القسم الأول: الصيام المفروض
قد عرفت أن الصيام المفروض هو صيام شهر رمضان أداءً وقضاءً، وصيام الكفارات، والصيام المنذور. وعرفت أن هذا القدر متفق عليه عند الأئمة، وإن كان بعض الحنفية يخالف في الصيام المنذور، ويقول: إنه واجب لا فرض، وإليك بيان الصيامات المذكورة على هذا الترتيب:
стр. 492
صيام شهر رمضان - دليله
هو فرض عين على كل مكلف قادر على الصوم، وقد فرض في عشر من شهر شعبان بعد الهجرة بسنة ونصف، ودليل الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقد قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتِبَ عليكم الصيام﴾ إلى قوله: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ فشهر رمضان خير لمبتدأ محذوب تقديره هو شهر رمضان، أي المكتوب عليكم صيامه، هو شهر رمضان ... الخ، وقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ، وأما السنة فمنها قوله ﷺ : "بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" رواه البخاري، ومسلم عن ابن عمر، وأما الإجماع فقد اتفقت الأمة على فرضيته، ولم يخالف أحد من المسلمين، فهي معلومة من الدين بالضرورة، ومنكرها كافر، كمنكر فرضية الصلاة، والزكاة، والحج.
أركان الصيام
للصيام ركن واحد عند الحنفية، والحنابلة، وهو الإمساك عن المفطرات الآتي بيانها، أما المالكية والشافعية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (١) .
شروط الصيام
تنقسم شروط الصيام الى: شروط وجوب، وشروط صحة، وشروط أداء، على تفصيل في المذاهب مذكور تحت الخط (٢) .
ثبوت شهر رمضان
يثبت شهر رمضان بأحد أمرين: الأول: رؤية هلاله إذا كانت السماء خالية مما يمنع الرؤية من غيم أو دخان أو غبار أو نحوها: الثاني: إكمال شعبان ثلاثين يوماً إذا لم تكن السماء خالية مما ذكر لقوله ﷺ : "صوموا لريته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"؛ رواه البخاري عن أبي هريرة، ومعنى الحديث: أن السماء إذا كانت صحواً أمر الصوم متعلقاً برؤيته الهلال، فلا يجوز الصيام إلا إذا رئي الهلال، أما إذا كان بالسماء غيم، فإن المرجع في ذلك يكون إلى شعبان، بمعنى أن نكمله ثلاثين يوماً. بحيث لو كان ناقصاً في حسابنا نلغي ذلك النقص، وإن كان كاملاً وجب الصوم، وهذه القاعدة وضعها الشارع الذي أمر بالصيام، فهو صاحب الحق المطلق في نصب العلامات التي يريدها، وهو قد قال لنا: إن كانت السماء صحواً، ويمكن رؤية الهلال، فارصدوه؛ وصوموا عند رؤيته، وإلا فلا، أما إذا كانت غيماً، فلنرجع إلى حساب شهر شعبان، ونكمله ثلاثين يوماً وبهذا أخذ ثلاثة من الأئمة وخالف الحنابلة حال الغيم عملاً بلفظ آخر ورد في حديث آخر، وهو صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فاقدروا له. فقالوا: إن معنى "فاقدروا له" احتاطوا له بالصوم؛ وقد احتج الحنابلة لذلك بعمل ابن عمر راوي الحديث، فقد ثبت أنه كان إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر فإن رأى فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحاب؛ وقتر، أصبح مفطراً، وإن حال أصبح صائماً. ولا يقال لهذا اليوم: يوم شك في هذه الحالة؛ بل الشك عندهم لا يوجد إلا إذا كان اليوم صحواً، وتقاعد الناس عند رؤية الهلال، وقد ذكرنا مذهب الحنابلة تحت الخط (١) ، أما كيفية إثبات الهلال، ففيها تفصيل
