Полный текст (2 230 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الأعذار التي تسقط بها الجماعة
تسقط الجماعة بعذر من الأعذار الآتية: المطر الشديد، والبرد الشديد؛ والوحل الذي يتأذى به، والمرض، والخوف من ظالم، والخوف من الحبس لدين إن كان معسراً؛ والعمى، إن لم يجد الأعمى قائداً، ولم يهتد بنفسه، وغير ذلك مما تقدم في الأعذار التي تسقط بها الجمعة.
من له التقدم في الإمامة
قد ذكرنا من له التقدم على غيره في الإمامة عند كل مذهب تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: الأحق بالإمامة الأعلم بأحكام الصلاة صحة وفساداً، بشرط أن يجتنب الفواحش الظاهرة، ثم الأحسن تلاوة وتجويداً للقراءة، ثم الأورع، ثم الأقدم إسلاماً؛ ثم الأكبر سناً، إن كانا مسلمين أصليين، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن وجهاً، ثم الأشرف نسباً، ثم الأنظف ثوباً فإن استووا في ذلك كله أقرع بينهم إن تزاحموا على الإمامة، وإلا قدموا من شاؤوا، فإن اختلفوا ولم يرضوا بالقرعة قدم من اختاره أكثرهم، فإن اختار أكثرهم غير الأحق بها أساؤوا بدون إثم، وهذا كله إذا لم يكن بين القوم سلطان، أو صاحب منزل اجتمعوا فيه، أو صاحب وظيفة، وإلا قدم السلطان، ثم صاحب البيت مطلقاً، ومثله الإمام الراتب في المسجد، وإذا وجد في البيت مالكه ومستأجره؛ فالأحق بها المستأجر.
الشافعية قالوا: يقدم ندباً في الإمامة الوالي بمحل ولايته، ثم الإمام الراتب، ثم الساكن بحق إن كان أهلاً لها، فإن لم يكن فيهم من ذكر قدم الأفقه، فالأقرأ: فالأزهد، فالأورع، فالأقدم هجرة. فالأسن في الإسلام، فالأفضل نسباً، فالأحسن سيرة، فالأنظف ثوباً وبدناً وصنعة، فالأحسن صوتاً،стр. 387
مبحث مكروهات الإمامة: إمامه الفاسق والأعمى
تكره إمامة الفاسق إلا إذا كان إماماً لمثله باتفاق الحنفية، والشافعية، أما الحنابلة، والمالكية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (١) ، وكذا تكره إمامة المبتدع إذا كانت بدعته غير مكفرة باتفاق، ويكره تنزيهاً للإمام إطالة الصلاة، إلا إذا كان إمام قوم محصورين، ورضوا بذلك فإنه لا يكره كما تقدم، باتفاق ثلاثة، وخالف الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) . الحواشي
(١) الحنابلة قالوا: إمامة الفاسق، ولو لمثله، غير صحيحة إلا في صلاة الجمعة والعيد إذا تعذرت صلاتهما خلف غيره، فتجوز إمامته للضرورة.
المالكية قالوا: إمامة الفاسق مكروهة ولو لمثله(٢) الحنفية قالوا: يكره للإمام تحريماً التطويل في الصلاة إلا إذا كان إمام قوم محصورين، ورضوا بالتطويل، لقوله ﷺ : "من أم فليخفف"، والمكروه تحريماً إنما هو الزيادة عن الإتيان بالسننстр. 388
اقتداء المتوضئ بالمتيمم وغير ذلك
هذا، ويصح اقتداء متوضئ بمتيمم، وغاسل بماسح على خف أو جبيرة بلا كراهة، باتفاق الحنفية والحنابلة، أما الشافعية، والمالكية فانظر مذهبيهما تحت الخط (١) .
وللإمامة مكروهات أخرى مبينة في المذاهب، فانظرها تحت الخط (٢) . الحواشي
(١) الشافعية قالوا: إنما يصح ذلك بشرط أن لا تلزم الإمام إعادة الصلاة التي يصليها، فإذا مسح شخص على جبيرة وكان ذلك المسح غير كاف في صحة الصلاة بدون إعادة فإنه يصح أن يكون إماماً، وغلا فلا.
المالكية قالوا: اقتداء المتوضء بالمتيمم والغاسل بالماسح على خف أو جبيرة مكروه، فهو من مكروهات الإمامة عندهم(٢) الحنفية قالوا: يكره تنزيهاً إمامة الأعمى إلا إذا كان أفضل القوم، ومثله ولد الزنا، وكذا تكره إمامة الجاهل، سواء كان بدوياً أو حضرياً مع وجود العالم، وتكره أيضاً إمامة الأمرد الصبيح الوجه، وإن كان أعلم القوم إن كان يخشى من إمامته الفتنة، وإلا فلا، وتكره إمامة السفيه الذي لا يحسن التصرف، والمفلوج، والأبرص، الذي انتشر برصه، والمجذوم، والمجبوب والأعرج الذي يقوم ببعض قدمه، ومقطوع اليد، ويكره أيضاً إمامة من يؤم الناس بأجر، إلا إذا شرط الواقف له أجراً، فلا تكره إمامته، لأنه يأخذه كصدقة ومعونة، وتكره أيضاً إمامة من خالف مذهب المقتدي في الفروع إن شك في كونه لا يرعى الخلاف فيما يبطل الصلاة أو الوضوء أما إذا لم يشك في ذلك بأن علم أنه يرعى الخلاف، أو لم يعلم من أمره شيئاً، فلا يكره، ويكره أيضاً ارتفاع مكان الإمام عن سائر المقتدين بقدر ذراع فأكثر، فإن كان أقل من ذلك فلا كراهة، كما يكره أيضاً ارتفاع المقتدين عن مكانه بمثل هذا القدر، والكراهة في كلتا الحالتين مقيدة بما إذا لم يكن مع الإمام في موقفه أحد منهم ولو واحداً، فإن كان معه واحد فأكثر فلا كراهة، وتكره إمامة من يكره الناس إذا كان ينفرهم من الصلاة خلفه لنقص فيه، ويكره تحريماً جماعة النساء، ولو في التراويح، إلا في صلاة الجنازة، فإن فعلن تقف المرأة فيه، ويكره تحريماً جماعة النساء، ولو في التراويح، إلا في صلاة الجنازة، فإن فعلن تقف المرأة وسطهن، كما يصلي العراة، ويكره حضورهن الجماعة، ولو الجمعة والعيد والوعظ بالليل، أما بالنهار فجائز إذا أمنت الفتنة، وكذا تكره إمامة الرجل لهن في بيت ليس معهن رجل غيره ولا محرم منه، كزوجه وأخته.
الشافعية قالوا: تكره إمامة من تغلب على الإمامة ولا يستحقها، ومن لا يتحرز عن النجاسة، ومن يحترف حرفة ذيئة كالحجام، ومن يكهه أكثر القوم لأمر مذموم كإكثار الضحك، ومن لا يعرف له أب، وكذا ولد الزنا إلا لمثله؛ وتكره إمامة الأقلف، ولو بالغاً، كما تكره إمامة الصبي، ولو أفقه من البالغ؛ وكذا الفأفاء والوأواء، ولا تكره إمامة الأعمى، وتكره إمامة من كان يلحن لحناً لا يغير المعنى، وتكره أيضاً إمامة من يخالف مذهب المقتدير في الفروع، كالحنفي الذي يعتقد أن التسمية ليستстр. 389
كيف يقف المأموم مع إمامه
إذا كان مع الإمام رجل واحد أو صبي مميز قام ندباً عن يمين الإمام مع تأخره قليلاً، فتكره مساواته (١) ووقوفه عن يساره أو خلفه، إذا كان معه رجلان قاما خلفه ندباً، وكذلك إذا كان خلفه الحواشي
(١) الحنفية قالوا: لا تكره المساواةстр. 390
رجل وصبي، وإن كان معه رجل وامرأة قام الرجل عن يمينه والمرأة خلف الرجل، ومثل الرجل في هذه الصورة الصبي، وإذا اجتمع رجال وصبيان وخناثى وإناث، قدم الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم الإناث، وهذه الأحكام متفق عليها بين الأئمة، إلا الحنابلة، فإنهم قالوا: إذا صلى رجل واحد مع إمام واقف عن يسار الإمام ركعة كاملة، بطلت صلاته، وإذا صلى رجل وصبي، فإنه يجب أن يكون الرجل عن يمين الإمام، وللصبي أن يصلي عن يمينه أو يساره لا خلفه.
وينبغي للإمام أن يقف وسط القوم، فإن وقف عن يمينهم أو يسارهم فقد أساء بمخالفته السنة؛ وينبغي أن يقف أفضل القوم في الصف الأول حتى يكونوا متأهلين للإمامة عند سبق الحدث ونحوه، والصف الأول أفضل من الثاني، والثاني أفضل من الثالث، وهكذا؛ وينبغي أيضاً لمن يسد الفرج أن يكون أهلاً للوقوف في الصف الذي به الفرجة، فليس للمرأة أن تنتقل من مكانها المشروع لسد فرجة في صف لم يشرع لها الوقوف فيه، أما الصبيان فإنهم في مرتبة الرجال إذا كان الصف ناقصاً، فيندب أن يكملوه إذا لم يوجد من يكمله من الرجال، باتفاق ثلاثة؛ وخالف الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
وينبغي للقوم إذا قاموا إلى الصلاة أن يتراصوا، ويسدوا الفرج، ويسووا بين مناكبهم في الصفوف، فإذا جاء أحد للصلاة، فوجد الإمام راكعاً أو وجد فرجة بعد أن كبر تكبيرة الإحرام ففيما يفعله في هاتين الحالتين تفصيل المذاهب، فانظره تحت الخط (٢) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: إذا لم يكن في القوم غير صبي واحد دخل في صف الرجال، فإن تعدد الصبيان جعلوا صفاً وحدهم خلف الرجال، ولا تكمل بهم صفوف الرجال(٢) الحنفية قالوا: إذا جاء الصلاة أحد فوجد الإمام راكعاً، فإن كان في الصف الأخير فرجة فلا يكبر للإحرام خارج الصف، بل يحرم فيه، ولو فاتته الركعة، ويكره له أن يحرم خارج الصف، أما إذا لم يكن في الصف الأخير فرجة، فإن كان في غيره من الصفوف الأخرى فرج لا يكبر خارجها أيضاً، وإن لم يكن بها فرج كبر خلف الصفوف، وله أن يجذب إليه واحداً ممن أمامه في الصف بشرط أن لا يعمل عملاً كثيراً مفسداً للصلاة ليكون له صفاً جديداً، فإن صلى وحده خلف الصفوف كره وأما إذا دخل المقتدي في الصلاة، ثم رأى فرجة في الصفوف التي أمامه مما يلي المحراب، فيندب له أن يمشي لسد هذه الفرجة بمقدار صف واحد، فإذا كان المقتدي المذكور في الصف الثاني، ورأى الفرجة في الصف الأول جاز له الانتقال إليه؛ أما إذا كان في الثالث والفرجة في الأول، فلا يمشي إليها ولا يسدها، فإن فعل ذلك بطلت صلاته، لأنه عمل كثير.
الحنابلة قالوا: إذا جاء إلى الصلاة فوجد الإمام راكعاً. وكان في الصف الأخير فرجة جاز له أن يكبر خارج الصف محافظة على الركعة، وأن يمشي إلى الفرجة فيسدها، وهو راكع، أو بعد رفعه من الركوع إذا لم يسجد الإمام، فإن لم يدخل الصف قبل سجود الإمام، ولم يجد واحداً يكون معه صفاًстр. 391
إعادة صلاة الجماعة
إذا صلى الظهر أو المغرب أو العشاء وحده أو في جماعة، ثم وجد جماعة أخرى تصلي ذلك الفرض الذي صلاه. فهل له أن يعيده مع هذه الجماعة؟ في هذا الحكم تفصيل المذاهب، فانظره تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الشافعية قالوا: تسن إعادة الصلاة في الوقت مطلقاً، سواء صلى الأولى منفرداً أو بجماعة،стр. 392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بشرط أن تكون الصلاة الثانية كلها في جماعة، وأن ينوي إعادة الصلاة المفروضة؛ وأن تقع الثانية في الوقت ولو ركعة فيه على الراجح، وأن يعيدها الإمام مع من يرى جواز إعادتها أو ندبها، وأن تكون الأولى مكتوبة أو نفلاً تسن فيه الجماعة، وأن تعاد مرة واحدة على الراجح، وأن تكون غير صلاة الجنازة؛ وأن تكون الثانية صحيحة، وإن لم تغن عن القضاء، وأن لا ينفرد وقت الإحرام بالصلاة الثانية عن الصف، مع إمكان دخوله فيه، فإن انفرد فلا تصح الإعادة، أما إذا انفرد بعد إحرامه، فإنها تصح، وأن تكون الصلاة الثانية من قيام لقادر، وأن تكون الجماعة مطلوبة في حَق من يعيدها الصلاة في جماعة إذا أقيمت الجماعة، وهو في المسجد، سواء كان وقت الإعادة وقت نهي أو لا، وسواء كان الذي يعيد معه هو الإمام الراتب أو غيره، أما إذا دخل المسجد فوجد الجماعة مقامة، فإن كان الوقت وقت نهي حرمت عليه الإعادة، ولم تصح، سواء قصد بدخوله المسجد تحصيل الجماعة أو لا، أما إذا لم يكن الوقت وقت نهي وقصد المسجد للإعادة، فلا يسن له الإعادة، وإن لم يقصد ذلك كانت الإعادة مسنونة، وهذا كله في غير المغرب، أما المغرب فلا تسن إعادته مطلقاً، ومن أعاد الصلاة ففرضه الأولى، والثانية نافلة، فينويها معادة أو نافلة.
المالكية قالوا: من أدى الصلاة وحده أو صلاها إماماً لصبي يندب له أن يعيدها ما دام الوقت باقياً في جماعة أخرى منعقدة بدونه بأن تكون مركبة من اثنين سواه، ولا يعيدها مع واحد إلا أن يكون إماماً راتباً، فيعيد معه؛ ويستثنى من الصلاة التي تعاد المغرب والعشاء بعد الوتر فتحرم إعادتهما لتحصيل فضل الجماعة، ويستثنى أيضاً من صلى منفرداً بأحد المساجد الثلاثة، وهي: مسجد مكة، والمدينة، وبيت المقدس فلا يندب له إعادتها جماعة خارجها، ويندب إعادتها جماعة فيها، وإذا أعاد المصلي منفرداً صلاته لتحصيل فضل الجماعة تعين أن يكون مأموماً، ولا يصح أن يكون إماماً لمن لم يصل هذه الصلاة، كما تقدم، وينوي المعيد الفرض، مفوضاً الأمر لله تعالى في قبول أي الصلاتين، فإذا نوى النفل بالصلاة المعادةن ثم تبين بطلان الأولى، فلا تجزئه الثانية؛ وأما من أدى الصلاة في جماعة فيكره له صلاتها في جماعة مرة أخرى، إلا إذا كانت الجماعة الأولى خارج المساجد الثلاثة، ثم دخل أحدها فيندب له إعادتها به جماعة لا فرادى.
