Полный текст (2 230 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) سفيهاً ويحجر عليه، لأن الله تعالى إنما كلف الإنسان بعمل الخير إذا كانت حالته المالية تسمح بذلك، بحيث لا ينفق ماله ويفلس من أجل عمل الخير.
ولا يحجر على السفيه إلا بحكم الحاكم على الراجح، فإذا تصرف قبله فإن تصرفه ينفذ ويقع صحيحاً، فإن رشد فإن رشده لا يثبت إلا بحكم الحاكم، وقال محمد: إن إفساده في ماله يوجب الحجر عليه، وإصلاحه يوجب فكه بقطع النظر عن الحاكم.
وقد عرفت أن الإمام يقول: إنه لا يحجر على الحر العاقل وإن كان سفيهاً، إلا أنه إذا لم يثبت رشده بعد بلوغه فإنه لا يسلم إليه ماله حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فإذا تصرف في ماله بعد البلوغ قبل أن يبلغ ذلك السن فإن تصرفه ينفذ، لأنه ليس محجوراً عليه، وإنما هو ممنوع عن ماله تأديباً وزجراً، ولكن هذا غير المفتى به.
وحكم السفيه المحجور عليه كحكم الصبي المميز في التصرفات التي تحتمل الفسخ ويبطلها الهزل كالبيع والشراء، أما التصرفات التي لا تحتمل الفسخ ولا يبطلها الهزل كالنكاح والطلاق والعتق فإنه لا خلاف في أن السفيه البالغ تنفذ تصرفاته فيه.
فإذا تزوج فإن زواجه ينعقد، ثم إذا سمى مهراً كثيراً فإنه لا يلزم إلا بمهر المثل ويبطل ما زاد عليه، وإن طلقها قبل الدخول وجب نصف المسمى، وإذا طلق ينفذ طلاقه، وإذا أعتق ينفذ عتقه، ولكن يلزم العبد بالسعي في قيمته، وكذلك تجب عليه العبادات المالية كالزكاة، وعلى القاضي أن يدفعها إليه ليفرقها، لأنها عبادة لا بد فيها من نية، ولكن يبعث معه أميناً كي لا ينفقها في غير وجهها.
وكذلك الحج فإنه يجب عليه ويصح منه، وكذلك سائر العبادات، أما الصبي فإن العبادات وإن كانت تصح منه ولكنها لا تجب عليه.
ويصح أن يوصي السفيه من ماله بالثلث إن كان له وارث، بشرط أن يوصي بالإنفاق على عمل خيري كالإنفاق على الفقراء والمساكين، أو بناء مصح أو قنطرة أو مسجد أو نحو ذلك؛ أما إذا أوصى بملعب أو ناد أو نحو ذلك فإن وصيته تكون باطلة ولا تنفذ، أما الصبي فإن وصيته لا تنفذ.
وكذلك يعامل بإقراره إذا كسب مالاً جديداً بعد الحجر عليه ولو لم يفك عنه الحجر، فإذا أقر لشخص بدين بعد الحجر عليه ثم كسب مالاً أثناء الحجر. فإن للشخص أن يأخذ دينه من المال الجديد ولو لم يفك حجره.
أما السفيه الذي حجر عليه بسبب السفه فإن إقراره حال الحجر لا يعتبر لا بعد الحجر ولا في أثنائه، في المال الحاضر وقت الحجر أو المال المكتسب بعده.
المالكية - قالوا: السفه هو التبذير وعدم حسن التصرف في المال، فمتى اتصف الشخص بذلك سواء كان ذكراً أو أنثى فإنه يكون مستحقاً للحجر عليه، فإذا عرض له السفه بعد بلوغه بزمن قليل كعام فإن الحجر عليه يكون من حقوق أبيه، لأن ذلك الزمن قريب البلوغ فكان في حكم الصبي، والحجرстр. 982
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) على الصبي من حقوق الأب كما تقدم. أما إذا عرض له السفه بعد البلوغ بزمن أكثر من عام فإن الحجر عليه لا يكون إلا بحكم لحاكم.
فإذا تصرف السفيه الذكر قبل الحجر عليه فإن ذلك يشمل أموراً:
أحدها: أن يكون السفه قد عرض له قبل البلوغ ثم استمر بعده وله أب أو وصي، حكم هذه الصورة قد عرفت مما تقدم، وهو أنه يستمر الحجر عليه من غير احتياج إلى فك وحجر جديدين، ويكون المرجع في تصرفه للولي كما تقدم.
ثانيها: أن يعرض له السفه وهو صغير ثم يبلغ سفيهاً وكان يتيماً لا أب له ولا وصي ولم يقم الحاكم له قيماً ويسمى بالسفيه المهمل. وحكم هذا: أن تصرفه قبل الحجر عليه بعد البلوغ يقع نافذاً على الراجح، لأن العلة في عدم نفاذ التصرف إنما هي الحجر فمتى انتفى الحجر نفذ التصرف، فإذا وضع الحجر عليه فلا يرفع إلا بالحكم بفكه ولو صار رشيداً.
ثالثها: أن يعرض له السفه بعد البلوغ وتصرفه قبل الحجر عليه، وفي هذه الصورة ينفذ تصرفه أيضاً.
أما إذا تصرف وهو صبي يتيم لا أب له ولا وصي قبل أن يقيم الحاكم له وصياً فإن تصرفه يكون باطلاً بلا خلاف.
وإذا تصرفت الأنثى البالغة السفيهة التي لا ولي لها "وتسمى بالمهملة" فقال بعضهم: إن أفعالها تنفذ كالذكر. وقال بعضهم: لا تنفذ ما لم تتزوج ويدخل بها زوجها وتقيم معه مدة يحمل أمرها فيها على الرشد، واختلف في تقدير هذه المدة، وقد نقل بعضهم أن الذي كان عليه العمل في تقديرها هو أن يمضي عليها في بيت زوجها نحو السنتين أو الثلاث، فإذا تصرفت قبل هذه المدة فلا ينفذ تصرفها، فإذا لم تتزوج فإن أفعالها لا تنفذ إلا إذا بلغت سناً لم تعد صالحة فيه للزواج واختلف فيه، فقيل: هو حد الأربعين سنة، وقيل: من خمسين إلى ستين.
أما الصغيرة التي لها أب أو وصي فقد عرفت أنها محجورة بهما، ولا ينفك حجرها إلا إذا توفرت فيها الشروط المتقدمة وهي: البلوغ، والرشد - بمعنى حفظ مالها من الضياع - ويزاد على ذلك أن تتزوج ويدخل بها زوجها، ويشهد عدلان فأكثر على حسن تصرفها، فإن لم يدخل بها الزوج فإن الحجر يستمر عليها ولو شهد عدلان برشدها، ومتى تحققت هذه الشروط فإن الحجر يرفع عنها وتنفذ أفعالها على المعتمد. وبعضهم يقول: إن الحجر لا يرفع عنها إلا إذا مضى عليها عام بعد دخولها على زوجها وشهد الشهود بعد العام بصلاحها. وبعضهم يقول غير ذلك.
ولا تحتاج في رفع الحجر عنها بعد تحققه إلى أن يفك الحجر أبوها إذا كان وليها، وإنما تحتاج إلى ذلك إذا كان الولي غير الأب كما تقدم.стр. 983
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وصورة الفك أن يقول الوصي لعدلين أو أكثر: أشهدوا أني فككت الحجر عن فلان ومحجوري وأطلفت له التصرف وملكت له أمره، لما قام عندي من رشده وحفظه لماله.
وللأب أن يفك الحجر عن بنته بعد البلوغ مطلقاً قبل الدخول أو بعده ولو لم يعلم رشدها من الشهود. أما الوصي فإن له أن يفك الحجر بعد الدخول بها ولو لم يعرف رشدها من الشهود وأما الذي أقامه القاضي ويقال له "مقدم القاضي" فالراجح أنه ليس له أن يفك حجرها قبل الدخول مطلقاً، أما بعد الدخول فإن له أن يفكه إذا عرف رشدها من الشهود.
وتصح وصية السفيه كما تصح وصية الصبي المميز. وحكم تصرفه كحكم تصرف الصبي المميز المتقدم.
الشافعية - قالوا: السفيه هو المبذر في ماله، وهو الذي ينفقه فيما لا يعود عليه بمنفعة عاجلة أو آجلة، كأن يقامر به أو ينفقه في اللذات المحرمة الضارة بالبدن والعرض والدين كالزنا وشرب الخمر، أو ينفقه في المكروهات كأن يشرب به الدخان أو يضيعه بسوء تصرفه كأن يبيع ويشتري بالغبن الفاحس إذا كان لا يعلم به، أما إذا تساهل في بيعه وشرائه وهو عالم فإن ذلك لا يعد سفيهاً لأنه يكون من باب الصدقة. وكذلك إذا أنفق ماله في وجوده البر والخير كبناء المساجد والمدارس والمصحات والتصدق على الفقراء والمساكين فإنه لا يكون بذلك سفيهاً. بل لو أنفق ماله في اللذات المباحة كالملبس والمأكل والمشرب ولو توسع في ذلك بما لا يناسب حاله فإنه لا يعد سفيهاً. ومثل ذلك ما إذا أنفقه في التزوج ونحوه من كل متاع حلال فإنه يكون قد أنفقه في مصرفه، لأن المال إنما خلق لينفق في الخير وفي الاستمتاع بما أحله الله.
أما السفيه المبذر فإنه لا يخلو: إما أن يكون السفه قد عرض له وهو صغير ثم بلغ سفيهاً. وفي هذه الحالة يستمر الحجر عليه بدون حكم قاض وتكون تصرفاته غير نافذذة فإذا صار رشيداً فإن الحجر يزول بدون قاض أيضاً. وأما إذا بلغ رشيداً ثم عرض له السفه فإن الحجر عليه يكون من حق القاضي، وإذا تصرف قبل الحجر يكون تصرفه نافذاً لأنه في هذه الحالة يكون مهملاً. فإذا تصرف السفيه المحجور عليه ببيع أو شراء أو إعتاق أو نكاح أو هبة فإن تصرفه يقع باطلاً ولكن يصح طلاقه ومراجعته كما يصح خلعه، ويجب دفع عوض الخلع إلى وليه وغلا فلا يبرأ الدافع إلا إذا خالع بشرط أن يأخذ المال هو لا وليه، فإنه في هذه الحالة يبرأ الدافع إليه لأنه علق الخلع على أخذ المال، فلا يصح إلا إذا نفذ ذلك. وحكمه في العبادات المالية كالزكاة والحج وغيرهما من العبادات كالرشيد، إلا أنه لا يفرق أمثال الزكاة بنفسه ويصح منه النكاح إذا أذنه وليه، فإذا تزوج امرأة بإذن وليه وأمهرها مهر المثل فإن العقد يصح، أما إذا زاد على مهر المثل فالمشهور أن النكاح يصح أيضاً وتلغو الزيادة. وإذا عين الولي له امرأة خاصة فتزوج غيرها فإن العقد لا يصح إلا إذا كانت خيراً منها جمالاً وحسباً ولم تزد عليها مهراً ونفقة، فإن كانت كذلك فإن العقد يصح على المعتمد.стр. 984
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإذا قال له الولي: إنني أدفع لك مهراً قدره كذا ولم يعين له المرأة التي يتزوجها فإن الإذن يصح، وله أن يتزوج بذلك المهر ما يشاء.
وإذا تزوج السفيه بلا إذن وليه فإن نكاحه يكون باطلاً، ويفرق بينهما ولم يلزمه شيء وإن لم تعلم الزوجة أنه سفيه لأنها فرطت في عدم السؤال عنه.
وإذا اقترض السفيه شيئاً أو اشتراه وقبضه وأتلفه فلا ضمان عليه لا في أثناء الحجر ولا بعد فكه عنه، لأن مالكه أهمل ماله وسلطه عليه وجزاء المهمل الخسارة ولا فرق في ذلك بين أن يكون عالماً بأنه سفيه أو لا، لأنه في حالة عدم العلم يكون مقصراً.
إذا أقر السفيه بأنه استدان من شخص مالاً قبل الحجر عليه أو بعده فإن إقراره لا يقبل وكذلك إذا أقر بأنه أتلف مال شخص، أو قتل دابة ونحو ذلك مما يوجب عوضاً مالياً فإنه لا يقبل على الأظهر، ولا يعمل بإقراره بعد فك الحجر عنه. أما إذا أقر بما يوجب الحد والقصاص فإنه يعمل بإقراره.
ولا يصح إذن الولي في المعاملات سوى النكاح، فإذا أذنه في بيع أو شراء أو تجارة فإنه لا ينفعه إذنه ولا يفيده شيئاً على الراجح. وقيل: ينفع بشرط أن يقدر الولي العوض كأن يقول له: اشتر السلعة بعشرة جنيهات. أما ما لا عوض له كالهبة فإنه لا ينفع فيه إذن بالاتفاق.
الحنابلة - قالوا: السفيه هو الذي لا يحسن التصرف في ماله، فإذا كان الشخص البالغ سفيهاً لا يحسن التصرف فإن الحجر عليه يكون من حق الحاكم، فإذا كان السفه صفة له وهو صغير ثم بلغ رشيداً ولكن عاوده السفه بعد البلوغ أعيد الحجر عليه بمعرفة الحاكم. ومثله المجنون كما تقدم ولا يفك الحجر عنه إلا بحكم، لأنه حجر ثبت بحكمه فلا يزال إلا به.
وإذا حجر على السفيه فإن تصرفاته تكون باطلة، وللولي أن يأذنه في بعض التصرفات فتنفذ ومن ذلك الزواج؛ فإن الولي إذا أنذه بأن يتزوج فباشر بنفسه فإنه ينفذ إلا إذا كان السفيه في حاجة إلى الزواج لمتعة أو خدمة فإن له أن يفعل وإن لم يأذنه وليه، وسواء طلب منه ومنعه أو لم يمنعه، ولكن لا ينفذ زواجه إلا بمهر المثل.
ويصح أن يطلق زوجه ويخلعها بمال يأخذه، ويلزم السفيه بحكمه في الحال بدون إذن وليه إلا أن مال الخلع لا يصح دفعه إليه، فإن دفعته المرأة إليه لا تبرأ منه، وإذا أضاعه فقد ضاع عليها.
وكذلك يصح منه الظهار واللعان كما يصح إقراره بنسب كأن يقول: إن هذا الغلام ابني ولدته أمه على فراشي، تلزمه أحكامه من النفقة وغيرها. وكذلك تصح وصيته كما تصح من الرشيد.
وتجب عليه الفرائض الدينية المتعلقة بالأموال كالزكاة، ولكنه لا يباشر صرفها بنفسه بل يفرقها وليه سائر تصرفاته المالية، ويصح منه نذر كل عبادة بدنية كالحج والصيام والصلاة، ولا تصح هبته ولا وقفه، لأن ذلك تبرع بمال وهو ليس أهلاً للتبرع، ولا تصح شركته ولا حوالته ولا الحوالة عليه ولا ضمانه لغيره ولا كفالته.стр. 985
الحجر بسبب الدين
ويحجر على المدين في تصرفاته المالية حتى لا تضيع على الناس حقوقهم وأموالهم التي استدانها منهم، وفي ذلك تفصيل مبين في المذاهب (١) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: كما أن السفه بالمعنى المتقدم سبب من أسباب الحجر. فكذلك الدين والغفلة، فأما الدين الذي يحجر به فهو: أن يستدين الشخص ديوناً تستغرق أمواله "وتزيد عنها" فيطلب الدائنون الذين لهم هذه الديون من القاضي أنيحجر عليه، كي لا يتصرف في ماله الذي تحت يده فتضيع على الدائنين أموالهم، والحجر لا يكون إلا للقاضي، فمتى وضع عليه الحجر فلا يصح له أن يتصرف في ماله بصدقة أو هبة أو إقرار بمال لمن له عليه دين غير من حجر عليه بطلبهم. ولكنه يعامل بإقراره هذا بعد فك الحجر عنه. ويصح الحجر على المديون ولو كان غائباً ولكن يشترط لعدم نفاذ تصرفه علمه بالحجر "إعلانه" فإذا لم يعلم به وتصرف فإن تصرفه يقع صحيحاً.
