Полный текст (2 230 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد".
فهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز بيع شيء من هذه الأصناف المتجانسة بمثله مع زيادة، وأنه لا يجوز تأجيل التقايض فيها، فلا يصح بيع جنيه من الذهب بجنيه وعشرة قروش غلا يداً بيد ولا نسيئة، كما لا يحل بيع قطعة من الذهب زنتها عشرة مثاقيل بقطعة من الذهب زنتها اثنا عشرة مثقالاً. ومثل ذلك القمح والشعير الخ ما ذكر في الحديث.
وقد ورد النهي عن ذلك في بيع الذهب والفضة بخصوصهما، فقد قال ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز" متفف عليه. وتشفوا بضم التاء وكسر الشين: تزيدوا.
فإذا اختلف الجنس فإنه يصح فيه البيع والشراء على قيمته وبنقصها، فيصح أن يشتري الجنية الذي قيمته مائة وعشرين مثلاً، كما يصح أن يصرفه بخمسة وتسعين قرشاً وهكذا. ويسمى هذا صرفاً ولكن يشترط فيه التقابض، فلا يصح صرف جنيه بفضة إلا إذا كان كل واحد يأخذ ماله في المجلس، فإذا أخذ تسعين قرشاً وأجل عشرة قروش مثلاً حرم. وسيأتي ذلك موضحاً في الصرف. وكذلك في العام أعني البر والشعير الخ ما ذكر في الحديث، فإنه يشترط فيه التقابض (١) وإذا كان البدلان طعامين كما إذا باع قَمحاً بأرز، أما إذا كان أحد البدلين نقداً والآخر طعاماً فإنه يصح فيه التأخير، سواء كان الطعام مبيعاً كما إذا اشترى قمحاً بجنيهات لأجل. أو كان الطعام ثمناً كما إذ اشترى خمسة جنيهات بخمسة "أردب" من القمح يدفعها في وقت كذا، وهذا هو السلم.
مبحث الأشياء التي يكون الربا فيها حرامًا
قد عرفت أن ربا النسيئة هو بيع الجنس الواحد ببعضه، أو بجنس آخر مع زيادة في نظير تأخير القبض. كبيع إردب من القمح الآن بإردب ونصف يدفع له بعد شهرين. وكبيع عشرين جنيهاً الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: لا يشترط التقابض في بيع الذهب والفضة، وإنما قال: يشترط فيه التعيين وسيأتي موضحاً في الصرفстр. 877
الآن بخمسة وعشرين تدفع له بعد سنة. وكبيع إردب من القمح الآن بإردبين من الذرة يدفعان له بعد ستة أشهر، لأنه وإن اختلف الجنس في القمح والذرة ولكن يشترط فيه التقابض وعدم تأجيل الدفع وإلا كان ربا.
وإذا كان كذلك: فهل كل جنس في البيع يدخله الربا؟ أو هو مقصور على الأجناس المذكورة في الحديث المتقدم وهي: البر والشعير. والذهب، والفضة، والتمر، والملح؟ لا خلاف بين الأئمة الأربعة على أن الربا يدخل في أجناس أخرى غير التي ذكرت في الحديث قياساً عليها. وإنما اختلفوا في علة تحريم الزيادة في الأشياء المذكورة في الحديث ليقاس عليها غيرها متى وجدت تلك العلة كما هو مفصل في أسفل الصحيفة (١) . على أن الظاهرية اقتصروا على الأشياء المذكورة في الحديث. الحواشي
(١) الحنابلة - قالوا: العلة في تحريم الزيادة الكيل والوزن، فكل ما يباع بالكيل أو الوزن فإنه يدخله الربا، سواء كان قليلاً لا يتأتى كيله كتمرة بتمرتين. أو لا يتأتى وزنه كقدر الألازة من الذهب، وسواء كان مطعوماً كالأرز والذرة والدخن، أو غير مطعوم كبذر القطن والبرسيم والكتان والحديد والرصاص والنحاس، أما ما ليس بمكيل ولا موزون كالمعدود فإنه لا يجري فيه الربا، فيصح بيع البيضة بيضتين، والسكين بسكينين وإن كانا من جنس واحد لاختلاف الصفة. وقيل: بكراهة ذلك.
الحنفية - قالوا: العلة في تحريم الزيادة هي الكيل والوزن كما يقول الحنابلة، إلا أنهم قالوا: إن القدر الذي يتحقق فيه الربا من الطعام هو ما كان نصف صاع فأكثر، أما إذا كان أقل من نصف صاع فإنه يصح فيه الزيادة، فيجوز أن يشتري حفنة من القمح بحفنتين يداً بيد أو نسيئة وهكذا إلى أن تبلغ نصف صاع، فيصح بيع التمرتين لأن التمر يباع مكيلاً، وكل ما كان أقل من نصف صاع لا يدخله الربا، وهذا هو المشهور، أما القدر الذي يتحقق فيه الربا من الموزون فهو ما دون الحبة من الذهب والفضة، وما كان كتفاحة أو تفاحتين من الطعام، يجوز بيع التفاحة بتفاحتين ولكن يشترط في صحة البيع في مثل ذلك تعيين البدلين كأن يقول: بعتك هذه التفاحة المعينة بهاتين التفاحتين كما سيأتي بيانه، فكل ما تحققت فيه هذه العلة فإنه يدخله الربا، سواء كان مطعوماً أو غير مطعوم، فيقاس على القمح والشعير المذكورين في الحديث كل ما يباع بالكيل كالذرة والأرز والدخن والسمسم والحلبة والجص إذا كان لا يباع بالكيل، ويقاس على الذهب والفضة كل ما يباع بالوزن كالرصاص والنحاس.
أما الذي لا يباع بالكيل ولا بالوزن كالمعدود والمذروع فإنه لا يدخله ربا الفضل، فيجوز أن يبيع الذراع من الثوب بذراعين بثوب من جنسه بشرط القبض الآتي بيانه، كما يجوز أن يبيع البيضة بيضتين والبطيخة باثنتين وهكذا، والضابط في ذلك أن المبيع إذا كان متحداً مع الثمن في الجنس كقمح بقمح، وشعير بشعير وكان يباع بالكيل والوزن فإنه لا يصح أن يوجد في أحد العوضين زيادة، سواء كانت الزيادة لأجل أو لا، فيحرم ربا الفضل وربا الزيادة، وذلك كالقمح والشعير والذهب ونحوهما مما يباع كيلاً أو وزناً،стр. 878
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لأنه قد تحقق فيها القدر والكيل والوزن والجنس، أما إذا وجد أحدها فقط فإنه لا يدخله ربا الفضل، وإنما يحرم فيه ربا النسيئة، فمثال ما يتحقق فيه الجنس دون القدر: البيض والبطيخ ونحوهما من كل ما يباع عداً، ومثله الثياب ونحوهما من كل ما يباع بالذراع فإنه قد وجد فيها اتحاد الجنس وانتفى القدر، أعني كونها مبيعة بالكيل أو الوزن، ومثال ما وجد فيه القدر دون اتحاد الجنس: القمح والشعير فإنهما يباعان كيلاً مع اختلاف جنسهما، فيحرم في هذا ربا النساء وهو البيع مع زيادة الأجل، ولا يحرم ربا الفضل وهو البيع مع زيادة بشرط القبض أما بيع الطعام بجنسه بدون زيادة فإنه لا يشترط فيه القبض.
الشافعية - قالوا: الأشياء المذكورة في الحديث تنقسم إلى قسمين: نقد وهو الذهب والفضة ومطعوم وهو ما قصد ليكون طعاماً للآدميين غالباً، أي ما خلقه الله بقصد أن يكون لهم طعاماً بأن يلهمهم ذلك ولو شاركهم فيه غيرهم كالفول بالنسبة للبهائم والإنسان، فكل ما وجد فيه النقدية "أي كونه ثمناً" والطعمية - بضم الطاء - "أي كونه مطعوماً" فإنه يدخل فيه الربا، ولا فرق في الثمن بين أن يكون مضروباً كالجنيه والريال، أو غير مضروب كالحلي والتبر، فلا يصح أن يشتري جنيهين بثلاثة لأجل أو مقابضة كما لا يصح أن يشتري قطعة مصنوعة من الذهب زنتها عشرة مثاقيل زنتها ثلاثة عشر كما سيأتي في الصرف.
أما عروض التجارة فإنه يصح بيعها ببعضها مع زيادة أحد المثلين على الآخر، لأنها ليست أثماناً فلم تتحقق فيها العلة المذكورة.
وأما المطعوم فإنه يشمل أموراً ثلاثاً ذكرت في الحديث. أحدها: أن يكون للقوت كالبر والشعير، فإن المقصود منهما التقويت، ويلحق بهما ما في معناهما: الأرز، والذرة، والحمص والترمس، وقد اختلف في الماء العذب فقيل: إنه يلحق بالقوت لأنه ضروري للبدن، وقد أطلق الله عليه أنه مطعوم قال تعالى: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ . وقيل: إنه مصلح للبدن فهو ملحق بالتداوي الآتي.
ثانيها: أن يكون للتفكه وقد نص الحديث على التمر فيلحق به ما في معناه كالزبيب والتين.
ثالثهاً: أن يكون لإصلاح الطعام والبدن، وقد نص الحديث على الملح فيلحق به ما في معناه من الأدوية كالسنامكي ونحوها من العقاقير المتجانسة، ومنه الحلبة اليابسة فإنها تستعمل دواء بخلاف الخضراء فإنها ليست بربوية. فخرج بقوله: ما قصد أن يكون طعاماً ما كان مطعوماً ولكن لم يخلق بقصد أن يكون كذلك. كالجلد والعظم فإنه وإن كان يؤكل ولكنه لم يخلق لذلك. وخرج أيضاً ما اختص به البهائم كالحشيشي والتبن والنوى فإنه لا ربا فيه، ومن هذا تعلم أن الشافعية قاسوا كل ما فيه طعم وما يصلح نقداً على الأشياء الستة المذكورة في الحديث، فعلة القياس هي الطعمية والنقدية، فأما ما ليس بطعم كالجبس مثلاً فإنه يصح بيعه بجنسه متفاضلاً كعوض التجارة.
المالكية - قالوا: علة تحريم الزيادة في الذهب والفضة النقدية، أما في الطعام فإن العلة تختلف في ربا النسيئة وربا الفضل. فأما العلة في تحريم النسيئة فهي مجرد المطعومية على غير وجهстр. 879
مبحث بيع الحبوب بأجناسها وبغير أجناسها
من الأصناف الستة المذكورة في الحديث المتقدم بيع البر بالبر، والشعير بالشعير، وقد قاس الأئمة على هذين النوعين غيرهما من أنواع الحبوب على حسب اختلاف وجهة نظرهم في العلة كما علمت، فلا يصح بيع القمح بالقمح إلا مثلاً بمثل يداً بيد كما هو منصوص في الحديث، وكذلك الشعير. ولكن يصح (١) بيع الشعير بالقمح متفاضلين يداً بيد، فيصح أن يبيع كيلة من القمح بكيلتين من الشعير بشرط التقابض في المجلس ويقاس على ذلك الذرة والأرز والفول الحواشي
(١) المالكية - قالوا: الشعير والقمح جنس واحد وكذلك السلت "الشعير النبوي" فالثلاثة لا تفاوت بينها لأن المعول عليه في اتحاد الجنس واستواء المنفعة أو تقاربها.
فأنواع القمح والشعير متقاربة فيها لأن الغرض منها القوت وهو حاصل، وإن كان يتفاوت من حيث الطعم والجودة، فلا يصح بيع الأشياء الثلاثة ببعضها إلا مثلاً بمثل يداً بيد. وهذا هو الراجح عندهم. وبعضهم يقول: إن القمح والشعير جنسان مختلفانстр. 880
والحمص والترمس والدخن وحب البرسيم (١) والحلبة (٢) والجلبان والبسلة وجميع أصناف الحبوب التي تباع بالكيل فإنها لا يصح بيع جنسها ببعضه إلا مثل بمثل، ويصح بيعها بالجنس الآخر مفاضلة يداً بيد.
أما بيع الدقيق بالحب أو الخبز وما يتعلق بذلك ففيه تفصيل في المذاهب
(٣) . الحواشي
(١) الشافعية والمالكية - قالوا: البرسيم ليس داخلاً في الأصناف التي يدخلها ربا الفضل، لأن العلة عند الشافعية الطعمية وهي كونها طعاماً للآدمي غالباً وحب البرسيم ليس كذلك. والعلة عند المالكية كونه صالحاً للقوت والادخار والبرسيم ليس كذلك(٢) الشافعية - قالوا: الحلبة اليابسة يدخلها ربا الفضل لا بعلة كونها مكيلة كما يقول الحنفية والحنابلة، وإنما يدخلها بعلة كونها تستعمل دواء فهي مقيسة على الملح المصلح لأنها مصلحة للبدن. أما الحلبة الخضراء فليست من الأصناف التي يدخلها الربا كما تقدم.
المالكية - قالوا: الحلبة لا يدخلها ربا الفضل، سواء كانت يابسة أو خضراء، واختلف في هل يدخلها ربا النساء أو لا؟ فقال بعضهم: إنها دواء لا يدخلها ربا النساء أيضاً، وقال بعضهم: إنها طعام يدخلها ربا النساء(٣) المالكية - قالوا: الحب والدقيق جنس واحد لأن الطحن لا يخرج الشيء عن جنسه، لأنه عبارة عن تفرقة أجزائه مع بقاء تلك الأجزاء. وكذلك العجين مع الدقيق والحب فإن العجن لا يخرجه عن جنسه، فلا يصح بيع واحد منهما بالآخر إلا مثلاُ بمثل بدون زيادة، فلو باع قمحاً بدقيق مأخوذ منه فإنه يصح إذا كانا متساويين. ويعرف تساويهما بالوزن، وقيل: يعرف بالوزن والكيل، وكذلك لا يصح أن يبيع دقيقاً أو حنطة بعجين مأخوذ منهما إلا مثلاً بمثل كما ذكر لأنها جنس واحد، أما إذا اختلف الجنس كأن باع دقيقاً من الذرة بحب من القمح فإنه يصح بيعه متفاضلاً بشرط التقابض في المجلس. ويعرف التماثل بين الدقيق والعجين بالتحري عن قدر الدقيق الموجود في العجين ويبدل بمثله، ويعرف التماثل بين العجين والقمح بالتحري عن قدر الدقيق الموجود في القمح والعجين. أما إذا اختلف الجنس كبيع دقيق من الحنطة بذرة فإنه يصح مع التفاضل إذا كان يداً بيد.
أما الخبز فإنه جنس مغاير للدقيق والعجين والحنطة لأن صنعة الخبز جعلته جنساً منفرداً، فيصح أن يبيع خبزاً بدقيق أو حنطة أو عجين متفاضلاً بشرط التقابض. على أن الخبز جميعه جنس واحد ولو كان أصله مختلفاً، فلا يصح بيع أقراص الخبز "الأرغفة" المأخوذة من القمح بأقراص الخبز المأخوذة من القمح أيضاً، أو من الشعير أو من الذرة وهكذا إلا مثلاً بمثل ويداً بيد، لأنها كلها جنس واحد. فلا يصح التفاضل فيها إلا الكعك فإنه جنس على حدة لما خالطه من السمن والسمسم والمحلب واللبن وغير ذلك، فيصح بيعه متفاضلاً يداً بيد.
ثم إن كان الخبز مأخوذاً من صنف واحد كالقمح فإن المثلية تعتبر بالتحري عن قدر الدقيقстр. 881
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الموجود في كل منهما، فإذا كان قدر الدقيق فيهما متساوياً كان مثلين، وإلا فلا، أما إن كان مأخوذاً من صنفين مختلفين من الأصناف التي توجد فيها علة الربا كالقمح والذرة، فإن المثلية تعتبر بوزنهما بدون تحر عن الدقيق. وإنما يشترط في الخبز إذا كان العقد بيعاً. أما إذا كان قرضاً فإنه لا يشترط فيه ذلك، وإنما المعول في ذلك على العد، فيصح أن يقترض خمسة أرغفة ويردها كذلك وإن كانت أقل وزناً أو أكثر اتباعاً للعرف. ولا بأس بما يفعله الجيران من قرض الخبز والخميرة ورد مثلها بدون تحر.
وسلق الحبوب "كالبليلة" لا يخرجها عن جنسها أيضاً، ولكن لا يصح بيع المسلوق بغير المسلوق مطلقاً لا متفاضلاً ولا متماثلاً، لأنه لا يصح بيع الرطب باليابس لعدم تحقق المماثلة كما لا يصح بيع المسلوق بالمسلوق لهذه العلة.
