أركان خطبتي الجمعة، افتتاحها بالحمد
قد ذكرنا لك في مباحث "صلاة العيدين" أن أركان خطبتها كأركان خطبة الجمعة ما عدا افتتاح خطبة العيد، فإنه يكون بالتكبير وافتتاح خطبة الجمعة يكون بالحمد، وقد ذكرنا لك في مباحث "صلاة العيد" اركان الخطبتين مفصلة عند كل مذهب، على أننا قد بينا هناك أن افتتاح خطبة الجمعة بالحمد ركن عند الشافعيةن والحنابلة، أما المالكية، والحنفية قالوا: إنه ليس بركن لا في خطبة العيد ولا في خطبة الجمعة، ولذا رأينا أن نذكر لك أركان خطبة الجمعة ههنا أيضاً ليسهل نظرها في كل مذهب، فانظرها تحت الخط (١) .
стр. 353
شروط خطبتي الصلاة، هل يشترط أن تكونا بالعربية، وهل يشترط لهما النية ؟
يشترط لخطبتي الجمعة أمور: أحدها: أن تتقدما على الصلاة، فلا يعتد بهما إن تأخرتا عنها، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، ثانيها: نية الخطبة فلو خطب بغير النية لم يعتد بخطبته عند الحنفيةن والحنابلة، وقال الشافعية والمالكية: إن النية ليست بشرط في صحة الخطبة، إلا أن الشافعية اشترطوا عدم الانصراف عن الخطبة، فلو عطس وقال: الحمد لله، بطلت خطبته، وهذا الشرط لم يوافقهم عليه أحد، ثالثها: أن تكونا بالعربية على تفصيل في المذاهب. فانظره تحت الخط (٢) ، رابعها: أن تكونا في الوقت، فلو خطب قبله، وصلى فيه لم تصح باتفاق، خامسها: أن يجهر الخطيب بهما، بحيث يسمع الحاضرين، على تفصيل في المذاهب، فانظره تحت الخط (٣) .
стр. 354
هل يصح الفصل بين الخطبتين والصلاة بفاصل ؟
سادسها: أن لا يفصل الخطيب بين الخطبة والصلاة بفاصل طويل، وقد اختلفت في تحديد المذاهب فانظره تحت الخط (١) .
стр. 355
هذا وقد ذكرنا الشروط مجتمعة عند كل مذهب تحت الخط (١) .
سنن الخطبة - الدعاء لأئمة المسلمين وولاة الأمور في الخطبة
وأما سنن الخطبة فقد ذكرناها مجتمعة عند كل مذهب تحت الخط (٢) .
مكروهات الخطبة
مكروهات الخطبة هي ترك سنة من السنن المتقدمة، فمن ترك سنة من سنن الخطبة فإنه يكره له ذلك باتفاق الحنفية، والمالكية، أما الشافعية، والحنابلة فلهم في ذلك تفصيل ذكرناه تحت الخط (١) .
стр. 358
الترقية بين يدي الخطيب
يبتدع بعض الناس أن يتكلموا بين يدي الخطيب بقوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ الآية، ويزيدون عليها أنشودة طويلة، ثم إذا فرغ المؤذن الذي يؤذن بين يديه يقول: "إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة: أنصت، فقد لغوت" الحديث: ثم يقول بعد ذلك: أنصتوا تؤجروا، وكل هذا بدعة لا داعي إليها، ولا لزوم لها، خصوصاً ما يعلنه ذلك المؤذن من الجهل بمعنى الحديث، لأنه يأمر بالانصات وعدم الكلام، ثم يتكلم هو بعده بقوله: أنصتوا تؤجروا، ولا أدري ما هو الداعي لهذه الزيادة التي لم يأمرنا بها الدين، وقواعده تأباها، لأن الغرض في هذا المقام إظهار الخضوع والخشوع لله ، فكل تهويش أو كلام سوى كلام الخطيب لغو فاسد لا قيمة له، وقد وافق على هذا المالكية، والحنفية على المعتمد عندهم، وإليك تفصيل المذاهب في ذلك تحت الخط (١) .