وللقاضي أن يبيع مال المحجور عليه بالدين لسداد الدائنين إذا امتنع من بيعه ويقسم بينهم بحسب حصة كل واحد في الدين.
وإذا تزوج المحجور عليه بسبب الدين صح تزوجه، وللمرأة أن تشترك مع الدائنين في مهر المثل، أما ما زاد على المثل فإنه يكون ديناً في ذمته.
وللدائنين أن يلازموا المدين فيذهبوا معه حيث ذهب، ولكن ليس لهم منعه من السفر ولا حبسه بمكان خاص وللقاضي أن يحبس المدين بدينه في كل دين التزمه بعقد كالمهر والكفالة فإذا حبسه شهرين أو ثلاثة أشهر ولم يظهر له مال في خلال ذلك فإنه يطلق سراحه، وإن أقام البينة على أن لا مال له خلى سبيله لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ وتقبل البينة على الإعسار بعد الحبس فيطلق القاضي سراحه إذا شهد الشهود بأنه معسر.
ولا يضرب المحبوس بالدين، ولا يغل بقيد، ولا يخوف، ولا يجرد؛ ولا يكلف بالوقوف بين يدين صاحب الدين إهانة له، ولا يؤجر، ولكن يقيد إذا خيف هربه، ولا يخرج المدين لجمعة، ولا عيد، ولا حج، ولا لصلاة مكتوبة، ولا لصلاة الجنازة، ولا عيادة مريض ويحبس في موضع وحش لا يبسط له فرش ولا يدخل عليه أخذ ليستأنس به، وكفى بذلك زجراً للناس عن الديون والتورط فيها، لأن شريعتنا السمحة تجعل لصاحب الدين سلطاناً على المدين في هذا الموقف الحرج. وقد عرفت أن هذا هو المختار المفتى به من مذهب الحنفية، أما الإمام فإنه يقول: لا يحجر على الحر البالغ بسببстр. 986
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الدين وإن استغرق كل ماله وطلب الغرماء الحجر عليه، ويعمل الحجر فيه شيئاً فيصح أن يتصرف في ماله بجميع أنواع التصرف.
ومثل الحجر بسبب الدين: الحجر بسبب الغفلة، والغفلة هي: كون الشخص لا يتهدي إلى التصرفات الرائجة في بيعه وشرائه فيغير فيهما لسلامة قلبه وهي غير السفه، لأن السفيه هو المفسد لماله بالقصد والاختيار لتغلب الشهوات الفاسدة عليه واتباعه الغي والهوى أما ذو الغفلة "المغفل" فهو لا يفسد ماله قصداً ولا ينقاد لشهواته، ولكنه يخدع بسهولة فيستطيع الناس أن يغبنوه في ماله وليس هو المعتوه؛ لأن المعتوه يخلط في كلامه. وقد عرفت أن الإمام لا يرى الحجر على مثل هذا أيضاً.
الشافعية - قالوا: يحجر على المدين بسبب الدين إن كان الدين أكثر من ماله، أما إن كان ماله أكثر أو مساوٍ فإنه لا يصح الحجر عليه، ولا يحجر إلا إذا طلب الغرماء الحجر كلهم أو بعضهم، أو طلب هو الحجر على نفسه "كالمفلس الذي يشهر إفلاسه" ولا يصح الحجر إلا إذا حل الدين، أما إذا كان باقياً عليه مدة فإنه لا يصح.
ومتى طلب الغرماء الحجر فإنه يجب على القاضي أن يحجر على المفلس حالاً. ومتى حجر عليه تعلق حق الغرماء بماله وصار ممنوعاً من التصرف فيه، فيبطل تصرفه من بيع وهبة ونحوهما حتى يقبض دينه.
ويصح للمفلس المحجور عليه أن يتزوج ويبقى المهر ديناً في ذمته لا في المال الذي تحت يده وكذلك يصح خلعه وطلاقه ونحو ذلك، وإذا أقر بدين عليه قبل الحجر فالأظهر أنه يقبل إقراره ويكون صاحب الدين شريكاً لباقي الدائنين، أما إذا قال: إنه استدان بعد الحجر فإن إقراره لا يقبل، وإذا أقر بجناية لها عوض مالي بعد الحجر فإنه يقبل منه ويشارك المجني عليه الدائنين.
وإذا كان المحجور عليه بسبب الدين قد اشترى سلعة قبل الحجر ثم ظهر بها عيب فله أن يردها إن كانت المصلحة في ردها أما إذا كان العيب لا ينقص قيمتها وتساوؤ أكثر من الثمن الذي اشتراها به مع ذلك العيب فلا يجوز ردها.
ويستحب أن يبادر القاضي ببيع مال المفلس، ولا يشترط أن يكون المدين حاضراً وكذلك الدائنون وإنما يسن ذلك، ويجب أن يكون البيع بثمن المثل، وأن يكون الثمن حالاً لا مؤجلاً فإذا لم يكن كذلك، فإنه لا يصح البيع إلا برضاء المدين والدائنين، وإذا لم يوجد مشتر بثمن المثل حالاً فإنه يجب الصبر إذا كان فيه أمل بأن يوجد له مشتر بثمن الحال، وما يتحصل من الثمن بعد البيع يقسم على الدائنين بنسبة ديونهم.
وإذا قسم ماله على الدائنين ثم ظهر غيرهم فإنه يشاركهم فيما أخذوه بنسبة دينه، فيأخذ من كل واحد منهم نصيباً بنسبة ذلك.
المالكية - قالوا: الدين سبب من أسباب الحجر، بشرط أن يستغرق الدين مال المدين ويزيد عليه، واختلف فيما إذا كان مساوياً له فقيل: إنه يكون سبباً في الحجر، وقيل: لا، واستظهر أنه يكونстр. 987
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) سبباً لأن الغرض حفظ حق الدائن، فله منع كل ما ينقص دينه فإذا استغرق الدين كل مال المدين فإن لذلك أحوالاً ثلاثة:
الحالة الأولى: أ، الدائنين لم يطلبوا من الحاكم تفليسه "نزع ماله منه وإعطائه للدائنين" وفي هذه الحالة يكون لهم الحق في منعه من التصرف فيما ينقص أموالهم، سواء كان دينهم حالاً أو مؤجلاً، فيمنعونه من التبرع والهبة والصدقة والوقف، ويمنعونه من أن يضمن شخصاً أو يقرض شخصاً معدماً ونحو ذلك مما فيه ضياع أموالهم ولا يحل لأحد أن يقبل من المدين المستغرق هبة أو هدية أو نحو ذلك، وإذا كان لم يعلم ثم علم فإنه يجب عليه أن يرد ما أخذ لأن ذلك مال الغير، وكذلك لهم الحق في منعه من الإقرار بدين لشخص يتهم بأنه إنما أقر له فراراً من الدين كولده وزوجه، أما من لا يتهم معه فإن إقراره يعتبر.
وليس لهم الحق في منعه مما جرت به العادة كالصدقة القليلة للسائل وكنفقة العيدين والأضحية ونفقة ابنه وأبيه بدون إسراف، وكذلك ليس لهم الحق في منعه من البيع والشراء والهبة بعوض ونحو ذلك مما لا يترتب عليه نقص في المال عادة إنما يكون لهم الحق في تفليسه.
الحالة الثانية: أن يحكم الحاكم بتفليسه، أي بنزع ماله منه وإعطائه للدائنين، وهذا لا يكون إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أنيطلب الدائن التفليس، فلا يصح بدون طلبه، فلو طلب المدين تفليس نفس لا يصح، وإذا تعدد الدائنون فإنه يكفي تفليسه أن يطلبه بعضهم، ومتى فلسه الحاكم فإن الجميع يشتركون في ماله، سواء من طلب ومن لم يطلب.
الشرط الثاني: أن يكون الدين حالاً، فلا يصح تفليسه بدين مؤجل.
الشرط الثالث: أن يكون الدين زائداً على ماله، فإن كان مساوياً فإنه لا يصح تفليسه ويترتب على هذه الحال أربعة أمور:
أحدها: منعه من التصرفات المذكورة في الحالة الأولى.
ثانيها: منعه من البيع والشراء والتصرفات المالية.
ثالثها: قسمة ماله بين الدائنين.
رابعها: حلول الدين المؤجل إن كان عليه دين مؤجل. لا يلزم في الحكم بتفليسه أن يكون حاضراً، بل يحكم عليه وإن كان غائباً.
الحالة الثالثة: أن لا يرفع الغرماء الأمر إلى الحاكم، ولكنهم يقومون عليه فيستتر منهم فلا يجدونه فإن لهم أن يحولوا بينه وبين ماله ويمنعوه من التبرعات والتصرفات المالية بالبيع والشراء ونحوهما.
ويقسم مال المفلس المتحصل بالنسبة لمجموع الديون، فيأخذ كل واحد من دينه بتلك النسبةстр. 988
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولا تتوقف قسمة ماله على معرفة أنه ليس له دائنون غائبون، ولا يكلف الدائنون الحاضرون إثبات أنه ليس غيرهم.
ويحلف المدين بأنه لم يكتم من ماله شيئاً، فإذا حلف وانتزع الدائنون أمواله من تحت يده على الوجه المذكور فإن الحجر ينفك عنه ولو بقي عليه دين، فإذا اكتسب مالاً جديداً بميراث أو ربح تجارة أو هبة أو غير ذلك، فإنه يكون مطلق التصرف فيه إلا إذا حجر الحاكم عليه ثانياً. وللدائن أن يمنع المدين من سفره حتى يقتضيه دينه ولو كان الدين غير مستغرق للمال بشروط:
أحدها: أن يكون السفر طويلاً بحيث يحل أجل الدين في غيبة المدين: أما إذا كان أمد الدين بعيداً عن المدين، فليس للدائن منعه من السفر.
الشرط الثاني: أن يكون المدين موسراً، أما إذا ثبت إعساره فإنه ليس له منعه من السفر.
الشرط الثالث: أن لا يوكل المدين عنه من يقوم بسداد الدين، فإذا كان موسراً ووكل عنه من يسدد دينه عند حلوله، أو ضمنه موسر فليس له منعه من السفر.
ويجوز حبس المدين الذي ثبت عليه الدين إلا إذا ثبت أنه معسر، أما إذا ثبت أنه موسر فإنه يحبس حتى يسدد دينه، أو يأتي بكفيل مالي. وإذا جهل حال المدين فإنه يحبس حتى يثبت أنه معسر.
الحنابلة - قالوا: الدين من أسباب الحجر، ولكن بشرط أن يكون الدين أكثر من ماله الموجود، ويسمى المدين الذي يستغرق الدين ماله ويزيد عليه مفلساً، لأنه ماله الذي تحت يده مستحق للغير فهو معدوم في الواقع، فيحجر على المفلس بواسطة الحاكم. ويشترط أن يطلب الدائنون كلهم أو بعضهم الحجر، فإذا لم يطلبوا لم يحجر عليه.
وجميع تصرفات المدين قبل الحجر عليه من البيع والهبة والإقرار وقضاء بعض الدائنين فافذة أما بعد الحجر فإنه لا ينفذ شيء من تصرفه في ماله ببيع أو غيره. وكل ما يتجدد له من مال بعد الحجر فإنه يكون كالموجود حال الحجر، فلا يصح له أن يتصرف فيه أيضاً. وكذلك لا يصح الإقرار بشيء من ماله لغير الدائنين الذين حجروا عليه.
وبعد الحجر يبيع الحاكم ماله ويقسمه بين الغرماء بحسب ديونهم على الفور. ولا يحتاج الحاكم إلى استئذان المفلس في البيع، ولكن يستحب أن يكون حاضراً كما يستحب أن يكون الدائنون حاضرين.
وإذا أقرضه أحد شيئاً بعد الحجر أو باعه شيئاً فليس له المطالبة إلا بعد فك الحجر عنه، وللدائن منع المدين من السفر بشروط.
الشرط الأول: أن يكون السفر طويلاً يحل الدين قبل فراغه.
الشرط الثاني: أن يكون مخوفاً ولو كان قصيراً؛ أما إن كان مأموناً لكنه قصير يحل الدين بعده فليس له منعه.стр. 989
تم الجزء الثاني - ويليه الجزء الثالث وأوله مباحث المزارعة
الحواشي
(١) الشرط الثالث: أن لا يكون للدين رهن يفي به أو كفيل ذو مال، فإن كان ذلك فليس له منعه.
الشرط الرابع: أن لا يكون السفر لجهاد متعين، فإن كان لذلك فليس له منعه. وللحاكم حبس المدين الموسر الذي يمتنع عن الوفاء، والحبس للدين من الأمور المحدثة. وأول من حبس عليه شريح، وهو مأخوذ من قوله ﷺ : لي "مطل" الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته! وقد فسر عرضه بشكواه للحاكم، وعقوبته بحبسهстр. 990
الجزء الثالث
مقدمة [الجزء الثالث]
-بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله تعالى حمداً كثيراً، وأصلي وأسلم على نبيه محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
"وبعد": فإنني لما وفقني الله لصوغ الجزأين الأول والثاني من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة "قسمي العبادات والمعاملات" بالعبارة التي ظهرا بها، رأيت من الجمهور إقبالاً عليهما لسهولة وقوفهم على ما يريدونه من أحكام الفقه في مذاهبهم، وجمعهما كثيراً من تلك الأحكام المبعثرة التي يستنفذ الوقوف عليها مجهود أهل العلم الأخصائيين، فضلاً عن غيرهم من عامة المسلمين فبعثني ذلك الإقبال على النهوض بتكملة سائر أبواب الفقه الإسلامي على المذاهب الأربعة "قسم المعاملات، وقسم الأحوال الشخصية". وصوغه بمثل هذه العبارات أو أوضح منها، كي ينشط الناس إلى معرفة أحكام دينهم الحنيف في بيعهم، وشرائهم، وأقضيتهم، وأنكحتهم، وما يتعلق بذلك، واستبان لهم سماحة الإسلام مع دقته في التشريع، وإحاطته بكل صغير وكبير مما يجري في المعاملات بين جميع طوائف البشر مما يتضاءل بإزائه تشريع المشرعين، وتقنين المقننين، من غربيين وشرقيين، فرنسيين ورومانيين، دعتهم عظمته، وحملتهم دقته وسماحته إلى الأخذ به، والتعويل عليه، فيعيشوا عيشة راضية مرضية، إذ ترتفع من بينهم أسباب الشقاق المفضية إلى ضياع الأموال والأنفس، وتوفر عليهم ما ينفقونه من الأموال في المواضع التي نهاهم الله عن الإنفاق فيها، كالإنفاق في الخصومات الباطلة وما إليها. قال تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام﴾ الآية.
