Полный текст (2 230 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: الدية تجب أثلاثاً - الثلثان على شهود الزنا، والثلث على شهود الإحصان.
الحنابلة - قالوا: الدية تجب عليهم نصفان، على شهود الزنا النصف، وعلى شاهدي اٌحصان النصف الآخر لأن الحد إنما تم بشهادتهم جميعاً، فلو شهدوا بالزنا ولم يشهد عليه بالإحصان جلد، فشهادة الإحصان هي التي تسببت في قتله ظلماً من غير وجه حق. فيضمون معاً مناصفة.
المالكية - قالوا: فيه روايتان - أظهرهما أن الدية على شهود الزنا فقط، مثل الحنفية، وفي رواية عنهم: الدية مناصفة مثل قول الحنابلة.
فائدة
اتفقت كلمة العلماء على أن غير الإمام لا يجوز له أن يقيم الحد لقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم﴾ فقد أجمعت الأمة على أن المخاطب بذلك هو الإمام، ثم احتجوا بهذا على وجوب نصب الإمام، لأنه سبحانه أمر بإقامة الحد، وأجمعوا على أنه لا يتولى إقامته إلا الإمام واجباً.
وإذا فقد الإمام فليس لآحد الناس إقامة هذه الحدود، بل الأولى أن يعينوا واحداً من الصالحين للحكم، يقوم به.
الشهادة على الشهادة
الحنفية والمالكية والحنابلة، وفي رأي عند الشافعية - قالوا: إذا شهد أربعة على شهادة أربعة رجل بالزنا لم يحد لما فيها من زيادة شبهة لتحققها في موضعين، تحميل الأصول، وفي نقل الفروع، وإن كان الشرع اعتبر الشهادة على الشهادة، وألزم القضاء بموجبها في المال لكنها ضعيفة، ولا يلزم من اعتبارها في الجملة، اعتبارها في كل موضع كشهادة النساء، فإنها معتبرة صحيحة في ذلك وليست معتبرة في الحدود ولزيادة شبهة فيها، فالشهادة مع زيادة مثل تلك الشبهة معتبرة إلا في الحدود، وسببه أن يحتاط في درئها، فكان الاحتياط رد ما كان كذلك ولأنها بدل، واعتبار البدل في موضع يحتاط في إثباته، لا فيما يحتاط في إبطاله.
الشافعية، وفي رأي آخر - قالوا: إن الشهادة على الشهادة تقبل ويقام الحد بها، إذا تكاملت شروطها.
مبحث رجوع أحد الشهود بعد الشهادة
الحنفية - قالوا: إذا رجع واحد من الشهود بعد القضاء، وقبل إقامة الحد حدوا جميعاً حد القذف، لن الامضاء من القضاء، فكان رجوعه قبل الإمضاء كرجوعه قبل القضاء، وتظهر ثمرة كونстр. 1892
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الإمضاء من الإمضاء من القضاء، فيما إذا اعترضت أسباب الجرح في الشهود، أو سقوط إحصان المقذوف، أو عزل القاضي يمتنع استيفاء حد القذف وغيره.
ولو رجع واحد من الشهود في شهادته قبل القضاء حدوا جميعاً، لأن كلامهم قذف في الأصل، وإنما يصير شهادة باتصال القضاء به، ولم يتصل به لأن رجوعهم منع من ذلك فبقي قذفاً، فيحدون حد القذف.
أما إذا امتنع الرابع عن أداء الشهادة فإنه يحد الثلاثة ولا يحد الرابع، ولا يكون الحد بسبب سكوت الرابع بل يقول الثلاثة انه زنى ولا ننظر إلى سكوت الرابع، فكل واحد يؤاخذ بذنبه لا بذنب غيره، لأنهم قذفة.
إذا كان الشهود خمسة
الحنفية والمالكية والحنابلة - قالوا: إذا كان عدد الشهود خمسة فرجع أحدهم بعد رجم الزاني المشهود عليه لا شيء عليه من الحد والغرامة، لأنه بقي بعد رجوعه من يبقى بشهادته كل الحق، وهو شهادة الأربعة.
الشافعية - قالوا: عليه الغرامة، أي خمس الدية.
رجوع اثنين من الشهود
الحنفية والمالكية والحنابلة - قالوا: إذا كان الشهود في حد الزنا خمسة ورجم المشهود عليه ثم رجع اثنان من الشهود حد كل منهما حد القذف وغرما ربع الدية لورثة المرجوم، أما الرجم فلأن الشهادة تنقلب قذفاً للحال، لعدم بقاء تمام الحجة من رجوع الثاني، وأما الغرامة فلأنه بقي من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحق، والمعتبر في قدر لزوم الغرامة، بقاء من بقي لا رجوع من رجع.
الشاقعية - قالوا: إن قَالَ الشهادان اللذان رجعا في شهادتهما أخطأنا، وجب عليهما قسطهما من الدية، وفيه وجهان، في وجه خمساها وفي وجه آخر ربعها، كما قَالَ الأئمة الثلاثة.
أما إذا قالا: تعمدنا الكذب والشهادة فإنهما يبطلان بالرجوع، حداً.
رجوع المزكين للشهود
اتفق الأئمة على أنه: إن شهد أربعة على رجل بالزنا وزكوا، بأن قَالَ المزكون هم أحرار مسلمون عدول، أما لو اقتصروا على قولهم عدول، فلا ضمان على المزكين إن ظهروا عبيداً، فإذا زكوا كما ذكرنا فرجم ثم ظهر بعضهم كافراً أو عبداً فإما أن يستمر المزكون على تزكيتهم قائلين هم أحرار مسلمون فلا شيء عليهم اتفاقاً، وإن قالوا: أخطأنا في ذلك فلا يضمنون لظهور كفر أحدهم، فربما طرأ الكفر بعد أداء التزكية.стр. 1893
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: إذا قَالَ المذكون: تعمدنا فقلنا هم أحرار مسلمون مع علمنا بخلاف ذلك منهم فيضمنون، وتكون الدية على المزكين، وخالف الصاحبان في ذلك فقالا على بيت المال.
المالكية والشافعية والحنابلة - قالوا: في هذه الصورة السابقة لا ضمان على المذكين بل الدية على بيت المال، لأنهم لو ضمنوا لكل ضمان عدوان، والضمان يكون بالمباشرة أو التثبت، وعدم المباشرة ظاهر، وكذلك التسبب، لآن سبب الإتلاف الزنا وهم لم يثبتوه، وإنما اثنوا على الشهود خيراً، فصار كما لو أثنوا على المشهود عليه بالإحصان فكما لا يضمن شهود الإحصان بعد رجم المشهود عليه به، إذ ظهر أنه غير محصن لأنه لم يثبت السبب، كذلك لا يضمن المذكون.
وحجة الإمام أبي حنيفة في وجوب الضمان عليهم، أن الشهادة بالزنا إنما تصير حجة موجبة للحكم بالرجم على الحاكم، بالتزكية، فكانت التزكية في معنى علة العلة للإتفلاف وعلة العلة كالعلة في إضافة الحكم إليها، على ما عرف بخلاف الإحصان فإنه ليس موجباً للعقوبة، ولا لتغليظها، بل الزنا هو الموجب، فعند الإحصان يوجبها غليظة لأن كفران نعمة اللَّه، فلم تضف العقوبة إلى نفس الإحصان الذي هو النعمة، بل إلى كفران النعمة، فكانت الشهادة به شهادة بثبوت علامة على إستحقاق تغليظ العقوبة، والسبب هو وضع الكفران في موضع الشكر.
وقالوا: لا يسقط لفظ الشهادة في التزكية، ولا يشترط مجلس القضاء، ولا يشترط العدد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال الإمام محمد: يشترط في التزكية الإثنين في سائر الحقوق، والأربعة في الزنا، ويجوز شهادة رجل وامرأتين، في الإحصان، ثم لا يحد الشهود حد القذف، لأنه قذفوا حياً فمات، ولا يورث استحقاق حد القذف، وإذا ظهروا عبيداً ورجعوا وجب تعزيزهم بالإتفاق.
من قتل المحكموم عليه بالرجم
الحنفية - قالوا: إذا شهد أربعة على رجل بالزنا، فأمر القاضي برجمه فقتله رجل عمداً، أو خطأ بعد الشهادة قلب التعديل، يجب القود على القاتل في العمد، والدية في الخطأ على عاقلته، وكذا إذا قتله بعد التزكية قبل بالرجم، أما إذا حكم القاضي برجمه فقتله رجل عمداً، أو خطأ فلا شيء عليه، وإن قتله بعد القضاء ثم وجد الشهود عبيداً، أو كفاراً، أو محدودين في قذف، فالقياس أن يجب القصاص، لأن قتل نفساً محقونة الدم عمداً، لكنه لما ظهر أن الشهود عبيد تبين أن القضاء لم يصح، ولم يصر مباح الدم، وقد قتله بفعل لم يؤمر به، إذ المأمور به الرجم، وقد حزر رقبته، فلم يوافق أمر القاضي ليصير قتله منقولاً إليه مقصوراً عليه.
وفي الإستحسان تجب الدية لأن قضاء القاضي بالرجم نفذ من حيث الظاهر، وحين قتله كان القضاء صحيحاً. فأورث شبهة الإباحة، وهذا لأنه لو نفذ ظاهراً وباطناً تثبت حقيقة الإباحة، فإذا نفذ من وجه دون وجه تثبت شبهة الإباحة بخلاف ما لو قتله قبل القضاء لأن الشهادة لم تصر حجة فيقتص منه في العمد، فصار كمن قتل إنساناً على ظن أنه حربي وعليه علامتهم، ثم ظهر أنه مسلم فعليه الديةстр. 1894
مبحث الإقرار بالزنى
-ومن يتبع أحاديث الرجم الذي وقع في زمن النَبِي ﷺ ، وزمن الخلفاء الراشدين، فإنه يجد أن مرتكب الجريمة هو الذي كان يذهب بنفسه ويعترف بأنه زنى، وكان مع هذا يناقش مناقشة تذل على عدم الرغبة في توقيع العقوبة، فكأن هذه العقوبة لا تنفذ إلا على من أراد أن يطهر نفسه من هذه الفاحشة، ومن إثم الإعتداء على عرض غيره (١) الحواشي
(١) (اتفق الأئمة الأربعة: على أن الزنا يثبت بالإقرار، سواء أكان المقر ذكراً أم أنثى، وسواء أكان محصناً، أم غير محصن، وسواء أكان حراً أم عبداً، بشرط أن يكون بالغاً عاقلاً مميزاً، غير مستكره على إقراره.стр. 1895
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) اشتراط العدد في الإقرار
الحنفية والحنابلة، وابن أبي ليلى - قالوا: يشترط العدد في الإقرار بالزنا، ولا يثبت إلا بإقراره أربع مرات على نفسه، مرة بعد مرة، مع وجود العقل والبلوغ، لأن الشرط طلب التثبيت في إقامة الحدود، فإن اللَّه تعالى يحب بقاء العالم أكثر من ذهابه، كما أشار إليه بقوله تعالى ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على اللَّه﴾ أي اترك القتل، إذا ركن أعدائك إلى السألة وعدم الحروب، وقال اللَّه ﵎ ﴿من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً﴾ ولأن إزهاق الأرواح من الكبائر لا يصح الإقدام عليه إلا بعد التثبت والتأكد من الأسباب الدافعة عليه.
ولأنهم اعتبروا الإقرار مثل الشهادة، فكأنما أوجب الشارع في الشهادة على الزنا أربعاً على خلاف المعتاد في جميع الحقوق، فكذلك يعتبر إقراره أربعاً، إنزالاً بكل لإقرار بمنزلة شهادة واحدة، وقد ورد الإقرار أربعاً في حديث ماعز وغيره.
المالكية والشافعية - قالوا: يكفي في وجوب الحد عليه إقراره بالزنا مرة واحدة، ولا يشترط العدد، كغيره من سائر الأحكام كالقتل والسرقة وشرب الخمر وغيرهم، وبه قَالَ داود والحسن البصري والطبري وجماعة من العلماء المحققين في الفقه، وحجتهم ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁، وزيد بن خالد من قول النَبِي ﷺ في حديث العسيف (واغد يأنس على امرأة هذا، فإذا اعترفت فارجمها) فغدا عليها أنيس فاعترفت فأمر النَبِي ﷺ بها فرجمت، ولم يذكر العدد ولأن الإنسان إذا أقر على نفسه بما يوجب الجلد أو الرجم دل هذا على صدقه في قوله، فلا يحتاج إلى التكرار عدة مرات، بل يكفي مرة واحدة فإن هذا الإعتراف، لا يقع إلا من أهل الإخلاص في اليقين، وأصحاب الإيمان الصادق، وقليل ماهم.
فلما رأيناه شهد على نفسه، حملناه على كمال الإيمان وصدق اليقين بالعذاب وأنه ما طلب التطهير بلإقامة الحد عليه إلا لتحققه في نفسه أنه وقع في الزنا، وخاف من عذاب اللَّه يوم القيامة، فيقبل اعترافه، ولو مرة واحدة، ولا حاجة للتكرار والعدد وإنما رد النَبِي ﷺ ماعزاً عدة مرات، لأنه شك في أمره، لذلك قَالَ له: (أبك جنون) ، وسأل أهله عنه.
الإقرار في مجالس مختلفة
والذين قالوا باشتراط العدد في الإقرار اختلفوا في كونه في أربعة مجالس.
الحنابلة وابن ليلى - قالوا: يكتفي بالإقرار أربع مرات ولو في مجلس واحد.
الحنفية - قالوا: يشترط كون الإقرار أربع مرات في أربعة مجالس من مجالس المقر واستدلوا على مذهبهم بما روي في صحيح مسلم عن أبي بريدة ﵁ أن ماعز بن مالك أتى النَبِي ﷺ فرده، ثم أتاه الثانية من الغد فرده، ثم أرسل إلى قومه فسألهم هل تعلمون بعقله بأساً؟ فقالوا: ما نعلمهстр. 1896
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) إلا وفي العقل من صالحنا، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضاً فأخبروه بأنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابة حفر له حفرة فرجمه.
