Полный текст (2 230 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ويندب أيضاً الغسل للعيدين بالكيفية المذكورة في صحيفة ١٠٨، وما بعدها، فارجع إليها إن شئت، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وقال الحنفية: إنه سنة.
ويندب التطيب والتزين يوم العيد، أما النساء فلا يندب لهن ذلك إذا خرجن لصلاة العيد خشية الافتتان بهن، أما إذا لم يخرجن فيندب لهن ما ذكر، كما يندب للرجال الذين لم يصلوا العيد، لأن الزينة مطلوبة لليوم لا للصلاة، وذلك متفق عليه، إلا أن الحنفية قالوا: إنه سنة لا مندوب.
ويندب أن يلبس الرجال والنساء أحسن ما لديهم من ثياب، سواء كانت جديدة أو مستعملة، بيضاء، أو غير بيضاء باتفاق، إلا أن المالكية قالوا: يندب لبس الجديد، ولو كان غيره أحسن منه، والحنفية قالوا: لبس الجديد سنة لا مندوب.
ويندب أن يأكل قبل خروجه إلى المصلى في عيد الفطر، وأن يكون المأكول تمراً ووتراً - ثلاثاً، أو خمساً - وأما يوم الأضحى فيندب تأخير الأكل حتى يرجع من الصلاة.
ويندب أن يأكل شيئاً من الأضحية إن ضحى، فإن لم يضح خير بين الأكل قبل الخروج وبعده عند الحنابلة، والحنفية، أما الشافعية، والمالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
ويندب لغير الإمام أن يبادر بالخروج إلى المصلى بعد صلاة الصبح، ولو قبل الشمس باتفاق ثلاثة، وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) ، أما الإمام فيندب له تأخير الخروج إلى المصلى، بحيث إذا وصلها صلى ولا ينتظر.
ويندب يوم العيد تحسين هيئته بتقليم الأظافر وإزالة الشعر والأدران (٣) .
ويندب أن يخرج إلى المصلى ماشياً، وأن يكبر في حال خروجه جهراً، وأن يستمر على تكبيره إلى أن تفتح الصلاة، وهذا متفق عليه، إلا أن الحنفية قالوا: الأفضل أن يكبر سراً (٤) . والمالكية قالوا: يستمر على التكبير إلى مجيء الإمام. أو إلى أن يقوم إلى الصلاة، ولو لم يشرع فيها، والقولان متساويان، أما الإمام قيستمر على تكبيره إلى أن يدخل المحراب.
ويندب لمن جاء إلى المصلى من طريق أن يرجع من أخرى. الحواشي
(١) المالكية والشافعية قالوا: يندب تأخير الأكل في عيد الأضحى مطلقاً ضحى أم لا(٢) المالكية قالوا: يندب لغير الإمام أن يخرج بعد طلوع الشمس إن كان منزله قريباً من المصلى، وإلا خرج بقدر ما يدرك الصلاة مع الإمام(٣) الحنابلة قالوا: يندب ذلك لكل مطالب بالصلاة، وإن لم تكن صلاة العيد(٤) الحنفية قالوا: إن السنة تحصل بالتكبير مطلقاً، سواء كان سراً أو جهراً، إلا أن الأفضل يكبر سراً على المعتمدстр. 317
ويندب أيضاً أن يظهر البشاشة والفرح في وجه من يلقاه من المؤمنين، وأن يكثر من الصدقة النافلة بحسب طاقته، وأن يخرج زكاة القطر إذا كان مطالباً بها قبل صلاة العيد وبعد صلاة الصبح.
المكان الذي تؤدي فيه صلاة العيد
تؤدي صلاة العيد بالصحراء، ويكره فعلها في المسجد من غير عذر، على تفصيل في المذاهب، فانظره تحت الخط (١) .
ومتى خرج الإمام للصلاة في الصحراء ندب له أن يستخلف غيره ليصلي بالضعفاء الذين يتضررون بالخروج إلى الصحراء لصلاة العيد بأحكام المتقدمة: لأن صلاة العيد يجوز أداؤها في موضعين (٢) . الحواشي
(١) المالكية قالوا: يندب فعلها بالصحراء ولا يسن، ويكره فعلها في المسجد من غير عذر إلا بمكة، فالأفضل فعلها بالمسجد الحرام لشرف البقعة، ومشاهدة البيت.
الحنابلة قالوا: تسن صلاة العيد بالصحراء بشرط أن تكون قريبة من البنيان عرفاً، فإن بعدت عن البنيان عرفاً، فلا تصح صلاة العيد فيها رأساً، ويكره صلاتها في المسجد بدون عذر إلا لمن بمكة، فإنهم يصلونها في المسجد الحرام، كما يقول المالكية.
الشافعية قالوا: فعلها بالمسجد أفضل لشرفه إلا لعذر كضيفه؛ فيكره فيه للزحام، وحينئذ يسن الخروج للصحراء.
الحنفية: لم يستثنوا مسجد مكة من المساجد التي يكره فعلها فيها؛ ووافقوا الحنابلة والمالكية فيما عدا ذلك(٢) المالكية قالوا: لا يندب أن يستخلف الإمام من يصلي بالضعفاء؛ ولهم أن يصلوا، ولكن لا يجهرون بالقراءة، ولا يخطبون بعدها، بل يصلونها سراً من غير خطبة، وصلاة العيدين كالجمعة تؤدي في موضع واحد، وهو المصلى مع الإمام متى كان الشخص قادراً على الخروج لها. فمن فعلها قبل الإمام لم يأت بالسنة على الظاهر، ويسن له فعلها معه. نعم إن فاتته مع الإمام ندب له فعلها، كما تقدمстр. 318
مكروهات صلاة العيد
يكره التنفل للإمام والمأموم قبل صلاة العيد وبعدها على تفصيل (١) .
وهناك مندوبات ومكروهات أخرى زادها المالكية؛ والشافعية، والحنفية؛ فانظرها تحت الخط (٢) .
الأذان والإقامة غير مشروعين لصلاة العيد
لا يؤذن لصلاة العيدين، ولا يقام لها، ولكن يندب أن ينادي لها بقول: "الصلاة جامعة" باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف المالكية، فقالوا: النداء لها بقول: "الصلاة جامعة" ونحوه مكروه أو خلاف الأولى، وبعض المالكية يقول: إن النداء بذلك لا يكره إلا إذا اعتقد أنه مطلوب. وإلا فلا كراهة. الحواشي
(١) المالكية قالوا: يكره التنفل قبلها وبعدها إن أديت بالصحراء كما هو السنة، وأما إذا أديت بالمسجد على خلاف السنة فلا يكره التنفل لا قبلها ولا بعدها.
الحنابلة قالوا: يكره التنفل قبلها بالموضع الذي تؤدي فيه، سواء المسجد أو الصحراء.
الشافعية قالوا: يكره للإمام أن يتنفل قبلها بعدها، سواء كان في الصحراء أو غيرها، وأما المأموم فلا يكره له التنفل قبلها مطلقاً ولا بعدها إن كان ممن لم يسمع الخطبة لصمم أو بعد وإلا كره.
الحنفية قالوا: يكره التنفل قبل صلاة العيد في المصلى وغيرها. ويكره التنفل بعدها في المصلى فقط، وأما في البيت فلا يكره(٢) المالكية قالوا: يندب الجلوس في أو الخطبتين وبينهما في العيد وأما في خطبة الجمعة فيسن، ولو أحدث في أثناء خطبتي العيدين فإنه يستمر فيهما ولا يستخلف، بخلاف خطبتي الجمعة، فإنه إن أحدث فيهما يستخلف.
الشافعية قالوا: إن خطبتي الجمعة يشترط لها القيام والطهارة وستر العورة، وأن يجلس بينهما قليلاً؛ بخلاف خطبتي العيدين، فلا يشترط فيهما ذلك، بل يستحب.
الحنفية قالوا: يكره أن يجلس قبل الشروع في خطبة العيد الأولى، بل يشرع في الخطبة بعد الصعود، ولا يجلس، بخلاف خطبة الجمعة، فإنه يسن أن يجلس قبل الأولى قليلاًстр. 319
حكم خطبة العيدين
خطبتا العيدين سنة باتفاق، إلا عند المالكية، فإنهم يقولون: إنهما مندوبتان لا سنة، وقد عرفت أن الحنابلة، والشافعية لا يفرقون بين المندوب والسنة، فهم مع المالكية الذين يقولون: إن الخطبتين المذكورتين مندوبتان، ومع الحنفية الذين يقولون: إنهما سنة، ومع ذلك فإن لهما أركاناً وشروطاً كخطبتي الجمعة وإليك بيان أركانهما وشروطهما.
أركان خطبتي العيدين
لا توجد حقيقة خطبتي العيدين إلا إذا تحققت أركانهما، هي كأركان خطبتي الجمعة إلا في الافتتاح، فإنهما يسن افتتاحهما بالتكبير، وقد ذكرنا عدد التكبير المطلوب في كيفية صلاة العيدين، فارجع إليه. أما خطبة الجمعة فإنها تفتتح بالحمد، وقد ذكرنا أركان الخطبتين عند كل مذهب تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: خطبة العيدين كخطبة الجمعة، لها ركن واحد، وهو مطلق الذكر الشامل للقليل والكثير، فيكفي لتحقيق الخطبة المذكورة تحميدة أو تسبيحة أو تهليلة، نعم يكره تنزيهاً الاقتصار على ذلك، ولا تشترط عندهم الخطبة الثانية، بل هي سنة كما يأتي في الجمعة.
المالكية قالوا: خطبتا العيدين كخطبتي الجمعة، لهما ركن واحد، وهو أن يكونا مشتملتين على تحذير أو تبشير، كما يأتي في "الجمعة".
الحنابلة قالوا: أركان خطبة العيدين ثلاثة: أحدها. الصلاة على رسول الله ﷺ ، ويتعين لفظ الصلاة، ثانيها: قراءة آية من كتاب الله تعالى، يلزم أن يكون لهذه الآية معنى مستقل، أو تكون مشتملة على حكم من الأحكام، فلا يكفي قوله تعالى: ﴿مدها متان﴾ ، ثالثها: الوصية بتقوى الله تعالى، وأقلها أن يقول: اتقوا الله، واحذروا مخالفة أمره، أو نحو ذلك. أما التكبير في افتتاح خطبة العيد فهو سنة بخلاف الجمعة، فإن افتتاحها بالحمد لله ركن من أركان الخطبة، كما يأتي.
الشافعية قالوا: أركان خطبة العيدين أربعة: أحدها: الصلاة على النبي ﷺ ، في كل من الخطبتين، ولا بد من لفظ الصلاة، فلا يكفي رحم الله سيدنا محمد ﷺ ، ولا يتعين لفظ محمد، بل يكفي أن يذكر اسماً من أسمائه الطاهرة، ولا يكفي الضمير في ذلك، ولو مع تقدم المرجع على المعتمد؛ ثانيها: الوصية بالتقوى في كل من الخطبتين ولو بغير لفظها، فيكفي نحو وأطيعوا الله، ولا يكفي التحذير من الدنيا وغرورها في ذلك، بل لا بد من أن يحثهم الخطيب على الطاعة، ثالثها: قراءة آية من القرآن في إحدى الخطبتين، والأولى أن تكون في الخطبة الأولى، ويشترط أن تكون آية كاملة إذا كانت الآية قصيرة، أما الآية الطويلة فتكفي قراءة بعضها، وأن تكون الآية مشتملة على وعد أو وعيدстр. 320
شروط خطبتي العيدين
قد ذكرنا شروط خطبتي العيدين مجملة عند كل مذهب تحت الخط (١) . الحواشي
(١) المالكية قالوا: يشترط في خطبتي العيدين أن تكونا باللغة العربية، ولو كان القوم عجماً لا يعرفونها، فإن لم يوجد فيهم أحد يحسن الخطبة سقطت عنهم الجمعة، وأن تكون الخطبتان بعد الصلاة؛ فإذا خطب قبل الصلاة فإنه يسن إعادتهما بعد الصلاة إن لم يطل الزمن عرفاً.
الحنفية قالوا: يشترط لصحة الخطبة أن يحضر شخص واحد على الأقل لسماعها؛ بشرط أن يكون ممن تنعقد بهم الجمعة؛ كما يأتي بيانه في مباحث "صلاة الجمعة"، ولا يشترط أن يسمع الخطبة، فلو كان بعيداً عن الخطيب أو أصم فإن الخطبة تصح؛ ويكفي حضور المريض والمسافر؛ بخلاف الصبي والمرأة، ولا يشترط أن تكون باللغة العربية عند الحنفية؛ وكذا لا يشترط أن يخطب بعد الصلاة، وإنما يسن تأخيرهما عن الصلاة، فإن قدمهما على الصلاة، فقد خالف السنة. ولا يعيدهما بعد الصلاة أصلاً.
الشافعية قالوا: يشترط لصحة الخطبة في العيدين والجمعة أن يجهر الخطيب بأركان الخطبة وحد الجهر المطلوب أن يسمع صوته أربعون شخصاً: وهم الذين لا تنعقد الجمعة بأقل منهم؛ ولا يشترط أن يسمعوا بالفعل؛ بل الشرط أن يكونوا جميعاً قريباً منه مستعدين لسماعه لصمم أو نوم أو بعيدين عنه فإن الخطبتين لا تصح لعدم السماع بالقوة؛ وكذا يشترط أن تكون الخطبتان بعد الصلاة، فإن قدمها على الصلاة فإنه لا يعتد بهما؛ ويندب له إعادتهما بعد الصلاة؛ وإن طال الزمن؛ وهذا هو رأي الحنابلة أيضاً.
الحنابلة قالوا: يشترط لصحة خطبتي العيدين والجمعة أن يجهر بهما الخطيب؛ بحيث يسمعه العدد الذي تصح به الجمعة؛ وهو أربعون؛ كما يقول الشافعية، فإن لم يسمعوا أركان الخطبتين بلا مانع من نوم أو غفلة أو صمم بطلتا. أما إذا لم يسمع الأربعون بسبب خفض الصوت، أو بعدهم عنه فإنه الخطبة لا تصح، وكذا يشترط أن تكونا قبل الصلاة، كما ذكرنا آنفاًстр. 321
التكبير عقب الصلوات الخمس أيام العيد
اتفق اثنان من الأئمة على أن التكبير عقب الصلوات الخمس أيام العيد سنة، وقال الحنفية: إنه واجب لا سنة؛ وقال المالكية: إنه مندوب لا سنة: وقد جرت عادتهم أن يسموا هذا التكبير تكبير التشريق؛ ومعنى التشريق تقديد اللحم في منى في هذه الأيام "وقد ذكرنا حكمته؛ وكيفيته مفصلة عند كل مذهب تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: تكبير التشريق واجب على المقيم بالمصر بشروط ثلاثة: أحدها: أن يؤدي الصلاة المفروضة في جماعة، فإن صلاها منفرداً فلا يجب عليه التكبير. ثانيها: أن تكون الجماعة من الرجال، فإذا صلت النساء جماعة خلف واحدة منهن فلا يجب عليهن التكبير. أما إذا صلت النساء خلف الرجل فإنه يجب عليهن التكبير سراً لا جهراً.