ذلك بعض ما ينتجه العلم بأحكام الدين والعمل بها في دار الدنيا، أما في الآخرة فإن الله قد وعد العامل بدينه نعيماً خالداً وملكاً مقيماً علىانني رأيت في أول الأمر أن ذلك العمل خطير بالنسبة لرجل ضعيف مثلي. وقد تطغى عليه مظاهر الحياة وتفتنه شواغلها، ولكن ثقتي بالله الذي هداني إلى إتمام العمل في الجزأين وأعانني عليه، جعلني أقدم على تنفيذ ما فكرت فيه لا أهاب صعوبة ولا أخشى مللاً. لأنني لا أريد غير مرضاة ربي الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع كل شيء، ولا أبتغي إلا أن أكون مقبولاً لديه في يوم لا ينفع فيه مال ولابنون، ومن
стр. 991
استعان بربه وحده فإن الله كفيل بمعونته، وهو نعم المولى ونعم النصير. فهو وحده المسؤول أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يقيني شر الإفتتان بمظاهر الحياة الدنيا، وأن يحفظني من شر السعي وراء المغانم الدنيوية بوسائل الآخرة، وأن ينفع به المسلمين.
"وبعد": فقد كنت عزمت على أن أذكر حكمة التشريع بإزاء أحكامها، كما أذكر أدلة الأئمة، ولكني أعرضت عن ذلك لأنني رايت في مناقشة الأدلة دقة لا تتناسب مع ما اردته من تسهيل للعبارات، ورايت في ذكر حكم التشريع تطويلاً قد يعوق عن الحصول على الأحكام، فوضعت حكمة التشريع في الجزء الثاني من كتاب الأخلاق.
أما الأدلة: فقد أفردها كثير من كبار علماء المسلمين بالذكر وكتبوا فيها أسفاراً مطولة ولكن مما لا أشك فيه أن الحاجة ماسة إلى وضع كتاب فيها يبين فيه اختلاف وجهة نظر كل واحد منهم بعبارة سهلة، وترتيب يقرب إدراك معانيها، فلهذا قد عزمت على وضع كتاب في ذلك مستعيناً بالله وحده، وبذلك تتم الفائدة من جميع جهاتها، ويعلم الناس أن أئمة المسلمين قد فهموا الشريعة الإسلامية قد جاءت بما مصلحة الناس جميعاً، وأنها لم تترك صغيرة ولاكبيرة من دقائق التشريع وعجائب الأحكام إلا وقد أشارت إليه، وأنها صالحة لكل زمان ومكان، فهي خالدة قائمة مدى الدهور والأزمان، لأنها من لدن حكيم عليم.
стр. 992
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله
مباحث المزارعة والمساقاة ونحوهما
-المزارعة، والمساقاة، والمخابرة ونحوها ألفاظها معان اصطلح عليها الفقهاء، تتعلق بها أحكام شرعية من حيث الحل والحرمة، والصحة والبطلان ولها معان لغوية أصل للمعاني الاصطلاحية وسنذكرلك بيان كل واحد منها فيما يلي:
تعريف المزارعة
-هي في اللغة مفاعلة مشتقة من الزرع، والزرع له معنيان: أحدهما: طرح الزرعة - بضم الزاي - وهي البذر، والمراد إلقاء البذر على الأرض. الإنبات، إلا أن المعنى الأول للزرع مجاز، والمعنى الثاني حقيقي، ولهذا ورد النهي عن أن يقول الإنسان زرعت بل يقول حرثت، فقد روى البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقول أحدكم زرعت وليقل حرثت"، ومعنى هذا أنه لا يصح أن يقول زرعت ويريد المعنى الحقيقي للزرع وهو الإنبات لأن المنبت هو الله تعالى كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله: ﴿أفرأيتم ماتحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ فقد نسب سبحانه لعباده الحرث وهو إلقاء البذرة، أما الإنبات فإنهم لا يستطيعون إدعاءه، إذ لو كان من عملهم لكان لازماً، والواقع غير ذلك فقد يلقون البذر ولا ينبت أصلاً، أو ينبت ثم تجتاحه جائحة كما قال تعالى: ﴿لو نشاء لجعلناه حطاماً﴾ .
أما إذا قال: زرعت، وأراد منه المعنى المجازي، أي ألقيت البذر، فإنه جائز، ولهذا روى مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "لا يغرس المسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولادابة ولاشيء إلا كانت له صدقة" فهذا صريح في جواز نسبة الزرع إلى الإنسان، إلا أن الواقع أن عمل الإنسان هو شق الأرض والقاء البذر وتعهدها بالوسائل العادية، أما الإنبات فليس لهو فيه عمل ما.
стр. 993
ومثل ذلك المعنى كما قال تعالى: ﴿أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾ فخلق الجنين وتكوينه ليس من عمل الإنسان بأي حال.
ثم إن المشهور أن مصدر المفاعلة لا يقع إلا بين اثنين كالمشاركة والمضاربة، فإن الأشتراك وهو المصدر الذي أخذت منه المضاربة واقع من اثنين.
وقد يستعمل مصدر المفاعلة في فعل واحد فيقال إن المفاعلة ليست على بابها فهل الزرع الذي هو مصدر المزارعة مستعمل في فعل العامل الذي يزرع الأرض فقط فتكون المفاعلة ليست على بابها؟
والجواب أنه يصح استعماله في الأمرين، وذلك لأنالزرع مسبب عن شيئين، أحدهما: فعل العامل وهو الحرث والبذر والسقي ونحو ذلك. وثانيهما: فعل المالك وهو تمكين العامل من الأرض والآلات التي يزرع بها فالزرع واقع بسبب الإثنبن، فالمفاعلة على بابها فإذا قطع النظر عن فعل المالك لظهورنسبة الزرع إلى العامل المباشر كانت المفاعلة على غير بابها.
وبعضهم يقول إنه لا يصح قطع النظر عن فعل المالك البتة لأن مصدر المفاعلة يجب أن يكون بين اثنين إلا في أمور مقصورة على السماع كسافر وجاوز وواعد فإن مصدر هذه الأفعال مستعمل في فعل الواحد سماعاً فلا يجوز قياس غيرها عليها، وحينئذ فلا يصح استعمال ضارب زيد عمراً بمعنى ضربه.
ومن هذا يتضح لك أن المزارعة معناها لغة: الشركة في الزرع.
أما معنى المزارعة في اصطلاح الفقهاء ففيه تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) الحنفية ـ قالوا: المزارعة شرعاً هي عقد على الزرع ببعض الخارخ من الأرض، ومعنى هذا أن المزارعة عبارة عن عقد بين مالك أرض وعامل يعمل في الأرض يشتمل على أن العمل يستأجر الأرض ليزرعها ببعض المتحصل من الزرع، أو أن المالك يستأجر العامل على أن يزرع له أرضه ببعض الخارج المتحصل من الأرض.
وهذا النوع من المعاملة مختلف فيه عند الحنفية فأبو حنيفة يقول إنه لا يجوز. وأبو يوسف ومحمد يقولان بجوازه. وقولهم هو المفتى به في المذاهب لأن فيه توسعة على الناس ومصلحة لهم.
وهذا النوع من المعاملة مختلف فيه عند الحنفية فأبو حنيفة يقول إنه لا يجوز. وأبو يوسف ومحمد يقولان بجوازه. وقولهم هو المفتى به في المذاهب لأن فيه توسعة على الناس ومصلحة لهم.
على أن أبا حنيفة قال بجواز المزارعة إذا كانت آلات الزرع والبذر، ويكون له بعضстр. 994
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الخارج، بالتراضي لا في نظير الأجرة، وإنما منع أبو حنيفة المزارعة بالمعنى الأولى لورود النهي عن استئجار العامل ببعضض ما يخرج منعمله كما إذا استأجر إنساناً ليطحن له إردَبّاً من القمح علىأن يأخذ كيلة من الدقيق الذي يطحنه وتسمى هذه المسألة (بقفيز الطحان) .
والمزارعة بالصورة الأولى استئجار للعامل ببعض ما يخرج من عمله على أن الممنوع هو أنيشترط الأخذ من دقيق الغلة التي يطحنها بخصوصها، أما إذا شرط له كيلة من الدقيق مطلقاً فإنه يصح وله أن يأخذها من الدقيق الذي طحنه، ومثل ذلك ما استأجر ثوراً من آخر ليطحن له أو استأجر رجلاً ليجني له هذا القطن على أنيأخذ منه نصف قنطار مثلاً فإنه لا يجوز أما إذا قال له اجن هذا القطن وأعطيك نصف قنطار من القطن الجيد ولم يشر للقطن الذي يجنيه العامل فإنه يصح. وله أن يعطيه منه بعد ذلك.
على أنه لاخلاف عندهم في جواز استئجار الأرض بالطعام سواء كان مماكان تنبته الأرض كالقمح والقطن أو كالعسل فكل ما يصلح ثمناً يصلح أجرة كما سيأتي في الإجارة.
وأما المخابرة (بفتح الباء) فهي مرادفة للمزارعة في المعنى الشرعي، فهي عقد على الزرع ببعض ما يخرج من الأرض، وأما في اللغة فهي مشتقة منالخبار وهو الأرض اللينة.
الحنابلة - قالوا: المزارعة هي أن يدفع صاحب الأرض الصالحة للزراعة أرضه للعامل الذي يقوم بزرعها ويدفع له الحب الذي يبذره أيضاً على أن يكون له جزء مشاع معلوم من المحصول، كالنصف والثلث. فلا يصح أن يعين له إردَبّاً أو إردَبّين أو نحو ذلك. ومثل ذلك ما إذا دفع له أرضاً بها نبت ليقوم بخدمته حتى يتن نموه ويكون له نظير ذلك جزء معين شائع من ثمرته فإن ذلك يسمى مزارعة أيضاً.
فالحنابلة يقولون بجواز المزارعة بالصورة التي يقول بها صاحبا أبي حنيفة إلا أنهم يخصون المالك بدفع الحب.
ومنا هذا تعلم أن الحنابلة يقولن بحل تأجير الأرض المعلومة مدة معينة ببعض ما يخرج منها كثلث غلتها ونصفها سواء كانت غلتها طعاماً كالقمح والشعير أو غير طعام كالقطن والكتان وحكم الإجازة والمخارة كالمزارعة في المعنى الشرعي.
ثم إن الأصل في جوازها هو السنة الصحيحة، فمنها ما روى ابن عمرقال: عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع. متفق عليه.
المالكية - قالوا: المزارعة شرعاً هي الشركة في العقد، وتقع باطلة إذا كانت الأرض منطرف أحد الشريكين وهو المالك والبذر والعمل والآلات من الشريك الثاني كما يقول الحنابلة والصاحبان. فما يفعله ملاك الأراضي الصالحة للزراعة في زماننا من إعطاء أرضهم لمن يزرعها وينفق عليها على أنстр. 995
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يأخذوا نصف المتحصل من غلتها أو يأخذوه ويأخذوا معه نقوداً كأن يسلموا فداناً للعامل ويأخذوا منه ثلاثة جنيهات مثلاً ونصف ما يتحصل من زرع الفدان، فإنه غير جائز عند المالكية؛ لأنه يكون تأجيراً للأرض أو بعضها بما يخرج منها وهو ممنوع عندهم.
فالمزارعة التي تجوز هي أن تجعل للأرض قيمة أجرتها من النقود أو الحيوان أو عروض التجارة، كأن يقال إن أجرة هذا الفدان تساوي أربعة جنيهات: أو تساوي ثلاثة ثيران، أو تساوي ثوباً من القماش. ولا يجوز تقويم الأرض بغلة أو قطن أو عسل إذ لا يصح تأجير الأرض عندهم بالطعام ولا بما تنبته كما يأتي في الإجارة.
فإذا علمت أجرة الأرض فيقوم العمل بأن يجعل له قيمة، وكذلك تقوم آلات الزراعة، فإذا دفع المالك الأرض وكانت قيمة أجرتها خمسة جنيهات فإنه يصح للعامل أن يحسب قيمة عمله وقيمة نفقات الزرع ويجعلها في مقابل أجرة الأرض بما يخرج منها فالبذر يكون على كل واحد من الشريكين أن مناصفة فإذا بينت أجرة الأرض قيمة أجر العمل وآلات الزرع، كان لكل واحد من الشريكين أن يأخذ من الربح بنسبة ما دفعه فإن كانت قيمة الأرض خمسة وقيمة الآلات والعمل خمسة كان لكل واحد منهما نصف الربح، وعلى هذا القياس، فإذا اشترط أحدهما أن يأخذ أكثر مما يخصه فسدت.
هذه صورة المزارعة الجائزة عند المالكية. ومحصل ذلك أن الممنوع عندهم هو أن تشتمل الشركة على أجرة الأرض أو بعضها بما يخرج منها فمتى سلمت من هذا فإنها تحل إذا تساوياً في الربح. وهذا هو المشهور عندهم، وبعضهم يقول إنه يجوز تأجير الأرض بما يخرج منها، ولكنه ضعيف في المذهب. على أن المالكية أجازوا تأجير الأرض، تبعاً للمساقاة فإذا ساقاه على أرض مغروسة نخلاً وصالحة لزراعة غيره فإن له أن يتعاقد معه على زرعها ببعض ما يخرج منها.
الشافعية - قالوا: المزارعة هي معاملة العامل في الأرض ببعض ما يخرج منها على أن يكون البذر من المالك، والمخابرة هي المزارعة إلا أن البذر فيها يكون على العامل، فليس على العامل في المزارعة إلا العمل بخلاف المخابرة، وكلاهما ممنوع عندهم لأنه لا يصح تأجير الأرض بما يخرج منها. وهذا هو المعتمد وأ جازها بعضهم.
وقد قالوا في علة المنع إن العقد فيها على شيء غير معروف لأن العامل يعمل في الأرض بدون أن يدري ما يصيبه ففيه غرر ويمكن تحصيل منفعة الأرض بتأجيرها إن كان مالكها عاجزاً عن زرعها. وفي التأجير حسم للنزاع وبيان لحق كل منهما موضحاً، فلأي شيء يترك التعاقد الواضح مع إمكانه ويعمل بتعاقد فيه غرر، وقد ورد النهي عن الخابرة والمزارعة في السنة لذلك. على أنهم أجازوا المزارعة تبعاً للمساقاة كما يأتي.стр. 996
حكم المزارعة وركنها وشروطها وما يتعلق بذلك
-للمزارعة بالمعنى المتقدم أركان وشروط وحكم، وكلها مبنية ئفي المذاهب (١) الحواشي
(١) الحنفية قالوا: ركن المزارعة الذي يتم العقد به هو الأيجاب والقبول بين المالك والعامل، فإذا قال صاحب الأرض للعامل دفعت إليك هذه الأرض لتعمل فيها مزارعة بالنصف أو الثلث، وقال العامل قبلت، فقد تم التعاقد بينهما.
وبديهي أن صيغة الإيجاب والقبول المذكورة تتضمن وجود عمل العامل، والأرض التي يعمل فيها، وآلات الزرع التي يستخدمها، والبذر الذي يلقى على الأرض حتى تنبت، ولذا عد بعضهم أركانها أربعة وهي: الأرض؛ وعمل العامل، والبذر، وآلات الزرع.