مبحث الكلام حال الخطبة
لا يجوز الكلام حال الخطبة على تفصيل في المذاهب، فانظره تحت الخط (٢) .
تخطي الجالسين لحضور الجمعة أو اختراق الصفوف
لا يجوز اختراق صفوف الجالسين لحضور الجمعة، ويقال له: تخطي الرقاب بشروط مفصلة في المذاهب، فانظرها تحت الخط (١) .
стр. 361
السفر يوم الجمعة
لا يجوز السفر يوم الجمعة باتفاق المذاهب، إلا أن في حكمه تفصيلاً ذكرناه تحت الخط (١) .
لا يصح لمن فاتته الجمعة بغير عذر أن يصلي الظهر قبل فراغ الإمام
من وجبت عليه الجمعة، وتخلف عن حضورها بغير عذر لا يصح أن يصلي الظهر قبل فراغ الإمام من صلاة الجمعة بسلامه منها، فلو صلى الظهر في هذه الحالة لم تنعقد، باتفاق الشافعية، والحنابلة، وخالف الحنفية، والمالكية. فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) .
стр. 362
أما من لا تجب عليه الجمعة كالمريض ونحوه صلاة الظهر منه، ولو حال اشتغال الإمام بصلاة الجمعة، ويندب له تأخير الظهر إذا رجال زوال عذره، أما إذا لم يرج ذلك فيندب له تعجيلها في أول وقتها، ولا ينتظر سلام الإمام، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
هل يجوز لمن فاتته الجمعة أن يصلي الظهر جماعة ؟
من فاتته الجمعة لعذر أو لغيره جاز له أن يصلي الظهر جماعة، على تفصيل في المذاهب، فانظره تحت الخط (٢) .
стр. 363
من أدرك الإمام في ركعة أو أقل من صلاة الجمعة
من أدرك الإمام في الركعة الثانية فقد أدرك الجمعة. فعليه أن يأتي بركعة ثانية ويسلم باتفاق أما إذا أدركه في الجلوس الأخير فقط فإنه يلزمه أن يصلي أربع ركعات ظهراً، بأن يقف بعد سلام الإمام، ويصلي أربع ركعات؛ ولا يكون مدركاً للجمعة باتفاق المالكية، والشافعية، وخالف الحنفية؛ والحنابلة، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
مندوبات الجمعة
تحسين الهيئة - قراءة سورة الكهف - المبادرة بالذهاب للمسجد، وغير ذلك.
وأما مندوبات الجمعة، فمنها تحسين الهيئة، بأن يقلم أظفاره، ويقص شاربه، وينتف إبطه ونحو ذلك ومنها التطيب والاغتسال، وهو سنة باتفاق ثلاثة. وقال المالكية: إنه مندوب لا سنة. والأمر في ذلك سهل، ذكرناه قبلاً، ومنها قراءة سورة الكهف يومها وليلتها، فيندب لمن يحفظها أو يمكنه قراءتها. في المصحف أن يفعل ذلك؛ أما قراءتها في المساجد فإن ترتب عليها تهويش أو إخلال بحرمة المسجد برفع الأصوات، والكلام الممنوع، فإنه لا يجوز باتفاق، وقد تقدم في مبحث "ما يجوز فعله في المساجد. وما لا يجوز" فارجع إليه إن شئت: ومنها الاكثار من الصلاة على النبي ﷺ ، ومنها الاكثار من الدعاء يومها لقوله ﷺ : "إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه" وأشار بيده يقللها، رواه مسلم، ومنها المبادرة بالذهاب إلى موضع إقامتها لغير الإمام؛ أما هو فلا يندب له التكبير، وليس للمبادرة وقت معين، فله أن يذهب قبل الأذان. ومنها المشي بسكينة إلى موضعها بساعتين أو أكثر أو أقل، عند ثلاثة، وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) ، ومنها أن