أما الإمام ومن معه من الرجال فإنهم يكبرون جهراً، ولا يجب التكبير على من صلى منفرداً أو صلى صلاة غير مفروضة، ثالثها: أن يكون مقيماً، فلا يجب التكبير على المسافر، رابعها: أن يكون بالمصر، فلا يجب على المقيم بالقرى، ويبتدئ وقته عقيب صلاة الصبح من يوم عرفة، وينتهي عقيب صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو اليوم الرابع من أيام العيد، وأيام التشريق هي الأيام الثلاثة التي تلي العيد، ولفظه هو أن يقول مرة واحدة: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد، وله أن يزيد الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، إلى آخر الصيغة المشهورة، وينبغي أن يكون متصلاً بالسلام حتى لو تكلم أو أحدث بعد السلام متعمداً سقط عنه التكبير ويأثم، فلو سبقه حدث بعد السلام فهو مخير إن شاء كبر في الحال لعدم اشتراط الطهارة فيه، وإن شاء توضأ وأتى به، ولا يكبر عقب صلاة الوتر ولا صلاة العيد، وإذا فاتته صلاة من الصلوات التي يجب عليه أن يكبر عقبها فإنه يجب عليه أن يقضي التكبير تبعاً لها، ولو قضاها في غير أيام التشريق وأما إذا قضى فائتة لا يجب عليه التكبير عقبها في أيام التشريق، فإنه لا يكبر عقبها، وإذا ترك الإمام التكبير يكبر المقتدي، ولكن بعد أن يفصل الإمام بين الصلاة والتكبير بفاصل يقطع البناء على صلاته، كالخروج من المسجد، والحدث العمد والكلام، فإن جلس الإمام بعد الصلاة في مكانه بدون كلام وحدث فلا يكبر المأموم.
الحنابلة قالوا: يسن التكبير عقب كل صلاة مفروضة أديت في جماعة، ويبتدئ وقته من صلاة صبح يوم عرفة إذا كان المصلي غير محرم، ومن ظهر يوم النحر إذا كان محرماً، وينتهي فيهما بعصر آخر أيام التشريق، وهي الأيام الثلاثة التي تلي يوم العيد، ولا فرق في ذلك بين المقيم والمسافر، والذكر والأنثى، ولا بين الصلاة الحاضرة والصلاة المقضية في أيام التشريق، بشرط أن تكون من عام هذا العيد، فلا يسن التكبير عقب صلاة النوافل، ولا الفرائض إذا أديت فرادى، وصفته أن يقول: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد يجزئ في تحصيل السنة أن يقول ما ذكره مرة واحدة، وإن كرره ثلاث مرات فلا بأس، وإذا فاتته صلاة من هذه الصلوات التي يطلب التكبير بعدها وقضاها بعد أيام التشريق فلا يكبر عقب قضائها، ويكبر المأموم إذا نسيه إمامه، ومن عليه سجودстр. 322
مباحث صلاة الاستسقاء
يتعلق بها مباحث: أحدها: تعريف الاستسقاء لغة وشرعاً، ثانيها: كيفية صلاة الاستسقاء، ثالثها: حكمها ووقتها. رابعها: ما يستحب للإمام قبل فعلها. وإليك بيانها على هذا الترتيب:
الحواشي
(١) بعد السلام، فإنه يؤخره عن السجود، والمسبوق يكبر بعد الفراغ من قضاء ما فاته وبعد السلام، وهذا التكبير يسمى المقيد وعندهم أيضاً تكبير مطلق، وهو بالنسبة لعيد الفطر من أول ليلته إلى الفراغ من الخطبة، وبالنسبة لعيد الأضحى من أول عشر ذي الحجة إلى الفراغ من خطبتي العيد، ويسن الجهر بالتكبير مطلقاً أو مقيداً لغير أنثى.
المالكية قالوا: يندب لكل مصل ولو كان مسافراً أو صبياً أو امرأة أنيكبر عقب خمس عشرة فريضة، سواء صلاها وحده أو جماعة، وسواء كان من أهل الأمصار أو غيرها، ويبتدئ عقب صلاة الظهر يوم العيد، وينتهي بصلاة الصبح من اليوم الرابع، وهو آخر أيام التشريق، وهي الأيام الثلاثة التالية ليوم العيد، ويكره أن يكبر عقب النافلة، وعقب الصلاة الفائتة، سواء كانت من أيام التشريق أو من غيرها، ويكون التكبير عقب الصلاة، كما تقدم، فيقدمه على الذكر الوارد بعد الصلاة، كقراءة آية الكرسي والتسبيح ونحوه، إلا أنه إذا ترتب عليه سجود بعدي أخره عنه لأن السجود البعدي ملحق بالصلاة، وإذا ترك التكبير عمداً أو سهواً فإنه يأتي به إن قرب الفصل عراً، وإذا ترك الإمام التكبير كبر المقتدي، ولقظ التكبير "الله أكبر الله أكبر" لا غير على المعتمد، والمرأة تسمع نفسها في التكبير فقط، وأما الرجل فيسمع نفسه ومن يليه.
الشافعية قالوا: التكبير المذكور سنة بعد الصلاة المفروضة، سواء صليت جماعة أو لا، وسواء كبر الإمام أم لا؛ وبعد النافلة وصلاة الجنازة، وكذا يسن بعد الفائتة التي تقضي في أيام التكبير، ووقته لغير الحاج من فجر يوم عرفة إلى غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم العيد، أما الحاج فإنه يكبر من ظهر يوم النحر إلى غروب آخر أيام التشريق، ولا يشترط أن يكون متصلاً بالسلام. فلو فصل بين الفراغ من الصلاة والتكبير فاصل عمداً أو سهواً كبر، وإن طال الفصل ولا يسقط بالفصل؛ وأحسن ألفاظه أن يقول: "الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً" وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله؛ ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. اللهم صلي على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد وعلى أنصار سيدنا محمد وعلى ذرية سيدنا محمد، وسلم تسليماً كثيراً" ويسمى التكبير عقبстр. 323
تعريف الاستسقاء وسببه
معنى الاستسقاء في اللغة طلب السقيا من الله أو من الناس، فإذا احتاج أحد إلى الماء وطلبه من الآخر، فإنه يقال لذلك الطلب: استسقاء، وأما معناه في الشرع فهو طلب سقي العباد من الله تعالى عند حاجتهم إلى الماء كما إذا كانوا في موضع لا يكون لأهله أودية وأنهار وآبار يشربون منها ويسقون زرعهم ومواشيهم، أو يكون لهم ذلك ولكن الماء لا يكفيهم، فهذا معنى الاستسقاء وسببه.
كيفية صلاة الاستسقاء
إذا احتاج الناس إلى الماء على الوجه الذي ذكرناه فإنه يطلب من المسلمين أن يصلوا صلاة اللاستسقاء بكيفية مفصلة في المذاهب، فانظر تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الشافعية قالوا: صلاة الاستسقاء ركعتان تؤديان في جماعة، ويشترط أن يكون الإمام حاكم المسلمين الأعلى أو نائبه، فإن لم يوجد فإنه يصلي بهم رئيسهم الذي له نفوذ وشوكة، وكيفيتها كصلاة العيدين، فيكبر الإمام ومن خلفه من المأمومين في الركعة الأولى سبع تكبيرات سوى تكبيرة الإحرام، ويكبران في الركعة الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام، ويرفع يديه حذو منكبيه عند كل تكبيرة، ثم يتعوذ؛ ثم يأتي بدعاء الافتتاح، ويستحب أن يفصل بين كل تكبيرتين بقدر آية معتدلة، وأن يأتي بذكر بينهما سراً ثم يقرأ جهراً، ويستحب بعد الفاتحة أن يقرأ في الركعة الأولى سورة "ق" أو "سبح اسم ربك الأعلى" وفي الثانية "اقتربت الساعة" أو "هل أتاك حديث الغاشية" قياساً على الوارد في صلاة العيدين، وبعد الفراغ من صلاة الركعتين يندب أن يخطب خطبتين كخطبتي العيدين، إلا أنه لا يكبر في الخطبتين، بل يستغفر الله قبل الشروع في الخطبة الأولى تسع مرات، وفي الخطبة الثانية تسع مرات، وصيغة الاستغفار الكاملة هي أن يقول: "استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا الله الحي القيوم وأتوب إليه" ولو قال استغفر الله، فإنه يكفي، ويندب أن يحول الخطيب رداءه - ولو كان شالاً أو عباءة - وكيفية التحويل أن يجعل يمينه يساره، ويجعل أعلاه أسفله، فيمسك بيده اليمنى طرف ردائه الأسفل من جهة يساره، ويجعله على عاتقه الأيمن، ويمسك بيده اليسرى طرف ردائه الأيمن، ويجعله على عاتقه الأيسر، ويفعل ذلك بعد مضي ثلث الخطبة الثانية، فإذا فرغ من ثلث الخطبة الثانية فإنهстр. 324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يسن له أن يستقبل القبلة ثم يحول رداءه بالكيفية التي ذكرناها، ويكره له أن يترك التحويل، ومتى حول الإمام رداءه فإنه يسن للمأمومين الحالسين أن يحولوا أرديتهم وهم جلوس، كما فعل الإمام، ويسن أن يكثر من الدعاء سراً
وجهراً، كما يسن أن يكثر في افتتاح دعائه الكرب، وهو: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم" وكذا يسن للخطيب أن يكثر من الاستغفار، ويقرأ قوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم أنهاراً﴾ ويدعو في خطبته بدعاء الني ﷺ ؛ وهو "اللهم اجعلها رحمة لا سقيا عذاب، ولا محق، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق؛ اللهم على الزراب - التلال الصغيرة - ومنابت الشجر، وبطون الأودية، اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً - منقذاً من الشدة - هنيئاً مريئاً مريعاً - ذا ريع وخصب - سحاً - شديد الوقع على الأرض عاماً؛ غدقاً، طبقاً، مجللاً، دائماً، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد من الجهد والجوع والضنك مالا نشكو إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، وأنزل علينا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً".
الحنفية قالوا: كيفية صلاة الاستسقاء مختلف فيها، فمنهم من قال: إنها دعاء واستغفار بدون صلاة، وذلك بأن يدعو الإمام قائماً مستقبل القبلة، رافعاً يديه والناس قعود، مستقبلين القبلة يؤمنون على دعائه، وهو: "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً، مريئاً مريعاً، غدقاً، مجللاً، سحاً طبقاً؛ دائماً"، وما أشبه ذلك من الدعاء سراً وجهراً، وهذا القول غير راجح، بل القول الراجح هو أن يصلي للاستسقاء ركعتين، كما يقول غيرهم من الأئمة، غايته أنهم يقولون، إنها مندوبة، وغيرهم يقولون: إنها سنة، كما ستعرفه في بيان حكمها، وكيفيتها، كصلات العيدين، إلا أنه لا يكبر لها تكبيرات الزوائد، بل يقتصر على التكبيرات المطلوبة للصلاة، وبعد الفراغ من الصلاة يخطب الإمام، أو نائبه خطبتين، كالعيد، إلا أنه يقف على الأرض وبيده قوس، أو سيف أو عصا، ويقلب الإمام رداءه بعد أن يمضي جزء من خطبته الأولى، فإن كان مربعاً جعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه، وإن كان مدوراً جعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، وإن كان مبطناً - كالبالطو - جعل باطنه خارجاً؛ وظاهره داخلاً. أما الجماعة الذين يصلون معه فإنهم لا يقبلون أرديتهم باتفاق، بلى يكتفي في ذلك بالإمام.
الحنابلة قالوا: كيفية صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيد تماماً؛ فيكبر فيها سبعاً في الركعة الأولى، وخمساً في الثانية، ويقرأ في الأولى "سبح" وفي الثانية "هل أتاك حديث الغاشية" وإن شاء قرأ "إنا أرسلنا نوحاً" في الركعة الأولى، وقرأ في الثانية ما يشاء، ثم يخطب خطبة واحدة لا خطبتين، يجلس قبلها إذا صعد المنبر جلسة الاستراحة، ثم يفتتحها بالتكبير تسعاً، كخطبة العيد، ويكثر فيها الصلاة على النبي ﷺ ويكثر فيها الاستغفار، ويقرأ فيها "استغفروا ربكم" الآية، ويسن أن يرفع يديه وقتстр. 325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الدعاء حتى يرى بياض إبطيه، وهو قائل، وتكون ظهور اليدين نحو السماء، وبطونهما جهة الأرض، ويؤمن المأمومون على دعائه؛ ويرفعون أيديهم كالإمام وهم جالسون، ويصح بكل ما يراه، ولكن الأفضل الدعاء بالوارد وهو "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً - منقذا من الشدة - هنيئاً - حاصل بلا مشقة، مريئاً - محمود العاقبة - مريعاً - كثير النبات - غدقاً - بفتح الدال وكسرها، ومعناه كثيراً - مجللاً - المجلل السحاب الذي يعم البلاد نفعه - سحاً - سائلاً من فوق إلى أسفل عاماً، طبقاً - بفتح الطاء والباء؛ وهو الذي طبق البلا مطره - دائماً، نافعاً غير ضار؛ عاجلاً غير آجل، اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت. اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم؛ ولا غرق، اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء - الشدة - والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك. اللهم أنبت لنا الزرع؛ وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء، وانزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا الجوع والجهد والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء ع لينا مدراراً.
وإذا دعا الإمام أمن المستمعون، ويستحب أن يستقبل الإمام القبلة أثناء الخطبة ثم يحول رداءه، فيجعل ما على الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، ويفعل المأمومون مثل فعله فيحولون أرديتهم، ويتركون الرداء محولاً، حتى ينزعوه مع ثيابهم، ويدعو سراً حال استقبال القبلة لنزع الرداء فيقول: اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا إنك لا تخلف الميعاد فإذا فرغ من ذلك الدعاء استقبلهم ثانياً وحثهم على الصدقة والخير، ويصلي على النبي ﷺ ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يقول: أستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، وبذلك ينتهي من خطبته، ولا يشترط لصلاة الاستسقاء أذان، كما لا يشترط الأذان لخطبتها، وينادي لها بقول: الصلاة جامعة، ويفعلها المسافر وسكان القرى؛ ويخطب بهم أحدهم.
المالكية قالوا: كيفية صلاة الاستسقاء كصلاة العيدين، إلا أنه لا يكبر فيها إلا التكبير المعتاد في الصلوات الأخرى، فلا يزيد التكبيرات المطلوبة في العيدين، وفاقاً للحنفية، وخلافاً للشافعية، والحنابلة، ويخطب فيها خطبتين، فإذا فرغ الإمام من الخطبة الثانية ندب له أن يستقبل القبلة، فيجعل ظهره للناس، ثم يقلب رداءه من خلفه، فيجعل ما على عاتقه الأيسر على عاتقه الأيمن، وبالعطس، ولا يجعل أسفل الرداء أعلاه، ولا أعلى الرداء أسفله، ويندب للرجال الذين يصلون خلفه أن يقلبوا أرديتهم وهم جلوس، بخلاف النساء، ثم يدعو الإمام برفع ما نزل بالناس ويطيل في الدعاء، ويندب الدعاء بالوارد، ومنه ما جاء في خبر الموطأ وهو: كان ﷺ إذا استسقى قال: "اللهم اسق عبادك وبهيمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت".