وأما شروطها فهي قسمان قسم يشترط لصحة العقد وقسم إذا وجد يفسد العقد، فأما شروط الصحة فأنواع:
النوع الأول: يتعلق بالمتعاقدين وهو العقل، فلا تصح المزارعة من مجنون ولا صبي لا يعقل أما الصبي المميز المأذون من وصية فإن مزارعته تصح؛ ولا تشترط فيها الحرية فتصح أيضاً من العبد المأذون من سيده.
النوع الثاني: يتعلق بالمزروع وهو أن يبين النوع الذي يريد زرعه من قمح أو قطن أو نحوهما، إلا إذا قال له صاحب الأرض ازرع ما شيءت فإنه يجوز له أن يزرعها ما شاء، إلا أنه ليس له أن يغرس فيها شجراً لأن عقد المزارعة خاص بالنبات. فإن لم يبينا جنس البذر من قمح أو شعير مثلاً فإن كان البذر على العامل فسدت المزارعة، وإن كان على المالك فإنها لاتفسد، وذلك لأن عقد المزارعة لا يتأكد في حق من عليه البذر قبل إلقائه على الأرض فيجوز له فسخه قبل ذلك بدون عذر، فإن كان البذر على المالك فلا يلزم ببيان جنس البذر لأنه صاحب الحق في بيان النوع الذي يختار زرعه في أرضه، وحيث كان عليه البذر كان العقد صحيحاً، ويكتفي في إعلام العامل في إلقاء البذر الذي به يتأكد العقد أما إذا كان البذر على العامل فإن العقد يتأكد في حق صاحب الأرض بالإيجاب والقبول، فلا بد من بيان نوع البذر إلا إذا فوض صاحب الأرض للعامل له ازرع ما شيءت من زرع الأرض بعد فساد المزارعة، فإذا تمكن العامل من زرع الأرض بعد فساد العقد ورضي له المالك فإنها تنقلب صحيحة لأن المالك قد رضي بالضرر الذي لحقه من عدم بيان جنس المزروع وخلى بينه وبين زراعة الأرض وتركها في يده حتى ألقى البذر فزال المفسد بذلك.
النوع الثالث: يتعلق بالناتج المتحصل من الزرع وهو ستة:
أحدهما: أن يكون مذكورأ في العقد، فلو سكت عن ذكر المتحصل وكيفية استحقاق الشريكين فيه فسد العقد.стр. 997
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثانيها: أن يكون المتحصل لهما معاً، فإذا اشترطا أن يكون الخارج كله لأحدهما دون الآخر لا يصح عقد المزارعة ثم كان الخارج كله للعامل كان إعارة من المالك، وإذا كان الخارج كله للمالك كان إعانة من العامل.
ثالثهما: أن تنكون حصة كل من الشريكين من نفس الخارج فلو كان شرطاً أن يكون نصيب أحدهما قمحاً مع كون الخارج قطناً لا يصح، وكذلك لو شرطا أن يكون نصيب أحدهما قطاناً من القطن المزروع في أرض أخرى وهكذا.
رابعهما: أن يكون نصيب كل منهما من ذلك الخارج معلوماً كالبصف أو الثلث أو الربع أو نحو ذكك.
خامسهما: أن يكون جزء شائعاً كا منهما من ذلك كأن يكون نصفاً أو ثلاثاً أو نحو ذلك.
سادسهما: أن لا يشترط لأحدهما وزيادة معلومة كأن يشترط لأحدهما نصف الخارج مع زيادة أردب أو يشترط له قيمة البزر ثم يقسم الباقي نصفين أو ثلاثاً لجواز أن لا تخرج الأرض سوى البذر.
النوع الرابع: يتعلقب الأرض التي يراد زرعها وهو ثلاثة: أحدها: أن تون صالحة للزراعة فلو كانت سبخة نزلاً يجوز العقد، وأما إذا كانت صالحة للزراعة في المدة التي بنيت في العقد ولكن منع من زرعها مانع وقت العقد كعدم الماء فإن العقد يصح.
ثانيهما: أن تكون معلومة كان يبين أنه دفع إليه الأرض المحدودة بكذا ليعمل فيها مزارعة فإذا لم تكن الأرض معلومة فلا تصح المزارعة ولو دفع له أبنية من الأرض وقال له الذي يزرع منها قمحاً يكون كذا والذي يزرع منها ذرة يكون كذا، فلا يصح العقد أيضاً، إذا لا بد من بيان ما يزرع قمحاً بحدوده وما يزرع منها يكون منها ذرة كذلك حتى لا تكون الأرض التى يراد زرعها مجهولة. وكذلك لا يصح العقد إذا قال بعضها يكون ذرة وبعضها يكون قمحاً لوجود الجهالة في مقدار ما يزرع من النوعين فلا بد من بيانه.
ثالثهما: أن تكون الأرض مسلمة إلى العقائد من كل ما يمنع زرعها، وأن يمكن العامل من العمل والتخلية بينه وبين الأرض، ومثل ذلك ما إذا اشترط أن يكون العمل بينهما معاً فإن العقد لا يصح لعدم التخلية التامة وبين الأرض مسغولة بزرع، فإذا كان نباتاً صغيراً فإن العقد يصح على أنه معاملة (مساقاة) لا مزارعة أما إذا كان الزرع كبيراً قد أدرك فإن العقد لا يصح رأساً لا مزارعة ولا مساقاة إذ لا يكون للعامل حينئذ.
النوع الخامس: يتعلق بالمدة وهو شروط ثلاثة:стр. 998
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أحدهما: أن تكون المدة معينة.
ثانيهما: أن تكون صالحة لوقوع الزرع فيها.
ثالثهما: أن لا تكون ممدة إلى زمن طويل بحيث لا يعيش إليه أحد المتعارفين غلباً.
ويصح عقد المزارعة بدون بيان المدة إذا كان وقت الزرع معروفاً لا يفاوت وقفه وتقع على أول زرع.
النوع السادس: يتعلق بآلة الزرع، وهو أن تكون في العقد تابعة فإذا جُعل للبقر الذي يحرس مقابلاً معيناً من عمل أو بذر أو نحوهما فسد.
ومن شروط الصحة أيضاً بيان من عليه البذر سواء أكان المالك أم العامل لأن البذر إن كان من قبل صاحب الأرض مانت المزارعة استاجاراً للعامل، وإن كان البذر من قبل العامل كانت استأجاراً للأرض فإذا لم يذكر من عليه البذر لم بعلم إم كان العقد إجارةً للأرض أو للعامل فيكون المعقود عليه مجهولاً فلا يصح العقد.
وأما الشروط المفسدة لعقد المزارعة فمنها: اشتراط كون الخارج لواحد منهما. ومنها:
اشتراط العمل على صاحب الأرض فلو اشترط العامل ان يكون العمل على صاحب الأرض فسد الغقد لأن ذلك يمنع تسليم الأرض إلى العامل وهو شرط من شرزط الصحة كما تقدم.
ومنها: شرط كون آلة الزرع من حيوان ونحوه على المالك، أما شرط الحصاد والتذرية ونحو ذلك فقيل يجوز أن يكون ذلك على العامل إذا كان عرف الناس على هذا، وقيل أنه شرط يفسد العقد وذلك هو المفتى به.
والذي ينبغى في ذلك هو أن كل ما يحتاج إليه الزرع قبل إدراكه وجفافه من السقي والحراسة وقلع الحشائش الضارة به وحفر الأنهار ونحو ذلك، فإنه يكون على المزارع العامل.
أما ما يحتاج إليه الزرع بعد جفافه وإدراكه فهو على قسمين:
القسم الأول: ما يحتاج إليه الزرع قبل قسمة الغلة من تخليص الحب من السبل والتبن والتذرية وتنقية الحب ونحو ذلك ونفقات هذا تكون على الشركين بنسبة مالهما من الخارج من النصف أو الثلث وهكذا.
القسم الثاني: ما يحتاج إليه الزرع بعد قسمة حبه من الحمل إلى البيت ونحو ذلك ونفقات هذا تكون على كل واحد في نصيبه بمعنى أن كل واحد ينفق على ما خصه بعد القسمة.
ومن الشروط المفسدة للمزارعة أن يشترط كون التبن لمن لا يدفع البذر لأن هذا الشرط لا يقتضيه العقد فإن العقد يقتضي أن يكون التبن لصاحب البذر، فإذا اشترط كون التبن لصاحب البذر صح الشرط والعقد وكان التبن لصاحب البذر، وإذا لم يتعرض للتبن فلم يشترط كونه لهذا ولا لذاك فبعضهم يقول إنه يكون لصاحب البذر لأن التبن ناتج من الحب فهو من حق صاحب الحب بدون شرط، وبعضهم يقول أنه يكون بينهما على حسب نصيب كل منهما تبعلاً للعرف، على أن العامل إذاстр. 999
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) كان شريكاً بالربع فإن الظاهر عندهمأن لاشيء لهم في التبن، وإذا كان بالثلث فإنه يستحق نصف التبن.
ومنها أن يشترط صاحب الأرض على المزارع أن يحدث بأرض شيءاً يستمر بعد انتهاء زرع المدة المتفق عليها كبناء دار أو مصرف ما أو حفر (ترعة) أو نحو ذلك فإن شرط شيء من ذلك في العقد فقد فسد، وأما كراء الأرض (وهو قلبها للحرث) فلا يخلو إما أن يشترط شيء لمصلحة الزرع أو لمصلحة الأرض بحيث تستمر فائدته بعد انتهاء مدة الزرع المتفق عليها من أول شرط صحيح يقتضيه العقد لأن الزرع لا يصلح إلا بالحرث، والثاني شرط فاسد مفسد للعقد. ومثال ذلك ان يشترط (حرث) الأرض من أجل الزرع وحرثها مرة أخرى بعد حصاد الزرع ليستلمها صاحبها محروثة، فإن المرة الثانية في هذه الصورة لا علاقة لها لالزرع فيفسد العقد، أما إذا اشترط (حرثها) مرتين أثناء مدة الزرع وكانت منفعة المرة الثانية مقصورة على الزرع لا تفيد الأرض بعد انتهاء الزرع فإنه يصح. وإذ قد عرفت معنى المزارعة عند من يجيزها ومن يمنعها وعرفت الشروط المصححة لها والمفسدة فإنه يسهل عليك معرفة الصور الجائزة والممتنعة منها، ولكننا نريد أن نذكر لك هنا ملخص ما ذكره من الصور الجائزة والممتنعة عند الصاحبين بعدما عرفت فيما تقدم الصور الجائزة عند الإمام.
فأما الصور الجائزة عندهما، فمنها: أن تكون الأرض من أحدهما والبذر والعمل وآلات الزرع من الاخر، وشرطا أن يكون لصاحب الأرض شيئاً معلوماً من المتحصل من الزرع كالنصف أو الثلث أو نحو ذلك لأنه في هذه الحالة يكون العامل مستأجر للأرض بشيء معلوم مما يخرج منها وذلك جائر عندهما كما أن استأجار العامل ببعض الخارج من الأرض جائز كذلك إنما الممتنع هو استأجار غيرهما.
ومنها: أن تكون الأرض والبذر وآلات الزرع على المالك، ويكون العمل وحده على العامل ويكون له نصيب معين في المتحصل من الزرع كالنصف أو الثلث أو الربع، وهذه الصور جائزة أيضاً لأنها استئجار العامل ببعض ما يخرج من الأرض وقد علمت جوازه عندهما.
ومنها: أن تكون الأرض والبذر من أحدهما، والعمل وآلات الزرع على الثاني، وهذه أيضاً جائزة أيضاً لأن صاحب الأرض في هذه الحالة يكون مستأجراً ليعمل في أرضه ببقرة ونحوه من آلات الزرع.
وأما الصور الممتنعة فمنها: أن تكون الأرض وآلات الزرع كالبقر وما في معناه من الآلات التى تستعمل لشق الأرض من أحد الشيكين ويكون البذر والأرض من الشريكين الأخر؛ وإنما كانت هذه الصور فاسدة لأن منفعة الأرض لا تجانس منفعة آلات الحرث حتى تنضم إليها ويقدمها اللمالك في نظير البذر والعمل، وذلك لأن منفعة الأرض إنبات الزرع ومنفعة البقر وما في معناه العمل ولا تجانسстр. 1000
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بين المنفعتين حتى يمكن خلطهما، وهذا هو الذي عليه الفتوى، وقيل بجوار هذه الصورة إذا جرى عليها العرف.
ومنها: أن يكون البذر من أحدهما والأرض والعمل وآلات الزرع من الآخر، وهذه الصورة فاسدة لأنها عبارة عن كون صاحب البذر قد استأجر الأرض ببذره. وقد عرفت مما تقدم أن من شروط الصحة أن يتتمكن المستأجرلا على الآخر فكيف يمكنه أن يضع يده عليها وهي في يد العامل.
ومن أجل ذلك لا يصح أن يشترك في المزارعة ثلاثة على أن يكون على أحدهما وعلى الثانى البذر وعلى الثالث البقر وما في معناه من آلات الزراعة. لأنه في هذه الحالة يكون صاحب البذر مستأجراً للأرض وهي في يد الذي عليه العمل فلا يمكن أن يضع المستأجر عليها يده فيفسد العقد.
أما إذا اشترك أربعة على أن يكون البذر على احدهما، والأرض على الثانى؛ والقر على الثالث، والعمل على الرابع، فإن عقد المزارعة يفسد بعلة أخرى وهو أن البقر وحده لا يصح اسئجاره
ببعض الخارج من الأرض وفي هذه الحالة يكون مستأجرا ببعض الخارج، لأنه جعل قسماً مقابلاً. للأقسام الأخرى من البذر والعمل والأرض، ولهذا جعل من شروط الصحة أن لا تكون آلة الزرع مقصودة في العقد ببعض الخارج منها كما يصح استأجار العامل ببعض الخارج من الأرض ولا يصح استئجار غيرهما.
ومنها: ان يكون البذر والبقر من أحدهما؛ والعمل والأرض من الاخر، وهذه الصورة لا تصح لأنك قد عرفت أنه يشترط تجانس منفعة الأمرين المنضمين لبعضهما فيما يدفعه كل واحد من الشريكين، ولا تجانس بين منفعة البذر والبقر، كما تجانس بين منفعة الأرض والعمل.
ومنها: أن تكون الرض على أحدهما والبذر عليهما معاً مناصفة واشترطا أن يكون العمل على غير صاحب الأرض وأن يكون الخارج من الأرض بينهما نصفين؛ وهذه الصورة فاسدة لأنها تتضمن أن العامل يزرع نصف الأرض ببذره على أن يأخذه كله، فتكون مزارعة بجميع الخارج من الأرض بشرط 'عارة نصفها للعامل وذلك باطل.
أما إذا كانت الأرض ملكاً لهما معاً والبذر عليهما وكذلك العمل واشترطا أن يكون الخارج بينهما نصفين فإنه يجوز لأن كل واحد منهما يكون عاملاً في نصف الأرض واشترطا أن يكون الخارج بينهما نصفين فإنه يجوز لأن كل واحد منهما يكون عاملاً في نصف الأرض ببذره، فكانت هذه إعارة نصف الأرض لا بشرط العمل.