стр. 364
يتزين بأحسن ثيابه، والأفضل ما كان أبيض؛ باتفاق الشافعية، والحنفية، أما المالكية، والحنابلة فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
стр. 365
مباحث الإمامة في الصلاة
يتعلق بها مباحث: الأول: تعريفها، وبيان العدد الذي تتحقق به، الثاني: حكمها، ودليله، الثالث: شروطها، ويتعلق بالشروط أمور: منها حكم إمامة النساء، ومنها حكم إمامه الصبي المميز، ومنها حكم إمامة الأميّ الذي لا يقرأ ولا يكتب، ومنها حكم إمامة المحدث الذي نسي حدثه، ومنها حكم إمامة الألثغ ونحوه، ومنها نية المأموم الاقتداء، ومنها نية الإمام الإمامة، ومنها اقتداء الذي يصلي فرضاً بإمام يصلي نفلاً؛ ومنها متابعة المأموم لإمامه، ومنها اتحاد فرض المأموم والإمام، فلا تصح صلاة الظهر خلف عصر مثلاً؛ فكل هذه المباحث تتعلق بمبحث واحد من مباحث الإمامة، وهو المبحث الثالث، وبقي من مباحثها المبحث الرابع: أعني الأعذار التي تسقط بها صلاة الجماعة، الخامس: مبحث من له حَق التقدم في الإمامة، السادس: مبحث مكروهات الإمامة، السابع: مبحث كيف يقف المأموم مع إمامه،؟ وكيف يقف الإمام مع المأمومين،؟ ومن أحق بالوقوف في الصف الأول، الثامن: تراص الصفوف وتسويتها، التاسع: يصح لمن صلى فرضاً جماعة أن يصلي مع جماعة أخرى، العاشر: تكرار الجماعة في المسجد الواحد، الحادي عشر: مبحث بيان القدر الذي تدرك به الجماعة، الثاني عشر: مبحث إذا فات المقتدي أداء بعض الركعات أو كلها مع إمامه لعذر، كزحمة ونحوها، الثالث عشر: مبحث الاستخلاف. وإليك بيانها بالعناوين الآتية.
تعريف الإمامة في الصلاة، وبيان العدد الذي تتحقق به
الإمامة في الصلاة معروفة، وهي أن يربط الإنسان صلاته بصلاة إمام مستكمل للشروط الآتي بيانها، فيتبعه في قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه ونحو ذلك، مما تقدم بيانه في "أحكام الصلاة" فهذا الربط يقال له: إمامة، ولا يخفى أن هذا الربط واقع من المأموم: لأنه كناية عن اتباع المأموم الإمام في أفعال الصلاة. بحيث لو بطلت صلاة المأموم لا تبطل صلاة الإمام، أما إذا بطلت صلاة الإمام فإن صلاة المأموم تبطل، لأنه قد ربط صلاته بصلاة الإمام، وتتحقق الإمامة في الصلاة بواحد مع الإمام فأكثر، لا فرق بين أن يكون الواحد المذكور رجلاً أو امرأة، باتفاق، فإن كان صبياً مميزاً فإن الإمامة تتحقق به عند الحنفية، والشافعية: وخالف المالكية، والحنابلة، فقالوا: لا تتحقق صلاة الجماعة بصبي مميز مع الإمام وحدهما.