المالكية: متفقون مع الشافعية، والحنابلة على أنها سنة مؤكدة تلي صلاة العيد في التأكد للرجال إذا أديت جماعة ولكنها تندب لمن فاتته مع الإمام، كما تندب للصبي المميز؛ وللمرأة المسنة. أما الشابة فإنه يكره لها الخروج لصلاة الاستسقاء، وإن خيفت الفتنة بخروجها، فإنه يحرم عليها الخروجстр. 326
حكم صلاة الاستسقاء ووقتها
هي سنة مؤكدة عند الحاجة إلى الماء، فمتى احتاج الناس إلى الماء فإنه يسن لهم أن يصلوا صلاة الاستسقاء بالكيفية التي ذكرناها، ومتى صلوها على أي كيفية من الكيفيات التي ذكرناها في المذاهب المتقدمة فإنها تجزئ، ولا يلزم أن تصلي على مذهب خاص، لأن تكبيرات الزوائد نقلوا عن بعض أئمتهم أن يكبر فيها كصلاة العيدين، وهكذا؛ ولذا ذكرنا كيفيتها عند كل مذهب على حدة، ليسهل على الناس معرفتها كاملة بدون خلط، أما كونها سنة مؤكدة فقد اتفقت عليه المذاهب ما عدا الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، أما وقتها فهو الوقت الذي تباح فيه صلاة النافلة عند الحنفية، والحنابلة، وسيأتي بيان الأوقات التي تباح فيها النافلة في مبحث خاص، أما المالكية، والشافعية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (٢) .
هذا، وإذا تأخر نزول المطر فإنه يسن تكرار صلاة الاستسقاء على الصفة السابقة، حتى يأتي الغيث، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٣) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: الصحيح أنها مندوبة؛ نعم قد ثبت طلبها بالكتاب والسنة، ولكن الثابت بهما هو الاستغفار، والحمد لله، والثناء عليه، والدعاء، أما الصلاة فإنها لم ترد فيها أحاديث صحيحة، على أنه لا خلاف عندهم في أنها مشروعة للمنفرد بدون جماعة، لأنها نفل مطلق، أما ما ورد في الكتاب الكريم فهو قوله تعالى: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً﴾ وشرع منقبلنا شرع لنا إذا قصه الله ورسوله من غير إنكار، وقد رويت أحاديث صحيحة تدل على أن النبي ﷺ استسقى فدعا الله تعالى، ومما يناسب المقام أن النبي ﷺ قد استسقى به وهو صغير، فقد ورد أن أهل مكة أصابهم قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي، وأجب العيال. فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام، كأنه شمس تجلت عنها سحابة قتماء، وحول أغيلمة فأخذه أبو طالب، وألصق ظهره بالكعبة ولاذ الغلام بإصبعه، وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ههنا؛ وهنا؛ واغدودق؛ وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي؛ وفي ذلك يقول أبو طالب:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه؟؟ ثمال اليتامى عصمة للأرامل
أخرجه ابن عساكر(٢) المالكية قالوا: وقتها كالعيد من حل النافلة بعد طلوع الشمس إلى زوالها.
الشافعية قالوا: تصح ولو في أوقات النهي عن النافلة؛ لأنها صلاة ذات سبب(٣) الحنفية قالوا: إن تكرار صلاة الاستسقاء مندوب لا سنة، كما تقدم، ولا تكرار إلا في ثلاثة أيام متتالية بدون زيادةстр. 327
ما يستحب للإمام فعله قبل الخروج لصلاة الاستسقاء
يستحب له أمور: أحدها: أن يأمر الناس قبل الخروج إلى الصلاة بالتوبة والصدقة، والخروج من المظالم باتفاق الجميع، ثانيها: أن يأمرهم بمصالحة الأعداء، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف المالكية، فقالوا: لا يندب له ذلك، ثالثها: أن يأمرهم بصيام ثلاثة أيام، ثم يخرج بهم في اليوم الرابع مشاة في أية ساعة منه، باتفاق الحنفية، والشافعية، وخالف الحنابلة والمالكية فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، رابعها: أن يخرج بهم في ثياب خلقة متذللين، باتفاق ثلاثة من الأئمة؛ وخالف الحنابلة، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) . خامسها: أن يأمرهم بأن يخرجوا معهم الصبيان والشيوخ والعجائز والدواب، ويبعدوا الرضع عن أمهاتهم ليكثر الصياح. فيكون ذلك أقرب إلى رحمة الله ، وهذا متفق عليه بين الحنفية، والشافعية، وخالف المالكية، والحنابلة فانظر مذهبيهما تحت الخط (٣) . الحواشي
(١) الحنابلة قالوا: لا يندب أن يخرج بهم في اليوم الرابع؛ بل يندب الخروج مع الإمام في اليوم الذي يعينه.
المالكية قالوا: يندب الخروج في ضحى اليوم الرابع، إلا من بعدت داره، فإنه يخرج في الوقت الذي يمكنه من إدراك صلاتها مع الإمام(٢) الحنابلة قالوا: يخرجون لصلاة الاستسقاء بثياب الزينة، كصلاة العيد(٣) المالكية قالوا: المندوب هو إخراج الصبيان المميزين الذين تصح صلاتهم، أما غيرهم من الأطفال فإنه يكره إخراجهم، كما يكره إخراج البهائم.
الحنابلة قالوا: يسن خروج الصبيان المميزين، كما يقول المالكية أما غيرهم فإنه يباح إخراجهم كالبهائم والعجائزстр. 328
صلاة كسوف الشمس
ويتعلق بها مباحث، أولها: حكمها ودليله، وحكمه مشروعيتها: ثانيها: كيفية صلاتها، ثالثها: فرضها وسننها؛ رابعها: حكم الخطبة فيها.
حكمها ودليله، وحكمة مشروعيتها
صلاة كسوف الشمس سنة مؤكدة، وقد ثبت بقوله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا، حتى ينكشف ما بكم" رواه الشيخان.
وقد ثبت أن النبي ﷺ صلى لكسوف الشمس، بحديث رواه الشيخان، كما ثبت أنه صلى لخسوف القمر، كما سيأتي، أما حكمة مشروعيتهان فإن الشمس نعمة من أكبر نعم الله تعالى التي تتوقف عليها حياة الكائنات، وظاهر أن كسوفها فيه إشعار بأنها قابلة للزوال، بل فيه إشعار بأن العالم كله في قبضة إله قدير، يمكنه أن يذهبه في لحظة، فالصلاة في هذه الحالة معناها إظهار التذلل، والخضوع لذلك الإله القوي المتين، وذلك من محاسن الإسلام، الذي جاء بالتوحيد الخالص، وترك عبادة الأوثان، ومنها الشمس والقمر وغيرهما من العوالم.
كيفية صلاة كسوف الشمس
اتفق ثلاثة من الأئمة على أنها ركعتان بدون زيادة، فإن فرغ منها قبل انجلائها دعا الله تعالى حتى تنجلي، ويزيد في كل ركعة منها قياماً وركوعاً، فتكون كل ركعة مشتملة على ركوعين وقيامين، وخالف الحنفية في ذلك. فانظر ممذهبهم تحت الخط (١) ، على أن الذين خالفوا الحنفية قالوا: إنه يصح أداء صلاة الكسوف بغير هذه الكيفية، فلو صلاها ركعتين، كهيئة النفل أجزأه ذلك بدون كراهة، فالفرق بينهم وبين الحنفية هو أن الحنفية يقولون: لا بد الحواشي
(١) الحنفية قالوا: صلاة الكسوف لا تصح بركوعين وقيامين، بل لا بد من قيام واحد، وركوع واحد كهيئة النفل بلا فرق، على أنهم قالوا: أقلها ركعتان، وله أن يصلي أربعاً أو أكثر، والأفضل أن يصلي أربعاً بتسليمة واحدة أو بتسليمتينстр. 329
من صلاتها بركوع واحد وقيام واحد، وغيرهم يقول: يجوز أن يصليها بالكيفية المذكورة، وبغيرها، ومن قال: إنها تصلي بركوعين وقيامين، فإنه يقول: إن الفرض هو القيام الأول، والركوع الأول. أما القيام الثاني والركوع الثاني فهو مندوب على هذا.
سنن صلاة الكسوف
يسن أن يطيل القراءة فيقرأ في القيام الأول من الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة "البقرة" أو نحوها؛ وفي القيام الثاني منها بعد الفاتحة سورة "آل عمران" أو نحوها، ويقرأ في القيام الأول من الركعة الثانية نحو سورة "النساء" وفي القيام الثاني نحو سورة "المائدة" بعد الفاتحة فيهما، وهذه الكيفية متفق عليها، إلا عند الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) . ويسن أن يطيل الركوع والسجود في كل من الركعتين بمقادير مختلفة في المذاهب
(٢) فلا تدرك الركعة بالدخول مع الإمام في القيام الثاني، أو الركوع الثاني من كل ركعة، وخالف المالكية في ذلك، فانظر مذهبهم تحت الخط (٣) ، ولا يراعى حال المأمومين في هذه الصلاة. فيشرع الحواشي
(١) الحنفية قالوا: يسن تطويل القراءة في الركعة الأولى بنحو سورة "البقرة" وفي الثانية بنحو "آل عمران" ولو خففهما، وطول الدعاء، فقد أتى بالسنة. لأن السنة عندهم استيعاب وقت الكسوف بالصلاة والدعاء، فإذا خفف أحدهما طول الآخر، ليبقى على الخشوع، والخوف إلى الانجلاء(٢) الحنفية قالوا: يسن تطويل الركوع والسجود فيهما، بلا حد معين.
الحنابلة قالوا: يطيل الركوعين في كل ركعة بلا حد، ولكن يسبح في الركوع الأول من الركعة الأولى بمقدار مائة آية. وفي الركوع الثاني منها بمقدار سبعين آية، ومثلها الركعة الثانية، إلا أن أفعالها تكون أقصر من أفعال الأولى، أما السجود فيسن تطويله في كل من الركعتين بحسب العرف.
الشافعية قالوا: يطيل الركوع الأول من الركعة الأولى بمقدار مائة آية من سورة "البقرة" والثاني بمقدار ثمانين آية منها، ويطيل الأول من الركعة الثانية بمقدار سبعين آية منها، والثاني بمقدار خمسين آية منها، أما السجود، فإنه يطيل منه السجدة من كل ركعة بمقدار الركوع الأول منها، ويطيل السجدة الثانية من كل ركعة بمقدار الركوع الثاني منها.
المالكية قالوا: يندب تطويل كل ركوع بما يقرب من قراءة السورة التي قبله، فيطول الركوع الأول بما يقرب من قراءة سورة "البقرة" والثاني بما يقرب من قراءة سورة "آل عمران" وهكذا؛ أما السجود في كل ركعة، فيندب تطويله، كالركوع الذي قبله، والسجدة الثانية تكون أقصر من الأولى، قريباً منها، ويندب أن يسبح في ركوعه وسجوده(٣) المالكية قالوا: الفرض في كل ركعة هو قيامها وركوعها الأخيران، والسنة هو الأولان، فلو دخل مع الإمام في القيام الثاني في إحدى الركعتين فقد أدرك الركعةстр. 330
التطويل فيها على ما تقدم، ولو لم يرض المأموم، باتفاق ثلاثة؛ وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، ولا أذان لها؛ ولا إقامة، وإنما يندب أن ينادى لها بقول: "الصلاة جامعة"، يندب إسرار القراءة، إلا عند الحنابلةن فإنهم قالوا: يسن الجهر بالقراءة فيها، ويندب أن تصلى جماعة، ولا يشترط في إمامها أن يكون إمام الجمعة، أو مأذوناً من قبل السلطان؛ وخالف الحنفية في ذلك، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) ، ويندب فعلها في الجامع باتفاق ثلاثة، وقال المالكية: لا يندب فعلها في الجامع إلا إذا صلاها جماعة، أما المنفرد فله أن يصليها في أي مكان شاء.
وقت صلاة الكسوف
وقتها من ابتداء الكسوف إلى أن تنجلي الشمس ما لم يكن الوقت وقت نهي عن النافلة، فإذا وقع الكسوف في الأوقات التي ينهي عن النافلة فيها اقتصر على الدعاء، ولا يصلي عند الحنفية، والحنابلة؛ أما المالكية، والشافعية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٣) .
الخطبة في صلاة الكسوف
الخطبة غير مشروعة فيها، فإذا انجلت الشمس أثناء الصلاة أتمها على صفتها، فإذا غربت الشمس منكسفة فلا يصلي لها؛ أما كون الخطبة غير مشروعة، فهو متفق عليه، إلا عند الشافعية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٤) . الحواشي
(١) المالكية قالوا: إنما يشرع التطويل فيها على الصفة المتقدمة ما لم يتضرر المأمومون أو يخش خروج وقتها الذي هو من حل النافلة إلى زوال الشمس(٢) الحنفية قالوا: يشترط في إمامها أن يكون إمام الجمعة على الصحيح، فإن لم يوجد فلا بد من إذن السلطان، فإن لم يمكن ذلك صليت فرادى في المنازل(٣) الشافعية قالوا: متى تيقن كسوف الشمس سن له أن يصلي هذه الصلاة. ولو في وقت النهي، لأنها صلاة ذات سبب.
المالكية قالوا: وقتها من حل النافلة، وهو ارتفاع الشمس بعد طلوعها قدر رمح إلى الزوال فلا تصلي قبل هذا الوقت، ولا بعده(٤) الشافعية قالوا: يسن لها خطبتان لجماعة الرجال - كالعيد - بعد صلاتها، ولو انجلت الشمس، ويبدل التكبير بالاستغفار، لأنه هو المناسب للحال، ولا يشترط فيهما من شروط خطبتي الجمعة إلا أن يسمع الناس، وكونها باللغة العربية، وكون الخطيب ذكراً.стр. 331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المالكية قالوا: إذا انجلت الشمس بتمامها أثناء الصلاة، فإن كان ذلك قبل إتمام ركعة بسجدتيها أتمها كالنوافل من غير زيادة القيام، والركوع في كل ركعة، ومن غير تطويل، أما إذا كان ذلك بعد تمام ركعة بسجدتيها، فقيل: يتمها على هيئتها بزيادة القيام والركوع، ولكن من غير تطويل، وقيل: يتمها كالنوافل، والقولان متساويان.
الحنفية قالوا: صلاة خسوف القمر كصلاة كسوف الشمس، إلا أنها مندوبة ولا تشرع فيها الجماعة، ولا يسن إيقاعها في الجامع بل تؤدي في المنازل وحداناً.