وأما حكمها فينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: حكم المزارعة الصحيحة وهو ملك منفعة الأرض حالاً والشركة في المتحصل منстр. 1001
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الزرع مالاً، وذلك لأن صاحب الأرض ملك العامل منفعة أرضه وهو اللزوم تارة وعدمه تارة أخرى فيكون العقد لازماً على من لابذر عليه سواء كان صاحب الأرض أو العامل، فإذا كان عقد المزارعة مشتملاً على يكون البذر على صاحب الأرض، فإنه لا يلزم بتنفيذه إلا إذا بذر الحب فعلاً، فأما قبل بذره فإن له أن يفسخ العقد بدون عذر خوفاً من ضياع بذره بدون فائدة؛ أما العامل الذي عليه فإنه يكون ملزماً بتنفيذ العقد بمجرد تمامه بالإيجاب والقبول ولا يصح له فسخه بدون عذر فإذا كان العقد مشتملاً على أن البذر على العامل كان الأمر بالعكس فلا يلزم بتنفيذه إلا إذا ألقى البذر فعلاً فإذالا لم يذكر من عليه البذر صحيحاً فإنه يكتفى بذكره ضمناً، كأن يقول له دفعت إليك الأرض لتزرعها لى أو استأجرتك لتعمل في أرضي، فإن في هذه الحالة
يكون البذر على رب الأرض بخلاف ما إذا قال دفعتها لك لتزرعها لنفسك فإن معنى هذا أن البذر يكون على العامل.
القسم الثاني: حكم المزارعة الفاسدة وهو أمور:
أحهما: أن المزارع لا يجب عليه شيء من أعمال المزارعة فلا يلزم بشيء إلا بالعقد الصحيح.
ثانيهما: أن البذر إن كان من قبل رب الأرض كان للعامل عليه أجر المثل وإن كان البذر من العامل لرب الأرض عليه أجر مثل أرضه ثم إن الذي يدفع البذر يكون له كل الخارج من الأرض فإن كان من قبل صاحب الأرض استحق الخارج ومفع للعامل أجر مثله الذي يستحقه على عمله، فالخارج كله حلال له فلا بالبصدق بشيء منه، أما إن كان البذر من قبل العامل واستحق الخارج من الأرض ودفع لرب الأرض أجرة مثل أرضه فالخارج كله لا يطيب له بل الذي يحل له أخه من الخارج هو قدر بذره وقدر أجرة الأرض التى دفعتها ويتصدق بما عن ذلك.
ثالثهما: أن أجر المثل لا يجب في المزارعة الفاسدة مالم يوجد استعمال الأرض. فإذا لم يعمل المزارع في الأرض شيءاً فلا يجب له أجر مثل العمل كما لا يجب عليه أجر مثل الأرض فإذا استعملت الأرض وجب أجر المثل وإن لم تخرج شيئاً.
(وبعد) فإذا فسد عقد المزارعة في موضع من مواضع سواء كان فاسداً بإجماع أئمة المذاهبأو بعضهم وأراد الشريكين أن يطيب لهما الخارج فإنه يمكنهما ذلك بعمل ما يأتى: وهو أن يعزل كل واحد من الشريكين (رب الأرض والمزارع) نصيبه من المتحصل حسبما اتفقا ثم يقول رب الأرض للمزارع: قد وجب لي عليك أجر مثل الأرض ووجب لك علي أجر مثل عملك وعمل ثيرانك وقيمة بذرك فهل صالحتنى هذه الحنطة (مشيراً إلى نصيب المزارع) وعلى ما وجب لك علي مما وجب لى عليك؟ فيقول المزارع: صالحت، ثم يقول المزارع لرب الأرض: قد قد وجب لي عليك أجر مثل عملى وثورى وقيمة بذري ووجب لك علي مثل الأرض صالحتنى على هذه الحنطة؟ (مشيراً إلى نصيب رب الأرض) وعما وجب لك على عما وجب لى عليك؟ فيقول رب الأرض: صالحت.стр. 1002
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وحاصل ذلك أن يقرر كل منهما لصاحبه فب ما وجب له وما وجب عليه ويطلب منه مصالحته على أخذ النصيب المفروز من الغلة وأن يترك ما وجب له نظير ما وجب علبه وبذالك يطيب لكل منهما نصيبه من الغلة لأن الحق بينهما لا يتعداهما إلى غيرهما فمتى تراضيا فقد حل لكل واحد منهما نصيبه وفي ذلك سعة لا تخفى ويسر عظيم.
المالكية - قالوا: ركن المزارعة ما به تنعقد على وجه صحيح وحكمهما الجواز إذا استوفت شرائطها.
أما الزرع في ذاته سواء كان في مشاركة أو لا فهو كفاية لاحيساج الإنسان والحيوان إليه، وهل يلزم عقد الشركة في المزارعة بمجرد الصيغة أو لا يلزم خلاف، فبعضهم يقول: إنه ينعقد لازماً بمجرد الصيغة، وبعضهم يقول: إنها لا تلزم بمجرد ذلك، بل لا بد بعد العقد طرح الحب على الأرض أو شتل الخضر كالبصل والخس أو وضع جذور القلقاس والقصب ونحو ذلك، فالكل واحد من الشيركين بعد العقد أن يفسخه ويرجع عنه مالم يطرح الحب ونحوه انه يلزم بعد ذلك وليس له فسخه وبعضهم يقول: إنها تلزم بالعمل فإذا شقت الأرض بالحرث وسويت لزم العقد وإن لم يطرح الحب، فالأقوال ثلاثة. الأول: أنها تلزم تلزم بالصيغة وحدها. الثانى: أنها تلزم بالصيغة والعمل من حرث الأرض في الأرض من حرث وتسوية. الثالث: أنها إلا إذا طرح البذر.
ويشترط الأول: أن يشتمل العقد على كراء الأرض بشيء ممنوع، وذلك بأن تجعل الأرض في مقابل البذر سواء كان طعاماً كالقمح والذرة أو لا كالقطن وذلك لأنه يمتنع تأجير الأرض بما ينبت بها مطلقاً إلا ما استثنى من الخشب ونحوه كما يأتى في الإجازة وكذلك يمنعون تأجير الأرض بالطعام وإن لم ينبت بها كالعسل، وقد تقدم إيضاح ذلك في تعريف المزارعة قريباً.
الشرط الثاني: أن يتساوى الشريكان في الربح بأن يأخذ كل واحد منهما بنسبة ما دفع من رأس المال، فلا يجوز أن يدفع اصف النفقات الازمة ثم يأخذ الثلث، نعم يصح لكل من الشريكين أن يتبرع لصاحبه بشيءمن حصته ولكن لا يصح ذلك إلا بعد أن يخرج كل واحد منهما ما التزم به كاملاً وبعد أن يبذر البذر ويشترط أن لا يتقدم ذلك وعد ولا عادة.
الشرط الثالث: خلط زريعة كل من الشريكين ببعضها والزريعة بتشديد الراء (التفاوي) سواء كانت حباَ أو غيره كما تقدم.
فإن كانت الزريعة من كلا الشريكين فإن المزارعة لا تصح إلا إذا خلط كل شيء منهما ما يخصه بما يخض صاحبه إما حقيقة بأن يضع كل منهما بذره على بذر الآخر، أو حكماً بأن يخرج كل منهما ما عليه إلى الأرض (الغيظ) ثم يبذر من هذا ومن ذاك بدون تمييز؛ فإذا اختص أحدهما بالبذر من تقاويه في فدان خاص تفسد المزارعة وقال بعضهم: لا يشترط ذلك بل لو اختص كل واحد بفدان ببذره فأخذ الحب ويذره بدون أن يخلطه ببذر صاحبه فإنه يصح والقولان راجحان.стр. 1003
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الشرط الرابع، أن يخرج كل واحد من الشريكين بذره مماثلاً لبذر صاحبه في الجنس والنصف فلا يصح أن يخرج أحدهما قمحاً والآخر فولاً فسدت الشركة وكان لكل واحد ما انبته بذره وعليه يقول: إنه لازم، وبعضهم إنه ليس بلازم، فيصح أن يخرج أحدهما قمحاً والآخر فولاً.
فالشرط المتفق على رجحانها اثنان: أن لا يشتمل العقد على تأجير الأرض بممنوع وان يتساوى الشريكان في الربح بحسب رأس المال، وبعضهم يقول بجوار تاجير الأرض مما يخرج منها فتصح المزارعة عنده مطلقة وفي المالكية وفي ذلك سعة.
الصورة الأولى من صور الصحيحة: هي أن يتساوى الشريكان أو الشركاء في الأرض والعمل والبذر وآلة الزرع والثيران وأن يتفقان على ان يأخذ كل واحد من الربح بقدر ما اخرجه وهذه الصورة جائزة بالتفاق وقد تم بيانها وهي جائزة عند الشافعية بلاخلاف.
الصورة الثانية: أن تكون الأرض مملوكة لهما معاً أو أرضاً مباحة ليست ملكاً لأحد ثم يتفقان على زرعها شركة وعلى أحدهما البذر وعاى الثانى العمل، وهذه أيضاً صحيحة وتصح عند الشافعية لو أن صاحب البذر جعل للشريك الآخر بعضاً من البذر شائعاً نظير عمل شريكه له فيما لصاحب البذر من الرض شائعاً.
الصورة الثالثة: أن تكون الأرض مملوكة لأحدهما ويكون عليه البذر أيضاً نظير أن يكون على الآخر العمل باليد والبقر والآلة فقط. فسيأتى وهذه أيضاً جائزة إذا كانت لها قيمة.
الصورة الرابعة: أن تكون مملوكة لأحدهما وعليه بعض البذر وعلى الشريك الاخر العمل وبعض البذر، وهذه الصورة تصح بشرط أن لا ينقص ما يأخذه العامل من الزرع عن نسبة ما دفعه من البذر بل لا بد أن تكون حصة مستوية لما دفعه أو زائدة عليه.
مثال ذلك: أن يخرج رب الأرض ثلثي البذر ويخرج العامل الثث ثم يشترط أن يكون للعامل نصف الربع أو ثلثه، فإذا اشترط النصف فقد أخذ أكثر من نسبة بذره لأنه أخرج الثلث، ولإذا اشترط الثلث فقد أخذ ما يساوى بذره أما إذا اشترط له الربع فإن المزارعة تفسد.
الصورة الخامسة: أن تكون الأرض مملوكة لأحدهما وعليه البذر والبقر والآلة، وعلى هذا الشريك الثانى العمل فقط وهذه الصورة نعروفة بمسألة الخماس، وقد اختلف في صحتها، والراجح أنها تصح إذا كان العقد بلفظ الشركة على أن يكون للعامل جزء من الربح أو الخمس أما إذا كان العقدстр. 1004
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بلفظ الإجازة أو لم ينص على الشركة والإجازة فإنه يكون فاسداً الإجازة بجزء مجهول لا تجوز وعدم النص يحمل على الإجازة؛ وبعضهم يقول إنها ولو وقعت بلفظ الشركة.
وأما صور الفساد، فمنها: أن يتفقا على إسقاط الأرض من الحساب ويستويان فيما عدا ذلك من بذر وعمل ونحوهما كما يستويان في الربح. وهذه فاسدة لأن إلغاء الأرض التى لها قيمة توجب التفاوت بين الشريكين فلا يكون أحدهما مساوياً لصاحبه في رأس المال؛ أما إذا كانت الأرض رخيصة لا قيمة لها فإن إلغاءها جائز.
ومنها: أن يكون لأحدهما أرض رخيصة لا قيمة لها وعليه العمل ويكون على الثاني البذر وهذه فاسدة لأن بعض البذر في هذه الحال يكون واقعاً في مقابلة الأرض؛ وقد عرفت أن ذلك ممنوع. وقد يقال إن الأرض الرخيصة يصح إلغاؤها كما ذكر في الصور التى قبلها؛ والجواب أن البذر لم يقع في الصورة الولى مقابل الأرض لأنك قد عرفت أنهما متساويان في البذر وفي كل شيء ما عدا الأرض فإنها أسقطاها من الحساب.
ومنها: أن تكون احدهما الأرض وبعض البذر ويخرج الاخر العمل وبعض البذر ويأخذ العامل الربح أنقص من نسبة بذره كما تقدم في الصورة الرابعة.
ومنها: أن تكون مملوكة لهما معاً وأخرج كل واحد منهما نصيباً من البذر واختص أحدهما بالعمل وهذه الصورة ممنوعة للتفاوت في رأس المال لأن الذي اختص بالعمل وحده يكون زائداً فيما أخرجه عن الآخر فإذا اشترطا التساوى في الربح بعد ذلك كله كان إجحافاً بالذي
عليه العمل وقد علمت بطلانه.
ومنها: أن يتساوى الشريكان في الجمع ولكن أحدهما يسلف الآخر البذر لأن السلف في هذه الحالة يكون في نظير منفعة المقترض بالزرع والسلف الذي يجر نفعاً لا يجوز.
أما أحكام المزارعة الفاسدة فهي على وجهين:
الوجه الأول: أن يعرف الفساد قبل الشروع في العمل وحكم هذا الوجه ان العقد يفسخ وتنتهى المسألة.
الوجه الثاني: أن لا يعرف الفساد الا بعد العمل، ويشتمل هذا الوجه على ست صور:
الصورة الأولى: أن يشترك المتعاقدان معاً في العمل سواء كان عمل كل واحد منهما مساوياً لعمل الآخر أو كان أكثر أو أقل على المعتمد، وأن تكون الأرض من أحدهما والبذر على الاخر وحكم هذه الصورة أن يقسم الزرع بينهما نصفين فيأخذ كل واحد نصفه ثم يرجع كل منهما على صاحبه بنصف ما دفعه من رأس المال فيأخذ صاحب البذر من صاحب الأرض مثل نصف بذره ويأخذ صاحب الأرض من البذر نصف كراء أرضه ولا يخفى أن فساد هذه الصورة إنما جاء من جعل البذر مقابلاً للأرض، وهو ممنوع لأنه لا يجوز تأخير الأرض بالطعام كما تقدم قريباً.стр. 1005
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الصورة الثانية: أن يشترك المتعاقدان في العمل ولكن ليس لأحدهما سوى العمل أما البذر والأرض وآلات الزرع فللآخر، هذه مسألة الخماس المتقدمة، وقد عرفت انها لا تكون فاسدة إىلا إذا كان العقد بلفظ الإجارة لا بلفظ الشركة أو أطلق عن ذكر الشركة والإجارة، أما إذا ذكر بلفظ الشركة فإنه يكون صحيحاً على الراجح وحكم هذه الصورة إذا كان العقد فاسداً (بأن ذكر فيه لفظ الإشارة او لم يذكر شيء) أن لا يكون للعامل من الزرع شيء وإنما يكون له اجر مثله في عمله
الصورة الثالثة: أن ينفرد أحد الشريكين بالعمل وأن يكون له مع عمله البذر أما الأرض فتكون للاخر، وحكم هذه الصورة أن يكون الزرع للعامل وعليه أجر مثل الأرض وإنما فسدت هذه الصورة لأن الأرض وقعت في مقابلة العمل والبذر فيكون جزء من الأرض في مقابل العمل والجزء الآخر في مقابل البذر، وقد عرفت أنه لا يجوز.
الصورة الرابعة: أن ينفرد أحدهما بالعمل وأن يكون له مع عمله الأرض أما البذر فلشريكه، وحكم هذه كسابقتها وهو أن الزرع يكون للعامل وعليه أن يدفع مثل بذر لصاحبه.
وإنما فسدت هذه الصورة لأن البذر جعل في مقابل الأرض والعمل فكان جزء منه للأرض وجزء مقابلاً للعمل وقد علمت أنه لا يجوز.