وما روي عن أبي هريرة ﵁ قَالَ: جاء الأسلمي النَبِي ﷺ فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراماً أربع مرات كل ذلك يعرض عنه، فأقبل في الخامسة، فقال: (أنكتها؟ قَالَ: نعم، قَالَ: حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قَالَ: نعم، قَالَ: كما يغيب المرود في المكحلة وكما يغيب الرشاء في البئر؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فهل تدري ما الزنا؟ قَالَ: نعم، أتيت منها حراماً مثل ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً قَالَ: فما تريد بهذا القول؟ قَالَ: أريد أن تطهرني. فأمر به فرجم فسمع النَبِي ﷺ رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر اللَّه عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب، فسكت عنهما ثم سار ساعة، حتى مر بجيفة حمار شائل برجله، فقال: أين فلان وفلان؟ فقالا نحن ذان يَا رَسُولَ اللَّه فقال: انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار، فقالا: ومن يأكل من هذا يَا رَسُولَ اللَّه؟ فقال: فما نلتما آنفاً أشد من الأكل منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها) .
فقد صرح الحديث بتعداد المجيء في مجالس متفرقة، وتعدد الافراد كل مرة بعد رده.
ويؤيده ما روي من أحاديث أخرى بأن النَبِي ﷺ لم يقبل من المقر بالزنا إقراره مرة واحدة بل طلب تكرار الإقرار منه حتى يتأكد له أنه صادق في إقراره، مصر على إقامة الحد، روي البخاري رحمه اللَّه تعالى عن أبي هريرة ﵁ قَالَ: أتى رَسُول اللَّه ﷺ رجل من الناس وهو في المسجد فناداه يَا رَسُولَ اللَّه إني زنيت، فأعرض عنه النَبِي ﷺ فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال: يَا رَسُولَ اللَّه إني زنيت، فأعرض عنه فجاء لشق وجه النَبِي ﷺ الذي أعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النَبِي ﷺ فقال: (أبك جنون؟ قَالَ: لا يَا رَسُولَ اللَّه، فقال: أحصنت؟ قَالَ: نعم يَا رَسُولَ اللَّه، قَالَ: اذهبوا به فارجموه) .
فهذا نص صريح على تعداد الإقرار أربع مرات، عسى أن يرجع المقر عن إقراره ستراً له.
وروي في مسند الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قَالَ لماعز بن مالك بحضرته ﷺ : إن اعترفت الرابعة رجمك.
وما روي عن أبي داود والنسائي أنه قَالَ: كان أصحاب رَسُول اللَّه ﷺ يتحدثون أن الغامدية، وماعز بن مالك، لو رجعا عن اعترافهما لم يطلبهما بعد الرابعة.
وأجابوا عن حجة الشافعية والمالكية بأن ما ورد في بعض الروايات أنه أقر مرة ومرتين وثلاثاً، فهو تقصير من الراوي، ومن قصر فليس بحجة على من حفظ.
وأما قولهم في حديث العسيف، فإن اعترفت فارجمها، فمعناه الاعتراف المعهود في حد الزنا، بناء على لأنه كان معلوماً بين الصحابة، خصوصاً لمن كان قريباً من خاصته ﷺ ، وعلم أن حكم الإقرار أربعاً مثل "أنيس" رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ.стр. 1897
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) مناقشة المقر
وإذا أقر الزاني، أربع مرات، سأله القاضي عن الزنا ما هو؟ وكيف هو؟ وأين الزنا،؟ وبمن زنى؟ فإذا بين ذلك كله وصرح به لزمه الحد، لتمام الحجة عليه، ولم يشترط السؤال عن الزمان، كما اشترط في شهادة الشهود لأن تقادم العهد يمنع قبول الشهادة دون الإقرار.
وقيل: لو سأله عن الزمان لجاز، لاحتمال أن يكون قد وقع في الزنا في صباه، أو قبل إسلامه.
إقرار الرجل بأنه زنا بامرأة لا يعرفها
ومن أقر أربع مرات في أنه زنى بامرأة لا يعرفها يقام عليه الحد بإجماع العلماء.
وكذا إذا أقر أنه زنى بفلانة، وهي غائبة عن البلد الذي يقيم فيه، يجب عليه الحد لحديث العسيف، لأن النَبِي ﷺ أقام عليه الحد حين اعترف أمامه بالزنا ثم أرسل إلى المرأة بعد ذلك، ولأنه أقر بالزنا ولم يذكر ما يسقط كون فعله زنا، ولم توجد شبهة ترد عنه الحد، بل إن إقراره قد تضمن أنه لا ملك له في المرأة المزنى بها، لأنه لو كان له ملك فيها لعرفها، ولو كان عنده شبهة لذكرها، لأن الإنسان لا يجهل زوجته، أو أمته.
الإقرار بالزنا لا يتعدى صاحبه
ومن أقر أنه زنى بفلانة، وكذبته، وقالت: لا أعرفه اختلف العلماء في حكمه.
الإمام أبو حنيفة - قال: لا يقام الحد على الرجل، ولا على المرأة، لوجود شبهة تدرأ الحد، وهو الإنكار، ويقام عليه حد الفرية فقط "ثمانين جلدة" وأجيب عن ذلك بأنه لا يبطل إقراره.
المالكية، والشافعية، والحنابلة، والصاحبان - قالوا: يقام الحد على الرجل فقط وهو حد الزنا، ولا يؤخذ إقراره حجة على المرأة التي زنى بها، ولا يقام عليه حد القذف.
فقد روى الإمام أحمد في صحيحه، وأبو داود، عن سهل بن سعد ﵁، أن رجلاً جاء إلى النَبِي ﷺ فأقر بالزنا بامرأة سماها، فأرسل رَسُول اللَّه ﷺ في طلبها، فسألها عما قال: فأنكرت، فأقام الحد عليه، وتركها، ولم يقم عليها الحد.
وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس ﵄ (أن رجلاً من بكر بن ليث أتى النَبِي ﷺ فأقر أربع مرات أنه زنى بامرأة، فجلده مائة جلدة وكان بكراً، ثم سأله البينة على المرأة فقالت: كذب يا رسول اللَّه، فجلده حد القذف ثمانين) .
وهذا من يسر الدين الإسلامي، وسماحته ودقته في تحري الحقائق، ودرء الحدود.
وقال بعضهم: يحد الرجل حد القذف، وحد الزنا، وفاء بحق الخالق، والمخلوق.стр. 1898
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) إقرار المرأة بالزنا
إذا أقرت المرأة بالزنا أربع مرات عند الحاكم، وقالت: مع فلان وذكرت اسمه، وكذبها الرجل. وقال: ما زنيت بها، ولا أعرفها.
الإمام أبو حنيفة ﵀ قال: لا يقام الحد على المرأة، ولا على الرجل، وذلك لأن الحد انتفى في حق المنكر بدليل موجب للنفي عنه، فأوردت شبهة الانتفاء في حق المقرة. حيث إن الزنا فعل واحد فيما بينهما، فإن تمكنت فيه الشبهة تعدت إلى طرفيه.
المالكية، والشافعية، والحنابلة، والصاحبان - قالوا: يقام الحد على المرأة المقرة بالزنا لأن الإقرار حجة فيما في حق المقر، وعدم ثبوت الزنا في حق الغير، لا يورث شبهة العذم في حق المقر، كما لو كان غائباً عن البلد وسمته، وادعت عليه، وهو الراجح.
الإقرار على الأخرس أو الخرساء
ومن أقر بأنه زنى بامرأة خرساء، لا تنطق، أو أقرت بأنها زنت برجل أخرس.
الإمام أبو حنيفة ﵀ قال: لا يقام الحد على واحد منهما لوجود الشبهة التي تعدت إلى طرفه الآخر.
الأئمة الثلاثة والصاحبان - قالوا: يقام الحد على المقر، دون الأخرس، أو الخرساء وذلك لإتمام الإقرار على نفسه، فيثبت الحد عليه، دون الآخر، لعدم إقراره.
مبحث إقرار الأخرس
اتفق الأئمة على أن الأخرس إذا أقر بالزنا بكتابة، أو إشارة، ولو كانت مفهومة، لا يقام عليه الحد، للشبهة بعدم الصراحة في الإقرار، وهي تدرأ الحد عن الزاني.
واتفقوا كذلك: على أن الشهادة على الأخرس بالزنا لا تقبل، لاحتمال أن يدعي شبهة على الشهادة. بخلاف الأعمى.
فقد اتفق العلماء: على أنه يصحإقرار الأعمى بالزنا، ويقام عليه الحد، وتصح الشهادة عليه وتقبل.
الرجوع في الإقرار
ومن أقر بالزنا ثم رجع في إقراره اختلف الأئمة في حكمه.
الحنفية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: إذا رجع المقر بالزنا في قوله، يقبل رجوعه ولا يقام عليه الحد. ويترك سواء وقع عليع بعض الحد، أو لم يقع، لأنه ثبت أن النَبِي ﷺ قرر ماعزاً، ورده مرة بعد مرة، لعلهيرجع في إقراره، ولا يعود إليه، وفي ذلك ستر عليه وهو خير، وورد أن النَبِي ﷺ قَالَстр. 1899
مبحث الشبهات في الزنى
-على أنه إذا وجد مع امرأة لا زوج لها فإن له أن يدعي أنه تزوجها، وذلك شبهة تدرأ الحد في بعض المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الشبهة: هي ما يشبه الثابت وليس بثابت، وقد وقع خلاف بين الفقهاء في بعض الأفعال: هي شبهة صالحة للدرء أم لا؟ وكون الحد يحتال في درئه بالاستفسار عنه حتى يتضح قصد الزاني. أأخطأ في التهم أم لا، أكانت عنده شبهة الحل وقت أن وقع في الخطأ أم لا؟ ومن المعلوم أن هذه المناقشات وهذه الاستفسارات المفيدة لقصد الاحتيال للدرء كانت بعد الثبوت، لأنه كان بعد صريح الإقرار لقوله ﷺ (ادرؤوا الحدود بالشبهات) .
الحنفية قالوا: الشبهة عندهم قسمان، شبهة الفعل، وهي واقعة في ثمانية مواضع وهي:
- ١ - أن يطأ جارية أبيه، وأمه، أو جده، أو جدته، وإن علا، لشبهة الملك.
- ٢ - أن يطأ جارية زوجته، لشبهة أن مال الزوجة ملك للزوج.
- ٣ - أن يطأ المطلقة ثلاثاً وهي في العدة، لزوال الملك المحلل من كل وجه فتكون الشبهةстр. 1900
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) منطقية لقوله تعالى ﴿وإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ ولإجماع الأمة على حرمة الزوجة بعد الطلاق الثلاث.
ولكن يرفع الحد إذا قَالَ ظنت أنها تحل له لأن الظن في موضعه حيث أن أثر الملك قائم له في حق النسب، فإن ولدها يثبت له إذا جاءت به لأقل من سنتين. وله حسبها عن الخروج، ويجب عليه نفقتها، ويحرم نكاح أختها في هذه العدة، ويحرم عليه زواج أربعة سواها، وتمنع شهادة كل منهما لصاحبه. فأمكن أن نقيس حل الوطء على بعض هذه الأحكام فنجعل الاشياء عليه عذراً في سقوط الحد عنه.
- ٤ - أن يطأ المطلقة طلاقاً بائناً على مال. لثبوت الحرمة بالإجماع.
- ٥ - أن يطأ زوجته "المنخلعة" أي التي خلعت نفسها من زوجها، وردت إليه المهر الذي دفعه لها. وذلك لوقوع الخلاف بين الصحابة رضوان اللَّه عليهم، في كون الخلع، يكون فسخاً للعقد، أم طلاقاً بائناً.
- ٦ - أن يطأ أم ولده التي أعتقها، وهي في العدة، لشبهة بقاء ملكه لها، ولثبوت نسب ولدها منه.
- ٧ - أن يطأ العبد جارية مولاه، لأن بين العبد وبين سيده انبساطاً في الانتفاع فيظن أن من هذا الانبساط جواز الاستمتاع بجواريه. فكان شبهة.
- ٨ - والمرتهن يطأ الجارية المرهونة عنده، لأن عقد الرهن لا يفيد ملك المتعة بحال، فقيامه لا يورث شبهة حكمية قياساً على الإجارة، فإنها لا تفيد ملك المتعة بحال. فما أورث قيامها في المحل شبهة حكمية، وعلى هذا كان يجب عليه الحد اشتبه أو لم يشتبه، كما في الجارية المستأجرة للخدمة، إلا أنه لا يجب عليه الحد إذا اشتبه عليه، وقال ظننت الحل، لأنه موضع اشباه، لأن ملك المال في الجملة سبب لملك المتعة، وإن لم يكن سبب ملك المتعة بحال. فقد اشتبه عليه ما لا يشتبه، فيجب عليه الحد ظن الحل أم لا؟
ففي هذه المواضع وما أشبهها لا يقام الحد على الزاني إذا قَالَ: إني فعلت ذلك العفل وأنا أعتقد في قرارة نفسي أنها حلال لي، ولا حرمة في هذا العمل - ولو علمت حرمته لما فعلته.
أما إذا قَالَ: عملت هذا العمل وأنا أعلم أنها علي حرام، وأنها لا تحل لي، فيجب أن يقام عليه الحد - أما إذا ادعى أحدهما ظن الحل، والآخر لم يدع، فلا حد عليهما أيضاً حتى يقرا معاً أنهما كانا يعلمان الحرمة، وذلك لأن الشبهة إذا ثبتت من أحد الجانين تعدت إلى الآخر بالضرورة.
والشبهة الثانية عند الأحناف - تكون في المحل - وهي ست مواضع:
- ١ - إذا وطأ جارية ابنه، أو ابن ابنه، وإن سفل وإن كان حياً، وذلك لقول الرسول صلوات اللَّهстр. 1901
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) عليه وعلى آله وسلم للولد الذي شكا إليه أباه (أنت ومالك لأبيك) ولأنه يثبت نسب ولد الجارية من سيدها، ومن والد سيدها وجده، وإن كان الولد الذي هو سيد الأمة حياً.
