Полный текст (2 230 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحنفية، والشافعية - قالوا: إن للزوج أن يلاعن زوجته، ولو لم يذكر رؤيته، لأنها ليست بشرط عندهم.
إذا رآها في العدة تزني
المالكية - قالوا: إذا بانت زوجته منه، ثم رآها تزني في أيام العدة، فله أن يلاعنها، ولو ظهر بها حمل بعد طلاقه، وقال: كنت استبرأتها بحيضة فله أن يلاعنها أيضاً.
الشافعية - قالوا: إن كان هناك حمل، أو ولد فله أن يلاعن، وإلا فلا حق له.
الحنفية، والحنابلة - قالوا: ليس له أن يلاعن أصلاً، لأنها صارت أجنبية له بعد طلاقها.
من طلق امرأته عقب العقد وأتت بولد
المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: لو تزوج امرأة ثم طلقها عقب العقد مباشرة من غير أماكن وطئها وأتت بولد لستة أشهر من العقد، لم يلحق به، كما لو أتت به لأقل من ستة أشهر، للتأكد من أنه حملت به قبل إجراء العقد.
الحنفية - قالوا: إنه يلحقه إذا عقد عليها بحضرة الحكم، ثم طلقها عقب العقد، وأتت به لستة أشهر لا قل ولا أكثر منها، فإن الولد حينئذ يلحقه لحدوثه قبل الطلاق وبعد العقد.
من تزوج بامرأة وغاب عنها
الحنيفية - قالوا: لو تزوج رجل بامرأة، وغاب عنها سنتين، فأتاها خبر وفاته، فاعتدت منه، ثم تزوجت وأتت بأولاد من الزوج الثاني، ثم قدم الأول. وحجتهم في ذلك قول الرسول ﷺ (الولد للفراش، وللعاهر الحجر) رواه الجماعة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وفي لفظ للبخاري (الولد لصاحب الفراش) فقد صارت فراشاً له بالعقد، فأولده بنص الشارع، إذ الإحكام يرجع وضعها إليه ولو لم يقبلها بعض العقول.
وقد اختلف العلماء في معنى (الفراش) .
الحنفية - قالوا: إن الفراش في الحديث الشريف اسم للزوج وأنشد أبن الأعرابي مستلا على هذا المعنى قول جرير: باتت تعانقه، وبات فراشها.
وقوله (وللعاهر الحجر) العاهر الزاني - يقال: عهر أي زنى - قيل، ويختص ذلك بالليل، ومعنىстр. 1927
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) له الحجر، الخيبة، أي لاشيء له في الولد، وقيل: أن المراد بالحجر، أنه يرجم بالحجارة إذا زنى وكان محصناً.
روى الجماعة عن السيدة عائشة ﵂ قالت: (اختصم سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن زمعة إلى رسول الله ﷺ ، فقال سعد: يا رسول الله أبن أخي عتبة بن أبي وقاس، عهد إلي أنه ابنه، اظهر إلى شبهه، وقال عبد الله بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولج على فارش أبي فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبهاً بيناً بعتبة، فقال: هو لك يا عبد الله بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة قال: لم ير سودة قط) رواه الجماعة، وسودة هي أم المؤمنين ﵂.
فالحنفية يثبتون النسب بمجرد العقد، وقالوا: إن مجرد المظنة كافية، بل قالوا: لو أن رجلاً تزوج امرأة بالمغرب وهو بالمشرق لستة اشهر كان الولد ملحقاً به، ورد بمنع حصولها بمجرد العقد، بل لابد من إمكان الوطء، ولا شك أن اعتبار مجرد العقد في ثبوت الفراش مجرد ظاهر، وذهب أبن تيمية إلى أنه لابد من معرفة الدخول المحقق: وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسب من لم يبن بامرأته، ولا دخل بها، ولا اجتمع بها، بمجرد إمكان ذلك؟
أجاب الأحناف على ذلك بأن معرفة الوطء المحقق متعسرة، فاعتبارها يؤدي إلى بطلان كثير من الأنساب وهو يحتاط فيها، واعتبار مجرد الإمكان يناسب ذلك الاحتياط.
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: في هذه المسألة أن الأولاد يكونون للزوج الثاني للتأكد من أنه تزوج المرأة ووطأها، وهي فارشه وذلك هو المعقول.
ولابد في ثبوت الولد أن تأتي المرأة به بعد مضى أقل مدة الحمل وهو ستة اشهر من وقت إمكان الوطء في النكاح الصحيح أو الفاسد عند الأئمة الثلاثة أو تأتي به من وقت العقد وإن لم يجتمع لها عند الحناف، أو معرفة الوطء المحقق عند أبن تيمية، وهذا مجمع عليه فولدت قبل مضي المدة لقطعنا بأن الولد من قبل العقد، فلا يلحق بأحد. وقالوا: لا يجوز إلحاق الولد بأكثر من رجل واحد.
رأي الخوارج
قال الخوارج: إن الزنا والقذف كفر، ورد عليهم أهل السنة بقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ الآيات واحتجوا بالآية من وجهين:
الأول - أن الرامي إن صدق فهي زانية وإن كذب فهو قاذف فلا بد على قولهم من وقوع الكفر من أحدهما، وذلك يكون ردة: فيجب على هذا أن تقع الفرقة، ولا لعان أصلاً. وأن تكون فرقة الردة حتى لا يتعلق بذلك توارث البتة.
الثاني - أن الكفر إذا ثبت عليها لعانه - كما قالوا - فالواجب أن تقتل، لا أن تجلد، أو ترجم، لأن عقوبة المرتد مباينة للحد في الزنا.стр. 1928
مبحث حرص الشريعة على محو الرذائل الخلقية
-لأن الشريعة الإسلامية حريصة على محو الرذائل الخلقية، والضرب على أيدي العابثين بالأخلاق؛ التي عليها قوام الأمم، وسعادتها. حريصة على كرامة الناس، وأنسابهم، فلم يبق أمام الأمة إلا أن تمسك بالصيانة، والحياء، ولا تجاهر بالفواحش، وإلا أوشك الله أن سلط عليها من لا يرحمها (١) الحواشي
(١) لقد نهى الشارع الحكيم عن الزنا ونفر من النكاح الحرام وجعله من الذنوب التي تحبط الأعمال وتدخل فاعلها النار فقال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً، وساء سبيلاً﴾ الآية ٢٢ من النساء.
وقال تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق إثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهاناً﴾ فقد قرنه الله تعالى بالشرك وقتل النفس التي حرم الله وهما من أفحش الذنوب وأكبر الكبائر التي حرمها الله تعالى، فدل ذلك على عظم حرمة الزنا، وأنه من أعظم الذنوب وأفحشها، حيث عقب الله تعالى على ذكر هذا الذنب، بأن فاعله يرتكب إثماً عظيماً، ويضاعف الله له العذاب في نار جهنم، ويمكث فيه مدة طويلة محتقراً مهاناً كأنه مخلد فيها. وقال الله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ .стр. 1929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الآية ٣٣ من سورة الأعراف. وقال تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين﴾ آية ٢ و ٣ من سورة النور.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس، والتارك لدينه، والمفارق للجماعة) . رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي رحمهم الله تعالى.
وعن عبد الله بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يا بغايا العرب! يا بغايا العرب، إن أخوف عليكم الزنا، والشهوة الخفية) رواه الطبراني.
وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان، فكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان) رواه أبو داود واللفظ له.
وفي رواية للبيهقي قال رسول الله ﷺ : (إن الإيمان سربال يسربله الله من يشاء، فإذا زنى العبد نزع منه سربال الإيمان، فإن تاب رد عليه) .
وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم، شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر!) رواه مسلم والنسائي، - ورواه الطبراني في الأوسط ولفظه: (لا ينظر الله يوم القيامة إلى الشيخ الزاني، ولا العجوز الزانية) .
وروي عن بريدة ﵁ عن النبّي ﷺ قال: (إن السموات السبع، والأرضيين السبع ليلعن الشيخ الزانين وإن فروج الزناة ليؤذي أهل لنار نتن ريحها) رواه البزار.
حد العبد
اتفق الأئمة الأربعة، رحمهم الله تعالى: على أن العبد والأئمة إذا زنيا، فلا يكمل حدهما، وأن حد كل واحد منهما خمسون جلدة، وأنه لا فرق بين الذكر والأنثى منهم.
واتفقوا على أنهما لا يرجمان وإن أحصنا، بل يجلدان، لأنهم اشترطوا في شروط الإحصان الحرية، فإن العبد ليس بمحصن، وإن كان متزوجاً، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) والحد لا يمكن أن ينصف.
الشافعية، والمالكية - قالوا: إن الرقيق إذا زنى يجلد خمسين جلدة، ويغرب نصف سنة، لما روي عن النبّي ﷺ أنه قال: (إذا زنت أمة أحدكما فتبين زناها، فليجلها الحد، ولا يثرب عليها - أيстр. 1930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لا يوبخها - ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فلبيعها، ولو بحبل من شعر) رواه الخمسة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
وروي عن عبد الله بن أحمد في المسند، عن أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه. قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى أمة سوداء زنت لأجلدها الحد، قال: فوجدتها في دمها، فأتيت النبّي ﷺ فأخبرته بذلك فقال لي: إذا تعالت من نفاسها فاجلدها خمسين) .
وروي عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: (أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش فجلدنا ولائد من ولائد المارة خمسين خمسين في الزنا) رواه الإمام مالك في كاتبه الموطأ.
فالذكر من العبيد إذا زنى يجلد مائة جلدة، والأمة إذا ثبت عليها الزنا تجلد خمسين جلدة. واحتج الأئمة الأربعة على أن الأمة غير المتزوجة يقام عليها الحد بحديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنهم (أن النبّي ﷺ سئل عن الأمة زنت، ولم تحصن فقال: (إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو يضفير - أي بحبل مضفور - قال أبن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة، أو الرابعة، متفق عليه) .
وقال أبن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: إن العبد والأمة إذا لم يحصنا فلا يقام عليهما الحد وإنما يجب عليهما التعزير بحسب ما يرى الحاكم وإذا أحصنا فحدهما خمسون جلدة بالتساوي. وسبب اختلافهم - الاشتراط الذي في اسم الإحصان في قوله تعالى: ﴿فإذا أحصن﴾ فمن فهم من الإحصان التزوج والإسلام وقال بدليل الخطاب قال لا يجلد غير المتزوجة، ومن فهم من لفظ الإحصان الإسلام، جعله عاماً في المتزوجة، وغير المتزوجة وهو الرجح.
الحنفية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: لا يجب التغريب في زنا العبد، والأمة، لأن العبد دنيء فلا يتأثر بالتغبير من الناس مثل الحر، ولا العار بعظم الشرف والنسب، والعبد مجرد منهما.
الشافعية - قالوا في أصح أقوالهم: أن العبد والأمة إذا ثبت الزنا على واحد منهما يغرب نصف عام، لأنه على النصف من الحر، في كثير من الأحكام.
حق السيد في إقامة الحد على عبيده
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: للسيد أن يقيم الحد على عبده وأمته إذا قامت البينة عنده، أو أقر بين يديه، لا فرق في ذلك بين الزنان والقذف، وشرب الخمر، وغير ذلك. لن العبد معدود من مال السيد فله تفويت المنفعة فيه على نفسه. إيثاراً لحق الله تعالى.
المالكية في بعض آرائهم، والحنابلة - قالوا: يستثنى من ذلك حد السرقة، فلا يجوز للسيد أن يقطع في حد
السرقة بدون إذن الإمام أو نائبه.
الحنفية - قالوا: ليس للسيد إقامة الحد على إمائه في كل الأحول التي يجب فيها الحد بل يجب أن يرده إلى الإمام، لأن إقامة الحدود بالأصالة من منصب الإمام الأعظم ومن خصوصياته، وإنما جعلстр. 1931
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الشارع إقامة الحدود إلى الإمام الأعظم، أو نائبه، دون كل من قدر على إقامتها من المتغلبة ونحوهم، دفعاً للفساد في الأرض، وعدم إشاعة الفوضى في المجتمع، لغلبة عدم قدرة الرعية على رد نفوسهم عن تنفيذ غضبهم في بعضهم بعضاً حمية جاهلية، لا نصرة للإسلام ولا شريعة بخلاف الإمام الأعظم، فإنه ليس له غرض عند أحد دون أحد في غالب الأحوال لقوة إرادته. ولأنه يقدر على تنفيذ حكمه في غيره، ولا عكس، فإذا قتل الإمام شخصاً في حد، ولو ظلماً فلا يقدر عصبته أن يقتلوا الإمام لأجله عادة، لأنه متحصن بالقانون، ولأن قوة الجند والشرطة في يده.
حد الذمي
الشافعية، والحنابلة - قالوا: إذا زنى الذمي يقام عليه الحد مثل المسلم.
المالكية - قالوا: لا يقام الحد عليه لأنه غير محصن، لأن الإحصان شرف يختص به المسلم فقط.
حد اليهودي
الشافعية والحنابلة - قالوا: يقام الحد على اليهودي كغيره من النصارى والذميين والمستأمنين وذلك لأنهم مخاطبون بفروع الشريعة خصوصاً إذا رفعت دعواهم إلينا، ولأن إقامة الحد يخفف عنهم العذاب يوم القيامة، ولأن السنة أثبتت أن النبّي ﷺ قد أقام حد الزنا على اليهودي واليهودية التي رفع يهود المدينة أمرهما إليه صلوات الله وسلامه عليه. فقد روي عن عبد الله بن عمر ﵄ (أن اليهود أتوا النبّي ﷺ برجل وامرأة منهم قد زنيا، فقال: ما تجدون في كتابكم؟ قالوا: تسخم وجوههما - أي تسود - ويخزيان. قال: كذبتم: (إن فيهما الرجم فأتوا التوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) فجاؤوا بالتوراة، وجاؤوا بقارئ لهم فقرأ حتى إذا انتهى إلى موضع منها وضع يده عليه، فقيل له: ارفع يدك فرفع يده فإذا هي تلوح فقال، أو قالوا: يا محمد إن فيها الرجم ولكننا كنا نتكاتم بيننا فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، قال: فلقد رأيته يجنأ عليها ويقيها الحجارة بنفسه) ومعنى يجيأ (ينحني) .
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (رجم رسول الله ﷺ رجلاً من أسلم ورجلاً من اليهود وامرأة) .
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: (مر على النبّي ﷺ يهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزنا في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزنا في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك بحد الرجم، ولكن كثر في أشرافنا، وكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحريم والجلد مكان الرجم. فقال النبّي ﷺ : (اللهم إني أول من أحيا أمك إذ أماتوه) ، فأمر به فرجم فأنزل الله : ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا: آمنا بأفواههم إلى قوله:стр. 1932
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) إن أوتيتم هذا فخذوه﴾ يقولون: ائتوا محمداً فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله ﵎: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ ، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ وقلوه تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ قال: هي في الكفار كلهم رواه أحمد مسلم، وأبو داود، فهذه الحاديث تدل على أنه يحد الذمي كما يحد المسلم.