الصورة الخامسة: أن ينفرد أحدهما بالعمل وتكون الأرض والبذر لهما، وحكم هذه الصورة أن يكون الزرع للعامل أيضاً وعليه أن يدفع لشريكه مثل بذره ومثل أرضه وفساد هذه الصورة أن يكون الزرع للعامل أيضاً وعليه أن يدفع لشريكه مثل بذره ومثل كراء أرضه وفساد الصورة أن يكون المساواة لأن الذي ينفرد بالعمل يكون مظلوماً كما تقدم.
الصورة السادسة: أن ينفرد أحدهما بالعمل ولا يكون له شيء سوى عمله كما تقدم، بل تكون الأرض والبذر وآلة الزرع للآخر، وفي هذه الحالة لا يكون للعامل سوى أجرة عمله كما تقدم، وكل ما تقدم من الصور مبنى على المختار المرتضى، وفيه أقوال اخرى لا حاجة بنا إلى إيرادها.
الحنابلة - قالوا: ركن المزارعة الإيجاب والقبول، فأما الإيجاب فإنه لا يصح بكل لفظ يدل على المعنى المقصود كأن يقول به زارعتك على أراضي هذه أو دفعت إليك لتزرعها بنصف ثمرتها أو نحو ذلك.
وتصح المزارعة بلفظ الإجازة، فلو قال استاجرتك على أن تعمل في أرضى بنصف الزرع الذي يخرج منه أو على أن تعمل في بستانى بنصف ثمرته. أو زرعه فإنه يصح أيضاً بما يدل عليه من قول أو فعل فلو استلم الأرض شرع في العمل بدون أن يتكلم فإن يعد قابلاً.
وهو عقد جائز غير لازم فيصح لكل من الطرفين فسخه ولو بعد إلقاء البذر فإن فسخها رب الأرض فإنه يلزمه أن يدفع للعامل أجرة عمله.
ويشترط لصحة العقد أمور أحدها أهلية العاقد فلا يصح من مجنون وصغير ولا يميز كما تقدم في البيع. ثانيها: معرفة جنس البذر وقدره فلا يصح العقد إذا كان البذر مجهولاً. ثالثهما: تعيين الأرض وبيانстр. 1006
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) مساحتها رابعها: تعيين النوع الذي يراد زرعه فلو قال رب الأرض للعامل إن زرعتها شعيراً فلك الربع وإن زرعتها حنطة فلك النصف لم يصح لوجود الجهالة، ومثل ذلك ما إذا قال ما زرعته من شعير فلى نصفه وما زرعته من قمح فلى ثلثه ولم يبين مساحة المزروع من كل منها فإنه لا يصح.
ولا يشترط أن يكون البذر من صاحب الأرض على الصحيح إنما الشرط أن يدفع كل واحد منها رأس مال فيصح أن يدفع احدهما الأرض فقط ويكون على الاخر البذر والبقر والعمل، كما يصح أن يكون البذر أو البقر أو هما على صاحب الأرض وعلى الآخر وهكذا.
ويشترط أن يكون نصيب كل منهما شائعاً كالنصف أو الثلث أو نحو ذلك فإن شرط أحدهما ان يكون له عدد معبن كإرردبين أو ثلاثاً فإنه لا يصح وحكم الفاسدة أن الزرع يكون لصاحب البذر وعليه أجرة العامل.
وإذا كان لشخص فدان أرض فأعطاه لعامل على أن يزرعه بنصف غلته ولكن قال له صاحب الأرض إنني آجرتك نصف آجرتك نصف الفدان بنصف البذر اللازم للفدان ونصف منفعتك ومنفعة دوابك فيكون للعامل نصف الفدان في نظير نصف البذر الذي وضع في النصف الثانى ونصف منفعة العامل اللازمة له فإن ذلك لا يصح لأن المنفعة وجهولة نعم إذا أمكن ضبطها وتقديرها فإنه يصح.
وإذا شرط المزارع أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ثم يقسم الباقى فلا يصح. لأنه بمنزلة اشتراط عدد من الأرادب.
الشافعية - قالوا: المزارعة بمعنى تأجير الأرض بما يخرج منها أو تاجير العامل بما يخرج من الأرض فاسدة، فإذا عمل المزارع في أرض بناء على ذلك العقد الفاسد فإن الخارج من غلتها يكون لمالكها وعليه أجر العامل وقيمة ما أنفقه على الأرض.
وقد عرفت أن المزارعة أن المزارعة بذلك المعنى يصح تبعاً للمساقاة وذلك بأن يدفع أحد الملاك أرضه المغروسة نخلاً أو بها كرم عنب للهامل أن يقوم على تنميتها بسقيها والمحافظة عليها في نظير جزء معين من ثمرتها وهذا هو عقد المساقاة، فإذا كان بتلك الأرض التى عليها النخل والكوم فراغاً صالحاً لزرعه حبوباً ونحوها فإنه يصح تأجيره ببعض الخارج من غلته ولكن بشروط:
الأول: أن يكون عقد المساقاة وعقد المزارعة واحد فلو انفراد كل منهما بعقد فسد المزارعة على المعتمد.
الثاني: أن لا يفصل بين المزارعة والمساقاة فاصل حال العقد كأن يتعاقدا على المساقاة ثم يصبرا زمناً طويلاً يفهم منه أنه قد تم التعاقد بينهما ثم يشرع بعد ذلك في عقد المزارعةстр. 1007
دليل المزارعة
-أما دليل صحة المزارعة فهو مأخوذ من السنة الصحيحة، فمن ذلك ما رواه ابن عمر قال: عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. متفق عليه.
وروى عن أبى جعفر محمد بن على بن الحسين بن على ثم أهلوها إلى اليوم يعطون الثلث أو الربع. فقد عمل الخلفاء الراشدون بالمزارعة ولم ينكر عليهم أحد فكان كالإجماع.
الحواشي
(١) الثالث: أن تتقدم المساقاة على المزارعة في العقد كي يعلم أن المساقاة هي المقصودة وان المزارعة تابعة لها.
الرابع: أن يكون عامل المساقاة هو بعينه عامل المزارعة، وزاد بعضهم شرطاً خامساً وهو: أن يتعذر تنفيذ عقد المساواة بدون زرع الأرض وذلك بأن يمكن سقى الشجر أو النخل وحده اما إذا أمكن فإنه يصح تأجير الأرض المتصلة به مزارعة ولكن المعتمد أن هذا الشرط غير لازم.
على أنهم قالوا: إن المزارعة يمكن تحصيلها في صور أخرى ليس فيها تأجير الأرض بما يخرج منها.
منها: أن يخرج المالك الأرض والبذر ثم يعطى الأرض مشاعاً إعارة ويستأجره على العمل في نصف الأرض المشاع الباقي له بنصف البذر العامل في نصف الأرض الذي استعار فإذا عمل العامل في الأرض على هذا التعاقد استحق نصف الخارج منها ولا يكون فيه استاجار الأرض ببعض الخارج. لأن المالك في هذه الحالة يكون قد استأجر بالبذر الذي بذره.
ومنها: أن يشترك المالك والعامل في رأس المال كأن يدفع المالك الأرض ويقوم المزارع بالعمل والدواب اللازمة على أن تكون قيمة اجرة الأرض مساوية لما يقوم به المزارع، وهذه الصورة إنما تصح بثلاثة شروط.
الشرط الأول: أن يكون البذر من منهما وذلك لأن نصيب كل منهما في الغلة يتبع البذر الذي أخرجه.
الشرط الثاني: أن يأخذ كال واحد منهما نصيباً مساوياً لما دفعه فإذا كانت أجرة الأرض تساوي ثلث الخارج فلا يصح أن يشترط أخذ النصف.
الشرط الثالث: أن يقول المالك للعامل قد نصف الأرض بنصف العمل والبقر حتى لا يوجد تاجير الأرض بما يخرج منها.
ومنها: أن يقرض المالك العامل نصف البذر مثلاً ثم يؤجر له نصف الأرض شائعاً بنصف عمله ونصيب منافع دوابه التى تعمل في الزرع، وهذه المنافع وإن كانت مجهولة في ظاهرها إلا انها منضبطة في المادة والعرف.стр. 1008
هذا هو دليل المزارعة المشهور، وهو يحتمل أمرين:
الأول: أن يكون ذلك مختصاً بالأرض المزروعة نخلاً كما هو الشأن في أرض خيبر.
الثاني: أن يكون ذلك عاماً في كل أرض سواء كانت مغروسة أولا.
وقد اختلفت وجهة نظر المجتهدين على بناء هذا الاحتمال فمن منع المزارعة بمعنى تأجير الأرض بما يخرج منها أو تاجير العامل بما يخرج من الأرض تمسك بالأحاديث الدالة على النهى عن تاجير الأرض بما يخرج منها أو تأجير العامل بما ينتج من عمله لأن ذلك تأجير بمجهول لجواز أن لا تخرج الأرض شيئاً من الزرع فيضيع على العامل عمله.
والشريعة الإسلامية تحث الناس دائماً على أن تكون معاملتهم واضحة جلية حتى ترتفع من بينهم أسباب الشكوى والخصام، وتحث أيضاً على الرفق بالعامل فلا يصح أن تجعل عمله معلقاً في ميزان القدر بل لا بد أن يكون ضامناً لشيجة وجهوده وكده، وبيان ما سيحصل عليه من أجر.
أما ما ورد، في حديث ابن عمر ونحو بأرض خيبر وهي مزروعة نخلاً له ثمر معروف، فكان العامل على تنميتها وسقيها وهو واثق من نتتيجة عمله، وهذه هى المسافاة التى سيأتى بيانها، ولا خلاف في جوازها فلا يصح أن يقاس عليها الأرض التي لا زرع بها أصلاً أو الأرض التي ينبت بها ضعيف.
أما من اجاز المزارعة بالمعنى المذكور وهو تأجير الأرض بما يخرج منها فقد رأى أن الحديث عام وليس فيه ما يدل على الجواز خاص بهذه الأرض بدون غيرها، ولأن العلة وهي كون الأجرة مجهولة موجودة أيضاً في المساقاة، فإنه يجوز أن لا يجوز أن لا يثمر النخل أو يشيص أو تجتاحه آفة فيضيع على العامل عمله.
على أن الذي منع المزارعة بالمعنى النتقدم أجازها تبعاً للمساقاة، وفيها تاجير الأرض بمجهول على أى حال. وحينئذ تكون المزارعة مستثناة من منع التأجير بمجهول كالمساقاة، لما في ذلك من مصلحة الناس وعدم الحرج، فإن بعضهم قد يملك أرضاً وليس له قدرة على زرعها ولا يجد من يستأجرها: وبعضهم لا يملك أرضاً ولكن له قدرة على الزرع ويرغب في زرع الأرض على أن يكون لكل منهما نصيب شائع معلوم مما يخرج منها فإذا منعنا ذلك فقد أضعنا على الفريقين مصلحة وضيقنا عليهما مما يخرج منها فإذا منعنا ذلك فقد أضعنا على الفريقين مصلحة وضيقنا عليهما ما فيه سعة وليس للشريعة الإسلامية غرض في ذلك إنما غرضها مصلحة الناس وراحتهم والتوسعة عليهم.
هذا بيان وجهة نظر كل من الأئمة المتازعين في جواز المزارعة (أو تأجير الأرض بما
стр. 1009
يخرج منها ومنعه) وبديهي أن كل واحد من الفريقين إنما يبحث في تفكيره عن المصلحة التي تنشدها الشريعة الإسلامية ويناضل عن تفكيره عن المصلحة التى تنقضي إلى الحصول على تلك المصلحة والبعد عن الضرر الذي يلحق العامل الضعيف أو يصيب غيره.
وإذا كان الحال على ما ذكر فإنه يمكننا أن نطبق رأي الفريقين على ما هو واقع في زماننا وأن نختار ما هو مناسب لمصالح الناس ومنافعهم.
فمن الناس من ينتهز فرصة حاجة العامل الشديد إلى العمل فلا يعطي له أرضه إذا غبته غباً
فاحشاً وأرهقه إرهاقاً شديداً، فإذا ما دفعته الحاجة إلى العمل مزارعة في تلك الأرض كانت نتيجة عمله للمالك خاصة، فيستولى على غلتها فوق ما يفرضه عليه من مال وعمل؛ وهذا لا يجوز في نظر الشريعة الإسلامية التي توجب مساعدة المضطر ومعونة العامل الضعيف. فلهذا ينبغي تحذير الناس من المزارعة التي يترتب عليها حرمان العامل من كده واستغلال المالك إياه لحاجته. وعند ذلك يفتى برأي المالكية الذين يشترطون المساواة في الربح بنسبة ما قام به كل من الشريكين من عمل أو أرض أو نحوهما، حتى لا يطمع أحدهما في صاحبه.
أما إذا كانت عاطفة الخير متبادلة بين الناس وكل من الشريكين لا يريد إلا أن ينتفع بما يستحقه من أرض أو عمل فلا ينبغي أحدهما على صاحبه ولا يغنيه في أمر، ولا يخونه في عمل، وكانت المصلحة تقتضي العمل في الأرض مزارعة بقسمة ما يخرج من غلتها فإنه في هذه الحالة يفتى برأي من أجاز تأجير الأرض بما يخرج منها، بدون نظر إلى القيود التي ذكرها الفريق الآخر.
стр. 1010
مباحث المساقاة
تعريفها وشروطها وأركانها وما يتعلق بها
-المساقاة في اللغة مشتقة من السقي. وهي استعمال شخص في نخيل أو كروم أو غيرها لإصلاحها على سهم معلوم من غلتها ذلك هو المعنى اللغوي وهو مساوٍ للمعنى الشرعي، إلا أن المعنى الشرعي يشتمل على شرائط خاصة يترتب عليها صحة العقد بخلاف المعنى اللغوي فالمغايرة بينهما من هذه الناحية، ثم إن المساقاة مفاعلة والقياس أن يكون مصدرها وهو السقي واقعاً بين اثنين، مع أنه هنا واقع من العامل وحده، وأجيب بأنها على غير بابها أو أنها لوحظ فيها التعاقد وهو أعماله خصوصاً إذا كان بالدلاء من بئر عميق، فإن السقي يكون شاقاً
كل المشقة فلا تكاد الأعمال الأخرى تذكر بجانبه.
أما معنى المساقاة اصطلاحاً فهو عقد على خدمة شجر ونخل وزرع ونحو ذلك يشرائط مخصوصة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) المالكية - قالوا: ما ينبت بالأرض ينقسم إلى خمسة أقسام:
الأول: ان يكون له أصل ثابت وله ثمرة تجنى مع بقاء ذلك الأصل زمناً طويلاً كالنخل وشجر العنب والتين والبرتقال والمانجو ونحو ذلك.
الثاني: أن يكون له أصل ثابت ليس له ثمر يجنى كاللأثل والصنوبر والصفصاف ونحو ذلك.
الثالث: أن يكون له أصل غير ثابت وله ثمر يجنى كالموز والمقشأة (المقات من بطيخ وعجوز وقثاء ونحو ذلك) ، ومن المقثأة القرع ومثلها الباميا وقصب السكر ونحو ذلك.
الرابع: أن يكون له أصل غير ثابت يجنى ولكن له زرع وورق يبتفع به وذلك كالورد والياسمين ونحو ذلك.
