتركه ورجع عنه لم يكن له قتاله، وإن أبى أن يمتنع وهجم عليه يطلب ماله، أو يريد قتله، أو قتل بعض أهله، أو دخول على حريمه، زوجة، أو بنت، أو أخت، أو أم، أو إحدى المحارم، أو خادمة، أو أمة، أو صبي. أو قتل اللص الحامية التي من خارج الدار، حتى يتمكن من الدخول على النساء لإرتكاب الفاحشة، أو اغتصاب إحداهن، كرهاً فيجب على رب الأسرة أن يدافع عنها بكل ما أوتي من قوة، وسلاح، فإذا لم يستطع رده إلا بالضرب، باليد، أو العصا، أو السلاح، أو غيره، فله ضربه في هذه الحالة، ولكن ليس له تعمد قتله من أول وهلة، بل يضربه في غير مقتل. فإن ضربه دفاعاً عن نفسه، أو ماله، أو عرضه، ومات المعتدي، فلا عقل عليه، ولا قود، ولا دية، ولا كفارة، ولا إثم يوم القيامة، ولا تعزيز من الحاكم، ويكون دمه هدراً، وإن قتل الرجل المدافع بسلاح اللص الظالم فهو شهيد، وله أجر مجاهد في سبيل اللَّه .
روى الترمذي وغيره عن سعد بن زيد رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) قَالَ: وهو حديث حسن.
وروى مسلم عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ قَالَ: (جاء رجل إلى رَسُول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي، قَالَ: لا تعطه مالك، قَالَ أرأيت إن قاتلني؟ قَالَ: قالته، قَالَ: أرأيت إن قتلني؟ قَالَ: فأنت شهيد، قَالَ: أرأيت إن قتلته؟ قَالَ: هو في النار) . ويقاس عليه من دافع عن نفسه، وعرضه، ودينه كما سبق في الحديث الشريف.стр. 1883
مبحث رأي المعتزلة والخوارج
-ولم يخالف في هذا الحد إلا بعض المعتزلة، والخوارج، فإنهم قالوا: إن عقوبة الرجم كانت موجودة في صدر الإسلام، ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ فالزانيان يستحقان الجلد سواء كلنا محصنين أو لا. ولكن دليلهم هذا لا يتم إلا إذا ثبت أن النَبِي ﷺ لم يرجم أحداً بعد نزول هذه الآية.
ولكن الجمهور قالوا: إن رَسُول اللَّه ﷺ قد رجم بعد نزول هذه الأية، بدليل أن أبا هريرة حضر الرجم، وهو لم يسلم ب سنة سبع، وسورة النور نزلت سنة ست أو خمس، وقد رجم الخلفاء الراشدون بعد النَبِي ﷺ ، وصرجوا بأن الرجم حد، وقد نازع هؤلاء بأن الكتاب لا يصح نسخه بالسنة.
وأجيب بأن السنة المشهورة تخصص الكتاب بلا خلاف، وهنا خصصت السنة. الزاني، بغير المحصن، وهذا الخلاف لا يترتب عليه فائدة كبيرة عملية (١) الحواشي
(١) (حكي في البحر عن الخوارج أن الرجم غير واجب عندهم، وكذلك حكاه عنهم أيضاً ابن العربي رحمه اللَّه تعالى، وحكاه أيضاً عن بعض المعتزلة، كالنظام وأصحابه، ولا مستند لهم إلا أنه لم يذكر في القرآن الكريم، وهذا باطل، فإن الرجم قد ثبت بالسنة المتواترة المجمع عليها، وأيضاً هو ثابت بنص القرآن لحديث عمر بن الخطاب عند الجماعة أنه قَالَ: (كان مما أنزل على رَسُول اللَّه ﷺ آية الرجم، فقرأناها، وحفظناها، ووعيناها، ورجم رَسُول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده) ونسخ التلاوة لا يستلزم نسخ الحكم، كما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُما، وقد أخرج أحمد والطبرانيстр. 1884
مبحث الشهادة في الزنا
-لأن حد الزنا منوط في الوقع بلإقرار الزاني، فإذا لم يقر الزاني، فإنه لا يمكن إثباته عليه بالبينة، لأنه لا يثبت إلا بأربعة شهود عدول، يرون الإيلاج بالفعل، وذلك إن لم يكن محالاً، فهو متعذر (١) . الحواشي
(١) (اتفقت كلمة الفقهاء على أن جريمة الزنا تثبت بالشهادة، أو الإقرار، واتفقوا على أن عدد الشهود في هذه الجريمة المنكرة، أربعة، بخلاف سائر الحقوق، لقوله تعالى: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ وقوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ وقوله ﷺ للذي قذف امرأته (ائت بأربعة يشهدون على صدق مقالتك - وإلا فحد في ظهرك) واجماع الأمة على ذلك.