إذا ثبت الهلال بقطر من الأقطار
إذا ثبت رؤية الهلال بقطر من الأقطار وجب الصوم على سائل الأقطار، لا فرق بين القريب من جهة الثبوت والبعيد إذا بلغهم من طريق موجب للصوم. ولا عبرة باختلاف مطلع الهلال مطلقاً، عند ثلاثة من الأئمة؛ وخالف الشافعية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
هل يعتبر قول المنجم ؟
لا عبرة بقول المنجمين، فلا يجب عليهم الصوم بحاسبهم، ولا على من وثق بقولهم، لأن الشارع علق الصوم على أمارة ثابتة لا تتغير أبداً، وهي رؤية الهلال أن إكمال العدة ثلاثين يوماً أما قول المنجمين فهو إن كان مبنياً على قواعد دقيقة، فإنا نراه غير منضبط، بدليل اختلاف
стр. 499
آرائهم في أغلب الأحيان، وهذا هو رأي ثلاثة من الأئمة، وخالف الشافعية؛ فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
حكم التماس الهلال
يفترض على المسلمين فرض كفاية أن يلتمسوا الهلال في غروب اليوم التاسع والعشرين من شعبان ورمضان حتى يتبينوا أمر صومهم وإفطارهم، ولم يخالف في هذا سوى الحنابلة فقالوا: إن التماس الهلال مندوب لا واجب؛ ولا يخفى أن رأي غيرهم هو المعقول، لأن صيام رمضان من أركان الدين؛ وقد علق على رؤية الهلال فكيف يكون طلب الهلال مندوباً فقط، وإذا رئي الهلال نهاراً قبل الزوال أو بعده وجب صوم اليوم الذي يليه إذا كانت الرؤية في آخر شعبان، ووجب إفطار اليوم الذي يليه إن كان آخر رمضان، ولا يجب عند رؤية الهلال الإمساك في الصورة الأولى، ولا الإفطار في الثانية، وهذا الحكم عند المالكية، والحنفية، وخالف الشافعية، والحنابلة؛ فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) .
هل يشترط حكم الحاكم في الصوم ؟
لا يشترط في ثبوت الهلال ووجوب الصوم بمقتضاه على الناس حكم الحاكم. ولكن لو حكم بثبوت الهلال بناء على أي طريق في مذهبه وجب الصوم على عموم المسلمين. ولو خالف مذهب البعض منهم. لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، وهذا متفق عليه، إلا عند الشافعية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٣) .
стр. 500
ثبوت شهر شوال
يثبت شهر شوال برؤية هلاله كبعاً، وفي كيفية تفصيل المذاهب، فانظره تحت الخط (١) فإن لم يرهلال شوال وجب إكمال رمضان ثلاثين. فإذا تم رمضان ثلاثين يوماً ولم يلا هلال شوال، فإما أن تكون السماء صحواً أو لا، فإن كانت صحواً فلا يحل الفطر في صبيحة تلك الليلة، بل يجب الصوم في اليوم التالي؛ وكذب شهود هلال رمضان، وإن كانت غير صحو وجب الإفطار في صبيحتها واعتبر ذلك اليوم من شوال؛ عند الحنفية، والمالكية، وخالف الشافعية، والحنابلة فانظر مذهبيهما تحت الخط (٢) .
стр. 501
مبحث صيام يوم الشك
في تعريف يوم الشك وحكم صومه تفصيل في المذاهب. فانظره تحت الخط (١) .