الحنفية والمالكية - قالوا: لا يقام الحد على اليهودي، ولا المسيحي، ولا الذمي، ولا المستأمن لأنهم اشترطوا في الإحصان، الإسلام فغير المسلم لأي يكون محصناً فلا يرجم وإنما يجلد ولأن الرجم تطهير من الذنب والذمي وغير المسلم ليس من أهل التطهير، بل لا يطهر أبداً إلا بحرقه بنار جهنم، ولأنه ليس مخاطباً بفروع الشريعة، بل هم مخاطبون بأصولها أولاً وقبل كل شيء وما روي من حديث أبن عمر مرفوعاً، وموقوفاً (من أشرك بالله فليس بمحصن) ورجح الدر قطني وغيره الوقوف، وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده على الوجهين.
وقد أجاب الحنفية، والمالكية، عن الحاديث التي تدل على جواز رجم غير المسلم، بأنه ﷺ إنما أمضى حكم التوراة على أهلها، ولم يحكم عليهم بحكم الإسلام. وقد كان ذلك عند مقدمة المدينة، وكان إذ ذاك مأموراً بأتباع حكم التوراة ثم نسخ ذلك الحكم بقوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ فقد شرع الله هذا الحكم الوارد في الآية الشريفة بالنسبة إلى نساء المسلمين فقط.
قال الشوكاني: - ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف، ونصب فعله في مقابلة أحاديث الباب من الغرائب، وكونه ﷺ فعل ذلك عند معدمه المدينة لا ينافي ثبوت الرعية، فإن هذا حكم شرعه الله لهل الكتاب، وقرره رسول الله ﷺ ، ولا طريق لنا إلى ثبوت الحكام التي توافق أحكام الإسلام إلا بمثل هذا الطريق، ولم يتعقب ذلك في شرعنا ما يبطله، ولا سيما وهو مأمور بأن يحكم بينهم بما أنزل الله ومنهي عن اتباع أهوائهم كما صرح بذلك القرآن الكريم. وقد أوه ﷺ ، يسألونه عن الحكم، ولم يأتوه ليعرفهم شرعهم فحكم بينهم بشرعه ونبههم على أن ذلك ثابت في شرعهم كثبوته في شرعه، ولا يجوز أن يقال: إنه حكم بينهم بشرعهم مع مخالفته لشرعه، لأن الحكم منه عليهم بما هو منسوخ عنده لا يجوز على مثله، وإنما أراد إلزامهم الحجة.
غيرة المسلم على عرضه
إن الإسلام قد حارب الزنا من أول وهلة فدعا الناس إلى العفاف والتمسك بالطهر والفضيلة وقال رسول الله ﷺ : (عفوا تعف نساؤكم) ورغب في التزوج بالنساء المصونات الصالحات العفيفات الحافظات لفروجهن فقال تعالى: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله﴾ وقال تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾ وقال ﷺ : (خير النساء الودود الولود التي إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنه حفظتك في مالك وعرضها) .стр. 1933
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولما ظهرت حادثة الإفك واتهم الناس السيدة عائشة ﵂ وهي الطاهرة البريئة أنزل الله ﵎ براءتها في الفران الكريم ودافع عنها بخمسة عشرة آية في سورة النور حتى يطهر ساحتها ويظهر للعالم براءتها من هذه الفاحشة المنكرة، ودافع الله عن السيدة مريم أم سيدنا عيسى من تهمة الزنا في عدة آيات من كتاب الله تعالى: ﴿ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها﴾ وقال تعالى: ﴿والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا﴾ وقال تعالى: ﴿يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾ ودافع الله تعالى عن التهمة التي قالها بنو إسرائيل على سيدنا موسى فقال تعالى: ﴿فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً﴾ حتى تظل ساحتها طاهرة وشرفه محفوظاً أمام قومه.
وقد نهى النبّي ﷺ عن السكوت عن المنكر إذا علم به المرء في زوجته أو أهل بيته أو شك في سلوكهن فإن السكوت على المنكر من أفظع الأمور التي تضيع كرامة المرء في الدنيا وتوجب العقاب الشديد في الآخرة. قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة ديوث) والديوث هو الذي انعدمت شهامته وغيرته على عرضه فأصبح لا يبالي بمن يدخل على أهل بيته ومن يخرج ولا يهمه سلوك نسائه وبناته بك يسكت على المهانة ويرضى بالدون ويقر الخطيئة في أهله فهذا من أبغض الناس عند الله يوم القيامة ولن تنفعه عبادة، ولا طاعة ولا قربة يتقرب بها إلى الله ما دام فيه هذا الداء الخطير.
روى الإمام أحمد واللفظ له والنسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد أن الرسول ﷺ قال: (ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة، مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث الذي يقر في آهل الخبث) . وروى الطبراني بسند صحيح قال الحافظ المنذذري: لا أعلم فيه مجرحاً أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً الديوث والرجلة من النساء ومدمن الخمر قالوا: يا رسول الله أما مدمن الخمر فقد عرفناه فما الديوث؟ قال: الذي لا يبالي بمن يدخل على أهله. قيل: فما الرجلة من النساء؟ قال: التي تشبه بالرجال) .
كل هذه القضايا التي ذكرناها في هذا الباب والتي تركناها ولم نذكرها خوفاً من الإطالة والملل لنقيم الدليل على أن جريمة الزنا من أفحش الأمور ومن أخطر الجرائم على الأفراد والأسر والجماعات، وعلى أنها سبب في ضياع الأموال وانتشار الخمور وقتل الأنفس وفساد المجتمع، وأنها توقع العداوة والبغضاء بين صفوف المؤمنين وتوهن من قوتهم وتضعف من عزيمتهم وتسلبهم العزة والكرامة والمروءة أركانه، فلا تتعجب من اهتمام الشارع بهذه الجناية وتحريم مقدماتها من النظرة المريبة ولمس المرأة الأجنبية وسماع صوتها، والخلوة بها وغير ذلك حتى يسد الباب عن الوقوع في الزنا.
ولا تتعجب من سن الشارع هذا الحد الرادع من جلد مائة جلدة، وضرب المحصنстр. 1934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بالحجارة حتى يموت، وعدم الشفقة والرحمة بهم، وتشريع اللعان وتحريم القذف، وإقامة الحد على القاذف، حتى تحفظ على الناس أعراضهم ويبقى المجتمع في أمن وسلام وسعادة واطمئنان، ولا تنس أن أول جناية قتل حصلت في الوجود بعد أن خلق الله الأرض وعمرها سيدنا آدم إنما هي من جراء شهوة الفرج ومن أجل النساء وهي قضية قابيل وهابيل.
فائدة
قال الله تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ قال المفسرون: يحتمل أن يكون المراد أن لا تأخذكم رأفة بأن يعطل الحد أو ينقص منه، والمعنى لا تعطلوا حدود الله، ولا تتركوا إقامتها للشفقة والرحمة، وهذا قول مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير.
وقيل: يحتمل أن لا تأخذكم رأفة بأن يخفف الجلد، ويحتمل كلا الأمرين، والأول أولى لأن الذي تقدم ذكره في الآية الشريفة، الأمر بنفس الجلد، ولم يذكر صفته، فما يعقبه يجب أن يكون راجعاً إليه، وكفى برسول الله أسوة في ذلك حيث قال: (لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها) . ونبه بقوله: (في دين الله) على أن الدين إذا أوجب أمراً لم يصح استعمال الرأفة في خلافه.
وأما قوله تعالى: ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ فهو من باب التهييج والتهاب الغضب لله تعالى ولدينه. قال الجبائي تقدير الآية: ﴿إن كنتم مؤمنين فلا تتركوا إقامة الحدود﴾ وهذا يدل على أن الاشتغال بأداء الوجبات من الإيمان بخلاف ما تقوله المرجئة. والجواب عليهم: أن الرأفة لا تحصل إلا إذا حكم الإنسان بطبعه أن الأولى أن لا تقام تلك الحدود - كما ظن بعض الجهلة - وحينئذ يكون منكراً للدين فيخرج عن الإيمان بهذا الفهم الخاطىء، ورد في الحديث (يؤتى بوال نقص من الحد سوطاً، فيقال له: لم فعلت ذاك؟ فيقول: رحمة لعبادك، فيقال له: أنت أرحم بهم مني، فيؤمر به إلى النار، ويؤتى بمن زاد سوطاً، فيقال له: لم فعلت ذلك؟ فيقول: لينتهوا عن معاصيك، فيقول أنت أحكم بهم مني، فيؤمر به إلى النار) .
وجوب الستر على من وقع في هذه الجريمة
اتفقت كلمة العلماء على أن الجريمة التي لم يصل خبرها إلى الحاكم، لا يقام من أجلها حد، وأن الجريمة التي علم بها الحاكم، ولم تثبت لديه بالإقرار، او بشهادة الشهود لا يقام الحد عليها، لما روي عن أبن عباس ﵄ أنه قال: (قال رسول الله ﷺ : لو كنت راجماً أحداً بغير بينة رجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها، ومن يدخل عليها) رواه أبن ماجة، ومعنى (ظهر منها الريبة) أي أنها كانت تعلن بالفاحشة، ولكن لم يثبت عليها ذلك ببينة أو إقرار.
وفي قصة هلال بن أمية حين لاعن زوجته قال رسول الله ﷺ : (إن أتت به على الصفة الفلانية فهو لشريك بن السحماء، وإن أتت به على الصفة الفلانية، فهو لزوجها هلال بن أمية) ولما أتت بالولد على الوجه المكروه قال ﷺ : (لولا الإيمان لكان لي ولها شأن) .стр. 1935
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) واتفقت كلمة الأئمة على أن من أقر بحد من الحدود أمام الحاكم، ولم يفسرهن فلا يطالب بتفسيره وبيانه ولا يقام عليه الحد، إن لم يثبت ويتعين، لما روي عن أنس ﵁ أنه قال: (كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي، فلم يسأله، قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي ﷺ ، فلما قضى النبي ﷺ قام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً، فأقم في كتاب الله قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم. قال فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو حدك) قال النووي في شرح مسلم، هذا الحديث معنا أنه فعل معصية من المعاصي الموجبة للتعذير، وهي هنا من الصغائر لأنها كفرتها الصلاة، ولو أنها موجبة لحد أو غيره لم تسقط بالصلاة، فقد أجمع العلماء على أن المعاصي الوجبة للحدود، لا تسقط حدودها بالصلاة. وحكى القاضي عياض عن بعضهم أن المراد الحد المعروف قال: وإنما لم يحده لأنه لمس يفسر موجب الحد ولم يستفسره النبي ﷺ إيثاراً للستر، بل استحب تلقين الرجل صريحاً.
لأن الإسلام أمر بالستر على الأعراض حتى لا تشيع الفاحشة بين المجتمع لقول الرسول ﷺ (من ستر عورة مسلم، ستر الله عورته يوم القيامة) وقال: (من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا مؤودة) رواه أبو داود. وقد جاء ماعز إلى النبي ﷺ فأقر عنده بالزنا، واعترف بجنايته فرده النبي (أربع مرات عسى أن يتوب، ويستر نفسه، ولا يرجع إليه) .
وروي عن سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أسلم يقال له: هزال - وقد جاء يشكو رجلا، بالزنا - وذلك قبل نزول حج القذف -: (يا هزال لو سترته بردائك كان خيراً لك) وذلك كناية عن عدم إذاعة هذه الفاحشة، فإن الرسول ﷺ يقول: (ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة) .
أخرج الحاكم والبيهقي في صحيحيهما: أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، ارتحل من المدينة المنورة إلى عقبة بن عامر - أمير مصر - في ذلك الوقت، فخرج إليه فعانقه، ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ قال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ يقول: (من ستر مؤمناً في الدنيا على عورة ستره الله يوم القيامة) فقال له أبو أيوب: صدقت، ثم قفل راجعاً إلى المدينة. والشاهد إذا رأى الجريمة بعينه فهو مخير في أداء الشهادة حسبة لله تعالى وغيرة على حدوده، ومحارمه أن تنتهك فقد ورد في الحديث الشريف (الحد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً) أو ترك الشهادة رغبة في الستر على أخيه الممن وعدم إشاعة الفاحشة لقول الرسول ﷺ : (ومن ستر على أخيه المسلم ستر الله عليه في الآخرة) ولآن الله يحب الستر على عباده، ويكره إشاعة الفاحشة وفضيحة المسلمين، بل نفر من شيوع خبرها والحديث عنها، والميل إلىстр. 1936
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) إشاعتها، فقال تعالى: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾ .
ستر المسلم على نفسه
إن الإسلام قد أوجب على المسلم إذا وقع في ذنب من هذه الكبائر، أن يقلع عن الذنب ويتوب إلى الله تعالى، ويستر على نفسه، ولا يفضحها بالتحدث بالذنب أما الناس، والتجاهر بالمعصية. وقد روي عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: (أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله تعالى) ذلك لأن المجاهرة بهذه الفاحشة تبجح في عصيان الله تعالى، واستهتار بمحارمه، وجليل على انهيار المجتمع وانحلالهن وضياع الحياء من أفراده، لأن المخطئ لابد أن يكون عنده بقية من حياء يمنعه من الإعلان عن خطئه بين الناس، وحجبه عن المجاهرة بذنبه في المجتمع الذي يعيش فيه، وخلع برقع الحياء مع الله ، فالإنسان إذا فقد الحياء من الله وأما الرأي العام كان خطراً على نفسه وعلى الناس جميعاً لأنه فقد أعز شيء لديه، ولن في المجاهرة بالمعصية إشاعة للفساد وتحرضاً عليه، وحملا، للغير على اقترافه، كالمريض الذي يخالط الصحيح، فلا شك أن يعديه وينقل أثر المرض إليه، ولهذا ندبنا الشارع الحكيم، وعلمنا رسوله الأمين صلوات الله وسلامه عله أن الواحد منا إذا وقع في معصية أن يكتم على الخبر، ويعتصم بالستر، ويطلب من الله المغفرة، ولا يحدث أحداً عما وقع منه، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من أتى من هذه القاذورات (المنكرات) فليستتر بستر الله ، وقد شدد الإسلام النكير على المتجاهرين بالمعصية، وجعلهم من المحرومين من مغفرة الله وعفوه ورحمته.
قال رسول الله ﷺ (كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل العبد عملاً بالليل ثم يصبح وقد ستره الله تعالى فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا, قد بات ستره الله عز وجلن ويصبح يكشف ستر الله عليه عنه) . أما أرباب الحياء والدب من الله تعالى الذين يتركون الذنوب ويكتمون على أنفسهم، ولا يحدثون الناس بهفواتهم ويندمون عما حدث منهم من المعاصي (إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه وستره من الناس وقرره بذنوبه فيقول أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) رواه الإمام أحمد.