стр. 366
حكم الإمامة في الصلوات الخمس، ودليله
اتفقت المذاهب على أن الإمامة مطلوبة في الصلوات المفروضة فلا ينبغي للمكلف أن يصلي منفرداً بدون عذر من الأعذار الآتي بيانها؛ على أن الحنابلة قالوا: إنها فرض عين في كل صلاة من الصلوات الخمس المفروضة، ولم يوافقهم على ذلك أحد من الأئمة الثلاثة، كما ستعرفه في التفصيل الآتي؛ وقد استدل الحنابلة، ومن وافقهم من العلماء على ذلك بما رواه البخاري عن أبي هيرية أن رسول الله ﷺ ، قال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب. ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجدب عرقاً سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء "العرق" - بفتح العين، وسكون الراء - قطعة لحم على عظم، "والمرماتين" بكسر الميم - تثنية مرماة: وهي سهم دقيق يتعلم عليه الرمي ليصطاد به ما يملأ به بطنه، فهذا الحديث يدل على أن الجماعة فرض، لأن عقوبة التحريق بالنار لا تكون إلا على ترك الفرض، وارتكاب المحرم الغليظ، ولا يلزم في الدلالة على ذلك أن يحرقهم بالفعل، بل يكفي أن يعلم الناس عظيم قدر الجماعة، واهتمام النبي ﷺ بشأنها، وهذا وجيه، ولكن مما لا شك فيه أن هذا الحديث لم تذكر فيه سوى صلاة العشاء، فإذا كان للحنابلة ومن معهم وجه في الاستدلال به، فإنما يكون في صلاة العشاء وحدها، أما باقي الصلوات الخمس فلا تؤخذ من هذا الحديث؛ على أن علماء المذاهب الأخرى قد أجابوا عن هذا بأجوبة كثيرة: منها أن هذا الحديث كان في بدء الإسلام، حيث كان المسلمون في قلة، وكانت الجماعة لازمة في صلاة العشاء بخصوصها، لأنها وقت الفراغ من الأعمال، فلما كثر المسلمون نسخ بقوله ﷺ : "صلاة الجماع تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"، فإن الأفضلية تقتضي الاشتراك في الفضل، ويلزم من كون صلاة الفذ فاضلة أنها جائزة، وأيضاً فقد ثبت نسخ التحريق بالنار في الحنفية قالوا: المتخلفين باتفاق؛ فالاستدلال به على الفرضية ضعيف، وقد استدل الحنابلة على فرضية الصلاة جماعة أيضاً بقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة، فلتقم طائفة منهم معك، وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾ ، ووجه الإستدلال أن الله تعالى قد كلفهم بصلاة الجماعة في وقت الشدة والحرج، فلو لم تكن الجماعة واجبة لما كلفهم بأن يصلوها على هذا الوجه، ولكن علماء المذاهب الأخرى قالوا: إن الآية تدل على أن الإمامة مشروعة، لا على أنها فرض عين؛ أما قولهم: إن هذا الوقت وقت خوف وشدة فذلك صحيح، ولكن تعليمهم للصلاة بهذه الكيفية قد يكون فيه حذر أكثر من صلاتهم فرادى، لأن الفئة الواقفة إزاء العدو حارسة للأخرين، فإذا وجدت فرصة للعدو للهجوم عليهم بغتة نبهتهم الفرقة
стр. 367
الحارسة ليقطعوا صلاتهم، ويقاوموا عدوهم، وذلك منتهى الدقة والحذر؛ نعم تدل الآية على عظم قدر الصلاة جماعة عند المسلمين الأولين الذين كانوا يشعرون بعظمة خالف الكائنات الحي الدائم الذي لا يفنى حقاً، ويعرفون أن الصلاة تذلل لخالقهم، وخضوع لا ينبغي إهماله حتى في أحرج المواقف وأخطرها، ومما لا شك فيه أن صلاة الجماعة مطلوبة باتفاق، إنما الكلام في أنها فرض عين في جميع الصلوات الخمس، وجمهور أئمة المسلمين على أنها ليست كذلك.
وبعد فحكم صلاة الجماعة في الصلوات الخمس المفروضة مبين في كل مذهب من المذاهب الأربعة تحت الخط (١) .
стр. 368
حكم الإمامة في صلاة الجمعة والجنازة والنوافل
قد عرفت حكم الإمامة في الصلوات الخمس المفروضة، وبقي حكمها في غير ذلك من الصلوات الأخرى، كصلاة الجنازة والجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء، وباقي النوافل، فانظره مفصلاً في كل مذهب تحت الخط (١) .
стр. 369
شروط الإمامة: الإسلام
يشترط لصحة الجماعة شروط: منها الإسلام، فلا تصح إمامة غير المسلم باتفاق، فمن صلى خلف رجل يدعي الإسلام، ثم تبين له أنه كافر. فإن صلاته الذي صلاها خلفه تكون باطلة، وتجب عليه إعادتها؛ وقد نظر بعضهم أن هذه الصورة نادرة الوقوع، ولكن الواقع غير ذلك، فإن كثيراً ما يتزيا غير المسلم بزي المسلم لأغراض مادية، ويظهر الورع والتقوى ليظفر ببغيته، وهو في الواقع غير مسلم.