وافق الأئمة على أن صفة الشهود أن يكونوا عدولاً، وأن يكونوا ذكوراً، غير محدودين.
واتفقوا على أن من شروط هذه الشهادة أن تكون بمعاينة فرجه في فرجها، وأن تكون الشهادة بالتصريح، لا بالكناية لأن في اشتراط العدد بالأربعة يتحقق معنى الستر على عباد اللَّه تعالى، الذي دعا إليه الشارع، ولأن الشيء كلما كثرت شروطه قل وجوده، وذلك قصد الشارع.
واختلف الفقهاء في اشتراط عدم تعدد المجلس.стр. 1885
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحنفية والمالكية، والحنابلة - قالوا: إنه يشترط في أداء الشهادة. أن يشهدوا بالزنا في مجلس واحد، وإلا فهم فسقة، ويقام عليهم حد القذف، وذلك لأن الشارع طلب التحقيق في إقامة الحدود، وأداء الشهادة في مجالس متفرقة شبهة تمنع قبول شهادة الشهود وتقبل شهادتهم إذا ادوها في مجالس متفرقة، وذلك للمبادرة إلى تطهير المسلم من الذنوب إذا كمل النصاب في الشهود بحسب اجتهاد الحاكم، وما يراه من المصلحة للمسلمين في دينهم ودنياهم.
اتحاد المكان والزمان
واختلف الفقهاء في اشتراط أن تكون الشهادة من الأربعة في مكان واحد، وفي زمان واحد.
الحنفية، والمالكية - قالوا: يشترط أن تكون شهادة الأربعة في مجلس واحد، واشترطوا كذلك أن يحضر الشهود الأربعة مجتمعين في زمان واحد. فإن جاؤوا متفرقين واجتمعوا في مجلس واحد، لا تقبل شهادتهم، ويقام عليهم حد القذف لوجود شبهة في أداء الشهادة. وهي عدم اتحادهم في الحضور، لأن الشاهد الأول لما شهد فقد قذفه ولم يأت بأربعة من الشهداء فوجب عليه الحد.
الشافعية - قالوا: لا يشترط اتحاد الشهود في الزمان، ولا في المكان، بل متى شهدوا بالزنا، ولو كانوا متفرقين واحداً بعد واحد، قبلت شهادتهم، ويقام الحد عليهما لهذه الشاهدة.
وذلك لأن الإتيان بأربعة شهداء قدر مشترك بين الإتيان بهم مجتمعين أو متفرقين، فالآتي بهم متفرقين يكون عاملاً بالنص. ولأن كل حكم يثبت بشهادة الشهود إذا جاؤوا مجتمعين، يثبت إذا جاؤوا متفرقين كسائر الأحكام، بل هذا أولى لأنهم إذا جاؤوا متفرقين كان أبعد عن التهمة، وعن أن يتلقن بعضهم من بعض، ولأنه لا يشترط أن يشهدوا معاً في حالة واحدة.
الحنابلة - قالو: المجلس الواحد شرط في اجتماع الشهود، وفي أداء الشهادة. فإذا جمعهم مجلس واحد، وأدوا الشهادة سمعت شهادتهم، وإن جاؤوا متفرقينـ قبل أداء الشهادة، لأن الشبهة إنما تظهر في اختلاف المكان فقط.
اختلاف الشهود في مكان الحادث
واختلف الفقهاء في اشتراط عدم اختلاف اغلشهود في تحديد الماكن الذي وقعت فيه الفاحشة. كأن شهد اثنان من الشهود أنه زنا بها في هذه الزاوية من المنزل. وشهد اثنان آخران أنه زنا بها في زاوية أخرى من نفس المنزل.
الحنفية، والحنابلة - قالوا: إن هذا الخلاف لا يضر في أداء الشهادة. بل تقبل ويقام الحد.
المالكية، والشافعية - قالوا: لا تقبل الشهادة في هذه المسألة، ولا تجب إقامة الحد لأن اختلافстр. 1886
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الشهود في تحديد المكان شبهة تدرأ الحد عن الزنا، فيشترط أن يأتي الأربعة في وقت واحد، يشهدون على وطء واحد، في موضع واحد، بصفة واحدة، بهذا تتم الشهادة.
اختلافهم في البلد
وإن شهد اثنان على رجل بأنه زنى بها في الكوفة، وشهد آخران بأنه زنى بها في البصرة مثلاً، فلا تقبل الشهادة، ولا يقام عليهما الحد بالإجماع، ويحد الشهود حد القذف.
إذا ظهر أن الزانية بكر
وإن شهد أربعة من الرجال العدول على امرأة بالزنا بآخر ثم وجدت بعد ذلك بكراً. فإن الشهادة ترد ولا تقبل بالإجماع، ويدرأ الحد عنها لوجود الشبهة، ولا يحد الشهود. فإن وجود البكارة دليل على عدم وقوع الزنا.