الحدود كفارات لأصحابها
اتفقت كلمة العلماء على أن الحدود كفارات لأربابها، لأن في إقامتها كسراً لشوكة الظالمين وإخافة لهل الشر والمفسدين، وحفظاً للمجتمع من الدمار، والهلاك، والفساد، والضياع لما روي عن أنس ﵁ أنه قال: (قال رسول الله ﷺ : إذا استحلت أمتي خمساً فعليهم الدمار، إذا ظهرстр. 1937
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) التلاعن، وشربوا الخمر، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء) رواه الترمذي، والبيهقي.
فإقامة الحدود على من وقع فيها تكفر ذنبهن وترفع عنه العقاب في الدار الآخرة، لأن الله تعالى لا يجمع على عبده عقابين على ذنب واجد، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال في شأن المرأة الغامدية التي وقعت في الزنا ثم ندمت واعترفت بين يديهن وأقيم الحد عليها (لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أنها جادت بنفسها لله تعالى) .
وكما روي عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه أنه أقسم على ماعز بن مالك السلمي الذي أقر بالزنا وندم على ذنبه، وأقيم عليه الحد وجم بالحجارة، بأن الله غفر له ذنبهن وأدخله الجنة، وتاب عليه توبة صادقة، وان إقامة الحد عليه كان فارة له فقال ﷺ لمن اعترض عليه (والذي نفس بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها) . وروى عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنا مع النبي ﷺ فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك، فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه، ,إن شاء عذبه) زاد في رواية (فبايعناه على ذلك) رواه الخمسة إلا أبا داود.
فقول النبي ﷺ (فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له) صريح في أن الحدود كفارة الذنوب. وجوابر للمحدود لا زاجرات فقط، وقد ورد في رواية للترمدذي ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة) قال الإمام الشافعي ﵀ لم أسمع في الحدود حديثاً أبين من هذا، وقد روي عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: (وما يدريك لعل الحدود نزلت كفارة للذنوب) فهذه الرواية تشبه الحديث السابق وتؤيده في معناه. فإقامة الحدود مطهرات للنفوس من الذنوب والخطايا، وللمجتمع من الفساد والضياع، وهذا هو رأي جمهور العلماء من السلف، وعليه الأئمة الأربعة ﵏ ﵎ وذهب بعضهم إلى أن الحدود زواجر فقط، وعليه العقاب يوم القيامة. ولكن الراجح هو الرأي الأول وهو اللائق بالكرم الإلهي، والفيض الرباني، وهو الذي أخبر به الحبيب المصطفى ﷺ
التحريم بالمصاهرة
الحنفية - قالوا: إن حرمة المصاهرة تثبت بواحد من الأمور الآتية وهي:
- ١ - العقد الصحيح
- ٢ - الوطء الحلال
- ٣ - الوطء بالنكاح الفاسد، وكذا الوطء بشبهة.стр. 1938
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) - ٤ - اللمس بينهما بشهوة.
- ٥ - النظر إلى بشهوة، ولا يثبت بالنظر إلى سائر الأعضاء، أو الشعر ولو بشهوة.
- ٦ - وتثبت الحرمة بالزنا، أو اللمس، أو النظر بشهوة بدون نكاح، والمراد بالشهوة هو، يشتهي بقلبه، ويعرف ذلك بإقراره، وقيل: يصحب ذلك تحرك الآلة وانتشارها والدليل على ذلك ما روي عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: (من نظر إلى فرج امرأة لم تحل أمها ولا بنتها) وفي رواية (حرمت عليه أمها، وبنتها) . وبما روي عن الرسول ﷺ أنه قال: (ملعون ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها) فمن زنا بامرأة أو وطئها بشبهة حرمت عليه أصولها، وفروعها، وتحرم الموطوءة على أصول الواطىء وفروعه، وكذلك اللمس بشهوة من الجانبين، والنظر إلى الفرج من الجانبين، والمعتبر إنما هو لنظر إلى فرجها الباطن، دون الظاهر، والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿ولاتنكحوا لما نكح آباؤكم من النساء﴾ والحمل على الوطء أولى، وقول الرسول ﷺ (من نظر إلى فرج امرأة بشهوة، أو لمسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها، وحرمت على ابنه وأبيه) وحرمة ماء الزنا كحرمة الماء الحلال سواء بسواء في النكاح. المالكية - قالوا: إن الزنا بالبنت لا يحرم أمها على الزاني، كما أن الزنا في الأم لا يحرم بنتها عليه، والبنت المخلوقة من ماء الزنان لا تحرم على من خلقت من مائه، ولا على أصوله وفرعه، سواء كانت أمها المزني بها مطاوعة، أم كرهاً، وسواء تحقق الرجل أنها من مائه، أم لا، فهي أجنبية عنه، ولا حرمة لماء الزنا، ولكن يكره للزاني أن يتزوجها من باب الاحتياط فقط، وتحري الحلال في النكاح، وإنجاب الذرية الصالحة.
الحنابلة - قالوا: إن الوطء الحرام كالوطء الحلال كلاهما تثبت به حرمة المصاهرة، فمن زنى بامرأة حرمت على أبويه، وحرمت عليه أمها وبناتها، ولو وطئ أم امرأته حرمت عليه ابنتها، ووجب مفارقتا، وكذلك لو وطئ بنت زوجته حرمت عليه أمها (وهي زوجته) وقالوا: بحرمة نكاح الرجل ابنته من الزنا مثل الحنفية. روي أن رجلاً سأل النبي عن امرأة كان زنا بها في الجاهلية: أينكح الآن ابنتها؟ فقال: (لا أرى ذلك ولا يصلح لك أن تنكح امرأة تتطلع على ابنتها على ما اطلعت عليه منها) فقد حرم الرسول ﷺ زواجها، وهذا نص في الباب
فالذكر من العبيد إذا زنى يجلد مائة جلدة، والأمة إذا ثبت عليها الزنا تجلد خمسين جلدة. واحتج الأئمة الأربعة على أن الأمة غير المتزوجة يقام عليها الحد بحديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنهم (أن النبّي ﷺ سئل عن الأمة زنت، ولم تحصن فقال: (إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو يضفير - أي بحبل مضفور - قال أبن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة، أو الرابعة، متفق عليه) .стр. 1939
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أحكام بنت الزنا
قال العلماء: البنت المتولدة من الزنا أجنبية عن الزانين فلا ترثه إن مات قبلها، ولا تنسب إليه، ولا يجب عليه الإنفاق عليها، ولا يجوز له أن يختلي بها، ولا يملك عليها ولاية التزوج، أي لا يكون ولياً عليها، ولا يصح له أن يرثها إن ماتت قبله وتركت مالاً، فهي في المحرمات والميراث أجنبية عنه، وفي حكم الزواج والمصاهرة، قريبة منه، لا يصح زواجها ولا مصاهرتها، ولا نكاح أصولها وفروعها، ولا يصح لها أن تتزوج منه ولا من أصوله وفرعه، وذلك هو القول الراجح، وساء تأكد إنا من مائه، أو شك في ذلك ما دام قد زنى بأمها، وجاء الحمل بها في أثناء الاتصال بالزنا، فترجح كفة أنها خلقت من ماء الزنا.
أضرار الزنا
لقد لخص العلماء أضرار الزنا بعد فهم الآيات والأحاديث الواردة في هذا الشأن بما يأتي:
أولاً: أن الزنا يذهب نور الإيمان من قلب الزاني (حين يزني) ، ومات ولم يتب من ذنبه.
ثانياً: أن فاحشة الزنا اشد من القتل والسرقة وغيرهما، ولذلك أبيح قتل مرتكبها إن كان محصناً.
ثالثاً الزنا نذير الرعب والفزع - ولا يستجيب الله دعاء الزاني المدمن على الزنا.
رابعاً: تشتعل نار جهنم في وجهه يوم القيامة عقوبة له.
خامساً: يرمي الله الزاني في داخل فرن مشتعلة في وسط نار جهنم يصهر جسمه، ويحرق بدنه.
سادساً: رائحتهم في وسط نار جهنم تكون نتنة قذرة مثل المراحيض - حتى يتأذى منها أهل النار.
سابعاً: يمحو الله اسم الزاني من سجل الطاهرين الأبرار، ويطرد من حظيرة المؤمنين الخيار.
ثامناً: لا ينظر الله يوم القيامة إلى الزناة نظرة رحمة ورضا، وإنما ينظر إليهم نظرة غضب.
تاسعاً: يحرم الله الجنة على الزاني الذي استحل الزنا ومرن عليهن واستمرأه ولم يتب منه، فلا يشم رائحة الجنة.
عاشراً: انتشار الزنا يسبب وجود ذرية فاسدة مخزية تؤذي المجتمع وتهدمه وتجلب له الدمار.
الحادي عشر: إذا ظهر الزنا في قرية فإن الله تعالى أنذرهم بالخراب والهلاك والدمار كما فعل بقوم لوط.
الثاني عشر: الزنا يكون سبباً في الفضيحة والعار في الدنيا والآخرة
الثالث عشر: الممتنع عن الزنا خوفاً من عذاب الله تعالى، يظلله الله في ظله يوم القيامة، ويعفو عنه ويسامحه، وينجيه من الأهوال.стр. 1940
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الرابع عشر: البعد عن ارتكاب فاحشة الزنا، خشية من الله تعالى، يزيد في الرزق، ويجلب الخير، ويجعل في وجه المؤمن مهابة، وبهاء، ونوراً والله تعالى أعلم.
حكم المخنث
المخنث: هو الذي يشبه في كلامه النساء تكسراً وتعطفاً، أو الذي يتشبه بالنساء في ثيابهن وزينتهن، كما يفعل بعض الشبان في هذا العصر، من ترك الشعور، وإرخاء السوالف ولبس حلي النساء، وبعض ثيابهن، وترقيق أصواتهم في التحدث وغير ذلك، وقد اتفقت كلمة العلماء على أن المخنث يجب نفيه من بلاد المسلمين إلى مناطق نائية مسيرة قصر، عقاباً لهم حتى يشعر الواحد بالوحشة والحسرة لبعده عن أهله وقرناء السوء، فقد قال العلماء: لا ينفى إلا ثلاثة، بكر زان، ومخنث، ومحارب. أما إذا كان المخنث يؤتى من الخلف فإنه يحد رجماً بالحجارة حتى يموت. ولا ينفع فيه النفي إذا ثبت عليه، فقد روي عن أبن عباس ﵄ أنه قال: لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء. وقال: أخرجوهم من بيوتكم واخرج فلاناً واخرج عمر بن الخطاب فلاناً رواه البخاري ﵀.
وأتي النبي ﷺ بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء فقال النبي ﷺ : (ما بال هذا؟ فقالوا يا رسول الله يتشبه بالنساء فأمر به فنفي إلى البقيع، قالوا: يا رسول الله ألا نقتله؟ قال: إن نهيت عن قتل المصلين) رواه أبو داود.
فقال العلماء: يجوز للإمام أن يعزر المخنث بما يراه رادعاً له وزاجراً عن الوقوع في الذنب ويجوز له نفيه إلى بلج لآخر مسيرة سفر، وذلك إذا لم يثبت عليه اللواطة باعتراف، أو شهادة شهود، كما ثبت في الحديث النبوي الشريف. وروي أن خالد بن الوليد، ﵁، كتب إلى أبي بكر أني وجت رجلاً في تبعض نواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة، فجمع أبو بكر ﵁ الصحابة رضوان الله عليهم وسألهم في هذا الشأن فكان من أشدهم في ذلك قولاً سيدنا على بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه. فقال: هذا ذنب لم يعص به إلا أمة واحدة، صنع الله بها ما علمتم، نرى أن نحرقه بالنار. فاجتمع رأي الصحابة على ذلك فأمر سيدنا أبو بكر خالد بن الوليد أن يحرقه بالنار، وذلك بعد رجمه وإقامة الحد عليه، وموته، لأن التحريق بالنار لا يجوز لمخلوق. والنبي ﷺ حرم التعذيب بالنار حتى في الحيوان الأعجم. روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: (إن وجدتم فلاناً وفلاناً لرجلين من قريش سماهما، فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله ين أردنا الخروج: إن كنتстр. 1941
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أمرتكم أن تحرقوا فلاناً، وفلاناً، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما) . رواه البخاري ﵀.
حكم نكاح الزانية
الحنفية، والشافعية - قالوا: إذا زنى رجل بامرأة يجوز له أن يتزوجها، بعد ذلك بعقد صحيح وذلك لآن ماء الزنا لا حرمة له، ولما روي أن رجلاً زنى بامرأة في زمن أبي بكر الصديق ﵁ فجلدهما مائة جلدة، لأنهما كانا غير مصنين، ثم زوج أحدهما من الآخر، ونفاهما سنة، وروي مثل ذلك عن عمر، وأبن مسعود، وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، وقال أبن عباس ﵄ في هذا الحكم: أوله سفاح، وآخره نكاح والنكاح مباح فلا يحرم السفاح النكاح، ذلك مثل رجل سرق من حائط ثمرة، ثم أتى صاحب البستان فاشترى منه ثمرة، فما سرق حرام، وما اشترى حلال.
المالكية - قالوا: إذا زنى الرجل بالمرأة فلا يصح له أن ينكحها حتى يستبرئها من مائه الفاسد، لأن النكاح له حرمة، ومن حرمته ألا يصب على ماء السفاح، فيختلط الحلال بالحرام ويمتزج ماء المهانة بما بماء العزة، ولأن الله تعالى يقول: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ ثم قال ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ . وقد وري عن أبن مسعود ﵁ أنه قال: (إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبداً) فإن الله تعالى يقول: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلك أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ فأباح نكاح غير المسافحين وأبطل نكاح غيرهما. واتفقوا على أنه إذا عقد عليها، ولم يدخل بها حتى أستبراها من مائه الحرام فإن ذلك جائز، وروي عن عائشة ﵄ أنها سئلت عن رجل زنى بامرأة ثم تزوجا، فكرهته.
الحكم إذا زنت الزوجة أو الزوج
احتج جماعة من العلماء بقول الله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك﴾ . فقالوا: من زنى فسد النكاح بينه وبين زوجته، وإذا زنت الزوجة فسد النكاح بينها وبين زوجها، ووجب عليه أن يفارقها. وقال بعضهم: لا يفسد النكاح بذل ولا ينفسخ العقد بالزنى من أحدهما ولكن يؤمر الرجل بطلاقها إذا وقعت الزوجة في الزنا، ولو أمسكها أثم، ولا يجوز التزوج بالزانية التي اشتهرت بذلك ولا يجوز التزوج من الزاني الذي يتظاهر بالفاحشة، واشتهر بها، إلا إذا ظهرت التوبة الصادقة عليه.