البلوغ، وهل تصح إمامة الصبي المميز ؟
ومن شروط صحة الإمامة البلوغ، فلا يصح أن يقتدي بالغ بصبي مميز في صلاة مفروضة، باتفاق ثلاثة من الأئمة: وخالف الشافعية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
هذا في الصلاة المفروضة، أما صلاة النافلة فيصح للبالغ أن يقتدي بالصبي المميز فيها، باتفاق ثلاثة من الأئمة؛ وخالف الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) .
стр. 370
هذا، ويصح للصبي المميز أن يصلي إماماً بصبي مثله باتفاق.
إمامة النساء
ومن شروط الإمامة - الذكورة المحققة - فلا تصح إمامة النساء، وإمامة الخنثى المشكل إذا كان المقتدي به رجال، أما إذا كان المقتدي به نساء فلا تشترط الذكورة في إمامتهن، بل يصح أن تكون المرأة إماماً لا مرأة مثلها، أو الخنثى. باتفاق ثلاثة من الأئمة؛ وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
العقل
ومن شروط صحة الإمامة العقل، فلا تصح إمامة المجنون إذا كان لا يفيق من جنونه، أما إذا كان يفيق أحياناً ويجن أحياناً، فإن إمامته تصح حال إفاقته، وتبطل حال جنونه باتفاق.
اقتداء القارئ بالأمي
اشترطوا لصحة الإمامة أن يكون الإمام قارئاً إذا كان المأموم قارئاً، فلا تصح إمامة أمي بقارئ، والشرط هو أن يحسن الإمام قراءة ما لا تصح الصلاة إلا به، فلو كان إمام قرية مثلاً يحسن قراءة ما لا تصح الصلاة إلا به، فإنه يجوز للمتعلم أن يصلي خلفه، أما إذا كان أميّاً، فإنه لا تصح إمامته إلا بأمي مثله، سواء وجد قارئ يصلي بهما أولا، باتفاق ثلاثة من الأئمة؛ وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) .
стр. 371
سلامة الإمام من الأعذار كسلس البول
ويشترط أيضاً لصحة الإمامة أن يكون الإمام سليماً من الأعذار، كسلس البول، والإسهال المستمر، وانفلات الريح، والرعاف، ونحو ذلك، فمن كان مريضاً بمرض من هذه فإن إمامته لا تصح بالسليم منها، وتصح بمريض مثله إن اتحد مرضهما، أما إن اختلف، كأن كان أحدهما مريضاً بسلس البول، والآخر بالرعاف الدائم، فإن إمامتهما لبعضهما لا تصح، وهذا القدر متفق عليه بين الحنفية، والحنابلة؛ وخالف الشافعية، والمالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
طهارة الإمام من الحدث والخبث
ومن شروط صحة الإمامة المتفق عليها أن يكون الإمام طاهراً من الحدث والخبث؛ فإذا صلى شخص خلف رجل محدث أو على بدنه نجاسة، فإن صلاته تكون باطلة، كصلاة إمامه، بشرط أن يكون الإمام عالماً بذلك الحدث، ويتعمد الصلاة. وإلا فلا تبطل، على تفصيل في المذاهب، ذكرناه تحت الخط (٢) .