الحنفية قالوا: إذا صلى منفرداً، ثم أعاد صلاته مع إمام جماعة جاز له ذلك، وكانت صلاته الثانية نفلاً، وإنما تجوز إذا كان إمامه يصلي فرضاً لا نفلاً، لأن صلاة النافلة خلف الفرض غير مكروهة، وإنما المكروه صلاة نفل خلف نفل إذا كانت الجماعة أكثر من ثلاثة، كما تقدم، فإن صلوا جماعة ثم أعادوا الصلاة ثانياً بجماعتهم كره إن كانوا أكثر من ثلاثة. وإلا فلا يكره إذا أعادوها بغير أذان، فإن أعادوها بأذان كرهت مطلقاً، ومتى علم أن الصلاة الثانية تكون نفلاً أعطيت حكم الصلاة النافلة في الأوقات المكروهة، فلا تجوز إعادة صلاة العصر، لأن النفل ممنوع بعد العصر، وإذا شرعстр. 393
تكرار الجماعة في المسجد الواحد
يكره تكرار الجماعة في المسجد الواحد بأن يصلي فيه جماعة بعد أخرى، وفيه تفصيل في المذاهب
(١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: لا يكره تكرار الجماعة في مساجد الطرق، وهي ما ليس لها إمام وجماعة معينون، أما مسجد المحلة - وهي ما لها إمام وجماعة ميعنون - فلا يكره تكرار الجماعة فيها أيضاً إن كانت على غير الهيئة الأولى، فلو صليت الأولى في المحراب والثانية صليت بعد ذلك.
الحنابلة قالوا: إذا كان الإمام الراتب يصلي بجماعة فيحرم على غيره أن يصلي بجماعة أخرى وقت صلاته، كما يحرم أن تقوم جماعة قبل صلاة الإمام الراتب، بل لا تصح صلاة جماعة غير الإمام الراتب في كلتا الحالتين، ومحل ذلك إذا كان بغير إذن الإمام الراتب، أما إذا كان بإذنه، فلا تحرم، كما لا تحرم صلاة غيره، إذا تأخر الإمام الراتب لعذر أو ظن عدم حضوره، أو ظن حضوره، ولكن كان الإمام لا يكره أن يصلي غيره في حال غيبته، ففي هذه الأحوال لا تكره إمامة غيره، وأما إمامة غير الراتب بعد إتمام صلاته فجائزة من غير كراهة إلا في المسجد الحرام، والمسجد النبوي، فإن إعادة الجماعة فيهما مكروهة إلا لعذر، كمن نام عن صلاة الإمام الراتب بالحرمين، فله أن يصلي جماعة بعد ذلك بلا كراهة، ويكره للإمام أن يؤم بالناس مرتين في صلاة واحدة بأن ينوي بالثانية فائتة، وبالأولى فرض الوقت مثلاً.
الشافعية قالوا: يكره إقامة الجماعة في مسجد بغير إذن إمامه الراتب مطلقاً قبله أو بعده أو معه إلا إذا كان المسجد مطروقاً أو ليس له إمام راتب، أو له وضاق المسجد عن الجميع أو خيف خروج الوقت، وإلا فلا كراهة.
المالكية قالوا: يكره تكرار الجماعة مرة أخرى بعد صلاة الإمام الراتب في كل مسجد أو موضع جرت العادة باجتماع الناس للصلاة فيه، وله إمام راتب، ولو أذن الإمام في ذلك، وكذلك تكره إقامة الجماعة قبل الإمام الراتب إذا صلى في وقته المعتاد له، وإلا فلا كراهة، وأما إقامة جماعة مع جماعة الإمام الراتب فهي محرمة، والقاعدة عندهم أنه متى أقيمت الصلاة للإمام الراتب فلا يجوز أن تصلي صلاة أخرى فرضاً أو نفلاً، لا جماعة ولا فرادى، ويتعين على من في المسجد الدخول مع الإمام إذا كان لم يصل هذه الصلاة المقامة أو صلاها منفرداً، أما إذا كان قد صلاها جماعة فيتعين عليه الخروج من المسجد لئلا يطعن على الإمام، وإذا كان على من بالمسجد فرض غير الفرض الذي يريد الإمام أن من يصليه، كأن كان عليه الظهر وأقيمت صلاة العصر للراتب فإنه يتابع الإمام في الصورة فقط، وينويстр. 394
ما تدرك به الجماعة، والجماعة في البيت
تدرك الجماعة إذا شارك المأموم إمامه في جزء من صلاته، ولو آخر القعدة الأخيرة قبل السلام، فلو كبر قبل سلام إمامه فقد أدرك الجماعة، ولو لم يقعد معه، وهذا الحكم متفق عليه بين الحنفية، والحنابلة، والشافعية، إلا أن الشافعية استثنوا من ذلك صلاة الجمعة فقالوا: إنها لاتدرك إلا بإدراك ركعة كاملة مع الإما، كما تقدم "في الجمعة"، أما المالكية فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
هذا، ولا فرق في إدراك فضل الجماعة بين أن تكون في المسجد أو في البيت، ولكنها في المسجد أفضل إلا للنساء.
إذا فات المقتدي بعض الركعات أو كلها
من لا يدرك إمامه في جميع صلاته لا يخلو حاله عن أمرين: أحدهما: أن يفوته ركعة من ركعات الصلاة أو أكثر بسبب عذر أو زحمة ونحوها، بعد الدخول في الصلاة، ثانيهما: أن الحواشي
(١) المالكية قالوا: تدرك الجماعة، ويحصل فضلها الوارد في الحديث السابق بإدراك ركعة كاملة مع الإمام بأن ينحني المأموم في الركوع قبل أن يرفع الإمام رأسه منه، وإن لم يطمئن في الركوع إلا بعد رفع الإمام، ثم يدرك السجدتين أيضاً مع الإمام، ومتى أدرك الركعة على هذا النحو حصل له الفضل، وثبتت له أحكام الاقتداء، فلا يصح أن يكون إماماً في هذه الصلاة ولا يعيدها في جماعة أخرى؛ ويلزمه أن يسجد لسهو الإمام قبلياً كان أو بعدياً، ويسلم على الإمام، وعلى من على يساره وغير ذلك من أحكام المأموم، أما إذا دخل مع الإمام بعد الرفع من الركوع أو ادرك الركوع معه ولم يتمكن من السجود معه لعذر، كزحمة ونحوها مما تقدم، فلا يحصل له فضل الجماعة، ولا يثبت له أحكام الاقتداء، فيصح أن يكون إماماً في هذه الصلاة، ويستحب أن يعيدها في جماعة أخرى لإدراك فضل الجماعة، ولا يسلم على الإمام، ولا على المأموم الذي على يساره ونحو ذلك، وإنما قالوا: إن الفضل الوارد في الحديث هو الذي يتوقف على إدراك ركعة كاملة، لأن مطلق الأجر لا يتوقف على ذلك، فمن أدرك التشهد فقط مع الإمام لا يحرم من الثواب والأجر، وإن كان لا يحصل له الفضل الوارد في قوله ﵇: صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بسبعة وعشرين درجة، وهذا هو الحديث السابقстр. 395
يفوته شيء من ذلك قبل الدخول فيها مع الإمام، كأن يدرك الإمام في الركعة الثانية أو الثالثة أو الأخيرة، وفي كل هذا تفصيل في المذاهب، فانظره تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: إن الأول يسمى لاحقاً، والثاني يسمى مسبوقاً، فاللاحق هو من دخل الصلاة مع الإمام، ثم فاته كل الركعات أو بعضها لعذر، كزحام؛ والمسبوق هو من سبقه إمامه بكل الركعات أو بعضها، وحكم اللاحق كحكم المؤتم حقيقة فيما فاته، فلا تنقطع تبعيته للإمام، فلا يقرأ في قضاء ما فاته من الركعات، ولا يسجد للسهو فيما يسهو فيه حال قضائه، لأن لا سجود على المأموم فيما يسهو فيه خلف إمامه، ولا يتغير فرضه أربعاً بنية الإقامة إن كان مسافراً، وكيفية قضاء ما فاته أن يقضيه في أثناء صلاة الإمام ثم يتابعه فيما بقي إن أدركه، فإن لم يدركه مضى في صلاته إلى النهاية، ولا يقرأ شيئاً في قيامه حال القضاء، لأنه معتبر خلف الإمام، وإذا كان على الإمام سجود سهو فلا يأتي به اللاحق إلا بعد قضاء ما فاته، وقد يكون اللاحق مسبوقاً بأن يدخل مع الإمام في الركعة الثانية ثم تفوته ركعة أو أكثر وهو خلف الإمام، وفي هذه الحالة يقضي ما سبق به بعد أن يفرغ من قضاء ما فاته بعددخوله مع الإمام، وعليه القراءة في قضاء ما سبق به، فاللاحق إذا كان مسبوقاً عليه أن يقضي ما فاته بعد دخوله في الصلاة بدون قراءة ثم يتابع الإمام فيما بقي من الصلاة ان أدركه فيها ثم يقصي ما سبق به بقراءة، فإن كان على الإمام سجود سهو في هذه الحالة أتى به بعد قضاء ما سبق به فإن قضى ما سبق به قبل أن يقتضي ما فاته صحت صلاته مع الإثم لترك الترتيب المشروع. أما المسبوق له أحكام كثيرة: منها أنه إن أدرك الإمام في ركعة سرية أتى بالثناء بعد تكبيرة الإحرام، وإن أدركه في صلاة ركعة جهرية لا يأتي به على الصحيح مع الإمام، وإنما يأتي به عند قضاء ما فاته وحينئذ يتعوذ، ويبسمل للقراءة كالمنفرد.
فإن أدرك الإمام وهو راكع أو ساجد تحرّى، فإن غلب على ظنه أنه لو أتى بالثناء أدركه في جزء من ركوعه أو سجوده أتى به وإلا فلا، وإن أدركه في القعود لا يأتي بالثناء، بل يكبر ويقعد قدر التشهد، إلا في مواضع:
الأول: إذا خاف المسبوق الماسح زوال مدته إذا انتظر سلام الإمام، الثاني: إذا خاف خروج الوقت وكان صاحب عذر، لأنه إذا انتظره في هذه الحالة ينتقض وضوءه، الثالث: إذا خاف في الجمعة دخول وقت العصر إذا انتظر سلام الإمام، الرابع إذا خاف المسبوق دخول وقت العصر في العيدين أو خاف طلوع الشمس إذا انتظر سلام الإمام، الخامس إذا خاف المسبوق أن يسبقه الحدث؛ السادس: إذا خاف أن يمر الناس بين يديه إذا انتظر سلام الإمام، فهذه المواضع كلها يقوم فيها المسبوق قبل أن يسلم إمامه، ويقضي ما فاته متى كان الإمام قد قعد قدر التشهد؛ أما إذا قام قبل أن يتم الإمام القعود بقدر التشهد، فإن صلاة المسبوق تبطل، وكما أن المسبوق لا تجب عليه متابعة إمامه في سلام عند وجود عذر من هذه الأعذار، فكذلك المدرك لا تجب عليه المتابعة عند وجود ذلك العذر، فإن لم يوجد عذر وجب على المأموم أن يتابع إمامه في السلام إن كان قد أتم التشهد، فإن سلم إمامه، قبل ذلك لا يسلم معه، بل يتم تشهده ثم يسلم، فإذا أتم المأموم، تشهده قبل إمامه، ثم سلم قبله صحت صلاته مع الكراهة إن كانت بغير عذر من تلك الأعذار، والأفضل في المتابعة في السلام أن يسلمстр. 396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المأموم مع إمامه لا قبله ولا بعده، فإن سلم قبله كان الحكم ما تقدم، وإن سلم بعده فقد ترك الأفضل، وكذلك المتابعة في تكبيرة الإحرام، فإن المقارنة فيها أفضل، أما إن كبر قبله فلا تصح صلاته، وإن كبر بعده فقد فاته إدراك وقت فضيلة تكبيرة الإحرام، ومنها أن يقضي أول صلاته بالنسبة للقراءة، وآخرها بالنسبة للتشهد، فلو أدرك
ركعة من المغرب قضى ركعتين، وقرأ في كل واحدة منهما الفاتحة وسورة، لأن الركعتين اللتين يقضيهما هما الأولى والثانية بالنسبة للقراءة، ويقعد على رأس الأولى منهما ويتشهد، لأنها الثانية بالنسبة لها، فيكون قد صلى المغرب في هذه الحالة بثلاث قعدات، ولو أدرك ركعة من العصر مثلاً قضى ركعة يقرأ فيها الفاتحة والسورة ويتشهد، ثم يقضي ركعة أخرى يقرأ فيها الفاتحة والسورة ولا يتشهد، ثم يقوم لقضاء الأخيرة وهو مخير في القراءة فيها وعدمها، والقراءة أفضل، ولو أدرك ركعتين من العصر مثلاً قضى ركعتين يقرأ فيهما الفاتحة والسورة، ويتشهد، فلو ترك القراءة في إحداهما بطلت صلاته، ومنها أنه في حكم المنفرد فيما يقضيه إلا في مواضع أربعة؛ أحدها: أنه لا يجوز له أن يقتدي بمسبوق مثله، ولا أن يقتدي به غيره، فلو اقتدى مسبوق بمسبوق فسدت صلاة المقتدي دون الإمام، ولو اقتدى هو بغيره بطلت صلاته، ثانيها: أنه لو كبر ناوياً لاستثناف صلاة جديدة من أولها وقطع الصلاة الأولى تصح، بخلاف المنفرد، ثالثها: أنه لو سها الإمام إلى سجود التلاوة، فإن صلاته وصلاة المسبوق صحيحة.
المالكية قالوا: المقتدي إن فاتته ركعة أو أكثر قبل الدخول مع الإمام فهو مسبوق، وحكمه أنه يجب عليه أن يقضي بعد سلام الإمام ما فاته من الصلاة، إلا أن يكون بالنسبة للقول قاضياً، وبالنسبة للفعل بانياً، ومعنى كونه قاضياً أن يجعل ما فاته أول صلاته؛ فيأتي به على الهيئة التي فات عليها بالنسبة للقراءة، فيأتي بالفاتحة وسورة أو بالفاتحة فقط سراً أو جهراً على حسب ما فاته، ومعنى كونه بانياً أن يجعل ما أدركه أو صلاته، وما فاته آخر صلاته، لإيضاح ذلك نقول: دخل المأموم مع الإمام في الركعة الرابعة من العشاء وفاتته ثلاث ركعات قبل الدخول؛ فإذا سلم الإمام يقوم المأموم فيأتي بركعة يقرأ فيها بالفاتحة وسورة جهراً، لأنها أولى صلاته بالنسبة للقراءة؛ ثم يجلس على رأسها للتشهد، نها ثانية له بالنسبة للجلوس، ثم يقوم بعد التشهد فيأتي بركعة بالفاتحة وسورة جهراً، لأنهاстр. 397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثانية له بالنسبة للقراءة، ولا يجلس للتشهد على رأسها، لأنها ثالثة له بالنسبة للجلوس، ثم يقوم فيأتي بركعة يقرأ فيها بالفاتحة فقط سراً: لأنها ثالثة له بالنسبة للقراءة ويجلس على رأسها للتشهد، لأنها رابعة له بالنسبة للأفعال ثم يسلم، ومن القول الذي يكون قاضياً فيه القنوت، فإذا دخل مع الإمام في ثانية الصبح يقنت فيها تبعاً مامه، فإذا سلم الإمام قام بركعة القضاء، ولا يقنت فيها، لأنها أولى بالنسبة للقنوت؛ ولا قنوت في أولى الصبح، فالقول الذي يكون قاضياً فيه هو القراءة والقنوت، ثم إذا ترتب على الإمام سجود سهو، فإن كان قبلياً سجده مع الإمام قبل قيامه للقضاء، وإن كان بعيداً أخره حتى يفرغ من قضاء ما عليه، والمسبوق يقوم بالقضاء بتكبير إن أدرك مع الإمام ركعتين أو أدرك أقل من ركعة، وإلا فلا يكبر حال القيام، بل يقوم ساكتاً، وأما إذا فات المأموم شيء من الصلاة بعد
الدخول مع الإمام لعذر، كزحمة أو نعاس لا ينقض الوضوء، فله ثلاث أحوال: الأولى أن يفوته ركوع أو رفع منه، الثانية: أن تفوته سجدة أو السجدتان: الثالثة: أن تفوته ركعة أو أكثر، فالحالة الأولى أنه إذا فات المأموم الركوع أو الرفع منه مع الإمام؛ فإما أن يكون ذلك في الركعة الأولى أو غيره، فإن كانت في الركعة الأولى تبع الإمام فيما هو فيه من الصلاة، وألغى هذه الركعة لعدم انسحاب المأمومية عليه بفوات الركوع مع الإمام.