стр. 502
الصيام المحرَّم - صيام يوم العيد، وصيام المرأة بغير إذن زوجها
حرَّم الشارع الصوم في أحوال: منها الصيام يوم العيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى؛ وثلاثة أيام بعد عيد الأضحى، عند ثلاثة من الأئمة، إلا أن الحنفية قالوا: إن ذلك مكروه تحريماً، وقال المالكية، يحرم صوم يومين بعد عيد الأضحى لا ثلاثة أيام، وقد ذكرنا تفصيل كل مذهب في ذلك تحت الخط (١) ؛ ومنها صيام المرأة نفلاً بغير إذن زوجها، أو بغير أن تعلم
стр. 503
بكونه راضياً عن ذلك وإن لم يأذنها صراحة، إلا إذا لم يكن محتاجاً لها، كأن كان غائباً، أو محرماً، أو معتكفاً. وهذا هو رأي الشافعية، والمالكية؛ أما الحنفية، والحنابلة، فانظر رأيهما تحت الخط (١) .
الصوم المندوب - تاسوعاء - عاشوراء - الأيام البيض - وغير ذلك
الصوم المندوب، منه صوم شهر المحرم، وأفضله يوم التاسع والعاشر منه، والحنفية يقولون: إن صومهما سنة لا مندوب؛ وقد عرفت أن الشافعية، والحنابلة يوافقون على هذه التسمية؛ إذا لا فرق عندهم بين السنة والمندوب، أما المالكية فلا يوافقون؛ للفرق عندهم بين المندوب والسنة كما هو عند الحنفية، ومنه صيام ثلاثة أيام من كل شهر. ويندب أن تكون هي الأيام البيض، أعني الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من الشهر العربي، وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) .
صوم يوم عرفة
يندب صوم اليوم التاسع من ذي الحجة، ويقال له: يوم عرفة. وإنما يندب صومه لغير القائم بأداء الحج، أما إذا ان حاجاً ففي صومه هذا اليوم تفصيل في المذاهب، مذكور تحت الخط (٣) .
стр. 504
صوم يوم الخميس والإثنين
يندب صوم الاثنين والخميس من كل أسبوع، وأن في صومها مَصلحة للأبدان لا تخفى.
صوم ست من شوال
يندب صوم ستة من شوال مطلقاً بدون شروط عند الأئمة الثلاثة، وخالف المالكية، والأفضل أن يصومها متتابعة بدون فاصل، عند الشافعية، والحنابلة؛ أما المالكية؛ والحنفية فانظر مذهبيهما تحت الخط (المالكية قالوا: يكره صوم ستة أيام من شوال بشروط:
-١ - أن يكون الصائم ممن يقتدي به، أو يخاف عليه أن يعتقد وجوبها.
-٢ - أن يصومها متصلة بيوم الفطر.
-٣ - أن يصومها متتابعة.
-٤ - أن يظهر صومها؛ فإن انتقى شرط من هذه الشروط، فلا يكره صومها، إلا إذا اعتقد أن وصلها بيوم العيد سنة، فيكره صومها، ولو لم يظهرها، أو صامها متفرقة.
الحنفية قالوا: تستحب أن تكون متفرقة في كل أسبوع يومان) .
صوم يوم وإفطار يوم
يندب للقادر أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وقد ورد أن ذلك أفضل أنواع الصيام المندوب.
стр. 505
صوم رجب وشعبان وبقية الأشهر الحرم
يندب صوم شهر رجب وشعبان، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف الحنابلة، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، أما الأشهر الحرم وهي أربع: ثلاثة متوالية، وهي ذو القعدة وذو الحجة؛ والمحرَّم، وواحد منفرد، وهو رجب، فإن صيامها مندوب عند ثلاثة من الأئمة، وخالف الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) .
إذا شرع في صيامه النفل ثم أفسده
إتمام صوم التطوع بعد الشروع فيه وقضاؤه إذا أفسده مسنون عند الشافعية، والحنابلة، وخالفهم المالكية، والحنفية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (٣) ، ومثل ذلك صوم الأيام التي نذر اعتكافها، كأن يقول: لله عليَّ أن أعتكف عشرة أيام، فإنه يسن له أن يصوم هذه الأيام العشرة، ولا يفترض صيامها عند الشافعية؛ والحنابلة، وخالفهم المالكية، والحنفية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (٤) .