الحنفية - قالوا: لا يصح بيع الدقيق المأخوذ من جنس بجنسه، فلا يصح بيع الدقيق المأخوذ من القمح بالقمح. وكذلك المأخوذ من الذرة بالذرة وهكذا كانا متساويين أو لا، وذلك لأن التساوي في مثل ذلك غير محقق، فإن الدقيق ينكبس في المكيال أكثر من القمح، فلا تزال شبهة الزيادة باقية لأنها إنما تزول في بيع الجنس بمثله إذا كان التساوي محققاً، أما بيع الدقيق المأخوذ من جنس بغير جنسه، فإن يصح كالدقيق المأخوذ من القمح إذا بيع بالشعير فإنه يصح لاختلاف الجنس متى كان يداً بيد. وكذلك لا يصح بيع الدقيق الناعم بالمجروش "المدشوش" إذا كان متحد الجنس للعلة المذكورة لا متساوياً ولا متفاضلاً، أما بيع الدقيق بالدقيق المتحد الجنس فإنه يجوز بشرط التساوي في الكيل. أما بيع الدقيق بالدقيق وزناً فإنه لا يجوز. وكذلك يصح بيع الدقيق المنخول بالدقيق غير المنخول إذا تساويا في الكيل، كما يصح بيع المدشوش مع التساوي في الكيل.
ويجوز بيع الخبز بالحنطة وبيع الحنطة بالخبز متساوياً ومتفاضلاً، لأن الخبز صار بالصفة جنساً مختلفاً من الحنطة ولا يشترط في ذلك التقابض؛ وإنما يشترط التعيين الآتي بيانه قريباً، بل يصح أن يبيع عشرين رغيفاً من الخبز مقبوضة بكيلة من القمح يأخذها بعد شهر وإن كان الكيلة أكثر من الأرغفة، كما يصح أن يبيع إردباً من القمح بمائة أقة من الخبز يأخذها بعد أيام، وقيل: لا يصح في الحالة الثانية وهو ما إذا كان المؤجل الخبز، ولكن الفتوى على أنه يصح. وكذلك يصح بيع الدقيق بالخبز، والخبز بالدقيق على التفصيل المذكور في الحنطة.
ويصح استقراض الخبز كأن يأخذ خمسة أرغفة من جاره على أن يردها، ولكن يشترط لصحة ذلك الوزن على المفتى به. وبعضهم يقول: يجوز بالوزن والعد.
ويجوز بيع الحنطة المبلولة بالحنطة المبلولة، والمبلولة باليابسة، والرطبة بالرطبة، واليابسة باليابسة، وفي بيع الحنطة المقلية "الفشار" بالحنطة غير المقلية خلاف، والأصح أنه لا يجوز وإن تساوياً كيلاً، وأما بيع المقلية بالمقلية فإنه يجوز بشرط التساوي.
الحنابلة - قالوا: لا يصح بيع الدقيق بالحب المأخوذ منه مطلقاً فلا يصح أن يبيع براً بدقيق مأخوذ منه، لأنه يشترط التساوي في بيع الجنس الواحد ببعضه، والقمح والدقيق جنس واحد ولكنстр. 882
ويعرف اختلاف الأجناس واتحادهما بأمور مفصلة في المذاهب
(١) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: يعرف اختلاف الجنس بأمور ثلاثة:
أحدها: اختلاف الأصل، ومثاله الخل المأخوذ من التمر الرديء ويسمى "دقلاً" بفتح الدال والقاف، والخل المأخوذ من نشارة الخشب مثلاُ فإنهما حنسان مختلفان وإن كان كل منهما خلاً لأن أصلهما المأخوذين منه مختلف. وكذلك لحم البقر مع لحم الضأن فإنهما جنسان مختلفان وإن كان كل منهما لحم.
ثانيهما: اختلاف الغرض المقصود من المبيع كصوف الغنم وشعر المعز، فإن ما يقصد من شعر المعز من الاستعمال غير ما يقصد من صوف الغنم، فهما جنسان مختلفان. بخلاف لحمهما فإنه جنس واحد، لأنه يصدق عليه اسم واحد وهو الغنم. ومثل لحمهما لبنهما فإنه جنس واحد.стр. 883
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثالثها: زيادة الصنع كالخبز مع الحنطة فهما جنسان مختلفان لتبدل صفتهما بالصفة التي حدثت في عمل الخبز.
ومن هذا تعلم أن الشعير والقمح جنسان مختلفان لأن كل منهما أصل قائم بنفسه مغير للآخر، على أن الغرض من استعمالهما مختلف، لأن القمح قد يقصد لعمل الفطير والكنافة والكعك، بخلاف الشعير فإنه لا يصلح لذلك.
الحنابلة - قالوا: كل شيئين فأكثر أصلهما واحد قد اجتمعا في اسم واحد فهما جنس واحد سواء اختلف القصد من استعمالهما أو اتحد، فمثال الأول: القمح فإن له أنواعاً كالهندس، والصعيدي، والبعلي، والبحيري، والاسترالي، فهذه الأنواع يجمعها اسم قمح فهي كلها جنس متحد وكذلك الملح فإن له أنواعاً: الرشيدي، والمنزلاوي، والدمياطي. ولكن كلها يجمعها لفظ ملح فهي جنس واحد، ولا شك أن الغرض من الاستعمال في القمح والملح لا يختلف وإن كان في بعضه ميزة عن الآخر. ومثال الثاني وهو ما يختلف الغرض من استعماله: الزيت السيرج مثلا إذا أضيف إلى بعضه دهن الياسمين، وأضيف إلى بعض آخر منه دهن الورد، وأضيف إلى بعض دهن البنفسح فأصبح عطراً مختلفاً يختلف الغرض من استعماله ولكن أصله واحد فهو جنس واحد. وإنما الذي جعله ياسمين وبنفسج وورد هي الرياحين التي أضيفت إليه. فلم تخرجه عن كونه جنساً واحداً وهو الزيت.
المالكية - قالوا: يعرف اتحاد الجنس باستواء المنفعة أو تقاربها. فالملح وإن تنوع إلى رشيدي وغيره إلا أن منفعة الجميع وهي إصلاح الطعام واحدة. والقمح وإن تنوع إلى هندي ومصري لكن منفعته واحدة، أما الشعير والقمح فإن منفعتهما متقاربة وهي كونهما يقتات بهما، ويختلف الجنس باختلاف أصله المأخوذ منه إذا لم يكن الغرض منه شيء واحد مثل الخل المستخرج من أصناف مختلفة، فإن الغرض منه شيء واحد وهو الحموضة، وهي موجودة في الخل المستخرج من نشارة الخشب، ومن الخل المستخرج من التمر فيكون الخل جنساً واحداً، أما إذا كان الغرض منه مختلفاً فإنه يكون أجناساً يصح أن يباع بعضها ببعض متفاضلة يداً بيد، لأن الزيت وإن كان واحداً لكن الغرض منه مختلف وأصله أيضاً مختلف، ومثل الزيت العسل المستخرج من قصب السكر ومن البنجر وعسل النحل فهو أجناس مختلفة: أما السكر والعسل فهما جنسان مختلفان وسيأتي بيانه في مبحثه قريباً.
الشافعية - قالوا: اتحاد الجنس بين طعامين هو أن يكون لهما اسم خاص يشتركان فيه اشتراكاً حقيقياً، بمعنى أن تكون حقيقتهما واحدة كالقمح الهندي والقمح الاسترالي فإنهما مختصان باسم القمح مشتركان فيه اشتراكاً حقيقياً، وأما إذا كان الاسم عاماً كالحب بالنسبة للقمح فإنه ليس بجنس واحد، لأن الحب يشمل ايضاً الذرة والأصناف الأخرى، وكذلك ما إذا اشتركا فيه اشتراكاً لفظياً كالبطيخ إذا أطلق على النوع الأخضر منه والأصفر ويسمى "قاووناً" فإن ذلك الاشتراك لفظي فهما جنسان مختلفان لأن حقيقتهما مختلفةстр. 884
ويعرف ما يباع بالكيل وما يباع بالوزن بما كان عليه المسلمون في عهد النبي ﷺ على تفصيل في المذاهب (١) . الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: المعتبر فيما يباع بالكيل عادة أهل الحجاز: مكة، والمدينة. واليمامة، والقرى التابعة لها كالطائف، وجدة وخيبر، وينبع، فما كان يبيعه أهل الحجاز بالكيل يكون مكيلاً ولو باعه الناس بالوزن أو العد بعد ذلك، فمتى كان الشيء يكال في عهد رسول الله ﷺ ، فإن معياره الكيل ولو كان بغير الآلة التي يكال لها في ذلك العهد. ومتى كان يوزن في ذلك العهد، فإن معياره الوزن ولو غير الناس هذه العادة. أما ما لم يعرف في عهد النبي ﷺ ، أو كان مستعملاً في غير الحجاز، أو كان مستعملاً في الحجاز تارة بالكيل وتارة بالوزن، فإن كان المبيع أكبر جرماً من التمر المعتدل فإنه يعتبر فيه بالوزن كالجوز والبيض، فإن الكيل لم يعهد في الحجاز يومئذ لصنف أكبر من التمر، أما إن كان مساوياً للتمر، أو دونه كاللوز والبندق والفستق فيعتبر عادة بلد المبيع حالة البيع
ومن هذا تعلم أن المكيل لا يباع بعضه ببعض وزناً، وأن الموزون لا يباع بعضه ببعض كيلاً، ولا يضر التفاوت في الوزن إذا كان المبيع الذي يباع بالكيل مستوياً في الكيل، وكذلك لا يضر التفاوت في الكيل فيما يباع بالوزن إذا كان متساوياً فيه,
الحنابلة - قالوا: المعتبر فيما يباع بالوزن عرف مكة على عهد النبيّ ﷺ ، فما كانوا يبيعونه موزوناً كان كذلك ولو غيره الناس بعد ذلك. والمعتبر فيما يباع بالكيل عرف أهل المدينة لما رواه عبد الملك بن عمير أن النبيّ ﷺ قال: "المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة" فيحرم أن يبيع ما كان يباع بالكيل في المدينة في ذلك العهد متفاضل الجنس في الكيل، وكذلك ما كان يباع موزوناً. وما لا يعرف يعتبر فيه عرف الموضع الذي يباع فيه، وقد بين الحديث أن الذهب والفضة يباعان بالوزن، والشعير والتمر يباعان بالكيل، فقد قال ﷺ : "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة وزناً بوزن، والشعير بالشعير مدي بمدي، والتمر بالتمر مدي بمدي، فمن زاد أو ازداد فقد أربى" وبه يعلم بعض الأصناف التي تباع بالكيل أو الوزن.
فمن الأشياء التي تباع بالكيل: البر، والشعير، والدقيق، وسائر الحبوب. والجص "الجبس" والنورة، وكذلك التمر، والرطب والبسر، وباقي تمر النخل، ومثله الزبيب، والفستق، والبندق، واللوز، والعناب، والمشمش الجاف، والزيتون، والملح، وكذلك المائعات من لبن وزيت، وخل، وسمن. وسائر الأدهان، والعسل "وجعله بعضهم موزوناً". فهذه الأشياء كلها مما تباع بالكيل وإن تعارف الناس على بيعها بالوزن أو العد.
ومن الأشياء التي تباع بالوزن: الذهب، والفضة، والنحاس، والحديد، والرصاص، والزئبق، والكتان، والقطن، والحرير، والقز، والوبر، والصوف، سواء كانت مغزولة أو غير مغزولة، واللؤلؤ، والزجاج، والطين الأرمني الذي يؤكل دواء، واللحم، والشحم، والشمع والزعفران، والعصفر،стр. 885
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والروس، والخبز إلا إذا تفتت وصار ناعماً كالحب فإنه يباع مكيلاً، والجبن، والعنب، والزبد. وقال بعضهم: يباح في السمن أن يباع موزوناً.
أما الأصناف التي لا تباع بالكيل ولا بالوزن فمنها الثياب، والحيوان، والجوز، والبيض، والرمان، والقثاء، والخيار، وسائر الخضر، والبقول، والسفرجل، والتفاح، والكمثرى، والخوخ، وكل فاكهة رطبة.
الحنفية - قالوا: اختلف في معرفة المكيل والموزون، فقال بعضهم: إن المعول في ذلك على العرف. فمتى تعارف الناس على بيع شيء بالكيل كان مكيلاً، ومتى تعارفوا على بيع شيء بالوزن كان موزوناً. سواء نص الشارع على كونه مكيلاً وموزوناً أو لا، لأن الشارع إنما نص على أصناف الطعام المذكورة في الحديث مكيلة لكون الذهب والفضة موزوناً تبعاً لعرف ذلك الزمان، فلو غير الناس ذلك وباعوا الطعام موزوناً والذهب والفضة معدوداً اعتبر الشارع ذلك، وعد الطعام موزوناً والذهب معدوداً. وبعضهم يقول: إن المعول عليه في معرفة المكيل والموزون هو نص الشارع، فما نص على تحريم التفاضل فيه كيلاً كان مكيلاً دائماً وإن باعه الناس بغير الكيل كالحنطة والشعير والتمر والملح. وكل شيء نص على تحريم التفاضل فيه وزناً فهو موزون كالذهب والفضة، ومثل نص الرسول ما كان عليه المسلمون في عهده، أما ما لا نص فيه ولم يعرف حاله على عهد الرسول فإنه يعتبر فيه عرف الناس. والمشهور من المذهب الثاني. ورجح بعضهم الأول وهو أقرب في ضبط الموضوع وأسهل في تطبيق الحكم.
فيقاس على البر والشعير المذكورين في الحديث كل ما يباع بالكيل: كالذرة، والدخن، والبرسيم، والحلبة، وجميع أصناف الحبوب التي تعارف الناس بيعها بالكيل، فإذا تعارفوا بيعها بالوزن تدخل في الموزون.
ويقاس على التمر جميع أنواع الفاكهة التي تباع بالوزن كالعنب، والتفاح، والتين والزبيب، والكمثرى، والجوز، واللوز، وهكذا من كل ما يباع بالوزن.
المالكية - قالوا: المماثلة في بيع بعض الجنس الذي يدخله الربا ببعضه لا تعتبر إلا بالكيفية الواردة في الشرع: وهي أن تباع الحبوب بالكيل، وتباع النقود، واللحم، والسمن، والعسل، والزيوت بالوزن. فلا يجوز بيع قمح بقمح وزناً وإن تساويا، كما لا يجوز بيع ذهب بذهب، أو سمن بسمن، أو عسل بعسل كيلاً. ولا يشترط في آلة الكيل وآلة الوزن أن تكون مماثلة لما يكال به أو يوزن في الشرع من المد والصاع والوسق. بل يكفي ما اعتاد الناس الكيل والوزن به وإن خالف ما ورد بالشرع بزيادة أو نقص.
فإن لم يرد في الشرع ما يدل على أن هذا يباع بالكيل وذاك يباع بالوزن كما في البصل والثوم والملح والتوابل فتعتبر المماثلة فيه بحسب عادة الناس في معرفة قدره، سواء كان بالكيل أو الوزن.стр. 886
مبحث بيع الفاكهة بجنسها وما يتعلق به
قد عرفت أن التمر من الأصناف التي يدخلها الربا بنص الحديث، فلا يصح بيعه بجنسه إلا مثلاً بمثل يداً بيد. ويقاس على التمر الفاكهة على تفصيل في المذاهب
(١) . الحواشي
(١) المالكية - قالوا: إن الفواكه الرطبة جميعها مثل الخضر لا يدخلها ربا الفضل، لأنها غير صالحة للادخار كالمشمش والخوخ والتفاح والموز والبطيخ والقثاء والليمون والجزر والقلقاس والنارنج وغير ذلك من الفواكه والخضر التي لا يمكن ادخارها، فيصح بيع كل جنس منها ببعضه وبجنس آخر متماثلة ومتفاضلة بشرط التقابض. أما بيعها متفاضلة لأجل كأن يبيع خمس بطيخات الآن بعشرة يأخذها بعد شهر فإنه لا يصح لأنك قد عرفت أن العلة في تحريم ربا النساء في الطعام مجرد كونه مطعوماً، والتمر جميعه رطبه ويابسه من الأصناف التي يدخلها الربا بنص الحديث. وهو جنس واحد وإن اختلفت أنواعه. كتمر زغلول وسمان وأسيوطي وواحي ومغربي وغيرها فلا يجوز بيع بعضه متفاضلاً ولو من نوعين مختلفين، فلا يصح بيع رطل من الزغلول برطلين من السماني مثلاً وهكذا. وإنما يصح بيعه مثلاً بمثل يداً بيد. ومثل التمر الزبيب فإنه جنس واحد وإن اختلفت أنواعه كالزبيب البناتي وغيره، فلا يصح بيعها ببعضها مفاضلة، وقد اختلف في العنب الرطب قبل أن يصير زبيباً. فقال بعضهم: إنه من الأصناف التي يدخلها ربا الفضل، فلا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً مهما اختلفت أنواعه كأزميري وفيومي وأمريكي وبعضهم يقول: إنه لا يدخله ربا الفضل لكونه غير صالح للادخار أنواعه كأزميري وفيومي وأمريكي وبعضهم يقول: إنه لا يدخل ربا الفضل لكونه غير صالح للادخار وهو رطب.