عدم التقادم في أداء الشهادة
وإذا شهد الشهود بحد متقادم لم يمنعهم من إقامته بعدهم عن الإمام الحاكم اختلف فيه الفقهاء.
الحنفية - قالوا: إنه لا تقبل شهادتهم في هذه الحالة لوجود شبهة التقادم في أداء الشهادة لأن الأصل عندهم أن الحدود الخالصة للَّه تعالى تبطل بالتقادم، لأن الشاهد مخير بين حسبتين إحداهما أداء الشهادة، وثانيتهما: التسر على المسلم، فالتأخير في أداء الشهادة لاختيار الستر، فالاقدام على الأداء بعد ذلك لوجود ضعينة هجيتهم، أ, لعداوة حركتهم بعد السكوت، فيتهمون في شهادتهم - إلا إذا وجد عذر لهم.
أما إذا كان التأخير لغير سبب يصير الشاهد فاسقاً، فترد شهادته لتيقنا بالمانع.
المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: إن الشهادة في الزنا، وفي حد القذف، وشرب الخمر، تسمع بعد مضي زمان طويل من الواقعة. وذلك لأن الحد بعد الشهادة أصبح حقاً. ولم يثبت لنا ما يبطله، وقد يكون عندهم عذر، منعهم من أداء الشهادة في وقت وقوع الفاحشة. بأن الفتنة كانت قائمة لم تخمد إللا ذلك الوقت الذي يقام الحد فيه، فيعذرون في تأخيرهم.
اختلاف الشهود في الاستكراه
إذا شهد اثنان على رجل بالزنا، وقالا: استكراهاً، وقال آخران: بل كان الزنا طواعية. فقد اختلف الفقهاء في ذلك.
الإمام أبو حنيفة، والمالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: لا حد عليهما في هذه الحالة وترد شهادة الشهود لوجود شبهة تدرأ الحد، وهي تضارب الشهود في أقوالهم.
وقال الصاحبان رحمهما اللَّه تعالى: يحد الرجل خاصة، لأن الشهود الأربعة شهدوا، واتفقوا على أنهстр. 1887
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) زنى، ولكن اختلفوا في هل هو مكره، أم لا؟ فيقام الحد عليه. أما المرأة فلا يقام عليها الحد لأنها في هذه الحالة مكرهة، بشهادة الشهود، والمكرهة على الزنا لا تحد إجماعاً. ويجب على الزاني دفع صداقها، ويلحق به ولدها إن حملت منه.
شهادة الزوج
وهل يجوز أن يكون الزوج من الشهود الأربعة في شهادة الزنا على زوجته؟
المالكية - قالوا: يجوز كون الزوج من الشهود على زوجته بالزنا، لأن الزوج يلحقه العار من هذا الأمر، خصوصاً إذا كان له منها أولد، فلا يكون متهماً في أداء الشهادة. فتقبل شهادته وتحد الزوجة.
الحنفية، والشافعية والحنابلة - قالوا: لا يجوز شهادة الزوج مع شهود الزنا على زوجته لأنه متهم في أداء هذه الشهادة. فلا تقبل شهادته.
سؤال الشهود
وإذا حضر الشهود في مجلس الحاكم لأداء الشهادة على حصول الزنا، سألهم الحاكم عن الزنا ماهو؟، وكيف هو؟، وأين زنا؟، وبمن زنا؟، وكيف زنا؟، فإن اتفقوا جميعاً في هذه الأمور وقالوا: رأينا إيلاج الذكر في الفرج، كالميل في المكحلة، بالتفصيل لأنه لا يكفي الإجمال في هذه الحالة فيجب على الحاكم لإقامة الحد على الزانيين، فربما يكون لمسها، أو يكون النى في دار الحرب، أو في الصبا، أو في زمان متقادم.
المالكية - قالوا: إنما تصح الشهادة إذا اتحد الزنا عندهم في صفته. من اضطجاع، أو قيام، أو قعود، أو هو فوقها، أو تحتها، في مكان كذا، في وقت كذا، ولا بد من ذكر ذلك كله للحاكم على انفرادهم بعد تفرقهم قبل الأداء بأمكنة، ور, يا، في وقت واحد لا متفرقين في أوقات، ولا بد في التشديد عليهم، وطلباً للستر ما أمكن، فإن تخلخل واحد منهم في أداء الشهادة، أو لم يوافق غيره ردت شهادتهم، وحدوا للقذف.
شهادة الأعمى على الزنا
المالكية - قالوا: تقبل شهادة المسلم العدل وإن كان في الأقوال فقط سواء تحملها قبل العمى، أم بعده، وذلك لضبط الأقوال بسمعه، وكذلك بالحس، كما إذا تحسس على الفاعلين.
الحنفية - قالوا: لا تقبل شهادة الأعمى على الزنا، لنه لا يتمكن من تمييز الزاني والزانية.
والحدود لا بد فيها من التحقيق واليقين.