- ٢ - إذا وطأ زوجته المطلقة بائناً بالكنايات كأن قَالَ لها: أنت خلية، أو أمرك بيدك، فاختارت نفسها، ونحوها، ثم وطئها في العدة. وذلك لاختلاف الصحابة رضوان اللَّه عليهم في الكناية، فمذهب سيدنا عمر أن الكنايات رجعية، وكذا مذهب ابن مسعود ﵄. ففي مصنف عبد الرزاق، حدثنا الثوري عن منصور حدثني إبراهيم عن علقمة، والأسود، أن ابن مسعود جاء إليه رجل، فقال: كان بيني وبين امرأتي كلام فقالت: لو كان الذي بيدك من أمري بيدي لعلمت كيف أصنع، قَالَ: فقلت لها، قد جعلت أمرك بيدك. فقالت أنا طالقة ثلاثاً، قَالَ ابن مسعود: أراها واحدة، وأنت أحق بالرجعة. وسألنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فقال: ماذا قلت؟ قَالَ: قلت أراها واحدة، وهو أحق بها قَالَ: وأنا أرى ذلك، وزاد من طريق آخر ولو رأيت غير ذلك لم تصب.
وأخرج ابن أبي شيبة عنهما في مصنفه أنهما قالا: في البرية، والخلية، هي تطليقة واحدة، وهو أملك برجعتها.
ومن مذهب الإمام علي كرم اللَّه وجهه في خلية، وبرية، أنها ثلاث على ما أخرجه عنه ابن أبي شيبة.
- ٣ - والجارية المرهونة في حق المرتهن، وفي رواية، لأنه انعقد له فيها سبب الملك، لأنه بالهلاك يصير مستوفياً حقه من وقت الرهن، وإذا كان كذلك فقد انعقد له فيها سبب الملك في الحال، ويحصل حقيقة الملك عند الهلاك.
- ٤ - إذا وطأ الجارية المشتركة بينه وبين غيره. لأنه وطأ جارية انعقد له فيها سبب الملك لأن الشراء سبب لملك المتعة، فقد دفع له فيها شبهة تمنع عنه وجوب الحد.
- ٥ - إذا وطأ البائع جاريته المبيعة قبل تسليمها إلى المشتري.
- ٦ - إذا وطأ الجارية المجعولة مهراً قبل أن يسلمها إلى زوجته، لأن الملك فيها لم يستقر للزوجة ولا للمشتري. والمالك كان مسلطاً على وطئها بتلك اليد مع الملك.
وملك اليد ثابت، والملك الزائل مزلزل، فهي شبهة في حقيقة الملك بحكم الشرع.
ففي جميع هذه المواضع التي ذكرناها لا يجب إقامة الحد على الواطئ، وإن قَالَ: علمت أنها علي حرام. لأن المانع من إقامة الحد هو الشبهة، وهي هنا قائمة في نفس الحكم، أي الحرمة القائمة فيها شبهة أنها ليست بثابتة نظراً إلى دليل المحل. والزنا أمر محظور، فلا يثبت بالظن، ولا مع الشبهة القوية، بل لابد فيه من التحقيق، والتثبت من غير شك ولا ريبة، وقد أوصانا رَسُول اللَّه ﷺ بالتثبت في هذا الحكم، حتى لا تزهق الأرواح البريئة بغير حق فقال ﷺ (ادرؤوا الحدود بالشبهات) وقد قَالَ بعض الفقهاء هذا الحديث متفق عليه، وقد تلقته الأمة بالقبول.стр. 1902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) واسند ابن أبي شيبة عن ابراهيم النخعي قَالَ: قَالَ عمر بن الخطاب ﵁: (لأن أعطل الحدود بالبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات) . وهو الحريص على إقامة شعائر الإسلام.
وأخرج عن معاذ بن جبل، وعبد اللَّه بن مسعود، وعقبة بن عامر، ﵃ قالوا: إذا اشتبه عليك الحد فادرأه.
وبما روي في البخاري من قول رَسُول اللَّه ﷺ (ومن اجترأ على ما يشك فيه من الاثم، أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى اللَّه تعالى، ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه) ومعناه أن من جهل حرمة شيء وحله، فالورع أن يمسك عنه، ومن جهل وجوب أمر وعدمه، فلا يوجبه، ومن جهل أوجب الحد أم لا؟ وجب أن يقمه، وسواء أكان هذا قبل ثبوت الحد، أم بعد ثبوته، لأن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ لماعز، لما أقر بالزنا: (لعلك قبلت، لعلك لمست، لعلك غمزت) كل ذلك يلقنه أن يقول: نعم بعد إقراره بالزنا بين يديه. وشؤال أهله عنه أهو عاقل أم به جنون؟ وسؤاله عن كيفية الفعل، حتى قال: أنكتها؟ قَالَ نعم كما يكون الميل في المكحلة: وليس لذلك فائدة إلا كونه إذا قالها تركه، وإلا فلا فائدة ولم يقل لم أعترف عنده بدين - لعله كان وديعة عندك فضاعت. ونحو ذلك.
وكذلك قوله للسارق الذي جيء به إليه أسرقت؟ ما أخاله سرق، وقوله للغامدية حينما جاءت واعترفت له بالزنا وهي حامل مثل ذلك، وردها من مجلسه حتى تلد، عسى أن لا ترجع إليه بعد طول هذه المدة، وأن لا تطالبه بإقامة الحد عليها.
وطذلط ما روي عن الصحابة رضوان اللَّه عليهمفي درء الحدود، فقد روي أن الإمام علياً كرم اللَّه وجهه قَالَ لشراحة التي أقرت بالزنا وظهر الحمل عليها لعله وقع عليك وأنت نائمة، لعله استكرهك، لعل مولاك زوجك منه، وأنت تكتمينه، الخ..
وذكلك قول سيدنا عمر بن الخطاب للمرأة، التي جاءت إلى الراعي وطلبت منه لبناً، فلم يعطها حتى مكنته من نفسها، فلم يقم عليها الحد، بل قَالَ: دفع إليها مهرها واعتبر ذلك شبهة تدرأ الحد عنها وعنه.
ولم يكن من سنة رَسُول اللَّه ﷺ أن يأخذ بالظنة، ولا يقيم الحد إلا بعد التأكد.
فقد روي عن ابن عباس ﵄ (أن رَسُول اللَّه ﷺ لاعن بين العجلاني وامرأته، فقال شداد بن الهاد، هي المرأة التي قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : لو راجماً أحداً بغير بينة لرجمتها، قَالَ: لا. تلك مرأة كانت قد أعلنت في الإسلام) متفق عليه.
والمعنى أنها كانت تعلن بالفاحشة بين المسلمين، ولكن لم يثبت عليها ذلك ببينة ولا إقرار. فلم يقم عليها الحد، بالاشاعة.
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : (لو كنت راجماً أحداً بغيرстр. 1903
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بينة رجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها، وهيئتها، ومن يدخل عليها) رواه ابن ماجة وقد احتج به من لم يحد المرأة بنوكها عن اللعان.
وقوله ﷺ (لو كنت راجماً بغير بينة لرجمتها) فيه دليل واضح وصريح على أنه لا يجب إقامة الحد بالتهم، لأن إقامة الحد إضرار كبير بمن لا يجوز الإضرار به، وإلحاق العار والفضيحة به وبأهله. وهذا قبيح عقلاً وشرعاً، فلا يجوز إلا ما أجازه الشارع الحكيم كالحدود والقصاص. وما أشبه ذلك بعد حصول اليقين، ورفع الشك والشبهة، من قلب الحاكم، لأن مجرد الحدس والتخمين لا ينفع في إقامة الحدود وإزهاق الأرواح، والتهمة، والشك مظنة الخطأ والغلط. وما كان كذلك فلا يستباح به إيذاء المسلم، وإلحاق الضرر به وإيلامه، وتشويه سمعته، وإهدار كرامته.
عن أبي هريرة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : (ادرؤوا الحدود عن المسلمين، ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العقو، خير من أن يخطئ في العقوبة) رواه الترمذي.
وعن ابن مسعود ﵁ أنه قَالَ: ادرؤوا الحدود بالشبهات، وادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم.
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قبل عذر رجل زنى في بلاد الشام، وادعى الجهل بتحريم الزنا، ولم يقم عليه الحد لهذه الشبهة، التي يستطيع أن يتذرع بها كل أحد.
وروي أيضاً عنه وعن سيدنا عثمان بن عفان ﵄ أنهما عذرا جارية زنت وهي أعجمية، وادعت أنها لم تكن تعلم تحريمه.
وقد روي عن أنس بن مالك ﵁ أن رَسُول اللَّه ﷺ ، لما لاعن بين هلال بن أمية وبين زوجته حين اتهمها بشريك بن السحماء قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ (اللهم بين) .
قَالَ أنس: فوضعت شبيها بالذي ذكر زوجها أنه وجده عندها، ومع هذا الدليل لم يقم رَسُول اللَّه ﷺ الحد، لأن البينة لم تقم. ولم يحصل منها اعتراف، ومجرد ظهور الحمل عليها لا يقوم دليلاً على إقامة الحد، وقد درأ عنها وقال ﷺ : (لولا الإيمان لكان لي ولها شأن) . ولم يلحق الولد بالرجل الذي اتهم بأنه كان عندها.
فهذا الأمر الخطير الذي يفضي إلى هلاك النفوس لابد فيه من البينة أو الإقرار حتى يثبت على فاعله.
اتفق الأئمة الأربعة: على أن الحدود تدرأ بالشبهات، ولكنهم اختلفوا في هذه الشبهات.
من وجد على فراشه امرأة فوطئها
الحنفية قالوا: إذا وجد الرجل على فراشه امرأة فظن أنها امرأته فوطئها ثم تبين له أنها أجنبية عنه، يحد الرجل في هذه الحال، لأنها ليست بشبهة حيث أنه يمكن معرفة زوجته بكلامها، وجسمها،стр. 1904
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وحركتها، ولمسها، ومس جلدها، فلا تكون هناك شبهة تدرأ عنه الحد، وإذا ادعى أنه ظن ذلك صدق بيمينه.
وكذلك الأعمى إذا دعا زوجته إلى فراشه فأجايته امرأة أجنبية، ولم تقل له أنا فلانة ثم جامعها، وتبين له بعد ذلك أنها أجنبية عنه، يقام عليه الحد، ولا يعتبر هذا شبهة فقد يكون الأعمى، والظان فطناً، حاذقاً، لا يخفى عليه زوجته من غيرها.
فأراد علماء الأحناف سد هذا الباب، حتى لا يكون وسيلة إلى انتشار الفساد في المجتمع. شفقة على دين الأمة حتى لا يتجرأ المفسدون على فعل ذلك عمداً، ويزعمون أنه لا يجب عليهم الحد، لوقوع هذه الشبهة عندهم، فمجرد وجود امرأة على فراشه لا يكون دليل الحل ليستند إلى الظن.
المالكية، والشافعية، والحنابلة، قالوا: لا يقام الحد في هاتين الحالتين، لوجود شبهة لهما، وقيام العذر المجوز للإقدام على الوطئ في الجملة، لوجودها على فراشه، وإجابة طلبه وقياسه على "المزفوفة" لجامع الحل في كل.
إذا وعد جاريته فأتته غيرها
الحنفية، والمالكية، والحنابلة، قالوا: إذا تواعد رجل مع جاريته، فجائته جارية أجنبية في المكان والموعد المحدد، فوطئها من غير علم بها، ثم ظهر له أنها أجنبية بعد جماعها. فلا يقام عليهما الحد لوقوع هذه الشبهة، حيث سبق أن ضرب لها موعداً، وحدد لها مكاناً.
الشافعية - قالوا: يقام الحد على المرأة في هذه الحال لأنها زنت وهي تعلم، وكذلك الرجل، لما روي أن رجلاً كان قد واعد جارية له مكاناً في خلاء، فعملت جارية أخرى بذلك، فأتته فحسبها جاريته فوطئها ثم علم بها بعد ذلك. فأتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال له: ائت علي بن أبي طالب فسأل علياً كرم اللَّه وجهه، فقال له: أى أن تضرب الحد في خلاء، وتعتق رقبة، وعلى المرأة حد الزنا.
من زفت إليه غير امرأته
اتفق الأئمة الأربعة: على أن الرجل إذا زفت إليه، غير امرأته ليلة الدخول بها، وقال له النسوة: هي امرأتك. فوطئها ثم تبين له أنها ليست زوجته، وأنه غرر به عليه الحد لوجود هذه الشبهة، ويجب عليه المهر، وعلى المزفوفة العدة ويثبت النسب، ولا يحد قاذفه، بذلك حكم سيدنا عمر بن الخطاب ﵁. ولأن الرجل لا يرف امرأته أول مرة إلا بإخبار النساء له، فقد اعتمد دليلاً شرعياً، مبيحاً للوطء، ولأن الملك ثابت له من حيث الظاهر بإخبارهن، ولأن قول الشاهد الواحد مقبول ويعمل به المعاملات.стр. 1905
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ظهور الحمل على امرأة لا زوج لها
الحنفية - قالوا: إذا ظهر على المرأة الحرة حمل، ولا زوج لها، أو كانت أمة لا زوج لها ولا سيد. يسألونها، فإذا قالت: استكرهت على الزنا، أو وطئت بشبهة، يقبل قولها ولا يقام عليها الحد، لأنها بمنزلة من أقر ثم ادعى الاستكراه.
واحتجوا على ذلك بما جاء في حديث شراحة، أن الإمام علياً ﵁ قَالَ لها: لعله استكرهك؟ قالت: لا. قَالَ لعل رجلاً أتاك في نومك؟ وهكذا.
ولأن الشرع يحب الستر في الحدود.
وروي أن سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ أنه قيل له: إن امأة ادعت أنها ثقيلة النوم وأن رجلاً استكرهها ثم تركها فمضى عنها، ولم تدر من هو بعد. فلم يقم عليها الحد، وقبل عذرها، لهذه الشبهة.
ولا خلاف بين أهل الإسلام في أن المستكرهة، لاحد عليها، وإنما اختلفوا في وجوب الصداق لها.
وسبب الخلاف هو: هل الصداق عوض عن البضع، أو نحلة؟
فمن قَالَ: هو عوض عن البضع أوجبه في البضع الحلال والحرام.
ومن قَالَ: إنه نحلة خص اللَّه به الأزواج، لم يوجبه إلا على الزوج خاصة.