وهل يجوز التمر الجديد بالتمر القديم؟ خلاف: فقيل. يصح، وقيل: لا يصح لعدم تحقيق المماثلة. أما بيع الرطب اليابس بمثله واليابس بمثله فإنه جائز وأما الفواكه الجافة: كالجوز، واللوز والمشمش الحموي والهندي والفستق والبندق وغيرها، فإنها أجناس مختلفة يدخلها ربا الفضل وربا النسيئة على التحقيق، لأنها تدخر وتقتات كما تقدم.
الحنفية - قالوا: جميع الفواكه والخضر التي تباع بالوزن أو الكيل يدخلها الربا قياساً على التمر كما سبق.
ثم إن تمر النخيل جميعه جنس واحد وإن تعددت أصنافه، فلا يصح بيع بعضه ببعض إلا مثلاً بمثل يداً بيد، لا فرق في ذلك بين جيده ورديئه. لأن الجودة والرداءة لا تعتبر في الأصناف الربوية إلا في مال اليتيم، فإنه لا يجوز للموصي أن يبيع الجيد من مال اليتيم بجنسه إذا كان رديئاً.стр. 887
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ويصح أن يبيع الرطب من التمر باليابس، كما يصح أن يبيع المبلول من الحنطة باليابس. كذلك يصح بيع الرطب واليابس من باب أولى.
ويصح بيع التمر المبلول "المنقع" باليابس، ومثله بالزبيب والتين. وكما أن تمر النخيل جميعه جنس واحد، فكذلك العنب جنس واحد وإن اختلفت أنواعه. كالأزميري والأمريكي والبلدي والفيومي فكله جنس واحد لا يصح بيع بعضه ببعض إلا مثلاً بمثل يداً بيد. وهل يصح بيع الرطب من العنب بالجاف "الزبيب؟ " فقيل: يصح بيع الزبيب بالعنب مثلاً بمثل كيلاً. وقيل: لا يصح لانتفاء المماثلة. وكذلك الحال في كل ثمرة لها حال جفاف كالتين والمشمش والجوز والكمثرى والرمان، فإنه يجوز بيع رطبها بيابسها كما يصح بيع رطبها برطبها.
وثمر كل شجرة تغاير الأخرى جنس على حدته، فالكمثرى جنس، والتفاح جنس، والبرقوق جنس، والموز جنس، والجوافة جنس وهكذا، فلا يصح بيع جنس من هذه الأجناس ببعضه إلا متماثلاً يداً بيد. ويصح أن يبيع كل جنس منه بالجنس الآخر متفاضلاً بشرط التقابض.
والمراد بالتقابض في الذهب والفضة: أن يقبض البائع الثمن من المشتري والمبيع في المجلس. أما في بيع الطعام بالطعام فإن المراد بالتقابض فيه التعيين، سواء كان بجنسه أو بغير جنسه، فإذا باع ثوباً من القماش الأبيض "البفتة" بمثله، فإن الشرط أن يعين كلاً من الثوبين وبينهما ولا يلزم قبضهما في المجلس كما سيأتي.
وما يباع من الفاكهة بالعدد كالمنجا والبرتقال فإنه لا يدخله ربا الفضل، فيجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً. ومثل ذلك البطيخ "الحرش" والشمام وهكذا.
الحنابلة - قالوا: التمر جميعه جنس واحد وإن اختلفت أنواعه، وكذلك كل ثمرة شجرة يختلف أصلها كالكمثرى والتفاح فهما جنسان مختلفان لاختلاف أصلهما. وكذلك البرقوق والخوخ ونحوها فكلها أجناس مختلفة لا يصح بيع الجنس الواحد منها ببعضه إلا يداً بيد متماثلة.
ولا يصح بيع رطب الجنس الواحد بيابسه، فلا يصح بيع العنب بالزبيب، ولا بيع التمر اليابس بالرطب، ولا بيع العجوة بالتمر. أما بيع رطب التمر بمثله متساوياً فإنه يصح وكذلك بيع العنب الرطب بمثله متساوياً فإنه يصح.
وكذلك المشمش الرطب بمثله، والتوت والتين ونحوها فإنه يصح بيعها بجنسها متساوياً ولا يصح بيع عجوة منزوعة النوى بعجوة بها نواها.
الشافعية - قالوا: جميع الفواكه والخضر يدخلها الربا، لأن العلة في التحريم الطعمية كما مر.
ثم إن الثمرة التي يعرض لها الجفاف تعتبر المماثلة فيها وقت الجفاف، أي في الوقت الذي يحصل فيه كمالها، فلا يصح أن يباع رطب برطب، لأن المماثلة بينهما إنما تتحقق وقت الجفاف وهي مجهولة في حالة كونها رطباً فلا يصح البيع.стр. 888
مبحث بيع اللحم بجنسه وما يتعلق به
اللحم من الأصناف التي يدخلها الربا بدون خلاف، ولكن في بيان أجناسه وفي بيع بعضها ببعض اختلاف المذاهب
(١) . الحواشي
(١) المالكية - قالوا: اللحم أربعة أجناس:
الأول: لحم ذوات الأربع وهو قسمان: مأكول، وغير مأكول. فالمأكول كله جنس واحد، سواء كان وحشياً كحمار الوحش وبقره وظبائه، أو كان غير وحشي كالإبل والغنم والبقر.
الثاني: لحم الطير وهو جنس واحد جميعه، سواء كان وحشياً كالرخم والعقبان والغراب، أو غير وحشي كالحمام والدجاج والأوز ومنه النعام والبط ونحو ذلك.
الثالث: لحم دواب البحر "السمك" وكله جنس واحد أيضاً على اختلاف أنواعه، حتى ما كان منه على صورة دواب البر كالثعبان وفرس البحر الترسة.
الرابع: لحم الجراد وهو ربوي على الراجح، فكل جنس من هذه الأجناس الأربعة لا يجوز بيع بعض الجنس الواحد منه ببعضه إلا مثلاً بمثل يداً بيد، فلا يصح أن يبيع رطلاً من الضأن برطلين من المعز، ولا برطل ونصف من البقر مثلاً، ولا أن يبيع لحم حوت بلحم ترسة أو شلبة، ولا لحم أوز بلحم حمام مع التفاضل وهكذا، كما لا يصح أن يبيع رطلاً رطباً برطل جاف. وأيضاً لا يصح تأجيل القبض بل يجب أن يأخذ المشتري المبيع والبائع الثمن مناجزة أما بيع لجم جنس بجنس آخر فإنه يصح مفاضلة، فيصح أن يشتري رطلاً من لحم الضأن برطلين من لحم الحوت. كما يصح أن يشتري رطلين من لحم البقر برطل من لحم طير. وإنما يشترط في صحته المناجزة قليلاً يصح تأجيل القبض كما يصح بيع الجنس الجاف بالجنس الآخر الطري. فيصح أن يبيع لحم البقر الطري بلحم السمك المجفف "البكلاه" لاختلاف الجنسين. وحاصل ذلك أن بيع لحم الجنس الواحد ببعضه لا يجوز إلا بشرطين:
الأول: المماثلة في القدر، فلا يصح الزيادة في أحد البدلين "المبيع والثمن".
الثاني: المناجزة بأن يقبض كل من البائع والمشتري ماله.
أما بيع جنس بجنس آخر غيره فإنه يشترط فيه شرط واحد وهو المناجزة، هذا وقد اختلف فيстр. 889
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الجراد، فقال بعضهم: إنه ليس بطعام فلا يدخله الربا، وقال بعضهم: إنه طعام وهو الراجح فيكون جنساً مغايراً للطير بيعه بغيره من الأجناس المذكورة. ولا يصح بيع بعضه إلا مثلاً بمثل يداً بيد.
وهل الطبخ بالخضر المختلفة كالبامية والملوخية والقرع ونحو ذلك يخرج اللحم عن جنسه أو لا؟ وكذلك ما يحدث في اللحم من الصناعة التي تخالف الأخرى يجعله جنساً مغايراً للآخر أو لا؟ خلاف.
وإذا بيع لحم فيه عظم بلحم خال من العظم فالمشهور أنه لا بد من تساويهما في الوزن بقطع النظر عن العظم. وقيل: يتحرى القدر الذي فيه من العظم ويحذف من الوزن.
هذا إذا كان العظم يؤكل "كالقرقوش"، أما إذا كان لا يؤكل فإنه يصح بيع اللحم المشتمل عليه باللحم الخالي عنه مفاضلة.
أما بيع اللحم بحيوان حي فإنه كان من جنسه وكان مأكولاً فإنه لا يصح، كبيع لحم خروف بجدي من المعز، وبيع لحم بقر بخروف وهكذا لأن اللحم قبل السلخ مجهول وبعده معلوم، ولا يجوز بيع معلوم بمجهول من جنسه، وأما بيعه بجنس آخر فإنه يجوز، ولكن إذا كان المبيع الحيوان الحي مما تطول حياته وكان له منفعة كثيرة سوى اللحم يقتنى من أجلها فإنه يصح بيعه باللحم مناجزة ونسيئة، وذلك كالإبل والبقر وإناث الضأن والمعز، لأن لها منفعة سوى اللحم وتطول حياتها، لأن الإبل تقتني لحم الأثقال والألبان، والبقر يقتني للحرث والألبان، وإناث الضأن والمعز تقتني للألبان والصوف في إناث الضأن. أما إذا كان الحيوان مما لا يطول أجله كبعض الطيور الدواجن، أو كان لا منفعة له سوى اللحم كذكور المعز "الجديان" أو كان له منفعة سوى اللحم ولكن يسيرة لا كثيرة كذكور الضأن بالخروف المخصي، فإنه لا ينتفع إلا بالصوف وهي منفعة يسيرة بالنسبة لما قبله، فإنه لا يصح بيعه باللحم إلا مقايضة يداً بيد.
أما بيع اللحم الذي يؤكل بالحيوان الذي لا يؤكل فإنه جائز كبيع بقرة بحمار أو فرس. ويكره بيع لحم ما يؤكل بالحيوان الذي يكره أكله كبيع لحم طير بهر أو ذئب.
الحنفية - قالوا: لحم البقر والجاموس جنس واحد. وكذلك لحم الضأن والمعز فإنهما جنس واحد وما عدا ذلك فإنه يختلف باختلاف أصله، فلحم الإبل جنس على حدة وإن اختلفت أنواعها كبخاتي وعربي، ولحوم الطيور المختلفة أجناس مختلفة، ولحوم الأسماك المختلفة كذلك، فلا يصح بيع بعض الجنس الواحد ببعضه إلا مثلاً بمثل يداً بيد، ومعنى كون بيعها يداً بيد أن يعين المبيع والثمن. أما التقابض في المجلس في بيع الطعام فليس بشرط كما بيناه لك فيما تقدم، وإنما يحرم بيعها نسيئة بدون تعيين لوجود القدر فيها وهو أنها تباع وزناً وإن اختلف جنسها، وقد علمت مما تقدم أن الأصناف التي يوجد فيها القدر فقط، أو اتحاد الجنس فقط فإنه يباح فيها ربا الفضل ويحرم ربا النسيئة.стр. 890
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فيصح أن يبيع لحم بقر بلحم بقر مفاضلة كأن يبيع رطلاً برطلين، كما يصح أن يبيع لحم غنم بلحم بقر مفاضلة وكما يصح أن يبيع لحماً بحيوان حي سواء كان من جنسه أو من غيره جنسه، لأنه بيع ما هو موزون بما ليس بموزون وهو جائز كيفما كان. وإنما يشترط أن يكون البيع بالتفاضل في كل هذا يداً بيد، ومعنى كونه يداً بيد أن يكون معيناً.
أما لحم الطير فإن كان المتعارف فيه أنه يباع بالوزن فإنه يدخله الربا بحيث لا يباع الجنس الواحد منه ببعضه متفاضلاً. أما إن كان يباع بدون وزن فإنه يصح أن يباع الجنس ببعضه متفاضلاً كما يصح أن يباع بغيره، فيصح بيع الدجاجة الواحدة باثنتين مذبوحة كانت أو غير مذبوحة، نيئة أو مشوية. كما يصح بيع الدجاجة بحمامتين وهكذا.
أما السمك فإن كان يباع بالوزن فإنه لا يصح بيع الجنس الواحد ببعضه مفاضلة، فلا يصح بيع حوث مثلاً بمثل. أما بيعه بغير جنسه فإنه يصح مفاضلة كبيع "القرقور" بالشلبة مثلاً فإن كان أهل جهته يبيعونه بغير الوزن فإنه يصح بيع الجنس الواحد منه مفاضلة.
الحنابلة - قالوا: لحم المعز والضأن جنس واحد، ولحم البقر والجاموس جنس واحد. وما عدا ذلك أجناس مختلفة لاختلاف أصولها وأسمائها، فلحم الإبل جنس وإن اختلفت أنواعه كإبل عراب وبخت، ولحم البقر جنس، ولحم الغنم جنس، ولحم الدجاج جنس. ولحم الأوز جنس وهكذا.
ويحرم بيع بعض الجنس الواحد ببعضه متفاضلاً. أما بغير جنسه فإنه يجوز. فيصح أن يبيع رطلاً من لحم الغنم برطلين من لحم بقر، كما يصح أن يبيع رطلاً من لحم رأس الضأن برطلين من لحم رأس الجمل بشرط أن يكون يداً بيد.
والشحم والكبد والطحال والرؤوس والأكارع والقلب والكرش ونحوها أجناس مختلفة. فلا يصح بيع الجنس الواحد منها ببعضه مفاضلة، ويصح بيعه بالجنس الآخر كذلك.
ويصح بيع اللحم بالحيوان الحي إذا كان من غير جنسه، سواء كان مأكولاً أو غير مأكول. كأن يشتري لحم عجل بخروفين، أو يشتري لحم جمل بعجل وحمار مفاضلة، ويحرم بيعه نسيئة عند جمهور الفقهاء.
الشافعية - قالوا: لحم البقر والجاموس جنس واحد، ولحم المعز والضأن جنس آخر، فلا يصح بيع بعض الجنسين المذكورين ببعضه إلا مثلاً بمثل يداً بيد كما تقدم.
أما بيع بعض الجنسين بصاحبه مفاضلة فإنه يصح، وإنما تعتبر المماثلة في اللحم بحالة جفافه، فإذا جف بأن صار قديداً فإنه يصح بيع بعضه ببعض بالتفصيل المذكور، أما إذا كان رطباً فإنه يصح كما تقدم في الفاكهة.
ولا يصح بيع لحم بحيوان حي، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه، مأكولاً أو غير مأكول فلا يصح بيع لحم خروف بخروف حي، كما لا يصح بيعه بسمك أو حمار، ومثل اللحم الألية والشحمстр. 891
مبحث بيع المائعات بأجناسها وبيعها بما تخرج منه
المائعات من لبن وخل وماء وزيت وعصير وغير ذلك هي من الأصناف الربوية "التي يدخلها الربا" كما يدخل أصولها المستخرجة منها، وفي جواز بيع بعض الجنس الواحد منها ببعضه، أو بجنس آخر مغاير له وما يتعلق بذلك تفصيل في المذاهب
(١) . الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: تختلف أجناس المائعات باختلاف أصولها المستخرجة منها، فكل مائع يستخرج من جنس يغاير الآخر يكون جنساً على حدة:
الزيت المستخرج من السمسم مثلاً جنس على حدة، والزيت المستخرج من حب الخس جنس، والزيت المستخرج من الزيتون جنس وهكذا، فيصح بيع الجنس الواحد ببعضه مثلاً بمثل يداً بيد، وبالجنس الآخر المغاير له متفاضلاً يداً بيد كما تقدم إلا زيت السمك وزيت القرطم وزيت بذر الكتان فإنها ليست من الأصناف التي يدخلها الربا، فيصح بيعها ببعضها وبغيرها مطلقاً، ومثلها شجر الخروع وحبه، أما زيته فإنه يدخله الربا، وكذلك العود والمسك والورد وبذر الكتان وكسب القرطم - بضم الكاف - "والكسبة" فإنها لا يدخلها الربا، فيجوز بيع بعضها ببعض مطلقاً.