الحنابلة والشافعية - قالوا: إذا تحمل الشهادة قبل العمى. بأن رأى الفعل وهو مبصر ثم طرأ عليه العمى قبلت شهادته، أما إذا كانت بعد العمى فلا تقبل شهادته.стр. 1888
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) إنكار الإحصان
إذا شهد أربعة على رجل بالزنا فأنكر أنه محصن، وله زوجة قد ولدت منه، فإنه يرجم ولا يقبل قوله، لبيان كذبه، بوجود الزوجة والولد.
وإن شهد أربعة على رجل بالزنا، فأنكر الاحصان، فشهد عليه رجلان بأنه تزوج امرأة ودخل بها في نكاح صحيح، ثبت الاحصان عليه، ويرجم.
اعتراض ما يخرج الشاهد عن أهليته للشهادة
أجمع العلماء على أنه يسقط الحد باعتراض ما يخرج الشاهد عن أهليته للشهادة. كما لو ارتد عن الإسلام - والعياذ باللَّه تعالى - أو عمي أحد الشهود، أو خرس، أو فسق، أو أقيم عليه حد القذف، لا فرق في ذلك بين كونه قبل القضاء أو بعده قبل إقامة الحد، وكذلك موت الشهود أو موت أحدهم مسقط للحد.
اشتراط أن يبدأ الشهود بالرجم
الحنفية - قالوا: يجب أن يبدئ الشهود برجم الزاني أولاً ويجبرهم الإمام على ذلك، ثم الإمام، أو نائبه، ثم الناس بعد وهذا شرط لا بد منه في إقامة الحد، حتى لو امتنع الشهود عن رجم الزني يسقط الحد عن المشهود عليهما، ولا يحد الشهود حد القذف، لأن امتناعهم ليس صريحاً في رجوعهم، ولكنه شبهة في درء الحد. لأن امتناع الشهود عن رجم الزاني دليل على الرجوع في أقوالهم، فإن الشاهد ربما يتساهل في الأداء أولاً. ولكن عند مباشرة الفعل يتعاظم ذلك عليه، ويرق قلبه، ويرجع عن شهادته. فيرتفع الحد عن المتهمين، وفيه تثبيت وزجر، لما روي من حديث أبي بكرة أن النَبِي ﷺ رجم امرأة، وكان هو أول من رماها بحصاة مثل الحمصة، ثم قَالَ: (ارموها واتقوا الوجه) .
روي عن عامر الشعبي قَالَ: كان لشرحة زوج غائب بالشام، وأنها حملت فجاء بها مولاها إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ، فقال: إن هذه زنت واعترفت فجلدها يوم الخميس مائة، ورجمها يوم الجمعة، وحفر لها إلى السرة، وأنا شاهد، ثم قَالَ: إن الرجم سنة سنها رَسُول اللَّه ﷺ ، ولو شهد على هذه أحد لكان أول من يرمي الشاهد، يشهد ثم يتبع شهادته حجره، ولكنها أقرت فأنا أول من رماها بحجر، ثم رمى الناس وأنا منهم، فكنت واللَّه فيمن قتلها.
أبو يوسف من علماء الحنفية - قال: إن بداءة الشهود مستحبة، وليست مستحقة، فإذا امتنعوا أو غابوا، أو ماتوا - يقيم الإمام الحد، ولا يتركه، لأنه ثبت بالشهادة. فيجب إقامته.
الشافعية - قالوا: يبدأ بالرجم الإمام، أو نائبه، ولا يشترط أن يبدأ الشهود، وليس له أن يرجم نفسه لأن من فعل موجب القتل لا يصح له أن يقتل نفسه - بل ذلك للإمام، أو نائبه -.стр. 1889
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحنابلة - قالوا: يجوز للإمام أن يحضر رجمه وأن لا يحضر. وكذا الشهود لأن النَبِي ﷺ أمر برجم ماعز، ولم يحضر رجمه.
رجوع الشهود
إذا شهد أربعة على رجل بالزنا بفلانة، وأربعة غيرهم شهدوا بالزنا بامرأة أخرى، فرجم، ثم رجع الفريقان. في شهادتهم ضمنوا ديته إجماعاً، وحدوا للقذف جميعاً، عند الإمام أبي حنيفة، وأبي يوسف.
والإمام مُحَمَّد بن الحسن - قال: يضمنون الدية، ولكن لا يقام عليه حد القذف.
الحنفية - قالوا: إذا رجع الشهود بعد الرجم حد الراجع وحده وغرم ربع الدية، وإذا رجع واحد منهم قبل إقامة الحد حدوا جميعاً، لأنه كان سبباً في قتل المتهم ظلماً.