الشافعية - عندهم روايتان أظهرهما، أنها لا تجب عليها الحد، وإن لم تأت في دعوى الاستكراه بأمارة تدل على صدقها، ولم تأت في دعوى الزوجية ببينة، لأن الحد لا يثبت إلا بشهود أو لإقرار، ولم يثبت هنا، ولأن الحدود تقسط بالشبهات، وهذه شبهة فمجرد الحنل لا يثبت به الحد. بل لا بد من الاعتراف، أو البينة.
المالكية - قالوا: إن كانت المرأة مقيمة بالحي، وليست طارئة، فإنه يقام عليها الحد، ولا يقبل قولها إلا ان يظهر ذلك، بأن تأتي بأمارة على استكراهها أو تقيم البينة على زواجها، أو شيء مما يظهر به صداقها، لأن الحد ثبت بالحمل، فلا يرفع إلا ببينة.
أما إذا كانت المرأة طارئة، قبل قولها، لوجود شبهة، وعدم التوثق في ثبوت حدها.
زنا المحصن بغير المحصنة
إذا زنا رجل محصن، حر، ببكر، أو بأمة، أو بمستكرهة.
قَالَ جمهور جمهور العلماء: على المحصن في هذا كله الرجم، لعدم وجود شبهة تدرأ الحد، وعلى المرأة البكر الجلد، مائة جلدة، وعلى الأمة، خمسون جلدة. وليس على المستكرهة شيء.стр. 1906
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) إكراه السلطان
ومن أكرهه السلطان حتى زنا بامرأة، فلا حد عليه، لأن السبب الملجئ إلى الفعل قائم، وهو قيام السيف، وكذا المرأة المكرهة، لا تحد بالإجماع.
فإن حصل الإكراه من غير السلطان. اختلف فيه.
الحنفية - قالوا: يقام عليه الحد، لأن الزنا من الرجل لا يتصور إلا بعد انتشار الآلة فيه، وهذه علامة الطواعية، والرضا.
الشافعية، والمالكية، والحنابلة، - والصاحبان - قالوا: لا يقام الحد على المكره بغير السلطان.
استكراه الرجل المرأة على الزنا
الشافعية - قالوا: إذا استكره الرجل المرأة على الزنا، أقيم عليه الحد، ولا يقام عليها، لأنها مستكرهة، مغلوبة على أمرها، ولها مهر مثلها، حرة كانت أو أمة، ويثبت النسب منه إذا حملت المرأة وعليها العدة.
فإذا كانت أمة نقصت الإصابة من ثمنها شيئاً، قضى عليه مع المهر بما نقص من ثمنها.
وأما إذا كانت حرة فجرحها جرحاً له أرش، قضي عليه بأرش الجرح.
وكذلك لو ماتت من وطئه كانت عليه دية الحرة. وقيمة الأمة، والمهر.
استئجار المرأة للزنا
الحنفية - قالوا: إذا استأجر الرجل امرأة للزنا - قبلت، ووطئها، فلا يقام الحد عليهما ويعزران بما يرى الإمام، وعليهما إثم الزنا يوم القيامة. لما روي أن امرأة طلبت من راعي غنم في الصحراء أن يسقيها، لبناً - فأبى أن يعطيها اللبن حتى تمكنه من نفسها، ونظراً لضرورتها وحاجتها إلى الطعام قبلت المرأة. ووطئها الراعي - ثم رفع الأمر إلى سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، فدرأ الحد عنهما وقال: ذلك مهرها، وعد هذا استئجار لها. ولأن الإجارة تمليك المنافع، فأوردت شبهة عندهما. ولأن اللَّه تبارك وتعلى قد سمى المهر أجراً في كتابه العزيز فقال تعالى: ﴿فأوتوهن أجورهن فريضة﴾ فهو كمن قَالَ: أمهرك كذا فهو نكاح فاسد.
وسواء كان المؤجر لها، وليها، أم سيدها، حرة كانت، أو أمة، إذا لم تكن في عصمة رجل.
ولأن عقد الإجارة عنده شبهة تدرأ الحد عنه، مع أنه يحرم الإقدام على ذلك.
الصاحبان قالا: يجب إقامة الحد عليهما. لأن منافع البضع لا تملك بالإجارة فأصبح وجود الإجازة، وعدمها سواء، فلا تعد شبهة تدرأ الحد عنهما. وصار الرجل كأنه وطأها، من غير شرط، وذلك الرأي هو الراجح المعمول به في المذاهب.стр. 1907
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: يقام الحد عليهما، ولا يصير الاستئجار شبهة تدرأ الحد عنهما، لأن حد الإجارة لا يستباح به الفرج شرعاً، وعرفاً، فصار كما لو استأجرها، للطبخ ونحوه من الأعمال، ثم زنا بها، فإنه يقام عليه الحد في هذه الحال. من غير خلاف من أحد من العلماء.
من زنا بكراً ومحصناً
الحنفية، والمالكية، والشافعية - وفي رواية عن الحنابلة - قالوا: لو زنا رجل وهو بكر، ثم زنا بعد ذلك، وهو محصن، قبل إقامة الحد عليه فلا يجمع عليه الجلد والرجم وإنما يجب عليه إقامة حد الرجم خاصة، لأنه لا فائدة في الجلد مع وجوب قتله ورجمه، حيث لا يحصل منه الانزجار.
الحنابلة - قالوا: في رواية عنهم: إنه يجب الجمع بين الجلد أولاً، والرجم بعد ذلك تنفيذاً للحدين، حتى يكون عبرة لغيره. وحتى نأخذ لكل فعل حده.
العقد على المرأة في عدتها
المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: إذا عقد رجل على امرأة وهي في عدة زوجها الأول ودخل عليها، فإنه يجب عليه إقامة الحد. فإن كان بكراً جلد مائة جلدة وإن كان محصناً رجم بالحجارة.
ولا يكون هذا العقد شبهة تدرأ الحد عنهما.
الحنفية - قالوا: لا يجب عليهما إقامة الحد، وإنما يجب عليهما التعزير حيث ان العقد شبهة مقبولة تدرأ الحد عنها، والحدود تدرأ بالشبهات.
العقد على الخامسة
المالكية - قالوا: إذا عقد رجل على امرأة خامسة ومعه أربع نسوة. فإن كان يعلم بحرمتها أقيم عليه الحد، أما إذا جرى العقد ولم يعلم بتحريمها فلا يقام عليه الحد، ويكون عدم علمه شبهة تدرأ الحد عنه.
ولا يعمل بقول الخوارج الذين قالوا: إنه بجوز العقد على تسع نسوة، مستدلين، بجمع النَبِي ﷺ لثمان نسوة ولا يكون ذلك خصوصية له، لأنه قدوة لنا نقتدي به، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ .
والرد عليهم، بأن الزيادة على الأربع من خصوصيات الرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه وبأن حرف "الواو" في الآية بمعنى "أو" التي للتخير لا للجمع.
وبما روي أن رجلاً أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره النبي أن يمسك أربعاً ويفارق الباقي.
العقد على المحارم
المالكية، والشافعية، والخنابلة، وأبو يوسف، والإمام محمد من الحنفية - قالوا: إذا عقد رجل على امرأة لا يحل له نكاحها، بأن كانت من ذوي محارمه، كأمه وأخته، مثلاً، أو محرمة من نسب أوстр. 1908
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) رضاع، ثم وطأها في هذا القعد، وهو عالم بالتحريم، فإنه يجب عليه إقامة الحد، لأن هذا العقد لم يصادف محله، لأنه لا شبهة فيه عنده، ويلحق به الولد.
الإمام أبو حنفية - قال: لا يجب عليه إقامة الحد، وإن قَالَ: علمت أنها علي حرام، لكن يجب عليه بذلك المهر، ويلحق به الولد، ويعاقب عقوبة هي أشد ما يكون من أنواع النعزير سياسياً لا حد مقدراً شرعاً، إذا كان عالماً بذلك.
فإذا كان يجهل الحكم ولم يعلم بالحرمة، فلا حد، ولا عقوبة، تعزير. والقول الراجح قول الجمهور.
وعلى هذا الخلاف كل محرمة برضاع أو مصاهرة. ومحل الخلاف أن هذا العقد يوجب شبهة أم لا؟.
فعند الجمهور لا. وعند الإمام أبي حنيفة وسفيان الثوري وزفر نعم، يوجب شبهة. ومدار كونه يوجب شبهة على أنه ورد على ما هو محله أولا. فعند الجمهور لم يرد على محله، لأن محل العقد لا يقبل حكمه، وحكمه الحل، وهذه من المحرمات في سائر الحالات فكان الثابت صورة العقد، لا انعقاده، لأنه لا انعقاد في غير المحل، كما لو عقد على ذطر مثلاً.
والفتوى على قول الأئمة الثلاث والصالحين، لأنه الراجح.
قَالَ العلماء: والعقد ليس شبهة وإنما هو جناية توجب العقوبة، انضمت إلى الزنا.
الزنا بالمحارم
ومن زنا بالمحارم سواء أكان بالمصاهرة، أو بالقرابة، أو بالرضاع، قَالَ سيدنا جابر بن عبد اللَّه ﵄: يضرب عنقه، ويضم ماله إلى بيت المال عقوبة له على ما فعل وزجراً لغيره، عن الوقوع في هذه الجناية الخطيرة.
ونقل عن الإمام أحمد وإسحاق: وجوب قتله سواء أكان بكراً أم محصناً، إذا كانت المفعول بها امرأة أبيه، لحديث البراء ﵁ حيث قَالَ: لقيت خالي ومعه راية. فقلت له: (أين تريد؟ فقال: بعثني رَسُول اللَّه ﷺ إلى رجل نكح امرأة أبيه، أن أضرب عنقه، وآخذ ماله) رواه أبو داود والترمذي. وقال حديث حسن.
وروى ابن ماجة عن ابن عباس ﵄ أن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: (من وقع على ذات محرم منه، فاقتلوه) لأنه اعتبر مسنحلاً لما حرم اللَّه، مرتداً عن الإسلام فحل قتله، وضم ماله إلى بيت مال المسلمين. وذلك لازم للكفر.
والحديث الشريف يشمل كل ناكح، وكل زان بمحرمه، وقد أجمع العلماء على أن من نكح محرماً، بأي نوع من أنواع المحارم المؤبدة، فإنه يقتل حيث انه خرج عن الفطرة الإنسانية وانحطстр. 1909
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) إلى درجة الحيوان الأعظم. وأصبح ساقط فاقد الكرامة عديم الشرف والشعور فيقتل جزاء هذا الفعل الشنيع الذي تنفر منه العقول السليمة.
وقد روي عن معاوية بن قرة عن أبي أن النَبِي ﷺ بعث جدَّ "معاوية" إلى رجل عرس بامرأة ابنه. (أن يضرب عنقه ويخمس ماله) وهذا دليل على أنه استحل ذلك الفعل. فارتد بسببه عن الإسلام، ولأنه وطئ في فرج محرم، مجمع على تحريمه من غير ملك، ولا شبهة ملك. والواطئ أهل للحد، عالم بالتحريم، فيجب إقامة الحد عليه.
إذا وطئ السيد أمته المتزوجة
الحنفية، والمالكية، والشاقعية - قالوا: إذا وطئ السيد أمته المتزوجة برجل آخر، فإنه لا يجب عليه إقامة الحد، لوجود شبهة الملك السابق، فيدرأ عنه الحد.
الحنابلة - قالوا: يجب إقامة الحد عليه، ولا يقبل عذره، لعدم قيام شبهة الملك. حيث أنها تزوجت، وخرجت عن ملكه، وأصبحت في عصمة غيره، وصارت محرمة عليه بيقين، ولا قيام بشبهة عنده بعد أن خرجت من ملكه، وحرمت عليه بالإجماع من غير خلاف.
جهل الرجل بحالة المرأة
الشافعية - قالوا: لو أن رجلاً أخذ مع امرأة أجنبية عنه، وكانا في خلوة فاعترف أنه نكحها، وقال انه لا يعلم أن لها زوجاً، أو أنها في عدة من زوج، أو أنها قريبة له ذات محرم، أو أنها أخته من الرضاع، أو أنها أم زوجته، فإنه يحلف على ذلك، فإذا حلف اليمين يدرأ عنه الحد، ولا يقام عليه لوجود هذه الشبهة التي ادعاها، ويلزمه دفع المهر. وكذلك المرأة إذا ادعت الجهالة بأن لها زوج، أنها في عدة، أحلفت وبعد اليمين تقبل دعواها، ويدرأ عنها الحد وإن نكلت عن حلف اليمين حدت.
أما إذا قَالَ الرجل: أنا أعلم أن لها زوجاً، أو أنها في عدة من زوج، أو أنها ذات محرم وأعلم أنها محرمة علي، ففي هذه الحالة يجب أن يقام عليه حد الزنا، ويلزمه مهرها، وإذا اعترفت المرأة بأنها تعلم أنها متزوجة، وفي عصمة زوجها، أو أنها لم تنقض عدتها، وغير ذلك أقيم عليها حد الزنا لعدم وجود الشبهة.
المالكية - قالوا: يجب الحد عليه إذا وطئ معتدة منه بعد العدة، أو في عدة من غيره، وإذا وطئ أختاً تزوجها على أختها فإنه يؤدب إلا إذا قَالَ: لا أعلم الحكم فإنه يعذر بجهله، واختلف في إقامة الحد عليه إذا أكره على الزنا بامرأة وكانت طائعة ولا زوج لها ولا سيد، والشمهور أنه يحد، أما إذا كان لها زوج أو سيد فإنه يحد انفاقاً لحق الزوج والسيد.
من وطئ جارية زوجته
الحنفية - قالوا: إذا وطئ الرجل جارية زوجته بإذان منها: فإن قَالَ: ظننت أنها علي حلال قبلстр. 1910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قوله، وصار شبهة فلا يقام الحد عليه، لأن مال الزوجة فيه شبهة الملك للزوج خصوصاً إذا اذنت له الزوجة في نكاحها. فكأنها أعطته حق الملك.
أما إذا قَالَ الرجل علمت التحريم، فإنه يقام عليه الحد، لعدم وجود شبهة تدرأ الحد عنه.