أما كسب الزيت المستخرج من السمسم أو الخس ونحوهما فإنه جنس مغاير لها، فيصح بيع بعضه ببعض، بخلاف الطحينة فإنها كالدقيق؛ فلا يصح بيع بعضها ببعض لانتفاء المماثلة بين أجزائها وكذا لا يصح بيعها بالدراهم لجهالة المبيع بما اختلط به وإذا أضيف إلى نوع واحد من الزيت أنواع أخرى اختلفت من أجله كان أجناساً متعددة، فإذا أضيف إلى دهن السمسم بنفسج، أو ورد، أو ياسمين. فإنه يصح أن يبيع كل واحد منها بالآخر مفاضلة.
ومثل الزيت الخل، فإنه يختلف باختلاف ما استخرج منه، فالخل المستخرج من العنب جنس والمستخرج من الزيت جنس آخر والمستخرج من التمر جنس، والمستخرج من الزبيب جنس، فإن لمстр. 892
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يختلط بالخل ماء فإنه يصح بيع بعض الجنس الواحد منه ببعضه مثلاً بمثل يداً بيد، كما يصح أنيباع جنس آخر من نوعه مفاضلة بالشروط المتقدمة، وإن اختلط به ماء فإنه لا يصح بيع بعضه ببعض، ولكن يصح بيعه بجنس آخر، لأنه إذا أضيف إليه ماء لا تعرف المماثلة، سواء كان الماء عذباً أو غير عذب على المعتمد، وكذلك العصير المستخرج من أصناف مختلفة، فإنه يختلف باختلافها كعصير العنب والرطب والرمان وقصب السكر وغيرها فإنها أجناس مختلفة لها الحكم المتقدم. ولا يصح بيع عصير العنب بالعنب، كما لا يصح بيع خل العنب بالعنب لأن القاعدة أنه لا يصح بيع شيء بما اتخذ منه، أو بما فيه شيء منه، أما خل العنب بعصير العنب فإن بيعهما ببعضهما يصح لأنهما جنسان مختلفان، ولا يصح بيع عصير الرطب بالرطب، إنما يصح بيع خله بعصيره. وقد يقال: إن العصير أصل للخل فكيف يصح بيعه به مع أن الشيء لا يباع بأصله؟ ويجاب بأن الخل غير مشتمل على العصير فضلاً عن التفاوت الكبير بينهما في الاسم والصفة. وأما بيع الزبيب بخل العنب، أو عصير العنب فقيل: يصح، وقيل: لا يصح.
وأما اللبن فإنه يتنوع إلى أنواع: حليب، ومخيض "خض"، ورائب، وحامض. وهذه يصح بيع بعض كل واحد منها ببعضه كيلاً بشرطين.
الأول: أن لا يخالطها ماء لما تقدم من أن وجود الماء يمنع المماثلة، على أنه إذا خالط اللبن ماء فإن بيعه لا يصح مطلقاً حتى بالنقود لما فيه من الإبهام والجهل بالمبيع.
الثاني: أن لا يغلي على النار، فإذا غلا اللبن الحليب على النار، فإنه لا يصح بيع بعضه ببعضه، لأن الذي قد تذهبه النار من هذا أكثر من الذي تذهبه من الآخر بخلاف ما إذا سخن بالنار فقط فإن التسخين لا يضر.
أما باقي الأنواع التي تتخذ من اللبن كالجبن والأقط "اللبن الثخين الذي يوضع فيه ملح" ويصنع منه الكشك، والزبد فإنه لا يصح بيع بعض الجنس الواحد منها ببعضه، فلا يصح بيع بعض الجبن ببعضه، ولا بعض الأقط بعضه، ولا بيع الزبد ببعضه، لأن الأقط به الملح فلا نعرف المماثلة، والجبن تخالطه الأنفحة والملح أيضاً. والزبد لا يخلو عن قليل مخيض فلا يصح بيعه ببعضه، بل ولا بالنقد لما فيه من المخيض المانع من العلم بالمبيع. أما بيع كل منها بالجنس الآخر فإنه يجوز إلا إذا كان متخذاً منه، فلا يجوز بيع الجبن باللبن، وكذلك الزبد والقط لأنها مأخوذة من اللبن وإنما يصح بيع كل واحد منها بالجنس الآخر ما لم يكن المخالط كثيراً يمنع معرفة المقصود، وإلا فلا يصح.
ويصح بيع بعض السمن ببعضه وزناً إن كان جامداً، وكيلاً إن كان مائعاً على المعتمد، ولا يجوز بيع السمن بالزبد، ولا بيعه باللبن لأنه متخذ منه، وأما الماء العذب فإنه ربوي داخل في المطعوم، فقال تعالى: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ فلا يصح بيع بعضه ببعض إلا مثلاً يداً بيد: والعسل المستخرج من السكر جنس غير السكر والعسل المستخرج من النحل جنس آخر فيجوز بيع بعضه ببعض.стр. 893
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحنابلة - قالوا: المائعات المستخرجة من أجناس مختلفة، أجناس مختلفة مثل أصولها، فزيت السمسم جنس، وزيت الزيتون جنس، وخل التمر جنس، وخل العنب جنس، وعسل النحل جنس، وعسل السكر جنس، فيصح بيع الجنس الواحد ببعضه مثلاً بمثل يداً بيد ويصح بيعه بالأجناس الأخرى متفاضلاً إلا أنه لا يصح بيع خل العنب بخل الزيت لا متفاضلاً ولا متماثلاً، لأن خل الزبيب لا بد أن يخالطه ماء.
ويصح بيع الدبس ببعضه وهو ما يسيل من الرطب كالعسل، فإنه يصح بيع بعضه ببعض يداً بيد إن كان من جنس واحد، ومتفاضلاً إن كان من جنسين إلا أنه لا يصح بيع العسل الذي فيه شمع ببعضه، كما لا يصح بيعه بالعسل الخالي من الشمع.
ويصح بيع السمن ببعضه كذلك. ولا يصح بيع الزبد بالسمن كما لا يصح بيعهما باللبن لأنه أصل لهما. ولا يصح بيع الشيء بأصله، ومثلهما الجبن والمخيض فإنه لا يصح بيعهما باللبن، أما بيع كل جنس بالآخر فإنه يصح إذا لم يكن مستخرجاً منه، فيصح بيع الزبد بالمخيض "اللبن الخض" يداً بيد لاختلاف الجنس، وليس المخيض أصلاً للزبد.
ويصح بيع عصير الجنس الواحد ببعضه، فيص بيع عصير العنب بعصير العنب ولو مطبوخين أما إذا كان أحدهما مطبوخاً والآخر غير مطبوخ فإنه لا يصح.
ولا يضر ما اختلط به جنس من الأجناس إذا كان يسيراً كالملح في الخبز، فإنه لا يمنع بيع بعضه ببعض، والماء في خل التمر وخل الزبيب فإنه يسير لا يضر، فيصح بيع كل جنس ببعضه لأن الماء الذي يضاف إليه غير مقصود بخلاف اللبن المشوب بالماء فإنه لا يصح بيعه بمثله.
الحنفية - قالوا: تختلف المائعات باختلاف أصولها المستخرجة منها. فالزيت المستخرج من السمسم جنس، والمستخرج من الخس جنس، والمستخرج من الزيتون جنس، وهكذا. فيصح بيع بعض كل جنس ببعضه مماثلة وبالآخر مفاضلة بشرط التعين كما تقدم. وهل يصح بيع كل جنس بأصله الذي استخرج منه كبيع زيت السمسم بالسمسم؟. وبيع عصير العنب بالعنب؟ وبيع اللبن بالسمن؟ أو لا يصح. والجواب أن القدر الموجود الخالص إذا كان أكثر من القدر الموجود في الأصل فإن البيع يصح. أما إذا كان أقل أو مساوياً أو لا يعلم حاله فإن البيع لا يصح فإذا باع مثلاً عشرة أرطال من زيت السمسم بكيلتين منه؛ فإن كانت العشرة أرطال أكثر من الزيت الموجود في الكيلتين فإنه يصح وإلا فلا. هذا إذا كان الثقل "التفل" له قيمة بعد عصره واستخراج زيته كثفل السمسم فإنه ينتفع به. أما إذا لم يكن له قيمة كبيع الزبدة بالسمن فإن البيع لا يصح، لأن الزبدة بعد غليها وجعلها سمناً لاتبقى لها فضلة نافعة لها قيمة إلا إذا علم أن السمن الخالص من غير الثفل "المرجة" يساوي الذي باعه به.
ومثل ذلك ما إذا باع عشرة أرطال من اللبن برطلين من السمن فإنه يصح إذا كانت العشرة أرطالстр. 894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) من اللبن تشتمل على أقل من رطلين من السمن. أما إذا كانت تشتمل على رطلين فأكثر فإنه لا يصح البيع، وبديهي أن "ثفل" اللبن هو الزبدة وله قيمة.
والعلة في ذلك ظاهرة وهو أن الأصل فيه زيادة ينتفع بها وهي الثفل، فينبغي أن يعمل حساب هذه الزيادة في مقابلها، فإذا بيع السمسم بمقدار الزيت الذي فيه فقد ضاع ثفله، أما إذا كان الثفل لا ينتفع به أصلاً كثفل عصير العنب فإنه يصح بيعه بعصير العنب بدون أن يكون العصير زائداً على ما في العنب متى علم أن القدر الموجود في العنب يساوي العصير الذي اشتراه به. وإذا أضيف إلى نوع واحد من الزيت فإنه يختلف، كما إذا أضيف إلى زيت السمسم دهن البنفسج، أو الياسمين، أو الورد، أصبح كل واحد منهما جنساً على حدة كما تقدم في مبحث ما يعرف به اتحاد الجنس.
ومثل الزيت الخل، فإنه أجناس مختلفة الأصول المستخرج منها، فخل العنب جنس وخل الدقل بفتح الدال "التمر الرديء" جنس، وخل الخمر جنس، فيصح بيعها ببعضها مفاضلة كما يصح أن يباع بعض كل جنس منها ببعضه مماثلة، أما بيع الخل بالعصير فإنه لا يصح مفاضلة، وذلك لأن العصير يتخلل بعد مدة فكأنه باع الخل بمثله مفاضلة.
لا يصح بيع رطل زيت فيه رائحة عطرية برطل زيت خال منها، لأنه في هذه الحالة يكون قد باع رطلاً من الزيت بمثله مع زيادة الرائحة.
ويجوز بيع اللبن الحلية بمثله كما يجوز بيعه بالجبن مفاضلة لأنهما جنسان مختلفان، أما بيع الحليب بالمخيض "الخض" فإنه إذا كان المخيض أكثر يصح، وإلا فلا، فيصح أن يبيع رطلين من اللبن الخض برطل من الحليب، أما إذا كان العكس فإنه يجوز، لأن الحليب مشتمل على زبدة فينبغي أن تراعى هذه الزيادة.
وإذا كان الماء في البئر أو في النهر فإنه لا يصح بيعه، فما جرت به عادة بعض الناس من بيع ماء البئر بالخبز ونحوه فإنه لا يصح إلا إذا أجر الدلو أو الرشا "الحبل الذي يملأ به، فإنه يصح في هذه الحالة، وإذا أخذ الماء ووضعه في جرة أو نحوها كان أحق به فأصبح مالكاً له فصح له أن يبيعه وسيأتي ما يتعلق بذلك موضحاً في المساقاة.
المالكية - قالوا: يختلف الجنس باختلاف أصله، فالزيت يكون أجناساً مختلفة باختلاف أصوله المستخرج منها، فزيت القرطم والسمسم والسلجم والزيتون وزيت بذر الفجل والخس وبذر الكتان وغير ذلك كلها أجناس ربوية مختلفة لاختلاف الأجناس المستخرجة منها كما تقدم في مبحث ما يعرف به اتحاد الجنس، وكذلك العسل فإنه يختلف باختلاف أصله.
فيصح بيع بعض الجنس الواحد ببعضه مماثلة يداً بيد، كما يصح بيع الجنس بجنس آخر مفاضلة يداً بيد.стр. 895
مبحث الصرف
هو بيع الذهب بالذهب، والفضلة بالفضة، أو بيع أحداهما بالآخر. وقد علمت أن الصرف من أقسام البيع العام، فما كان ركناً للبيع فهو ركن للصرف، إلا أنه يشترط للصرف شروط زائدة على شروط البيع الخاص:
أحدها: أن يكون البدلان متساويين. سواء كانا مضروبين كالجنيه والريال ونحوهما من العملة المصرية المأخوذة من الذهب والفضة وغيرها، أو كانا مصوغين كالأسورة والخلخال والقرط، والحلق، والقلادة، والكردان، ونحو ذلك، فلا يصح أن يبيع جنيهاً بجنيه مع زيادة قرش فأكثر، كما لا يصح أن يبيع أسورة زنتها عشرون مثقالاً بأسورة زنتها خمسة وعشرون وإن اختلف نقشهما وصياغتهما.
الحواشي
(١) وأما الخل المتخذ من أصناف مختلفة فإنه كله جنس واحد كما تقدم فلا يصح بيع بعضه ببعض متفاضلاً.
ومثل الخل الأنبذة، والمراد بها ماء الزيت والعرقسوس، والتمر، والمشمش، والقراصية ونبيذ التين، وهكذا باقي أنواع "الشرابات" المختلفة المأخوذة من الأصناف التي يدخلها الربا فإنها كلها جنس واحد، فلا يصح بيع بعضها ببعض مفاضلة، وليس منها ماء الخروب لأن الخروب لا يدخله الربا.
والخل من التمر جنسان مختلفان فيصح بيعهما ببعضهما مفاضلة، أما النبيذ فهو مع الخل جنس واحد على المعتمد، فلا يصح بيعهما ببعضهما مفاضلة ويصح مماثلة، وكذلك النبيذ مع التمر جنس واحد ولكن لا يصح بيعهما ببعضهما لا مفاضلة ولا مماثلة.
أما اللبن وما يتولد منه فإنه سبعة أنواع؟ وهي الحليب، والزبدة، والسمن، والمخيض "الخض" الأقط، وهو لبن يحفف حتى يستحجر فيحفظ ليطبخ به عند الحاجة كالخضر المجففة، والجبن، والمضروب "الرائب". فهذه الأنواع يجوز بيع بعض كل واحد منها بمثله، فيجوز أن يبيع رطلاً من الحليب برطلين من الحليب. ورطلاً من الزبد برطلين من الزبد وهكذا. ولا يصح بيع الحليب بالزبد ولا بالسمن ولا بالجبن ولا بالأقط، كما لا يصح بيع الزبد بالسمن أو الجبن أو الأقط، ولا بيع السمن بالجبن ولا بالأقط.
وأما بيع المخيض أو المضروب بالأقط فقيل: لا يصح مطلقاً، لأنه من قبيل بيع الجاف باللبن وهو لا يجوز. وقيل: يصح، والظاهر الأول. وكذلك اختلف في بيع الجبن بالأقط فقيل: بالجواز: وقيل بالمنعстр. 896
ثانيها: الحلول، فلا يصح أن يبيع ذهباً بذهب، أو فضة بفضة مع تأجيل قبض البدلين أو أحدهما ولو لحظة.
ثالثها: التقابض في المجلس: بأن يقبض البائع ما جعل ثمناً، ويقبض المشتري ما جعل مبيعاً، فإن افترقا بأبدانهما قبل القبض فقد بطل العقد. وأما بيع أحد الجنسين بالجنس الآخر أعني بيع الذهب بالفضة بوالعكس فإنه لا يشترط فيه التساوي، فيجوز أن يشترط الجنيه الذي قيمته مائة قرش فأكثر من الفضة. وإنما يشترط له شرطان:
ثانيهما التقابض في المجلس. ومثل (١) الذهب والفضة في ذلك باقي الأصناف الربوية التي تقدم بيانها. الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: إن باقي الأصناف التي يدخلها الربا كالطعام ليست كالذهب والفضة في شرط التقابض في المجلس، لأن الذهب والفضة لا يتعينان بالتعيين؛ فلا يملك ما بيع من الذهب بعينه ولا الفضة بعينها إلا بالقبض، فإذا باع له هذا الجنيه بخصوصه بخمسين قطعة من ذات القرشين فإن للبائع أن يبدله بعد هذا بجنيه آخر غيره. ومثل ذلك قطعة الذهب التي تباع بمثلها فإنها لا تملك بالتعيين وإنما تملك بالقبض. فلهذا شرط في بيع الذهب والفضة التقابض في المجلس، سواء كان مضروبين أو مصوغين. أما باقي الأصناف فإنها تتعين بالتعيين، فإذا اشترى هذا الإردب من القمح بهذين الإردبين من الشعير فقد تعينا بذلك، فلا يصح للبائع أو المشتري أن يبدله بغيره. فلا يشترط التقابض في المجلس بالنسبة لها. وإنما يشترط فيها ثلاثة أمور:
الأول: أن يكون المبيع والثمن موجودين في ملك البائع والمشتري.