وقالوا: من كان معروفاً بالزنى أو بغيره ن الفسوق معلناً به، مستهتراً بمحارم الإسلام، فتزوجстр. 1942
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) من أهل بيت محافظين، وغرهم من نفسه، ثم علموا بذلك فلهم الخيار في البقاء معه، أو فراقه، وأصبح ذلك كعيب من العيوب التي تفسخ العقد، واحتجوا بقول ﷺ (لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله) أما من لم يشتهر بالفسق فلا يصح أن يفرق بينه وبين زوجه. وقال بعضهم: إذا زنت زوجة الرجل لم يفسد النكاح، وإذا زنى الرجل لم فسد نكاحه مع زوجته. وقالوا إن الآية منسوخة - وروي أن رجلاً سأل الله ﷺ فقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس، فقال: طلقها، فقال: إني أحبها، فقال: أمسكها) ,
حكم نكاح المتعة
المتعة - كما في كتب الإمامية - هي النكاح المؤقت بأمد معلوم، أو مجهول، وغايتاً إلى خمسة وأربعين يوماً، ويرتفع النكاح بانقضاء المؤقت في المنقطعة الحيض وبحيضتين في الحائض، وبأربعة أشهر وعشر في المتوفى عنها زوجها، وحكمه: أنه لا يثبت لها مهر غير المشروط ولا يثبت لها نفقة ولا توارث ولا عدة إلا الاستبراء بما ذكر، ولا يثبت به نسب، إلا أن يشترط، وتحرم بسببه المصاهرة. وقد اتفقت كلمة الفقهاء على أن النبي ﷺ رخص في نكاح المتعة في صدر الإسلام للضرورة ثم نهى عنها، واستمر النهي، ونسخت الرخصة، وإلى نسخها ذهب الجماهير من السلف والخلف. قال النووي: الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعا مرتين، فكانت المتعة مباحة قبل خيبر ثم حرمت فيها، ثم أبيحت عام الفتح وهو عام أوطاس، ثم حرمت تحريماً مؤبداً، والى هذا التحريم ذهب أكثر الأمة. روي عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: (رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام ثم نهى عنها) . رواه مسلم. وعن علي ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن المتعة عام خيبر) متفق عليه. قال الإمام البخاري: بين على ﵁ عن النبي ﷺ أنه منسوخ، وأخرج أبن ماجة عن عمر بإسناد صحيح أنه خطب فقال: إن رسول الله ﷺ أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثم حرمها، والله لا أعلم أحداً تمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة، وقال أبن عمر: (نهانا عنها رسول الله ﷺ وما كنا مسافحين) إسناده قوي.
وقال الصنعاني: والقول بأن إباحتها قطعي، ونسخها ظني غير صحيح، لأن الراوين لإباحتها، رووا نسخها، وذلك إما قطعي في الطرفين، أو ظني في الطرفين جمعياً، وفي نهاية المجتهد: إنها تواترت الأخبار بالتحريم اهـ) .
-стр. 1943
مبحث حد اللواط
-أما اللواط فإنه من الجرائم الخلقية التي لا تليق بالنوع الإنساني، وفطرته التي فطره الله عليها. فاللواط فيه عدوان ظاهر على الإنسانية، وخروج عن سنن الله الطبيعية، ولهذا سماه الله فاحشة كالزنى، قال تعالى: ﴿أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ : فمن ارتكب هذا الفعل الشائن فقد اختلفت فيه آراء الأئمة: فمنهم من قال: إنه يعاقب عقوبة الزاني وهي الإعدام. إن كان محصناً، أما الموطوء فعقوبته الجلد كالبكر، لأنه لا يتصور فيه إحصان. ومنهم من يقول: إن عقاب اللائط من باب التعزير، لا من باب الحد، فعلى القاضي أن يحبسه، أو يجلده، بما يراه رادعاً له عن الجريمة، فإذا تكررت منه، ولم يزدجر عزر بالإعدام (١) الحواشي
(١) (اتفق الأئمة عليهم رضوان الله تعالى، على تحريم اللواط في نظر الشرع، وعلى أنه من الفواحش العظام، بل إنه لأفحش من جريمة الزنا، وإنه كبيرة من الكبائر، وذلك للأحاديث المتواترة في تحريمه، ولعن فاعله. ولكنهم اختلفوا في تحديد البينة على إثبات جريمته.
المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: إن البينة على اللواط مثل البينة على إثبات الزنا، فلا يثبت إلا بشهادة أربعة من الرجال العدول، ليس فيهم امرأة، يرون الميل في المكحلة.
الحنفية - قالوا: إن بينة اللوط غير بينة الزنا، لأن ضرره أخف منه، وجنايته اقل من جنايته، حيث لا يترتب على اللواط اختلاط النساب، ولا هتك الأعراض.. فثبتت البينة بشاهدين فقط، فلا يلحق بالزنا إلا بدليل، ولم يوجد دليل من الكتاب ولا من السنة فبقي الحكم على الأصل مثل باقي الأحكام والشهادات.
واختلف الأئمة في اللواط هل يوجب الحد أم التعزيز؟
المالكية، والحنابلة، والشافعية - قالوا: إن اللواط إذا ثبت يوجب الحد لكنهم اختلفوا في صفة الحد، قياساً على حكم الزنا، بجامع إيلاج فرج محرم، في فرج محرم.
المالكية، والحنابلة، وفي رواية عند الشافعية - قالوا: إن حد اللوط الرجم بالحجارة حتى يموت، الفاعل والمفعول به، بكراً كان أو ثيباً، ولا يعتد فيه بالإحصان وشرائطه المذكورة في حد الزنا، أو يقتلان بالسيف حداً، واحتجوا على رأيهم بأن التلوط نوع من أنواع الزنا، لأنه إيلاج فرج في فرج بشهوة ولذة، فيكون اللائط والملوط به داخلين تحت عموم الأدلة الواردة في الزاني المحصن والبكر الزاني.стр. 1944
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه (اقتلوا الفاعل والمفعول به) وقول ﷺ (اقتلوا الأعلى والأسفل) وبما أخرجه البيهقي من حديث سعيد بن جبير، ومجاهد عن أبن عباس ﵃ أنه سئل عن البكر يوجد في اللواط، قال: (يرجم) وقال ﷺ (اقتلوا الفاعل والمفعول به أحصنا أم لم يحصنا) رواه أبو هريرة ﵁، وروى حماد بن إبراهيم، عن إبراهيم - يعني النخعي - قال: لو كان يستقيم أن يرجم مرتين لرجم اللوطي) وعن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أتى الرجل الرجل فهم زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان) .
وقالوا: إن هذا الفعل زنا، يتعلق به حد الزنا بالنص، فأما من حيث الاسم فلأن الزنا فاحشة، وهذا الفعل فاحشة بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى في شأن قوم لوط ﴿أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ ومن حيث المعنى - إن الزنا فعل معنوي له غرض، وهو إيلاج الفرج في الفرج على وجه محظور لا شبهة فيه، لقصد اللذة، وسفح الماء وقد وجد ذلك كله في اللواطه، فإن القبل والدبر كل واحد منهما فرج يجب ستره شرعاً، وهو عورة في الصلاة وخارجها، ويحرم النظر إلى واحد منهما، ولك واحد منهما مشتهى طبعاً، متلذذ بلمسه، ورؤيته، ونكاحه، حتى إن من لا يعرف الشرع لا يفصل بينهما. وقد نشرت الجرائد في العام الماضي أن مجلس الشيوخ الإنكليزي أصدر قانون يجيز زواج الرجل بالرجل، وإجراء العقد عليه، ومعاشرته معاشرة الزوجة، ونشرت صورة تثبت عقداً أجري في الكنيسة لذلك، وهذا من سخرية القدر وانحطاط النفوس - والعياذ بالله تعالى -. والمحل إنما يصير مشتهى طلباً لمعنى الحرارة واللين، وذلك لا يختلف بلا قبل والدبر، ولهذا أوجب الشارع الاغتسال بنفس الإيلاج في الموضعين، ولا شبهة في تمحيص الحرمة هنا، لأن المحل باعتبار الملك، ويتصور هذا الفعل مملوكاً في القبل، ولا يتصور الملك في الدبر، فكان تمحيص الحرمة هنا أبين وأظهر، حيث لا توجد شبهة ملك بحال، وكذلك معنى سفح الماء هنا أبلغ منه في قبل المرأة، لأن المحل هناك ينبت الولد، فيتوهم أن يكون الفعل حرثاً، وإن لم يقصد الزاني ذلك، ولا توهم في اللواطة، فكان تضييع الماء هنا أبين، وليس هذا القول على سبيل القياس، فالحد في القياس لا يثبت، ولكن هذا إيجاب الحج بالنص، وما كان اختلاف اسم المحل إلا كاختلاف اسم الفاعل.
الشافعية في رواية - قالوا: حده مثل حد الزنا فيعتبر فيه الإحصان، وهو مذهب سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وقتادة، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، وأبو طالب، والإمام يحيى، ﵏ قالوا يجلد البكر ويغرب، ويرجم المحصن منهما حتى يموت لأنه نوع من الزنا.
الحنفية - قالوا: لا حد في اللواط، ولكن يجب التعزير حسب ما يراه الإمام، رادعاً للمجرم، فإذا تكرر منه الفعل، ولم يرتدع، أعدم بالسيف تعزيراً، لا حداً، حيث لم يرد فيه نص صريح. قال الشوكاني ﵀ في التعليق على هذا الرأي: ولا يخفى ما في هذا المذهب من المخالفة للأدلةстр. 1945
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المذكورة، في خصوص اللواط، والدلة الواردة في الزاني على العموم، من الآيات والحاديث المتواترة في ذلك. أبو يوسف، والإمام محمد من الحنفية - خالفوا الإمام الأعظم في هذا الرأي، فقالوا: إن اللواطه فضاء للشهوة. وربما وصلت عند تعض الرجال إلى شهوة النساء من غير تفريق، فهي شهوة في محل مشتهى على وجه الكمال. لذلك يجب إقامة حد الزنا عليهما فيجلد البكر، ويرجم الثيب المحصن المستوفي لشروط الإحصان، وأن الله تعالى سمى قوم لوط لارتكابهم هذه الفعلة الشنيعة (مفسدين) والمفسد عقابه القتل والعذاب الأليم، قال تعالى: ﴿قال رب انصرني على القوم المفسدين﴾ آية ٣٠ من سورة العنكبوت. قال الصاحبان: اتفق الصحابة رضوان الله عليهم أنه لا يسلم لهما أنفسهما، وإنما اختلفوا في كيفية تغليط عقوبتهما، فأخذنا بقولهم فيما اتفقوا عليه، رجحنا قول الإمام علي ﵁، بما يوجب عليهما من الحد
رأي الصحابة في عقوبة اللواط.
لقد اختلف أصحاب رسول الله ﷺ في كيفية حد اللواط بعد اتفاقهم على إقامته. أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - قال: يقتلان بالسيف حداً ثم يحرقان بالنار، زجراً لهما، وتخويفاً لغيرهما، وهو رأي الإمام علي كرم الله وجهه، وكثير من السحابة ﵃. قال الحافظ المنذري: حرق اللوطية بالنار أبو بكر، وعلي، وعبد الله بن الزبير، ﵃، وهشام بن عبد الملك، وذلك بعد قتلهما بالسيف أو الرجم بالحجارة. وما أحق مرتكب هذه الجريمة، ومقارف هذه الرذيلة الذميمة، بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذب تعذيباً يكسر شهوة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين أن يصلي من العقوبة بما يكون في اشدن، والشناعة مشابهاً لعقوبتهم، وقد خسق الله بهم القرى وجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل، واستأصل بذلك العذاب بكرهم ومحصنهم، وصغيرهم، وكبيرهم، ونسائهم وجالهم جزاء ارتكابهم هذه الفاحشة وسماهم القرآن ظلمة، ظلموا أنفسهم وظلموا الإنسانية كلها بهذا العمل الشنيع، فقال تعالى في كتابه العزيز: ﴿فما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها، وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود، مسومة عنند ربك وما هي من الظالمين ببعيد﴾ . آية ٨١، ٨٣ من هود.
وروي عن أبن عباس ﵄ أنه قال: ينكان من مان مرتفع مثل جبل شاهق، أو بناء مرتفع ويهدم عليهما الجدار ويتبعان بالأحجار حتى يموتا، كما حصل لقوم لوط.
وروي عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه أنه قال: يحبسان في أنتن المواضع حتى يموتا.стр. 1946
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولكن الراجح من هذه الآراء أن حده الرجم مطلقاً، بكراً أو ثباً.
فإن الله تعالى شرع فيه الرجم على الأمم السابقة فقال تعالى في شأن قوم لوط: ﴿لنرسل عليهم حجارة من طين﴾ ولأن القرآن الكريم سماهم فسقة خارجين عن حدود الدين، وتعاليم الشارع الحكيم فقال تعالى: ﴿بل أنتم قوم مسرفون﴾ وقال ﵎: ﴿إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون﴾ آية ٣٣ من العنكبوت ولأن الرسول ﷺ لعن اللائط، وأخبر عنه بأنه مطرود من رحمة الله تعالى فقد روى النسائي رحمه الله تعالى في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: (لعن الله من عمل عمل قوم لوط) واللعن هو الطرد من رحمته، ولأن هذا المنكر من الفواحش التي تقوض دعائم الأمم، وتعلك المجتمع، وتفسد شبابه ونساءه، ولهذا كان الحد فيه مشدداً عن غيره فقال رسول الله ﷺ : (مانقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت) وروى الترمدذي بسند صحيح أن غريب، وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا استحلت أمتي خمساً، ععليهم الدمار: إذا ظهر التلاعن، وشربوا الخمر، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان، والكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء) رواه البيهقي في صحيحه، ومثل هذا الحد ينطبق على من أى امرأة اجنبية في دبرها روى أبو هريرة رضي الله ﵎ عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الذي عمل عمل قوم لوط فارجموا العلى، والأسفل، وارجموهما جميعاً) .