ولعدم عقد الركعة مع الإمام في حالة فوات الرفع معه بناء على أن عقد الركوع برفع الرأس منه مع الإمام، وعليه أن يقضي ركعة بعد سلام الإمام بدل الركعة التي ألغاها، وإن كان ذلك الفوات في غير الركعة الأولى، فإن ظن أنه لو ركع أو رفع يمكنه أن يسجد مع الإمام ولو سجدة واحدة فعل ما فاته ليدرك الإمام، ثم إن تحقق ظنه فالأمر واضح، وإن تخلف ظنه، كأن كان بمجرد ركوعه رفع الإمام رأسه من السجدة الثانية؛ فإنه يلغي ما فعله، ويتبع الإمام فيما هو فيه، ويقضي ركعة بعد سلامه: وإن لم يظن إدراك شيء من السجود مع الإمام ألغى هذه الركعة؛ وقضى ركعة بعد سلام الإمام، فإن خالف ما أمر به، وأتي بما فاته، فإن أدرك مع الإمام شيئاً من السجود صحت صلاته وحسبت له الركعة، وإلا بطلت لمخالفة ما أمر به مع قضاء ما فاته من طلب إمامه؛ الحالة الثانية: أن يفوته سجدة أو سجدتان، وحكم ذلك أن المأموم إما أن يظن أن يدرك الإمام قبل رفع رأسه من ركوع الركعة التالية أو لا، ففي الحالة الأولى يفعل ما فاته، ويلحق الإمام وتحسب له الركعة، وفي الحالة الثانية يلغي الركعة، ويتبع الإمام فيما هو فيه، ويأتي بركعة بعد سلام الإمام، ولا سجود عليه بعد السلام لزيادة الركعة التي ألغاها، لأن الإمام يحمل مثل ذلك عنه؛ الحالة الثالثة: أن تفوته ركعة أو أكثر بعد الدخول مع الإمام، وحكم ذلك أنه يقضي ما فاته بعد سلام الإمام على نحو ما فاته بالنسبة للقراءة والقنوت، ويكون بانياً في الأفعال على ما تقدم، وقد يفوت المأموم جزء من الصلاة قبل الدخول مع الإمام؛ ثم يفوته ركعة أيضاً أو أكثر بعد الدخول لزحمة ونحوها، مثال ذلك: أن يدخل المأموم مع الإمام في الركعة الثانية الرباعية؛ فيدرك معه الثانية والثالثة، وتفوته الرابعة فقد فاته الآن ركعتان: إحداهما: قبل الدخول مع الإمام،
والثانية بعد الدخول معه، وحكم ذلك أنه يقدم في القضاء الركعة الثانية التي هي رابعة الإمام، فيأتي بها بالفاتحة فقط سراً، ولو كانت الصلاة جهرية لم يجلس عليها،стр. 398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لأنها أخيرة الإمام، ثم يقوم فيأتي بركعة بدل الأول؛ ويقرأ فيها بالفاتحة وسورة لأنها أولى؛ ويجهر إن كانت الصلاة جهرية، ويجلس عليها، لأنها أخيرته هو ثم يسلم.
الحنابلة قالوا: من اقتدى بالإمام من أول الصلاة أو بعد ركعة فأكثر وفاته شيء منها؛ فهو في الحالتين مسبوق، فمن دخل مع إمامه من أول صلاته وتخلف عنه بركن بعذر كغفلة أو نوم لا ينقض الوضوء وجب عليه أن يأتي بما فاته متى زال عذره إذا لم يخش فوت الركعة التالية بعدم إدراك ركوعها مع الإمام، وصارت الركعة معتداً بها، فإن خشي فوت الركعة التالية مع الإمام على صفتها وإن تخلف عن إمامه بركعة فأكثر لعذر من الأعذار السابقة تابعه، وقضى ما تخلف به عن إمامه بعد فراغه على صفته، ومعنى قضاء ما فاته على صفته، أنه لو كان ما فاته الركعة الأولى أتى عند قضائها بما يطلب فعله فيها من استفتاح وتعوذ وقراءة سورة بعد الفاتحة، وإن كانت الثانية قرأ سورة بعد الفاتحة، وإن كانت الثالثة أو الرابعة قرأ الفاتحة فقطن وإن دخل مع إمامه وأدرك ركوع الأولى ثم تخلف عن السجود معه لعذر وزوال عذره بعد رفع إمامه من ركوع الثانية تابع إمامه في سجود الثانية وتمت له بذلك ركعة ملفقة من ركوع الأولى وسجود الثانية، ويقضي ما فاته بعد سلام إمامه على صفته.
كما تقدم وهذا كله إذا كان المقتدي قد دخل مع إمامه من أول صلاته، أما إذا دخل معه بعد ركعة فأكثر فيجب عليه قضاء ما فاته بعد فراغ إمامه من الصلاة؛ ويكون ما يقضيه أول صلاته، وما أداه مع إمامه آخر صلاته، فمن أدرك الإمام في الظهر في الركعة الثالثة وجب عليه قضاء الركعتين بعد فراغ إمامه، فيسفتح ويتعوذ ويقرأ الفاتحة وسورة في أولاهما، ويقرأ الفاتحة وسورة في الثانية لما علمت، ويخير في الجهر إن كانت الصلاة جهرية غير جمعة، فإنه لا يجهر فيها، ويجب على المسبوق أن يقوم للقضاء قبل تسليمة الإمام الثانية، فإن قام فيها بلا عذر ويبيح المفارقة وجب عليه أن يعود ليقوم بعدها، وإلا انقلبت صلاته نفلاً، ووجبت عليه إعادة الفرض الذي صلاه مع الإمام، وإنما يكون ما يقصيه المسبوق أول صلاته فيما عدا التشهد، أما التشهد فإنه إذا أدرك إمامه في ركعة من رباعية، أو من المغرب فإنه يتشهد بعد قضاء ركعة أخرى لئلا يغير هيئة الصلاة، وينبغي للمسبوق أن يتورك في تشهد إمامه الأخير إذا كانت الصلاة مغرباً أو رباعية تبعاً لإمامه، وإذا سلم المسبوق مع إمامه سهواً وجب عليه أن يسجد للسهو في آخر صلاته، وكذا يسجد للسهو إن سها فيما يصليه مع الإمام، وفيما انفرد بقضائه، ولو شارك الإمام في سجوده لسهوه، وإذا سها الإمام ولم يسجد لسهوه وجب على المسبوق سجود السهو بعد قضاء ما فاته، ويعتبر المسبوق مدركاً للجماعة متى أدرك تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام التسليمة الأولى، ولا يكون المسبوق مدركاً للركعة إلا إذا أدرك ركوعها مع الإمام، ولو لم يطمئن معه، وعليه أن يطمئن وحده، ثم يتابعه.
الشافعية قالوا: ينقسم المقتدي إلى قسمين: مسبوق، وموافق؛ فالمسبوق هو الذي لم يدرك مع الإمام زمناً يسع قراءة الفاتحة من قارئ معتدل، ولو أدرك الركعة الأولى؛ والموافق هو الذي أدرك مع الإمام بعد إحرامه وقبل ركوع إمامه زمناً يسع الفاتحة، ولو في آخر ركعة من الصلاة، فالعبرة في السبقстр. 399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وعدمه بإدراك الزمن الذي يسع قراءة الفاتحة بعد إحرامه وقبل ركوع الإمام وعدم إدراكه، ولكل حكم؛ أما المسبوق فله ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يدخل مع الإمام وهو راكع، الحالة الثانية: أن يدخل مع الإمام وهو قائم، ولكنه بمجرد إحرامه ركع مع الإمام؛ الحالة الثالثة: أن يدخل مع الإمام وهو قائم، ولكنه قريب من الركوع بحيث يتمكن المأموم من قراءة شيء من الفاتحة، وحكم المأموم في الحالتين الأوليين أنه يجب عليه الركوع مع الإمام من قراءة شيء من الفاتحة، وتحسب له الركعة إن اطمأن مع الإمام يقيناً في الركوع، وغلا فلا يعتد بها، ويأتي بركعة بدلها بعد سلام الإمام، وفي الحالة ويندب له ترك دعاء الاستفتاح والتعوذ، فإن اشتغل بشيء منهما وجب عليه أن يستمر قائماً بدون ركوع حتى يقرأ من الفاتحة بقدر الزمن الذي صرفه في دعاء الاستفتاح أو التعوذ؛ ثم إن اطمأن مع الإمام في الركوع يقيناً حسبت له الركعة وإلا فلا، وتصح صلاته ولا تجب عليه نية المفارقة، إلا إذا استمر في القراءة الواجبة عليه حتى هوى الإمام للسجود، فحينئذ تجب عليه نية المفارقة، وإلا بطلت صلاته لتأخره عن إمامه بركنين فعليين بلا عذر، وأما الموافق فقد تقدمت أحكامه في مبحث "المتابعة"، ثم إن كلا من المسبوق والموافق بالمعنى المتقدم قد يكون مسبوقاً، بمعنى أنه فاته بعض ركعات الصلاة مع الإمام، وحكم هذا أن أول صلاة المأموم في هذه الحالة هو ما أدركه مع الإمام، فلو أدرك مع الإما الركعة
الثانية، ثم قام للإتيان بما فاته تحسب له الركعة التي أداها مع الإمام الأولى، وإن كانت ثانية بالنسبة للإمام فيسن له أن يقنت في الركعة التي يأتي بها، لأنها ثانية له، وإن كان قد قنت في الركعة التي أداها مع الإمام متابعة له. وينبغي للمسبوق الذي لم يتحمل عنه الإمام الفاتحة أن يجعل صلاته غير خالية من السورة بعد الفاتحة، فمثلاً إذا أدرك الإمام في ثالثة الظهر ثم فعل ما فاته بعد فراغه يسن له أن يأتي بآية أو سورة بعد الفاتحة فيهما، لئلا تخلو صلاته من سورةстр. 400
الاستخلاف في الصلاة
تعريفه - وحكمه مشروعيته
الاستخلاف في اصطلاح الفقهاء هو أن ينيب إمام الصلاة أو أحد المأمومين رجلاً صالحاً للإمامة ليكمل بهم الصلاة بدل إمامهم لسبب من الأسباب الآتية، مثال ذلك أن يصلي الإمام بجماعة ركعة أو ركعتين أو أقل أو أكثر ثم يعرض له في الصلاة مانع يمنعه من إتمام الصلاة بهم، كمرض فجائي أو سبق حدث أو غير ذلك من الموانع، ففي هذه الحالة يصح أن يختار الإمام رجلاً من المصلين خلفه أو من غيرهم من الموجودين ويوقفه إماماً ليكمل ما بقي من الصلاة بالمأمومين، فإن لم يفعل الإمام ذلك فللمأمومين أن يختاروا واحداً منهم وينيبوه بدل هذا الإمام بدون أن يتكلموا أو يتحولوا عن القبلة، كما ستعرفه، ولعل قائلاً يقول: لماذا كل هذا؟ أليس من السهل المعقول أنه إذا عرض مانع يمنع الإمام من المضي في صلاته تبطل، ويأتي غيره من الصالحين للإمامة ويصلي بالجماعة؟ والجواب: إن الصلاة لها حرمة عظيمة في نظر الشريعة الإسلامية، فمتى شرع الإنسان في الصلاة وقف يناجي ربه خاضعاً خاشعاً، فإنه ينبغي له أن يحتفظ بموقفه هذا حتى يفرغ منه، فإذا سها عن فعل لزمه أن يأتي به ويجبره بالسجود، وإذا عرض للإمام ما يبطل صلاة الجماعة خرج من الصلاة واستخلف غيره ليكملها، والغرض من كل هذا تأدية الصلاة كاملة بعد الشروع فيها، لأنها عمل من الأعمال اللازمة في نظر الشريعة الإسلامية التي لا ينبغي التساهل في أمره على كل حال.
سبب الاستخلاف
أما سبب الاستخلاف ففيه تفصيل المذاهب، فانظره تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: سبب الاستخلاف هو أن يحدث الإمام في الصلاة بدون اختيار، يخرج منه ريح أو يسيل منه دم أو نحو ذلك من النجاسات التي تخرج من بدن الإنسان وهو يصلي، أما إذا أصابته نجاسة تمنع من الاستمرار في الصلاة، أو كشفت عورته بمقدار ركن من أركان الصلاة ونحو ذلك، فإن صلاته تفسد وتفسد معها صلاة المأمومين فلا يصح الاستخلاف في هذه الحالة، كما لا يصح الاستخلاف إذا ضحك الإمام قهقهة أو جن أو أغمي عليه أو غير ذلك مما يأتي في شروط الاستخلاف، ويجوز الاستخلاف إذا عجز عن قراءة القدر المفروض، أما إذا عجز عن الركوع أوстр. 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) السجود بسبب حصر البول أو الغائط فإنه لا يستخلف إذا أمكنه أن يصلي قاعداً، وعلى المأمومين في هذه الحالة أن يتموا صلاتهم خلفه قياماً، وهذا هو رأي الإمام أبي حنيفة، ولا يصح الاستخلاف إذا خاف حصول ضرر أو ضياع مال، بل يقطع الصلاة، ويبتدئ المقتدون به الصلاة من أولها بحسب ما يتاح لهم.
المالكية قالوا: أسباب الاستخلاف ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن يخاف الإمام وهو في صلاته على مال، سواء كان ماله أو مال غيره، وفي هذه الحالة يجب عليه قطع الصلاة لإنقاذ ذلك المال، ويندب له أن يستخلف إماماً غيره، على أنه يشترط لقطع الصلاة بسبب الخوف على المال أن يترتب على ضياعه أو تلفه هلاك صاحبه أو حصول ضرر شديد له، وفي هذه الحالة يجب على الإمام أن يقطع الصلاة مطلقاً، سواء كان المال قليلاً أو كثيراً، وسواء اتسع الوقت لإدراك الصلاة بعد ذلك أو لم يتسع. أما إذا لم يخف ضياعه، ولكنه لم يطمئن لتركه بدون حراسة فإنه في هذه الحالة يصح له أن يقطع الصلاة بشرطين: الشرط الأول: أن يكون الوقت متسعاً بحيث يمكنه أن يؤدي الصلاة التي قطعها قبل خروج الوقت، الشرط الثاني؛ أن يكون المال كثيراً - والمال الكثير هنا هو ما كان له قيمة وشأن عند صاحبه - فإذا فقد شرط من هذين الشرطين في هذه الحالة فإنه لا يصح له قطع الصلاة، ومثل الخوف على المال الخوف على نفس من الهلاك والتلف، فإذا خاف على أعمى الاصطدام بسيارة أو الوقوع في حفرة عميقة يضره الوقوع فيها فإنه في هذه الحالة يجب عليه قطع الصلاة لإنقاذه.