الثاني: أن يتعين المبيع والثمن، فلو باعه إردباً من الحنطة بإردب من الحنطة بدون أن يعين الإردبين لم يصح.
الثالث: أن ما يجعل مبيعا لا يصح أن يكون ديناً وإنما يصح ذلك في الثمن. فإذا باعه إردباً من هذه الحنطة المعينة بإردب من حنطة جيدة ولكنها غائبة فإنه يصح البيع، وإنما يشترط في هذه الحالة أن يحضر المشتري الثمن وهو الإردب من الحنطة الجيدة ويقبضه البائع في المجلس، لما علمت من أنه يشترط تعيين المبيع والثمن. والدين لا يتعين إلا بالقبض فلا بد من قبضه في المجلس. فإذا قبضه البائع ولم يقبضه المشتري المبيع فإنه لا يضر. أما إذا جعل المبيع ديناً كأن قال: اشتريت منك إردباً من الحنطة الجيدة بهذين الإردبين من الشعير فإنه لا يصح مطلقاً ولو أحضر له الحنطة المبيعة في المجلس، لأنه جعل الدين مبيعاً وهو غير موجود فكأنه اشترى ما ليس عنده، فلا يصح البيع أصلاًстр. 897
أما القروش وغيرها المأخوذة من معادن أخرى غير الذهب والفضة "كالنيكل والبرونز والنحاس" وتسمى فلوساً، فإن لها أحكاماً في المذاهب (١) .
البيوع المنهي عنها نهياً لا يستلزم بطلانها
البيوع المنهي عنها نهياً لا يستلزم بطلانها كثيرة:
منها: بيع النجش - بفتح النون وسكون الجيم: وهو الزيادة في البيع بأن يزيد الشخص في السلعة على قيمتها من غير أن يكون له حاجة إليها، ولكنه يريد أن يوقع غيره في شرائها.
وهو حرام نهى عنه رسول الله ﷺ ، فقد روى في الموطأ عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ : "نهى عن بيع النجش" فإن كان البائع متوطئاً مع الناجش كما يفعل بعض التجار فإن الإثم يكون عليهما معاً، وإلا فإن الإثم يكون على الناجش وحده. أما إذا لم ترد السلعة على قيمتها فإنه لا يكون حراماً. الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: الفلوس لا يدخلها الربا، سواء كانت رائجة يتعامل بها أو لا على المعتمد. فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلاً إلى أجل، فإذا باع عشرين قرشاً صاغاً من العملة المصرية بخمسين قرشاً من القروش التعريفة يدفعها بعد شهر، فإنه يصح مع وجود زيادة خمسة قروش.
الحنابلة - قالوا: إذا اشترى فلوساً يتعامل بها مأخوذة من غير الذهب والفضة فإنه يجوز شراؤها بالنقد متفاضلة إلى أجل، فيصح أن يشتري ثلاثين قرشاً صاغاً من العملة المصرية "القروش" بريالين يدفعهما بعد شهر، ولكن نقل بعضهم أن الصحيح في المذهب أن التأجيل لا يجوز، وأن شراء الفلوس بالنقدين يصح متفاضلاً ولكن بشرط التقابض في المجلس.
الحنفية - قالوا: الفلوس المأخوذة من غير الذهب والفضة إذا جعلت ثمناً لا تتعين بالتعيين، فهي مثل النقود المأخوذة من الذهب والفضة إلا أنه يصح بيع بعضها ببعض مفاضلة، ولا يشترط فيها التقابض من الجانبينن فإذا اشترى قرشاً "من الصاغ" بقرش من "التعريفة" أكثر منها لأجل فإنه يصح إذا قبض القروش الصاغ وأما إذا افترقا قبل أن يقبض أحدهما فإنه لا يصح.
المالكية - قالوا: الفلوس هي ما اتخذت من النحاس ونحوه وهي كعروض التجارة. فيجوز شراؤها بالذهب والفضة كما يجوز أن يشتري بها حلياً فيه ذهب وفضة، أما شراؤه بالذهب فقط، أو بالفضة فإنه لا يجوز نقداً، سواء كانت الفضة أقل من الذهب أو العكسстр. 898
وفي حكمه تفصيل المذاهب (١) ...
ولا يجوز أن يضاف (٢) في الصرف جنس إلى آخر غير النقد: كأن يبيع جنيهاً وشاة بجنيه، أو شاتين، أو جنيهين وتسمى هذه المسألة مد عجوة ودرهم، بمد عجوة ودرهم، أو درهمين. لأهم يمثلون لها بهذا المثال. وذلك لأن الثمن يقسط على المبيع فيكون الثمن نصف شاة ونصف جنيه يقابل المبيع نصف شاة ونصف جنيه. وهذا فيه احتمال كون نصف الشاة من الثمن أكثر أو أقل من نصف الشاة المبيعة، واحتماع كون الشاة بتمامها قيمتها أكبر من الجنيه.
والاحتياط في ترك الأمور التي يحتمل فيها الربا. أما إذا أضيف جنس إلى جنس من النقد فإنه (٣) يصح إذا باع جنيهاً مصرياً قديماً وريالاً بجنيه مصري جديد وريال متساويين في القيمة والوزن، لأن إضافة الجنسين من الذهب والفضة إلى بعضهما في الصرف جائز. الحواشي
(١) المالكية - قالوا: إذ علم البائع بالناجش ورضي عن فعله فسكت حتى تم البيع كان البيع صحيحاً، ولكن للمشتري الخيار في أن يمسك المبيع أو يرده فإن ضاع المبيع وهو عنده قبل أن يرده للبائع، فإنه يلزمه أن يدفع الأقل من الثمن أو القيمة، وتعتبر القيمة يوم العقد لا يوم القبض، أما إذا لم يكن البائع عالماً فإنه لا خيار للمشتري على أي حال.
الشافعية - قالوا: إذا كان البائع غير متواطئ مع الناجش فلا خيار للمشتري باتفاق. أما إذا كان متواطئاً ففيه خلاف: والأصح أنه لا خيار للمشتري أيضاً لأنه قصر في بحث السلعة بنفسه، واعتمد على من أوقعه وغره فلا حق له.
الحنفية - قالوا: بيع النجش مكروه تحريماً إذا زادت السلعة عن قيمتها.
الحنابلة - قالوا: للمشتري في بيع النجش الخيار، سواء تواطأ الناجش مع البائع؛ أو لم يتواطأ بشرط أن اشترى السلعة بغبن زائد على العادة، فيخير بين رد المبيع وإمساكه، وقال بعضهم: إذا أمسكه يرجع على البائع بفرق الثمن الذي زاد عليه فيأخذه منه. ومثل بيع النجش ما إذا قال البائع للمشتري: قد أعطيت في هذه السلعة كذا فصدقة ثم اتضح أن البائع كاذب، فإن للمشتري الخيار في الرد والإمساك. على أنه يشترط في الحالتين: أن يكون المشتري جاهلاً. أما إن كان عارفاً فلا خيار له، لأنه يكون قد فرط(٢) الحنفية - قالوا: يجوز أن يضاف في الصرف جنس إلى جنس آخر، سواء كان نقداً أو غيره، فإذا باع بإردب قمح وإردب شعير بإردب ونصف قمح وإردب شعير فإنه يصح، وينصرف كل جنس إلى جنسه. وكذلك يصح بيع شاة وجنيه شاة وجنيه أو بشاتين أو جنيهين(٣) المالكية - قالوا: لا يصح أيضاً أن يضاف جنس الذهب إلى جنس الفضة في الصرف، فلا يصح أن يبيع جنيهاً وريالاً بجنيه وريالстр. 899
ومنها بيع الحاضر للبادي: وهو أن يتولى شخص من سكان الحضر السلعة التي يأتي بها البدوي من البادية بقصد بيعها دفعة واحدة، فيبيعها "السمسار" على مثله تدريجياً فيضيق على الناس ويرفع ثمن السلعة.
وفي حكمه تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) المالكية - قالوا: لا يجوز أن يتولى أحد من سكان الحضر بيع السلع التي يأتي بها سكان البادية بشرطين:
أحدهما: أن يكون البيع لحاضر، فإذا باع لبدوي مثله فإنه يجوز.
ثانيهما: أن يكون ثمن السلعة غير معروف بالحاضرة، فإن كان معروفاً فإنه يصح. وذلك لأن علة النهي هي تركهم يبيعون للناس برخص فينتفع الناس منهم، فإذا كانوا عارفين بالأسعار فإنه لا فرق حينئذ بين أن يبيعوا بأنفسهم وبين أن يبيع لهم السماسرة، وقيل: لا يجوز مطلقاً أما شراء ساكن الحاضرة لأهل البادية فإنه يجوز.
وهل سكان القرى الصغيرة مثل سكان البوادي؟ قولان: أظهرهما أنه يجوز أن يتولى ساكن الحاضرة بيع السلع التي يأتي بها سكان القرى، فإذا تولى أحد من سكان المدن بيع السلع التي يأتي بها سكان البادية مع وجود الشرطين المذكورين فإن البيع يفسخ ويرد المبيع لبائعه ما لم يكن قد استهلك فإنه ينفذ بالثمن. ويكون كل من البائع والمشتري والسمسار قد ارتكب معصية يؤدب عليها ويعزر فاعلها بالجهل بالتحريم.
الحنابلة - قالوا: بيع الحاضر للبادي حرام ولا يصح أيضاً. وإنما يحرم ولا يصح بخمسة شروط:
أحدها: أن يكون البادي قد حضر بالسلعة ليبيعها، أما إن كان قد حضر بها ليخزنها أو ليأكلها فحضه أحد الحاضرين على بيعها ثم تولى له بيعها فإنه يجوز، لأن في ذلك توسعة لأهل المدينة والمراد بالبادي كل من يحضر إلى المدينة من غير أهلها، سواء كان بدوياً أو لا. ثانيهما: أن يقصد البدوي بيع سلعته بسعر يومها، أما إذا قصد أن يتربص بها ولا يبيعها رخيصة فإن المنع يكون من جهة البائع لا من جهة الحاضر الذي تولى بيعها سمسرة. ثالثها: أن يكون البدوي جاهلاً بالسعر، فإذا كان عالماً به فإنه يصح للحاضر أن يتولى له بيع سلعته لأنه لم يزده علماً. رابعاً: أن يكون المشتري من أهل الحاضرة، أما إن كان بدوياً مثله فإنه يصح للحاضر أن يتولى البيع له لأنه لا أثر للتوسعة في بيع بدوي لمثله خامسها: أن يكون الناس في حاجة إلى سلعته. أما شراء أهل الحاضرة للبادي فجائز.
الشافعية - قالوا: بيع الحاضر للبادي المذكور حرام. وهل هو كبيرة أو صغيرة؟ خلاف: وإثمه على من يعلم أنه حرام، سواء كان الحاضر أو البادي. وبعضهم يقول: إن إثمه على الحاضر أما البادي فلا إثم عليه لأنه وافقه على ما فيه مصلحة له فيعزر في ذلك. والحاضر: ساكن الحاضرة وهيстр. 900
ومنها تلقي الركبان القادمين بالسلع على تفصيل في المذاهب (١) . الحواشي
(١) المالكية - قالوا: ينهى عن تلقي السلع التي ترد إلى بلد من البلدان لتباع فيها، فلا يحل لشخص أن يقف خارج البلدة ويتلقى البائعين الذين يحضرون بسلعهم فيشتريها منهم، لأن في ذلك إضرار بأهل البلدة وتضييقاً عليهم، فإذا ابتعد عن البلدة مسافة ستة أميال فإنه يصح له حينئذ أن يشتري من تلك السلع ما يشاء، سواء كان لتجارة أو لقوت، وسواء كانت البلدة الواردة إليها السلع لها سوق أو لا على المعتمد. أما من كان على مسافة أقل من ستة أميال، فإن كان للبلد سوق فإنه لا يجوز له أن يشتري للتجارة. أما للقوت فإنه يجوز. وإن لم يكن لها سوق فإنه يجوز أن يشتري للتجارة وللقوت. فإذا وصلت السلع إلى البلد فإن كان لها سوق فلا يجوز الأخذ منها مطلقاً إلا إذا وصلت السوق، وإن لم يكن لها سوق جاز الأخذ منها مطلقاً للتجارة وللقوت.стр. 901
ومنها السوم على سوم الغير: وهو أن يتفق المتبايعان على بيع سلعة بثمن ويتراضيا عليه مبدئياً، فيأتي رجل آخر فيساوم المالك بسعر أكثر من السعر الذي رضي به كأن يقول: لا تبعه وأنا أشتريه منك بأكثر من السعر الذي رضيت به. ومثله ما إذا رضي المشتري بالبيع مبدئياً فجاء
الحواشي
(١) وإذا كان صاحب السلعة في البلد والسلعة في بلد آخر، وكان يريد أن يأتي بها ليبيعها في البلدة الموجودة فيها فإنه لا يجوز شراؤها منه بالوصف قبل وصولها أيضاً، وشراء السلعة الممنوع تلقيها صحيح ويضمن المشتري بمجرد العقد. ولكن هل يختص بها المشتري بعد شرائها أو يلزم بعرضها على أهل السوق ليشاركه فيها من يشاء؟ قولان مشهوران:
ويستثنى من هذه السلع: الثمار والخبز، وجمال السقائين.
الحنفية - قالوا: يكره تحريماً تلقي الركبان الذين يأتون بالسلع ليبيعوها في بلد من البلدان لأن المشتري إما أن يتلقى السلع مع حاجة أهل البلد إليها ثم يبيعها لهم بالزيادة فيضر بهم، وإما أن يغرر بالواردين فيشتري منهم بسعر أرخص من سعر السلعة وهم لا يعلمون، فالكراهة تتحقق في الصورتين.
الشافعية - قالوا: إذا تلقى الركبان الذين يحملون متاعاً لبيعه في بلد من البلدان، فاشتراه قبل وصولهم ومعرفتهم بالسعر فإنه يأثم. ويكون لصاحب المتاع الخيار بعد أن يلعم بالثمن بشرطين:
الشرط الأول: أن يشتريه منهم بغير سعر البلد، فإن اشتراه بسعر البلد فلا خيار لهم.
الشرط الثاني: أن لا يكون البائع عالماً بالثمن، فإن كان عالماً بالثمن فإنه لا يكون له الخيار ولو اشتراه منه بأقل من سعر البلد. ومن ثبت له الخيار فهو على الفور، فإذا لم يختر إمضاء البيع أو فسخه بعد علمه بالثمن مباشرة سقط حقه في الخيار. وإذا ادعى أنه يجهل الخيار، أو يجهل كونه فورا فإنه يصدق.
وإذا خرج لغرض آخر لا لتلقي الركبان، كأن خرج متريضاً، أو خرج ليصطاد فاشترى سلعة من القادمين للبيع في البلد، فالأصح أنه يأثم إذا كان عالماً بالحكم، لأن العلة متحققة وهي عين القادمين والتعزير بهم.
وإذا تلقى الركبان القادمين لشراء السلع من البلد فاشترى لهم "كسمسار" فقيل: يجوز وقيل: لا يجوز، والمعتمد عدم الجواز.