ولأن الله تعالى بين في قوم لوط أنهم خرجوا عن مقتضى الفطرة الإنسانية، وما اشتملت عيه من الغريزة الجنسية من الحكمة التي يثصدها الإنسان العاقلن والحيوان العجم، فسجل عليهم أنهم يتقون من عملهم هذا الشهون، ويقصدون اللذة وحدها، بل إنهم أخس درجة من العجماوات، وأصل سبيلاً، فإن ذكورها تطلب أناثها بدافع الشهوة لأجل النسل الذي يحفظ به نوع كل منه، فهو قصد شريف فإذا حملت النثى فلا يقربهان ولا ينزو الذكر على الذكر ابداً. ولهذا وصفهم الله تعالى بأنهم مسرفون، وأنهم مجرمونن وأنهم ظالمون، وانهم مرنوا على عمل السيئاتن قال تعالى: رأتأتون الذكران من العالمينن وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم، بل أنتم قوم عادون﴾ آية ١٦٥، ١٦٦ من الشعراء وقال تعالى: ﴿قال رب انصرني على القوم المفسدين، ولماجاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين﴾ آية ٣٠ و ٣١ من العنكبوت وقال تعالى: رإنانزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون﴾ آية ٣٤ من العنكبوت وقال تعالى: ﴿ولوطا اذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين، إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون، وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون، فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، وأمطرنا عليهم مطراً، فانظر كيف كان عاقبة المجرمين﴾ [آيات ٨٠، ٨١، ٨٢، ٨٣، ٤٨، من سورة الأعراف] .стр. 1947
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فإن عاقبة المجرمين لا تكون إلا وبالاً عليهم، ويستحقون أشد العذاب جزاء ما ارتكبوا هذه الفاحشة الشنيعة، روى الطبراني في صحيحه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا ظلم أهل الذمة، كانت الدولة دولة العدو، وإذا كثر الزنا، كثر السباء، واذاكثر اللواط رفع الله يده عن الخلق فلا يبالي في أي واد هلكوا) رواه جابر بن عبد الله النصاري ﵄. فاللواط من السباب التي تودي بالأمم، وتهلك الشعوب، وتجعل أهلها محرمين من معونة الله وعنايته، لآنه يدعهم إلى انفسهم ويتركهم في شهواتهم يعمهون، ويرفع عنهم ولايته ومعونته، وتأييده ونصره. وروى الترمذي عن أبن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً، أو امرأة في دبرها) رواه النسائي. وروى الطبراني في الوسط عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لاتقبل لهم شهادة أن لا إله إلا لله: الراكب والمركوب، والراكبة والمركوبة، والإمام الجائر) .
اللواط يستوجب لعنة الله حقاً إن اللواط يستوجب لعنة الله وغضبه، ولعنة الملائكة، والناس أجمعين، لآنه فعل شاذ ينتافى مع العقل السليم، والذوق المستقيم ويدل على أن صاحبه قد خلع جلباب الحياء والمروءة، وتخلى عن سائر صفات أهل الشهامة، وتجرد حتى من عادات البهائم، بل أقبح وأفظع من العجماوات، فناهيك برذيلة تتعفف عنها الكلاب والحمر والخنازوير، فكيف يليق فعلها ممن هو في صورة كبيرة، أو غني أو عظيمن كلان بل هو اسف من قدره، وأشأم من خبةه ,انت، من الجيفة القذرة، وأحق بالشرور، وأولى بالفضيحة من غيره، وأهل للخزي والعار، فإن القاتل، والسارق، والزاني، لا يكون في نظر المجتمع مثل الائط بل يكونون أحسن منه حالاً، واشرف بالنسبة له لأنه خائن لعهد الله تعالى وما له من المانة فبعداً وسحقاً، وهلاكاً في جهنم ورئس المصير، ولهذا شدد علماء الإسلام في البعد عن هذه الجريمةن من إطالة النظر إلى الغلام الأمرد ولا سيما إن كان صاحب صورة جميلة. وبعضهم اشترط في تحريمها أن تكون بشهوة لأنها ذريعة للفاحشة، ومهيجة للشهوة الكامنة. عن الحسن بن ذكوان ﵀ أنه قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء، فإن لهم صوراً جميلة كصورة النساء، وهم أشد فتنة من النساء. وعن النجيب بن السدي ﵀ أه قال: كان يقال: (لايبيت الرجل في بيت مع الأمرد) ، وعن أبن سهل أنه قال: سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم اللوطيون، وهم على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل.стр. 1948
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وعن مجاهد أنه قال: لو أن الذي يعمل ذلك العمل (يعني عمل قوم لوط) اغتسل بكل قطرة نزلت من السماء، وكل قطرة في باطن الأرض، لم يزل نجساً حتى يتوب من ذنبه. وجاء رجل إلى مجلس الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ومعه صبي حسن الوجهن جميل الصورة فقال له الإمام، من هذا منك؟ قال: أبن أختي، قال له، لا تجىء به هنا مرة ثانية، ولا تمشي معه في الطريق، لئلا يظن بك من لا يعرفك، ويعرفه. وجخل سفيان الثوري ﵀، الحمام العام، فدخل عليه صبي حسن الوجه، عاري الجسد، فصرخ، أغمض عينيه وقال: أخرجوه، فإني أرى مع كل امرأة شيطاناً وأرى مع كل صبي أرد بضعة عشر شيطاناً. وذلك كله لأن ضرر هذه الفعلة الشنيعة من أخطر الأضارار على الرجال والنساء، بل على الفرد والمجتمتع، والإنسانية كلها، فنسأل الله الحفظ والعصمة أنه سميع الدعاء.
حرمة المصاهرة باللواط
الحنفية، والشافعية، المالكية - قالوا: بعدم تحريم المصاهرة بسبب اللواطة.
الحنابلة - قالوا: تثبت حرمة المصاهرة باللواطة مثل الزنان فمن لاط بولد يطيق الجماع، أو لاط برجل، حرم كل منهما على أم الآخر وابنته نصاً، لأنه وطء في فرج مشتهى ينشر الحرمة كوطء المرأة فتثبت حرمة المصاهرة عقاباً لهما. وقد لخص العلماء مضار اللواط فيما يأتي.
أولاً - جناية على الفطرة البشرية السليمة، لآن النفوس السليمة تستفحشه وتراه أقبح من الزنا لقذارة المحل.
ثانياً - مفسدة للشبان بالإسراف في الشهوة، لأنها تنال بسهولة.
ثالثاً - تذل الرجال بما تحدثه فيهم من داء - الأبنة - ولا يستطيع أن يرفع رأسه بعد أن وضع نفسه.
رابعاً - تفسد النساء اللواتي تنصرف أزواجهن عنهن بسبب حبهم للواطة، فيقصورا فيما يجب عليهم من إحصانهن، وإشباع شهواتهن، فيعرضهن ذلك للتهاون في أعراضهن.
خامساً - قلة النسل، بانتشار هذه الفاحشة، لأن من لوازمها الرغبة عن الزواج والإعراض عن النساء.
سادساً - الرغبة في إتيان النساء في أدبارهن، وفي ذلك الفساد كل الفساد.
سابعاً - من يتعود هذه الفاحشة يميل إلى استمناء اليد، وإتيان البهائم، وهما جريمتان فبيحتان، شديدتا الضرر في الأبدان، مفسدتان للأخلاق، مضعيتان للصحة البدنية وهما محرمتان كاللواطة، والزنا، في جميع الملل والأديان، لما لهما من الأضرار الخطيرة المهلكة.стр. 1949
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثامناً - إفساد الحياة الزوجية، وتفكك العائلات والأسر، وغرس العداوة والبغضاء.
تاسعاً - يحمل الشبان على الإضراب عن الزواج وتحمل مسؤولية الأسرة، وفي ذلك ما فيه من المفاسد المقوضة لدعائم المجتمع، لأن الحيان الزوجية فيها إحصان كل من الزوجين.
عاشراً - تسبب أضراراً خطيرة للفاعل مثل مرض الزهري والسيلان وغيرهما، وأضراراً للمفعول به، فتنزل منه الأشياء الكريهة من غير أن يستطيع إمساكها. وعلى العموم فإن أضرار هذه الفاحشة لا نستطيع حصرها لكثرتها وشناعتها، وخطورتها على الفرد والمجتمع.
فإنها نذير الرعب، وداعي الخيبة، ودليل السقوط، وسبب الدناءةن وفقدان الشهامة والنجدة، وتدعو إلى انتشار الأوبئة، والأمراض الخبيثة الفتاكةن وتجلب السل والصفرة وترفع رحنة الله، وتحل غضبه، وتوجب اللعنة والعقاب على الفاعلين والمفعولين، وتوجد الصغار في نفس اللائط، وترفع الحياء من الوجوه، وترد شهادة الفاعل والمفعول به، وتوجب عليهما اشد العقاب في الدنيا والدار الآخرة. ولهذا أمر النبي ﷺ بنفي المخنث من المدينة حتى لا يفسد مجتمعها واهتم الشارع الحكيم بالنهي عنها، وفرض العقاب الرادع لها. ووردت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله ﷺ تنفر المسلمين من الوقوع فيها وتحذرهم من عواقبها الوخيمةن وتهول من شناعتهان وتبين لهم فظاعتها وخطرها الجسيم. عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ قال: (لعن الله سبعة من خلقه من فوق سبع سمواته، وردد اللعنة على كل واحد منهم ثلاثاً، ولعن كل واحد منهم لعنة تكفيه، قال: ملعةن من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من ذبح لغير الله، ملعون من أتى شيئاً من البهائم، ملعون من عق والديه، ملعون من جمع بين امرأة وابنتها، ملعون من غير حدود الأرض، ملعون من ادعى إلى غير مواليه) .
حرمة اتيان النساء في أدبارهن
اتفقت كلمة علماء المسلمين على أن من أتى امرأته، أو أمته، في دبرها وترك القبل فلا يقام عليه حد، حيث لم يرد من الشارع الحكيم حد في هذه الحالات.
ولكنهم قالوا: بأن من يعمل هذا العمل الشنيع يكون آثماً، مستوجباً للعقاب الأخروي حيث ارتكب فعلاً ممنوعاً شرعاً، غير مسموح بهن بل منهي عن الوقوع فيه والالتجاء إليه، فقد وردت أحاديث كثيرة عن الرسول المعصوم صولات الله وسلامه عليه تحرم إتيان النساء في أدبارهنن روى خذيمة بن ثابت، وأبو هريرة، وعلي بن طلق رحمهم الله تعالى كلهم عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا تأتوا النساء في أدبارهن) .стр. 1950
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وروي عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده النبي ﷺ أنه قال: (هي اللوطة الصغرى) يعني إتيان النساء في أدبارهن. وروى حماد بن سلمة عن حكيم بن الثرم عن أبي تميم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ قال: (من أى حائضاً، أو امرأة في دبرها، أو كاهناً فصدقه، فقد كفر بما نزل على محمد) رواه الترمذي والإمام أحمد. وحدد القرآن مكان النكاح وهو القبل لأنه محل الحرث، والمكان الذي ينبت منه الولد، وحرم غيره، روي عن جابر بن عبد الله ﵄ أن اليهود قالوا للمسلمين فيمن أى امرأة وهي مدبرة - في قبلها. جاء ولده أحول، فأنزل الله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا انكم ملاقوه وبشر المؤمنين﴾ آية: ٢٢٣ من البقرة. فقال رسول الله ﷺ (مقبلة ومدبرة ما كان في المخرج) .
وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة بالزجر عن فعله وتعاطيه. فقد روي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (استحيوا إن الله لا يستحي من الحق، لا يحل لكم أن تأتوا النساء في حشوشهن) وروى الإمام أحمد عن خذيمة بن ثابت (أن رسول الله ﷺ نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها) (ومن طريق أخرى) أن رسول الله ﷺ قال: (استحيوا إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن) رواه النسائي وأبن ماجة من طريق خذيمة وروى الترمذي والنسائي عن أبن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا ينظر الله إلى رجل أى رجلاً، أو امرأة في الدبر) ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وقال عبد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر بن طاوس عن ابيه أن رواه النسائي عن طريق أبن المبارك عم عمر به نحوه - وقال عبد ايضاً في تفسيره: حدثنا إبراهيم عن الحاكم عن ابيه عن عكرمة قال، جاء رجل إلى أبن عباس وقال: كنات آتي أهلي في دبرها وسمعت قول الله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ فظننت أن ذلك لي حلال فقال: يا وكيع إنما قوله: ﴿فأتوا حرثم أنى شئتم﴾ قائمة، وقادعدة، ومقبلة، ومدبرة في أقبالهن لا تعدو ذلك إلى غيره، وروى الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا همام حدثنا قتادة، عن عمرو بن شعيبن عن أبيه عند جده أن النبي ﷺ قال: (الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطة الصغرى) .
وروي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ويقول: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل، والمفعول به، والنكاح يده وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وجامع بين امرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، ومؤذي جاره حتى يلعنه) .
وروى الإمام أحمد قال: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سهيل بن أبي صالح عن الحارث بن مخلد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا يظر الله إليه) .стр. 1951
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وروى النسائي عن أبي هريرة ﵁ قل: قال رسول الله ﷺ : (ملعون من أتى امرأته في دبرها) وفي رواية أخرى: (ملعون من أت النساء في أدبارهن) . قال النسائي: حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن أبي هريرة قال: (إتيان الرجال النساء في ادبارهن كفر) ثم رواه عن بندار عن عبد الرحمن به قال: من أتى امرأة في دبرها وتلك كفر) هكذا رواه النسائي من طريق الثوري عن ليث عن مجاهد عن أبي هريرية عن النبي ﷺ قال: (من أتى شيئاً من الرجال والنساء في ادبارهن فقد كفر) والمراد بالكفر في الحديث إنما هو كفر النعمة وهي النساء اللاتي احلهن الله . وروى أبن مسعود عن النبي ﷺ إنه قال: (محاش النساء حرام) . وقال الثوري عن الصلت بن بهرام عن أبي المعتمر عن أبي جويرية قال: سأل رجل علياً عن إتيان المرأة في دبرها فقال: سفلت سفل الله بك الم تسمع قول الله : ﴿أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ قال الإمام أبن كثير في تفسيره وقد تقدم قول أبن عباس، وأبن مسعود، وأبي الدرداي، وابي هريرة، وعبد الله بن عمرو، في تحريم ذلك، وهو الثابت بلا شك عن عبد الله بن عمرو ﵄ انه يحرمه، فقد روي إنه سئل عن ذلك فقال: وهل يفعل ذلك احد من المسلمين؟ وروي أن رجلاً سأل الإمام مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن قال: ما أنتم إلا قوم عرب هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟، لا تعدوا الفرج. قال: يا أبا عبد الله إنهم يقولن إنك تقول ذلك، قال يكذبون
علي) فهذا هو الثابت عنه رحمه الله تعالى. فقد اتفقت كلمة الأئمة جميعاً الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والمالكية من غير خلاف منهم، على تحريم هذا الفعل وشناعته وعدم جوازه بحال من الأحوال، في الزوجة والأمة وغيرهما، وهو قول سعيد بن المسيب، وابي سلمة، وعكرمةن وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر، والحسن البصري وغيرهم من السلف جميعاً أنكروا ذلك الفعل اشد الإنكار ومنهم من يطلق على فعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماءز ومما يدل على تحريم هذا العمل قول الله تعالى: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾ فإن معناه من فعل الطاعات مع امتثال ما أنهاكم عنه من ترك المحرمات التي نهيتكم عنها. لذلك قال: ﴿واتقوا الله واعلموا انكم ملاقوه﴾ أي اتقوا الله في اتيان نسائكم، فلا تأتوهن إلا في موضع الحرث وهو الفرج، فهو سيحاسبكم على اعمالكم جميعاً ومن جملتها هذا العمل المشين وقول الله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾ أي المطيعين لله تعالى فيما أمرهم، التاركين ما عنه زجرهم.