стр. 372
إمامة من بلسانه لثغ ونحوه
من شروط صحة الإمامة أن يكون لسان الإمام سليماً لا يتحول في النطق عن حرف إلى غيره، كأن يبدل الراء غيناً، أو السين ثاء، أو الذال زاياً، أو الشين سيناً، أو غير ذلك من حروف الهجاء. وهذا ما يقال له: ألثغ لأن اللثغ في اللغة تحول اللسان من حرف إلى حروف الهجاء. وهذا يقال له ألثغ لأن اللثغ في اللغة تحول اللسان من حرف إلى حرف، ومثل هذا يجب عليه تقويم لسانه، ويحاول النطق بالحرف صحيحاً بكل ما في وسعه، فإن عجز بعد ذلك فإن إمامته، لا تصح إلا لمثله، أما إذا قصر، ولم يحاول إصلاح لسانه فإن صلاته تبطل من أصلها، فضلاً عن إمامته، وهذا الحكم متفق عليه بين الحنفية، والشافعية، والحنابلة، إلا أن الحنفية يقولون: إن مثل هذا إذا كان يمكنه أن يقرأ موضعاً من القرآن صحيحاً غير الفاتحة وقرأه فإن صلاته لا تبطل، لأن قراءة الفاتحة غير فرض عندهم، وخالف في ذلك كله المالكية، فقالوا: إن إمامته صحيحة مطلقاً، كما هو موضح في مذهبم الآتي، ومثل الألثغ في هذا التفصيل من يدعم حرفاً في آخر خطأ، كأن يقلب السين تاء، ويدغمها في تاء بعدها، فيقول
стр. 373
مثلاً المتقيم بدل "المستقيم"؛ فمثل هذا يجب عليه أن جتهد في إصلاح لسانه، فإن عجز صحت إمامته لمثله، وإن قصر بطلت صلاته وإمامته.
أما الفأفأء، وهو الذي يكرر الفاء في كلامه، والتمتام وهو الذي يكرر التاء فإن إمامته تصح لمن كان مثله، ومن لم يكن، مع الكراهة عند الشافعية، والحنابلة، أما المالكية قالوا: إنها تصح بدون كراهة مطلقاً، والحنفية قالوا: إن إمامتهما كإمامة الألثغ، فلا تصح إلا لمثلهما بالشرط المتقدم، وقد ذكرنا مذهب المالكية في ذلك كله تحت الخط (١) .
إمامة المقتدي بإمام آخر
من شروط صحة الإمامة أن لا يكون الإمام مقتدياً بإمام غيره، مثلاً إذا أدرك شخص إمام المسجد في الركعتين الأخيرتين من صلاة العصر، ثم سلم الإمام، وقام ذلك الشخص ليقضي الركعتين، فجاء شخص آخر ونوى صلاة العصر مقتدياً بذلك الشخص الذي يقضي ما فاته، فهل تصح صلاة المقتدي الثاني أو لا؟ وأيضاً إذا كان المسجد مزدحماً بالمصلين، وجاء شخص في آخر الصفوف، ولم يسمع حركات الإمام، فاقتدى بأحد المصلين الذين يصلون خلفه، فهل يصح اقتداؤه أو لا؟ في ذلك كله تفصيل، فانظره تحت الخط (٢) .
стр. 374
الصلاة وراء المخالف في المذاهب
من شروط الإمامة أن تكون صلاة الإمام صحيحة في مذهب المأموم، فلو صلى حنفي خلف شافعي وسال منه دم ولم يتوضأ بعده، أو صلى شافعي خلف حنفي لمس امرأة مثلاً، فصلاة المأموم باطلة، لأنه يرى بطلان صلاة إمامه، باتفاق الحنفية، والشافعية، وخالف المالكية، والحنابلة، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
تقدم المأموم على إمامه وتمكن المأموم من ضبط أفعال الإمام
ومن شروط صحة الإمامة أن لا يتقدم المأموم على إمامه، فإذا تقدم المأموم بطلت الإمامة والصلاة، وهذا الحكم متفق عليه بين ثلاثة من الأئمة، وخالف المالكية فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) ، على أن الذين اشترطوا عدم تقدم المأموم على إمامه استثنوا من هذا الحكم الصلاة حول الكعبة، فقالوا: إن تقدم المأموم على إمامه جائز فيها، إلا أن الشافعية لهم في الصلاة حول الكعبة، فقالوا: إن تقدم المأموم على إمامه جائز فيها، إلا أن الشافعية لهم في هذا تفصيل مذكور تحت الخط (٣) ثم إن كانت الصلاة من قيام، فالعبرة في حصة صلاة
стр. 375
المقتدي بأن لا يتقدم مؤخر قدمه على مؤخر قدم الإمام، وإن كانت من جلوس. فالعبرة بعدم تقدم عجزه على عجز الإمام فإن تقدم المأموم في ذلك لم تصح صلاته؛ أما إذا حاذاه فصلاته صحيحة بلا كراهة، عند الأئمة الثلاثة، وخالف الشافعية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ؛ ومنها تمكن المأموم منضبط أفعال إمامه برؤية أو سماع، ولو بمبلغ فمتى تمكن المأموم من ضبط أفعال إمامه صحت صلاته: إلا إذا اختلف مكانهما، فإن صلاتهتبطل على تفصيل في المذاهب، فانظره تحت الخط (٢) .