الشافعية قالوا: صلاة الخسوف كصلاة الكسوف، إلا في أمرين: أحدهما: الجهر بالقراءة في الخسوف دون الكسوف، ثانيهما: إن صلاة الكسوف تفوت بغروب الشمس كاسفة. بخلاف القمر، فإنه إذا غرب خاسفاً فعلت صلاته إلى أن تطلع الشمس، وإذا فاته كل من صلاة الكسوف والخسوف لم يقضстр. 332
صلاة خسوف القمر، والصلاة عند الفزع
وأما صلاة خسوف القمر، فحكمها وصفتها، كصلاة كسوف الشمس المتقدمة، إلا في أمور مفصلة في المذاهب
(١) ، وأما الصلاة عند الفزع فهي مندوبة، فندب أن يصلي ركعتين عند الفزع من الزلازل أو الصواعق أو الظلمة والريح الشديدين، أو الوباء، أو نحو ذلك من الأهوال، لأنها آيات من الله تعالى يخوف بها عباده ليتركوا المعاصي، ويرجعوا إلى طاعته، فعند وقعها ينبغي الرجوه إليه تعالى بالعبادة التي يدور عليها أمر سعادتهم في الدنيا والآخرة، وهي كالنوافل المطلقة فلا جماعة لها ولا خطبة، ولا يسن فعلها في المسجد بل الأفضل فيها أن تؤدي بالمنازل، وهذا متفق عليه عند المالكية، والحنفية. أما الحنابلة فقالوا: لا تندب الصلاة لشيء من الأشياء المذكورة إلا للزلازل إذا دامت فيصلي لها ركعتان كصلاة الكسوف، وأما الشافعية فلم يذكروا أن الصلاة مندوبة لشيء من هذه الأمور.
الأوقات التي نهى الشارع عن الصلاة فيها
تقدم في مباحث أوقات الصلاة الخمس المفروضة أن للصلوات أوقاتاً تؤدي فيها. بحيث لو تأخرت عنها كان المصلي آثماً إذا فعلها في وقت الحرمة، وفاعلاً للمكروه إذا صلاها في وقت الكراهة، ولكن اتفق ثلاثة من الأئمة على أن الصلاة تكون صحيحة متى وقعت بعد دخول وقتها، وخالف الحنفية في ثلاثة من الأئمة على أن الصلاة تكون صحيحة متى وقعت بعد دخول وقتها، وخالف الحنفية في ثلاثة أوقات، فقالوا: إن الصلاة المفروضة لا تنعقد فيها أصلاً، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) ، وأما صلاة النافلة فقد اختلفت آراء المذاهب في أوقاتها المنهي الحواشي
(١) المالكية قالوا: صلاة خسوف القمر مندوبة لا سنة على المعتمد، بخلاف الكسوف فإنها سنة، كما تقدم، وصفتها كالنوافل بلا تطويل في القراءة، وبدون زيادة القيام والركوع؛ ويندب الجهر فيها بالقراءة، ووقتها من ابتداء الخسوف إلى انجلاء القمر، وينهى عنها في أوقات النهي عن النافلة، ويحصل المندوب بصلاة ركعتين، ويندب تكرارها حتى ينجلي القمر أو يغيب أو يطلع الفجر، بخلاف صلاة الكسوف، فإنه لا تكرر إلا إذا انجلت الشمس ثم انكسفت، ويكره إيقاعها في المسجد، كما تكره الجماعة فيها.
الحنابلة قالوا: صلاة الخسوف كالكسوف، إلا أنه إذا غاب القمر خاسفاً ليلاً أديت صلاة الخسوف بخلاف الشمس، كما تقدم(٢) الحنفية قالوا: إن الصلاة المفروضة لا تنعقد أصلاً في ثلاثة أوقات: أحدها: وقت طلوعстр. 333
عن صلاتها فيها، فانظرها تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: يكره التنفل تحريماً في أوقات، وهي: بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح، إلا سنتها فلا تكره، وبعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس فلا يصلي في هذا الوقت نافلة، ولو سنة الفجر إذا فاتته، لأنها متى فاتت وحدها سقطت، ولا تعاد، كما تقدم، وبعد صلاة فرض العصر إلى غروب الشمس، وعند خروج الخطيب من خلوته للخطبة، سواء كانت خطبة جمعة أو عيد أو حج أو نكاح أو كسوف أو استسقاء، وعند إقامة المؤذن للصلاة المكتوبة، إلا سنة الفجر إذا أمن فوت الجماعة في الصبح، كما تقدم، وقبل صلاة العيد وبعدها على ما تقدم، وبين الظهر والعصر المجموعتين في عرفة جمع تقديم ولو سنة الظهر، وبين المغرب والعشاء المجموعتين في المزدلفة جمع تأخير، ولو سنة المغرب، وعند ضيق وقت المكتوبة، وإذا وقع النفل في وقت من هذه الأوقات انعقد مع الكراهة التحريميةن ويجب قطعه وأداؤه في وقت الجواز.
الحنابلة قالوا: يحرم التنفل ولا ينعقد، ولو كان له سبب في أوقات ثلاثة، وهي: أولاً: من طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس قدر رمح إلا ركعتي الفجر، فإنها تصح في هذا الوقت قبل صلاة الصبح، وتحرم ولا تنعقد بعده؛ ثانياً: من صلاة العصر، ولو مجموعة مع الظهر جمع تقديم، إلى تمام الغروب، إلا سنة الظهر، فإنها تجوز بعد العصر المجموعة مع الظهر؛ ثالثاً: عند توسط الشمس في كبد السماء حتى نزول، ويستثنى من ذلك كله ركعتا الطواف، فإنها تصح في هذه الأوقات مع كونها نافلة، ومثلها الصلاة المعادة. بشرط أن تقام الجماعة وهو بالمسجد، فإنه يصح أن يعيد الصلاة التيстр. 334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) صلاها مع الجماعة، وإن وقعت نافلة، وكذا تحية المسجد إذا دخل حال خطبة الإمام وقت توسط الشمس في كبد السماء فإنها تصح، وإذا شرع في صلاة النافلة قبل دخول وقت من هذه الأوقات ثم دخل الوقت وهو فيها فإنه يحرم عليه إتمامها، وإن كان صحيحة، أما صلاة الجنازة فإنها تحرم في وقت توسط الشمس في كبد السماء إلى أن تزول، وفي وقت شروعها في الغروب إلى أن يتكامل الغربو؛ وفي وقت طلوعها إلى أن تتكامل، فيحرم فعلها في هذه الأوقات، ولا تنعقد إلا لعذر فيجوز.
الشافعية قالوا: تكره صلاة النافلة التي ليس لها سبب تحريماً، ولا تنعقد في خمسة أوقات، وهي: أولاً: بعد صلاة الصبح أداء إلى أن ترتفع الشمس: ثانياً: عند طلوع الشمس إلى ارتفاعها قدر رمح؛ ثالثاً: بعد صلاة العصر أداء، ولو مجموعة مع الظهر في وقته، رابعاً: عند اصفرار الشمس حتى تغرب؛ خامساً: وقت استواء الشمس في كبد السماء إلى أن تزول؛ أما الصلاة التي لها سبب متقدم عليها كتحية المسجد وسنة الوضوء، وركعتي الطواف، فإنها تصح بدون كراهة في هذه الأوقات لوجود سببها المتقدم، وهو الطواف، والوضوء، ودخول المسجد، وكذا الصلاة التي لها سبب مقارن، كصلاة الاستسقاء، والكسوف، فإنها تصح بدون كراهة أيضاً لوجود سببها المقارن، وهو القحط، وتغيب الشمس؛ أما الصلاة التي لها سبب متأخر كصلاة الاستخارة والتوبة، فإنها لا تنعقد لتأخير سببها؛ ويستثنى من ذلك الصلاة بمكة، فإنها تنعقد بلا كراهة في أي وقت من أوقات الكراهة، وإن كانت خلاف الأولى؛ ويستثنى أيضاً من وقت الاستواء يوم الجمعة، فإنه لا تحرم فيه الصلاة، نعم تحرم الصلاة مطلقاً بعد جلوس الخطيب على المنبر يوم الجمعة إلا تحية المسجد، فإنها تسن بشرط أن لا تزيد عن ركعتين، فلو قام لثالثة بطلت صلاته كلها؛ وأما خطبة غير الجمعة فتكره الصلاة فيها تنزيهاً؛ ويكره تنزيهاً التنفل عند إقامة الصلاة المفروضة غير الجمعة؛ أما هي فيحرم التنفل عند إقامتها إن ترتب عليه فوات ركوعها الثاني مع الإمام، ويجب قطع النافلة عند ذلك، وإذا شرع في النفل قبل إقامة الصلاة ثم أقيمت وهو يصليه أتمه إن لم يخش فوات الجماعة بسلام الإمام، وإلا ندب له قطعه إن لم يغلب على ظنه الحصول على جماعة أخرى.
المالكية قالوا: يحرم التنفل، وهو كل ما عدا الصلوات الخمس المفروضة، كالجنازة التي لم يخف عليها التغير، وسجود التلاوة وسجود السهو، في سبع أوقات، وهي من ابتداء طلوع الشمس إلى تمامه، ومن ابتداء غروب الشمس إلى تمامه، وحال خطبة الجمعة اتفاقاً، والعيد على الراجح، وحال خروج الإمام للخطبة، وحال ضيق الوقت الاختياري، أو الضروري للصلاة المكتوبة، وحال تذكر الفائتة - إلا الوتر لخفته - لأنه يجب قضاءها بمجرد تذكرها، لقوله ﷺ : "من نسي صلاة فليصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" وحال إقامة الصلاة للإمام الراتب، لقوله ﵊: "وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" ويكره ما ذكر من النفل وما ماثله مما تقدم في أوقات. الأول: بعد طلوع الفجر إلى قبيل طلوع الشمس، ويستثنى من ذلك أمور: رغيبة الفجر، فلاстр. 335
قضاء النافلة إذا فات وقتها أو فسدت بعد الشروع
إذا فاتت النافلة فلا تقضى إلا ركعتي الفجر، فإنهما يقضيان من وقت حل النافلة بعد طلوع الشمس إلى الزوال، على التفصيل المتقدم، باتفاق الحنفية، والمالكية، وخالف الشافعية والحنابلة فانظر مذهبهم تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الشافعية قالوا: يندب قضاء النفل الذي له وقت كالنوافل التابعة للمكتوبة والضحىстр. 336
وإذا شرع في النفل ثم أفسده فلا يجب عليه قضاؤه، لأنه لا يتعين بالشروع فيه، باتفاق الشافعية والحنابلة، وخالف المالكية؛ والحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
هل تصلي النافلة في المنزل أو في المسجد ؟
صلاة النافلة في المنزل أفضل لقوله ﵊: "صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، رواه البخاري؛ ومسلم ويستثنى النافلة التي شرعت لها الجماعة كالتراويح؛ فإن فعلها في المسجد أفضل على التفصيل المتقدم في مبحثها.
صلاة النفل على الدابة
وتجوز صلاة النافلة على الدابة بلا عذر، على تفصيل في المذاهب، فانظره تحت الخط (٢) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: إذا شرع في النفل المطلوب منه ثم أفسده، لزمه قضاءه: فإن نوى ركعتين أو لم ينو عدداً، ثم أفسده، لزمه قضاء ركعتين، وكذا إن نوى أربعاً على الصحيح، ولو شرع في نفل يظنه مطلوباً منه، ثم تبين له أثناء الصلاة أنه غير مطلوب لم يلزمه قضاءه.
المالكية قالوا: يجب قضاء النفل إذا أفسده فإن نوى ركعتين أو لم ينو عدداً ثم أفسده وجب عليه قضاء ركعتين. أما إذا نوى أربع ركعات، ثم أفسدها: فإن كان الافساد قبل عقد الركعة الثالثة برفع رأسه من ركوعها مطمئناً معتدلاً وجب قضاء ركعتين، وإن كان بعد عقد الركعة الثالثة بما ذكر وجب عليه قضاء أربع ركعات(٢) الشافعية قالوا: صلاة النافلة على الدابة جائزة إلى الجهة التي يقصدها المسافر، ولا يجوز له الانحراف عنها إلا للقبلة، فإن انحراف لغير القبلة عالماً عامداً بطلت صلاته. وإنماتجوز بشرط السفر، ولو لم يكن سفر قصر؛ ويصليها صلاة تامة بركوع وسجود. إلا إذا الشافعية قالوا: عليه ذلك فإنه يومئ بركوعه وسجوده، بحيث يكون انحناء السجود أخفض من انحناء الركوع إن سهل، وإلا فعل ما أمكنه ويجب عليه فيها استقبال القبلة إن لم يشق عليه. فإن شُق عليه استقبالها في كل الصلاة وجب عليه أن يستقبلها عند افتتاح الصلاة بتكبيرة الإحرام، فإن شُق عليه ذلك أيضاً سقط استقبال القبلة بشروط ستة:стр. 337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الأول: أن يكون السفر مباحاً، الثاني: أن يقصد السفر إلى مكان لا يسمع فيه نداء الجمعة.
الثالث: أن يكون السفر لغرض شرعي، كالتجارة، الرابع: دوام السفر حتى يفرغ من الصلاة التي شرع فيها، فلو قطع السفر وهو يصلي لزمه استقبالها، الخامس: دوام السير، فلو نزل أو وقف للاستراحة في أثناء الصلاة لزمه الاستقبال ما دام غير سائر السادس: ترك فعل الكثير بلا عذر، كالركض والعدو بلا حاجة في أثناء الصلاة المذكورة، أما إن كان لحاجة فلا يضر، ويجب أن يكون مكانه على الدابة طاهراً؛ بخلاف ما إذا بالت الدابة أو دمي فمها أو وطئت نجاسة رطبة: فإن كان زمامها بيده بطلت صلاته، وإلا فلا، أما إن كانت النجاسة جافة فإن فارقتها الدابة حالاً صحت الصلاة، وإلا فلا تصح، ومن جعل دابته تطأ نجاسة بطلت صلاته مطلقاً، ويجوز للمسافر أن يتنفل ماشياً، فإن كان في غير وحل لزمه إتمام الركوع والسجود والتوجه فيهما إلى القبلة، كما يجب عليه التوجه إليها عند إحرامه والجلوس بين السجدتين، ولا يمشي إلا في قيامه واعتداله من الركوع قائماً، وتشهده وسلامه كذلك، ومن كان ماشياً في نحو ثلج أو وحل أو ماء جاز له الإيماء بالركوع والسجود، إلا أنه يلزمه استقبال القبلة فيهما، والماشي إذا وطئ نجاسة عمداً في أثنائها بطلت صلاته مطلقاً، فإن وطئها سهواً صحت صلاته إن كانت جافة وفارقها حالاً، وإلا بطلت صلاته.