المالكية، والشافعية - قالوا: يقام الحد عليه فيجلد إن كان غير محصن، ويرجم إن كان محصناً. لأنه وطء دون ملك تام، ولا شركة ملك، ولا شبهة نكاح، فوجب عليه الحد.
الحنابلة - قالوا: يجلد مائة جلدة وإن كان محصناً، ولا يرجم لوجود الشبهة، فيخفف عنه الحد ولكن لا يرفع الحد كما قَالَ الأحناف، لما رواه أصحاب السنن بسند حسن: أن رجلاً وقع على جارية امرأته فرفع إلى النعمان بن بشير ﵁، وهو أمير على الكوفة، فقال: لأقضين فيك بقضية رسول اللَّه (إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة. وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك) .
زنا الحربي
الحنفية - قالوا: إذا زنى الحربي - غير المسلم - بذمية، والمكره إذا زنا بمطاوعة، تحد الذمية والمطاوعة، ولايحد الحربي، ولا المكره، لحديث (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) . وإذا دخل الحربي دار الإسلام، فأسلم ثم زنى، وقال: ظننت أن الزنا حلال فلا يلتفت إلى قوله، ويقام عليه الحد، وإن كان قد فعله في أول يوم دخل فيه الدار، لأن الزنا محرم في جميع المذاهب والأديان.
زنا المجاهد
إذا وطئ الجندي المسلم المجاهد جارية من إماء المغنم قبل القسمة فلا يقام عليه الحد لوجود شبهة حيث لا يقام حد في أرض الحرب، ولا في حال الغزو، حتى لا يلحق بالعدو.
زنا أهل الكتاب
إذا زنا المشركان وهما ثيبان وثيت الزنا بالشهود أو الإقرار اختلف رأي الفقهاء فيه.
الحنفية، والمالكية - قالوا: لا يرجم واحد منها لعدم وجود الإحصان في المشرك، وإنما يعزران.
الشافعية، والحنابلة - قالوا: إذا تحاكم إلينا أهل الكتاب، وقبلوا أن نحكم بينهم في قضاياهم التي عرضوها علينا، وثبت الزنا على أحدهم يقام عليه الحد، ويرجم إن اكن محصناً، ويجلد البكر مائة جلدة، وينفى سنة كاملة بعيداً عن وطنه مسافة قصر، فقد روى نافع عن ابن عمر ﵄ عن رَسُول اللَّه ﷺ أنه رجم يهودياً، ويهودية بالمدينة المنورة - وقعا في الزنا - ثم احتكما اليه، وهذاстр. 1911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) معنى قول اللَّه ﵎ للنَبِيه ﷺ ﴿وإذا حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ وقوله تعالى ﴿وإن احكم بينهم بما أنزل اللَّه﴾ فلا يجوز أن يحكم بينهم في شيء من أمور الدنيا إلا بحكم المسلمين، لأن حكم اللَّه واحد بين عباده جميعاً لا يتغير.
عدم العلم بحرمة الزنا
الحنفية، والشافعية، والحنابلة - قالوا:
يشترط في إقامة حد الزنا أن يكون الزاني عالماً بحرمة الزنا، فلو قَالَ الشهود عليه بالزنا، وقت إقامة الحد عليه: إنه لا يعلم بتحريم الزنا، ولا علم له بحكمه، وحلف اليمين على ذلك، قبل قوله، لا يقام عليه الحد، لوجود شبهة تدرأ الحد عنه، لما روي أن النَبِي ﷺ سأل الذي أقر عنده بالزنا، بقوله (فهل تدري ما الزنا؟) .
المالكية - قالوا: من قَالَ حين أقيم عليه الحد: لا أعلم تحريم الزنا شرعاً ولا دراية لي بحكمه وكان قريب العهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة عن العلماء، لا يقام الحد عليه، لاحتمال صدقه في ذلك القول، وهو شبهة تدرأ الحد عنه.
وإن لم يكن كذلك، بأن كان قد مضى عليه زمن في الإسلام، يمكنه من التعليم والمعرفة أو نشأ ببادية قريبة من أهل العلم، واختلط بأهل الحضر المسلمين وسمع منهم عليه الحد حينئذ، ولا يقبل عذره بالجهل لظهور كذبه فيما ادعاه بعد إقراره بالزنا أمام المحاكم، أو بعد ثبوت الزنا عليه بشهادة الشهود.
وطء الأجنبية فيما دون الفرج
اتفق الأئمة على أن من وطئ امرأة أجنبية فيما دون الفرج بأن أولج ذكره في مغابن بطنها، ونحوه، بعيداً عن القبل، والدبر، لا يقام عليه الحد، ولكنه يعزر، لأنه أتى فعلاً منكراً يحرمه الشرع، وقد حكم الإمام علي كرم اللَّه وجهه على من وجد مع امرأة أجنبية مختلياً بها، ولم يقع عليها، بأن يضرب مائة جلدة تعزيراً له، لأنه من الأسباب التي توقع في الزنا ومن زنا بامرأة ميتة لا يقام عليه الحد، وإنما يعزر حسب ما يراه الإمام رادعاً له لأن النفوس البشرية تنفر منه لبشاعته، وهي لذة ناقصة فلا يقام عليه الحد.
إفساد المرأة على زوجها
إن الدين الإسلامي يحرم السعي بالفساد بين الزوجين، ويعتبره من أكبر الكبائر عند اللَّه وقد اختلف الفقهاء في حكم من أفسد امرأة على زوجها حتى طلقها.
المالكية - قالوا: إن من أفسد زوجة غيره ليتزوجها بعده، تحرم عليه تحريماً مؤبداً، معاملة له بنقيض قصده. وقد روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن بريدة ﵁ عن رَسُول اللَّه ﷺ أنه قَالَ (من خبب على امرئ زوجته، أو مملوكه فليس منا) ومعنى - خبب - أي خدع، وأفسد.стр. 1912
تشديد الشريعة في إثبات جريمة الزنا
-ولعل قائلا يقول: إن هذا لا يجعل للحد كبير فائدة لأن إثباته منوط بأربعة شهداء، والشهود الذين يعلمون أن من ورائهم حد القذف، وهل ترى أنه إذا وجد الزوج أجنبياً مع امرأته يتركها على هذه الحالة، ويخرج يتلمس الشهود، حتى إذا جاؤوا وجدوا الرجل قد قضى وطره من المرأة، وضاع حق الزوج؟.
والجواب: أن هذه الجريمة الشنيعة، والفاحشة المنكرة، لم يقتصر ضررها على الزانية والزاني وحدهما، بل يتعداهما إلى الأسرة بتمامها، فتهدم شرف قوم غافلين لا ذنب لهم ويعرضهم للمهانة والعار، وتسقطهم عن مرتبتهم المحترمة بين الناس.
فحرصا على كرامة الأسرة وصيانة لأعراض الناس شددت الشريعة الإسلامية في إثبات هده الجريمة، كي لا يجرؤ الناس على اتهام بعضهم بعضا بدون مبالاة.
وفي الوقت نقسه جعل لها أقصى عقوبة (إذا كان فاعلها محصنا) تقديرا لفظاعتها، وإشعارا للناس بأنها تساوي جريمة القتل.
وبذلك يزدجر المؤمنون الذين يخافون الله تعالى، ويخشون غضبه وبطشه ويحسبون لغيرته على عباده حساباً.
فالمؤمن الذي يقرأ قول الله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه كجهنم خالدا فيها، وغضب الله علي ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً﴾ .
ويعلم أن حد الزنا يساوي القتل، فإنه يدرك عظم المسؤولية إذ افلت من عقوبة الزنا.
الحواشي
(١) الحنفية، والشافعية - قالوا: إن إفساد الزوجة على زوجها لا يحرمها على من أفسدها، بل يحل له زواجها، ولكن هذا الإنسان يكون من أفسق الفساق وعمله يكون من أنكر أنواع العصيان، وأفحش الذنوب عند الله يوم القيامة.
روى الطبراني في الصغير والأوسط من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "من أفسد امرأة على زوجها فليس منا" أي ليس على هدينا، ولا على شريعتنا لأنه ارتكتب عملا مشينا، لا يقره الإسلام) .стр. 1913
ولهذا ذهب بعض المؤمنين حقا" إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه واعترف بجريمة الزنا الموجبة للقتل، لينجو من عذاب الآخرة بالحد الدنيوي (١)
مبحث اللعان
-أم حق الزوج فإن الشارع لم يهمله في هذه الحالة بل جعل له حداً معقولاً، يدفع عنه أذى الغضب والغيظ من جهة، ويشكك الناس في أمر الزوجة فلا تتأذى أسرتها بشرها من جهة أخرى.
وبيان ذلك أن الأجنبي إذا رمى امرأة عفيفة، أو رجلا عفيفا بالزنا، ولم يأت بأربعة شهداء كان جزاؤه أن يحد حد القذف، (ثمانين جلدة) .
أما الزوج فإنه إذا ادعى أن امرأته قد زنت، فان الشارع لم يكلفه الإثبات كالأجنبي إذ لا مصلحة للزوج العاقل في قذف زوجته واتهامها بالزنا جزافا"، فان عار ذلك - وان لم يلحقه هو دائما لإمكانه أن يتخلص منها - لكنه يلحق أبناءه فانه، فإنه لم يكن له منها أبناء وبنات، فانه يضن بكرامته عن الامتحان بين الناس مؤقتا، ولهذا لم يسو الله بين الزوج وبين الأجنبي، إذا اتهم زوجته، فشرع لهما في هذا الحالة (اللعان) وهو أن يقول الزوج أما القاضي: اشهد بالله أنني صادق فيما رمينها به من الزنا، ويكرر ذلك أربع مرات، ثم يقول بعد ذلك: لعنة الله عليه، إن كان من الكاذبين.
وتقول الزوجة: اشهد بالله بأنه لكاذب فيما يرميها به من الزنا، وتكرر ذلك أربع مرات، ثم تقول: أن غضب الله عليها أن كان من الصادقين (٢) . الحواشي
(١) (أخرج أبو داود والنسائي وعبد الرزاق في مصنفه عن آبي هريرة رضي الله ﵎ عنه قال: جاء الأسلمي، نبي الله ﷺ فشهد على نفسه انه أصاب امرأة حراما، أربع مرات كل ذلك يعرض عنه، فأقبل في الخامسة فقال انكحتها؟ قال: نعم. قال حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم. قال: كما يغيب المرود في المكحلة، وكما يغيب الرشاء في بئر؟ قال: نعم، قال: فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حراما مثل ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به رجم. وكذلك جاء إليه ماعز بن مالك واعترف بالزنا وجاءت إليه الغامدية واعترفت بالزنا - وذلك يدل على خوفها من الله تعالى ومن عذابه) .
-(٢) (قال الفقهاء: يسن للإمام أن يقوم بوعظ المتلاعنين قبل اللعان تحذيراً لهما من الكذب، وتخويفا لهما من الوقوع في المعصية، كما فعل النبّي ﷺ حينما قذف هلال بن أمية زوجته بالزنا مع شريك بن السحماء، فتلا عليه آيات الله تعالى، ووعظه، وذكره بعقاب الله تعالى، واخبره بأن عذابстр. 1914
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال الرجل: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعا المرأة فوعظها وخوفها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، ثم تلاعنا بعد ذلك وكان هذا أول لعان وقع في الإسلام.
واتفق الأئمة على أن من السنة أن يبدأ الإمام بالرجل في اللعان كما حكاه الإمام المهدي في البحر ولكنهم اختلفوا في الوجوب.
الشافعية، وأشهب من المالكية، والحنابلة - قالوا: يجب على الإمام أن يبدأ في اللعان بالرجل، ولا يصح له أن يبدأ بالمرأة لأنه هو الذي اتهمها، ورفع الأمر إلى الحاكم، وطلب وقوع اللعان، فهو صاحب الدعوة.
وقد بدأ الله تعالى، بذكر الزوج في آيات اللعان قبل الزوجة، فقال تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾ الآيات. ولان اللعان شرع لدفع الحد عن الرجل الذي قذفها بالزنا، كما قال رسول الله ﷺ للهلال بن أمية: (البينة وإلا حد في ظهرك) ، فلو بدأ اللعان بالمرأة لكان دفعا لأمر لم يثبت بعد.
الحنفية والمالكية وابن القاسم - قالوا: يسن الابتداء في اللعان بالرجل، ولكن لا يجب فلو وقع الابتداء بالمرأة قبل الزوج صح اللعان، واعتد به كالابتداء بالرجل، لأنه لم يترك واجبا، ولأن الله تعالى عطف آيات اللعان في القرآن بحرف الواو وهو لا يقتضي الترتيب، وصفة اللعان أن يبدأ الإمام بأزواج فيشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رميتك به من الزنا، ويقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رميتك به من الزنا، وإن كان القذف بالزنا ونفي الولد يقول: فيما رميتك به من الزنا ونفي الولد، وإن كان اللعان بنفي الولد فقط يقول فيما رميتك به من نفي الولد، لأنه المقصود باليمين، ثم تشهد المرأة أربع مرات تقول في كل مرة: أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، أو من نفي الولد، وتقول في الخامسة، غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا، وفي نفي الولد تذكره كذلك.
أول لعان في الإسلام
ذكر الجمهور أن قصة هلال بن أمية هي السبب في مشروعية اللعان في الدين الإسلامي لأنه أول رجل لاعن في الإسلام.
وقد حكى الماوردي أن قصة هلال بن أمية أسبق من قصة عويمر العجلاني وزوجته خولة بنت عاصم.
وقال الخطيب، والنووي، وتبعهما الحافظ، يحتمل أن يكون هلال قد سأل رسول الله ﷺ أولا،стр. 1915
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثم سأل بعده عويمر العجلاني فنزلت الآيات في شأنهما معا وقال أبن الصباغ في الشامل، قصة هلال بن أمية نزلت فيها الآيات الكريمة.
واختلف العلماء في الوقت الذي وقع فيه اللعان، فجزم الطبري وأبو حاتم وابن حبان أنه كان في شهر شعبان سنة تسع من الهجرة.