والحاصل أن الخوف على المال أو النفس بالشروط المذكورة يجعل قطع الصلاة فرضاً على الإمام، ويندب له أن يستخلف من يكمل بهم الصلاة، وعرفت أن الحنفية قالوا: إن الخوف على مثل هذا يوجب قطع الصلاة، ولكن لا يجوز له حال الخوف أن يستخلف، بل تبطل صلاته وصلاة من خلفه، وللمأمومين أن يقيموا إمامين يصلي كل إمام بفريق، وإذا أقام الصلاة خليفة عنه وأقام المقتدون إماماً ثانياً، وصلت كل فرقة خلف واحد منهما، فإن الصلاة تصح، ولكن إذا أقام الإمام خليفة حرم على المأمومين أن يقيموا غيره، وإن كانت تصح الصلاة خلف من أقاموه.
هذا كله في غير صلاة الجمعة، أما إذا وقع ذلك وهو يصلي الجمعة إماماً. فإذا لم يستخلف في الجمعة وصلوها فرادى فإنها تبطل لاشتراط الجماعة فيها، وإذا استخلف الإمام واحداً واستخلف المقتدون واحداً فإن الجمعة تصح خلف من استخلفه الإمام، وتبطل خلف غيره، فإن لم يستخلف الإمام أحداً، واستخلف المقتدون اثنين فإن الجمعة تصح لمن سبق منهم، فإن تساويا في السلام بطلت صلاة الجمعة، وعليهم أن يقيموها جمعة ثانياً إن كان الوقت باقياً، وإلا صلوها ظهراً وقد خالف الحنفية في ذلك كله فقالوا: إن لم يستخلف الإمام وصلوها فرادى بطلت صلاتهم، سواء في الجمعة أو في غيرها، وكذلك إذا استخلف الإمام واحداً واستخلف المقتدون واحداً. بطلت الصلاة خلف من استخلفه المقتدون، وإذا لم يستخلف الإمام ولا المقتدون، وتقدم واحد عن المصلين وأتم بهم الصلاة، فإنها تصح.стр. 402
حكم الاستخلاف في الصلاة
اختلفت المذاهب الأربعة في حكم الاستخلاف، فانظر كل مذهب تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: إن الاستخلاف أفضل، بحيث لو لم يتسخلف الإمام أو المقتدون، ولم يتقدم واحد منهم بدون استخلاف فإن الصلاة تبطل، ويعيدوها من أولها مع مخالفة الأفضل، بشرط أن يكون الوقت متسعاً لأداء الصلاة فيه، أما إذا ضاق الوقت فإن الاستخلاف يكون واجباً، ولا فرق عندهم في ذلك بين الجمعة وغيرها؛ وإذا استخلف الإمام واحداً، واستخلف المقتدون واحداً آخر، فإن الصلاة لا تصح إلا خلف من استخلفه الإمام، وإذا تقدم واحدا من المقتدين بدون استخلاف وأتم بهم الصلاة فإنها تصح، أما إذا يستخلف الإمام أو القوم، أو يتقدم واحد بدون استخلاف وصلوا وحدهم فرادى، فإن صلاتهم تبطل.
الحنابلة قالوا: حكم الاستخلاف الجواز، فيجوز عند حصول سبب من الأسباب المتقدم بيانها أن يستخلف الإمام واحداً من المقتدين به أو من غيرهم ليكمل بهم الصلاة، وإذا استخلف الإمام واحداً واستخلف المقتدون غيره، فإن الصلاة لا تصح إلا خلف من استخلفه الإمام، كما يقول الحنفية، على أنهم قالوا: يجوز للمقتدين أن يتمو صلاتهم فرادى بدون استخلاف خلافاً للحنفية؛ كما هو موضح في مذهبهم، ولذا لم يشترط الحنابلة أن يكون الوقت متسعاً، لأنهم يبيحون للمقتدين أن يكملوا صلاتهمстр. 403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وحدهم بدون إمام في مثل هذه الحالة، وكذا لم يفرقوا بين صلاة الجمعة وغيرها، لأن لهم أن يتموا صلاة الجمعة وحدهم بدون إمام.
المالكية قالوا: حكم الاستخلاف الندب، لأنك قد عرفت في تفصيل مذهبهم أنه يجوز للمقتدين أن يتموا صلاتهم فرادى إذا لم يستخلف الإمام، أو لم يستخلف هم واحداً، بشرط أن لا يكونوا في صلاة الجمعة، أما الجمعة، فتبطل إذا صلوها فرادى، وعليهم إعادتها جمعة إن كان الوقت متسعاً، ولم يستخلفوا، كما تقدم تفصيله في مذهبهم قريباً، على أنهم لم يصرحوا بكون الاستخلاف واجباً في صلاة الجمعة، كما قال الشافعية: بل ظاهر مذهبهم أن حكم الاستخلاف الندب على أي حال، فيكره للإمام والمأمومين أن لا يستخلفوا.
الشافعية قالوا: حكم الاستخلاف الندب، بشرط أن يكون الخليفة صالحاً لإمامة هذه الصلاة، إلا في الجمعة، فإن الاستخلاف فيها واجب في الركعة الأولى، فإذا طرأ عذر على الإمام في الركعة الأولى فإنه يجب عليه أن يستخلف عنه من يتم الصلاة، أما إذا صلى بهم ركعة كاملة ثم طرأ عليه العذر، فإنه يندب له أن يستخلف من يصلي بهم الركعة الثانية، ولهم أن ينووا مفارقة الإمام بعد ذلك، ويصلوا الركعة الثانية فرادى؛ ويشترط لصحة الاستخلاف في الجمعة شرطان: أحدهما: أن يكون الخليفة مقتدياً بالإمام قبل الاستخلاف، فلا يصح في الجمعة استخلاف من لم يكن مقتدياً به، كما يصح في غيرها؛ ثانيهما: أن يكون الاستخلاف سريعاً، فلو مضى زمن قبل الاستخلاف يسع ركناً قصيراً من أركان الصلاة، كالركوع، فإنه لا يصح الاستخلاف بعد ذلك، ثم إن خليفة الجمعة إن كان قد أدرك الركعة الأولى مع الإمام الأولى، فإن الجمعة تتم له وللمقتدين، أما إذا اقتدى بالإمام في الركعة الثانية فإن الجمعة تتم للمقتدين به فقط، أما هو فلا تتم له الجمعة.
الشافعية قالوا: لا يشترط شيء لصحة الاستخلاف في غير الجمعة، كما تقدم، فيجوز أن يستخلف غير مقتد، وأن يستخلف بعد طول الفصل، ولو خرج الإمام من المسجد، إلا أنهم يحتاجون لنية الإقتداء بالقلب بدون نطق في حالة ما إذا كان الخليفة غير مقتد قبل الإستخلاف، وكانت صلاته مخالفة لصلاة الإمام، كأن كان في الركعة الأولى مثلاً والإمام في الثانية، فإن لم يكن كذلك لا يحتاجون لنية، وكذا فيما إذا طال الفصل بأن مضى زمن يسع ركناً فأكثر، فإنهم يحتاجون لتجديد النية، وعلى الخليفة أن يراعي نظم صلاته بما يفيد أنهم ينتظرونه أو يفارقونه إن كان مسبوقاً، والإنتظار أفضل، وإذا لم يستخلف أحد في غير الجمعة ينوي المقتدين المفارقة ويتمون صلاتهم فرادى وتصح؛ أما الجمعة فمتى أدركوا الركعة الأولى جماعة فإن لهم نية المفارقة، ويتموا فرادى في الثانية إذا بقي العدد إلى آخر الصلاة.
الحنفية قالوا: يشترط لصحة الاستخلاف ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن لا يخرج الإمام من المسجد الذي كان يصلي فيه قبل الاستخلاف، فإن خرج لم يصح الاستخلاف، لا منه ولا من القوم،стр. 404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لأن صلاة الجميع تبطل بخروجه، الشرط الثاني: أن يكون الخليفة صالحاً للإمامة، فإذا استخلف أمياً أو صبياً بطلت صلاة الجميع. وصورة الاستخلاف أن يتأخر منحنياً واضعاً يده على أنفه، كأنه سال منه دم الرعاف قهراً، وهذا وإن كان خلاف الواقع، ولكن الحكمة فيه واضحة، وهي المحافظة على نظام الصلاة والآداب العامة، الشرط الثالث من شروط الاستخلاف: تحقق شروط البناء على ما أداه من الصلاة، فإذا لم تتحقق هذه الشروط فإن الصلاة تبطل ولا يصح الاستخلاف، وهي أحد عشر شرطا: الأول: أن يكون الحدث قهرياً الثاني: أن يكون من بدنه، فلو أصابته نجاسة مانعة لا يجوز له البناء، الثالث: أن يكون الحدث غير موجب للغسل، كإنزال بالتفكر؛ الرابع: أن لا يكون نادراً، كالقهقهة والإغماء والجنون. الخامس: أن لا يؤدي الإمام ركناً مع الحدث أو يمشي، السادس: أن لا يفعل منافياً، كأن يحدث عمداً بعد الحدث القهري، السابع: أن لا يفعل ما لا احتياج إليه: كأن يذهب إلى ماء بعيد مع وجود القريب، الثامن: أن لا يتراخى قدر ركن بغير عذر كزحمة، التاسع: أن لا يتبين أنه كان محدثاً قبل الدخول في الصلاة، العاشر: أن لا يتذكر فائتة إن كان صاحب ترتيب، الدي عشر: أن لا يتم المؤتم في غير مكانه، فلو سبق المصلي الحدث سواء كان إماماً أو مأموماً ثم ذهب ليتوضأ وجب عليه بعد الوضوء أن يعود ويصلي مع الإمام، أما المنفرد فهو بالخيار إن شاء أتم في مكانه أو غيره.
المالكية قالوا: يشترطلصحة الاستخلاف أن يكون الخليفة قد أدرك مع الإمام جزءاً من الركعة التي حصل فيها العذر قبل تمام رفع الإمام رأسه من الركوع، فلا يصح استخلاف من فاته الركوع مع الإمام إذا حصل له العذر بعده في هذه الركعة، كما لا يصح استخلاف من دخل مع الإمام بعد حصول العذر، وعلى الخليفة أن يراعي نظم صلاة الإمام، فيقرأ من انتهاء قراءة الإمام إن علم الإنتهار، وإلا ابتدأ القراءة، ويجلس في محل الجلوس وهكذا، فإذا كان الخليفة مسبوقاً أتم بالقوم صلاة الإمام حتى لو كان على الإمام سجود قبلي سجده وسجده معه القوم، ثم أشار لهم بالانتظار؛ وقام لقضاء ما فاته، فإذا أتى به وسلم سلموا بسلامه، فإذا سلموا ولم ينتظروه بطلت صلاتهم، وأما إذا كان على الإمام الأول سجود بعدي فيؤخره الخليفة المسبوق حتى يقضي ماعليه، ويسلم بالقوم ثم يسجده بعد ذلك، وإذا كان في المأمومين مسبوق فلا يقوم لقضاء ما عليه حتى يسلم الخليفة، ولو كان الخليفة مسبوقاً انتظره جالساً حتى يقضي ما عليه ويسلم، فإذا سلم قام هو للقضاء، وإن لم ينتظره بطلت صلاته، مثلاً إذا أدرك المقتدي الإمام الأول في الركعة الثانية، ثم استخلف الإمام الثاني في الركعة الثالثة، وكان الخليفة أيضاً مسبوقاً مثل المأموم، فإنه في هذه الحالة يجب على المقتدي أن لا يسلم، بل ينتظر وهو جالس حتى يفرغ الإمام الثاني - وهو الخليفة - من قضاء ما عليه ويسلم، فإذا سلم قام المقتدي المنتظر وقضى ما عليه، وإن لم ينتظره وقام لقضاء ما عليه بطلت صلاته.
هذا ويندب الإمام أن يخرج ممسكاً بأنفه موهما أنه راعف، كما يقول الحنفية.
الحنابلة قالوا: لا يشترط في الخليفة إلا الشروط المطلوبة في الإمام، فلا يشترط أن يكونстр. 405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) مقتدياً؛ كي لا يشترط شيء من الشروط التي ذكرها الحنفية، لأن الاستخلاف لا يصح عند الحنابلة إلا عند العجز عن أداء ركن قولي أو فعلي من أركان الصلاة؛ أما من عرض له ناقض ينقض وضوءه فقد بطلت صلاته، ولا يصح له أن يستخلف، على أنهم قالوا: يجب على الخليفة أن يبني على نظم صلاة الإمام لئلا يختلط الأمر على المقتدين، فإذا كان الخليفة مسبوقاً بنى على نظم صلاة الإمام، واستخلف قبل السلام من يسلم بهم، وقام لقضاء ما سبقه به الإمام، فإن لم يفعل، فلهم أن يسلموا لأنفسهم ولهم أن ينتظروه من جلوس حتى يقضي ما فاته، ويسلم بهمстр. 406
مباحث سجود السهو
تعريفه - محله - هل تلزم النية فيه ؟
معنى السجود في اللغة مطلق الخضوع، سواء كان بوضع الجبهة على الأرض أو كان بأمارة أخرى من أمارات الخضوع، كالطاعة، ومعنى السهو في اللغة الترك من غير علم، فإذ قيل سها فلان، فمعناه ترك الفعل من غير علمه، أما إذا قيل سها عن كذا، فمعناه تركه وهو عالم، وبذا تعلم أن اللغة تفرق بين قول سها فلان، وبين قول سها فلان عن كذا، ولا فرق في اللغة بين النسيان وبين السهو، أما الفقهاء فإنهم لا يفرقون بين النسيان وبين السهو أيضاً، بل عندهم السهو والنسيان والشك بمعنى واحد، وإنما يفرقون بين هذه الأشياء وبين الظن؛ فيقولون: إن الظن هو إدراك الطرف الراجح، فإذا ترجح عند الشخص أنه فعل الفعل كان ظاناً، بخلاف السهو والنسيان والشك، فإنه يستوي عند إدراك الفعل وعدمه، بدون أن يرجح أنه فعل، أو أنه لم يفعل.