المالكية قالوا: يجوز للمسافر سفراً تقصر فيه الصلاة - وسيأتي بيانه - أن يصلي النفل، ولو كان وتراً، على ظهر الدابة، بشرط أن يكون راكباً لها ركوباً معتاداً، وله ذلك متى وصل إلى مبدأ قصر للصلاة على الأحوط، ثم إن كان راكباً في "شقدف وتختروان" ونحوهما مما يتيسر في الركوع والسجود عادة صلى بالركوع والسجود قائماً أو جالساً إن شاء بالإيماء، ويقوم استقبال جهة السفر مقام استقبال القبلة، وإن كان راكباً لأتان ونحوها صلى بالركوع والإيماء للسجود، بشرط أن يكون الإيماء للأرض لا للسرج ونحوه، وأن يحسر عمامته عن جبهته، ولا تشترط طهارة الأرض التي يومئ لها. ولا يجب عليه استقبال القبلة أيضاً. ويكفيه استقبال جهة السفر، فلو انحرف عنها عمداً لغير ضرورة بطلت صلاته. إلا إن كان الانحراف للقبلة فتصح، لأن القبلة هي الأصل، ويندب للمسافر المذكور أن يبدأ صلاته لجهة القبلة، ولا يجب ولو تيسر، أما الماشي والمسافر سفراً لا تقصر فيه الصلاة لكونه قصيراً أو غير مباح مثلاً، وكذا راكب الدابة ركوباً غير معتاد - كالراكب مقلوباً - فلا تصح صلاته إلا بالاستقبال والركوع والسجود. ويجوز للمتنفل على الدابة أن يفعل ما لا بد منه من ضرب الدابة بسوط ونحوه، وتحريك رجله، وإمساك زمامها بيده، ولكنه لا يتكلم ولا يلتفت، وإذا شرع في الصلاة على ظهرها ثم وقف، فإن نوى إقامة تقطع حكم السفر نزل وتمم بالأرض بالركوع والسجود، وغلا خفف القراءة وأتم على ظهرها، وأما الفرض على ظهر الدابة ولو كان نفلاً منذوراً، فلا يصح إلا في الهودج ونحوه، بشرط استقبال القبلة والركوع والسجود والقيام، أما على الأتان ونحوها فلا يصح إلا لضرورة، كما تقدم في مباحث "استقبال القبلة في صلاة الفرض".
الحنفية قالوا: تندب الصلاة على الدابة إلى أي جهة توجهت إليها دابته؛ فلو صلى إلى جهة غيرстр. 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) التي توجهت إليها دابته لا تصح لعدم الضرورة، ولا يشترط في ذلك السفر، بل يتنفل المقيم بلا عذر، متى جاوز المصر إلى المحل الذي يجوز للمسافر فيه الصلاة فيه، وينبغي أن يومئ لأن الصلاة على الدابة شرعت بالإيماء، فلو سجد على شيء وضعه أو سجد على السرج اعتبر سجوده إيماء إن كان أخفض من الركوع، ولا يشترط استقبال القبلة في ابتداء الصلاة، لأنها لما جازت إلى غير جهة الكعبة جاز الافتتاح إلى غير جهتها، نعم يستحب ذلك مع عدم المشقة، ويجوز أن يحث دابته على السير بالعمل القليل، كما يجوز له أن يفتتح صلاته على الدابة، ثم ينزل عنها بالعمل القليل ويتمها بانياً على ما صلاه؛ أما إذا افتتح الصلاة وهو على الأرض، فلا يجوز له أن يتمها بانياً على ظهر الدابة، ولو افتتح صلاته خارج المصر، ثم دخل المصر أتم على الدابة، وأما صلاة الفرض والواجب وسنة الفجر، فإنها لا تجوز على الدابة إلا لضرورة، كخوف من لص أو سبع على نفسه أو دابته أو ثيابه لو نزل، وقد تقدم بيانه في "استقبال القبلة"، ولا يمنع صحة الصلاة على الدابة نجاسة كثيرة عليها. ولو كانت في السرج والركابين في الأصح، ولا يجوز للماشي أن يتنفل ماشياً بل يقف إذا أراد التنفل، ويؤدي الصلاة تامة.
الحنابلة قالوا: يجوز للمسافر سفراً مباحاً إلى جهة معينة، سواء كان سفر قصر أو لا أن يتنفل على ظهر الدابة أو على الأرض إذا كان ماشياً؛ ويجب على المتنفل على الدابة أن يركع ويسجد ويستقبل القبلة في جميع الصلاة متى أمكنه ذلك بلا مشقة. فإن شُق عليه شيء من ذلك فلا يجب، فيستقبل جهة سفره إن شُق عليه استقبال القبلة، ويومئ للركوع، أو السجود إن تعسر واحد منهما، ويلزم أن يكون الإيماء للسجود أخفض من الإيماء للركوع إن تيسر، وأما الماشي فيلزمه افتتاح الصلاة إلى جهة القبلة. وأن يركع ويسجد بالأرض إلى جهة القبلة أيضاً، ويفعل باقي الصلاة وهو ماس مستقبلاً جهة مقصده، ومن كان يتنفل على الدابة وهو ماش، وكان مستقبلاً جهة مقصده، ثم عدلت به دابته أو عدل هو عنها فإن كان العدل لجهة القبلة صحت وإن كان لغيرها، فإن كان لغير عذر بطلت صلاته مطلقاً، وإن كان لعذر وطال العدول عرفاً بطلت، وإلا فلا، ويشترط طهارة ما تحت الراكب المتنفل من برذغة ونحوها بخلاف الحيوان، فلا تشترط طهارته، أما من سافر ولم يقصد جهة معينة، وكذا من سافر سفراً مكروهاً أو محرماً فإنه يلزمه كل ما يلزم في الصلاة من استقبال القبلة وغيرهاстр. 339
مباحث الجمعة
يتعلق بها مباحث: أحدها: حكمها ودليله: ثانيها: وقتها، ثالثها: متى يجب السعي لصلاة الجمعة، رابعها: شروطها، خامسها: شرح بعض هذه الشروط، وهي حكم حضور النسار الجمعة، حكم تعدد المساجد التي تقام فيها الجمعة في البلد الواحد، الجماعة التي تصح بها الجمعة، الخطبة - أركانها - شروطها - سننها - مكروهاتها - الكلام حال الخطبة وعند خروج الخطيب من خلوته وجلوسه على المنبر - الترقية بين يدي الخطيب، سادسها: بيان ما لا يجوز فعله يوم الجمعة في المسجد أو يره، كتخطي رقاب الناس في المسجد، وعدم جواز السفر يومها، سابعها: هل يجوز لمن فاتته الجمعة أن يصلي الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة؛ ثامنها: هل يجوز لمن فاتته الجمعة أن يصلي الظهر جماعة؛ تاسعها: بيان حكم من أدرك إمام الجمعة في بعض الصلاة؛ عاشرها: مندوبات صلاة الجمعة، وإليك بيان هذه المباحث بالتفصيل.
حكم الجمعة، ودليله
صلاة الجمعة فرض على كل من استكملت فيه الشروط الآتي بيانها، وهي ركعتان، لما روي عن عمر ﵁ عنه أنه قال: "صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ " رواه أحمد والنسائي، وابن ماجة بإسناد حسن، وهي فرض عين على كل مكلف قادر مستكمل لشروطها، وليست بدلاً عن الظهر فإذا لم يدركها فرض عليه صلاة الظهر أربع ركعات، وقد ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة والاجماع؛ أما الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع﴾ ، وأما السنة فمنها قوله ﷺ : "لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفوا عن الجمعة بيوتهم" رواه مسلم، وقد انعقد الاجماع على أن الجمعة فرض عين.
وقت الجمعة، ودليله
وقت الجمعة وهو وقت الظهر، من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل الاستواء، كما تقدم بيانه في مبحث "أوقات الصلاة" فلا تصح الجمعة قبل هذا الوقت، ولا
стр. 340
بعده باتفاق الحنفية، والشافعية، وخالف الحنابلة، والمالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) وإذا خرج الوقت وهم في صلاة الجمعة، ففي حكم صلاتهم خلاف في المذاهب، فانظره تحت الخط (٢) ، أما دليل وقتها فهو ما رواه البخاري في "صحيحه" عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس، وأخرج مسلم عن سلمة بن الأكوع، قال: كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء (الظل) .
متى يجب السعي لصلاة الجمعة، ويحرم البيع؟، الأذان الثاني
يجب السعي لصلاة الجمعة على من تجب عليه الجمعة إذا نودي لها بالأذان الذين بين يدي الخطيب، ويحرم البيع في هذه الحالة لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع﴾ فقد أمر الله تعالى بالسعي إلى الصلاة عند النداء، ولم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ سوى هذا الأذان، فكان إذا صعد ﷺ المنبر أذن المؤذن بين يديه، وقد روى ذلك البخاري، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وقد زاد عثمان الحواشي
(١) الحنابلة قالوا: يبتدئ وقت الجمعة من ارتفاع الشمس قدر رمح، وينتهي بصيرورة ظل كل شيء مثله، سوى ظل الزوال، ولكن ما قبل الزوال وقت جواز يجوز فعلها فيه، وما بعد الزوال وقت وجوب يجب إيقاعها فيه، وإيقاعها فيه أفضل.
المالكية قالوا: وقتها من زوال الشمس إلى غروبها، بحيث يدركها بتمامها مع الخطبة قبل الغروب، فإن علم أن الوقت الباقي إلى الغروب لا يسع إلا ركعة منها بعد الخطبة. فلا يسرع فيها، بل يصلي الظهر فإن شرع يصح(٢) الحنفية قالوا: تبطل صلاتهم بخروج الوقت قبل تمامها لفوات الشرط، ولو بعد القعود قدر التشهد.
الشافعية قالوا: إذا شرعوا في صلاتها، وقد بقي من الوقت ما يسعها، ولكنهم أطالوا فيها حتى خرج الوقت لم يبطل ما صلوه، بل يتمونها ظهراً بانين على صلاتهم الأولى من غير نية الظهر، ويسر الإمام فيما بقي. ويحرم أن يقطعوا الصلاة. ويستأنفوا الظهر من أوله، أما إذا شرعوا فيها بعد أن ضاق الوقت ظانين أنه يسعها فلم يسعها، وخرج وهم في الصلاة بطلت صلاتهم، ولا تنقلب ظهراً.
الحنابلة قالوا: إذا شرعوا في صلاة الجمعة آخر وقتها فخرج الوقت وهم فيها أتموها جمعة.
المالكية قالوا: إن شرع في الجمعة معتقداً إدراكها بتمامها ثم غربت الشمس قبل تمامها، فإن كان الغروب بعد تمام ركعة بسجدتيها أتمها جمعة، وغلا أتمها ظهراًстр. 341
رضي الله عنه نداء قبل هذا عندما كثر الناس، روي عن السائب بن يزيد، قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر. فلما كان زمن عثمان، وكثر الناس، زاد النداء الثاني على الزوراء، وفي رواية زاد الأذان الثالث ولكن المراد به هنا الأذان، وإنما سماه ثالثاً لأن الإقامة تسمى أذاناً؛ ومما لا ريب فيه أن زيادة هذا الأذان مشروعة، لأن الغرض منه الإعلام، فلما كثر الناس كان إعلامهم بوقت الصلاة مطلوباً، وسيدنا عثمان من كبار الصحابة المجتهدين الذين عرفوا قواعد الدين ونقلوها عن رسول الله ﷺ .
وقد اتفق ثلاثة من الأئمة على أنه يجب على المكلف بالجمعة أن يسعى إليها متى سمع النداء الذي بين يدي الخطيب، لأنه هو المقصود بالآية الكريمة، وخالف الحنفية فقالوا: متى سمع أذان الجمعة بعد زوال الشمس فإنه يجب عليه أن يسعى، فالأذان المعروف الآن على المئذنة ونحوها يوجب السعي إلى الصلاة، لأنه نداء مشروع، والآية عامة، فلم تخصه بالأذان الذي بين يدي الخطيب، كما يقول الثلاثة.
أما البيع فقد اتفق الحنفية، والشافعية على أنه حرام عند أذان الجمعة. وإن كان صحيحاً، إلا أن الشافعية أرادوا الأذان الذين بين يدي الخطيب، والحنفية، أرادوا الأذان الذي قبله إلى انتهاء الصلاة، أما المالكية، والحنابلة؛ فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
هذا حكم من تجب عليهم الجمعة، أما من لا تجب عليهم فإنه لا يجب عليهم السعي، ولا يحرم عليهم البيع، فإن كان أحد المتعاقدين يلزمه، والآخر لا يلزمه، فإنه يحرم عليهما معاً، وذلك لأن من لا تجب عليه أعان من تجب عليه على المعصية. ومن هذا تعلم أنه لا يجب السعي، ولا يحرم البيع قبل الأذان المذكور على الخلاف المتقدم؛ نعم يجب السعي على من كانت داره بعيده عن المسجد بقدر ما يدرك به أداء الفريض. الحواشي
(١) المالكية قالوا: إذا وقع البيع وقت الأذان المذكور كان فاسداً ويفسخ، إلا إذا تغيرت ذات المبيع، كأن ذبح أو أكل منه أو نحو ذلك، وكذا إذا تغير سوقه، كأن نزل ثمنه أو صعد ونحو ذلك مما يفوت به البيع الفاسد، كما يأتي في "الجزء الثاني" فإذا وقع شيء من ذلك فإن البيع يمضي، وتجب قيمة المبيع يوم قبضه لا الثمن الذي وقع العقد عليه.
الحنابلة قالوا: إذا وقع البيع في هذا الوقت لا ينعقد رأساًстр. 342
شروط الجمعة، تعريف المصر والقرية
يشترط لصلاة الجمعة ما يشترط لصلاة الظهر وغيره من الصلوات المذكورة في صحيفة ١٦١ وما بعدها في مبحث "شروط الصلاة" المتقدم بيانها، ولكن للجمعة شروط زائدة على شروط الصلاة المتقدمة، فلنذكرها لك مجتمعة عند كل مذهب تحت الخط (١) ، ثم نبين المتفق عليه، والمختلف فيه. الحواشي
(١) الحنفية قالوا: تنقسم شروط الجمعة الزائدة على شروط الصلاة إلى قسمين: شروط وجوب؛ وشروط صحة، فشروط وجوبها عندهم ستة، أحدها: الذكورة، فلا تجب على الأنثى، ولكن إذا حضرتها وأدتها، فإنها تصح منها، وتجزئها عن صلاة الظهر، ثانيها: الحرية، فلا تجب على من به رق، ولكن إذا حضرها وأداها فإنها تصح منه، ثالثها: أن يكون صحيحاً، فلا تجب على المريض الذي يتضرر بالذهاب لحضورها ماشياً، فإن عجز عن الذهاب إلى المسجد ماشياً سقطت عنه الجمعة، وإن وجد من يحمله باتفاق الحنفية، أما الأعمى الذي لا يمكنه الذهاب إليها بنفسه فالإمام يقول: إنها تسقط عنه؛ ولو وجد قائداً متبرعاً، أو بأجر يقدر عليه، والصاحبان يقولان إن قدر على الذهاب، ولو بقائد متبرع، أو بأجر يقدر عليه لزمه الذهاب، فيجوز للأعمى أن يقلد أحد الرأيين، ولكن الأحوط أن يقلد مذهب الصاحبين، خصوصاً أن الجمعة تصح منه باتفاق، رابعها: الإقامة في المحل الذي تقام فيه الجمعة، أو في محل متصل به، فمن كان في محل يبعد عن مكان الجمعة فإنها لاتجب عليه، وقدروا مسافة البعد بفرسخ، وهو ثلاثة أميال، والميل ستة آلاف ذراع، وهي - خمسة كيلو مترات، وأربعون متراً - وهذا هو المختار للفتوى، وبعضهم قدر هذه المسافة بأربعمائة ذراعٍ؛ وتسمى "غلوة"، وبذلك تعلم أنها لا تجب على المسافر إلا إذا نوى أن يقيم خمسة عشر يوماً، خامسها: أن يكون عاقلاً، فلا تجب على المجنون ومن في حكمه؛ سادسها: البلوغ، فلا تجب على الصبي الذي لم يبلغ.