إذا تبين عدم عدالة الشهود
اختلف الفقهاء فيما إذا حكم القاضي على الزاني بالجلد فمات أو جرح ثم تبين له أن الشهود غير عدول. بل هم ممجرحون. أو تبين أنهم فسقة، أو عبيد، أو غير مسلمين. أو أحدهم محدود في قذف أو أعمى: فإنهم يحدون باتفاق العلماء:
أبو حنيفة - قال: لا ضمان على القاضي فيما حكم به، ولا على الشهود ولا على بيت المال، وقال الصاحبان: الأرش والدية على بيت المال.
المالكية - قالوا: إن قامت البينة على فسقهم لا يضمن القاضي، وإن قامت البينة على الرق والكفر يضمن، وعليه الدية لعائلة الذي أقيم عليه الحد، لتفريطه. في التأكد من عدالة الشهود.
الشافعية، والحنابلة - قالوا: يجب على القاضي ضمان الدية فيما يحصل من أثر الضرب في حالة الجلد، أو الأرش في حالة الجرح.
واتفق العلماء على أنه إذا كان الحد الرجم. فرجم ثم ظهر أحد الشهود على ما ذكرنا. فديته على بيت المال، ويقام الحد على الشهود.
إذا مات الجاني من الجلد
المالكية - قالوا: إذا سرى الموت إلى الجاني بسبب الجلد أو الضرب. إن كان الحاكم قد ظن السلامة من فعله فلا إثم ولا دية عليه. وإذا شك في السلامة ضمن ما سرى على نفس، أو عضو، أي ضمن الدية، وهي على العلاقة وهو يدفع كواحد منهم، فإن ظن عدم السلامة، فعليه القصاص، ويعلم ظن السلامة، أو عدمها، أو الشك، من إقرار الحاكم، ومن قرائن الأحوال، وذلك في حالة التأديب على المعاصي التي ليست فيها حدود، أما المعاصي التي يجب فيها إقامة الحد مثل جلد البكر بالزنا،стр. 1890
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أو شرب الخمر، أو حد القذف، وضربه ضرباً عادياً غير منفذ فلا يجب عليه شيء إذا مات من أثر ذلك.
فقد روي أن سيدنا عمر بن الخطاب بعث إلى امرأة في شيء بلغه عنها ففزعت منه فأسقطت فاستشار سيدنا عمر علياً كرم اللَّه وجهه في سقطها، فقال علي ﵁: عليه الدية للجنين الذي مات من السقط. فأمر علياً ﵄ أن يضرب بها على قومه. ففعل.
فقد ذهب الصحابة رضوان اللَّه عليهم إلى أن الإمام وإن كانت له الرسالة العظمى، فعليه أن لا يتلف بها أحداً من غير إقامة حد، فإن تلف ضمن. وكان المأثم مرفوعاً عنه. لأنه مأذون في التأديب على الذنوب التي لا حد فيها، وفي حالة إقامة الحد يكون الضرب مؤلماً غير جارح ولا مهلك.
الحنفية - قالوا: لا ضمان على الشهود لأن الواجب بشهاداتهم هو الضرب غير المهلك، ولا على القاضي لأنه لم يقض بالضرب المهلك، بل يقتصر على الجلاد إلا إنه لا يجب عليه الضمان في الصحيح، لأنه لم يتعمده، وإذا لا يجب الضمان أصلاً.
خطأ الإمام في إقامة الحدود
واختلف العلماء فيما إذا حصل خطاء في حكم القاضي في الحدود والقصاص.
الحنفية - قالوا: ارش الخطأ والدية تكون في بيت مال المسلمين في حالة الخطأ، ولا غرامة على القاضي لأنه اجتهد فأخطأ، فلا ذنب عليه - روي أن الإمام علياً كرم اللَّه وجهه قَالَ: ما أحد يوت في حد فأجد في نفسي منه شيئاً، لأن الحق قتله، إلا من مات في حد الخمر فإنه شيء رأيناه بعد النَبِي ﷺ ، فمن مات فيه فديته إما على بيت المال، وأما على الإمام - شك من الرواي -.
المالكية - قالوا: إذا مات الشخص في حد من حدود اللَّه فدمه هدر، ولا ضمان فيه على أحد.
الشافعية والحنابلة - قالوا: روايتان عنهما - إحداهما - أن الضمان في هذه الحالة على بين المال ولا شيء على عائلة القاضي. والرواية الثانية: أن ضمان الدية تكون على القاضي وعائلته، ولا يذهب ماله هدراً، لأن القاضي مكلف بالمحافظة على أرواح الناس في حالة إقامة الحد، مثل قطع اليد في السرقة، فيجب عليه ألا يتعدى المكان، وأن يحسم الدم بأن يغمس في الزيت المغلي، ولا يضرب المجلود ضرباً مبرحاً يفضي إلى التلف، ولذلك يجب عليه الدية. لأن عمله أفضى إلى الموت فهو متسبب كالذي ضرب صيداً، فأصاب إنساناً. فتجب عليه الدية لأنه أخطأ في ضرب سهمه.