стр. 506
الصوم المكروه
صوم يوم الجمعة وحده والنيروز، والمهرجان، وصوم يوم أو يومين قبل رمضان.
من الصوم المكروه صوم يوم النيروز، ويوم المهرجان منفردين بدون أن يصوم قبلهما أو بعدهما ما لم يوافق ذلك عادة له فإنه لا يكره عند ثلاثة، وقال الشافعية: لا يكره صومها مطلقاً، ومن المكروه صيام يوم الجمعة منفرداً، وكذا صيام يوم السبت منفرداً، وقال المالكية: لا يكره إفراد يوم الجمعة أو غيره بالصوم، ومن المكروه أن يصوم قبل شهر رمضان بيوم أو يومين لا أكثر، عند الحنفية، والحنابلة، أما المالكية فقالوا: لا يكره صوم يوم أو يومين قبل رمضان؛ والشافعية قالوا يحرم صوم أو يومين قبل رمضان، وكذا صوم النصف الثاني من شعبان إذا لم يصله بما قبله، ولم يوجد سبب يقتضي صومه من نذر أو عادة؛ ومن المكروه صوم يوم الشبك، وقد تقدم بيانه في المذاهب؛ وهناك مكروهات أخرى مفصلة في المذاهب: فانظرها تحت الخط (١) .
стр. 507
ما يفسد الصيام
تنقسم مفسدات الصيام إلى قسمين: قسم يوجب القضاء والكفارة، وقسم يوجب القضاء دون الكفارة، وإليك بيان كل قسم:
ما يوجب القضاء والكفارة
في مفسدات الصيام التي توجب القضاء والكفارة اختلاف المذاهب، فانظره تحت الخط (١) .
ما يوجب القضاء دون الكفارة وما لا يوجب شيئاً
قد عرفت ما يوجب القضاء والكفارة، وبقي الكلام فيما يوجب القضاء دون الكفارة، وما لا يفسد الصيام أصلاً، وهو أمرو كثيرة، مفصلة في المذاهب، فانظرها تحت الخط (١) .
حكم من فسد صومه في أداء رمضان
من فسد صومه في أداء رمضان وجب عليه الإمساك بقية اليوم تعظيماً لحرمة الشهر، فإذا داعب شخص زوجه أو عانقها أو قبلها أو نحو ذلك فأمنى، فسد صومه، وفي هذه الحالة يجب عليه الإمساك بقية اليوم، ولا يجوز له الفطر، أما من فسد صومه في غير أداء رمضان، كالصيام المنذور، سواء أكان معيناً أم لا، وكصوم الكفارات، وقضاء رمضان، وصوم التطوع، فإنه لا يجب عليه الإمساك بقية اليوم، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) .
الأعذار المبيحة للفطر
المرض وحصول المشقة الشديدة
الأعذار التي تبيح الفطر للصائم كثيرة: منها المرض، فإذا مرض الصائم، وخاف زيادة المرض بالصوم، أو خاف تأخر البرء من المرض، أو حصلت له مشقة شديدة بالصوم، فإنه
стр. 518
يجوز له الفطر، باتفاق ثلاثة، وقال الحنابلة" بل يسن له الفطر، ويكره له الصوم في هذه الأحوال، أما إذا غلب على ظنه الهلاك أو الضرر الشديد بسبب الصوم، كما إذا خاف تعطيل حاسة من حواسه، فإنه يجب عليه الفطر، ويحرم عليه الصوم، باتفاق.
هذا ما إذا كان مريضاً بالفعل، أما إذا كان صحيحاً، وظن بالصوم حصول مرض شديد، ففي حكمه تفصيل في المذاهب مذكور تحت الخط (١) .
ولا يجب على المريض إذا أراد الفطر أن ينوي الرخصة التي منحها الشارع للمعذورين، باتفاق ثلاثة؛ وقال الشافعية: بل نية الترخص له بالفطر واجبة، وإن تركها كان آثماً.