وقيل: كان في السنة التي توفي فيها رسول الله ﷺ ، ولما وقع في البخاري عن سهل بن سعد أنه شهد قصة الملاعنة وهو ابن خمس عشرة سنة، وقيل: كانت القصة سنة عشر ووفاته صلوات الله وسلامه عليه كانت في سنة إحدى عشر وروي عن ابن عمر قال: (فرق رسول الله ﷺ بين أخوي بني عجلان وقال: الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب ثلاث) متفق عليه.
والمراد بقول: أخوي - الرجل وامرأته، قال ابن منده في كتاب الصحابة: واسم الرجل عويمر من بني بكر واسم المرأة: خولة بنت قيس، وذكر ابن مردويه أنها بنت أخي عاصم.
تعريف اللعان
اللعان في اللغة: الأبعاد، يقال: لعنه الله أي أبعده من رحمته، وهو مصدر لاعن يلاعن ملاعنة، وفي الشرع هو مختص بملاعنة تجري بين الزوجين بسبب مخصوص، بصفة مخصوصة.
واللعان شعيرة من شعائر الإسلام، وهو في حقه كحد القذف، فإن كان الزوج كاذباً التحق به كالحج، حتى لا تقبل شهادته بعد اللعان أبدا، وهو في حق الزوجة كحد الزنا وبهذا لا يثبت اللعان بالشهادة على الشهادة ولا بكتاب القاضي ولا بشهادة النساء كالحدود سواء بسواء، ولابد من طلبها، لأن الحق لها كما في حد القذف.
واللعان: خصلة من خصال الدين الحنيف، وحكم من أحكام الشريعة، ومن خصوصيات الأمة المحمدية، وقد كان موجب القذف الحد في الأجنبية والزوجة معا"، بقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة ابد" وأولئك هم الفاسقون﴾ [آية ٤ من سورة النور] .
ثم نسخ هذا الحكم في شأن الزوجات، ونقل إلى اللعان بقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ [آيات ٦، ٧، ٨، ٩ من سورة النور] .стр. 1916
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وسبب نزول هذه الآيات الشريفة ما روي عن ابن عباس رحمهما الله تعالى أنه قال: لما نزل قول الله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ قال عاصم بن عدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه: (إن دخل منا رجل بيته فوجد رجلا على بطن امرأته، فإن جاء بأربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قتل به، وإن قال: وجدت فلانا مع تلك المرأة ضرب، وإن سكت سكت على غيظ) ، اللهم افتح وكان لعاصم هذا ابن عم يقال عويمر، وله امرأة يقال لها: خولة بنت قيس، فأتى عويمر عاصما فقال لقد رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع وأتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي. فقال رسول الله ﷺ : (ما ذاك؟) فقال: أخبرني عويمر ابن عمي بأنه رأى شريك بن السحماء على بطن امرأته خولة، وكان عويمر وخولة وشريك كلهم بنو عاصم.
فدعا رسول الله ﷺ بهم جميعا وقال لعويمر: اتق الله في زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها، فقال: يا رسول الله ﷺ أقسم بالله أني رأيت شريكا على بطنها وأني ما قربتها منذ أربعة أشهر، وأنها حبلى من غيري، فقال لها رسول الله ﷺ : (اتقي الله، ولا تخبري إلا بما صنعت) ، فقالت: يا رسول الله إن عويمرا رجل غيور، وإنه رأى شريكا يطيل النظر إلي ويتحدث معي، فحملته الغيرة على ما قال، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر رسول الله ﷺ حتى نودي الصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويمر: (قم وقل أشهد بالله أن خولة لزانية، وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثانية قل: أشهد بالله أني رأيت شريكا على بطنها، وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة قل: أشهد بالله أنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة قل: أشهد بالله أنها زانية وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة قل: لعنة الله على عويمر - يعني نفسه - إن كان من الكاذبين فيما قال، ثم قال اقعد، وقال لخولة قومي فأقمت وقال: أشهد بالله ما أنا زانية، وإن زوجي عويمرا لمن الكاذبين، وقالت في الثانية: أشهد بالله ما رأى شريكا على بطني وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الثالثة: أشهد بالله أني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين وقالت في الخامسة: غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله. ففرق رسول الله بينهما) .
واعلم أنه إذا رمى الرجل امرأته بالزنا يجب عليه الحد إن كانت محصنة والتغرير إن لم تكن محصنة كما في رمي الأجنبية لا يختلف موجبهما، غير أنهكا يختلفان في المخلص، ففي قذف الأجنبي لا يسقط الحمد عن القاذف إلا بإقرار المقذوف، أو ببينة تقوم على الزنا وفي قذف الزوجة يسقط عنه الحد بأحد هذين الأمرين أو باللعان، وإنما اعتبر الشرع اللعان على هذه الصورة دون الأجنبيات لوجهين:
الأول: أنه لا معرة عليه في زنا الأجنبية والأولى له الستر عليها، أما إذا وقع الزنا على زوجتهстр. 1917
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فيلحقه العار والنسب الفاسد، فلا يمكنه الصبر عليه، وتوقيفه على البينة كالمعتذر، فلا جرم خص الشرع هذه الصورة باللعان.
الثاني: أن الغالب في المتعارف من أحوال الرجل مع امرأته أنه لا يقصدها بالقذف إلا عن حقيقة، فإذا رماها نفس الرمي يشهد بكونه صادقاً، إلا أن شهادة الحال ليست بكاملة قضم إليها ما يقومها من الإيمان، كشهادة المرأة لما ضعفت قويت بزيادة العدد والشاهد الواحد يتقوى باليمين على قول كثير من الفقهاء.
إذا نكل الزوج أو الزوجة عن اللعان
الشافعية والمالكية والحنابلة - قالوا: إذا قذف الزوج زوجته، فالواجب هو الحد، ولكن المخلص منه باللعان، كما أن الواجب في قذف الأجنبية الحد، والمخلص منه بالشهود، فإذا امتنع الزوج عن اللعان يلزمه الحد للقذف، كما قال رسول الله ﷺ للأهل بن أمية حين قذف زوجته: (إما البينة وإما إقامة الحد عليك) ، فإذا لاعن الزوج وامتنعت الزوجة عن اللعان يلزمها حد الزنا، وإذا صدقته يقام عليها حد الزنا أيضا، لأن الزاني يحد عندهم بالإقرار مرة واحدة، وإن القرآن الكريم ذكر أن مقتضى قذف الأجنبيات الإتيان بالشهود أو الجلد، فكذا موجب قذف الزوجات الإتيان باللعان أو الجلد، فكذا موجب قذف الزوجات الإتيان باللعان أو الحد ولإن قوله تعالى: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ يدل على أنه الحد، ثبت أنها لو لم تلاعن لحدت وأنها بالإتيان باللعان دفعت عنها الحد، وهو العذاب، وكأن المرأة تقول: إن كان الرجل صادقاً فحدوني، وإن كان كاذباً فخلوني، فما بالي والحبس وليس حبسي في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله ص، ولا في إجماع الأمة ولا في القياس.
ولأن الزوج قذفها ولم يأت بالمخرج من شهادة غيره أو شهادة نفسه، فوجب عليه الحد لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم﴾ وإذا ثبت ذلك في حق الرجل ثبت في حق المرأة، لأنه لا قائل بالفرق، ولأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال لخولة حينما رماها زوجها بالزنا: (فالرجم أهون عليك من غضب الله تعالى) .
الحنفية - قالوا: إذا امتنع الرجل عن اللعان حبس حتى يلاعن، لأنه إذا كذب نفسه فيما رماها به من الزنا، سقط اللعان، وإذا سقط اللعان وجب عليه الحد، لأن القذف لا يخلو من موجب، فإذا سقط اللعان صرنا إلى حد القذف، إذا هو الأصل في الباب.
وإذا لاعن الرجل وجب على المرأة اللعان بنص القرآن الكريم، فإذا امتنعت عن اللعان وعن الإقرار حبست حتى تلاعنه، أو تصدقه فلا حاجة إلى اللعان، ولا يجب عليها حد الزنا، لأن من شرطه أن يقر الزاني أربع مرات مثل الشهادة، ولأنها ما فقلت شيئا" سوى أنها تركت اللعان، وهذا الترك ليس ببينة على الزنا، ولا إقراراً منها به، فوجب ألا يجوز رجمها لقول الله ﷺ : (لا يحل رجم امرئ إلا بإحدىстр. 1918
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثلاث) الحديث. وإذا لم يجب الرجم إذا كانت محصنة لم يجب الجلد في غير المحصنة لأنه لا قائل بالفرق، ولأن النكول ليس بصريح في الإقرار فلم يجز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا ولغيره.
من يصح لعانه
الشافعية والمالكية والحنابلة - قالوا: من صح يمينه صح لعانه، فيجري اللعان بين الحرين، والعبدين، والعادلين، والفاسقين، والذميين، والمحدودين، أو أحدهما رقيقاً، أو كان الزوج مسلماً والمرأة ذمية!.
وحجة الأئمة الثلاثة في ذلك قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فهو يتناول الكل، ولا معنى للتخصيص ولأن القياس طاهر من وجهين:
الأول: أن المقصود من اللعان دفع العار عن النفس ومدفع ولد الزنا عن النفس، وكما يحتاج غير المحدود - أي العدل - إليه، فيجوز له اللعان.
والثاني: أجمعنا على أنه يصح لعان الفاسق والأعمى وإن لم يكونا من أهل الشهادة فكذلك أقول في غيرهما، والجامع هو الحاجة إلى دفع عار الزنا.
الحنفية - قالوا: إذا لم يكن الزوج من أهل الشهادة بأن كان عبداً، أو محدوداً في قذف، أو كافراً، لا يصح لعانه، وكذلك الزوجة إذا كانت ممن لا يجب على قاذفها الحد إذا كان أجنبيا"، نحو أن تكون الزوجة مملوكة، أو ذمية، أو محدودة في قذف، أو صبية، أو مجنونة، أو زانية، فلا حد عليه ولا لعان لان المانع من جهتها، فصار كما إذا صدقته في قوله الذي رماها به.
وعلى الحاكم أن يعزر الزوج في هذه الحالة لأنه ألحق الشين بها، ولم يجب الحد عليه لذا العذر فوجب عليه التعذير حسما لهذا الباب، وحفظا للأعراض.
وإذا لم يكن الزوج من أهل الشهادة كما ذكرنا، ورمى زوجته بالزنا، فيجب أن يقام عليه حد القذف لآن اللعان امتنع من جهته فيرجع إلى الموجب الأصلي.
وان لم يكونا من أهل الشهادة، بأن كانا محدودين في قذف حد الزوج لأن اللعان امتنع من جهته.
واحتج الأحناف بما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: (أربع من النساء ليس بينهن وبين أزواجهن ملاعنة: اليهودية والنصرانية تحت المسلم، والحرة تحت المملوك، والمملوكة تحت الحر) .
ولأن الواجب على الذي يقذف الزوجة أو الأجنبية الحد بقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ ثم نسخ ذلك الحكم عن الأزواج قائما مقام الحد في الأجنبيات لم يجب اللعان على من لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي.стр. 1919
وقوع الفرقة باللعان
-وبذلك تبين منه مؤبداً - أي تطلق منه - وهذا المعنى يسجل غضب الله ولعنته على الكاذب حقاً (١) الحواشي
(١) (اختلف الفقهاء في وقوع الفرقة باللعان.
الحنفية والحنابلة - قالوا: لا تقع الفرقة بفراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما، ولا تقع الفرقة قبل صدور الحكم.стр. 1920
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: إذا اكمل الزوج الشهادة والا لتعان فقد زال فراش امرأته ولا تحل له أبداً التعنت أو لم تلتعن وذلك لقوله تعالى: ﴿ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين﴾ فدل هذا على أنه لا تأثير للعان المرأة إلا في دفع العذاب عن نفسها، وأن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج، ولأن لعان الزوج وحده مستقل بنفي الولد، فوجب أن يكون الاعتبار بقوله في الإلحاق لا بقولها، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه فيعتبر نفي الزوج لا إلحاق المرأة، ولهذا إذا أكذب الزوج نفسه ألحق به الولد، وما دام يبقى مصراً على اللعان فالولد منفي عنه وإذا ثبت أن لعانه مستقل بنفي الولد وجب أن يكون مستقلاً بوقوع الفرقة، لأن الفرقة لو لم تقع لم ينتف الولد وجب أن يكون مستقى بوقع الفرقة، لآن الفرقة لو لم تقع لم ينتف الولد لقوله ﷺ (الولد للفراش) فما دام يبقى الفراش التحق به، فلما انتفى الولد عنه بمجرد لعانه وجب أن يزول الفراش عنه بمجرد لعانه.
المالكية، والليث، وزفر - قالوا: إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة بعد لعانها خاصة وإن لم يفرق الحاكم بينهما، وقد احتج الحنفية على مذهبهم بما روى سهل بن سعد في قصة العجلاني، مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً، وبما روي في قصة عويمر أنهما لما فرغا (قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، هي طالق ثلاثاً) فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله الله صلى اللله عليه وسلم، والاستدلال بهذا الخبر من وجوه:
(أحدها) : أنه لو وقعت الفرقة باللعان لبطل قوله (كذبت عليها إن أمسكتها) لأن إمساكها غير ممكن.
(وثانيها) : ما روي في هذا الخبر أنه طلقها ثلاث تطليقات فأنفذه رسول الله الله صلى اللله عليه وسلم، وتنفيذ الطلاق إنما يمكن إذا لم تقع الفرقة بنفس اللعان.
(وثالثها) : ما قال سهل بن سعد في هذا الخبر (مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً) ولو كانت الفرقة واقعة باللعان استحال التفريق بعدها، وعن ابن عباس أن النبّي ﷺ قال: (المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبداً) .
وقد قال أبو بكر الرازي: قول الشافعي خلاف الآية لأن الله تعالى إنما أوجب اللعان بين الزوجين.