هذا، ولا يشتبه عليك عد العقل والبلوغ من شروط وجوب الجمعة الزائدة على شروط وجوب الصلاة، وذلك لأن الحنفية عدوا في كتبهم المشهورة شروط الصلاة مقصورة على شروط الجواز والصحة، وإلا فمما لا شك في أن البلوغ من شروط وجوب الصلاة، وكذلك القدرة في شرائط الجمعة اكتفاء بعدّها في شروط الصلاة كان له وجه حسن؛ وأما شروط صحتها فهي سبعة أحدها: المصر، فلا تجب على من كان مقيماً بقرية لقول علي ﵁: "لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر، ولا أضحى إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة" رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" موقوفاً على علي "﵁"، وكذلك رواه عبد الرزاق، والفرق بين القرية والمصر أن المصر ما لا تسع أكبر مساجده أهله المكلفين بصلاة الجمعة، ولو لم يحضروا بالفعل، وبهذا أفتى أكثر فقهاء الحنفية، وعليه فتصحстр. 343
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الجمعة في كل بلاد القطر المصري التي بها مساجد تقام فيها الجمعة، إذ لا توجد قرية يسع أكبر مساجدها جميع أهلها المكلفين، فإذا فرض ووجدت قرية صغيرة، ويقال لها: نزلة، لا ينطبق عليها هذا الشرط، فإنه لا يصح من أهلها الجمعة إذا لم يكن بينها وبين بلدة أخرى أقل من مسافة فرسخ، وإلا فإنه يلزمهم الذهاب إلى هذه البلدة لأداء الجمعة؛ ولكن المشهور من مذهب أبي حنيفة أن المصر هو كل موضع له أمير وقاض يقدر على إقامة أكثر الحدود، وإن لم ينفذها بالفعل، فلا تصح الجمعة على هذا الرأي في مساجد البلدان التي لا ينطبق عليها هذا الشرط وحيث أن معظم علماء المذهب أفتوا بالرأي الأول فمن الحيطة العمل به خصوصاً أن جميع الأئمة لم يشترطوا هذا الشرط، فالذين يتركون صلاة الجمعة بناء على ما اشتهر عند بعض الحنفية في تعريف المصر لم يأخذوا بالأحوط لديهم، خصوصاً إذا ترتب على ترك الجمعة تشكيك العامة واستهانتهم بأداء واجباتهم الدينية، على
أن عندهم الذي يعولون عليه في هذا هو ما رواه ابن أبي شيبة عن علي موقوفاً، وقد نقل الزيلعي في كتابه "نصب الراية" أن النبي ﷺ لم ينقل عنه في هذا الموضوع شيء، وعلى فرض أنه حديث صحيح فمن أين جاء تعريف المصر بأنه ما كان له أمير وقاض ينفذ الحدود؟، فالحق واضح، والارتكاز على هذا لا يفيد مطلقاً، ولهذا جرى جمهور محققي الحنفية على أن المصر هو ما كان أكبر مسجد فيه لا يسع أهله الذين تجب عليهم الصلاة، وإن لم يحضروا فعلاً؛ أما الأئمة الآخرون فإنهم لم يعولوا على هذا الأثر الذي نقل عن علي كرم الله وجهه، وستعرف شرائطهم بعد هذا؛ ثانيها: إذن السطان أو نائبه الذي ولاه إمارة، فإذا ولى الإمام خطيباً فغن له أن يولي غيره، ولو لم يأذن بالإنابة على الظاهر، وبعضهم يقول: لا يجوز إلا إذنه بإنابة غيره: ثالثها: دخول الوقت، فلا تصح الجمعة إلا إذا دخل وقت الظهر، وقد عرفت أن دخول الوقت شرط لصحة الصلاة مطلقاً، ولو غير جمعة، كما هو شرط لوجوبها، ولكنهم ذكروه أيضاً في شرائط صحة الجمعة تساهلاً، وإذا خرج الوقت قبل تمام صلاتها فإن صلاتهم تبطل، ولو بعد القعود قدر التشهد؛ وقد عرفت أن وقت الجمعة هو وقت الظهر، وهو من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل الاستواء؛ رابعها: الخطبة، وسيأتي بيانها؛ خامسهاً: أن تكون الخطبة قبل الصلاة؛ سادسها: الجماعة، فلا تصح الجمعة إذا صلاها منفرداً، ويشترط في الجماعة عند الحنفية أن يكونوا ثلاثة غير الإمام، وإن لم يحضروا الخطبة، كما سيأتي في مبحث "الجماعة التي لا تصح الجمعة إلا بها"؛ سابعها: الإذن العام من الإمام - الحاكم - فلا تصح الجمعة في مكان يمنع منه بعض المصلين، فلو أقام الإمام الجمعة في داره بحاشيته وخدمه، فإنها تصح مع الكراهة، ولكن بشرط أن يفتح أبوابها، ويأذن
للناس بالدخول فيها، ومثلها الحصن والقلعة، على أنه لا يضر إغلاق الحصن أو القلعة لخوف من العدو، فتصح الصلاة فيها مع إغلاقها متى كان مأذوناً للناس بالدخول فيها، وتصح صلاة الجمعة في الفضاء، بشرطين: أحدهما إذن الإمام؛ ثانيهما: أن لا يبعد عن المصر أكثر من فرسخ، أو يكون له علاقة بالمصر، كالمحل الذي أعد لسباق الخيل، أو لدفن الموتى، وسيأتي في مبحثه.стр. 344
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المالكية قالوا: تنقسم شروط الجمعة إلى قسمين: شروط وجوب، وشرط صحة، فأما شروط وجوبها فهي كشروط وجوب الصلاة المتقدمة، وتزيد عليها أمور؛ أحدها الذكورة، فلا تجب الجمعة على المرأة، ولكن إن صلتها مع الجماعة فإنها تصح منها، وتجزئها عن صلاة الظهر؛ ثانيها: الحرية، فلا تجب على العبد، ولكن إذا حضرها وأداها فإنها تصحمنه، وهذا الشرطان متفق عليهما في المذاهب بنصهما، ثالثها: عدم العذر المبيح لتركها، فتسقط عن المريض الذي يتضرر بالذهاب إليها راكباً أو محمولاً، فإذا قدر على السعي لها، ولو بأجرة لا تجحف به، فإنها تجب عليه، وإذا كان مقعداً فإنه لا يلزمه الذهاب إلى الجمعة، إلا إذا وجد من يحمله، ولم يتضرر من ذلك؛ رابعها: أن يكون مبصراً، فلا تجب على الأعمى إذا تعذر عليه الحضور بنفسه، أو لم يجد قائداً، فإن أمكنه المشي بنفسه، أو وجد قائداً، فإنها تجب عليه؛ خامسها: أن لا يكون شيخاً هرماً يصعب عليه الحضور، سادسها: أن لا يكون وقت حر أو برد شديدين، ومثل الحروالبر الشديدين المطر والوحل الشديدان، سابعها: أن يخاف من ظالم يحبسه أو يضربه ظلماً، أما إن كان يستحق ذلك فإن الجمعة لا تسقط عنه، ثامنها: أن يخاف على مال أو عرض أو نفس، ويشترط في المال أن يكون ضياعه مجحفاً به، تاسعها: أن يكون مقيماً بالبلد الذي تقام به الجمعة، أو مقيماً بقرية أو خيمة تبعد عنه ثلاثة أميال وثلث ميل.
وتعتبر هذه المسافة من المنارة التي في طرف البلد إن جاز تعدد مساجد الجمعة، بأن كان هناك ضرورة توجب التعدد، أما إذا منع تعدد المساجد فتعتبر هذه المسافة من منارة الجامع الذي أقيمت فيه الجمعة أولاً، فالمقيم والمسافر الذي نوى إقامة أربع أيام تامة تجب عليه الجمعة، وإن كانت لا تنعقد بالمسافر الذي نوى الإقامة؛ أما الاستيطان، وهو الإقامة بنية التأبيد، فهو شرط لوجوبها ابتداء ولصحتها، فلاتجب الجمعة ابتداء إلا على قوم أقاموا في بلدة على التأبيد بحيث يمكن حمايتها والذود عنها من الطوارئ الغالبة؛ عاشرها: أن يكون في بلدة مستوطنة، فلو نزل جماعة كثيرة بمكان ونووا فيه الإقامة شهراً مثلاً، وأرادوا أن يقيموا جمعة في ذلك المكان، فلا تجب عليهم ولا تصح، ولا يشترط في بلد الجمعة أن يكون مصراً، فتصح في القرية وفي الأخصاص، وهي البيوت المبنية من الجريد أو القصب الفارسي - البوص -؛ وأما بيوت الشعر فلا تجب الجمعة على أهلها، ولا تصح، لأن الغالب عليهم الارتحال، إلا إذا كانوا قريبين من بلدها، فتجب عليهم تبعاً، كما تقدم.
وأما شروط صحة الجمعة فهي خمسة: الأول استيطان قوم ببلدة أو جهة، بحيث يعيشون في هذا البلد دائماً آمنين على أنفسهم من الطوارئ الغالبة، وكما أن الاستيطان شرط في الصحة، فهو شرط في الوجوب، كما تقدم بيانه في "شرائط الوضوء": الثاني: حضور اثني عشر غير الإمام، ويلزم حضور جميع أهل البلد، ولو في أول جمعة على الصحيح؛ نعم يشترط وجودهم في البلد أو قريباً منه بحيث يمكن الاستنجاد بهم في كلجمعة؛ الثالث: الإمام ويشترط فيه أمران: أحدهما: أن يكون مقيماً أو مسافراً نوى إقامة أربعة أيام، وقد تقدم. ثانيهما: أن يكون هو الخطيب، فلو صلى بهم غير من خطب، فالصلاة باطلة إلا إذا منع الخطيب من الصلاة مانع يبيح له الاستخلاف، كرعاف، ونقضстр. 345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وضوء، فيصح أو يصلي غيره إن لم ينتظر زوال عذره في زمن قريب، وإلا وجب انتظاره؛ والقرب مقدار صلاة الركعتين الأوليين من العشاء وقراءتهما: الرابع الخطبتان، وقد تقدم الكلام عليهما؛ الخامس: الجامع، فلا تصح الجمعة في البيوت ولا في أرض براح مثلاً، ويشترط في الجامع شروط أربعة الأول: أن يكون مبنياً، فلا تصح في مسجد حوط عليه بأحجار أو طوب من غير بناء؛ الثاني: أن يكون بناؤه مساوياً على الأقل للبناء المعتاد لأهل البلد، فلو كان البلد أخصاصاً صح بناء المسجد من البوص؛ الثالث: أن يكون في البلد أو قريباً منها، بحيث يصل إلى المكان المقيم به دخان البلد التي تقام فيها الجمعة، الرابع: أن يكون المسجد واحداً فلو تعددت المساجد في البلد الواحد فلا يصح إلا في الجامع القديم، على التفصيل الذي تقدم في "مبحث تعدد المساجد".
الشافعية قالوا: تنقسم شروط الجمعة إلى قسمين: شروط وجوب: وشروط صحة، فأما شروط وجوبها الزائدة على ما تقدم في شروط وجوب الصلاة، فمنها الشروط التي ذكرها المالكية إلى الشرط العاشر، فمنهم متفقون معهم في أن الجمعة لا تجب على المريض والمقعد والأعمى إلا بالشروط التي ذكرها المالكية في شرائط الوجوب، وكذا لا تجب في حال البرد والحر الشديدين جداً، كما يقول المالكية، ومثلهما المطر والوحل والخوف من عدو ظالم أو حاكم ظالم كذلك، وكذا لا تجب على من خاف ضياع مال، سواء كان مجحفاً به أو لا، خلافاً للمالكية في ذلك، وكذا لا تجب على من خاف على عرضه أو نفسه، كما لا تجب على المرأة والرقيق، ولكنها تصح منهما، وقد وافق الحنابلة على هذه الشروط أيضاً، إلا أن الحنابلة قالوا: لا تجب على الأعمى، إلا إذا وجد قائداً أو ما يقوم مقامه من علامة يستند إليها حتى يصل إلى المسجد، كجدار يمكنه أن يستند إليه أو حبل يمسكه أو نحو ذلك، وقد عرفت أن الحنفية يقولون: تسقط عن المريض الذي يتضرر بالذهاب لحضورها ماشياً، فإن عجز عن ذلك سقطت عنه، وإن وجد من يحمله باتفاق، أما الأعمى ففيه خلاف، فبعضهم يقول: تسقط عنه، ولو وجد قائداً متبرعاً، ومنهم من يقول: إذا قدر الذهاب ولو بقائد متبرع أو بأجر يقدر عليه فإن الذهاب يجب عليه. كما تقدم في شرائط الوجوب عند الحنفية، وقد وافق الحنفية جميع الأئمة على أن الجمعة لا تجب على من خاف من ظالم يعتدي على ماله أو عرضه أو نفسه، بشرط أن يكون ضياع ماله مجحفاً به، كما يقول المالكية، والحنابلة، خلافاً للشافعية، أما إن كان ظالماً، فإن الجمعة لا تسقط عنه بالخوف من القصاص.
ومن شروط وجوب الجمعة عند الشافعية الإقامة بمحل الجمعة أو بمحل قريب منه، كما يقول غيرهم من الأئمة، إلا أن لهم في ذلك تفصيلاً، وهو أنهم يشترطون فيمن كان مقيماً بمحل قريب من محل الجمعة أن يسمع الأذان أو النداء، فلا تجب الجمعة على من كان مقيماً بمكان بعيد لا يسمع أهله النداء، إلا إذا بلغ عددهم أربعين، فتجب عليهم في هذه الحالة إقامة الجمعة بمحلهم.