خوف الحامل والمرضع الضرر من الصيام
إذا خافت الحامل والمرضع الضرر من الصيام على أنفسهما وولديهما معاً، أو على أنفسهما فقط، أو على ولديهما فقط، فإنه يجوز لهما الفطر على تفصيل في المذاهب، مذكور تحت الخط (٢) .
стр. 519
الفطر بسبب السفر
يباح الفطر للمسافر بشرط أن يكون السفر مسافة تبيح قصر الصلاة على ما تقدم تفصيله، وبشرط أن يشرع فيه قبل طلوع الفجر بحيث يصل إلى المكان الذي يبدأ فيه قصر الصلاة قبل طلوع الفجر، فإن كان السفر لا يبيح قصرها لم يجز له الفطر، وهذان الشرطان متفق عليهما، عند ثلاثة. وخالف الحنابلة في الشرط الأول، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ؛ وزاد الشافعية شرطاً ثالثاً فانظره تحت الخط (٢) ؛ فإذا شرع في السفر بعد طلوع الفجر حرم عليه الفطر، فلو أفطر
стр. 520
فعليه القضاء دون الكفارة؛ عند ثلاثة، وخالف الشافعية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، ويجوز الفطر للمسافر الذي بيت النية بالصوم؛ ولا إثم عليه، وعليه القضاء، خلافاً للمالكية، والحنفية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (٢) ، ويندب للمسافر الصوم إن لم يشق عليه، لقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ فإن الشافعية قالوا: عليه كان الفطر أفضل؛ باتفاق الحنفية، والشافعية، أما المالكية والحنابلة، فانظر مذهبيهما تحت الخط (٣) ، إلا إذا أدى الصوم إلى الخوف على نفسه من التلف أو تلف عضو منه، أو تعكيل منفعته، فيكون الفطر واجباً، ويحرم الصوم، باتفاق.
صوم الحائض والنفساء
إذا حاضت المرأة الصائمة أو نفست وجب عليها الفطر، وحرم الصيام، ولو صامت فصومها باطل، وعليها القضاء.
حكم من حصل له جوع أو عطش شديدان
فأما الجوع والعطش الشديدان اللذان لا يقدر معهما على الصوم، فيجوز لمن حصل له شيء من ذلك الفطر؛ وعليه القضاء.
стр. 521
حكم الفطر لكبر السن
الشيخ الهرم الفاني الذي لا يقدر على الصوم في جميع فصول السنة يفطر وتجب عن كل يوم فدية طعام مسكين؛ وقال المالكية: يستحب له الفدية فقط؛ ومثله المريض الذي لا يرجى برؤه، ولا قضاء عليهما لعدم القدرة، باتفاق ثلاثة، وخالف الحنابلة، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، أما من عجز عن الصوم في رمضان، ولكن يقدر على قضائه في وقت آخر، فإنه يجب عليه القضاء في ذلك الوقت، ولا فدية عليه.
إذا طرأ على الصائم جنون
إذا طرأ على الصائم جنون ولو لحظة، ولم يجب عليه الصوم، ولا يصح؛ وفي وجوب القضاء تفصيل المذاهب، فانظره تحت الخط (٢) .
وإذا زال العذر المبيح للإفطار في أثناء النهار، كأن طهرت الحائض، أو أقام المسافر، أو بلغ الصبي، وجب عليه الإمساك بقية اليوم احتراماً للشهر؛ عند الحنفية، والحنابلة، أما المالكية والشافعية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٣) .