رجوع شهود الزنا والإحصان
إذا شهد أربعة بالزنا على رجل، وشهد اثنان بالإحصان، فأقام الحاكم الحد عليه ثم رجع الجميع في شهادتهم، شهود الزنا - وشهود الإحصان.
الحنفية - قالوا: تجب الدية على شهود الزنا الأربعة فقط، ولا ضمان على شهود الإحصان.стр. 1891
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: الدية تجب أثلاثاً - الثلثان على شهود الزنا، والثلث على شهود الإحصان.
الحنابلة - قالوا: الدية تجب عليهم نصفان، على شهود الزنا النصف، وعلى شاهدي اٌحصان النصف الآخر لأن الحد إنما تم بشهادتهم جميعاً، فلو شهدوا بالزنا ولم يشهد عليه بالإحصان جلد، فشهادة الإحصان هي التي تسببت في قتله ظلماً من غير وجه حق. فيضمون معاً مناصفة.
المالكية - قالوا: فيه روايتان - أظهرهما أن الدية على شهود الزنا فقط، مثل الحنفية، وفي رواية عنهم: الدية مناصفة مثل قول الحنابلة.
فائدة
اتفقت كلمة العلماء على أن غير الإمام لا يجوز له أن يقيم الحد لقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم﴾ فقد أجمعت الأمة على أن المخاطب بذلك هو الإمام، ثم احتجوا بهذا على وجوب نصب الإمام، لأنه سبحانه أمر بإقامة الحد، وأجمعوا على أنه لا يتولى إقامته إلا الإمام واجباً.
وإذا فقد الإمام فليس لآحد الناس إقامة هذه الحدود، بل الأولى أن يعينوا واحداً من الصالحين للحكم، يقوم به.
الشهادة على الشهادة
الحنفية والمالكية والحنابلة، وفي رأي عند الشافعية - قالوا: إذا شهد أربعة على شهادة أربعة رجل بالزنا لم يحد لما فيها من زيادة شبهة لتحققها في موضعين، تحميل الأصول، وفي نقل الفروع، وإن كان الشرع اعتبر الشهادة على الشهادة، وألزم القضاء بموجبها في المال لكنها ضعيفة، ولا يلزم من اعتبارها في الجملة، اعتبارها في كل موضع كشهادة النساء، فإنها معتبرة صحيحة في ذلك وليست معتبرة في الحدود ولزيادة شبهة فيها، فالشهادة مع زيادة مثل تلك الشبهة معتبرة إلا في الحدود، وسببه أن يحتاط في درئها، فكان الاحتياط رد ما كان كذلك ولأنها بدل، واعتبار البدل في موضع يحتاط في إثباته، لا فيما يحتاط في إبطاله.
الشافعية، وفي رأي آخر - قالوا: إن الشهادة على الشهادة تقبل ويقام الحد بها، إذا تكاملت شروطها.
مبحث رجوع أحد الشهود بعد الشهادة
الحنفية - قالوا: إذا رجع واحد من الشهود بعد القضاء، وقبل إقامة الحد حدوا جميعاً حد القذف، لن الامضاء من القضاء، فكان رجوعه قبل الإمضاء كرجوعه قبل القضاء، وتظهر ثمرة كونстр. 1892
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الإمضاء من الإمضاء من القضاء، فيما إذا اعترضت أسباب الجرح في الشهود، أو سقوط إحصان المقذوف، أو عزل القاضي يمتنع استيفاء حد القذف وغيره.
ولو رجع واحد من الشهود في شهادته قبل القضاء حدوا جميعاً، لأن كلامهم قذف في الأصل، وإنما يصير شهادة باتصال القضاء به، ولم يتصل به لأن رجوعهم منع من ذلك فبقي قذفاً، فيحدون حد القذف.
أما إذا امتنع الرابع عن أداء الشهادة فإنه يحد الثلاثة ولا يحد الرابع، ولا يكون الحد بسبب سكوت الرابع بل يقول الثلاثة انه زنى ولا ننظر إلى سكوت الرابع، فكل واحد يؤاخذ بذنبه لا بذنب غيره، لأنهم قذفة.
إذا كان الشهود خمسة
الحنفية والمالكية والحنابلة - قالوا: إذا كان عدد الشهود خمسة فرجع أحدهم بعد رجم الزاني المشهود عليه لا شيء عليه من الحد والغرامة، لأنه بقي بعد رجوعه من يبقى بشهادته كل الحق، وهو شهادة الأربعة.
الشافعية - قالوا: عليه الغرامة، أي خمس الدية.
رجوع اثنين من الشهود
الحنفية والمالكية والحنابلة - قالوا: إذا كان الشهود في حد الزنا خمسة ورجم المشهود عليه ثم رجع اثنان من الشهود حد كل منهما حد القذف وغرما ربع الدية لورثة المرجوم، أما الرجم فلأن الشهادة تنقلب قذفاً للحال، لعدم بقاء تمام الحجة من رجوع الثاني، وأما الغرامة فلأنه بقي من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحق، والمعتبر في قدر لزوم الغرامة، بقاء من بقي لا رجوع من رجع.