ولأن اللعان شهادة لا يثبت حكمه إلا عند الحاكم فوجب ألا يوجب الفرقة إلا بحكم الحاكم، كما لا يثبت المشهود به إلا بحكم الحاكم، ولأن اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي بالبينة، فلما لم يجز أن يستحق المدعي ما ادعاه إلا بحكم الحاكم وجب مثله في استحقاق المرأة نفسها. ولأن أكثر ما فيه أنها زنت، ولو قامت البينة على زناها، أو هي أقرت بذلك فذلك لا يوجب التحريم، فكذا اللعان، وإذا لم يوجد فيها دلالة على التحريم وجب ألا تقع الفرقة به، فلا بد من إحداث التفريق بين الزوجين إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم.стр. 1921
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وأما حجة المالكية فلأنهما لو تراضيا على البقاء على النكاح بعد اللعان لم يخليا، بل يفرق بينهما، فدل ذلك على أن اللعان قد أوجب الفرقة إن لم يفرق الحاكم بينهما.
اجتماع الزوجين بعد اللعان
الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وأبو يوسف والثوري - قالوا: المتلاعنان لا يجتمعان أبداً بعد الفرقة، وهو قول علي وعمر وأبن مسعود لما روي عن النبّي ﷺ أنه قال للملاعن بعد اللعان: (لا سبيل لك عليها) ولم يقل حتى تكذب نفسك ولو كان الإكذاب غاية لهذه الحرمة لردها رسول الله ﷺ إلى هذه الغاية، كما قال في المطلقة بالثلاث (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره) .
ولآن اللعان فسخ فيكون التحريم مؤبداً كالرضاع، فلا تحل له أبداً وفي الحديث (المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبداً) . ولما روي عن الإمام علي كرم الله وجهه، وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، ﵃ أنهم قالوا: لا يجتمع المتلاعنان أبداً.
وما رواه الزهري عن سهل بن سعد في قصة العجلاني (مضت السنة أنهما إذا تلاعنا فرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً، فدلت هذه الروايات كلها على أن تحريم الزوجة على زوجها مؤبد.
الحنفية - قالوا: إذا أكذب الرجل نفسه وأقيم عليه الحد، زال تحريم العقد، وحلت له بنكاح جديد، فهو تحريم مؤقت احتجوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ وقوله تعالى: ﴿فأنكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ فاللعان طلاق ثلاثا، لا يتأبد به التحريم.
إذا أتى أحدهما ببعض كلمات اللعان
الحنفية - قالوا: أكثر كلمات اللعان تعمل عمل الكل إذا حكم به الحاكم.
الشافعية - قالوا: لو أتى أحدهما ببعض كلمات اللعان لا يتعلق به الحكم فإنها لا تدرأ العذاب عن نفسها إلا بتمام ما ذكره الله تعالى.
اتفق الفقهاء: على أن اللعان كالشهادة فلا يثبت إلا عند الحاكم. وقالوا: يشترط في اللعان أن يكون من الزوج سواء دخل بها أم لا، وأن يكون بالغاً عاقلاً، مسلماً.
وقالوا: يشترط حضور جماعة للعان لا تقل عن أربعة عدول ذكور، لا احتمال نكول الزوج، أو إقرارها. ويشترط أن تكون الزوجة في عصمته، بنكاح صحيح، دون الفاسد أو تكون في العدة. ويصح لعان الأخرس إذا كان يحسن الكتابة، ويشترط أن يكرر الكتابة خمس مرات قبل الشهادة.
الشافعية، والحنابلة - قالوا: أن اللعان يمين.
الحنفية، والمالكية - قالوا: أن اللعان شهادة مؤكدة بالأيمان، موثقة باللعن، والغضب، وذلكстр. 1922
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لقوله تعالى: ﴿فشهادة أحدهما أربع شهادات بالله﴾ ولقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه (فجاء هلال فشهد ثم جاءت فشهدت) كما رواه أبن عباس ﵄.
وقيل: أن اللعان شهادة شائبة بيمين.
اللعان على الحمل
الشافعية والمالكية - قالوا: يصح اللعان على الحمل قبل الوضع مطلقاً، ويصح كذلك نفي الحمل.
إلا أن المالكية اشترطوا أن يكون استبراؤها بثلاث حيضات أو بحيضة واحدة على خلاف بينهم. واستدلوا بالحديث السابق، وأن اللعان وقع والزوجة حامل، ولأن الحمل قرينة قوية يتأكد منها وجوده، ولحصول الريبة بمجرد الحمل، فيصح اللعان لأجله مبادرة للخلوص من العار الذي يلحقه من جراء ذلك.
الحنفية والحنابلة - قالوا: لا يصح اللعان، النفي قبل الوضع لعدم التيقن لاحتمال أن يكون الحمل ريحاً.
الحنفية - قالوا: لا يصح نفي الولد بعد الإقرار بهن لأنه لو صح الرجوع بعد الإقرار لصح في كل إقرار، لا يمكن أن يتقرر حق من الحقوق، والثاني باطل بالإجماع وقد روي أن رجلاً اعترف بولده في بطنها ثم أنكره بعد ولاجتها فجلده عمر رضي الله تعالى عنه وألحق به الولد.
اتفق الفقهاء على أن المرأة المفسوخة باللعان لا تستحق في مدة العدة. نفقة ولا سكنى، لأن النفقة إنما تستحق في عدة الطلاق، لا في عدة الفسخ، وكذلك السكنى ومن قال أن اللعان طلاق كأبي حنيفة يقول بوجوب النفقة والسكنى.
حكم الأخرس
الحنفية - قالوا: لا يصح قذف الأخرس، ولا لعانه، لوجود شبهة تذرا الحد عنه.
المالكية والشافعية والحنابلة - قالوا: يصح قذف الأخرس، ويصح لعانه لزوجته، إذا كانت له إشارة مفهومة توضح قصده ويعلم ما يقوله أو كان يحسن الكتابة، ويلزمه الحد في هذه الحال، لأن من كتب أو أشار إلى القذف إشارة يفهمها الناس فقد رمى المحصنة وألحق العار بها، فوجب أدراجه تحت الظاهر، وعول معاملة الناطق.
ولد المتلاعنين
ذكر الفقهاء أن ولد المتلاعنين ينسب إلى أمه، فيرث منها إذا ماتت، وترثه إذا مات قبلها، ولا يصح لأحد أن يرمي المرأة بالزنا، بالرجل الذي اتهمها به زوجها، ومن قذفها بالزنا يحد حد القذف، وذلك لأنه لم يتبين صدق ما قاله الزوج فهي محصنة، والأصل عدم الوقوع في المحرم،стр. 1923
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومجرد وقوع اللعان لا يخرجها من العفاف، والأعراض محمية عن الثلب ما لم يحصل اليقين، ولا يصح لأحد أن يرمي ولد المتلاعنين بأنه أبن زنا، ومن دعاه ولد الزنا يجلد ثمانين جلدة، وقرابة الولد المنفي قرابة أمه، لما روي عن أبن عباس ﵄ (وقضى أنه ليس عليه قوت ولا سكنى من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق ولا متوفى عنها) وقول (وألحق الولد بالمرأة) وفي رواية (فكان الولد ينسب إلى أمه) أي صيره لها وحدها ونفاه عن الزوج فلا توارث بينهما، وعصبة أمه تصبر عصبة له، وروي أن النبّي ﷺ قال في حديث اللعان (ومن رماها به جلد ثمانين جلد) وفي رواية (وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولها فعليه الحد) .
لا يصح للملاعن أن يسترد مهره
قال الفقهاء: إذا تم اللعان فإن الزوجة يفسخ عقدها، وتستحق المال الذي صار إليها من المهر بما استحل الزوج من فرجها في المدة السابقة للعان فقد روي أن هلال بن أمية بعدما لاعن امرأته قال: يا رسول الله (مالي) أي الصداق الذي سلمه أتليها يزيد أن يرجع به عليها فأجابه ﷺ بقوله: (لا سبيل لك عليها) وإنها قد استحقته بذلك السبب وأوضح له استحقاقها له على فرض صدقه وعلى فرض كذبه، لأنه مع الصدق قد استوفى منها ما يوجب استحقاقها له، وعلى فرض كذبه كذلك مع كونه قد ظلمها برميها بما رماها به، وهذا الرأي مجمع عليه في المدخول بها عن أبن عمر ﵄ قال: قال رسول الله للمتلاعنين: حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها قال يا رسول الله مالي، قال لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك منها متفق عليه.
أما في الزوجة التي لم يدخل بها زوجها فذهب الجمهور إلى أنها تستحق نصف الصداق كغيرها من المطلقات قبل الدخول، وقال حماد والحكم أنها تستحق جميعه، وقال الزهري ومالك: لاشيء لها.
مخالفة لون الابن لأبيه
الحنفية والمالكية - قالوا: لا يجوز للأب أن ينفي ولده بمجرد كونه مخالفاً له في اللون.
الشافعية - قالوا: إذا لم ينضم إلى المخالفة في اللون قرينة زنا لم يجز النفي، فإن اتهمها فأتت بولد على لون الرجل الذي اتهمها به جاز النفي على الصحيح.
الحنابلة - قالوا: يجوز نفي الولد الذي جاء لونه مخالفاً للون أبيه مع القرينة مطلقاً، وأما بدون القرينة فلا. فقد روي عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل من بني فزارة إلى رسول الله ﷺ فقال: ولدت امرأتي غلاماً أسود وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه، فقال له النبّي الله صلى اللله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فما لونها؟ قال لونها؟ قال: حمر، قال هل فيها أورق؟ قال: إن فيها لورقاً، قال: فأنى أتاهاстр. 1924
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعة عرق، قال: فهذا عسى أن يكون نزعة عرق، ولم يرخص له في الانتفاء منه، رواه الجماعة. ولأبي داود في رواية (إن امرأتي ولدت غلاماً اسود وإني أنكره) .
وروي عن السيدة عائشة ﵂ قالت (إن رسول الله ﷺ دخل علي تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مجزراً نظر آنفاً إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض) . رواه الجماعة وذلك أن الناس كانوا قد ارتابوا في زيد بن حارثة وابنه أسامة - وكان زيد ابيض وأسامة اسود، فتكلم في ذلك بقول كان يسوء رسول الله ﷺ فلما سمع قول المدلجي فرح به، وسري عنه، لأنه رفع التهمة عن سيدنا زيد، وأثبت صدق نسب أسامة منه، وذلك حق، والرسول ﷺ لا يظهر السرور إلا بما هو حق عنده، وأسامة قد ثبت فراش أبيه شرعاً، ولما وقعت القالة بسبب اختلاف اللون، كان قول المدلجي دافعاً لمقالة السوء.
حكم طلاقها بعد القذف
الحنفية - قالوا: لو طلق الرجل زوجته التي رماها بالزنا، بعد القذف ثلاثاً، أو بائناً فلا لعان بينهما، ولا حد بذلك القذف، ولو قال لها: أنت طالق ثلاثاً (يا زانية) فعليه الحد دون اللعان، لأنه قذف امرأة أجنبية عنه ولو قال: يا زانية أنت طالق ثلاثاً، فلا حد ولا لعان، لأنه طلقها ثلاثاً بعد وجود اللعان، فسقط عنه بالبينونة.
ولو قذف أربع نسوة له لاعن مع كل زوجة منهن، ولو قذف أربع أجنبيات حد لهن حداً واحداً، والفرق في ذلك أن المقصود في المسألة الثانية الزجر، وهو يحصل بحد واحد أما الأول فالمقصود باللعان هو دفع العار عن المرأة المتهمة، وإبطال نكاحها عليه، وذلك لا يحصل بلعان واحد، ولو قال لها: ليس حملك مني، فلا لعان، لأنه لم يتيقن بقيام الحمل، لم يعد قاذفاً، ولو نفى ولد زوجه الحرة فصدقته، فلا حد ولا لعان، لأنه لم يتيقن بقيام الحمل، فلم يعد قاذفاً، ولو ننفى ولد زوجه الحرة فصدقته، فلا حد ولا لعان، وهو ابنهما لا يصدقان على نفيه، لأن النسب حق الولد، والأم لا تملك إسقاط حق ولدها، فلا ينتفي بتصديقها، وإنما لم يحسب الحد واللعان لتصديقها، لأنه لا يجوز لها أن تشهد إنه لمن الكاذبين بعد ذلك، وقد قالت إنه لمن الصادقين، وإذا تعذر اللعان لا ينتفي النسب ولو طلقها بعد القذف طلاقاً رجعياً وجب اللعان لقيام الزوجية، ولو تزوجها بعد الطلاق البائن فلا لعان ولا حد بذلك القذف.
نفي الولد بعد الولادة
واتفق العلماء على أن الزوج لو نفى الولد عقب الولادة انتفى، وإذا لم ينفه حتى حالت المدة بعد الوضع لم يكن له نفيه، لأنه قبل التهاني بالولادة وابتاع حاجات الولادة، وقبل هدايا الأصدقاء، فإذا فعل ذلك، ومضت مدة عليه وهو ممسك كان فعله اعترافاً ظاهراً بالولد، فلا يصح نفيه بعده وقد روي عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال (قضى عمر بن الخطاب في رجل أنكر ولد امرأته وهو في بطنها، ثم اعترف به وهو في بطنها حتى إذا ولج أنكره، ف - أمر به عمر فجلد ثمانين جلدة لفريته عليها ثم ألحق به ولدها) . وورد في حديث أبن عباس ﵄ (أن النبّي ﷺ لاعن بين هلال بن أمية وامرأته،стр. 1925
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وفرق بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ويرمى ولدها، ورماها، أو رمى ولدها فعليه الحد) قال عكرمة ﵁: (فكان ذلك الولد بعد ذلك أميراً على مصر من الأمصار، وما يدعى لأب) رواه أحمد وإذا كان الزوج غائباً في بلد نائية، علم بولادة زوجته عند حضوره من سفره، فكأنها ولدت حال علمه. فيصح له نفيه عقب علمه بولادته، فإذا مكث مدة بعد العلم، فلا يصح له أن ينفيه، لأنه رضي به.
واتفق الفقهاء: على أنه لا ينفى نسب الحمل قبل الولادة لأنه حكم عليه، ولا حكم على الجنين قبل الولادة، كالإرث، الوصية، وإنما يؤجل الحكم عليه حتى تلد.