стр. 522
ما يستحب للصائم
يستحب للصائم أمور: منها تعجيل الفطر بعد تحقق الغروب، وقبل الصلاة، ويندب أن يكون على رطب، فتمر؛ فحلو، فماء، وأن يكون ما يفطر عليه من ذلك وتراً، ثلاثة، فأكثر ومنها الدعاء عقب فطره بالمأثور، كأن يقول: اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، وعليك توكلت، وبك آمنت، ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر، يا واسع الفضل اغفر لي الحمد لله الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت، ومنها السحور على شيء وإن قل، ولو جرعة ماء؛ لقوله ﷺ : "تسحروا، فإن في السحور بركة"، ويدخل وقته بنصف الليل الأخير، وكلما تأخر كان أفضل، بحيث لا يقع في شك في الفجر، لقوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يُريبك" ومنها كف اللسان عن فضول الكلام، وأما كفه عن الحرام، كالغيبة والنميمة، فواجب في كل زمان، ويتأكد في رمضان؛ ومنها الإكثار من الصدقة والإحسان إلى ذوي الأرحام والفقراء والمساكين. ومنها الاشتغال بالعلم، وتلاوة القرآن والذكر، والصلاة على النبي ﷺ كلما تيسر له ذلك ليلاً أو نهاراً؛ ومنها الاعتكاف، وسيأتي بيانه في مبحثه.
قضاء رمضان
من وجب عليه قضاء رمضان لفطرة فيه عمداً أو لسبب من الأسباب السابقة فإنه يقضى بدل الأيام التي أفطرها في زمن يباح الصوم فيه تطوعاً، فلا يجزئ القضاء فيما نهى عن صومه، كأيام العيد، ولا فيما تعين لصوم مفروض كرمضان الحاضر، وأيام النذر المعين، كأن ينذر صوم عشرة أيام من أول ذي القعدة، فلا يجزئ قضاء رمضان فيها لتعينها بالنذر، عند المالكية، والشافعية، أما الحنابلة، والحنفية فانظر مذهبيهما تحت الخط (١) ، كما لا يجزئ القضاء في رمضان الحاضر، لأنه متعين للأداء، فلا يقبل صوماً آخر سواه، فلو نوى أن يصوم رمضان الحاضر أو أياماً منه قضاء عن رمضان سابق، فلا يصح الصوم عن واحد منهما، لا عن الحاضر، لأنه لم ينوه، ولا عن الفائت، لأن الوقت لا يقبل سوى الحاضر، باتفاق ثلاثة،
стр. 523
وخالف الحنفية فانظر مذهبيهم تحت الخط (١) ؛ ويجزئ القضاء في يوم الشك لصحة صومه تطوعاً، ويكون القضاء بالعدد لا بالهلال، فمن أفطر رمضان كله؛ وكان ثلاثين يوماً، ثم ابتدأ قضاءه من أول المحرم مثلاً، فكان تسعة وعشرين يوماً، وجب عليه أن يصوم يوماً آخر بعد المحرم ليكون القضاء ثلاثين يوماً كرممضان الذي أفطره، ويستحب لمن عليه قضاء أن يبادر به ليتعجل براءة ذمته، وأن يتابعه إذا شرع فيه؛ فإذا أخر القضاء أو فرقه صح ذلك، وخالف المندوب، إلا أنه يجب عليه القضاء فوراً إذا بقي على رمضان الثاني بقدر ما عليه من أيام رمضان الأول؛ فيتعين القضاء فوراً في هذه الحالة خلافاً للشافعية، والحنفية؛ فانظر مذهبيهما تحت الخط (٢) ، ومن أخر القضاء حتى دخل رمضان الثاني وجبت عليه الفدية (الشافعية قالوا: تتكرر الفدية بتكرر الأعوام) زيادة عن القضاء، وهي إطعام مسكين عن كل يوم من أيام القضاء ومقدارها هو ما تعطى لمسكين واحد في الكفارة، كما تقدم في "مبحث الكفارات"، باتفاق ثلاثة؛ وخالف الحنفية، فقالوا: لا فدية على من أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان الثاني، سواء كان التأخير بعذر أو بغير عذر؛ وإنما تجب الفدية إذا كان متمكناً من القضاء قبل دخول رمضان الثاني، وإلا فلا فدية عليه، ولا تتكرر الفدية بتكرر الأعوام بدون قضاء، باتفاق ثلاثة. وقال الشافعية: بل تتكرر الفدية بتكرر الأعوام.