هذا هو معنى سجود السهو في اللغة، أما معناه في اصطلاح الفقهاء وبيان محله وبيان النية فيه، فانظره تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: سجود السهو هو عبارة عن أن يسجد المصلي سجدتين بعد أن يسلم عن يمينه فقط، ثم يتشهد بعد السجدتين، ويسلم بعد التشهد، فإن لم يتشهد يكون تاركاً للواجب، وتصح صلاته، وبعد الفراغ من التشهد لسجود السهو يجب أن يسلم، فإن لم يسلم يكون تاركاً للواجب، ولا يكفيه السلام الأول الذي خرج به من الصلاة، لأن السجود للسهو يرفعه، كما يرفع التشهد الأخير الذي قبل السلام، أما الصلاة على النبي ﷺ والدعاء فإنه يأتي بهما في التشهد الأخير قبل السلام، ولا يأتي بهما في سجود السهو على المختار، وقيل: يأتي بهما فيه أيضاً احتياطاً، وقولهم: يأتي بسجود السهو بعد أن يسلم عن يمينه فقط، خرج به ما إذا سلم التسليمة الثانية، فإنه إذا سلم التسليمتين فقد سقط سجود السهو عنه على الصحيح، فإن فعل ذلك عمداً فإنه يأثم بترك الواجب، وإن سلم التسليمتين سهواً فقد سقط عنه سجود السهو، ولا إثم عليه، كما لا إعادة لسجود السهو مرة أخرى، لأن نسيان سجود السهو يسقطه، وكذا إذا تكلم بكلام أجنبي عن الصلاة عمداً أو سهواً، فإن فعل ذلك سقط عنه سجود السهو، ولا يجب السجود إذا ترك الواجب عمداً أو ترك ركناً من أركان الصلاة أو نحو ذلك عمداً، لأنه إن ترك الواجب عمداً صحت صلاته مع الإثم، وسقط عنه السجود، وإن ترك الركن عمداً بطلت صلاته، ولا يجبره سجود السهو، فالسجود عند الحنفية لا يكون إلا عند السهو، أما الترك عمداًстр. 407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فلم يشرع لجبره السجود؛ وهل تجب نية لسجود السهو أو لا؟ فقال بعضهم: إن سجود السهو لا تجب له نية، وذلك لأنه قد جيء به لجبر نقص واجب من صلاته، أو لجبر خلل وقع فيها ثم أصلحه، والنية لا تجب لكل جزء من أجزاء الصلاة، فسجود السهو لا تجب له النية؛ وقال بعضهم: بل تجب له النية، لأنه صلاة، ولا تصح صلاة بدون نية، فكما
تجب النية لسجود التلاوة وسجدة الشكر، فكذلك تجب لسجود السهو، لأنها كلها كالصلاة، فكما تجب النية للصلاة تجب لها، وهذا القول الثاني هو الظاهر والاحتياط في العمل بهز
الشافعية قالوا: سجود السهو هو أن يأتي المصلي بسجدتين كسجود الصلاة قبل السلام، وبعد التشهد والصلاة على النبي وآله بنية، وتكون النية بقلبه لا بلسانه، لأنه إن تلفظ بها بطلت صلاته، لأنك قد عرفت أن سجود السهو عندهم لا يكون إلا قبل السلام من الصلاة، فإذا تكلم بطلت صلاته طبعاً، وإذا سجد بدون نية عامداً عالماً بطلت صلاته، وإنما تشترط النية للإمام والمنفرد، أما المأموم فإنه لا يحتاج للنية اكتفاء بنية الاقتداء بإمامه، ولا يلزم عند الشافعية أن يكون ذلك السجود بسبب السهو، بل يكون بترك جزء من الصلاة على الوجه الآتي بيانه في أسباب سجود السهو عمداً أو سهواً، وإنما سمي سجود السهو، لأن الغالب أن الإنسان لا يترك بعض صلاته عمداً، وإذا كان سببه السهو يحسن أن يقول في سجوده: سبحان الذي لا ينام ولا يسهو، أما إذا كان عمداً، فيحسن أن يستغفر الله في سجوده وبهذا تعلم أن الحنفية متفقون مع الشافعية في اشتراط النية لسجود السهو، ومختلفون معهم فيما عدا ذلك، لأن الشافعية يقولون: هو قبل: السلام، والحنفية يقولون: بل هو بعده، والشافعية يقتصرون على السجدتين؛ والحنفية يقولون: لا بد من التشهد والجلوس.
المالكية قالوا: سجود السهو سجدتان يتشهد بعدهما بدون دعاء وصلاة على النبي ﷺ ، ثم إن كان سجود السهو بعد السلام، فإنه يسجد ويتشهد ويعيد السلام وجوباً، فإن لم يعده فلا تبطل صلاته، وقد عرفت مذهبي الشافعية، والحنفية في ذلك، فأما الشافعية، فإنهم يقولون: إن سجود السهو قبل السلام دائماً، فالسلام بعد السجدتين لا بد منه، وأما الحنفية فإنهم يقولون إن السلام في سجود السهو واجب بحيث لو تركه يصح السجود مع الإثم، ثم إن سجود السهو عند المالكية إذا كان قبل السلام فلا يحتاج إلى نية، لأن نية الصلاة تكفي لكونه بمنزلة جزء من الصلاة عندهم، أما إن كان بعد السلام فإنه يحتاج لنية لكونه خارجاً عن الصلاة، وهم في ذلك متفقون مع الحنفية في أن النية لازمة لسجود السهو بعد السلام، ومختلفون مع الشافعية، كما عرفت في مذهبهم.
هذا، وإذا نسي سجود السهو في صلاة الجمعة بسبب نقص ثم سلم فإنه يتعين عليه أن يسجد بالجامع الذي صلى فيه، وأما إذا كان لزيادة فيها فيسجده في أي جامع كان، لأنه بعد السلام، ولا يجزئ سجوده في غير مسجد تقام فيه الجمعة، ثم إن كان سجود السهو نقصاً فقط أو نقصاً وزيادة، فإن محله يكون قبل السلام، فإذا نقص السورة ناسياً مثلاً، ولم يتذكر حتى انحنى للركوع، فإنه لا يرجع لقراءة السورة، وإلا بطلت صلاته إذا رجع، وإذا لم يرجع فعليه أن ينتظر، حتى يتشهد التشهد الأخير،стр. 408
سبب سجود السهو
الأسباب التي يشرع من أجلها سجود السهو مختلفة في المذاهب، فانظرها تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: أسباب سجود السهو أمور: "السبب الأول": أن يزيد أو ينقص في صلاته ركعة أو أكثر أو نحو ذلك، فإذا تيقن أنه زاد ركعة في الصلاة مثلاً، كأن صلى الظهر أربعاً، ثم قام للركعة الخامسة، وبعد رفعه من الركوع تبين أنها الخامسة، فإن له في هذه الحالة أن يقطع الصلاة بالسلام قبل أن يجلس، وله أن يجلس ثم يسلم، ولكن الأولى أن يجلس ثم يسلم، ويسجد للسهو على كل حال ومثل ذلك ما إذا تيقن أنه نقص ركعة بأن صلى الظهر ثلاث ركعات وجلس، ثم تذكر، فإن عليه أن يقوم لأداء الركعة الرابعة، ثم يتشهد ويصلي على النبي ﷺ ، الخ، ثم يسجد للسهو بالكيفية المتقدمة؛ أما إذا شك في صلاته فلم يدر كم صلى فلا يخلو إما أن يكون الشك طارئاً عليه فلم يتعوده، أو يكون الشك عادة له، فإن كان الشك نادراً يطرأ عليه في بعض الأحيان فإنه يجب عليه في هذه الحالة أن يقطع الصلاة، ويأتي بصلاة جديدة، ولا بد أن يقطع الصلاة بفعل مناف لها، فلا يكفي قطعها بمجرد النية، وقد عرفت أن قطعها بلفظ السلام واجب، وله في هذه الحالة أن يجلس ويسلم، فإذا سلم وهو قائم فإنه يصح مع مخالفة الأولى، كما تقدم، أما إذا كان الشك عادة له فإنه لا يقطع الصلاة، ولكن يبني على ما يغلب على ظنه، مثلاً إذا صلى الظهر وشك في الركعة الثالثة هل هي الثالثة أو الرابعة، فإن عليه أن يعمل بما يظنه؛ فإن غلب على ظنه أنه في الرابعة وجب عليه أن يجلس ويتشهد ويصلي على النبي ثم يسلم ويسجد للسهو بالكيفية المتقدمة في تعريفه، وإن غلب على ظنهстр. 409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أنه في الركعة الثالثة فإنه يجب عليه أن يأتي بالركعة الرابعة ويتشهد كذلك، ويصلي على النبي ... الخ، ثم يسلم ويسجد للسهو بعد السلام بالكيفية المتقدمة؛ وعلى هذا القياس.
هذا إذا كان يصلي منفرداً، أما إذا كان إماماً وشك في صلاته وأقره المأمومون على أنه زاد أو نقص في صلاته فإنه يلزمه أن يعيد الصلاة عملاً بقولهم، أما إذا اختلف معهم، فأجمعوا على أنه صلى ثلاث ركعت، وقال هو إنه موقن بأنه صلى أربعاً فإنه لم يعد الصلاة عملاً ببقينه، فإذا انضم واحد من المصلين أو أكثر إلى الإمام أخذ بقول الإمام، وإذا شك الإما وتيقن بعض المصلين بتمام الصلاة وبعضهم بنقصها، فإن الإعادة تجب على من شك فقطن وإذا تيقن الإمام بالنقص لزمهم الإعادة إلا إذا تيقنوا بالتمام، وإذا تيقن واحد من المأمومين بالنقص وشك الإمام والقوم فإن كان في الوقت فالأولى أن يعيدوا احتياطاً، وإلا فلا.
هذا، وإذا أخبره عدل، ولو من غير المأمومين بعد الصلاة، بأنه صلى الظهر ثلاثاً وشك في صدقه وكذبه أعاد الصلاة احتياطاً، أما لو أخبره عدلان فإنه يلزمه الأخذ بقولهما، ولا يعتبر شكه، فإذا كان المخبر غير عدل فإن قوله لا يقبل، وإذا شك في النية أو تكبيرة الإحرام، أو شك وهو في الصلاة في أنه أحدث أو أصابته نجاسة أو نحو ذلك، فإن كان هذا الشك عارضاً له في أول مرة فإن عليه أن يقطع الصلاة ويتأكد مما شك فيه ويعد الصلاة، أما إن اعتاد ذلك الشك فإنه لا يعبأ به، ويمضي في صلاته، أما إذا شك بعد تمام الصلاة فإن شكه لا يضر؛ "السبب الثاني من أسباب سجود السهو": أن يسهو عن القعود الأخير المفروض ويقوم، وحكم هذه الحالة أنه يعود ويجلس بقدر التشهد ثم يسلم ويسجد للسهو، لأنه أخر القعود المفروض عن محله، فإذا مضى في الصلاة وسجد قبل أن يجلس انقلبت صلاته نفلاً بمجرد رفع رأسه من السجدة ويضم إليها ركعة سادسة، ولو كان في صلاة العصر، ولا يسجد للسهو في هذه الحالة على الأصح، لأنه انقلابه نفلاً يرفع سجود السهو، بخلاف ما لو كان نفلاً من الأصل، فإنه يسجد له، وعلى كل حال فيكون ملزماً بإعادة الفرض الذي انقلب نفلاً، "السبب الثالث من أسباب سجود السهو" أن يسهو عن القعود الأول، وهو واجب لا فرض، فإذا سها عن القعود الأول من صلاة الفرض بأن لم يجلس في الركعة الثانية، وهم بالقيام، فإن تذكر قبل أن يقوم وجلس ثانياً فإن صلاته تصح ولا سجود عليه أما إن تذكر بعد أن يستوي قائماً فإنه لا يعود للتشهد، ولو عاد فبعضهم يقول: إن صلاته تبطل، وذلك لأن الجلوس للتشهد الأول ليس بفرض والقيام فرض، وقد اشتغل بالنفل، وترك الفرض لما ليس بفرض مبطل للصلاة، ولكن التحقيق أن صلاته بهذا العمل لا تفسد، لأنه في هذه الحالة لم يترك فرض القيام، بل أخره، ونظير ذلك
ما لوسها عن قراءة السورة وركع، فإنه يبطل الركوع ويعود إلى القيام، ويقرأ السورة وتصح صلاته، وعليه سجود السهو لتأخير الركن أو الفرض عن محله.
هذا إذا كان المصلي منفرداً أو إماماً إذا كان مأموماً وقام وجلس إمامه للتشهد فإنه يجب عليه أن يجلس، لأن، هذا الجلوس يفترض عليه بحكم المتابعة لإمامه، "السبب الرابع": أن يقدم ركناًстр. 410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) على ركن، أو يقدم ركناً على واجب، ومثال ما إذا قدم ركناً على ركن هو أن يقدم الركوع على القراءة المفروضة، بأن يكبر تكبيرة الإحرام، ويقرأ الثناء مثلاً، ثم يسهو ويركع قبل أن يقرأ شيئاً، وفي هذه الحالة إذا ذكر فإنه يجب عليه أن يعود، ويقرأ ثم يركع ثانياً، ويسجد للسهو على الوجه المتقدم، فإن لم يذكر فإن الركعة تعتبر ملغاة، وعليه أن يأتي بركعة قبل أن يسلم ثم يسلم ويسجد للسهو، ومثال ما إذا قدم ركناً على واجب فهو كتقديم الركوع على قراءة السورة، وقد عرفت حكمه مما تقدم قريباً، وهو أنه إذا ذكر أثناء الركوع فإنه يرفع من الركوع ويقرأ السورة ثم يركع ثانياً، وإن لم يذكر فإنه يسجد للسهو بعد السلام، "السبب الخامس من أسباب سجود السهو": أن يترك واجباً من الواجبات الآتية، وهي أحد عشر "الأول": قراءة الفاتحة، فإن تركها كلها أو أكثرها في ركعة من الأوليين في الفرض وجب سجود السهو، أما لو ترك أقلها فلا يجب، لأن للأكثر حكم الكل، ولا فرق في ذلك بين الإمام والمنفرد، وكذا لو تركها أو أكثرها في أي ركعة من النفل أو الوتر فإنه يجب عليه سجود السهو لوجوب قراءتها في كل الركعات "الثاني": ضم سورة أو ثلاث آيات قصار أو آية طويلة إلى الفاتحة، فإن لم يقرأ شيئاً أو قرأ آية قصيرة وجب عليه سجود السهو، أما إن قرأ آيتين قصيرتين فإنه لا يسجد، لأن للأكثر حكم الكل، فإن نسي قراءة الفاتحة أو قراءة السورة وركع ثم
تذكرها عاد وقرأ ما نسيه، فإن كان ما نسيه هو الفاتحة أعادها وأعاد بعدها قراءة السورة وعليه إعادة الركوع ثم يسجد للسهو، أما إذا نسي قنوت الوتر وخر راكعاً ثم تذكره، فإنه لا يعود لقراءته، وعليه سجود السهو، فإن عاد وقنت لا يرتفض ركوعه وعليه سجود السهو أيضاً، من قرأ الفاتحة مرتين سهواً وجب عليه سجود السهو، لأنه أخر السورة عن موضعها ولو نكس قراءته بأن قرأ في الأولى سورة الضحى، والثانية سورة سبح مثلاً لا يجب عليه سجود السهو، لأن مراعات ترتيب السور من واجبات نظم القرآن لا من واجبات الصلاة، وكذا من آخر الركوع عن آخر السورة بأن سكت قبل أن يركع، فإنه لا يجب عليه سجود السهو، وهذه الصورة كثيرة الوقوع عند الشافعية فيما إذا كان يصلي إماما: "الثالث": تعيين القراءة في الأوليين من الفرض فلو قرأ في الأخريين أو في الثانية والثالثة فقط وجب عليه سجود السهو، بخلاف النفل والوتر، كما تقدم "الرابع": رعاية الترتيب في فعل مكرر في ركعة واحدة وهو السجود، فلو سجد سجدة واحدة سهواً، ثم قام إلى الركعة التالية فأداها بسجدتيها، ثم ضم إليها السجدة التي تركها سهواً صحت صلاته ووجب عليه سجود السهو لترك هذا الواجب، وليس عليه إعادة ما قبلها، أما عدم رعاية الترتيب في الأفعال التي لم تتكرر كأن أحرم فركع ورفع ثم قرأ الفاتحة والسورة، فإن الركوع يكون ملغى، وعليه إعادته بعد القراءة، ويسجد للسهو لزيادة الركوع الأول "الخامس": الطمأنينة في الركوع والسجود، فمن تركها ساهياً وجب عليه سجود السهو على الصحيح "السادس": القعود الواجب، وهو ما عدا مضى في صلاته وسجد للسهو.
لأنه ترك واجب القعود، وقد تقدم بيان ذلك قريباً "السابع" قراءة التشهد، فلو تركه سهواً سجد للسهو، ولا فرق بين تركه في القعود الأول أو الثاني، وقد عرفت تفصيلстр. 411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حكمها قريباً "الثامن": قنوت الوتر، ويتحقق تركه بالركوع قبل قراءته فمن تركه سجد للسهو "التاسع": تكبيرة القنوت، فمن تركها سهواً سجد للسهو "العاشر": تكبيرة ركوع الركعة الثانية من صلاة العيد، فإنها واجبة بخلاف تكبيرة الأولى، كما تقدم "الحادي عشر": جهر الإمام وإسراره فيما يجب فيه ذلك، فإن ترك ما يجب من ذلك وجب عليه سجود السهون وهذا في غير الأدعية والثناء ونحوها، فإنه لو جهر بشيء منها لم يسجد للسهو، ولا فرق في كل ما تقدم بين أن تكون الصلاة فرضاً أو تطوعاً.