فإن قيل: قول الله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ يقتضي إباحة وطء النساء في أدبارهين، لورود الإباحة مطلقة غير مقيدة بشيء، ولا مخصوصة بمكان دون آخر.стр. 1952
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فالجواب على ذلك: أنه قال الله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ ثم قال تعالى: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ فأبانت هذه الآية الموضع المأمور به شرعاً، وهو موضع الحرث الذي يأتي منه الولد ولم يرد إطلاق الوطء بعد حظره إلا في موضع الولد، فهو مقصور عليه، دون غيره، وهو قاض مع ذلك على قوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم﴾ فكانت هذه الآية مرتبة على ما ذكر من حكم الحائض، فالآية التي في البقرة تدل على أن إباحة الوطء مقصورة على الجماع الجائز في الفرج دون غيره، لأنه موضع الحرث الذي نصت عليه الآية الكريمة حيث قال: ﴿فأتوا حرثكم﴾ وهو موضع الولد، قال أبو بكر الرازي الحصاص في كتابه (أحكام القرآن) عند ذكر إتيان النساء في أدبارهن: كان أصحابنا يحرمون ذلك، وينهون عنه، أشد النهي. وعن علي بن طلق ﵀ أنه قال: سمعت رسول للث ﷺ يقول: (لا تأتوا النساء في أستاههن، فإن الله لا يستحي من الحق) رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: حديث حسن. من هذا يتضح أن إتيان النساء في أدبارهن عمل شنيع، وجرم فظيع، لا يقره شرع، ولا يرضى به عاقل. ومفاسده لا تعد، ولا تحصى. بل ربما كان أخطر على الفرد والسر؟؟، والجماعات، من أي جناية أخرى غيرها من أنواع المحرمات، فليتق الله هؤلاء السفلة الذين يأتون نساءهم في أدبارهن، ويعملون عمل قوم لوط، ويظنون أنه جائز في الإسلام. نسأل الله تعالى الحفظ والعصمة عن الزلل.
حرمة وطء البهيمة
اختلف الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم في حد وطء البهيمة، بعد اتفاقهم على حرمتها وشناعتها.
الحنفية - قالوا: لا حد في هذه الفاحشة حيث إنه لم يرد شيء عن ذلك في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه. ولم يثبت ان الرسول ﷺ أقام الحد على من وقع في هذه الفاحشة. ولكن يجب عليه التعزير بما يراه الحاكم، من الحبس أو الضرب أو التوبيخ أو غير ذلك مما يكون زاجراً له ولغيره، عن ارتكابه.
المالكية - قالوا: إن حده كحد الزنا، فيلج البكر، ويرجم المحصن، وذلك لأنه نكاح فرج محرم شرعاً مشتهى طبعاً، مثل القبل، والدبر، فأوجب الحد كالزنا.
الشافعية - قالوا: عندهم ثلاثة آراء: أهرها، الحد كما قال المالكية، فحكمه مثل الزنا, القول الثاني: إنه يقتل بكراً، أو ثيباً، وذلك لما روي عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: (منوقع على بهيمة فاقتلوهن واقتلوا البهيمة) رواه غلإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي عن أبن عباس رقد روى هذا الحديث أبن ماجة في سننه، من حديث إبراهيم بن اسماعيل عن داود بنстр. 1953
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحصين عن عكرمة، عن أبن عباس أن رسول الله ﷺ قال: (من وقع على ذات محرم فاقتلوه، ومن وقع على بهيمة فاقتله، واقتلوا البهيمة) . القول الثالث: إنه يعزر، ولا حد فيه، حسب ما يراه الإمام موافقة لمذهب الحنفية.
الحنابلة - قالوا: يجب عليه الحد، وفي صفة الحد عندهم روايتان، إحداهما كاللواطة وثانيهما أنه يعزر، وهو الراجح عندهم، مثل قول الحنفية. ولعل هذه الأحكام تختلف باختلاف أحوال الناس في الدين، والورع كمالاً، ونقصاً، شباباً، وكهول، فيخفف عن الآراذل والشبان، وويشدد العقاب على أشراف الناس وكبارهم، بالحد أو القتل، على قاعدة - كل من عظمت مرتبته، عظمت صغيرته، وزاد عقابه جزاء فعله لآن حسنات الارار سيئات المقربين. وروي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (أربعة يصبحون في غضب الله ويمسون في سخط الله، قلت: من هم يا رسول الله؟ قال: المتشبهون من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، والذي يأتي البهيمة، والذي يأتي الرجال) رواه الطبراني ﵀.
حكم البهيمة الموطوءة
واختلف الأئمة في حكم البهيمة الموطوءة.
المالكية - قالوا: لا يجب قتلها سواء أكانت مما يؤكل لحمها، أم لا، وذلك لأنه لم يرد في الشرع شيء صريح في الأمر بذبحها وما ورد في رواية أبن عباس في المر بقتلها رواية ضعيفة ولا يعمل بها.
الحنفية - قالوا: إن كانت البهيمة ملكه يجب قتلها، وذلك حتى لا يتكلم الناس عليه كلما رأوها ذاهبة، وراجعة، فيقولون هذه التي فعل بها فلان، فيقعون في إثم الغيبة، وتسقط مكانة الفاعل عندهم، وبما يكون قد تاب من ذنبه، ولأن الرجل إذا رآها يميل إلى مواقعتها مرة ثانية، فكان من الأحوط قتلها. ولما أخرجه البيهقي عن أبن عباس ﵄ عن الرسول ﷺ أنه قال: (ملعون من وقع على بهيمة) وقال في رواية أخرى: (اقتلوه واقتلوها معه، لا يقال هذه التي فعل بها كذا وكذا) ومال اليهقي إلى تصحيحه لما رواه أبو يوسف بإسناده إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أنه أتي برجل وقع على بهيمة، عزره بالضرب، وأمر بلابهيمة فذبحت، وأحرقت بالنار. وإنما قتلها حتى لا تأتي بولد مشوه، ولا تؤكل بعد ذبحها لأن لحمها قد تنجس منه. وقد روي أن راعياً أتى بهيمة فولدت حيواناً مشوه الخلقة.
أما إذا كانت البهيمة ملكاً لغيره فلا يجب ذبحها.
الشافعية - عندهم روايتان - إحدهما: إن كانت البهيمة مما يؤكل لحمها ذبحت، وإلا فلا، لأن في قتلها إتلاف المال من غير فائدة، وذلك أمر منهي عنه.стр. 1954
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والرواية الثانية عندهم: ان البهيمة تعدم مطلقاًن سواء أكانت مما يؤكل لحمها أم لا، وذلك قطعاً للإشاعات، وستراً للفضيحن لن الله تعالى أمر بالستر على المسلم، فمن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة.
الحنابلة - قالوا: يجب ذبح البهيمة سواء أكانت ملكه أم لا، وسواء أكانت مما يؤكل لحمها أم لا، ويجبيب عليه ضمان قيمتها فيما إذا كانت البهيمة ملكاً لغيره، لأنه تسبب في إتلافها، ومن أتلف شيئاً فعليه ثمنه، عقوبة له وذلك خيفة الفضيحة على صاحب البهيمة، وعلى الفاعل فيها، لنه كلما رأوها ذكرتهم بهذه الفعلة الشنيعة.
حكم البهيمة بعد ذبحها
واختلف الأئمة في جواز أكل لحم البهيمة الموطوءة بعمد ذبحها.
الحنفية والحنابلة - قالوا: إن البهيمة إن كانت مما يؤكل لحمها، تحرق بالنار ولا يجوز أكلها.
المالكية - قالوا: يجوز الأكل منها بعد ذبحها فيأكل منها هو وغيره، من غير تحرج، لأنه لم يرد في الشرع دليل يحرم أكلها، فيبقى الحكم على الأصل، وهو الجواز.
الشافعية - عندهم روايتان: إحداهما جواز الأكل منها هو وغيره موافقة للمالكية رحمهم الله تعالى. الرواية الثانية عندهم: أنه يحرم أكلها عليه، وعلى غيره موافقة للحنفية والحنابلة وعلى الفاعل أن يضمن قيمتها لصاحبها إن كانت ملكاً للغير تأديباً له، وعقوبة على فعله المذموم شرعاً، وعقلاً.
الاستمناء باليد
ومن نكح يده - وتلذذ بها، أو إذا أتت المرأة المرأة وهو - السحاق، فلا يقام حد في هذه الصور بإجماع العلماء، لأنها لذة ناقصة، وإن كانت محرمة، والوجاب التعزير على الفاعل حسب ما يراه الإمام زاجراً له عن المنكر. والاستمناء باليد ذنب كبير، وإثم عظيم نهى عنه الشارع، وحذر منه الرسول ﷺ لما يترتب عليه من الأمراض الصحية والاجتماعية، وقد ورد أن صاحبه يأتي يوم القيامة ويده حبلى إذا مات ولم يتب من ذنبه.
قال تعالى في كتابه العزيز ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ فهذا بيان في ذكر حفظهم لفروجهم إلا على أزواجهم، أو ما ملكت أيمانهم من الإماء، وهذا يفيد تحريم ما سوى الأزواج وما ملكت الايمان، ويبن الله تعالى أن نكاح الازواج وما ملكت اليمن من شأن الآدمي، دون البهائم، ثم أكد ذلك بقوله تعال: ﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ فلا يحل اتعمل بالذكر، إلا في الزوجة أو في ملك اليمين، ولا يحل الاستمناء لأنه تعد على الفطرة فهذا يفيد حرمة الاستمناء باليد لأنه من شأن العادين على حدود الله تعالى الخارجين عنстр. 1955
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الفطرة الإنسانية، وقال تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله﴾ أي ليصبروا على الشهوة وكبح جماحها حتى يغنيهم الله من فضله ويسهل لهم طرق النكاح المشروع، فهي عادة قبيحة محرمة بالكتاب والسنة. وإن كان ذنبها أقل من الزنا، حيث أنه لم يترتب عليها ما يترتب على الزنا من الفساد واختلاط الأنساب.
المالكية - استدلوا على تحريم الاستمناء باليد بقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإن له وجاء) رواه أبن مسعود رضي الله تعالى عنه. وقالوا: لو كان الاستمناء باليد مباحاً في الشرع لأرشد إليه الرسول ﷺ لأنه أسهل من الصوم، ولكن عدم ذكره دل على تحريمه قال صاحب كتاب - سبل السلام - وقد أباح الاستمناء بعض الحنابلة، وبعض علماء الحنفية، إذا خاف على نفسه في الوقوع في الزنا - وهو رأي ضعيف لا يعتد به)
-стр. 1956
كتاب حد السرقة
-أما حد السرقة (١) فقد بينه الله تعالى بقوله في كتابه العزيز فقال: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهم جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم﴾ آية - ٣٧ - من سورة المائدة. الحواشي
(١) (حد السرقة من الحدود الثابتة بالكتاب والسنة، واجماع الأمة، فذكر الله تعالى حده في الآية الكريمة. وأمر بقطع يد السارق ذكراً كان، أو أنثى، عبداً، أو حراً، مسلماً، أو غير مسلم. صيانة للأموال وحفظاً لها. ولقد كان قطع يد السارق معمولاً به في الجاهيلة قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام أقره وزاد عليه شروطاً معروفة كالقسامة، والدية، وغيرهما من الأشياء التي ورد الشرع بتقريرها على ما كانت عليه في الجاهلية، وزيادات هي من تمام المصالح للإنسانية. ويقال: إن أول من قطع في الجاهلية اهل قريشن قطعوا رجلاً يقال له (دويك) مولى لبني عليج بن عمرو بن خزاعة لأنه سرق كنز الكعبة المشرفة، فحكموا عليه بقطع يده. وأول سارق قطعه رسول الله ﷺ في الإسلام من الرجال، الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء - مرة بنت سفينان بن عبد الأسد، من بني مخزوم، وقطع سيدنا أبو بكر يد (اليمنى) الذي سرق العقد، من أسماء بنت عميس زوج أبي بكر الصديق وكان اقطع اليد اليمنى، فقطع أبو بكر ﵁، يده اليسرى. وقطع سيدنا عمر بن الخطاب يد - أبن سمرة أخي عبد الرحمن بن سمرة، ولا خلاف في ذلك.
وقد لعن رسول الله ﷺ السارق الذي يبذل اليد الثمينة الغلية في الشياء الرخيصة المهينة، وقد اعترض بعضهم على هذا الحكم، وقال: كيف يحكم بقطع يد قيمتها في الدية خمسمائة دينار، في ثلاثة دراهم؟ وأجابوا عليه: بأن اليد لما كانت أمينة كانت ثمينة، ولما خانت هانت - وقالوا: إن ذلك من أسرار أحكام الشريعة الغراء لأن الشارع جعل قيمة اليد في باب الجنايات بخمسمائة دينار، حتى تحترم فلا يجنى عليها، اما في باب السرقة فلما خانت الأمانة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار، لئلا يسارع الناس في سرقة الأموالز ولهذا علل الله تعالى قطع اليد في السرقة بقوله ﴿جزاء بما كسبا نكالاً من الله﴾ أي تقطع مجازاة على صنيعها السيء في أخذها أموال الناس بأيديهم فناسب أن يقطع العضو الذي استعانا به على ذلك (نكالاً من الله) أي تنكيلاً من الله بهما على ارتكاب ذلك الفعل، وعبرة لغيرهما، فإن قطع اليد يفضح صاحبه طول حياته، ويجلب له الخزي والعار، ويسقطه في نظر المجتمع وهو أجدر العقوبات بمنع السرقة، وتأمين الناس على أموالهم، وأرواحهم، وأعراضهم.стр. 1957
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومعى الآية الكريمة - أن كلاً من السارق السارقة يجب قطع أيديهمان فإذا سرق الذكر حراً، أو عبداً تقطع يده، وإذا سرقت الأنثى تقطع يدها، لأن كلاً من الذنبين يقع من كل منهما، فأراد الله زجر كل منهما (والله عزيز) لا يغالب ولا يقهر (حكيم) فيما يفعله ويشرعه، فهو يضع الحدود والعقوبات بحسب الحكمة التي توافق المصلحة، وتطهر المجتمع من المنكرات والمفاسد، وتجلب له السعادة والأمان.