стр. 376
نية المأموم الاقتداء، ونية الإمام الإمامة
ومن شروط صحة الإمامة: نية المأموم الاقتداء بإمامه في جميع الصلوات، باتفاق ثلاثة من الأئمة؛ وخالف الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، وتكون النية من أول صلاته بحيث تقارن تكبيرة الإحرام من المأموم حقيقة أو حكماً، على ما تقدم في بحث "النية" فلو شرع في الصلاة بنية الانفراد، ثم وجد إماماً في أثنائها فنوى متابعته، فلا تصح صلاته لعدم وجود النية من أول الصلاة، فالمنفرد لا يجوز انتقاله للجماعة، كما لا يجوز لمن بدأ صلاته في جماعة أن ينتقل للانفراد، بأن ينوي مفارقة الإمام إلا لضورة، كأن أطال عليه الإمام، وهذا كله متفق عليه بين ثلاثة من الأئمة، وخالف الشافعية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) .
стр. 377
أما نية الإمام الإمامة، كأن ينوي صلاة الظهر أو العصر إماماً، فإنها ليست بشرط في الإمامة، إلا في أحوال مفصلة في المذاهب، فانظرها تحت الخط (١) .
стр. 378
اقتداء المفترض بالمتنفل
ومن شروط الإمامة أن لا يكون الإمام أدنى حالاً من المأموم، فلا يصح اقتداء مفترض بمتنفل، إلا عند الشافعية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، وكذا لا يجوز اقتداء قادر على الركوع مثلاً بالعاجز عنه، ولا كاس بعار لم يجد ما يستتر به، باتفاق الحنفية، والحنابلة، وخالف الشافعية، والمالكية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (٢) ، لا متطهر بمتنجس عجز عن الطهارة، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٣) ، وكذا لا يجوز اقتداء القارئ بالأمي، كما تقدم، نعم يصح اقتداء القائم بالقاعد الذي عجز عن القيام، على تفصيل في المذاهب.
стр. 379
متابعة المأموم لإمامه في أفعال الصلاة
ومن شروط الإمامة متابعة المأموم لإمامه في أفعال الصلاة، على تفصيل في المذاهب، فانظره تحت الخط (١) .
اقتداء مستقيم الظهر بالمنحني
ومن شروط صحة الإمامة أن لا يكون ظهر الإمام منحنياً إلى الركوع، فإن وصل انحناؤه إلى حد الركوع فلا يصح اقتداء الصحيح به؛ ولكن يصح لمثله أن يقتدي به، وهذا متفق عليه بين ثلاثة من الأئمة، وخالف الشافعية فقالوا: إن إمامته تصح لمثله ولغيره، ولو وصل انحناؤه إلى حد الركوع.
اتحاد فرض الإمام والمأموم
ومنها اتحاد فرض الإمام والمأموم فلا تصح صلاة ظهر مثلاً خلف عصر، ولا ظهر أداء، خلف ظهر قضاء، ولا عكسه، ولا ظهر يوم السبت خلف ظهر يوم الأحد، وإن كان كل منهما قضاء، هذا متفق عليه بين المالكية، والحنفية، أما الشافعية، والحنابلة، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ؛ نعم يصح اقتداء المتنفل بالمفترض، وناذر نفل بناذر آخر، والحالف أن يصلي نفلاً
стр. 385
بحالف آخر؛ والناذر بالحالف، ولو لم يتحد المنذور أو المحلوف عليه، كأن نذر شخص صلاة ركعتين عقب الزوال، ونذر الآخر صلاة ركعتين مطلقاً، كما يصح اقتداء المسافر بالمقيم في الوقت وخارجه، ويلزم إتمام الصلاة أربعاً، وهذا متفق عليه إلا عند الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
هذا، وللإمامة شروط أخرى مبينة في المذاهب في أسفل الصحيفة (٢) .