ولا يلزمهم السعي للبلد القريب منهم، ولا يشترط في وجوب الجمعة الاستيطان، وهو الإقامة على التأبيد، بحيث لا يرحلون عن محلهم صيفاً أو شتاءً إلا لحاجة، كالمعتاد في القاطنين ببلد، وإنماстр. 346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الاستيطان المذكور شرط لانعقاد الجمعة، فلا تنعقد الجمعة إلا بمن كان مستوطناً، بمعنى أنه لو حضر من المستوطنين أقل من أربعين، وكمل العدد بغير متوطن، فإن الجمعة لا تنعقد، ولا تصح، كما لا تجب عليهم من أول الأمر، ومن شروط وجوب الجمعة الإقامة، فلا تجب الجمعة على المسافر، إلا إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام في بلد الجمعة، وإذا خرج للسفر من بلده بعد فجر الجمعة فإنها تجب عليه إذا أدرك الجمعة في المحل المسافر إليه، إما إذا خرج من بلده قبل فجر يوم الجمعة، فإنها لا تجب عليه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون السفر طويلاً أو قصيراً، إلا إذا كان يريد الذهاب إلى مكان قريب يسمع فيه أذان الجمعة من البلدة التي خرج منها، أما إذا سمع النداء من بلدة غيرها فإنها لا تجب عليه، وعلى هذا إذا خرج الحصادون والعمال من بلدهم إلى مكان أعمالهم قبل الفجر، فإن الجمعة عند الشافعية فهي ستة أشياء: الأول: أن تقع كلها وخطبتاها في وقت الظهر يقيناً: الثاني: أن تقع بأبنية مجتمعة، سواء كانت مصراً أو قرية، أو بلداً، أو غاراً بالجبل، أو سرداباً، فلا تصح في الصحراء، والضابط المعتمد لصحة الجمعة في الأبنية ما لا تقصر الصلاة فيه تصح فيه الجمعة كفضاء داخل سور البلد، وما تقصر الصلاة فيه لا تصح فيه، الثالث: أن تقع الصلاة جماعة بشرائطها المتقدمة، الرابع: أن يكون عدد جماعتها أربعين بالشروط المتقدمة، الخامس. أن تكون صلاة الجمعة متقدمة على غيرها في مكانها، وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث "تعدد الجمعة"، السادس: تقدم الخطبتين بالأركان والشروط الآتي بيانها.
الحنابلة قالوا: تنقسم شروط الجمعة الزائدة على شرائط الصلاة المتقدمة إلى شروط وجوب. وشروط صحة، فأما شروط وجوبها الزائدة على ما تقدم، فمنها الشروط التي ذكرت عند المالكية، والشافعية، والحنفية، ومنها الحرية، فلا تجب على العبد، والذكورة، فلا تجب على الإناث، وتصح منهم إذا حضروها، ومنها عدم العذر المبيح لتركها، فلا تجب على المريض الذي يتضرر بالذهاب إليها راكباً أو محمولاً، أما إذا قدر ولو بأجرة لا تجحف به، فإنها تجب عليه، ومثل المريض المقعد، ومنها أن يكون مبصراً، فلا تجب على الأعمى ولو وجد قائداً؛ إلا إذا أمكنه أن يستند إلى حبل متصل بمسجد الجمعة، ومنها أن لا يكون وقت حر أو برد شديدين، أو وقت مطر ووحل شديدين كذلك، ومنها أن يخاف من حبس ونحوه، وهو مظلوم لا ظالم، ومنها أن يخاف على مال من الضياع، أو يخاف على عرض أو نفسه، ويشترط أن يكون ضياع المال مجحفاً به، ومنها الإقامة ببناء يشمله اسم واحد كمصر، فكل القاطنين في مدينة مصر تجب عليهم الجمعة، ولو كان بينهم وبين المحل التي تقام فيه فراسخ كثيرة، لأنها مدينة واحدة لها اسم واحد، أما الجهات التي لها أسماء خاصة بها، كعين شمس، ومصر الجديدة، والزيتون ومعادي الخبيري، ونحو ذلك، فإن كل جهة منها مستقلة بنفسها في هذا الشرط، بحيث لا تجب الجمعة إلا على من كان متوطناً بها إذا كانت الجمعة تقام فيها، فإن لم تكن بها مساجد تقام فيها الجمعة، ولكن بجوارها جهة أخرى تقام فيها الجمعة، فإنه يجب أن يذهب إلىстр. 347
حضور النساء الجمعة
قد عرفت أن الذكورة شرط في وجوب الجمعة، فلا تجب على المرأة، ولكن تصح منها إذا صلتها بدل الظهر، وهل الأفضل للمرأة أن تصلي الجمعة، أو تصلي الظهر في بيتها؟ في ذلك تفصيل المذاهب، فانظره تحت الخط (١) ، أما غير المرأة ممن تجب عليهم الجمعة، كالعبد، فإنه يستحب له حضور الجمعة. الحواشي
(١) الحنفية قالوا: الأفضل أن تصلي المرأة في بيتها ظهراً، سواء كانت عجوزاً أو شابة، لأن الجماعة لم تشرع في حقها.
المالكية قالوا: إن كانت المرأة عجوزاً انقطع منها ارب الرجل جاز لها أن تحضر الجمعة، وغلا كره لها ذلك، فإن كانت شابة وخيف من حضورها الافتتان بها في طريقها أو في المسجد، فإنه يحرم عليه الحضور دفعاً للفساد.
الشافعية قالوا: يكره للمرأة حضور الجماعة مطلقاً في الجمعة وغيرها إن كانت مشتهاة، ولو كانت في ثياب رثة، ومثلها غير المشتهاة إن كانت تزينت أو تطيبت، فإن كانت عجوزاً وخرجت في أثواب رثة، ولم تضع عليها رائحة عطرية، ولم يكن للرجال فيها غرض؛ فإنه يصح لها أن تحضر الجمعة بدون كراهة؛ على أن كل ذلك مشروط بشروطين: الأول: أن يأذن لها وليها بالحضور، سواء كانت شابة أو عجوزاً، فإن يأذن حرم عليها؛ الثاني: أن لا يخشى من ذهابها للجماعة افتتان أحد بها، وإلا حرم عليها الذهاب.
الحنابلة قالوا: يباح للمرأة أن تحضر صلاة الجمعة، بشرط أن تكون غير حسناء؛ أما إن كانت حسناء، فإنه يكره لها الحضور مطلقاًстр. 348
تعدد المساجد التي تقام فيها الجمعة
الغرض من صلاة الجمعة هو أن يجتمع الناس في مكان واحد خاشعين لربهم، فتتوثق بينهم روابط الإلفة، وتقوى صلات المحبة، وتحيا في أنفسهم عاطفة الرحمة والرفق، وتموت عوامل البغضاء والحقد، وكل منهم ينظر إلى الآخر نظرة المودة والإخاء، فيعين قويهم ضعيفهم، ويساعد غينيهم فقيرهم، ويرحم كبيرهم صغيرهم، ويوقر صغيرهم كبيرهم، ويشعرون جميعاً بأنهم عبيد الله وحده، وأنه هو الغني الحميد، ذو السلطان القاهر، والعظمة التي لا حد لها.
ذلك بعض أغراض الشريعة الإسلامية من حيث الناس على الاجتماع في العبادة؛ ومما لا ريب فيه أن تعدد المساجد لغير حاجة يذهب بهذه المعاني السامية، لأن المسلمين يتفرقون في المساجد. فلا يشعرون بفائدة الاجتماع، ولا تتأثر أنفسهم بعظمة الخالق الذي يجتمعون لعبادته خاضعين متذللين، فمن أجل ذلك قال بعض الأئمة: إذا تعددت المساجد لغير حاجة فإن الجمعة لا تصح إلا لمن سبق بها في هذه المساجد، فمن سبق بيقين كانت الجمعة له، وأما غيره فإنه يصليها ظهراً، وإليك بيان آراء المذاهب في هذا الموضوع تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الشافعية قالوا: إما أن تتعدد الأمكنة التي تقام فيها الجمعة لغير حاجة إلى هذا التعدد، أو تتعدد لحاجة، كأن يضيق المسجد الواحد عن أهل البلدة، فإذا تعددت المساجد أو الأمكنة التي تقام فيها الجمعة لغير حاجة كانت الجمعة لمن سبق بالصلاة، بشرط أن يثبت يقيناً أن الجماعة التي صلت في هذا المكان سبقت غيرها بتكبيرة الإحرام، أما إذا لم يثبت ذلك، بل ثبت أنهم صلوا جميعاً في وقت واحد، بأن كبروا تكبيرة الإحرام معاً، أو وقع شك في أنهم كبروا معاً، أو سبق أحدهم بالتكبير فإن صلاتهم تبطل جميعاً، وفي هذه الحالة يجب عليهم أن يجتمعوا معاً، ويعيدوها جمعة إن أمكن ذلك، وإن لم يمكن صلوها ظهراً. أما إذا تعددت لحاجة، فإن الجمعة تصح في جميعها، ولكن يندب أن يصلوا الظهر بعد الجمعة.
المالكية قالوا: إذا تعددت المساجد في بلد واحد، فإن الجمعة لا تصح إلا في أول مسجد أقيمت فيه الجمعة من البلد، ولو كان بناءه متأخراً، مثلاً إذا كان في البلد - زوايا - لم تقم فيها الجمعة، ثم بني مسجد أقيمت فيه الجمعة، ثم بني بعده مسجد آخر أقيمت فيه الجمعة، فإن الجمعة لا تصح إلا في المسجد الذي أقيمت فيه الجمعة أولاً، ولكن هذا الحكم عندهم مشروط بأربعة شروط: أحدها: أن لا يهجر القديم بالصلاة في الجديد، بأن يترك الناس الصلاة في القديم رغبة في الجديد بدون عذر؛ ثانيها: أن يكون القديم ضيقاً، ولا يمكن توسعته، فيحتاج الناس إلى الجديد، - والمسجد الضيق هو الذي لا يسع من يغلب حضورهم الجمعة وإن لم تكن واجبة عليهم -، ثالثها: أن لا يخشى من اجتماع أهل البلدة في مسجد واحد حدوث فتنة أو فساد، كما إذا كان بالبلدة أسرتان متنافستانстр. 349
هل تصح صلاة الجمعة في الفضاء ؟
اتفق ثلاثة من الأئمة على جواز صحة الجمعة في الفضاء، وقال المالكية: لا تصح إلا في المسجد وقد ذكرنا بيان المذاهب تحت الخط (١) . الحواشي
(١) المالكية قالوا: لا تصح الجمعة في البيوت ولا في الفضاء، بل لا بد أن تؤدي في الجامع.
الحنابلة قالوا: تصح الجمعة في الفضاء إذا كان قريباً من البناء، ويعتبر القرب بحسب العرف فإن لم يكن قريباً فلا تصح الصلاة، وإذا صلى الإمام في الصحراء استخلف من يصلي بالضعاف.
الشافعية قالوا: تصح الجمعة في الفضاء إذا كان قريباً من البناء، وحد القرب عندهم المكانстр. 350
الجماعة التي لا تصح الجمعة إلا بها
اتفق الأئمة على أن الجمعة لا تصح إلا بجماعة، ولكنهم اختلفوا في عدد الجماعة التي لا تصح الجمعة إلا بهم، كما اختلفوا في شروط هذه الجماعة، وقد ذكرنا آراء المذاهب تحت الخط (١) . الحواشي
(١) المالكية قالوا: أقل الجماعة التي تنعقد بها الجمعة اثنا عشر رجلاً غير الإمام، ويشترط فيهم شروط: أحدها: أن يكونوا ممن تجب عليهم الجمعة، فلا يصح أن يكون منهم عبد أو صبي أو امرأة، الثاني: أن يكونوا متوطنين، فلا يصح أن يكون منهم مقيم ببلد الجمعة لتجارة مثلاً أو مسافر نوى الإقامة أربعة أيام، الثالث: أن يحضروا من أول الخطبتين إلى تمام الصلاة، فلو بطلت صلاة واحد منهم، ولو بعد سلام الإمام، وقبل سلامه هو، فسدت الجمعة على الجميع؛ الرابع أن يكونوا مالكيين أو حنفيين، فإن كانوا من الشافعية أو الحنابلة الذين يشترطون أن يكون عدد الجماعة أربعين، فلا تنعقد الجمعة بهم إلا إذا قلدوا مالكاً أو أبا حنيفة، ولا يلزم عند إقامة أول جمعة في قرية حضور أهل القرية كلهم، بل يكفي حضور الاثني عشر على الراجح؛ ويشترط في الإمام أن يكون ممن تجب عليه الجمعة ولو كان مسافراً نوى الإقامة أربعة أيام، لكن بشرط أن تكون الإقامة بغير قصد الخطبة، فإن أقام بقصد الخطبة فلا يصح أن يكون إماماً.
الحنفية قالوا: يشترط في الجماعة التي تصح بها الجمعة أن تكون بثلاثة غير الإمام، وإن لم يحضروا الخطبة، فلو خطب بحضور واحد، ثم انصرف قبل الصلاة وحضر ثلاثة رجال بعد ذلك وصلى بهم صحت من غير أن يعيد عليهم الخطبة، ويشترط فيها أن يكونوا رجالاً ولو كانوا عبيداً أو مرضى أو مسافرين أو أميين أو بهم صمم، لأنهم يصلحون للإمامة في الجمعة، إما لكل أحد، وإما لمثلهم في الأمي والأخرس بعد أن يخطب واحد غيرهم، إذ لا يشترط أن يكون الخطيب هو إمام الجمعة، فصلاحيتهم للابتداء لغيرهم أولى، بخلاف النساء أو الصبيان، فإن الجماعة في الجمعة لا تصح بهم وحدهم لعدم صلاحيتهم للإمامة بمثلهم فيها ويشترط أن يستمروا مع الإمام حتى يسجد السجدة الأولى. فإن تركوه بعد ذلك بطلت صلاتهم وحدهم وأتمها هو جمعة، وإن تركوه قبل أن يسجد بطلت صلاة الجميع عند أبي حنيفة؛ ويشترط في الإمام أن يكون ولي الأمر الذي ليس فوقه ولي أو من يأذنه بإقامة الجمعة، وهذا شرط في صحة الجمعة، فلو لم يكن الإمام ولي الأمر أو نائبه لم تنعقد الجمعة وصلاها الناس ظهراً، ويجوز لمن أذنه الإمام بإقامة الجمعة أن ينيب غيره، وأن يصرح له بذلك.стр. 351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الشافعية قالوا: يشترط في الجماعة التي تصح بها الجمعة أمور: أحدها: أن يكونوا أربعين ولو بالإمام، فلا تنعقد الجمعة بأقل من ذلك؛ فإن نقص العدد عن ذلك جاز تقليد إمام لا يشترط ذلك العدد بشرط أن يحترز المقلد عن التلفيق، كأن يكون في طهارته موافقاً لذلك المذهب؛ ويشترط فيهم أن يكونوا ممن تنعقد بهم الجمعة، بأن يكونوا أحراراً ذكوراً مكلفين متوطنين بمحل واحد، فلا تنعقد بالعبيد والنساء والصبيان والمسافرين، وأن يستمروا مع الإمام في صلاة صحيحة مغنية عن القضاء، بحيث لا تلزمهم إعادتها لعذر إلى أن تنتهي الركعة الأولى، أما الركعة الثانية فلا يشترط فيها بقاء الجماعة، بمعنى أنهم لو نووا مفارقة الإمام فيها وأتموا صلاتهم لأنفسهم صحت جمعتهم، وكذلك الإمام إذا نوى مفارقتهم فيها وأتم لنفسه. أما إذا فسدت صلاة واحد منهم قبل سلام الإمام أو بعده فإن صلاة الجمعة تبطل على الجميع، لأنه يشترط دوام العدد إلى تمامها، فإن أمكنهم إعادتها جمعة لاتساع الوقت وجبت وإلا صلوها ظهراً؛ ويشترط أيضاً أن يفتتح المقتدون صلاتهم عقب افتتاح الإمام صلاته بدون أن يتأخروا عنه زمناً لا يسع قراءة الفاتحة والركوع قبل رفعه من الركوع، فلو تأخروا عن تكبيرة الإمام حتى صار الزمن الذي بين تكبيرهم للإحرام ورفع الإمام من الركوع لا يسع قراءة الفاتحة والركوع لم تنعقد الجمعة، أما الإمام فإن كان من الأربعين فإنه يشترط فيه أن يستكمل الشروط التي شرطت في المقتدين. وإن كان زائداً عن الأربعين صح أن يكون صبياً أو عبداً أو مسافراً؛ ويشترط أن ينوي الإمام الإمامة وإن كان صبياً أو عبداً أو مسافراً؛ وكذا يشترط في المقتدين أو ينووا الاقتداء. فإن لم ينو الإمام أو المقتدون ذلك لم تنعقد، ويشترط أيضاً بقاء العدد كاملاً من أول الخطبة إلى انتهاء الصلاة.