وذكر الله تعالى حد السرقة في كتابه العزيز ونص عليه ووضحه، كما ذكر حد الزنا أيضاً لأهمية كل منهما للمجتمع، ونص على ذكر الذكر والأنثى فيهما، وإن كانت الأحكام الشرعية مشتركة بينهما عند الإطلاق، وتغليب وصف الذكورة، وضمائرها في الكلام، إلا ما خص الشرع به الرجال، كالإمامة، والقتال للتأكيد، وحتى لا يظن ظان أن السرقة، والزنا، كما كان في الرجال أظهر كان الحد على الرجال دون النساء وإنما بدأ الله بذكر السارق، في هذه الآية قبل ذكر السارقة، وفي آية الزنى بدأ بذكر الزانية قبل الزاني، لأن حب المال عند الرجال أقلب من النساء، والسرقة تقع من الرجال أكثر من النساء، لذلك بدأ بذكر الرجال في حد السرقة ولما كانت شهوة الاستمتاع على النساء أغلب، فصدرها تقليظاً لتردع شهوتها، وإن كانت قد ركب فيها الحياء لكنها إذا زنت ذهب الحياء كله، ولأن الزنى في النساء أعز، وهو لأجل الحبل أضرن ولأن العار في النساء ألحق اذ موضعهن الحجب في البيوت، والصيانة في المنازل. فقد ذكرهن في آية الزنى تغليظاً، واهتماماً. وقد جعل الله تعالى حد السرقة قطع اليد وهو العضو الذي يتناول المال، وياخذه عقوبة له، ولم يجعل حد الزنى، قطع الذكر، مع أنه العضو الذي باشر الفاحشة به واتصل بالأنثى لآنه يوجد للسارق مثل اليد التي قطعت، فإن انزجر بها اعتاض بالثانية، ووجد عوضاً عنها، ولكن لا يوجد للزاني مثل ذكره، فإذا قطع لا يعتاض بغيره، ولا يجد عضواً يسد مسده. وأيضاً، لأن قطع الذكر فيه إبطال النسل وليس في قطع اليد إبطاله. فضرره على المجتمع أخطر، وقوله تعلى ﴿فاقطعوا﴾ القطع معناه الإبانة والإزالة، ولا يجب القطع إلا بوجود أوصاف تعتبر في السارق، وفي الشيء المسروق، وفي الموضع المسروق منه، وفي صفته. فأما ما يعتبر في السارق فخمسة أوصاف:
البلوغ - فلا يقطع الصبي إذا سرق لنه غير مكلف في نظر الشريعة.
العقل - فلا يقطع المجنون، لأن القلم مرفوع عنه حتى يفيق.
أن يكون غير مالك للمسروق منه، فلا يقطع الأب إذا سرق من مال ولده، ولا الولد إن سرق من مال أبيه.
وأن لا يكون له عليه ولاية، فلا يقطع العبد إن سرق من مال سيده، وكذلك السيد إن أخذ من مال عبده لا قطع بحال، لأن العبد وماله لسيده، ولم يقطع أحد بأخذ مال عبده، لأنه آخذ لماله.стр. 1958
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وأن لا يكون محارباً في دار الحرب - وأن يكون مختاراً غير مكره كالمجاهد إن سرق من مال الغنيمة، وقد روي أن عبداً من مال الخمس سرق من الخمس، فرفع إلى النبي ﷺ فلم يقطعه، وقال: (مال الله سرق بعضه بعضاً) ولا تقام الحدود في ميدان الجهاد.
وأما ما يعتبر في الشيء المسروق، فأربعة أوصاف:
- ١ - وهي النصاب. على اختلاف بين العلماء في مقداره، فلا يقطع من سرق أقل من النصاب.
- ٢ - وان يكون مما يتمول، ويتملك، ويحل بيعه، فلا يقطع من سرق الخمر، والخنرير، وآلات اللهو والطرب.
- ٣ - وأن لا يكون للسارق ملك، كمن سرق ما رهنه، أو ما استأجره، ولاشبهة ملك. كالذي يسرق من المغنم، أو من بيت المال، لأن له فيها نصيباً، وروي عن الإمام علي رضي الله تعالى عنه، أنه أتي برجل سرق مغفراً من الخمس، فلم ير عليه قطعاً وقال: له فيها نصيب.
أن يكون مما تصح سرقته كالعبد الصغير، والأعجمي الكبير، لأن ما لا تصح سرقته كالعبد الفصيح، فإنه لا يقطع فيه.
وأما ما يعتبر في الموضع المسروق منهن فوصف واحد. وهو الحرز لمثل ذلك الشيء المسروق، وجملة القول فيهن أن كل شيء له مكان معروف فمكانه حرزه، وكل شيء معه حافظ فحافظه حرزهن فالدور، والمنازل، والحوانيت حرز لما فيها، غاب عنها أهلها، أو حضروا، وكذلك بيت المال حرز لجماعة المسلمين، والسارق لا يستحق فيه شيئاً، وإن كان قبل السرقة ممن يجوز أن يعطيه الإمام، وإنما يتعين حق كل مسلم بالعطية، الا ترى أن الإمام قد يجوز ان يصرف جميع المال إلى وجه من وجوه المصالح، ولا يفرقه في الناس أو يفرقه في بلد دون بلد آخر، ويمنع منه قوماً دون قوم ففي التقدير أن هذا السارق مما لا حق له فيه، فيقطع إذا سرق منه. وظهور الدواب حرز لما حملت، وأفنية الحوانيت حرز لما وضع فيها في موقف البيع، وإن لم يكن هناك حانوت، كان معه أهله، ام لا، سرقت بليل، أو نهار. وكذلك موقف الشاة في السوق، مربوطة، أو غير مربوطة، والدواب على مرابطها محرزة كان معها أصحابها، أم لا، فإن كانت الدابة بباب المسجد، أو في السوق لم تكن محرزة إلا أن يكون معها حافظ، ومن ربطها بفنائها، أو اتخذ موضعاً مربطاً لدوابه، فإنه حرز لها.
والسفينة حرز لما فيها من المتاع والمال، سواء كانت سائبة أم مربوطة، فإن سرقت السفينة نفسها فهي كالدابة، إن كانت سائبة فليست بمحرزة، وإن كان صاحبها ربطها في موضع وأرساها فيه، فربطها حرر، وهكذا، إن كان معها أحد حيثما كانت فهي محرزة، كالدابة التي بباب المسجد ومعها حافظ لها. إلا أن ينزلوا بالسفينة منزلاً في سفرهم فيربطوها فهو حرز لها كان معها صاحبها، ام لا. والساكنون معاً في دار واحدةن كالفنادق التي يسكن كل رجل بيته على حدة، أو عمارة الطلابстр. 1959
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) التي يسكن فيها كل طالب منهم في حجرة مستقلة، يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا ضبط وقد خرج بسرقته إلى قاعة الدار، وإن لم يدخل بها بيته، ولا خرج بها من الدار. أما من سرق منهم من قاعة الدر شيئاً قيمته نصاب فلا يقطع فيه، وإن أدخله بيته، أو أخرجه من باب الدار، لأن قاعتها مباحة للجميع للبيع والشراء، إلا أن تكون دابة في مربطها، أو دراجة مربوطة، أو ما يشبهها من المتاعن فإنه يقطع فيها في هذه الحال
تعريف السرقة وأركانها.
واركان السرقة ثلاثة، لا بد منها، سارق، ومسروق، وسرق، ولكل منهم شروط كما سبق. والسرقة: أخذ العاقل، البالغ نصاباً محرزاً، أو ما قيمته نصاب، ملكاً للغير، لا ملك له فيه ولا شبهة ملك على وجه الخفية، مستتراً من غير أن يؤتمن عليهن وكان السارق مختاراً غير مكره، سواء أكان مسلماً، أم ذمياً، أو مرتداً، ذكراً، أو أنثى، حراً، أو عبداً. إذا وجدت هذه الشروط وجب إقامة الحد، وهو قطع يد السارق اليمنى إن كانت سليمة، فاما إن كانت مقطوعة' أو مشلولة، فإنه تقطع اليد اليسرى، وذلك فإجماع آراء علماء الأمة من غير خلاف منهم، وذلك لأن المال محبوب إلى النفوس، تميل إليه الطباع البشريةن خصوصاً عند الضرورة، والحاجة، ومن الناس من لا يردعهم عقل، ولا يمنعهم الحياء ولا تذجرهم الديانة، ولا تردهم المروءة والأمانة، فلولا الزواجر الشرعيةن من القطع والصلب ونحوهما، لبادروا إلى اخذ الأموال مكابرة من أصحابها على وجه المجاهرة أو خفية على وجه الاستمرار، وفيه من الفساد ما لا يخفى، فناسب شرع هذه الزواجر في حق المستمر والمكابر، في سرقتي الصغرى، والكبرى، حسماً لباب الفساد، وأصلاحاً لأحوال العباد. والعبد والحر في القطع سواء، لإطلاق النصوص، ولأن القطع لا يتنصف، فيكمل في العبد صيانة لموال الناس.
مقدار النصاب
الحنفية - قالوا: نصاب حد السرقة، دينار، أو عشرة دراهم، مضروبة غير مغشوشة، أو قيمة احداهما، وقيل: إن غير الدراهم تعتبر قيمته بالدراهم وإن كان ذهباً ويشترط ان تكون رائجة، واستدلوا على ذلك بما نقل عن أبن عباس، وأبن أم أيمن ﵄، قالا: كانت قيمة الممجن الذي قطع فيه على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم - وما رواه عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن) وكان ثمن المجن عشرة دراهم، قالوا: فهذا أبن عباس، وعبد الله بن عمرون قد خالفا أبن عمر في ثمن الممجن، فالاحتياط الأخذ بالأكثر، لأن الحدود تدرأ بالشبها، وفي الأقل شبهة عدم الجنايةن وعلى هذا فالأخذ بالأكثر أولى، وهة أدخل في باب التجاوز والصفح عن يسير المال، وشرف العضو.стр. 1960
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المالكية - قالوا: نصاب حد السرقة ثلاثة دراهم مضروبة خالصة، فمتى سرقها، أو مما يبلغ ثمنها فما فوق من العروض والحيوان وجب إقامة الحد عليه، وقطع يده، واحتجوا على ذلك بما روي عن نافع عن أبن عمر رضي الله تعالى عنهم، ان رسول الله ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم، كما اخرجه الصحيحان البخاري، ومسلم - قال الإمام مالك ﵀: وقطع عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، في أترجة قومت بثلاثة دراهم، وهو أحب ما سمعت في ذلك، وهذا الأثر عن سيدنا عثمان ﵁ قد رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن ابيه، عن عروة بنت عبد الرحمن، أن سارقاً سرق في زمن سيدنا عثمان، أترجة فأمر بها عثمان ان تقوم فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثن عشر درهماً بدينار، فقطع عمان يده، قال المالكية: ومثل هذا الصنع يشتهر، ولم يكر فمن مثله يحكى الإجماع السكوتي، قالوا وفيه دليل على جواز القطع في الثمار، وعلى اعقبار ثلاثة دراهم في نصاب حد السرقة، فإن لم يساوها ولو ساوى ربع دينار لا يقطع.
الشافعية - قالوا: نصاب السرقة ربع دينار، أو ما يساويه من الدراهم، والأثمان، والعروض، فصاعداً، فالأصل في تقويم الأشياء هو الربع دينار، وهو الأصل ايضاً في الدراهم فلا يقطع في الثلاثة دراهم إلا أن تساوي ربع دينار، واستدل الشافعية على مذهبهم بما أخرجه الشيخان، البخاري، ومسلم، عن طريق الزهري، عن عمرة، عن عائشة ﵂، ان رسول الله ﷺ قال: (تقطع يد السارق في ربع ديار فصاعداً) متفق عليه ولمسلم عن طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقطع يد السارق، إلا في ربع دينار فصاعداً) قال الشافعية: فهذا الحديث فاصل في المسألة، ونص في اعتبار ربع الدينار، لا ماسواه، قالوا: وحديث ثمن المجن، وإن كان ثلاثة دراهم. لا ينافى هذا، لأنه اذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهماً، فهي ثمن ربع دينار، فأمكن الجمع بهذا الطريق، ويروى هذا المذهب عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم، وبه يقول عمرو بن عبد العزيز، والليث بن سعد، والأوزعي، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، رحمة الله تعالى عليهم أجمعين. قالوا: والراجح من الآراء ان قيمة المجن ثلاثة دراهم لما ورج من حديث أبن عمر المتفق عليه عند المحدثين، ولأن باقي الأحاديث المخالفة له، لا تساويه في الصحة. وقال أبن العربي: ذهب سفيان الثوري، مع جلالته في الحديثن إلى أن القطع في حد السرقة، لا يكون إلا في عشرة دراهم - كما هو مذهب الحنفية - وذلك ان اليد محرمو بالإجماع، فلا تستباح إلا بما أجمع عليه العلماء، والعشرة متفق على القطع بها عند الجميع، فيستمسك به، ما لم يقع الاتفاق على دون ذلك.