الكفارة الواجبة على من أفطر رمضان، وحكم من عجز عنها
تقدم أن الصيام ينقسم إلى مفروض وغيره، وأن المفروض ينقسم إلى أقسام. صوم رمضان وصوم الكفارات، والصيام المنذور؛ أما صوم رمضان فقد تقدم الكلام فيه، وأما الكفارات، فأنواع: منها كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة القتل، ولهذه الأنواع الثلاثة مباحث خاصة بها في قسم المعاملات. "وقد ذكرنا كفارة اليمين في الجزء الثاني وكفارة الظهارة في الجزء الرابع، ومن أنواع الكفارات كفارة الصيام، وهي المراد
стр. 524
بيانها هنا: فكفارة الصيام هي التي تجب على ما أفطر في أداء رمضان على التفصيل السابق في المذاهب. وهي إعتاق رقبة مؤمنة، باتفاق ثلاثة، وقال الحنفية، لا يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة في الصيام، ويشترط أن تكون سليمة من العيوب المضرة، كالعمى والبكم والجنون، فإن لم يجدها فصيام شهرين متتابعين، فإن صام في أول الشهر العربي أكمله وما بعده باعتبار الأهلة، وإن ابتدأ في أثناء الشهر العربي صام باقيه. وصام الشهر الذي بعده كاملاً باعتبار الهلال، وأكمل الأول ثلاثين يوماً من الثالث، ولا يحسب يوم القضاء من الكفارة، ولا بد من تتابع هذين الشهرين بحيث لو أفسد يوماً في أثنائها ولو بعذر شرعي، كسفر، صار ما صامه نفلاً، ووجب عليه استئنافها لانقطاع التتابع الواجب فيها، باتفاق ثلاثة، وقال الحنابلة: الفطر لعذر شرعي كالفطر للسفر لا يقطع التتابع، فإن لم يستطع الصوم لمشقة شديدة ونحوها، فإطعام ستين مسكيناً، فهي واجبة على الترتيب المذكور باتفاق ثلاثة. وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، وقد استدل الثلاثة بخبر الصحيحية عن أبي هريرة ﵁، جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: "هلكت، قال: وما أهلكك،! قال: واقعت امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا، ثم جلس السائل، فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر "العرق: مكتل في خوص النخل، وكان فيه مقداره الكفارة" فقال تصدق بهذا، فقال: على أفقر منا يا رسول الله، فو الله ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: اذهب، فأطعمه أهلك" وما جاء في هذا الحديث من إجراء صرف الكفارة لأهل المكفر، وفيهم من تجب عليه نفقته فهو خصوصية لذلك الرجل، لأن المفروض في الكفارة إنما هو إطعام ستين مسكيناً لغير أهله، بحيث يغطي كل واحد منهم مقداراً مخصوصاً، على تفصيل في المذاهب، مذكور تحت الخط (٢) .