الحنابلة قالوا: يشترط في جماعة الجمعة شروط: ١ - أن لا يقل عددهم عن أربعين، ولو بإمام.
-٢ - أن يكونوا ممن تجب عليهم الجمعة بأنفسهم، وهم الأحرار الذكور البالغون المستوطنون بالمحل الذي يصح أن تقام فيه الجمعة، وهو البلد المبني بناء معتاداً، فلا يصح أن يكون من جماعة الجمعة رقيق ولا أنثى ولا صبي ولا مسافر ولا مقيم غير مستوطن ولا مستوطن بمحل خارج عن بلد الجمعة وإن وجبت عليه تبعاً، كما تقدم.
-٣ - أن يكونوا قد حضروا الخطبة والصلاة ولا يشترط أن يحضروا جميع الصلاة. فلو حضر الأربعون جميع الخطبة وبعض الصلاة ثم انصرفوا بعد مجيء بدلهم صحت، أما لو نقص العدد عن الأربعين في أثناء الصلاة قبل حضور ما يكمله، فإنه تبطل. وتجب إعادتها جمعة إن أمكن؛ ثم نقص عدد الأربعين حتى صاروا اثني عشر. فإن الصلاة لا تبطل عليهم، ويجب على الإمام أن يستخلف منهم من يتم بهم صلاتهم. أما هو فصلاته باطلة حيث كان مذهبه يشترط الأربعين؛ فإن كان المأمومون يرون أنه لا بد من أربعين والإمام لا يرى ذلك، ثم نقص عددهم عن الأربعين قبل حضور ما يتم به العدد المذكور، فإن الصلاة تبطل على الجميعстр. 352
أركان خطبتي الجمعة، افتتاحها بالحمد
قد ذكرنا لك في مباحث "صلاة العيدين" أن أركان خطبتها كأركان خطبة الجمعة ما عدا افتتاح خطبة العيد، فإنه يكون بالتكبير وافتتاح خطبة الجمعة يكون بالحمد، وقد ذكرنا لك في مباحث "صلاة العيد" اركان الخطبتين مفصلة عند كل مذهب، على أننا قد بينا هناك أن افتتاح خطبة الجمعة بالحمد ركن عند الشافعيةن والحنابلة، أما المالكية، والحنفية قالوا: إنه ليس بركن لا في خطبة العيد ولا في خطبة الجمعة، ولذا رأينا أن نذكر لك أركان خطبة الجمعة ههنا أيضاً ليسهل نظرها في كل مذهب، فانظرها تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: الخطبة لها ركن واحد، وهو مطلق الذكر الشامل للقليل والكثير. فيكفي لتحقق الخطبة المفروضة تحميد أو تسبيحة أو تهليلة، نعم يكره تنزيهاً الاقتصار على ذلك، كما سيأتي في سنن الخطبة، والمشروط عندهم إنما هو الخطبة الأولى، وأما تكرارها فهو سنة كما يأتي في السنن.
الشافعية قالوا: أركان الخطبة خمسة: أحدها: حمد الله، ويشترط أن يكون من مادة الحمد، وأن يكون مشتملاً على لفظ الجلالة، فلا يكفي أن يقول: أشكر الله، أو أثني عليه، أو الحمد للرحمن، أو نحو ذلك، وجاز له أن يقول: أحمد الله، أو إني حامد لله، وهذا الركن لا بد منه في كل من الخطبتين الأولى والثانية، ثانيها: الصلاة على النبي ﷺ في كل من الخطبتين، ولا بد من لفظ الصلاة، فلا يكفي رحم الله سيدنا محمداً ﷺ ، ولا يتعين لفظ محمد، بل يكفي أن يذكر اسماً من أسمائه الظاهرة، ولا يكفي الضمير في ذلك، ولو مع تقدم المرجع على المعتمد، ثالثها: الوصية بالتقوى في كل من الخطبتين، ولو بغير لفظها، فيكفي نحو: وأطيعوا الله، ولا يكفي التحذير من الدنيا وغرورها في ذلك من غير حث على الطاعة، رابعها: قراءة آية من القرآن في إحداهما، وكونها في الأولى أولى، ويشترط أن تكون آية كاملة أو بعضاً منها طويلاً، وأن تكون مفهمة معنى مقصوداً من وعد أو وعيد أو حكم أو قصة أو مثل أو خبر، أما نحو قوله تعالى: ﴿ثم نظر﴾ فلا يكفي في أداء ركن الخطبة. خامسها: الدعاء للمؤمنين والمؤمنات في خصوص الثانية، ويشترط أن يكون الدعاء بأمر أخروي، كالغفران إن حفظه، وإلا كفى الدعاء بالأمر الدنيوي، وأن لا يخرج منه الحاضرين بأن يقصد غيرهم.
المالكية قالوا: الخطبة لها ركن واحد. وهو أن تكون مشتملة على تحذير أو تبشير، ولا يشترط السجع فيهما على الأصح فلو أتي بها نظماً أو نثراً صح وندب إعادتها إذا لم يصل، فإن صلى فلا إعادة.
الحنابلة قالوا: أركان الخطبتين أربعة: الأول: الحمد لله في أول كل منهما بهذا اللفظ، فلاстр. 353
شروط خطبتي الصلاة، هل يشترط أن تكونا بالعربية، وهل يشترط لهما النية ؟
يشترط لخطبتي الجمعة أمور: أحدها: أن تتقدما على الصلاة، فلا يعتد بهما إن تأخرتا عنها، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، ثانيها: نية الخطبة فلو خطب بغير النية لم يعتد بخطبته عند الحنفيةن والحنابلة، وقال الشافعية والمالكية: إن النية ليست بشرط في صحة الخطبة، إلا أن الشافعية اشترطوا عدم الانصراف عن الخطبة، فلو عطس وقال: الحمد لله، بطلت خطبته، وهذا الشرط لم يوافقهم عليه أحد، ثالثها: أن تكونا بالعربية على تفصيل في المذاهب. فانظره تحت الخط (٢) ، رابعها: أن تكونا في الوقت، فلو خطب قبله، وصلى فيه لم تصح باتفاق، خامسها: أن يجهر الخطيب بهما، بحيث يسمع الحاضرين، على تفصيل في المذاهب، فانظره تحت الخط (٣) . الحواشي
(١) المالكية قالوا: إذا أخرت الخطبتان عن الصلاة أعيدت الصلاة فقط وصح الخطبتان لاو يعيدهما، بشرط أن يعيد الصلاة قبل أن يخرج من المسجد بدون تأخير، أما إذا لم يعدها قبل الخروج من المسجد أو مضى زمن طويل عرفاً قبل إعادتها. فإنه يجب أن يعيد الخطبتين ويعيد الصلاة بعدهما(٢) الحنفية قالوا: تجوز الخطبة بغير العربية ولو لقادر عليها، سواء كان القوم عرباً أو غيرهم.
الحنابلة قالوا: لا تصح الخطبة بغير العربية إن كان قادراً عليها، فإن عجز عن الإتيان بها أتى بغيرها مما يسحنه، سواء كان القوم عرباً أو غيرهم؛ لكن الآية التي هي ركن من أركان الخطبتين لا يجوز له أن ينطق بها بغير العربية، فيأتي بدلها بأي ذكر شاء بالعربية، فإن عجز سكت بقدر قراءة الآية.
الشافعية قالوا: يشترط أن تكون أركان الخطبتين باللغة العربية؛ فلا يكفي غير العربية متى أمكن تعلمها، فإن لم يمكن خطب بغيرها، هذا إذا كان القوم عرباً، أما إن كانوا عجماً فإنه لا يشترط أداء أركانهما بالعربية مطلقاً، ولو أمكنه تعلمها ما عدا الآية، فإنه لا بد أن ينطق بها بالعربية: إلا إذا عجز عن ذلك، فإنه يأتي بدلها بذكر أو دعاء عربي؛ فإن عجز عن هذا أيضاً فعليه أن يقف بقدر قراءة الآية؛ ولا يترجم، وأما غير أركان الخطبة فلا يشترط لها العربية بل ذلك سنة.
المالكية قالوا: يشترط في الخطبة أن تكون باللغة العربية، ولو كان القوم عجماً لا يعرفونها فإن لم يوجد فيهم من يحسن اللغة العربية بحيث يؤدي الخطبة بها سقطت عنهم الجمعة(٣) الحنفية قالوا: يشترط الجهر بالخطبة بحيث يسمعها من كان حاضراً إذا لم يكن به مانع منстр. 354
هل يصح الفصل بين الخطبتين والصلاة بفاصل ؟
سادسها: أن لا يفصل الخطيب بين الخطبة والصلاة بفاصل طويل، وقد اختلفت في تحديد المذاهب فانظره تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الشافعية قالوا: يشترط الموالاة بين الخطبتين، أي بين أركانهما: وبينهما وبين الصلاة، وحد الموالاة أن لا يكون الفصل بقدر ركعتين بأخف ممكن، فإذا زاد عن ذلكك بطلت الخطبة ما لم تكن الزيادة عظة.
المالكية قالوا: يشترط وصل الخطبتين بالصلاة، كما يشترط وصلهما ببعضهما، ويغتفر الفصل اليسير عرفاً.
الحنفية قالوا: يشترط أن لا يفصل الخطيب بين الخطبتين والصلاة بفاصل أجنبي، كالأكل ونحوه، أما الفاصل غير الأجنبي كقضاء فائتة وافتتاح تطوع بينهما فإنه لا يبطل الخطبة، وإن كان الأولى إعادتها، وكذا لو أقسد الجمعة ثم أعادها، فإن الخطبة لا تبطل:
الحنابلة قالوا: يشترط لصحة الخطبتين الموالاة بين أجزائهما. وبينهما وبين الصلاة، والمولاة هي أن لا يفصل بينهما بفاصل طويل عرفاًстр. 355
هذا وقد ذكرنا الشروط مجتمعة عند كل مذهب تحت الخط (١) .
سنن الخطبة - الدعاء لأئمة المسلمين وولاة الأمور في الخطبة
وأما سنن الخطبة فقد ذكرناها مجتمعة عند كل مذهب تحت الخط (٢) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: شروط صحة الخطبة ستة: أن تكون قبل الصلاة، أن تكون بقصد الخطبة. أن تكون في الوقت. أن يحضرها واحد على الأقل، أن يكون ذلك الواحد ممن تنعقد بهم الجمعة، أن لا يفصل بين الخطبة والصلاة بفاصل أجنبي، أن يجهر بها الخطيب بحيث يسمعها من كان حاضراً إن لم يوجد مانع كما تقدم، أما العربية فإنها ليست شرطاً في صحة الخطبة ولو كان قادراً عليها عند الإمام وشرطاً للقادر عليها عندهما، على ما تقدم في تكبيرة الإحرام وأذكار الصلاة.
الشافعية قالوا: شروط صحة الخطبة خمسة عشر: أن تكون قبل الصلاة، أن تكون في الوقت، أن لا ينصرف عنها بصارف: أن تكون بالعربية، أو يوالي بين الخطبتين، وبينهما وبين الصلاة: أن يكون الخطيب متطهراً من الحدثين، ومن نجاسة غير معفو عنها، أن يكون مستور العورة في الخطبتين: أن يخطب واقفاً، إن قدر فإن عجز صحت الخطبة من جلوس، أن يجلس بين الخطبتين بقدر الطمأنينة، فلو خطب قاعداً لعذر سكت بينهما وجوباً بما يزيد عن سكتة التنفس، وكذا يسكت بينهما إن خطب قائماً وعجز عن الجلوس، أن يجهر بحيث يمكنه أن يسمع الأربعين الذين تنعقد بهم الجمعة أركان الخطبتين، أن يكون الأربعون سامعين، ولو بالقوة أن تقعا في مكان تصح فيه الجمعة، أن يكون الخطيب ذكراً، أن تصح إمامته بالقوم، أن يعتقد الركن ركناً، والسنة سنة إن كان من أهل العلم، وإلا وجب أن لا يعتقد الفرض سنة، وإن جاز عكس ذلك.
الحنابلة قالوا: شروط صحة الخطبتين تسعة: أن تكون في الوقت، أن يكون الخطيب ممن تجب عليه الجمعة بنفسه، فلا تجزئ خطبة عبد أو مسافر، ولو نى إقامة مدة ينقطع بها السفر، أن يشتملا على حمد الله تعالى، أن يكونا باللغة العربية، أن تشتمل كل منهما على الوصية بتقوى الله تعالى، أن يصلي على رسول الله ﷺ ، أن يقرأ آية كاملة من القرآن في كل منهما أن يوالي بين أجزائهما وبينهما وبين الصلاة أن يؤديهما بنية، أن يجهر بأركانهما بحيث يسمع العدد الذي تجب عليه الجمعة بنفسه حيث لا مانع من السماع، كنوم أو غفلة، أو صمم بعضهم.
المالكية قالوا: يشترط لصحة الخطبتين تسعة شروط: أن يكونا قبل الصلاة، أن تتصل الصلاة بهما أن تتصل أجزاؤهما بعضها ببعض، أن يكون باللغة العربية، أن يجهر بهما، أن يكونا داخل المسجد، أن يكونا مما تسميه العرب خطبة، أن يحضرهما الجماعة التي تنعقد بها الجمعة وهي اثنا عشر رجلاً، كما يأتي، وإن لم يسمعوا الخطبة، القيام فيها، وقيل: إنه سنة، وقد اعتمد كل من القولين؛ فمن الاحتياط القيام فيها(٢) الشافعية قالوا: سنن الخطبة هي: ترتيب الأركان بأن يبدأ بالحمد أولاً. ثم يصلي علىследующие страницы →