الحنابلة - قالوا: إن كل واحج من ربع الدينار، والثلاثة دراهم مراد شرعي، فمن سرق واحداً منهما، أو ما يساويه قطع، عملاً بحديث أبن عمرن وعملاً بحجيث عائشة رضي الله تعالى عنهما، ووفع في لفظ عن الإمام أحمد، عن عائشة ﵂، ان رسول الله ﷺ قال: (اقطعوا في ربعстр. 1961
أي اقطعوا اليد من كل واحد سرق، سواء كان رجلاً أو امرأة (١) الحواشي
(١) (محل القطع. اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى، على أن السارق إذا وجب عليه القطع، وكان ذلك اول سرقة له، وأول حد يقام عليه بالسرقة، وكان صحيح الأطراف فإنه يبدأ بقطع يده اليمنى، مع مفصل الكف، ثم تحسم بالزيت المغلي، وذلك لأن السرقة تقع بالكف مباشرة، والساعد والعضد يحملان الكف كما يحملهما معها البدن، والعقاب إنما يقع على العضو المباشر للجريمة، وإنما تقطع اليمنى أولاً لأن التناول يكون بها في غالب الأحوال، إلا ما شذ عند بعض الأفراد. ولأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه فعل ذلك حينما قطع يد المخزومية، وغيرها ممن أقام عليهم حد السرقة، وقراءة عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه تبين الإجمال في آية السرقة، وتوضح المراد من الأيدي، فإنه قرأ، (فاقطعوا أيمانهما) وهذا الحكم بإجماع المة من غير خلاف منهم. فإن عاد وسرق مرة ثانية، ووجب عليه القطع، تقطع رجله اليسرى، من مفصل القدم ويكوى محل القطع بالنار لينقطع نزيف الدم، أو يغمس العضو المقطوع في الزيت المغلي، كما أمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وكما فعل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
فقد روي أن النبي ﷺ امر بقطع يد السارق من الزند، وقال لأصحابه (فاقطعوه واحسموه) ولأنه إذا لم يحسم العضو يؤدي إلى التلف، لأن الدم لا ينقطع إلا به، والاحد زاجر غير متلف، ولهذا لا يقطع وقت الحر الشديد، لأنه يؤذي السارق، ثم اختلف الأئمة فيما إذا عاد وسرق مرة ثالثة، أيقطع ام لا؟
الحنفية - قالوا: فإن عاد وسرق بعد أن قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى يقف إيقاع الحد ولا يجب عليه القطع في المرة الثالثة، بل يضمن السرقة، ويحبس ويضرب حى يتوب عن السرقة، والأصل أن حد السرقة شرع زاجراً لا متلفاً، لأن المحدود شرعتم للزجر عن ارتكاب الكبائر، لا متلفة للنفوس المحترمة، فكل حد يتضمن إتلاف النفس من كل وجه، أو من وجه واحد لم يشرع حداً، وكل قطع يؤدي إلى إتلاف جنس المنفعة كان إتلافاً للنفس من وجه، فلا يشرع، وقطع اليد اليسرى في المرة الثالثة، والرجل اليمنى في المرة الرابعة يؤدي إلى إتلاف جنس منفعة البطش والمشي، فلا يشرعстр. 1962
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حداً، وإليه الإشارة بقول علي رضي الله تعالى عنه: إني استحي من الله أن لا أدع له يداً يأكل بها، ويستنجي بها، ورجلاً يمشي عليها (وبهذا حاج بقية الصحابة فحجهم فانعقد اجماعاً - جماعاً) . وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أنه أي برجل أقطع اليد، والرجل قد سرق يقال له (سدوم) فأراد أن يقطعه، فقال له على بن أبي طالب كرم الله وجهه: إنما عليه قطع يد ورجل، فحبسه عمر رضي الله تعالى عنه ولم يقطعه، ففتوى على، ورجوع عمر ﵄ إليه من غير نكير، ولا مخالفة من غيرهما دليل على إجماعهم عليه، أو أنه كان شريعة عرفوها من رسول الله ﷺ ، وهذا بخلاف القصاص، لأنه حق العبد، فيستوفى جبراً لحقه - ولأنه نادر الوجود، فيندر أن يسرق الإنسان بعد قطع يده، ورجله، والحد لا يشرع إلا فيما يغلب. وما روي من الحديث في قطع اربعة السارق، طعن في الطحاوي رحمه الله تعالى - أو نقول: لو صح لا حتج به الصحابة، على الإمام على ﵁، ولرجع إليهم، وحيث أنه قد حجهم ورجعوا إلى قوله من غير معارضة منهم، جل على عدم صحته.
فإن كانت يده اليمنى ذاهبة، أو مقطوعة، تقطع رجله اليسرى من المفصل، وإن كانت رجله اليسرى مقطوعة، فلا قطع عليه، لما فيه من الاستهلاك، على ما بينا، وضمن السرقة، ويحبس حتى يتوب. وإن كان اقطع اليد اليسرى أو امثلها، أو ابهامها، أو إصبعين سواها، وفي رواية ثلاث أصابع، أو اقطع الرجل المينى، أو اشلها، أو بها عرج يمنع المشي عليها فلا تقطع يده اليمنى ولا رجله اليسرى. والحاصل: أنه متى كان بحال لو قطعت يده اليمنى لا ينتفع بيده اليسرى، أو لا ينتفع برجله اليمنى لآفة كانت قبل القطع، لا يقطع، لأن فيه تفويت جنس المنفعة بطشاً، أو مشياً، وقوام اليد بالإبهام فعدمها أو شللها كشلل جميع اليد، ولو كانت اصبع واحدة سوى الإبهام مقطوعة، أو شلاء، قطع، لان قوات الواحدة لا يوجب نقصاً ظاهراً، في البطش، بخلاف الأصبعين لأنهما كالإبهام في البطش، ولو كانت اليد اليمنى شلاء شللاً جزئياً، أو ناقصة الأصابع يقطع في ظاهر الراوية.
المالكية والشافعية - قالوا: إذا سرق السارق أولاً قطعت يده اليمنى من مفصل الكف، ثم حسمت بالنار أو الزيت المغلي، فإذا سرق الثانية، قطعت رجله اليسرى، من المفصل، ثم حسمت بالنار، ثم إذا سرق الثالثة قطعت يده اليسرى، من مفصل الكف، ثم حسمت بالنار، فإذا سرق الرابعة قطعت رجله اليمنى من المفصل، ثم حسمت بالنار، ثم إذا سرق الخامسة، حبس، وعزر، ويعزر كل من سرق إذا كان سارقاً من حيث يدرأ عنه القطع، فإذا درأ عنه القطع لشبهة، عزر حسب مايراه الإمام زاجراً له عن ارتكاب الجريمة وكيفية القطع، ان يجلس ويضبط ثم تمد يدخ بخيط حتى يبين مفصله، ثم تقطه بحديدة حادةстр. 1963
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثم يحسم، وإن وجد ارفق، وأمكن من هذا قطع به، لأنه إنما يراد به غقامة المحد، لا التلف، ولهذا لا يقطع السارق، ولا يقام حد، دون القتل على امرأة حبلى، ولا مريض دنف، ولا بين المرض، ولا في يوم مفرط البرد، ولا في يوم شديد الحر، ولا في أسباب التلف - ومن أسباب التلف الي يترك إقامة الحد فيها إلى البرء، ان تقطع يد السارق فلا يبرأ حتى يسرق فيؤخر حتى تبرأ يده، ومن ذلك ان يجلد الرجل فلا يبرأ جلده حتى يصيب حداً، فيترك حتى يبرأ جلده، وكذلك كل قرح أو مرض أصابه. وحجتهم في جواز القطع في المرة الثالثة والرابعة ما روي من محديث جابر بن عبد اله ﵄ (أن النبي ﷺ أي بعبد سرقن فقطع يده اليمنى، ثم أي به في الثانية فقطع رجله، ثم أتي به في الثالثة، فقطع يده اليسرى، ثم أتي به في الرابعة فقطع رجله اليمنى. وأخرج الدارقطني من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال في السارق: (إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله) .
وبما روي عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال: أخبرنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن ابيه ان رجلاً من أهل اليمن أقطع اليد والرجل، قدم على أب بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فشكا إليه أن عامل اليمن، طلمه فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر: وأبيك ما ليلك بليل سارق، ثم إنهم افتقدوا حلياً لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر، فجعل الرجل يطوف معهم ويقول: اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاء، فاعترف به الأقطع، أو شهد عليه، فأمر أبو بكر ﵁ فقطعت يده اليسرى، وقا أبو ذر: (والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي من سرقته) . قال الشافعي ﵀: فبهذا نأخذ، فإذا سرق أولاً قطعت يده اليمنى، من مفصل الكف، ثم حسمت بالنار، فإذا سرق الثانية قطعت رجله اليسرى من المفصل ثم حسمت بالنار، ثم إذا سرق الثالثة قطعت يده اليسرى من مفصل الكف ثم حسمت بالنار، فإذا سرق الرابعة قطعت رجله اليمنى من المفصل ثم حسمت بالنارن فإذا سرق الخامسة، حبس وعزر، قال أبن المنذر: (ثبت عن أبي بكر وعمر أنهما قطعا اليد بعد اليدن والرجل بعد الرجل) واحتج الحنفية على قولهم بعدم جواز القطع في الثالثةن وإنما يجب حبسه وتعزيره، وغرامتهن بما رواه اليهقي من حديث علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال بعد أن قطع رجله وأتي به في المرة الثالثة: (بأي شيء يتمسح، وبأي شيء يأكل) لما قيل له يقطع يده اليسرى، ثم قال: أقطع رجله على أي شيء يمشي؟ إني لأستحي من الله ، ثم ضربه، وأدخله السجن) - وهو تكريم لابن آدم، وتعظيم لحرمته على حرمة المال. وقد أجاب المالكية والشافعية عن هذا الدليل: بأن هذا الرأي لا يقاوم النصوص، وإن كان المنصوص فيه ضعيف كما قال الحنفية، فقد عاضدته الروايات الأخرى، الواردة بهذا المعنى.стр. 1964
قوانين المعاملات في الإسلام
-واعلم أن الشريعة الإسلامية قد وضعت قوانين المعاملات، وفصلتها أحسن تفصيل، فوضعت نظماً للبيع، والشراء، والرهن، والاجارة، والشركة والشفعة، ووعضت قوانين للاقتصاد، والتجارة، والزراعة، والصناعة، ولم تترك شيئاً إلا وضعت له نظاماً مبنياً على مصلحة النوع الإنساني، وترقية حاله، ورفع الخصومات من بين الناس وتوطيد علائق الثقة فيما بينهم، ونزع العداوة والبغضاء من قلوبهم، وحفظ حقوق الضعفاء، ورفع الحيف عنهم، وقد أخذ المجتهدون من النصوص التي جاء بها الكتاب الكريم، أو السنة الصحيحة، ما فيه مصالح الناس، التي اقتضتها حادثات الأزمنة المختلفة، فكان للمسلمين أعظم ثروة فقهية يمكنهم أن يجعلوها اصلاً لكل قانون صالح ينتفع به المجتمع، وتقوم عليه دعائم العمران، وتسعد به الشعوب والأمم سعادة حقيقية، ومع هذا فإنها لم تضع عقوبات خاصة لمن خالف قوانين المعاملات المالية، بل تركت أمر هذه العقوبات للحاكم، ليضع لها ما يناسب كل زمان ومكان، وهذا هو باب التعزير، فقد جعلت الشريعة للحاكم سلطة يضع بها العقوبات التي تليق بمن يخالف أمر الشريعة، أو نهيها، بحسب اليئات والزمنة، وبحسب ما يترتب على مخالفتها
الحواشي
(١) فإذا ذهب محل القطع من غير سرقة، بأن كانت اليد اليمنى شلاء، ينتقل القطع إلى اليد اليسرى، وقيل إلى الرجل اليمنى.
الحنابلة - قالوا: في إحدى الروايات عنهم ان السارق لا يقطع في الثالثة موافقة لمذهب الحنفية، مراعاة لحرمة المؤمن وأن منزلته أعظم من المال وتخفيفاً من الشرع على عباده. وفي رواية أخرى عنهم: أن السارق تقطع يده اليسرى في المرة الثاثلة فإن عاد تقطع رجله اليمنى في المرة الرابعة موافقة منهم لمذهب المالكية والشافعية، لأنهم يراعون حرمة المال والتشديد على المنحرفين، السارقين، المفسدين في الأرض. وقال بعض العلماء: إن السارق في المرة الخامسة يقتل، حتى يكون عبرة لغيره ولا يحبس ويغرم، واحتجوا على مذهبهم بحديث خرجه النسائي عن الحارث بن حاطب أن رسول الله ﷺ أتي بلص فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول الله إنما سرق قال: (اقتله) قالوا: يا رسول الله إنما سرق قال: (اقطعوا يده) ٩ قال: ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق على عهد أبي بكر ﵁ حتى عطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضاً (الخامسة) فقال أبو بكر ﵁: كان رسول الله ﷺ أعلم بهذا حين قال: (اقتلوه) ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه، فيهم عبد الله بت الزبير، ﵁ وكان يحب الامارة، فقال: (أمروني عليكم فأمروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه) وبحديث جابر أن النبي ﷺ أمر بسارق في الخامسة قال: (اقتلوه) فال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فرميناه في بئر ورمينا عليه الحجارة)
-стр. 1965
من الشر والفساد، ما عدا السرقة فإنها قد وضعت لها الحد الذي سمعته (١) . الحواشي
(١) اتفق الأئمة الربعة - على أن حد السرقة يثبت على السارق بشهادة رجلين شاهدين عدلين كشائر الحقوق، واتفقوا - على أنه يثبت أيضاً بإقرار الحر، واعترافه باقتراف الذني.
الحنفية، المالكية، والشافعية - قالوا: يثبت الحد، بإقرار البالغ مالعاقل ولو مرة واحدة، لأنه لا تهمة فيه، كسائر الحقوق التي تثبت بالإقرار مرة واحدة. فلا حاجة إلى الإقرار مرة ثانية كالقصاص، وحد القذف، والتنبيه في الشهادة منصوص عليه، فلا يقاس عليه الإقرار، ولأنه يفيد تقليل تهمة الكذب، ولا كذلك الإقرار، لأن المقر لا يتهم بالكذب على نفسه، واشترط الزيادة في الزنى على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النص، على أن الإقرار الأول إما صادق فبالثاني لا يفيد شيئاً إذ لا يزداد صدقاً، وإما كاذب فبالثاني لا يصير صدقا"ً، فظهر أنه لا فائدة في تكراره.
الحنابلة، وأبو يوسف من الحنفية - قالوا: يثبت بلإقراره مرتين، والإقرار مرة واحدة لا يثبت الحد. واحتجوا بما روي عن أبي أمية المخزمي رض الله عنه أنه قال: أتي الرسول صولات الله وسلامه عليه بلص قد اعترف اعترافاً، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله ﷺ : (ما أخالك سرقت) قال: بلى يا رسول الله فأعادها عليه مرتين أو ثلاثا، فأمر به فقطع، وجيء به فقال له: استغفر الله وتب إليه، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال الرسول ﷺ : (اللهم تب عليه ثلاثاً) أخرجه ا؛ مد والنسائي، وأبو داود واللفظ له، ورجله ثقات، ويجب على القاضي أن يلقن المقر الرجوع احتياطاً للدرء، فقد روي أن النبي ﷺ أتي بسارق فقال له: (أسرقت؟ مأخاله سرق) . وإذا رجع المقر عن إقراره صح في القطع، لأنه خالص حق الله تعالى فلا يكذب فيه، ولكن لا يصح الرجوع في المال، لأن صاحبه يكذبه، واشترطوا أن يكون الإقراران في مجلسين مختلفين لأنه إحدى الحجتين فيعتبر الأخرى وهي الينة. واسند الطحاوي إلى سيدنا علي كرم الله وجهه أن رجلاً أقر عنده بسرقة مرتين، فقال له: قد شهدت على نفسك شهادتينن فأمر أن تقطع يده، فعلقها في عنقه. وأما المعنى فإلحاق الإقرار بها، بالشهادة عليها في العدد، فيقال: حد فيعتبر عدد الإقرار به بعدد الشهود، نظيره إلحاق الإقرار في حد الزنا في العدد، بالشهادة فيه. فلو شهد على السارق رجل وامرأتان ثبت عليه المال، فيجب أن يرده أو قيمتهن ولكن لا يجب القطع لعيه لأن شهادة النساء لا تقبل في الحدود.
كيفية الشهادة
قالوا: وينبغي للإمام أن يسأل الشاهدين عند أداء الشهادة عن كيفية السرقة، أي كيف سرقследующие страницы →