стр. 525
وتتعدد الكفارة بتعدد الأيام التي حصل فيها ما يقتضي الكفارة، عند الشافعية، والمالكية؛ أما الحنفية، والحنابلة، فانظر مذهبيهما تحت الخط (١) ، أما إذا تعدد المتقضى في
стр. 526
اليوم الواحد فلا تتعدد، ولو حصل الموجب الثاني بعد أداء الكفارة عن الأول، فلو وطئ في اليوم الواحد عدة مرات فعليه كفارة واحدة، ولو كفر بالعتق أو الإطعام عقب الوطء الأول، فلا يلزمه شيء لما بعده، وإن كان آثماً لعدم الإمساك الواجب، فإن عجز عن جميع أنواع الكفارات استقرت في ذمته إلى الميسرة، باتفاق ثلاثة، وخالف الحنابلة، فانظر مذهبهم تحت الخط (١)
стр. 527
كتاب الإعتكاف
تعريفه وأركانه
هو اللبث في المسجد للعبادة على وجه مخصوص، ومعنى هذا أن النية ليست ركناً من أركان الاعتكاف، وإلا لذكرت في التعريف، وهو كذلك عند الحنفية، والحنابلة، فإنهم يقولون: إن النية شرط لا ركن، وخالف المالكية. والشافعية، فقالوا: إنها ركن لا شرط. وقد عرفت أن الأمر في ذلك سهل، إذ النية لا بد منها عند الفريقين، سواء كانت شرطاً أو ركناً، فمن قال: إنها ركن ذكرها في التعريف، فزاد بعد كلمة "مخصوص" كلمة، "بنية" ومن لم يقل: إنها ركن حذف كلمة "بنية". فأركانه ثلاثة: المكث في المسجد. والمسجد. والشخص المعتكف. والنية عند من يقول: إنها ركن. وله أقسام. وشروط. ومفسدات. ومكروهات وآذاب.
أقسامه ومدته
فأما أقسامه فهي اثنان: واجب، وهو المنذور، فمن نذر أن يعتكف وجب عليه الاعتكاف، وسنة، وهو ما عدا ذلك، وفي كون السنة مؤكدة في بعض الأحيان دون بعض تفصيل في المذاهب مذكور تحت الخط (١) . وأقل مدته لحظة زمانية بدون تحديد، وخالف المالكية، والشافعية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (٢) .
стр. 528
شروط الاعتكاف - اعتكاف المرأة بدون زوجها
وأما شروطه: فمنها الإسلام، فلا يصح الاعتكاف من كافر، ومنها التمييز، فلا يصح من مجنون ونحوه؟ ولا من صبي غير مميز، أما الصبي المميز فيصح اعتكافه، ومنها وقوعه في المسجد، فلا يصح في بيت ونحوه، على أنه لا يصح في كل مسجد؛ بل لا بد أن تتوافر في المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف شروط مفصلة في المذاهب، مذكورة تحت الخط (١) ، ومنها النية، فلا يصح الاعتكاف بدونها. وقد عرفت أنها من الشروط عند الحنفية، والحنابلة، وخالف المالكية، والشافعية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) ، ومنها الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس، عند الشافعية، والحنابلة، أما المالكية؛ والحنفية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (٣) .
стр. 529
وزاد المالكية على ذلك شروطاً أخرى، فانظرها تحت الخط (١) ، ولا يصح اعتكاف المرأة بغير إذن زوجها، ولو كان اعتكافها منذوراً، سواء علمت أنه يحتاج إليها للاستمتاع، أو ظنت، أو لا. وخالف الشافعية، والمالكية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (٢)
مفسدات الاعتكاف
أما مفسدات الاعتكاف منها: الجماع عمداً، ولو بدون إنزال، سواء كان بالليل أو النهار، باتفاق. أو الجماع نسياناً فإنه يفسد الاعتكاف عند ثلاثة؛ وقال الشافعية: إذا جامع ناسياً للاعتكاف فإن اعتكافه لا يفسد، أما دواعي الجماع من تقبيل بشهوة، ومباشرة ونحوها، فإنها لا تفسد الاعتكاف إلا بالإنزال، باتفاق ثلاثة، وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت
стр. 530
الخط (١) ، ولكن يحرم على المعتكف أن يفعل تلك الدواعي بشهوة، ولا يفسده إنزال المني بفكر أو نظر أو احتلام، سواء كان ذلك عادة له أو لا، عند الحنفية والحنابلة، أما المالكية، والشافعية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (٢) ، ومنها الخروج من المسجد، على تفصيل في المذاهب، مذكور تحت الخط (٣) ومنها الردّة، فإذا ارتد المعتكف بطل اعتكافه، ثم إن عاد