الحنابلة - قالوا: في تلقي الركبان وشراء السلع من القادمين بها لبيعها في البلد قولان: قول بالكراهة، وقول بالحرمة، والقول الثاني أولى. والمراد بالركبان: القادمون بالسلع مطلقاً ولو مشاة، ومن اشترى منهم شيئاً أو باعهم شيئاً ثم غبنهم فيه غبناً يخرج عن العادة، فإن لهم الخيار في إمضاء العقد وفسخه عندما يعلمون بحقيقة الثمن.стр. 902
آخر وقال له: رده وأنا أعطيك أحسن منه. أو أعطيك بثمن أقل. أما المزايدة ابتداء قبل أن يرضى البائع والمشتري ويركنان إلى البيع فإنها جائزة. وقد نهى رسول الله ﷺ عن السوم بقوله: "لا يسوم الرجل على أخيه" رواه الشيخان، وهو يتضمن النهي عن الفعل وفيحكمه تفصيل المذاهب (١)
مبحث المرابحة والتولية
المرابحة في اللغة مصدر من الربح وهو الزيادة. أما في اصطلاح الفقهاء فهي: بيع السلعة بثمنها التي قامت به مع ربح بشرائط خاصة مفصلة في المذاهب
(٢) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: السوم على سوم الغير يكره تحريماً إذا اتفق المشتري مع البائع على تعيين الثمن مبدئياً وركن البائع إلى البيع بذلك، أما إذا لم يركن البائع إلى الثمن فإنه يصح الزيادة عليه، بل هو محمود لما فيه من منفعة البائع ورواج السلعة، ومثل البيع خطبة النكاح. فإنه يكره أن يخطب الرجل خطيبة غيره بعد الاتفاق على المهر وإلا فلا يكره. وكذلك الإجارة.
المالكية - قالوا: السوم على سوم الغير إن كان قبل الركون إلى الثمن والاتفاق عليه مبدئياً فإنه يكون خلاف الأولى. أما بعد الركون إلى الثمن فإنه حرامً.
الشافعية - قالوا: السوم على سوم الغير يحرم بعد استقرار الثمن والتراضي به صريحاً، أما إذا سكت البائع أو قال: حتى أستشير فإنه لا يكون رضا بالثمن صريحاً، فلا يحرم السوم في هذه الحالة على الصحيح، وإنما يحرم إذا كان عالماً به، فإذا لم يكن عالماً له فإنه لا يحرم.
الحنابلة - قالوا: يحرم سوم الرجل على سوم أخيه بعد رضا البائع بالثمن صريحاً، ولا تحرم المساومة والمزايدة في حالة المنادة على المبيع بالبيع، كما يفعله كثير من الناس فإنه جائز بلا نزاع(٢) المالكية - قالوا: المرابحة بيع السلعة بالثمن الذي اشتراها به مع زيادة ربح معلوم للبائع والمشتري وهو خلاف الأولى، لأنه يحتاج إلى بيان كثير قد يتعذر على العامة فيقع البيع فاسداً، لأن البائع ملزم بأن يبين المبيع وكل ما أنفقه عليه زيادة على ثمنه. وربما يفضي إلى نزاع. ومثله بيع الاستئمان: وهو أن يشتري السلعة على أمانة البائع بأن يقول له: بعني هذه السلعة كما تبيع للناس لأني لا أعرف ثمنها.
وكذلك بيع المزايدة: وهو أن يتزايد اثنان فأكثر في شراء سلعة قبل أن يستقر ثمنها ويتفق عليه البائع مع أحدهما، وإلا كان ذلك حراماً لأنه سوم على سوم الغير في هذه الحالة كما تقدم.
ثم إن بيع المرابحة على وجهين: الوجه الأول: أن يساومه على أن يعطيه ربحاً عن كل مائةстр. 903
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) عشرة مثلاً أو أكثر أو أقل، ويشتمل هذا الوجه على صورتين: الصورة الأولى: أن يكون للبائع قد اشترى السلعة بثمن معين ولم ينفق عليها شيئاً زيادة عن الثمن. وهذه أمرها ظاهر فإن على المشتري أن يدفع الثمن مضافاً إليه الربح بالحساب الذي يتفقان عليه، والصورة الثانية: أن يكون البائع قد أنفق على السلعة زيادة على ثمنها الذي اشتراها به، وتشمل هذه ثلاثة أمور:
الأولى: أن يكون ما أنفق عليها عيناً ثابتة قائمة بالسلعة، كما إذا اشترى ثوباً أبيض فصبغه، أو اشترى صوفاً منفوشاً ففتله، أو اشترى ثوباً فخاطه أو طرزه، فإن الصبغ والفتل والتطريز والخياطة صفات قائمة بالثوب، وحكم هذا: أنه يكون كالثمن فيضاف إلى الثمن ويحب له الربح بنسبته، وإنما يشترط أن يبينه البائع كما يبين الثمن فيقول: قد اشتريت الثوب بكذا، وصبغته بكذا، أو خطته بكذا، أو طرزته بكذا، فإذا كان قد تولى ذلك بنفسه كأن كان خياطاً فخاط ثوبه، أو صباغاً فصبغه فإنه لا يحتسب له شيء من أجرة وربح. الثاني: أن يكون ما أنفق عليه غير قائم بالبيع ولا يختص به، كأجرة خزنه في داره وحمله، وحكم هذا: أنه لا يحسب من أصل الثمن ولا يحسب له ربح، أما إذا كان اكترى له داراً بخصوصه ليخزنه فيها ولولاه ما احتاج إلى هذه الدار، فإن أجرتها تحسب من الثمن ولا يحسب لها ربح. ومثل ذلك أجرة السمسار إذا كانت العادة تحتم الشراء به. الثالث: أن يكون غير قائم بالمبيع ولكنه يختص به. وهذا إن كان مما يعمله التاجر بنفسه عادة كطي الثوب وشده ولكنه قد استأجر عليه غيره فإنه لا يحسب ما أنفقه لا في الثمن ولا في الربح.
أما إن كان مما لا يتولاه التاجر بنفسه كالنفقة على الحيوان، فإنه يحسب من أصل الثمن ولا يحسب له ربح، ويشترط أن يبينه أيضاً، فإذا اشترط البائع على المشتري أن يعطيه ربحاً على كل ما أنفقه سواء كان له عين قائمة بالمبيع كالصبغ وما ذكر معه، أو ليست له عين ثابتة غير مختصة كأجرة الحمل. أو مختصة ولكن العادة جرت بأن يفعلها البائع بنفسه أو العكس. فإنه يعمل بشرطه إذا سماها جميعها.
ومن هذا يتضح لك أن تسمية الثمن وتسمية ما أنفقه على السلعة سواء كان قائماً بها أو لا شرط على أي حال، فإذا قال له: أبيعك هذه السلعة على أن أربح في المائة عشرة مثلاً، ثم ذكر له الثمن مضافاً إليه ما أنفقه على السلعة ولم يسم له ما يصح إضافته إلى الثمن بربح، وما يصح إضافته بدون ربح، وما لا يصح إضافته إلى الثمن أصلاً. فإن العقد يقع فاسداً لجهل المشتري بالثمن في هذه الحالة.
الوجه الثاني: من وجهي البيع بالمرابحة: أن يبيع السلعة بربح معين على جملة الثمن كأن يقول له: أبيعك هذه السلعة بثمنها مع ربح عشرة أو خمسة ويشترط في هذه الحالة أيضاً: أن يسمى الثمن وما يتبعه مما أنفقه على السلعة، سواء كان قائماً بها كالصبغ ونحوه، أو لا كأجرة خزنها وحملها وهكذا مما لا يضاف إلى الثمن مع ربح، أو يضاف بدون ربح، أو لا يضاف أصلاً وفي هذه الحالة يصح البيع ولكنه يطرح عن المشتري ما أنفقه البائع على السلعة مما لا يضاف إلى الثمن كأجرة الحمل ونحوها إلا أن يشترط حسبانه فإنه يصح. ولا فرق في الثمن بين أن يكون ذهباً أو فضة ونحوهما أو يكونстр. 904
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قيمياً، فإذا اشترى ثوباً بشاة فإنه يصح أن يبيعه بشاة مماثلة للشاة التي اشتراه بها في صفاتها ويزيده ربحاً معلوماً، ولكن يشترط أن تكون الشاة التي يريد شراءه بها مملوكة له عنده أو ليست عنده ولكنها مضمونة. بحيث يمكن الحصول عليها، أما إذا لم تكن كذلك فإنه لا يصح.
الحنابلة - قالوا: إذا كان الربح معلوماً والثمن كذلك صح بيع المرابحة المذكور بدون كراهة فإذا قال: بعتك هذه الدار بما اشتريتها به وهو مائة جنيه مثلاً مع ربح عشرة فإنه يصح؛ أما إذا قال له: بعتك هذه الدار على أن الربح في كل عشرة من ثمنها جنيهاً ولم يبين الثمن فإنه يصح مع الكراهة؛ وعلى البائع أن يبيع الثمن على حدة وما أنفقه على المبيع على حدة، فإذا اشتراه بعشرة وأنفق عليه عشرة، وجب عليه أن يبينه على هذا الوجه فيقول: اشتريت بعشرة، وصبغته، أو كلته، أو وزنته، أو علفته بكذا، وهكذا.
الشافعية - قالوا: يصح بيع المرابحة سواء قال له: بعتك هذه السلعة بثمنها الذي اشتريتها به وهو مائة مثلاً وربح عشرة. أو قال له: بعتك هذه السلعة بربح كل جنيه عن كل عشرة من ثمنها ثم إن كان المشتري يعلم الثمن ويعلم ما أنفقه البائع على السلعة زيادة على الثمن فإنه يدخل في قوله: بعتك بثمنها وربح كذا وإن لم يبينها، إلا أجرة عمل البائع بنفسه، أو عمل متطوع له بعمل مجاناً فإنه لا يدخل إلا إذا بينه. أما إذا كان المشتري لا يعلم شيئاً من النفقات فإنه لا يدخل شيء منها في العقد إلا إذا بينه البائع، وكذلك الثمن إذا كان عرضاً ولم يعلم به المشتري فإنه يلزم أن يبينه البائع كأن يقوله له: بعتك هذه الثوب بثمنه الذي اشتريته به وهو عرض كذا، وقيمته كذا. أما إذا كان المشتري يعلم به فلا يلزم بيانه. على أنه إن بينه يقع العقد صحيحاً، وإنما البيان لدفع الكذب المحرم. أما إذا كان الثمن نقداً أو مثلياً كالمكيلات ونحوها فإنه لا يلزم بيانه.
الحنفية - قالوا: يصح البيع بالمرابحة أي بالثمن الأول مع ربح بشرطين: الأول: أن يكون المبيع عرضاً فلا يصح بيع النقدين مرابحة، فإذا اشترى جنهين من الذهب بمائتين وعشرين قرشاً فضة، فإنه لا يصح أن يبيعهما بثمنهما المذكور مع ربح خمسة مثلاً، وذلك لأن الجنيهات لا تتعين بالتعيين كما تقدم غير مرة، إذ يصح أن يقول: بعتك هذا الجنيه بكذا ثم يعطيك جنيهاً غيره لأنه لا يملك بالشراء.
وللبائع أن يضم إلى أصل الثمن كل ما أنفقه على السلعة مما جرت به عادة التجار، سواء كان عيناً قائمة بذات المبيع كصبغ الثوب وخياطته وتطريزه وفتل الصوف والقطن "غزلهما" وحفر الأنهار والمساقي. أو كان خارجاً عن المبيع غير قائم به كأجرة حمله وإطعام الحيوان بلا تبذير وأجرة السمسار. وهل يلزم أن يشترط البائع ضم ما أنفقه من ذلك إلى أصل الثمن ويبينه أو لا؟ خلاف: والراجح أن المرجع في ذلك للعرف كما أشرنا إلى ذلك أولاً، فما جرت عادة التجار بضمه إلى الثمن يضم وإلا فلا. الشرط الثاني: أن يكون الثمن مثلياً كالجنيه والريال ونحوهما من العملة، وكذلك المكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة. أما المعدودات المتفاوتة فإنها ليست مثلية، فإذا اشترىстр. 905
أما التولية فهي في اللغة مصدر ولى غيره: جعله والياً. وشرعاً بيع السلعة بثمنها الأول بدون زيادة عليه، وحكمها كحكم المرابحة على التفصيل الممتقدم فيها، ومثلهما الوضعية ويقال لها المحاطة وهي بيع السلعة مع نقصان ثمنها الذي اشتريت به.
فإذا باع شيئاً مرابحة أو وضعية ثم ظهر كذبه في بيان الثمن وما يتعلق به ببرهان أو إقرار أو غيرهما ففيه تفصيل المذاهب
(١) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: إذا ظهر كذبه ببرهان، أو إقرار، أو نكول عن اليمين، فإن للمشتري الحق في أخذ المبيع بكل ثمنه الذي اشتراه به أو رده، وله أن يقتطع من الثمن الذي دفعه ما زيد عليه كذباً في البيع بالتولية فقط. أما المرابحة فليس له فيها إلاخيار رد البيع أو إمساكه بكل الثمن. وبعضهم يقول: إن له أن يقتطع ما زال عليه فيها أيضاً، فإذا باع ثوباً بعشرة مع ربح خمسة واتضح أن ثمنه ثمانية لا عشرة، فللمشتري أن ينقص اثنين من أصل الثمن وما يقابلهما من الربح وهو قرش. وإذا هلك المبيع أو استهلكه المشتري، أو حدث فيه عيب وهو عنده قبل رده، سقط خياره ولزمه بكل الثمن.
المالكية - قالوا: البائع في المرابحة إن لم يكن صادقاً فهو: إما أن يكون غاشاً، أو كاذباً، أو مدلساً.
فأما الغاش: فهو الذي يوهم أن في السلعة صفة موجودة يرغب في وجودها، وإن كان عدمها لا ينقص السلعة، أو العكس بأن يوهم أن السلعة خالية من صفة موجودة فيها لا يرغب في وجودها، وذلك كأن يوهم أن السلعة جديدة واردة من معملها حديثاً وهي قديمة لها زمن طويل عنده، أو يوهم أن هذا الثوب وارد من معمل كذا وهو ليس كذلك. بشرط أن لا يكون ذلك منقصاً لقيمة السلعة، وإن كان عيباً له الحكم المتقدم في خيار العيب. أما حكم الغش المذكور في المرابحة: فهو أن المشتري بالخيار بين أن يمسك المبيع وبين أن يرده. أما الكاذب: فهو الذي يخبر بخلاف الواقع فيزيد في الثمنстр. 906
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) كأن يقول: إنه اشترى السلعة بثلاثين مع أنه اشتراها بعشرين، وفي هذه الحالة يكون للمشتري الحق في أن يسقط ما زاده البائع عليه من الثمن وما يقابله من الربح، ولا يلزمه المبيع إلا بذلك، فإن لم يقبل البائع ذلك يكون المشتري مخيراً بين إمساك المبيع ورده.
إذا عرض على السلعة أمر يفوت ردها كنماء، أو نقص، أو نزل عليها السوق. ففي حالة الغش يلزم المشتري بأقل الأمرين من الثمن والقيمة يوم قبضها ولا يقدر للسلعة ربح، وفي حالة الكذب: فإن المشتري يخير بين أن يأخذ السلعة بالثمن الحقيقي مع ربحه، وبين أن يأخذها بقيمتها يوم قبضها إلا إذا زادت قيمتها عن ثمنها المكذوب وربحه، فإنه لا يلزم بدفع الزيادة عند ذلك. لأن البائع رضي بالثمن المكذوب، فارتفاع قيمة السلعة لا يكسبه حقاً خصوصياً وأنه زاد في الثمن كذباً. وأما المدلس: فهو الذي يعلم أن بالسلعة عيباً ويكتمه، وحكم المدلس في المرابحة كحكمه في غيرها. وقد تقدم في مباحث الخيار أن المشتري يكون بالخيار بين الرد ولا شيء عليه، وبين إمساك المبيع ولا شيء له الخ غلا أن بيع المرابحة إذا حصل فيه كذب أو غش أو تدليس فإنه يكون شبيهاً بالعيب الفاسد. فإذا هلك المبيع قبل أن يقبضه المشتري لا يكون ملزماً به بخلاف غيرها من بيع المزايدة أو المساومة فإنه إذا كان فيها كذب أو غش ونحوهما وهلكت قبل قبضها فإن ضمانها يكون على المشتري بمجرد العقد.
الحنابلة - قالوا: إذا باع شيئاً تولية أو مرابحة ثم ظهر أنه كاذب في الثمن، فإن للمشتري الحق في إسقاط ما زاده البائع كذباً في التولية والمرابحة من أصل الثمن، وإسقاط ما يقابله من الربح في المرابحة وينقص الزائد من المواضعة أيضاً. ويلزم البيع الباقي، فلا خيار للمشتري في ذلك.
وإذا قال البائع: إنني غلطت في ذكر الثمن لأنه أزيد مما ذكرت، فالقول قوله مع يمينه بأن يطلب المشتري تحليفه فيحلف أنه لم يعلم وقت البيع أن ثمنها أكثر مما أخبر به، وبعد حلف البائع يخير المشتري بين رد المبيع وبين دفع الزيادة التي ادعاها، فإن نكل عن اليمين فليس له إلا ما وقع عليه العقد. ورجح بعضهم أنه لا يقبض قول البائع بالزيادة غلا ببينة ما لم يكن معروفاً بالصدق على الأظهر.