المالكية قالوا: أسباب سجود السهو تنحصر في ثلاثة أشياء:
"السبب الأول": أن ينقص من صلاته سنة، وهذا السبب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يترك سنة مؤكدة داخلة في الصلاة. كالسورة إذا لم يقرأها في محلها سهواً، فإن وقع منه ذلك، سواء كان ذلك الترك محققاً، أو مشكوكاً فيه، فإنه يعتبر نقصاً ويسجد قبل السلام، ومثل ذلك ما لو شك في كون الحاصل منه نقصاً، أو زيادة، فإنه يعتبره نقصاً، ويسجد قبل السلام، لما عرفت من أن القاعدة عندهم أن النقص يجبر بالسجود قبل السلام، ويشترط لسجود السهو بترك السنة ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن تكون مؤكدة، كما ذكر، فإن لم تكن مؤكدة، كما إذا ترك تكبيرة واحدة من تكبيرات الركوع أو السجود، أو ترك مندوباً، كالقنوت في الصبح سهواً، فإنه لا سجود عليه، فإذا سجد للسنة غير المؤكدة قبل السلام بطلت صلاته، لكونه قد زاد فيها ما ليس منها؛ أما إن سجد بعد السلام فإنها لا تبطل، لكونه زاد زيادة خارجة عن الصلاة، فلا تضر؛ الشرط الثاني: أن تكون داخلة في الصلاة، أما إذا ترك سنة من السنن الخارجة عن الصلاة، كالسترة المتقدمة، فإنه لا يسجد لها إذا نسيها؛ الشرط الثالث: أن يتركها سهواً، أما إذا ترك سنة مؤكدة عمداً داخلة في الصلاة، ففي صحة صلاته وبطلانها خلاف؛ ومثل السنة المؤكدة في هذا الحكم، وفي الشروط السنتان غير المؤكدتين الداخلتين في الصلاة، فمن تركهما سهواً فإنه يسجد لهما قبل السلام، ومن تركهما عمداً ففي صلاته خلاف، وأما من ترك من سنتين عمداً فصلاته باطلة على الراجح، فعليه أن يستغفر الله ويعيدها.
وحاصل هذا كله أن ترك السنة المؤكدة والسنتين الخفيفتين يجبر بسجود السهو وإن ترك السنة الخفيفة والمندوب - ويقال له فضيلة - لا يشرع له السجود، فإذا سجد له قبل السلام بطلت صلاته، وإذا سجد له بعد السلام فلا تبطل، أما إذا ترك فرضاً من الفرائض فإنه لا يجبر بسجود السهو، ولا بد من الإتيان به، سواء تركه في الركعة الأخيرة أو غيرها، إلا أنه إذا كان الركن المتروك من الأخيرة فإنه يأتي به إذا تذكره قبل أن يسلم معتقداً كما صلاته، فإن سلم معتقداً ذلك فإن تدارك الركن المتروك وألغى الركعة الناقصة وأتى بركعة بدلها صحت صلاته، وعليه أن يسجد للسهو بعد سلامه لكونه قد زاد ركعة ألغاها، وهذا إن قرب الزمن عرفاً بعد السلام، وغلا بطلت صلاته، وإن كان الركن المتروك من غير الركعة الأخيرة فإنه يأتي به ما لم يعقد ركوع الركعة التي تليها، وعقد الركوع يكون برفع الرأس منه مطمئناً معتدلاً، إلا إذا كان المتروك سهواً هو الركوع، فإن ع قد الركعة التالية يكون بمجرد الانحناء في ركوعها وإن لم يرفع منه، كما تقدم، فإذا ترك سجود الركعة الثانية ثم قام للركعة الثالثة، فإنه يأتيстр. 412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بالسجود المتروك إذا تذكؤ قبل أن يرفع رأسه من ركوع الركعة التي قام لها مطمئناً معتدلاً، فإن لم يتذكر حتى رفع من ركوعها مضى في صلاته وجعل الثالثة ثانية، فيجلس على رأسها، ويأتي بعدها بركعتين ثم يسلم ويسجد قبل سلامه لنقص السورة من الركعة الثانية التي كانت ثالثة قرأ فيها بأم القرآن فقط، ولزيادة الركعة التي ألغاها، وكيفية الإتيان بالنقص أن تارك الركوع يرجع قائماً، ويندب له أن يقرأ شيئاً يصل لحد الركوع ثم يرفع بنيته، وتدرك سجدة واحدة يجلس ليأتي بها من جلوس، وتارك سجدتين يهوي لهما من قيام ثم يأتي بهما، ويستثنى مما تقدم الفاتحة إذا تركها سهواً، ولم يتذكر حتى
ركع، فإنه يمضي في صلاته على المشهور، ويسجد قبل السلام، سواء كان الترك لها في ركعة من الصلاة أو أكثر متى أتى بها، ولو في ركعة واحدة من صلاته، وذلك لأن الفاتحة، وإن كان المعتمد في المذهب هو القول بوجوبها في كل ركعة من ركعات الصلاة، إلا أنه إذا أتى بها في ركعة واحدة منها وتركها في الباقي سهواً، فإن صلاته تصح، ويجبر تركها بالسجود قبل السلام مراعاة للقول بوجوبها في ركعة واحدة، ويندب له إعادة الصلاة احتياطاً في الوقت وخارجه، فإن ترك السجود لترك الفاتحة فإن كان عمداً بطلت الصلاة وإن كان سهواً أتى به إن قرب الزمن عرفاً، وإلا بطلت، كما تبطل إذا ترك الفاتحة عمداً أو تركها سهواً، وتذكر قبل الركوع، ولم يأت بها على القول بعدم وجوبها في كل ركعة لاشتهار القول بوجوبها في الكل.
السبب الثاني: الزيادة، وهي زيادة فعل ليس من جنس أفعال الصلاة، كأكل خفيف سهواً أو كلام خفيف كذلك، أو زيادة ركن فعلي من أركان الصلاة كالركوع والسجود، أو زيادة بعض من الصلاة، كركعة أو ركعتين على ما تقدم في "مبطلات الصلاة"، فأما إذا كانت الزيادة من أقوال الصلاة، فإن لم يكن القول المزيد فريضة، كأن زاد سورة في الركعتين الأخيرتين من الرباعية سهواً، فلا يطلب منه السجود ولا تبطل صلاته إذا سجد بعد السلام؛ لأنها زيادة خارج الصلاة فلا تضر، كما تقدم، وإن كان القول المزيد فريضة، كالفاتحة إذا كررها سهواً، فإنه يسجد لذلك، والزيادة على ما ذكر تقتضي السجود، ولو كانت مشكوكاً فيها، فمن شك في صلاة الظهر مثلاً هل صلى ثلاثاً أو أربعاً، فإنه يبني على اليقين، ويأتي بركعة، ويسجد بعد السلام، لاحتمال أن الركعة التي أتى بها زائدة بركعة وتراً، ويسجد بعد السلام، لاحتمال أنه صلى الشفع ثلاث ركعات، فيكون قد زاد ركعة. ومن الزيادة أن يطيل في محل لا يشرع فيه التطويل، كحال الرفع من الركوع والجلوس بين السجدتين، والتطويل أن يمكث أزبد من الطمأنينة الواجبة والسنة زيادة ظاهرة، أما إذا طول بمحل يشرع فيه التطويل، كالسجود والجلوس الأخير، فلا يعد ذلك زيادة، فلا سجود، ومن الزيادة أيضاً أن يترك الإسرار بالفاتحة، ولو في ركعة، ويأتي بدله بأعلى الجهر، وهو أن يزيد على إسماع نفسه ومن يليه؛ أما إذا ترك الجهر، وأتى بدله بأقل السر، وهو - حركة اللسان - فإنه نقص لا زيادة، فيسجد له قبل السلام إن كان ذلك في الفاتحة فقط،стр. 413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أو فيها وفي السورة فإن كان في السورة فقط، فلا يسجد له إن كان ذلك في ركعة واحدة لأنه سنة خفيفة، بخلاف ما إذا كان في ركعتين، فإنه يسجد له.
هذا، وإذا ترك المنفرد أو الإمام الجلوس للتشهد الأول، فإنه يرجع للإتيان به استناناً ما لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه، وإلا فلا يرجع، فلو رجع فلا تبطل صلاته، ولو كان رجوعه بعد قراءة شيء من الفاتحة، أما إذا رجع بعد تمام الفاتحة فتبطل، وعلى المأموم أن يتبع إمامه في الركوع إذا رجع قبل مفارقة الأرض بيديه وركبتيه، أو رجع بعد المفارقة وقبل تتميم الفاتحة، كما يتبعه في عدم الرجوع إذا فارق الأرض بيديه وركبتيه، فإن خالفه في شيء من ذلك عمداً ولم يكن متأولاً أو جهلاً بطلت صلاته.
السبب الثالث من أسباب السجود: نقص وزيادة معاً، والمراد بالنقص هنا نقص سنة، ولو كانت غير مؤكدة، والمراد بالزيادة ما تقدم في السبب الثاني، فإذا ترك الجهر بالسورة وزاد ركعة في الصلاة سهواً فقد اجتمع له نقص وزيادة، فيسجد لذلك قبل السلام ترجيحاً لجانب النقص على الزيادة.
الحنابلة قالوا: أسباب السهو ثلاثة، وهي: الزيادة، والنقص، والشك في بعض صوره إذا وقع شيء من ذلك سهواً، أما إن حصل عمداً فلا يسجد له، بل تبطل به الصلاة إن كان فعلياً، ولا تبطل إن كان قولياً في غير محله، ولا يكون السهو موجباً للسجود إلا إذا كان في غير صلاة جنازة، أو سجدة تلاوة، أو سجود سهو، أو سجود شكر.
فإنه لا يسجد للسهو في ذلك كله، أما الزيادة في الصلاة فمثالها أن يزيد قياماً أو قعوداً، ولو كان القعود قدر جلسة الاستراحة عند من يقول بها، أو أن يقرأ الفاتحة مع التشهد في القعود أو يقرأ التشهد مع الفاتحة في القيام؛ فإنه يسجد للسهو وجوباً في الزيادة الفعلية، وندباً في القولية التي أتى بها في غير محلها، كما ذكر؛ وأما النقص في الصلاة فمثاله أن يترك الركوع أو السجود أو قراءة الفاتحة، أو نحو ذلك سهواً، فيجب عليه إذا تذكر ما تركه قبل الشروع في قراءة الركعة التي تليها أن يأتي به وبما بعده ويسجد للسهو في آخر صلاته، فإن لم يتذكره حتى شرع في قراءة الركعة التالية لغت الركعة وقامت ما بعدها مقامها، وأتى بركعة بدلها، ويسجد للسهو وجوباً، فإن رجع إلى ما فاته بعد الشروع في قراءة التالية عالماً بحرمة الرجوع، فإن صلاته تبطل، أما إذا كان معتقداً جوازه فلا تبطل، وإذا تذكره قبل الشروع في قراءة التالية، ولم يعد إلى ما تركه عمداً، فإن كان عالماً بالحكم بطلت صلاته، وإن كان جاهلاً بالحكم لغت الركعة، وقامت تاليتها مقامها، وأتى بركعة بدلها وسجد للسهو وجوباً: أما إذا لم يتذكر ما فاته إلا بعد سلامه، فيجب عليه أن يأتي بركعة كاملة إن كان ما تركه من غير الركعة الأخيرة، فإن كان منها فيجب عليه أن يأتي به وبما بعده، ثم يسجد للسهو، وهذا إذا لم يطل الفصل، ولم يحدث أو يتكلم، وإلا بطلت صلاته، وجبت إعادتها، وأما الشك في الصلاة الذي يقتضي سجود السهو، فمثاله أن يشك في ترك ركن من أركانها، أو في عدد الركعات، فإنه في هذه الحالة يبني على المتيقن، ويأتي بما شك في فعله؛ ويتم صلاته، ويسجد للسهو وجوباً، ومن أدرك الإمام راكعاً، فشك هل شارك الإمام في الركوع قبل أن يرفع أو لم يدركه لم يعتد بتلك الركعة، ويأتي بها مع ما يقضيه
ويسجد للسهو، أما إذا شك في ترك واجب من واجبات الصلاة؛ كأنстр. 414
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) شك في ترك تسبيحة من تسبيحات الركوع أو السجود، فإنه لا يسجد للسهو، لأن سجود السهو لا يكون للشك في ترك الواجب، بل يكون لترك الواجب سهواً؛ وإذا أتم الركعات وشك وهو في التشهد في زيادة الركعة الأخيرة لا يسجد للسهو، أما إذا شك في زيادة الركعة الأخيرة قبل التشهد، فإنه يجب عليه سجود السهو. ومثل ذلك ما إذا شك في زيادة سجدة على التفصيل المتقدم. ومما تقدم يعلم أن الشك لا يسجد له في بعض صوره، فمن سجد السهو في حالة لم يشرع لها سجود السهو وجب عليه أن يسجد للسهو لذلك، لأنه زاد في صلاته سجدتين غير مشروعتين، ومن علم أنه سها في صلاته، ولم يعلم هل السجود مشروع لهذا السهو أو لا لم يسجد، لأنه لم يتحقق سببه، والأصل عدمه، ومن سها في صلاته وشك هل سجد لذلك السهو أو لا سجد للسهو سجدتين فقطن وإذا كان المأموم واحداً وشك في ترك ركن أو ركعة، فإنه يجب عليه أن يبني على الأقل، كالمنفرد، ولا يرجع لفعل إمامه، فإذا سلم إمامه لزمه أن يأتي بما شك فيه، ويسجد للسهو، ويسلم، فإن كان مع إمامه غيره من المأمومين، فإنه يجب عليه أن يرجع إلى فعل إمامه، وفعل من معه من المأمومين، وإذا شك شكاً يشرع السجود له، ثم تبين له أن مصيب لم يسجد لذلك الشك، ومن لحن لحناً يغير المعنى سهواً أو جهلاً وجب عليه أن يسجد للسهو، وإذا ترك سنة من سنن الصلاة أبيح له السجود.