الحنفية - قالوا: من ولدت ولدين في بطن واحد فاعترف بالأول ونفى الثاني، ثبت نسبهما، ولاعن وإن عكس فنفى الأول، واعترف بالثاني ثبت نسبهما وأقيم عليه الحد، أما ثبوت النسب فلأنهما توأمان خلقا من ماء واحد فمتى ثبت نسب أحدهما باعترافه ثبت نسب الآخر ضرورة، ولأنه لما نفى الثاني لم يكن مكذباً نفسه فيلاعن، ولما نفى الأول صار مكذباً نفسه باعترافه بالثاني، فيحد.
من قذف زوجته برجل سماه
الحنفية والمالكية ﵏ قالوا لو قذف رجل زوجته برجل بعينه وسماه، فقال: زنى بك فلان، لاعن للزوجة، وحد للرجل الذي قذفه إن طلب الحد، ولا يسقط حد القذف باللعان.
الشافعية في أرجح أقوالهم - قالوا: أنه يجب عليه حد واحد لهما، والرأي الثاني - لكل منهما حد عليه، فإن ذكر القذف في لعانه، سقط الحد عنه.
الحنابلة - قالوا: عليه حد واحد لهما، ويسقط بلعانها.
روي عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه (أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أخا البراء بن مالك لأمه، وكان أول رجل لاعن في الإسلام قال: فلاعنها، فقال رسول الله ﷺ : أبصروها فإن جاءت به ابيض سبطاً، فضيء العينين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل، جعداً، حمش الساقين، فهو لشريك بن سحماء، قال: فأنبئت أنها جاءت به أكحل، جعداً، حمش الساقين) رواه أحمد، ومسلم، والنسائي والسبط - هو المسترسل من الشعر: وقوله (فضيء العينين) هو فاسد العينين - والأكحل الذي في عينيه سواد - والجعد من الشعر خلاف السبط. أو القصير منه، وقوله (حمش الساقين) أي رقيق الساقين، وفي رواية فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، وكان ذلك الرجل، مصفراً، قليل الشعر، سبطه، وكان الذي ادعى عليه أنه وجد عند أهله خدلاً، آدم، كثير اللحم، فقال رسول الله ﷺ : (اللهم بين) فوضعت شبيهاً بالذي ذكر زوجها أنه وجده عندها فلاعن رسول الله ﷺ بينهما.
حكم اللعان من غير رؤية
المالكية - قالوا: لو قال لزوجته - يا زانية - وجب عليه الحد إن لم يثبته، وليس له أن يلاعن حتى يدعي رؤيته بعينه، لأن الرؤية شرط في اللعان عندهم.стр. 1926
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحنفية، والشافعية - قالوا: إن للزوج أن يلاعن زوجته، ولو لم يذكر رؤيته، لأنها ليست بشرط عندهم.
إذا رآها في العدة تزني
المالكية - قالوا: إذا بانت زوجته منه، ثم رآها تزني في أيام العدة، فله أن يلاعنها، ولو ظهر بها حمل بعد طلاقه، وقال: كنت استبرأتها بحيضة فله أن يلاعنها أيضاً.
الشافعية - قالوا: إن كان هناك حمل، أو ولد فله أن يلاعن، وإلا فلا حق له.
الحنفية، والحنابلة - قالوا: ليس له أن يلاعن أصلاً، لأنها صارت أجنبية له بعد طلاقها.
من طلق امرأته عقب العقد وأتت بولد
المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: لو تزوج امرأة ثم طلقها عقب العقد مباشرة من غير أماكن وطئها وأتت بولد لستة أشهر من العقد، لم يلحق به، كما لو أتت به لأقل من ستة أشهر، للتأكد من أنه حملت به قبل إجراء العقد.
الحنفية - قالوا: إنه يلحقه إذا عقد عليها بحضرة الحكم، ثم طلقها عقب العقد، وأتت به لستة أشهر لا قل ولا أكثر منها، فإن الولد حينئذ يلحقه لحدوثه قبل الطلاق وبعد العقد.
من تزوج بامرأة وغاب عنها
الحنيفية - قالوا: لو تزوج رجل بامرأة، وغاب عنها سنتين، فأتاها خبر وفاته، فاعتدت منه، ثم تزوجت وأتت بأولاد من الزوج الثاني، ثم قدم الأول. وحجتهم في ذلك قول الرسول ﷺ (الولد للفراش، وللعاهر الحجر) رواه الجماعة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وفي لفظ للبخاري (الولد لصاحب الفراش) فقد صارت فراشاً له بالعقد، فأولده بنص الشارع، إذ الإحكام يرجع وضعها إليه ولو لم يقبلها بعض العقول.
وقد اختلف العلماء في معنى (الفراش) .
الحنفية - قالوا: إن الفراش في الحديث الشريف اسم للزوج وأنشد أبن الأعرابي مستلا على هذا المعنى قول جرير: باتت تعانقه، وبات فراشها.
وقوله (وللعاهر الحجر) العاهر الزاني - يقال: عهر أي زنى - قيل، ويختص ذلك بالليل، ومعنىстр. 1927
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) له الحجر، الخيبة، أي لاشيء له في الولد، وقيل: أن المراد بالحجر، أنه يرجم بالحجارة إذا زنى وكان محصناً.
روى الجماعة عن السيدة عائشة ﵂ قالت: (اختصم سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن زمعة إلى رسول الله ﷺ ، فقال سعد: يا رسول الله أبن أخي عتبة بن أبي وقاس، عهد إلي أنه ابنه، اظهر إلى شبهه، وقال عبد الله بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولج على فارش أبي فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبهاً بيناً بعتبة، فقال: هو لك يا عبد الله بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة قال: لم ير سودة قط) رواه الجماعة، وسودة هي أم المؤمنين ﵂.
فالحنفية يثبتون النسب بمجرد العقد، وقالوا: إن مجرد المظنة كافية، بل قالوا: لو أن رجلاً تزوج امرأة بالمغرب وهو بالمشرق لستة اشهر كان الولد ملحقاً به، ورد بمنع حصولها بمجرد العقد، بل لابد من إمكان الوطء، ولا شك أن اعتبار مجرد العقد في ثبوت الفراش مجرد ظاهر، وذهب أبن تيمية إلى أنه لابد من معرفة الدخول المحقق: وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسب من لم يبن بامرأته، ولا دخل بها، ولا اجتمع بها، بمجرد إمكان ذلك؟
أجاب الأحناف على ذلك بأن معرفة الوطء المحقق متعسرة، فاعتبارها يؤدي إلى بطلان كثير من الأنساب وهو يحتاط فيها، واعتبار مجرد الإمكان يناسب ذلك الاحتياط.
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: في هذه المسألة أن الأولاد يكونون للزوج الثاني للتأكد من أنه تزوج المرأة ووطأها، وهي فارشه وذلك هو المعقول.
ولابد في ثبوت الولد أن تأتي المرأة به بعد مضى أقل مدة الحمل وهو ستة اشهر من وقت إمكان الوطء في النكاح الصحيح أو الفاسد عند الأئمة الثلاثة أو تأتي به من وقت العقد وإن لم يجتمع لها عند الحناف، أو معرفة الوطء المحقق عند أبن تيمية، وهذا مجمع عليه فولدت قبل مضي المدة لقطعنا بأن الولد من قبل العقد، فلا يلحق بأحد. وقالوا: لا يجوز إلحاق الولد بأكثر من رجل واحد.
رأي الخوارج
قال الخوارج: إن الزنا والقذف كفر، ورد عليهم أهل السنة بقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ الآيات واحتجوا بالآية من وجهين:
الأول - أن الرامي إن صدق فهي زانية وإن كذب فهو قاذف فلا بد على قولهم من وقوع الكفر من أحدهما، وذلك يكون ردة: فيجب على هذا أن تقع الفرقة، ولا لعان أصلاً. وأن تكون فرقة الردة حتى لا يتعلق بذلك توارث البتة.
الثاني - أن الكفر إذا ثبت عليها لعانه - كما قالوا - فالواجب أن تقتل، لا أن تجلد، أو ترجم، لأن عقوبة المرتد مباينة للحد في الزنا.стр. 1928
مبحث حرص الشريعة على محو الرذائل الخلقية
-لأن الشريعة الإسلامية حريصة على محو الرذائل الخلقية، والضرب على أيدي العابثين بالأخلاق؛ التي عليها قوام الأمم، وسعادتها. حريصة على كرامة الناس، وأنسابهم، فلم يبق أمام الأمة إلا أن تمسك بالصيانة، والحياء، ولا تجاهر بالفواحش، وإلا أوشك الله أن سلط عليها من لا يرحمها (١) الحواشي
(١) لقد نهى الشارع الحكيم عن الزنا ونفر من النكاح الحرام وجعله من الذنوب التي تحبط الأعمال وتدخل فاعلها النار فقال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً، وساء سبيلاً﴾ الآية ٢٢ من النساء.
وقال تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق إثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهاناً﴾ فقد قرنه الله تعالى بالشرك وقتل النفس التي حرم الله وهما من أفحش الذنوب وأكبر الكبائر التي حرمها الله تعالى، فدل ذلك على عظم حرمة الزنا، وأنه من أعظم الذنوب وأفحشها، حيث عقب الله تعالى على ذكر هذا الذنب، بأن فاعله يرتكب إثماً عظيماً، ويضاعف الله له العذاب في نار جهنم، ويمكث فيه مدة طويلة محتقراً مهاناً كأنه مخلد فيها. وقال الله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ .стр. 1929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الآية ٣٣ من سورة الأعراف. وقال تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين﴾ آية ٢ و ٣ من سورة النور.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس، والتارك لدينه، والمفارق للجماعة) . رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي رحمهم الله تعالى.
وعن عبد الله بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يا بغايا العرب! يا بغايا العرب، إن أخوف عليكم الزنا، والشهوة الخفية) رواه الطبراني.
وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان، فكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان) رواه أبو داود واللفظ له.
وفي رواية للبيهقي قال رسول الله ﷺ : (إن الإيمان سربال يسربله الله من يشاء، فإذا زنى العبد نزع منه سربال الإيمان، فإن تاب رد عليه) .
وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم، شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر!) رواه مسلم والنسائي، - ورواه الطبراني في الأوسط ولفظه: (لا ينظر الله يوم القيامة إلى الشيخ الزاني، ولا العجوز الزانية) .
وروي عن بريدة ﵁ عن النبّي ﷺ قال: (إن السموات السبع، والأرضيين السبع ليلعن الشيخ الزانين وإن فروج الزناة ليؤذي أهل لنار نتن ريحها) رواه البزار.
حد العبد
اتفق الأئمة الأربعة، رحمهم الله تعالى: على أن العبد والأئمة إذا زنيا، فلا يكمل حدهما، وأن حد كل واحد منهما خمسون جلدة، وأنه لا فرق بين الذكر والأنثى منهم.
واتفقوا على أنهما لا يرجمان وإن أحصنا، بل يجلدان، لأنهم اشترطوا في شروط الإحصان الحرية، فإن العبد ليس بمحصن، وإن كان متزوجاً، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) والحد لا يمكن أن ينصف.
الشافعية، والمالكية - قالوا: إن الرقيق إذا زنى يجلد خمسين جلدة، ويغرب نصف سنة، لما روي عن النبّي ﷺ أنه قال: (إذا زنت أمة أحدكما فتبين زناها، فليجلها الحد، ولا يثرب عليها - أيстр. 1930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لا يوبخها - ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فلبيعها، ولو بحبل من شعر) رواه الخمسة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
وروي عن عبد الله بن أحمد في المسند، عن أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه. قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى أمة سوداء زنت لأجلدها الحد، قال: فوجدتها في دمها، فأتيت النبّي ﷺ فأخبرته بذلك فقال لي: إذا تعالت من نفاسها فاجلدها خمسين) .
وروي عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: (أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش فجلدنا ولائد من ولائد المارة خمسين خمسين في الزنا) رواه الإمام مالك في كاتبه الموطأ.
فالذكر من العبيد إذا زنى يجلد مائة جلدة، والأمة إذا ثبت عليها الزنا تجلد خمسين جلدة. واحتج الأئمة الأربعة على أن الأمة غير المتزوجة يقام عليها الحد بحديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنهم (أن النبّي ﷺ سئل عن الأمة زنت، ولم تحصن فقال: (إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو يضفير - أي بحبل مضفور - قال أبن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة، أو الرابعة، متفق عليه) .
وقال أبن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: إن العبد والأمة إذا لم يحصنا فلا يقام عليهما الحد وإنما يجب عليهما التعزير بحسب ما يرى الحاكم وإذا أحصنا فحدهما خمسون جلدة بالتساوي. وسبب اختلافهم - الاشتراط الذي في اسم الإحصان في قوله تعالى: ﴿فإذا أحصن﴾ فمن فهم من الإحصان التزوج والإسلام وقال بدليل الخطاب قال لا يجلد غير المتزوجة، ومن فهم من لفظ الإحصان الإسلام، جعله عاماً في المتزوجة، وغير المتزوجة وهو الرجح.
الحنفية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: لا يجب التغريب في زنا العبد، والأمة، لأن العبد دنيء فلا يتأثر بالتغبير من الناس مثل الحر، ولا العار بعظم الشرف والنسب، والعبد مجرد منهما.
الشافعية - قالوا في أصح أقوالهم: أن العبد والأمة إذا ثبت الزنا على واحد منهما يغرب نصف عام، لأنه على النصف من الحر، في كثير من الأحكام.
حق السيد في إقامة الحد على عبيده
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: للسيد أن يقيم الحد على عبده وأمته إذا قامت البينة عنده، أو أقر بين يديه، لا فرق في ذلك بين الزنان والقذف، وشرب الخمر، وغير ذلك. لن العبد معدود من مال السيد فله تفويت المنفعة فيه على نفسه. إيثاراً لحق الله تعالى.
المالكية في بعض آرائهم، والحنابلة - قالوا: يستثنى من ذلك حد السرقة، فلا يجوز للسيد أن يقطع في حد
السرقة بدون إذن الإمام أو نائبه.
الحنفية - قالوا: ليس للسيد إقامة الحد على إمائه في كل الأحول التي يجب فيها الحد بل يجب أن يرده إلى الإمام، لأن إقامة الحدود بالأصالة من منصب الإمام الأعظم ومن خصوصياته، وإنما جعلследующие страницы →