الشافعية - قالوا: إذا ظهر كذب البائع في المرابحة بأن أخبر أنه اشتراه بمائة فظهر بالبرهان أو بالإقرار أنه اشتراه بأقل، فإن للمشتري الحق في إسقاط الزائد من أصل الثمن وما يقابله من الربح. وإذا زعم البائع أنه ذكر أقل من الثمن الذي اشترى به غلطاً فإنه لا يكون له حق في الزيادة التي ادعاها المشتري، فإذا بين للبائع وجهاً للغلط يحتمل وقوعه كأن قال: رجعت إلى الدفتر فوجدت ثمنه أكثر مما ذكرت أو نحو ذلك سمعت ببينته إن كانت له بينة، فإذا صدقته البينة يكون له "البائع: الخيار ولا تثبت له الزيادة. أما إذا لم يبن وجهاً محتملاً لغلطه فإن بينته لا تسمع مطلقاً، وقيل: لا تسمع بينته على أي حال، سواء بين وجهاً محتملاً أو لم يبين لتناقضه في قوله، والمعتمد الأول. وللبائع أن يحلف المشتري بأنه لا يعرف أن الثمن زائداً عما ذكره البائع له أو لا، فإن أقر المشتري فإن الحكم يكون كماстр. 907
مبحث البيع بالغبن الفاحش
البيع والشراء مشروع ليربح الناس من بعضهم، فأصل المغابنة لا بد منها، لأن كلاً من البائع والمشتري يرغب في ربح كثير. والشارع لم ينه عن الربح في البيع والشراء ولم يحدد له قدراً، وإنما نهى عن الغش والتدليس، ومدح السلعة بما ليس فيها، وكتم ما بها من عيب ونحو ذلك. فمن فعل بسلعة شيئاً من ذلك، كان لمن أخذها الحق في ردها كما تقدم مفصلاً في مباحث الخيار، وقد شرع الخيار ليكون للبائع والمشتري فرصة في التأمل حتى لا يغبن أحدهما ولا يندم كما تقدم. فمن الممكن أن يحتاط البائع والمشتري حتى لا يغبن واحد منهما غبناً فاحشاً. ولكن إذا وقع ذلك بدون تدليس ولا غش فما هو حكمه وما هو الحد الذي يغتفر منه وما لا يغتفر؟ في ذلك تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) المالكية - قالوا: المشهور في المذاهب أنه لا يرد المبيع بالغبن في الربح ولو كان كثيراً فوق العادة إلا في أمور:
أحدها: أن يكون البائع والمشتري بالغبن الفاحش وكيلاً أو وصياً، فإذا كان كذلك فإن بيعها وشراءها يرد. فللوكل أو المحجور عليه أنيرد المبيع، فإذا وكل شخص آخر بأن يشتري له سلعة فاشتراها له بغبن فاحش أو محاباة لبائعها، كان للموكل الحق فيرد تلك السلعة إذا كانت قائمة لم تتغير فإن تغيرت فإن له الحق في الرجوع على البائع بالزيادة التي وقع فيها الغبن، فإن تعذر الرجوع على البائع كان له الحق في الرجوع بذلك على المشتري وهو الوكيل.
وكذلك إذا وكله في أن يبيع له سلعة فباعها بنقص فاحش فإن له أن يستردها إذا لم يطرأ عليها ما يمنع الرد، فإذا لم يمكن ردها رجع بالنقص على المشتري، فإن تعذر رجع به على البائع. ومثل الوكيل الوصي. فإن للمحجور عليه أن يفعل في بيعه وشرائه ذلك.
واختلف في حد الغبن الفاحش فقال بعضهم: إذا بيعت السلعة بزيادة الثلث عن قيمتها، أو بنقص الثلث كان غبناً، ولكن المعتمد أن الغبن زيادة السلعة عن قيمتها زيادة بينه أو نقصها نقصاً بيناً فمتى كانت الزيادة أو النقص ظاهرين كان ذلك غبناً فاحشاً.
ثانيها: أن يستسلم المشتري للبائع كأن يقول له: بعني هذه السلعة كما تبيعها للناس، أو يستسلم البائع للمشتري بأن يقول له: اشتر مني كما تشتري من الناس فإنه في هذه الحالة إذا غبن البائع أو المشتري غبناً فاحشاً كان لهما الحق في رد المبيع.стр. 908
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثالثها: أن يستأمن البائع المشتري أو العكس كأن يقول له: ما تساوي هذه السلعة من الثمن لأشتري به أو أبيعها به؟ فإذا أخبره بنقص أو زيادة كان له الحق في رد السلعة.
وقد أفتى بعض أئمة المالكية بأن المبيع إذا زاد على الثلث أو نقص عنه، فسخ البيع بشرط أن يكون البائع قد باع وهو عالم بالغبن، أو يكون المشتري قد اشترى وهو عالم بذلك واستمر قائماً لم يتغير قبل مجاوزة العام، وقد جرى العمل على ذلك في بعض الجهات الإسلامية.
الحنابلة - قالوا: يرد المبيع بالغبن الفاحش بالزيادة أو النقص في ثلاثة صور:
الصورة الأولى: تلقي الركبان.
الصورة الثانية: بيع النجش. وقد تقدم الكلام عليهما قريباً.
الصورة الثالثة: أن يكون البائع أو المشتري لا معرفة لهما بالأسعار ولا يحسنان المماكسة. ويقبل قوله بيمينه أنه جاهل بقيمة الثمن ما لم تقم قرينة تكذبه في دعوى الجهل. ويرى بعضهم أنه لا يسمع قوله إلا ببينة تشهد بأنه جاهل بقيمة الثمن، أما من يحسن المماكسة وله خبرة بالأسعار، فإنه لا حق له في رد المبيع ولو غبن غبناً فاحشاً. وحد الغبن الفاحش: أن يزيد المبيع أو ينقص عما جرت به العادة.
الحنفية - قالوا: الغبن الفاحش هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين، كما إذا اشترى سلعة بعشرة فقومها بعض أهل الخبرة بخمسة، وبعضهم بستة، وبعضهم بسبعة، ولم يقل أحد إنها بعشرة فالثمن الذي اشتريت به لم يدخل تحت تقويم أحد. أما إذا دخل تحت التقويم كأن قال بعضهم: بثمانية، وبعضهم بسبعة وبعضهم بعشرة فإنه لا يكون غبناً، لأن السعر الذي اشتريت به قال به بعضهم فدخل تحت التقويم، وحكم الغبن الفاحش: أن المبيع لا يرد به إلا في حالة الغرر، فإن قال البائع للمشتري: إن هذه "القطنية" مثلاً بلدية فاشتراها بأربعة جنيهات، ثم تبين أنها شامية تساوية جنيهين، فللمشتري الحق في ردها.
وكذا إذا قال المشتري للبائع: إن هذا الخروف يساوي في السوق جنيهاً فصدقه وباعه له، ثم تبين أنه يساوي جنيهين، فإن للبائع الحق في فسخ البيع. وإذا تصرف في بعض المبيع قبل علمه، فإن كان مثلياً فإنه يصح أن يأتي بالمثل الذي تصرف فيه ويرد المبيع كاملاً ويأخذ ما دفعه من الثمن كاملاً. أما إذا كان قيمياً وتصرف فيه أو في بعضه، أو حدث فيه ما يمنع الرد فإنه يسقط خياره حينئذ.
الشافعية - قالوا: الغبن الفاحش لا يوجب رد المبيع متى كان خالياً من التلبيس، سواء كان كثيراً أو قليلاً، على أن من السنة أن لا يشتد البائع أو المشتري حتى يغبن أحدهما صاحبه. وقد عرفت أن من يتلقى الركبان فيشتري منهم بغبن فإن شراءه لا ينفذ، ولهم الحق في الرجوعстр. 909
مبحث ما يدخل في المبيع تبعاً وإن لم يذكر وما لا يدخل
إذا اشترى داراً فإنه يدخل فيها بناؤها وأبوابها ونحو ذلك مما هو متصل بها وإن لم يشترط ذلك، وكذلك إذا اشترى أرضاً زراعية مغروسة بها أشجار فإن الأشجار تدخل فيها. وفي ذلك تفصيل المذاهب
(١) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: ينبني هذا المبحث على ثلاث قواعد: القاعدة الأولى: أن كل ما يشمله اسم المبيع عرفاً يدخل فيه بدون ذكر فإذا اشترى داراً فإنه يدخل فيها كل ما يصدق عليه اسم الدار عرفاً مما يأتي بيانه قريباً.
القاعدة الثانية: أن يكون متصلاً بالمبيع اتصال قرار، فلا يكون موضوعاً بقصد الإزالة والقطع كالشجر المغروس في الأرض بقصد الاستمرار لينتفع بثمره كالنخل، والرمان، والمنجو، والجوافى وغير ذلك من الأشجار الثابتة، فإنها تدخل في المبيع وإن لم ينص على دخولها في العقد، سواء كانت مثمرة أو غير مثمرة، بخلاف الأشجار الجافة فإنها غير مستمر إذ لا ينتفع بها إلا بالقطع، ومثلها الأشجار الخضرة التي لا تثمر إذا كان يقصد قلعها في زمن معين ولو بعد سنة أو سنتين كالأشجار التي تربى لتكون أخشاباً فإنها لا تدخل في المبيع إلا بالشرط، ومثلها أنواع الزرع الذي لا يترك قائماً كالقمح والذرة والشعير والأرز ونحوها فإنها تغرس لا لتبقى. إذ لا ينتفع بها إلا بعد حصادها فلا تدخل في المبيع إلا بالشرط.
القاعدة الثالثة: ما لا يكون من هذين القسمين فلم يجربه عرف، ولم يتصل بالمبيع اتصالاً ثابتاً وهو قسمان:
القسم الأول: أن يكون من مرافق المبيع وحقوقه، وحكمه، أنه يدخل في المبيع بذكر كلمة المرافق والحقوق كأن يقول: اشتريت هذه الأرض بمرافقها وحقوقها، فإذا لم يذكر المرافق أو الحقوق فإنها لا تدخل. والمرافق والحقوق شيء واحد: وهي ما لا بد منه للمبيع ولا يتعلق به غرض إلا من أجله، كالطريق والشرب بالنسبة للأرض، والمراد بالطريق التي لا تدخل إلا بذكر الحقوق أو المرافق: الطريق الخاص الموجود في ملك البائع. أما الطريق المتصلة "بالشارع" العام، أو الطريق المتصلة بزقاق غير نافذ فإنهما يدخلان بدون ذكر.
القسم الثاني: أن لا يكون من مرافق المبيع وحقوقه كالثمر بالنسبة للشجر، فإن الثمر ليس من المرافق، فإذا قال: اشتريت هذه الشجرة فلا يدخل ثمرها إلا بالنص عليه، أو بأن يقول: اشتريتها بجميع ما عليها.
فإذا عرفت ذلك فإنه يمكنك أن تطبق عليه كل ما ذكروه من الأمثلة، فمن ذلك: ما إذا اشترى داراً فإنه يشمل بناءها وعلوها وأبوابها وشبابيكها ودورة مياهها وسلمها ولو كان غير متصل بها "كسلمстр. 910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الخشب" لأن العرف جاء على أنه يدخل، وكذلك أنابيب الماء "المواسير" وأنابيب النور، أما مصابيح النور "اللامبات" فإن العرف على أنها غير داخلة، وكذلك المفاتيح وغير ذلك مما جرت العادة بأن يكون تابعاً للدور، أما السقيفة فإنها لا تدخل إلا بذكر المرافق أو الحقوق.
وإذا حفر الأرض الخارجة فوجد في بطنها لبناً "طوباً" أو أحجاراً أو رخاماً أو غير ذلك فإن كان مبنياً فإنه يكون في حكم المتصل فيدخل في المبيع ويكون للمشتري، وإن لم يكن مبنياً فإنه يكون للبائع. فإذا قال: إنه ليس له كان حكمه كحكم اللقطة. ومثل ذلك ما إذا اشترى سمكة فوجد في بطنها جوهرة، فإن كانت في صدف فهي للمشتري، وإن لم تكن في الصدف فإن المشتري يردها للبائع وتكون عند البائع لقطة يعرفها حولاً "يعلن عنها" ثم يتصدق بها، أما إذا اشترى دجاجة فوجد في بطنها حبة ذهب فإنها تكون للبائع، وإذا اشترى صدفاً ليأكل ما في داخله "أم الخلول" فوجد في أحدها لؤلؤة فهي للمشتري. ومن ذلك ما إذا اشترى حماماً فإنه يدخل فيه الأحواض المثبتة في الحيطان، وأنابيب المياه، والقدور النحاسية المثبتة في الحيطان، وكل ما كان مثبتاً أو ملصقاً بالأرض ببناء ونحوه فإنه يدخل بدون ذكر.
ومنه ما إذا اشترى شجراً فإنه لا يدخل فيه الثمر إلا بالشرط، وهو من الشروط التي لا تفسد العقد كما تقدم، ومثله الزرع الذي لا يبقى مستمراً على الأرض كما تقدم قريباً ويؤمر البائع بقطعهما وتسليم المبيع من أرض وشجر للبائع عندما يستلم ثمنها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الثمر قد ظهر صلاحه، أو لا، ولا يجوز للبائع عندما يستلم ثمنها. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الثمر قد ظهر صلاحه أو لا، ولا يجوز للبائع أن يستأجر الشجرة من المشتري كي يبقى عليها الثمر حتى يستوي إنما يجوز أن يعيره الشجر إعارة، فإذا أبى المشتري أن يعيره الشجر فإنه يخير البائع إن شار قطع الثمر وأمضى البيع، وإن شاء فسخ البيع، وهذا كله في البيع، أما في الرهن فإنه يدخل الشجر، والثمر، والزرع في رهن الأرض تبعاً للمرهون وإن لم ينص عليه، وفي الوقف يدخل البناء والشجر لا الزرع ولا يدخل الزرع في إقالة الأرض، وكل ما دخل تبعاً للمبيع وغيره فإنه لا يقابله شيء من الثمن.
المالكية - قالوا: عقد البيع على شيء يتناول ما يتعلق به بالشرط أو بجريان العرف، فإذا اشترى شجراً أو بناء ولم يذكر الأرض التي بها الشجر أو البناء، فإن العقد يشمل الأرض أيضاً إلا إذا اشترط البائع عدم دخولها، أو كان العرف جارياً على أنها لا تدخل، ومثل البيع الرهن والهبة والوقف والوصية والصدقة فإنها كالبيع في ذلك، فإذا رهن بناء فإن الأرض تدخل تبعاً له على الوجه المتقدم، وكذلك إذا وهبه هبة أو أوصى به.
وإذا اشترى أرضاً زراعية وقد بذر البائع بها حباً من قمح أو برسيم أو ذرة ونحو ذلك فإن كان ذلك الحب لم ينبت فإنه ينبع الأرض في البيع إلا إذا اشترط البائع عدم دخوله، أما إذا نبت فإن العقد لا يتناوله إلا بالشرط أو العرف.стр. 911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وكذلك لا يتناول العقد خلفة الزرع أي ما ينبت مرة أخرى بعد قطعة كالبرسيم ونحوه، فليس للمشتري إلا الظاهر من الزرع ما لم يشترطه.
وإذا اشترى أرضاً فوجد فيها شيئاً مدفوناً كحجارة، أو رخام، أو لبن "طوب" أو عمد أو نحو ذلك فإنه لا يكون للمشتري. ثم إن ادعاه البائع وكانت حالته تدل على أن البائع يصح أن يملكه بميراث أو غيره فإنه يكون له. أما إذا كان قديماً تدلحالته على أن البائع لا يصح أن يملكه فإنه يكون لقطة يعرفها المشتري حولاً ثم يضعها في بيت المال، ومثل ذلك ما إذا جهل صاحب المدفون فإنه يكون في حكم اللقطة، وإذا وجد المشتري في الأرض جباً أو بئراً كان بالخيار في نقض البيع أو الرجوع بقيمة ما نقص من الأرض بسببهما. وإذا اشترى سمكة فوجد في بطنها لؤلؤة فإن عرف أنها قد ملكت لغيره بأن كانت مثقوبة أو مغشاة بحلية صناعية ونحو ذلك مما يدل على أنها سقطت من شخص فالتقطتها السمكة، فإنها تكون لقطة يعرفها المشتري سنة ثم يودعها في بيت المال "المالية"، وإن لم يكن بها ما يدل على أن الغير قد ملكها واعتقد المشتري أو ظن أو شك أنها غير مملوكة لأحد فإنها تكون له على ما اختاره بعضهم، وصوب بعضهم أنها تكون للبائع، وفصل بعضهم فقال: إن بيعت السمكة وزناً فهي للمشتري، وإن بيعت جزافاً فهي للبائع.