الشافعية قالوا: تنحصر أسباب سجود السهو في ستة أمور: الأول: أن يترك الإمام أو المنفرد سنة مؤكدة، وهي التي يعبر عنها بالأبعاض، وذلك كالتشهد الأول، والقنوت الراتب، وهو غير قنوت النازلة، أما لو ترك سنة غير مؤكدة، وهي التي يعبر عنها بالهيئات، كالسورة ونحوها مما تقدم، فإنه لا يسجد لتركها عمداً أو سهواً، فلو ترك فرضاً، كسجدة أو ركوع، فإن تذكره قبل أن يفعل مثله أتى به فوراً، وإن لم يتذكره إلا بعد فعل مثله قام المثل مقامه، بحيث يعتبر أولاً، ويلغي ما فعله بينهما، فإن ترك الركوع مثلاً ثم تذكره قبل أن يأتي بالركوع الثاني أتى به، ثم يلغى مما فعله أولاً، ويمضي في إتمام صلاته، ويسجد قبل السلام، فإن تذكره بعد الإتيان بالركوع الثاني قام الثاني مقام الأول؛ وهكذا يقوم المتأخر مقام المتقدم، ويلغي مابينهما متى تذكر قبل السلام، وأما إذا تذكره بعد السلام، فإن لم يطل الفصل عرفاً ولم تصبه نجاسة غير معفو عنها، ولم يتكلم أكثر من ست كلمات؛ ولم يأت بفعل كثير مبطل وجب عليه أن يقوم ويركع، ثم يأتي بما يكملهان ويتشهد، ويسجد للسهو، ثم يسلم، ومن ترك سنة مؤكدة كالتشهد الأول المتقدم ذكره، ثم قام، فإن كان إلى القيام أقرب؛ فلا يعود له؛ فإن عاد عامداً عالماً بطلت صلاته، أما إن عاد ساهياً أو جاهلآً، فلا تبطل؛ إلا أنه يسن له السجود؛ ولو ترك القنوت المشروع لغير النازلة؛ ونزل للجلوس حتى بلغ حد الركوع لا يعود له، فإن عاد عالماً عامداً بطلت صلاته، وإلا كان حكمه كما تقدم في التشهد؛ وهذا إن كان غير مأموم، فإن كان مأموماً وترك التشهد والقنوت قصداً فهو مخير بين أن يعود لمتابعة إمامه أو ينتظره حتى يلحقه إمامه فيمضي معه، وإن تركهما سهواً يجب عليه العود مع الإمام، فإن لم يعد بطلت صلاته، إلا إذا نوى المفارقة في الصورتين، فإنهстр. 415
حكم سجود السهو
في حكم سجود السهو تفصيل المذاهب، فانظره تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: سجود السهو واجب على الصحيح، يأثم المصلي بتركه، ولا تبطل صلاته، وإنما يجب إذا كان الوقت صالحاً للصلاة، فلو طلعت الشمس عقب الفراغ من صلاة الصبح، وكان عليه سجود سهو سقط عنه لعدم صلاحية الوقت للصلاة، وكذا إذا تغيرت الشمس بالحمرة قبل الغروب وهو في صلاة العصر، أو فعل بعد السلام مانعاً من الصلاة وكأن أحدث عمداً، أو تكلم، وكذا إذا خرج من المسجد بعد السلام، ونحو ذلك مما يقطع البناء كما تقدم ففي كل هذه الصور يسقط عنه سجود السهون ولا تجب عليه إعادة الصلاة، إلا إذا كان سقوط السجود بعمل مناف لها عمداً، فتجب عليه الإعادة، وإنما يجب سجود السهو على الإمام والمنفرد، أما المأموم فلا يجب عليه سجود السهو إذا حصل موجبه منه حال اقتدائه بالإمام، أما إذا حصل الموجب من إمامه، فيجب عليه أن يتابعه في السجود إذا سجد الإمام، وكان هو مدركاً أو مسبوقاً كما تقدم، فإن لم يسجدстр. 416
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الإمام سقط عن المأموم؛ ولا تجب عليه إعادة الصلاة إلا إذا كان ترك الإمام إياه بعمل مناف للصلاة عمداً، فيجب عليه الإعادة، كما تجب على إمامه، والأولى ترك سجود السهو في الجمعة والعيدين إذا حضر فيها جمع كثير لئلا يشتبه الأمر على المصلين.
الحنابلة قالوا: سجود السهو تارة يكون واجباً، وتارة يكون مسنوناً، وتارة يكون مباحاً وذلك لاختلاف سببه على ما يأتي، وهذا بالنسبة للإمام والمنفرد، أما المأموم فيجب عليه متابعة إمامه في السجود، ولو كان مباحاً، فإن لم يتابعه بطلت صلاته، فإن ترك الإمام أو المنفرد السجود فإن كان مسنوناً أو مباحاً، فلا شيء في تركه، وإن كان واجباً، فإن كان الأفضل فيه أن يكون قبل السلام، كأن كان لترك واجب من واجبات الصلاة سهواً بطلت الصلاة بتركه عمداً، أما إذا تركه سهواً وسلم، فإن تذكره عن قرب عرفاً أتى به وجوباً، ولو تكلم أو انحرف عن القبلة ما لم يحدث أو يخرج من المسجد، وإلا سقط عنه، ولا تجب عليه إعادة الصلاة، كما إذا طال الزمن عرفاً، وإن ترك جهلاً لم تبطل صلاته، وأما إذا كان الأفضل فيه أن يكون بعد السلام - وهو ما إذا كان سببه السلام سهواً قبل إتمام الصلاة - فإن تركه عمداً أثم ولا تبطل صلاته، وإن تركه سهواً وتذكره في زمن قريب عرفاً وجب الإتيان به، وغلا أثم والصلاة صحيحة، وإن طال الزمن عرفاً أو أحدث أو خرج من المسجد سقط عنه، وإن تركه جهلاً، فلا إثم عليه وصحت صلاته، وإذا سها المأموم حال اقتدائه، وكان موافقاً يحمله عنه الإمام فإن كان مسبوقاً طلب منه السجود كالمنفرد، وقد تقدم معنى الموافق وغيره، وإذا ترك الإمام سجود السهو الواجب فعله المأموم وجوباً إذا يئس من فعل الإمام له، إلا إذا كان مسبوقاً فيجب عليه أن يسجد بعد قضاء ما فاته.
المالكية قالوا: سجود السهو سنة للإمام والمنفرد، أما المأموم إذا حصل منه سبب السجود، فإن الإمام يحمله عنه إذا كان ذلك حال الاقتداء، فإن كان على إمامه سجود سهو، فإنه يتابعه فيه، وإن لم يدرك سببه مع الإمام، فإن لم يتابعه بطلت صلاته حيث يكون ترك السجود مبطلاً وغلا فلا، وسيأتي بيان ما يبطل تركه وما لا يبطل، وإذا ترك الإمام أو المنفرد السجود، فإن كان محله بعد السلام سجد في أي وقت كان، ولو في أوقات النهي، وإذا ترك السجود الذي محله قبل السلام، فإن كان سببه نقص ثلاث سنن من سنن الصلاة بطلت صلاته إذا كان الترك عمداً، وإن كان سهواً فإن تذكره قبل أن يطول الزمن عرفاً أتى به وصحت صلاته، بشرط أن يحصل منه مناف للصلاة بعد السلام. كالحدث ونحوه، وغلا بطلت صلاته كما تبطل إذا لم يتذكر حتى طال عليه الزمن عرفاً بعد السلام، وأما إذا كان سبب السجود نقص أقل من ثلاث سنن كتكبيرتين من تكبيرات الصلاة المسنونة، فلا شيء عليه إن تركه عمداً، وإن تركه سهواً وسلم، فإن قرب الزمن أتى به، وإلا تركه وصلاته صحيحة، وإذا ترتب على الإمام سجود سهو طلب من المأموم أن يأتي به، ولو تركه إمامه.
الشافعية قالوا: سجود السهو تارة يكون واجباً، وتارة يكون سنة، فيكون واجباً في حالة واحدة، وهي ما إذا كان المصلي مقتدياً وسجد إمامه للسهو، ففي هذه الحالة يجب عليه أن يسجد تبعاً لإمامه،стр. 417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فإن لم يفعل عمداً بطلت صلاته، ووجب عليه إعادتها إن لم يكن قد نوى المفارقة قبل أن يسجد الإمام، وإذا ترك الإمام سجود السهور، فلا يجب على المأموم أن يسجد، بل يندب ويكون سنة في حَق المنفرد والإمام لسبب من الأسباب الآتية إلا إذا أدى سجود الإمام - لتشويش - على المقتدين به لكثرتهم، فيسن له ترك السجود وإذا ترك المنفرد أو الإمام السجود المسنون، فلا شيء فيه، ولا تبطل الصلاة بتركه، أما المأموم إذا سها حال اقتدائه بإمامه فلا سجود عليه لتحمل الإمام له إذا كان أهلاً للتحمل، كأن لم يتبين أنه محدث، أما إذا سها المأموم حال انفراده عن الإمام، كأن سها في حال قضاء ما فاته معه، فإنه كالمنفرد يسن له السجود حيث وجد سببهстр. 418
مباحث سجدة التلاوة
دليل مشروعيتها
ورد في الصحيحين أن ابن عمر ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يقرأ القرآن فيقرأ السورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعاً لمكان جبهته" وقال ﷺ : "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار" رواه مسلم. وقد أجمعت الأمة على أنها مشروعة عند قراءة مواضع مخصوصة من القرآن.
حكمها
أما حكمها، فهو السنية للقارئ والمستمع، بالشروط الآتية، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: حكم سجدة التلاوة الوجوب تارة يكون موسعاً وتارة يكون مضيقاً، فيكون موسعاً إن حصل موجبه خارج الصلاة فلا يأثم بتأخير السجود إلى آخر حياته إن مات ولم يسجد، ولكن يكره تأخيره تنزيهاً، ويكون الوجوب مضيقاً إن حصل موجب للسجود في الصلاة بأن تلا آية السجدة وهو يصلي، فإنه يجب عليه في هذه الحالة أن يؤديه فوراً، وقدر الفور بأن لا يكون بين السجدة وبين تلاوة آيتها زمن يسع أكثر من قراءة ثلاث آيات، فإن مضى بينهما زمن يسع ذلك بطول الفور، ثم إن آية السجدة إما أن تكون وسط السورة أو آخرها، فإن كانت وسطها فالأفضل للمصلي أن يسجد لها عقب قراءتها وقبل إتمام السورة ثم يقوم فيختم السورة ويركع، فإن لم يسجد وركع قبل انقطاع الفور السابق ونوى بالركوع السجدة أيضاً فإنه يجزئه كما يجزئ السجود للصلاة قبل انقطاع الفور المذكور ولو لم ينوبه السجدة أيضاً، انقطع الفور فلا تسقط عنه لا بالركوع ولا بسجود الصلاة وعليه قضاءها بسجدة خاصة ما دام في صلاته، فإذا خرج من الصلاة فلا يقضيها لفوات وقتها، إلا إذا كان خروجه بالسلام، ولم يأت بمناف للصلاة بعده فإنه يقضيها عقب السلام أما إن كانت الآية آخر السورة فالأفضل أن يركع وينوي السجدة ضمن الركوع، فإذا سجد لها ولم يركع وعاد إلى القيام فيندب أن يتلو آيات من السورة التي تليها ثم يركع ويتم للصلاةстр. 419
شروط سجدة التلاوة
وأما شروطها فمنها أن يكون السامع قاصداً للسماع، فإن لم يقصد فلا تجب عليه عند المالكية، والحنابلة، أما الشافعية والحنفية فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، ومنها غير ذلك مما هو مفصل تحت الخط (٢) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: لا يشترط القصد، بل يطلب من السامع السجود ولو لم يقصد السماع(٢) الحنفية قالوا: يشترط لها ما يشترط للصلاة إلا التحريمة ونية تعين الوقت، فإنهما لا يشترطان لها، ولا يؤتى بالتحريمة فيها كما سيأتي في صفتها، ويشترط لوجوبها كذلك ما يشترط لوجوب الصلاة من الإسلام والبلوغ والعقل والطهارة من الحيض والنفاس، فلا تجب على كافر وصبي ومجنون، ولا على حائض أو نفساء، لا فرق بين أن يكون أحد هؤلاء قارئاً أو سامعاً، أما من سمع من أحدهم فإنه يجب عليه السجود إن كان أهلاً للوجوب أداء أو قضاء، فيجب على السكران والجنب لأنهما أهل للوجوب قضاء، إلا إذا كان القارئ مجنوناً فإنها لا تجب على من سمع منه، ومثله الصبي الذي لا يميز، لأنه صحة التلاوة يشترط لها التمييز، وكذا إذا سمع آية السجدة من غير آدمي كأن يسمعها من الببغاء أو من آلة حاكية (كالفونوغراف) ، فإن هذا السماع لا يوجب السجود لعدم صحة التلاوة بفقد التمييز.
الحنابلة قالوا: يشترط لها بالنسبة للقارئ والمستمع ما يشترط لصحة الصلاة من طهارة الحدث واجتناب النجاسة واستقبال القبلة والنية وغير ذلك مما تقدم، ويزاد في المستمع شرطاً. الأول: أن يصلح القارئ للإمامة له ولو في صلاة النفل، فلو سمعها من امرأة لا يسن له السجود، وأولى إذا سمعها من غير آدمي كالآلة الحاكية والببغاء، نعم إذا سمعها من أمي أو زمن لا يصلحان لإمامته فإنه يسن أن يسجد للاستماع منهما؛ الثاني: أن يسجد القارئ، فإن لم يسجد فلا يسن للمستمع، ولا يصح السجود أمام القارئ أو عن يساره إذا كان يمينه خالياً، ويكره أن يقرأ الإمام آية سجدة في صلاة سرية، ولا يلزم المأموم متابعته لو سجد لذلك، بخلاف الجهرية، فإنه يلزم متابعته فيها.
المالكية قالوا: يشترط لها في القارئ والمستمع شروط صحة الصلاة من طهارة حدث وخبث واستقبال قبلة وستر عورة وغير ذلك مما تقدم، ويسجدها القارى، ولو كان غير صالح للإمامة؛ كالفاسق والمرأة، ولو قصد بقراءته إسماع الناس حسن صوته، وكذلك يسجدها في الصلاة إذا قرأ آيتها فيها، ولو كانت صلاة فرض، إلا أنه يكره تعمد قراءة آيتها في الفريضة.
هذا إذا كان المصلي إماماً أو منفرداً، أما المأموم فإنه يسجد تبعاً لإمامه، فلو لم يسجد فلا تبطل صلاته، لأنها ليست جزءاً من الصلاة، وإذا قرأها هو دون إمامه فلا يسجد، فلا سجد بطلتстр. 420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) صلاته لمخالفة فعله فعل الإمام؛ ويستثنى من الصلاة صلاة الجنازة فلا يسجد فيها، كما أنه إذا قرأ آية السجدة في خطبة جمعة أو غيرها لا يسجد، ولا تبطل صلاة الجنازة ولا الخطبة لو سجد، ويزاد في المستمع شروط ثلاثة: أولاً: أن يكون القارئ صالحاً للإمامة في الفريضة، بأن يكون ذكراً بالغاً عاقلاً مسلماً متوضئاً، فلو كان القارئ مجنوناً أو كافراً أو غير متوضئ فلا يسجد هو ولا المستمع، كما لا يسجد السامع الذي لم يقصد الاستماع، وإن كان القارئ امرأة أو صبياً سجد القارئ دون المستمع؛ ثانياً: أن لا يقصد القارئ إسماع الناس حسن صوته، فإن كان ذلك فلا يسجد المستمع؛ ثالثاً: أن يكون قصد السامع من السماع أن يتعلم من القارئ القراءة أو أحكامها من إظهار وإدغام ومد وقصر وغير ذلك، أو الروايات، كرواية ورش أو غيره، أو يعلم القارئ ذلك، ومتى استكملت شروط السامع فإنه يسجدها، ولو ترك القارئ السجود إلا في الصلاة فيتركها تبعاً للإمام، وإذا كان القارئ غير متوضئ ترك آية السجود ويلاحظها بقلبه محافظة على نظام التلاوة، وكذا إذا كان الوقت ينهي فيه عن سجود التلاوة، وإذا كرر المعلم أو المتعلم آية السجدة فيسن السجود لكل منهما عند قراءتها أول مرة فقط، وإذا جاوز القارئ محل السجود بيسير كآية أو آيتين طلب منه السجود ولا يعيد قراءة محله مرة أخرى وإن جاوره بكثير أعاد آية السجدة وسجد، ولو كان في صلاة فرض، ولكن لا يسجد في الفرض إلا إذا لم ينحن للركوع؛ أما في النفل فإنه يأتي بآية السجدة في الركعة الثانية، ويسجد إن لم يركع، فإن ركع في الثانية فاتت السجدة.