стр. 386
الأعذار التي تسقط بها الجماعة
تسقط الجماعة بعذر من الأعذار الآتية: المطر الشديد، والبرد الشديد؛ والوحل الذي يتأذى به، والمرض، والخوف من ظالم، والخوف من الحبس لدين إن كان معسراً؛ والعمى، إن لم يجد الأعمى قائداً، ولم يهتد بنفسه، وغير ذلك مما تقدم في الأعذار التي تسقط بها الجمعة.
من له التقدم في الإمامة
قد ذكرنا من له التقدم على غيره في الإمامة عند كل مذهب تحت الخط (١) .
стр. 387
مبحث مكروهات الإمامة: إمامه الفاسق والأعمى
تكره إمامة الفاسق إلا إذا كان إماماً لمثله باتفاق الحنفية، والشافعية، أما الحنابلة، والمالكية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (١) ، وكذا تكره إمامة المبتدع إذا كانت بدعته غير مكفرة باتفاق، ويكره تنزيهاً للإمام إطالة الصلاة، إلا إذا كان إمام قوم محصورين، ورضوا بذلك فإنه لا يكره كما تقدم، باتفاق ثلاثة، وخالف الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) .
стр. 388
اقتداء المتوضئ بالمتيمم وغير ذلك
هذا، ويصح اقتداء متوضئ بمتيمم، وغاسل بماسح على خف أو جبيرة بلا كراهة، باتفاق الحنفية والحنابلة، أما الشافعية، والمالكية فانظر مذهبيهما تحت الخط (١) .
وللإمامة مكروهات أخرى مبينة في المذاهب، فانظرها تحت الخط (٢) .
стр. 389
كيف يقف المأموم مع إمامه
إذا كان مع الإمام رجل واحد أو صبي مميز قام ندباً عن يمين الإمام مع تأخره قليلاً، فتكره مساواته (١) ووقوفه عن يساره أو خلفه، إذا كان معه رجلان قاما خلفه ندباً، وكذلك إذا كان خلفه
стр. 390
رجل وصبي، وإن كان معه رجل وامرأة قام الرجل عن يمينه والمرأة خلف الرجل، ومثل الرجل في هذه الصورة الصبي، وإذا اجتمع رجال وصبيان وخناثى وإناث، قدم الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم الإناث، وهذه الأحكام متفق عليها بين الأئمة، إلا الحنابلة، فإنهم قالوا: إذا صلى رجل واحد مع إمام واقف عن يسار الإمام ركعة كاملة، بطلت صلاته، وإذا صلى رجل وصبي، فإنه يجب أن يكون الرجل عن يمين الإمام، وللصبي أن يصلي عن يمينه أو يساره لا خلفه.
وينبغي للإمام أن يقف وسط القوم، فإن وقف عن يمينهم أو يسارهم فقد أساء بمخالفته السنة؛ وينبغي أن يقف أفضل القوم في الصف الأول حتى يكونوا متأهلين للإمامة عند سبق الحدث ونحوه، والصف الأول أفضل من الثاني، والثاني أفضل من الثالث، وهكذا؛ وينبغي أيضاً لمن يسد الفرج أن يكون أهلاً للوقوف في الصف الذي به الفرجة، فليس للمرأة أن تنتقل من مكانها المشروع لسد فرجة في صف لم يشرع لها الوقوف فيه، أما الصبيان فإنهم في مرتبة الرجال إذا كان الصف ناقصاً، فيندب أن يكملوه إذا لم يوجد من يكمله من الرجال، باتفاق ثلاثة؛ وخالف الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
وينبغي للقوم إذا قاموا إلى الصلاة أن يتراصوا، ويسدوا الفرج، ويسووا بين مناكبهم في الصفوف، فإذا جاء أحد للصلاة، فوجد الإمام راكعاً أو وجد فرجة بعد أن كبر تكبيرة الإحرام ففيما يفعله في هاتين الحالتين تفصيل المذاهب، فانظره تحت الخط (٢) .