وإذا اشترى داراً فإن العقد يتناول الشيء الثابت فيها بالفعل حين العقد، فلا يتناول غيره وإن كان من شأنه الثبوت، فدخلت الأبواب المركبة والشبابيك والسلالم المثبتة، سواء كانت حجراً أو خشباً، أما السلالم الخشب التي لم تسمر فقيل: يتناولها إن كان لا بد منها في الوصول إلى غرف الدار، وقيل: لا يتناولها إلا بالشرط، وكذلك يتناول السقف والمجاري وغير ذلك من الأشياء المثبتة في حيطانه أو أرضه ببناء أو تسمير، أما المنقولات التي لم تثبت فإنه لا يتناولها. فلو كان بالدار أبواب وشبابيك مهيأة للتركيب ولكنها لم تركب فإن العقد لا يتناولها إلا بالنص عليها، ومثلها الأحجار والبلاط والأسمنت "والمونة" وغير ذلك مما هو لازم لعمارة الدور فإنه لا يدخل في المبيع بدون ذكر ما دام غير مثبت.
وإذا اشترى نخلاً مثمراً فإن كان قد أبر جميعه أو أكثره فإن العقد لا يتناوله. ومعنى تأبير النخل: وضع طلع الذكر "المعروف" عليه، فالثمر في هذه الحالة يكون للبائع، إلا إذا اشترك المشتري أن يكون الموبر له جميعه فإنه يكون له حينئذ، أما إذا اشترط أن يكون بعضه له فقط فإنه لا يصح، لأنه يكون قد قصد بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فإن التبعيض يفيد أنه قابل للتجزئة والمشاحة في بيعه، بخلاف ما إذا اشترطه جميعه فإنه يكون داخلاً ضمناً بدون قصد مشاحة فيه بخصوصه.
أما إذا كان النخل المبيع غير مؤبر، أو كان المؤبر منه أقل من نصفه فإن العقد يتناوله فيكون للمشتري، ولا يجوز للبائع أن يشترطه بنفسه على المشهور.
وإذا اشترى شجر مشمش، أو لوز، أو خوخ، أو تين، فإن كان قد برز كل ثمره أو أغلبه عن موضعه بحيث قد أصبح متميزاً عن أصله المتعلق به، فإن العقد لا يتناوله إلا بالشرط، لأن بروز الثمرةстр. 912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) في مثل هذه الأشجار في حكم تأبير النخل. فإذا لم يبرز شيء من الثمر، أو برز أقل من نصفه، فإن العقد يتناوله بدون شرط.
الشافعية - قالوا: الأصول التي يتبعها غيرها في البيع وإن لم يذكر اسمه ثلاثة: أحدها: الأرض ويعبر عنها بعبارات مختلفة كالدار والقرية والبستان. ثانيها: الشجر. ثالثها: الدابة.
فأما الأرض: فإنه إذا باعها يدخل فيها البناء والشجر الأخضر وإن لم يذكرا بخلاف الشجر الجاف فإنه لا يدخل. أما الزرع والخضر الأخرى فإنه يدخل منها ما يؤخذ مرة بعد مرة أخرى سواء كان نباتاً لا ثمر له كالبرسيم والجيرجير والسلق فإنه يقطع وتبقى أصوله فتنبت مرة أخرى، وتسمى المرة الثانية للبرسيم "ربة" والثالثة "خلفة". أو كان له ثمر كالخيار والقثاء فإنه يؤخذ منه مرة بعد مرة أخرى، فهذا يدخل في المبيع بدون ذكره، لأن هذا الزرع لما كان يؤخذ منه مرة بعد أخرى وتترك جذوره باقية أشبه الدائم الثابت، فلهذا عبروا عنه بأنه زرع بقصد الدوام والثبات ومرادهم بالدوام: طول بقائه بالنسبة لمثله عادة ولو سنة. أما الزرع الذي لا خلفة له بل يؤخذ مرة واحدة كالقمح والشعير والفجل والجزر ونحو ذلك، فإنه لا يدخل في الأرض المبيعة بدون ذكره. فإذا لم يذكر فإن للمشتري الخيار في إمضاء العقد وفسخه إن كان جاهلاً به وقت العقد وتضرر ببقائه على الأرض لكونه لا ينتفع بها مدة وجوده، أما إذا رفع الضر، كأن تركه البائع له. أو قال له: إنني سأخلي الأرض منه سريعاً فلا خيار له، وإذا بقي الزرع على الأرض فإنه يكون بلا أجرة مدة وجوده.
ثم إن النبات والخضر التي تدخل في المبيع بدون ذكر لا يكون للمشتري ما ظهر منها وقت البيع، فإذا اشترى أرضاً بها برسيم نابت فإنه يكون للبائع، وللمشتري جذور تنبت ثانياً "الربة"، ومثل البرسيم كل ما يشبهه من النباتات التي لها جذور تنبت مرة أخرى. وثمار الخضر التي تؤخذ مرة بعد أخرى كالقثاء والعجور الموجود قبل البيع للبائع، وللمشتري الذي ينبت بعد العقد.
ويجب اشتراط قطع ما يخص البائع في النباتات التي تترك جذورها بعد قطعها فتنبت ثانياً، أما الخضر التي لها ثمر يؤخذ مرة بعد أخرى إن كان ما يتجدد منها يختلط بالموجود المستحق للبائع فيحدث النزاع، وإلا فلا يشترط فيها، والذي يشترط هو المبتدئ بالإيجاب، سواء كان المشتري أو البائع، فإن كان المشتري فإنه يقول: بعني أرضك بكذا بشرط أن تقطع ما تستحقه عليها من البرسيم أو القثاء مثلاً فيوافقه البائع على ذلك. وإن كان المبتدئ البائع فإنه يقول: بعتك أرضي بكذا بشرط أن أقطع ما أستحقه عليها من البرسيم أو القثاء ونحو ذلك فيوافقه على ذلك ولا فرق في ذلك بين أن يكون الزرع الذي يستحقه البائع قد حل موعد قطعه أو لا، وسواء كان قصباً فارسياً"الغاب" المعروف أو لا، ومثله قصب السكر أيضاً فالشرك لا بد منه لصحة العقد. أما تكليف البائع بالقطع فإنه غير شرط، واختلف فيه فقيل: يكلف به إن كان قد ظهر منه ما ينتفع به البائع ولو من بعض الوجوه، سواء كان قصباً فارسياً أو غيره. وقيل: يكلف مطلقاً.стр. 913
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والبذر يتبع نباته، فبذر البرسيم والجرجير والكرفس والقثاء ونحوه من كل ما له خلفة يتبع بيع الأرض وإن لم يذكر، بخلاف بذر القمح والفجل والجزر ونحوه مما لا خلفة له فإنه لا يتبع بيع الأرض، وخير المشتري إن تضرر بوجود ما لا يملكه منه، ولا أجرة له على بقائه في الأرض وإذا باع أرضاً فوجد المشتري بها أشياء مدفونة سواء كانت أحجاراً أو معادن أخرى فإنها لا تدخل في بيع الرض.
وأما الدار فإنه يدخل في بيعها الأرض والبناء والشجر، ومثل الدار الخان والحوش والوكالة والزريبة والربع، فإن بيعها يتناول البناء والأرض والشجر الموجود بها، وإذا باع علواً على سقف فهل يدخل السقف ضمن البيع لأن السقف كالأرض بالنسبة للبناء أو لا يدخل؟ خلاف: فبعضهم يقول: إنه لا يدخل، ولكن المشتري له حق الانتفاع به، فإذا انهدم لا يكلف البائع بإعادته. وقيل: يدخل.
وكذلك يدخل في الدار الأبواب المركبة والشبابيك والأحواض المثبتة، أما إذا لم تركب فإنها لا تدخل، وكذلك يدخل السلم والرف المثبت.
وأما البستان أو القرية فإنه يدخل فيهما الأرض والشجرة والبناء، أما المزارع التي حولهما فإنها لا تدخل.
وأما الدابة فإنه يدخل في بيعها نعلها "حدوتها" إلا أن يكون من فضة كالحلقة التي تجعل في أنفس البعير إذا كان من فضة.
وأما الشجرة فإنها إذا كانت مخضرة فإنه يدخل في بيعها أغصانها الرطبة وورقها ولو يابساً وعروقها ولو يابسة إن لم يشترط قطعها، وإلا فلا تدخل، كما لا تدخل أغصانها اليابسة. ولا تتناول الشجرة موضع غراسها. ولكن للمشتري الحق في الانتفاع به ما دامت الشجرة باقية، فإذا قطعت انقطع حقه في الانتفاع.
وكما أن بيع هذه الأصول المتقدمة يتبعه ما ذكر من الفروع، فكذلك كل ما ينقل الملك من العقود كالهبة والوقف والوصية والخلع ونحو ذلك، أما ما لا ينقل الملك كالرهن والعارية فإنه لا يتناول سوى ما نص عليه فيه، فإذا رهن الرض لا يدخل فيه شجرها ولا زرعها الذي له خلفة أما في رهن البستان، فإنه يتناول أرضه وشجره ولكن لا يتناول البناء به.
الحنابلة - قالوا: الأصول التي يتفرع عنها غيرها ويتبعها في البيع وإن لم يذكر هي: الأرض والدور والبساتين والمعاصر والطواحين ونحوها. فيدخل في بيع الدار الأرض والبناء والسقف والدرج، كما يدخل فناؤها إن كان لها فناء. والمراد بالفناء: المتسع الذي أمامها، ويدخل فيها أيضاً الشجر العريش "تكعيبة العنب ونحوه" وكذلك يدخل فيها السلاليم، جمع سلم "بضم السن وفتح اللازم" وهو: المرقاة المعروف، كما تدخل الرفوف المسمرة "الدواليب" والأبواب المنصوبة ويشمل أيضاً ما كان بالأرض من أحجار طبيعية كالصخر والأحجار المبنية كأساس الحائط المنهدم والآخر المتصلстр. 914
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بالأرض. كما أن بيع الدار يدخل فيه ما ذكر، فكذلك رهنها وهبتها ووقفها والوصية والإقرار بها. ثم إن كان المتصل بالأرض يضربها. كالصخر المخلوق في الأرض المضر بجذور الشجر، فإنه يكون عيباً يجعل للمشتري الحق في الخيار بين رد المبيع وبين إمساكه مع المطالبة بالعوض إذا لم يكن عالماً بالعيب على قياس ما تقدم، فإن كان عالماً به فلا خيار له. وإن كان بالدار أحجار مودعة فيها بقصد أن تنقل منها فهي للبائع. ويلزمه نقلها وتسوية الرض وإصلاح الحفر لأنه ملزم بتسليم المبيع تاماً، وإن كان قلع الحجارة يضر بالأرض كان عيباً فيها كما تقدم آنفاً.
ولا يتناول البيع ما كان مدفوناً بالأرض من كنز ونحوه، لأنه ليس من أجزائها. كما لا يتناول ما كان منفصلاً عن الأرض كالفرش والمنقولات والأخشاب التي لم تسمر أو تغرز في الحائط، أو إن كان للبائع متاع في الدار فإنه يلزم بنقله منها على حسب العادة، فلا يكلف جمع الحمالين أو النقل ليلاً. فإن طال النقل عرفاً "وقيده بعضهم بما زاد على ثلاثة أيام" فإنه يكون عيباً يجعل للمشتري الحق في الخيار إن لم يعلم به قبل الشراء، ولا أجرة على البائع في مدة نقله، فإن أبى النقل فللمشتري الحق في غجباره عليه.
ويدخل في بيع الرض أو البستان البناء والشجرة ولو لم يقل المشتري اشتريتها بحقوقها لأنهما يتبعان الأرض من كل وجه ويتخذان للبقاء فيها.
ولا يدخل الشجر المقطوع والمقلوع، فإذا قال: بعتك هذه الدار وثلث بنائها، أو هذه الأرض وثلث غراسها لم يدخل غلا الجزء الذي سماه، ويدخل ماء الأرض المبيعة تبعاً لها، بمعنى أن المشتري يكون له حق الانتفاع به.
ولا يدخل في بيع القرية مزارعها إلا بذكرها أو بقرينة، كأن يساوم على أرض المزارع، أو يذكر حدودها، أو يبذل ثمناً لا يكون فيها وفي أرض مزارعها، ولكن يدخل في القرية البيوت والحصن والسور الدائر عليها.
وإذا اشترى شجرة فللمشتري أن يبيعها بالأرض وله حق الانتفاع بمكانها، وله حق الدخول بسقيها وتأبيرها، فإذا قلعت الشجرة أو بادت فليس للمشتري إعادة غيرها مكانها.
وإذا كان في الأرض زرع له خلفة فيقطع مرة بعد أخرى كالبرسيم والنعناع والكراث أو كان بها زرع تتكرر ثمرته كالقثاء والباذنجان، أو زرع يتكرر زهرة كالبنفسج والنرجس والورد والياسمين وشجر البان فإن أصوله تكون للمشتري، أما الموجود منها وقت العقد فإنه للبائع غلا أن يشترط المشتري أنه له وعلى البائع قطع ما يستحقه منه في الحال.
أما الزرع الذي لا خلفة له بل يحصد مرة واحدة كالقمح والشعير والعدس والجزر والفجل والثوم والبصل والدخم والذرة "وقصب السكر فإنه يؤخذ مرة واحدة" وإن كانت جذوره يعاد زرعها مرة أخرى ولكنها تحتاج الي عمل جديد كالبذور، وكذلك القصب الفارسي "الغاب" فكل ذلك لا يدخل في بيعстр. 915
مبحث بيع الثمار
الثمار بكسر المثلثة اسم جنس جمعي للثمرة، وجمع الثمرة الحقيقي ثمرات، ومفرد الثمار: ثمر، كجبال وجل. وتجمع الثمار على ثمر ككتاب وكتب: ويجمع الثمر بضم المثلثة على أثمار كعنق وأعناق.
ومعناه على أي حال: الحمل الذي تخرجه الشجرة وإن لم يؤكل، فيقال: ثمرة الأراك كما يقال ثمر العنب.
وتنقسم الثمار باعتبار كونها مبيعة إلى قسمين: لأنها إما أن تكون تابعة في البيع لشجرها بحيث يكون المقصود بالبيع الشجرة، وقد عرفت أنها تدخل في المبيع على التفصيل المتقدم.
وإما أن يكون المقصود بالبيع هو الثمار مستقلة، سواء كانت على أشجارها كما هو الحال في بيع ثمار النخيل والكروم والحدائق "الجناين" في زماننا أو كانت منفصلة عن أشجارها، في كل ذلك تفصيل المذاهب
(١) . الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: المراد بالثمرة هنا ما يشمل المشموم كالورد، والياسمين، والريحان ويشمل شجرة البقل التي تؤخذ مرة بعد أخرى، والبطيخ والباذنجان والبامية، وحكم الثمر المبيع تبعاً لشجرة أن يكون للبائع أو المشتري بالشرط، فإن سكت عن الشرط لواحد منهما فهو أقسام ثلاثة: الأول: أن يكون المبيع نخلاً عليه بلح وله حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون قد ظهر ثمره بتأبره، ومعنى ظهوره بتأبره: أن يتشقق الغلاف الذي داخله الطلع "العناقيد" البيضاء التي يؤخذ منها ويوضع على طلع النخلة فيجيء ثمرها جيداً. وحكم هذا: أن يكون للبائع فلا يتبع الأصل في البيع.
ومعنى التأبير الحقيقي: هو التلقيح، الذي هو وضع طلع الذكر على طلع النخلة بالفعل ولكنه ليس مراداً هنا، بل المراد تشقق الطلع مطلقاً، ولا يلزم ظهور الثمرة بتأبير جميع النخل المبيع، بل يكفي تأبير البعض ولو قليلاً، ولو كان تشقق الطلع في غير أوانه فإن التمر في هذه الحالة يكون للبائع ولا يتبع المبيع.
الحالة الثانية: أن لا يكون ثمره قد ظهر منه شيء وليس بموجود، وفي هذه الحالة يكون ما ظهر منه بعد العقد للمشتري، وليس للبائع الحق فيه مطلقاً ولو اشترطه.
أما إذا كان موجوداً ولكنه غير ظاهر، فإنه في هذه الحالة يكون للبائع.следующие страницы →