الشاقعية - قالوا: إن قَالَ الشهادان اللذان رجعا في شهادتهما أخطأنا، وجب عليهما قسطهما من الدية، وفيه وجهان، في وجه خمساها وفي وجه آخر ربعها، كما قَالَ الأئمة الثلاثة.
أما إذا قالا: تعمدنا الكذب والشهادة فإنهما يبطلان بالرجوع، حداً.
رجوع المزكين للشهود
اتفق الأئمة على أنه: إن شهد أربعة على رجل بالزنا وزكوا، بأن قَالَ المزكون هم أحرار مسلمون عدول، أما لو اقتصروا على قولهم عدول، فلا ضمان على المزكين إن ظهروا عبيداً، فإذا زكوا كما ذكرنا فرجم ثم ظهر بعضهم كافراً أو عبداً فإما أن يستمر المزكون على تزكيتهم قائلين هم أحرار مسلمون فلا شيء عليهم اتفاقاً، وإن قالوا: أخطأنا في ذلك فلا يضمنون لظهور كفر أحدهم، فربما طرأ الكفر بعد أداء التزكية.стр. 1893
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: إذا قَالَ المذكون: تعمدنا فقلنا هم أحرار مسلمون مع علمنا بخلاف ذلك منهم فيضمنون، وتكون الدية على المزكين، وخالف الصاحبان في ذلك فقالا على بيت المال.
المالكية والشافعية والحنابلة - قالوا: في هذه الصورة السابقة لا ضمان على المذكين بل الدية على بيت المال، لأنهم لو ضمنوا لكل ضمان عدوان، والضمان يكون بالمباشرة أو التثبت، وعدم المباشرة ظاهر، وكذلك التسبب، لآن سبب الإتلاف الزنا وهم لم يثبتوه، وإنما اثنوا على الشهود خيراً، فصار كما لو أثنوا على المشهود عليه بالإحصان فكما لا يضمن شهود الإحصان بعد رجم المشهود عليه به، إذ ظهر أنه غير محصن لأنه لم يثبت السبب، كذلك لا يضمن المذكون.
وحجة الإمام أبي حنيفة في وجوب الضمان عليهم، أن الشهادة بالزنا إنما تصير حجة موجبة للحكم بالرجم على الحاكم، بالتزكية، فكانت التزكية في معنى علة العلة للإتفلاف وعلة العلة كالعلة في إضافة الحكم إليها، على ما عرف بخلاف الإحصان فإنه ليس موجباً للعقوبة، ولا لتغليظها، بل الزنا هو الموجب، فعند الإحصان يوجبها غليظة لأن كفران نعمة اللَّه، فلم تضف العقوبة إلى نفس الإحصان الذي هو النعمة، بل إلى كفران النعمة، فكانت الشهادة به شهادة بثبوت علامة على إستحقاق تغليظ العقوبة، والسبب هو وضع الكفران في موضع الشكر.
وقالوا: لا يسقط لفظ الشهادة في التزكية، ولا يشترط مجلس القضاء، ولا يشترط العدد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال الإمام محمد: يشترط في التزكية الإثنين في سائر الحقوق، والأربعة في الزنا، ويجوز شهادة رجل وامرأتين، في الإحصان، ثم لا يحد الشهود حد القذف، لأنه قذفوا حياً فمات، ولا يورث استحقاق حد القذف، وإذا ظهروا عبيداً ورجعوا وجب تعزيزهم بالإتفاق.
من قتل المحكموم عليه بالرجم
الحنفية - قالوا: إذا شهد أربعة على رجل بالزنا، فأمر القاضي برجمه فقتله رجل عمداً، أو خطأ بعد الشهادة قلب التعديل، يجب القود على القاتل في العمد، والدية في الخطأ على عاقلته، وكذا إذا قتله بعد التزكية قبل بالرجم، أما إذا حكم القاضي برجمه فقتله رجل عمداً، أو خطأ فلا شيء عليه، وإن قتله بعد القضاء ثم وجد الشهود عبيداً، أو كفاراً، أو محدودين في قذف، فالقياس أن يجب القصاص، لأن قتل نفساً محقونة الدم عمداً، لكنه لما ظهر أن الشهود عبيد تبين أن القضاء لم يصح، ولم يصر مباح الدم، وقد قتله بفعل لم يؤمر به، إذ المأمور به الرجم، وقد حزر رقبته، فلم يوافق أمر القاضي ليصير قتله منقولاً إليه مقصوراً عليه.