الخامس: الخضر الرطبة التي يقصد الأنتفاع لا بثمرها وهي على قسمين: ما يقلع من جذوره ولا خلفة له كالبصل والثوم والفحل ونحوها مما لا ينبت غيره بعد قلعة. وما له خلفة كالكراث والكزبرةстр. 1011
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والجرجير والبقدونس والبرسيم ونحو ذلك مما يقطع وتبقى أصوله فتنبت ثانية، ولكل قسم من هذه المساقاة عليه شرطان.
الشرط الأول: أن يكون الشجر أو النخل قد غرسه زمن حتى صار بالغاً لأن يثمر في عامه الذي وقع فيع العقد سواء كان ذلك الثمر موجوداً وقت العقد أو لم يكون موجوداً أما إذا كان صغيراً كالنخل الصغير الذي لم (يطرح) في العام الذي حصل فيه التعاقد فإن المساواة لا يصح عليه ويسمون النخل الصغير الذي لم يبلغ فهل يصح العقد على الصغير تبعاً للكبير؟
والجواب: أنه إذا كان عدد الصغير قليلاً بحيث لا يتجاوز الثلث فإنه يصح. أما إذا كان عدد الصغير أكثر من الثلث فإن العقد يكون فاسداً.
الشرط الثاني: أنه إذا كان على النخل أو الشجر ثمر العقد فإنه يشترط أن يكون ذلك الثمر صغيراً لم يظهر صلاحه، وظهور الصلاح في كل شيء بحبسه ففي البلح باحمراره أو اصفراره وفي غيره بظهور الحلاوة به فإذا ظهر صلاحه فإنه لا يصح عقد المساقاة عليه في هذه الحالة لأن الشجر يكون مستغنياً عن الخدمة حينئذ.
وبعض أئمة المالكية يقول بصحة العقد على أنه إجارة لأن الإجارة عنده بلفظ المساقاة فإذا أراد المالك أن يتعاقد مع العامل على خدمة بستان به شجر قد ظهر صلاح ثمره فهل يصح التعاقد؟
والجواب أنه يصح بشرطين:
أحدهما: أن يكون الشجر الذي ظهر صلاحه أقل من الذي لم يظهر بحيث لا يزيد عن ثلثه كما تقدم في الذي قبله.
ثانيهما: أن يكون الشجر أنواعاً مختلفة كنخل ورمان ويكون النوع الذي ظهر صلاحه غير النوع الذي لم يظهر صلاحه فإذا ظهر بعض صلاح البلح مثلاً ولم يظهر بعض صلاح الرمان وكان الذي ظهر صلاحه من البلح أقل مما لم يظهر فإنه يصح.
أما إذا كان الشجر نوعاً واحداً كنخل فقط؛ وظهر بعض صلاح ثمره، فإن جميع النخل في هذه الحالة يحل بيعه، فالذي لم يظهر صلاحه يكون في حكم ما ظهر صلاحه، وكذلك إذا كان الشجر الذي بالبستان نوعين فأكثر ثم ظهر صلاح كل نوع منه سواء كان قليلاً فإنه في هذه الحالة يدل على صلاح الجميع.стр. 1012
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وحكم ما يدل في العقد تبعاً أن يكون بين المالك والعامل فإذا شرط أن ينفرد به أحدهما بطل العقد.
وهناك شرط ثالث فيما له أصل وله ثمر يجنى؛ وذلك الشرط هو أن يكون الشجر مما لا يخلف والإخلاف له معنيان، معنى في الشجر ومعنى في الزرع، فمعناه في الشجر هو أن ينبت بجانب الثمرة التي استوت قبل قطعتها شجرة أخرى جديدة مثمرة كالموز فإنه بعد أن تثمر شجرة الموز تنبت إلى جانبها شجرة أخرى تثمر قبل قطع الأولى وهكذا، ومعهناه في الزرع هو أن ينبت له خلف بعد قطعة كالبرسيم ونحوه مما تقدم، وحكم الشجر الذي يخلف بعد قطعه أنه لا تصح مساقاته لما فيه من الجهالة وعدم معرفة ما يتفرغ من الشجر الذي يخلف بعد القطع كشجر النبق وغيره (فإن معظم شجره ينبت ثانياً إذا قطع وبقي أصله) فإن المساقاة تصح عليه وحكم الزرع الذي يخلف أنه لا تصح عليه المساقاة كما ستعرفه.
وأما القسم الثاني: وهو ماله أصل ثابت وليس له ثمر يجنى فإن المساقاة لا تصح عليه.
واما القسم الثالث: وهو ماله أصل غير ثابت وله ثمر يجنى كالمقثاة وكذلك القسم الخامس وهو الخضر الرطبة فإنه لا تصح المساقاة عليها إلا بخمسة شروط:
الشرط الأول: أن يكون مما لا يخلف مما لا يخلف بعد قطعة المساقاة في البصل والفحل والخس والجزر (والمقات) فإنها لا تنبت غيره بعد قطعه وكل ما يقلع من أصول ولا يترك أصله حتى ينبت ثانياً كالبرسيم والكراث والكزبرة والبقل ونحوها فإنه لا تصح عليها المساقاة.
الشرط الثاني: أن يعجز صاحبه عن تمام سقيه وخدمته فإن أمكنه أن بخدم مقثأته وبصله وفجله فإنه لا يصح أن يتعاقد مع غيره على أن يتم له خدمته بجزء منه.
الشرط الثالث: أن يخاف موته إذا لم يتعاقد مع غيره على سقيه.
الشرط الرابع: أن يكون قد برز من الأرض ليكون شبيهاً بالشجر.
الشرط الخامس: أن لا يكون صلاحه قد ظهر، فإن لم تتحقق هذه الشروط في ذلك القسم فإنه لا تصح المساقاة عليه.
وأما القسم الرابع: وهو ماله أصل غير ثابت ولكن له زهر وورق ينتفع به كالورد والياسمين فإنه كالشجر فلا يشترط فيه عجز صاحبه عن سقيه وإنما يشترط فيه الشروط التي ذكرت أولاً في الشجر واختلف في القطن الذي يجنى مرة بعد أخرى وكذلك العصفر فقيل إنه يشترط فيه الشروط الخمسة المتعلقة بالزرع وهو الراجح وقيل هو كالشجر فلا يشترط فيه سوى شروط الشجر.
ولا يشترط في المساقاة أن يكون الزرع محتاجاً للسقي فلو فرض وكانت الأرض ندية والشجر يشرب بعروقه منها بدون حاجة إلى سقي فإنه يصح عقد المساقاة لأن الشجر يحتاج إلى خدمة كثيرة غيرстр. 1013
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) السقي وحراسته وخدمة الأرض التي علها وهذا كاف في صحة العقد، ويسمى
الزرع الذي لا يجتاج إلى الماء بعلاً.
وكذلك لا يشترط في المساقاة أن تكون بجزء الثمرة بل تصح بجزء الثمرة وبجميعها فلو اشترط العامل أن تكون الثمرة كلها في نظير خدمته فإنه يصح وكذلك إذا اشترط ذلك المالك، إنما الذي يشترط من ذلك أن يعين عدد مخصوص أو يعين ثمرة نخلة مخصوصة كأن يقول المالك للعامل ساقيتك على بستاني هذا بشرط أن يكون لي عشرون كيلة من بلحه أو بشرط أن يكون لي بلح نخلة كذا، يصح أن يجعل نصيب أحدهما شائعاً في بعض النخل أو الشجر كما لا يصح أن يكون نصيبه مجهولاً كأن يكتفي في عينيه بالعرف إذا كان الناس لهم عرف في مثل ذلك.
وكذلك يشترط أن يكون الجزء الذي يخص كلاً منهما مستوياً في جميع أشجار البستان، فإذا كان البستان نخل ورمان وعنب واتفقا على خدمته بالثلث فإنه يجب أن يكون الثلث شائعاً في الجميع فلا يصح أن يكون في النخل الثلث وفي غيره الربع مثلاً ويفي هذا الشرط اشتراط شيوع النصيب في جميع الأشجار لأنه إذا كان له الثلث شائعاً فلا بد أن يكون في كل أنواع الشجر بنسبة واحدة ولكن دكرناه لزيادة الإيضاح.
فالشروط المختصة بنصيب كل من المالك والعامل ثلاثة:
أحدهما: ان يكون معيناً كالربع او الثلث أو نحو ذلك سواء كان تعينه بالنص لفظاً أو بعادة أهل البلد.
ثانيهما: أن يكون شائعاَ مستوياً في جميع الأشجار.
ثالثهما: أن لا يعين قدر مخصوص كعشرين كيلة أو يعين ثمن شجر مخصوص.
هذه هي شروط صحة المساقاة.
وأما شروط المفسدة لها، فمنها: أن يشترط المالك إخراج الخدم أو الدواب الموجود في البستان حين التعاقد فإذا لم يشترط ذلك ثم أخرجها بدون شرط فإن العقد لا يفسد. وكذلك إذا أخرجها قبل التعاقد، ولو كان إخراجها بعد العزم على العقد.
ومنها: أن يشترط تجديد شيء في البستان لم يكن موجوداً حين العقد كبناء حائط أو غرس شجر فإذا جدد أحدهما شيئاً من نفسه بدون شرط فإنه لا يضر.
ومنها: أن يشترط أحدهما على الآخر القيام بعمل خارج عن خدمة الشجر كأن يشترط أحدهما على صاحبه خدمة بيته او القيام بطحن غلته او نحو ذلك.
وعلى العامل أن يقوم بجميع ما يحتاج إليه البستان عرفاً ولو بعد انتهاء مدة المساقاة كتلقيحстр. 1014
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الشجر وتنقية من الحشائش الضارة وإحضار ما رث من حبال ودلاء لازمة للسقي وهكذا وعلى المالك أن يدفع أجرة الخدم الذين كانوا في البستان حين التعاقد وأن يجدد بدل من يمرض منهم.
واما أركلنها فهي أربعة: الأول: ما يتعلق بالعقد من شجر وعامل ومالك. الثاني: المشروط للعامل. الثالث: العمل. الرابع: ما به تنعقد من الصيغة، وتنعقد بلفظ ساقيت بخصوصه على رأي بعضهم، وتنعقد به زبلفظ عاملت ونحوه على رأي البعض الآخر، وهو الراجح.
الحنفية - قالوا: المساقاة وتسمى المعاملة تصح في كل نبات يبقى في الأرض سنة فأكثر، فتصح في الشجر الكبير كشجر النبق (النخل) ونحوهما، وكذلك تصح في الزرع سواء كان خضراً كالراث والسلق والجرجير ونحو ذلك وتسمى بالبقول. أو كان (مقثأة) كالبطيخ والعجور
والقثاء والشمام ونحو ذلك ومنه القرع ومثله الباذنجان والباميا أو كان شجر كروم كالعنب والرمان والسفرجل ونحو ذلك ويسمى ذلك كله بالرطب جمع رطبة كقصعة وقصاع ولا يشترط في الشجر أن يكون مثمراً فتصح في الصفصاف والجوز والصنوبر والأثل ونحوها بشرط
أن تكون في حاجة إلى السقي والحفظ فإذا لم تحتج لذلك فلا تصح عليها المساقاة. وركنها الإيجاب والقبول وذلك بأن يقول له دفعت إليك هذا البستان مساقاة فيقول العامل قبلت.
ويشترط لها أمور، ومنها: أن يكون العاقدان عاقلين ولو يكونا بالغين.
ومنها: انهما إذا تعاقدا على شجر مثمر يزيد بالعمل فيه، فإذا كان فيه طلع أو فيه ثمر قد احمر أو اخضر أو اصفر ولكنه لم يستو فإنه تصح مساقاته، أما إذا كان قد استوى وأصبح صالحاً للجني ولكن ينقصه أن يكون رطباً فإن مساقاته لا تصح.
ومنها: أن يكون الخارج من الثمر لهما فلا يصح أن يكون لواحد منهما فقط.
ومنها: ان تكون حصة كل واحد منهما معلومة القدر كالثلث أو الربع أو نحوهما.
ومنهما: أن تكون شائعة في جميع الشجر.
ومنها: التسليم للعامل وهو أن يخلى بينه وبين الشجر فلو اشترطا أن يكون العمل عليهما معاً فسد العقد.
ولا يشترط في صحة المساقاة بيان المدة فإذا تعاقدا بدون بيان مدة فإن العقد يصح ويقع على أول ثمرة تخرج بعد العقد فإذا تعاقدا على خدمة كرم وليس لثمرته مدة يعرف فيها ابتداؤه وانتهاؤه فإنه لا يصح اما إذا كانت له مدة تعلم فإنه يصح.
وأما الشروط المفسدة لعقد المساقاة، فمنها: كون الخارج كله لأحدهما. ومنها أن يكون لأحدهما نصيب معلوم العدد أو الكيل العدد أو الكيل كأن يشترط أن يكون كيلة من الثمر ونحو ذلك.
ومنها شرط العمل على صاحب الأرض لأو عليهما معاً لما عرفت.стр. 1015
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومنها: أن يشترط على أحدهما حمل الثمر وحفظه بعد قسمته لأن بعد القسمة يكون كل واحد مسؤولاً عن نصيبه.
ومنها: شرط قطع الثمر أو قطفه على العامل وحده. ومنها: شرط عمل تبقى منفعته بعد انتهاء مدة المساقاة كبناء حائط أو غرس أشجار أو نحو ذلك، ومنها أن يكون نصيب تابعاً للعمل، فلو تعاقدا على أن يخدم العامل ليأخذ ثلث ثمره ويأخذ المالك الثلث الثاني ويأخذ شخص
ثالث لم يعمل الثلث الآخر لم يصح العقد.
ويتعلق بالمساقاة أحكام:
منها: أن ما يحتاج إليه الشجر ونحوه من السقي وإصلاح الترع والحفظ وتلقيح النخل وتنقية الحشائش ونحو ذلك فإنه يلزم به العامل. أما ما يحتاج إليه الشجر من النفقة، وما تحتاج إليه الأرض من تقليب ويسمى "عزقاً" أو سباخ، أو نحو ذلك من النفقات المطلوبة لإصلاح الأرض والشجر لينمو الثمر ويزيد، فإنه يكون عليهما بحسب نصيب كل منهما.
ومنها: أن يقسم الخارج بينهما بحسب الشرط.
ومنها: أنه إذا لم يخرج الشجر شيئاَ فلا شيء لواحد منهما على الأخر.
ومنها: عقد المسا قاة لازم من الجانبين فلا يضح لأحدهما فسخة بعد تمامه من غير رضا صاحبه إلا لعذر كمرض العامل إذا كان يضعه عن العمل، أو تبين للمالك أن العامل سارق معروف با لسرقة، فإن له أن يفسخ التعاقد معه. وتفسخ بموت المتعاقدين أو أحدهما وبانقضاء المدة.
ومنها: أن العامل يجبر على العمل إلا لعذر.
ومنها: جواز الزيادة على الشرط والحط منه.
وأما المساقاة الفاسدة فحكمها أن الخارج يكون كله للمالك وأن للعامل أجر مثله سواء أخرج الشجر ثمراً أولا. وصفة عقد المساقاة أنه لازم كما عرفت.
وبالجملة، فشرائط عقد المزارعة إلا فيما لا يمكن وجوده في المساقاة كبيان نوع البذر. وحكمها، وهو الصحة على المفتى به، خلافاً للإمام الذي يقول بعدم صحة المساقاة كالمزارعة.