الشافعية قالوا: يشترط لسجود التلاوة شروط: أولاً: أن تكون القراءة مشروعة، فلو كانت محرمة، كقراءة الجنب، أو مكروهة، كقراءة المصلي في حال الركوع مثلاً، فلا يسن السجود للقارئ ولا للسامع، ثانياً: أن تكون مقصودة، فلو صدرت من ساه ونحوه، كالطير (والفونوغراف) ، فلا يشرع السجود؛ ثالثاً: أن يكون المقروء كل آية السجدة، فلو قرأ بعضها فلا سجود؛ رابعاً: أن لا تكون قراءة آية السجدة بدلاً من قراءة الفاتحة لعجزه عنها، وغلا فلا سجود، خامساً: أن لا يطول الفصل بين قراءة الآية والسجود، وأن لا يعرض عنها، فإن طال وأعرض عنها فلا سجود، والطول أن يزيد على مقدار صلاة ركعتين بقراءة متوسطة بين الطول والقصر؛ سادساً: أن تكون قراءة الآية من شخص واحد، فلو قرأ واحد بعض الآية، وكملها شخص آخر فلا سجود؛ سابعاً: يشترط لها ما يشترط للصلاة من طهارة واستقبال وغير ذلك، وهذه الشروط في جملتها عامة للمصلي وغيره، ويزاد في المصلي شرطان آخران: أولاً: أن لا يقصد بقراءة الآية السجود، فإن قصد ذلك وسجد بطلت صلاته إن سجد عامداً عالماً، ويستثنى من ذلك قراءة سورة "السجدة" في صبح يوم الجمعة، فإنها سنة، ويسن السجود حينئذ، فإن قرأ في صبح يوم الجمعة غير هذه السورة وسجد بطلت صلاته بالسجود إن كان عامداً عالماً، كما تبطل صبح يوم الخميس مثلاً لو قرأ فيها السورة المذكورة وسجد، ويجب على المأموم أن يسجد تبعاً لإمامه حيث كان سجوده مشروعاً، فإن ترك متابعة الإمام عمداً مع العلم بطلت صلاته، ثانياً: أن يكون هو القارئ؛ فإن كان القارئ غيره وسجد فلا يسجد، فإن سجد بطلت صلاته إذا كانстр. 421
أسباب سجود التلاوة
أسباب سجود التلاوة موضحة في المذاهب: فانظرها تحت الخط (١) .
صفة سجود التلاوة، أو تعريفها وركنها
في صفة سجود التلاوة أو تعريفها وركنها تفصيل في المذاهب، فانظره تحت الخط (٢) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: أسباب سجود التلاوة ثلاثة أمور: الأول: التلاوة؛ فتجب على التالي، ولو لم يسمع نفسه، كأن كان أصم، لا فرق بين أن يكون خارج الصلاة أو فيها، إماماً كان أو منفرداً، أما المأموم فلا تجب عليه بتلاوته، لأنه ممنوع من القراءة خلف إمامه فلا تعتبر تلاوته موجباً لها، وإذا تلا الخطيب يوم الجمعة أو العيدين آية سجدة وجبت عليه وعلى من سمعه، فينزل من فوق المنبر ثم يسجد ويسجد الناس معه، ولكن يكره له أن يأتي بآية السجدة وهو على المنبر؛ أما الإتيان بها وهو في الصلاة، فإنه لا يكره إذا أدى السجدة ضمن الركوع أو السجود؛ بخلاف ما إذا أتى بها وحدها، فإنه يكره لما فيه من التهويش على المصلين، الثاني: سماع آية سجدة من غيره، والسامع إما أن يكون في الصلاة أو لا، وكذا المسموع منه، فإن كان السامع في الصلاة، وكان منفرداً أو إماماً، فإنه يجب في الصلاة أو لا، وكذا المسموع منه، فإن كان السامع في الصلاة، وكان منفرداً أو إماماً، فإنه يجب عليه فعلها خارج الصلاة، إلا إذا سمعها من مأموم على الصحيح، فإنه لا تجب عليه السجدة، أما إذا كان السامع مأموماً، فإن سمعها من غير إمامه فحكمه كذلك، وإن سمعها من إمامه، فإن كان مدركاً للصلاة وجبت عليه متابعته في سجوده، وإن كان مسبوقاً فإن أدرك الإمام قبل سجوده للتلاوة تابعه أيضاً، وإن أدركه بعد سجود التلاوة في الركعة التي تلا فيها الآية لم يسجد أصلاً، وإن أدركه في الركعة التي بعدها سجد بعد الصلاة؛ الثالث: الاقتداء، فلو تلاها الإمام وجبت على المقتدي وإن لم يسمعها.
الحنابلة قالوا: لها سببان: التلاوة، والاستماع بالشروط المتقدمة، وبشرط أن لا يطول الفصل عرفاً بينها وبين سببها، فإن كان القارئ أو السامع محدثاً ولا يقدر على استعمال الماء تيمم وسجد، أما إذا كان قادراً على استعمال الماء فإن السجود يسقط عنه، لأنه لو توضأ يطول الفصل هذا، ولا يسجد المقتدي للتلاوة إلا متابعة لإمامه:
المالكية قالوا: سببها التلاوة والسماع بشرط أن يقصده، كما تقدم بيانه في شروطها.
الشافعية قالوا: سببها التلاوة والسماع بالشروط المتقدمة(٢) الحنفية قالوا: صفة سجود التلاوة أو تعريفه هو أن يسجد الإنسان سجدة واحدة بين تكبيرتين: إحداهما: عند وضع بجهته على الأرض للسجود، وثانيتهما: عند رفع جبهته، ولا يقرأстр. 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) التشهد ولا يسلم، والتكبيرتان المذكورتان مسنونتان، فلو وضع جبهته على الأرض دون تكبير صحت السجدة مع الكراهة، فلسجود السهو ركن واحد عندهم، وهو وضع الجبهة على الأرض، أو ما يقوم مقامه من الركوع أو السجود، أو من الإيماء للمريض: أو للمسافر الذي يصلي على الدابة في السفر، لأن سجدة التلاوة تؤدي عند الحنفية ضمن الركوع أو السجود أو الإيماء، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاثاً، أو يقول ما يشاء مما ورد، نحو اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، ويستحب لمن تلاها جالساً أن يقف ويخر لها ساجداً، ومن كرر آية سجدة في مجلس واحد سجد كذلك سجوداً واحداً، فإن اختلف المجلس فإنه يكرر السجود.
الحنابلة قالوا: تعريف سجدة التلاوة هو أن يسجد بدون تكبيرة إحرام، بل بتكبيرتين: إحداهما عند وضع جبهته على الأرض، والثانية. عند رفعها، ولا يتشهد، إلا أنه يندب له الجلوس إذا لم يكن في الصلاة ليسلم جالساً على أنهم قالوا: إن التكبيرتين ليستا من أركان السجدة بل هما واجبتان؛ فأركان السجدة عندهم ثلاثة: السجود، والرفع منه، والتسليمة الأولى، أما التسليمة الثانية فليست بركن ولا واجب، ويندب أن يدعو في سجوده بالدعاء المتقدم ذكره عند الحنفية.
المالكية قالوا: تعريف سجود التلاوة هو أن يسجد سجدة واحدة بلا تكبيرة إحرام وبلا سلام "بل يكبر للهوي وللرفع استناناً. وإذا كان قائماً يهوي لها من قيام، سواء كان في صلاة أو غيرها، ولا يطلب منه الجلوس، بل يسجد كما يسجد القائم من ركوع الصلاة المعتادة، لا فرق بين أن يكون في صلاة أو غيرها، وإذا كان راكباً على دابة أو غيرها نزل وسجد على الأرض، إلا إذا كان مسافراً أو كان مقيماً وتوفرت فيه شروط صلاة النفل على الدابة المتقدم ذكرها، ويسجد عليها بالإيماء.
هذا، ويندب أن يدعو في سجوده بالدعاء المتقدم ذكره عند الحنفية.
الشافعية قالوا: سجدة التلاوة، إما أن يفعلها المتلبس بالصلاة أو غيره، فتعريفها بالنسبة لغير المصلي هو أن ينوي بلسانه، ثم يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يسجد سجدة واحدة كسجدات الصلاة، ثم يجلس بعد السجدة ثم يسلم، وبهذا تعلم أن أركان سجدة التلاوة لمن لم يكن في الصلاة خمسة، أما إذا كان في الصلاة وقرأ آية فيها سجدة فإنه يسجد، وتتحقق السجدة بأمرين؛ أحدهما: النية ولا بد أن تكون بالقلب، بحيث لو تلفظ بها بطلت صلاته، ثانيتهما: أن يسجد سجدة واحدة كسجدات الصلاة؛ وإذا كان مأموماً فلا تطلب منه النية بل تكفيه نية إمامه، ويشترط لغير المصلي أن يقارن بين النية وتكبيرة الإحرام، ويسن رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، ويسن التكبير للهوّي للسجود والرفع منه، والدعاء فيه، والتسليمة الثانية ويسن أن يدعو بالدعاء المتقدم ذكره عند الحنفية.
هذا، ويقوم مقام سجود التلاوة ما يقوم مقام تحية المسجد، فمن لم يرد فعل سجدة التلاوة قرأ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أربع مرات، فإن ذلك يجزئه عن سجدة التلاوة، ولو كان متطهراًстр. 423
المواضع التي تطلب فيها سجدة التلاوة
تطلب في أربعة عشر موضعاً: وهي آخر آية في الأعراف: ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته، ويسبحونه، وله يسجدون﴾ ، وآية الرعد: ﴿ولله يسجد ما في السموات والأرض طوعاً وكرهاً، وظلالهم بالغدوّ والآصال﴾ وآية النحل: ﴿ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة، والملائكة، وهم لا يستكبرون، يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ ، وآية الإسراء التي آخرها: ﴿يزيدهم خشوعاً﴾ ، وآية مريم التي آخرها: ﴿خرُّوا سجداً وبكياً﴾ ، وآيتان في سورة الحج: أولاهما ﴿ويفعل ما يشاء﴾ في آخر الربع ﴿لعلكم تفلحون﴾ ، عند الشافعية، والحنابلة، وخالف، المالكية، والحنفية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (١) : وآية الفرقان وهي: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن، قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً﴾ ، وآية النمل وهي: ﴿أن لا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض، ويعلم ما تخفون وما تعلنون، الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ ، وآية سورة السجدة وهي: ﴿إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وهم لا يستكبرون﴾ وآية سورة فصلت وهي: ﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾ وآية النجم وهي: ﴿أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون فاسجدوا لله واعبدوا﴾ وآية سورة الانشقاق، وهي قوله تعالى: ﴿وإذ ثلاثة، وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) .
وأما آية "ص" وهي: ﴿وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب﴾ ، فليست من مواضع سجود التلاوة عند الشافعية، والحنابلة خلافاً للمالكية، والحنفية؛ فانظر مذهبهم تحت الخط (الحنفية، والمالكية قالوا: إنها من مواضع سجود التلاوة، إلا أن المالكية قالوا: إن السجود عند قوله تعالى: ﴿وأناب﴾ والحنفية قالوا: الأولى أن يسجد عند قوله تعالى: ﴿وحسن مآب﴾ .
ومن هذا يتضح أن عدد مواضع سجدة التلاوة عند الحنفية أربعة عشر موضعاً بنقص آية أخر الحج، وزيادة أية ﴿ص﴾ .
وعند المالكية أحد عشر موضعاً بنقص آية النجم، والانشقاق، وسورة اقرأ، وزيادة آية ص) ، والسجود يكون عند آخر كل آية من آياتها المتقدمة باتفاق، إلا عند الحنفية في الحواشي
(١) المالكية، والحنفية لم يعدوا آية آخر الحج من المواضع التي يطلب فيها سجود التلاوة(٢) المالكية قالوا: إن آية النجم، وآية الانشقاق، وآية اقرأ ليست من المواضع التي يطلب فيها سجود التلاوةстр. 424
بعض المواضع، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
سجدة الشكر
هي سجدة واحدة كسجود التلاوة عند تجدد نعمة أو اندفاع نقمة، ولا تكون إلا خارج الصلاة، فلو أتي بها في الصلاة بطلت صلاته، ولو نواها ضمن ركوع الصلاة وسجودها لم تجزه، وهي مستحبة، وهذا متفق عليه بين الشافعية، والحنابلة، أما المالكية، والحنفية. فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: إن السجود في آية سورة فصلت عند قوله تعالى: ﴿وهم لا يسأمون﴾(٢) المالكية قالوا: سجدة الشكر مكروهة، وإنما المستحب عند حدوث نعمة أو اندفاع نقمة صلاة ركعتين، كما تقدم.
الحنفية قالوا: سجدة الشكر مستحبة - على المفتى به -، وإذا نواها ضمن ركوع الصلاة أو سجودها أجزأته، ويكره الإتيان بها عقب الصلاة لئلا يتوهم العامة أنها سنة أو واجبةстр. 425
مباحث قصر الصلاة الرباعية
حكمها
يجوز للمسافر المجتمعة فيه الشروط الآتي بيانها أن يقصر الصلاة الرباعية - الظهر والعصر والعشاء - فيصليها ركعتين فقط، كما يجوز له أن يتم عند الشافعية، والحنابلة؛ أما المالكية، والحنفية قالوا: إن قصر الصلاة مطلوب من المسافر لا جائز، ولكنهم اختلفوا في حكمه، فقال الحنفية: إنه واجب، والواجب عندهم أقل من الفرض، ومساو للسنة المؤكدة، وعلى هذا فيكره للمسافر أن يتم الصلاة الرباعية، وإذا أتمها فإن صلاته تكون صحيحة إذا لم يترك الجلوس الأول، لأنه فرض في هذه الحالة، ولكنه يكون مسيئاً بترك الواجب، وهو وإن كان لا يعذب على تركه بالنار، ولكنه يحرم من شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة، كما تقدم.
هذا هو رأي الحنفية، أما المالكية فقد قالوا: إن قصر الصلاة سنة مؤكدة آكد من صلاة الجماعة، وإذا تركه المسافر فلا يؤاخذ على تركه، ولكنه يحرم من ثواب السنة المؤكدة فقط، ولا يحرم من شفاعة النبي، كما يقول الحنفية، فالمالكية، والحنفية متفقون على أنه سنة مؤكدة ولكنهم مختلفون في الجزاء المترتب على تركه.
هذا هو ملخص المذاهب في هذا الحكم، ولكن لكل مذهب تفصيل، فانظر تفصيل كل مذهب على حدة تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: قصر الصلاة واجب بالمعنى الذي فصلناه فوق الخط، فإذا أتم الصلاة فقد فعل مكروهاً بترك الواجب، على أن في الإتمام أيضاً تأخيراً للسلام الواجب عن محله، وذلك لأنه يجب على المصلي أن يسلم بعد الفراغ من القعود الأخير، والقعود الأخير في صلاة المسافر هو ما كان في نهاية الصلاة المطلوبة منه، وهي ركعتان، فإذا صلى ركعتين ولم يجلس في الركعة الثانية بطلت صلاته، لأنه هذا الجلوس فرض كالجلوس الأخير، وإذا لم يسلم بعد القعود وقام للركعة الثالثة فقد فعل مكروهاً، لأنه بذلك يكون قد أخر السلام المطلوب منه عن محله.
المالكية قالوا: قصر الصلاة سنة مؤكدة، كما ذكرنا فوق الجدول، فمن تركه وأتم الصلاة فقد حرم من ثواب هذه السنة، وإذا لم يجد المسافر مسافراً مثله ليقتدي به صلى منفرداً صلاة قصر، ويكره له أن يقتدي بإمام مقيم، لأنه لو اقتدى بإمام مقيم لزمه أن يتم الصلاة معه فتفوته سنة القصر المؤكدة.
الشافعية قالوا: يجوز للمسافر مسافة قصر أن يقصر الصلاة، كما يجوز له الإتمام، بلا خلاف،следующие страницы →