وفي الإستحسان تجب الدية لأن قضاء القاضي بالرجم نفذ من حيث الظاهر، وحين قتله كان القضاء صحيحاً. فأورث شبهة الإباحة، وهذا لأنه لو نفذ ظاهراً وباطناً تثبت حقيقة الإباحة، فإذا نفذ من وجه دون وجه تثبت شبهة الإباحة بخلاف ما لو قتله قبل القضاء لأن الشهادة لم تصر حجة فيقتص منه في العمد، فصار كمن قتل إنساناً على ظن أنه حربي وعليه علامتهم، ثم ظهر أنه مسلم فعليه الديةстр. 1894
مبحث الإقرار بالزنى
-ومن يتبع أحاديث الرجم الذي وقع في زمن النَبِي ﷺ ، وزمن الخلفاء الراشدين، فإنه يجد أن مرتكب الجريمة هو الذي كان يذهب بنفسه ويعترف بأنه زنى، وكان مع هذا يناقش مناقشة تذل على عدم الرغبة في توقيع العقوبة، فكأن هذه العقوبة لا تنفذ إلا على من أراد أن يطهر نفسه من هذه الفاحشة، ومن إثم الإعتداء على عرض غيره (١) الحواشي
(١) (اتفق الأئمة الأربعة: على أن الزنا يثبت بالإقرار، سواء أكان المقر ذكراً أم أنثى، وسواء أكان محصناً، أم غير محصن، وسواء أكان حراً أم عبداً، بشرط أن يكون بالغاً عاقلاً مميزاً، غير مستكره على إقراره.стр. 1895
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) اشتراط العدد في الإقرار
الحنفية والحنابلة، وابن أبي ليلى - قالوا: يشترط العدد في الإقرار بالزنا، ولا يثبت إلا بإقراره أربع مرات على نفسه، مرة بعد مرة، مع وجود العقل والبلوغ، لأن الشرط طلب التثبيت في إقامة الحدود، فإن اللَّه تعالى يحب بقاء العالم أكثر من ذهابه، كما أشار إليه بقوله تعالى ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على اللَّه﴾ أي اترك القتل، إذا ركن أعدائك إلى السألة وعدم الحروب، وقال اللَّه ﵎ ﴿من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً﴾ ولأن إزهاق الأرواح من الكبائر لا يصح الإقدام عليه إلا بعد التثبت والتأكد من الأسباب الدافعة عليه.
ولأنهم اعتبروا الإقرار مثل الشهادة، فكأنما أوجب الشارع في الشهادة على الزنا أربعاً على خلاف المعتاد في جميع الحقوق، فكذلك يعتبر إقراره أربعاً، إنزالاً بكل لإقرار بمنزلة شهادة واحدة، وقد ورد الإقرار أربعاً في حديث ماعز وغيره.
المالكية والشافعية - قالوا: يكفي في وجوب الحد عليه إقراره بالزنا مرة واحدة، ولا يشترط العدد، كغيره من سائر الأحكام كالقتل والسرقة وشرب الخمر وغيرهم، وبه قَالَ داود والحسن البصري والطبري وجماعة من العلماء المحققين في الفقه، وحجتهم ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁، وزيد بن خالد من قول النَبِي ﷺ في حديث العسيف (واغد يأنس على امرأة هذا، فإذا اعترفت فارجمها) فغدا عليها أنيس فاعترفت فأمر النَبِي ﷺ بها فرجمت، ولم يذكر العدد ولأن الإنسان إذا أقر على نفسه بما يوجب الجلد أو الرجم دل هذا على صدقه في قوله، فلا يحتاج إلى التكرار عدة مرات، بل يكفي مرة واحدة فإن هذا الإعتراف، لا يقع إلا من أهل الإخلاص في اليقين، وأصحاب الإيمان الصادق، وقليل ماهم.
فلما رأيناه شهد على نفسه، حملناه على كمال الإيمان وصدق اليقين بالعذاب وأنه ما طلب التطهير بلإقامة الحد عليه إلا لتحققه في نفسه أنه وقع في الزنا، وخاف من عذاب اللَّه يوم القيامة، فيقبل اعترافه، ولو مرة واحدة، ولا حاجة للتكرار والعدد وإنما رد النَبِي ﷺ ماعزاً عدة مرات، لأنه شك في أمره، لذلك قَالَ له: (أبك جنون) ، وسأل أهله عنه.
الإقرار في مجالس مختلفة
والذين قالوا باشتراط العدد في الإقرار اختلفوا في كونه في أربعة مجالس.
الحنابلة وابن ليلى - قالوا: يكتفي بالإقرار أربع مرات ولو في مجلس واحد.
الحنفية - قالوا: يشترط كون الإقرار أربع مرات في أربعة مجالس من مجالس المقر واستدلوا على مذهبهم بما روي في صحيح مسلم عن أبي بريدة ﵁ أن ماعز بن مالك أتى النَبِي ﷺ فرده، ثم أتاه الثانية من الغد فرده، ثم أرسل إلى قومه فسألهم هل تعلمون بعقله بأساً؟ فقالوا: ما نعلمهследующие страницы →