ولكن يفرق بين المساقاة والمزارعة بأربعة أمور:
الأول: أن يعقد المساقاة لزم فلا يصح لأحدهما فسخة بعد الإيجاب والقبول بخلاف عقد المزارعة فإنه لا يلزم في جانب صاحب البذر إلا ألقي بالأرض كما تقدم.
الثاني: إذا تعاقدا على مدة معينة في المساقاة ثم انقضت المدة قبل استواء الثمرة فإنه يكون للعامل الحق في أن يقوم على الأشجار ويباشرها حتى تنتهي ثمرتها ولكن لا يكلف العامل يدفع أجرة حصته من الشجرة حتى تستوي الثمرة التي يجنيها، وبيان ذلك أنه انقضاء مدة المساقاة قد يتوهمстр. 1016
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أن يقول المالك للعامل لا حق لك في بقاء ثمرك على الشجر الذي أملكه بعد بطلان العقد بانقضاء مدته، فإذا شيءت بقاءه إلى أن ينتهي فادفع عليه أجراً. ولكن هذا لا يجوز إذ ليس للمالك مطالبة العامل بأجر على بقاء الثمر لأن الشجر استئجاره.
أما المزارعة فإن العامل وإن كان له الحق في القيام على الزرع بعد انقضاء المدة حتى تنتهي ولكن للمالك الحق في مطالبته بأجر أرضه التي عليها زرعه إلى أن ينتهي، لأن الأرض يصح استئجارها.
الثالث: إذا تعاقد شخص مع آخر على خدمة بستان مساقاة وعمل فيه ثم ظهر أن ذلك البستان حق لشخص آخر غير الذي تعاقد معه، فإن كان به ثمر فإن العامل يرجع على من ثبت أن ذلك له. أما إذا تعاقد معه عقد مزارعة وثبت أن الأرض حق لغير من تعاقد نعه، فإن الزرع كله يكون لمن ثبت له الأرض، ويرجع العامل عليه بقيمة ما يخصه من الزرع.
الر ابع: أن بيان المدة شرط في المزارعة وليست شرطاً في المساقاة، وذلك لأن وقت إدراك الثمر معلوم عادة، فإذا لم يبينا المدة فيقع العقد على أول ثمر في تلك السنة كما تقدم.
الشافعية - قالوا: المساقاة هي أن يعامل شخص يمولك نخلاً أو عنباً شخصاً آخر على أن يباشر ثانيهما النخل أو العنب بالسقي والتربة ونحو ذلك وله في نظير عمله جزء معين من الثمر الذي يخرج منه ولللولي أن ينوب عن المالك القاصر في ذلك.
وأركانها خمسة:
الركن الأول: الصيغة، وهي تارة تكون صريحة وتارة تحتمل أن تكون صريحة وأن تكون كناية، فالصريحة هي ما كانت بلفظ ساقيت وعاملت، فإذا قال له ساقيتك على هذا النخل أو العنب بكذا من ثمره، فإن العقد يقع صريحاً لازماً، اما الألفاظ التي تحتمل الأمرين فهي كأن يقول له سلمت لك هذا النخل أو هذا العنب لتتعهده بكذا من ثمره. أو يقول له تعهد هذا النخل الخ، أو يقول له اعمل فيه. فهذه الألفاظ الثلاثة تحتمل أن تكون صريحة في المساقاة وتحتمل أن تكون كناية لأنه يصح أن يقول قصدت بها الإجارة فيفسد العقد حينئذ لأن الإجارة لا تصح بجزء من الخارج.
ولكن المعتمد أن هذه الألفاظ صريحة في المساقاة لأن عدم ذكر لفظ الإجارة مع جعل العوض جزءاً من الثمر يعين المساقاة.
نعم لو صرح بلفظ الإجارة بأن قال له: أجرتك هذا النخل بجزء من ثمره فإنها تقع إجارة فاسدة نظراً للتصريح باللفظ وإن كانت في معنى المساقاة،
وكذا لو قال له ساقيتك على هذا النخل بعشرين جنيهاً فإن يقع فاسداً لأن المساقاة إنما تكون بجزء من الثمر لا بالنقد ولا يصح أن يكون إجارة نظراً للفظ المساقاة وإن كان في معنى الإجارة من حيث كونه بالنقد.
ويشترط لصحة الصيغة القبول لفظاً فلا يكفي مباشرة من العامل أو تسليم الشجر منстр. 1017
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المالك، فإذا كان أخرس فإن إشارته تقوم قوله إلا أن إشارته تون صريحة إذا كانت مفهومة لكل أحد وتكون كناية إذا كانت مفهومة للفطن فقط فإذا كانت كناية لا يلزم بها إذا امنتنع عن تنفيذ العقد إلا إذا قامت قرينة ترجح إرادة العقد.
الركن الثاني: العاقدان، إذ لا تتحقق المساقاة إلا بمالك وعامل يشترط فيهما أن يكون كل واحد منهما أهلاً للتعاقد فلا تصح من مجنون وصبي
الخ ما تقدم في البيع ويجوز للولي أن يتولى ذلك عن القاصر كما عرفت قريباً.
الركن الثالث: مورد العمل وهو النخل أو العنب إذ لا تتحقق المساقاة إلا
بوجودهما.
ومذهب الشافعية المعمول به الآن أن المساقاة لا تصح إلا في النخل والعنب بخصوصه ويعللون هذا بأن غيرهما من الأشجار ينمو بنفسه فلا يحتاج إلى من يباشر العمل فيه بخلاف النخل والعنب وقد يقال إن كثيراً من الأشجار تحتاج إلى تربية وعلاج أكثر كالمانجو وغيرهما أما المذهب القديم عندهم فإنها تصح في جميع الأشجار المثمرة واختاره بعض أئمتهم.
وعلى مذهب المعمول به عندهم إذا ساقى شخص آخر على نخل آخر كنبق أو برتقال أو غيرهما فهل تصح المساقاة عليهما تبعاً للنخل؟ خلاف والأصح الجواز بالشروط المتقدمة في المزارعة التي تصح تبعاً للمساقة. فإذا كان بالبستان شجر لا يثمر كالصنوبر فإنه لا تصح المساقاة عليه تبعاً للنخل كما لاتصح المساقاة منفرداً، ومثله الزرع الذي لا ساق له كالبطيخ والعجور وقصب السكر فإنها المساقاة عليها تبعاً كما لا تصح منفردة وبعضهم يقول بجواز المساقاة عليها تبعاً بالشرائط المذكورة.
ويشترط لصحة المساقاة أن يكون النخل أو العنب والشجر التابع معيناً مرئياً فلا تصح أن يقول له ساقيتك على احد البستانين اللذين أمامنا من غير أن يعين واحداً منهما ولا تصح المساقاة على ان يغرس العامل نخلاً ابتداء على أن يكون له نصفه أو ثلثه أو نحو ذلك لأن الغرس ليس من عمل المساقاة فإذا فعل ذلك فسد العقد وللعامل أجر مثله. إذا ساقاه على نخل مغروس ولكنه صغير لم يبلغ الحد الذي يثمر فيه ويسمى (ودياً. وفسيلاً) بأن يتعهد سقيه وتربيته من ثمره لا منه فإن ذلك يشمل ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يقدرا مدة يثمر فيها النخل أو ظناً وفي هذه الحالة يكون العقد صحيحاً فإذا لم يثمر النخل في تلك المدة فلا يستحق العامل أجراً ويضيع عليه عمله فإذا قدر له مدة خمس سنين مثلاً تبتدئ بعد شهرين ثم أثمر قبل قبل حلول الموعد فإن لا يستحق أجراً. وكذا إذا أثمر قبيل أن تنتهي المدة وتأخر بلوغ الثمر حتى فرغت المدة فإن للعامل حقه
في الثمر وعلى المالك أن يتم المطلوب للنخل.стр. 1018
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الصورة الثانية: أن يقدر له مدة لا يثمر فيها غالباً ولا يقيناً وظناً ولا احتمالاً وفي هذه الحالة يقع فاسداً بلا نزاع وللعامل عمله.
الصورة الثالثة: أن يقدر يحتمل أن يثمر فيها ويحتمل أن لا يثمر لجهل حال بلوغ مثل هذه النخل واختلف في هذه الصورة فقبل بفساد وقيل بصحته لأن الثمر مرجو ومن بعدم صحته يقول إن العامل يستحق الأجرة وإن لم يثمر.
الركن الرابع: العمل إذ لا تتحق المساقاة بدون عمل فالعامل مكلف بأن يقوم بكل الأعمال اللازمة لإصلاح الثمر ونمائه من سقي وحفظه وتنقية حشائش ضارة وتنظيف مجاري الماء وقطع الفروع الجافة التي تضر بالشجر (تقليم العنب) وتلقيح النخل ونحو ذلك من الأعمال التي تتكرر كل سنة ولا يشترط ان تبين هذه الأعمال في صيغة العقد بل يلزم بها العامل على أي حال حتى حال لو كلن المتعارف عند بعض الناس أن لا يعمل بعضها لأن ذلك ضروري.
أما الأعمال الداخلة في معنى المساقاة من غير الأعمال فإنه يشترط بيانها تفصيلاً في صيغة العقد إلا إذا كان فيها عرف متبع بين الناس معلوم للعاقدين فإنه في هذه الحالة يصح بدون بيانها تفصيلاً ويتبع فيها عرف أهل الجهة التي فيها النخل والشجر فإذا لم يكون فيها عرف أو كان ولم يعرفه المتعاقدان فسد العقد بدون بيانها واختلف في قطع الثمر وتجفيفه فقيل على العامل وقيل على المالك والأصح أنه على العامل.
أما الأعمال الثابتة التي لاتكرر كل سنة فهي على المالك كحفر الآبار
والمساقي وبناء الأسوار ووضع السقوف ونحو ذلك فإذا اشترط على العامل شيء من ذلك فسد العقد وكذا فإذا اشترط على المالك أن يعمل شيء من ذلك فسد العقد وكذا إذا اشترط على المالك أن يعمل شيئاً من أعمال المساقاة التي يختص بها العامل فسد العقد فإذا اشترط احدهما على الاخر شيئاً لا يختص به خارج العقد كما إذا اشترط المالك على العامل أن يبني سوراً فإن العقد لا يفسد ولا يلزم بتنفيذه.
ويشترط في العمل ثلاثة شروط:
أحدهما: أن يكون مقدراً بمدة كسنة أو أقل أو أكثر اشترطا مدة غير معينة فسد العقد.
الشرط الثاني: أن يكون العامل منفرداً بوضع اليد أيضاً فإن اشترطت المشاركة فسد أيضاً لأنه لا يكون حراً في العمل.
نعم يصح أن يشترط مساعدة العامل بخادم المالك بشرط أن يكون الخادم معروفاً بالرؤية أو الوصف وأن يعمل تحت تدبير العامل.
الركن الرابع: الثمر ويشترط لها شروط.стр. 1019
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أحدهما: أن تكون مختصة بالمالك والعامل فلو شرط دخول ثالث معهما في الثمرة فسد العقد.
ثانيهما: أن يكون نصيب كل منهما معيناً كالنصف أو الثلث أو نحو ذلك فلو قال: ساقيتك بجزء من الثمر فإنه لا يصح لأن الجزء غير معين. نعم لو قال ساقيتك على أن يكون بيننا فإنه يصح ويكون بينهما مناصفة.
ثالثهما: أن تكون الثمرة قد ظهر صلاحها فلا تصح المساقاة على الثمر الذي ظهر صلاحه.
هذا ولا يشترط أن يكون للعامل شيء من الشجر كالجريد ونحوه مما يختص به المالك.
واعلم أن عقد المساقاة لازم لا يصح لأحد الشريكين فسخه فإذا امتنع العامل عن العمل لعذر أو لغيره فللمالك أن يرفع الأمر إلى الحاكم ليلزمه. وإذا كان النخل أو العنب مملوكاً لاثنين فإنه يجوز لأحدهما مساقاة الآخر عليه يشترط له جزءاً زائداً عما يستحقه بملكه، فإذا كان يملك النصف فلا تصح المساقاة إلا إذا كانت بجزء من النصف الثاني.
الحنابلة - قالوا: المساقاة يشمل أمرين:
أحدهما: أن يدفع المالك أرضاً مغروسة نخلاً أو شجر مأكول بجزء معلوم من ثمرته كنصفها أو ثلثها.
ثانيهما: أن يدفع له أرضاً وشجراً غير مغروسة ويعمل عليه بجزء معلوم منه أو من ثمره، ولكن المعنى الثاني يختص باسم المناصبة والمغارسة لأنه الشجر ليغرسه.
ومن هذا يتضح أن المساقاة أعم لأنها تشمل ما كان الشجر مغروساً لافعل أو غير نغروس أما المناصبة فهي مختصة بغير المغروس.
ويشترط لصحة عقد المساقاة شروط:
أحدهما: ان يكون الشجر له ثمر مأكول كما ذكر تصح على شجر الكافور والحور والصنوبر والصفصاف والسنط ونحو ذلك من الأشجار التي لا ثمرة لا تؤكل ومثل ذلك الورد والياسمين ونحوهما، فإنه لا يصح عقد المساقاة عليه لأنه ليس له ثمر. وبعضهم يقول إن المساقاة تصح على الورد والياسمين ونحوهما من المزروعات التي لها زرع ينتفع به بجزء معلوم من زهره.
ثانيهما: أن يكون الشجر له ساق فلا تصح عقد المساقاة عليه ولإنما يصح عليه عقد المزرارعة.
ثالثهما: أن يكون نصيب كل منهما جزء معيناً بجزء مشاع كالنصف أو الثلث أو الربع أو نحوه ذلك.
حتى لو جعل المالك للعامل جزءاً من ألف جزء جاز لأنه لا يلزم التساوي في الأنصبة أما لو بينстр. 1020
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) نصيب واحد منهما بعدد معين كعشر كيلات ومثل ذلك ما إذا جعل دراهم معلومة وكذا لو جعل له جزءاً معلوماً كالخمس وضم إليه جنيهين مثلاً، فإن كل ذلك لا يصح لجواز أن لا يخرج شيء من الثمر يساوي النقد عينه.
رابعها: أن يكون الشجر معلوماً للمالك والعامل بالرؤية أو الصفة التي لا يختلف الشجر معها كالبيع فإذا ساقاه على أحد هذين البستانين ولم يعين واحداً منهما فإنه لا يصح وكذا ساقاه على بستان لم يعرفه ولم يصفه وصفاً يرفع الاشتباه.
خامسهما: أن لا يشترط للعامل ثمر مخصوص من بين الأشجار كما إذا كان في البستان شجر برتقال وتين وتفاح فاختص العامل بشجر التين مثلاً، فإنه لا يصح وكذلك إذا اشترط له ثمر سنة غير السنة التي ساقاه في سنة أربع بثمر سنة خمس مثلاً وكذلك لا تصح إذا ساقاه على بستان بثمر بستان آخر وكذلك إذا ساقاه بجزء من ثمر هذا البستان في هذا العام على أن يعمل فيه في العام الذي بعده، فإن كل ذلك يفسد العقد.
وركن المساقاة الإيجاب والقبول وتنعقد بلفظ المساقاة والمعاملة كاعمل في بستاني أو تعهده، وبالجملة فالمعول عليه في ذلك هو المعنى فمتى حصل بأي لفظ صح. وأنا القبول فإنه يصح بما يدل عليه أيضاً من قول وفعل فشروع العامل في العمل قبول.
وتصح المساقاة بلفظ الإجارة كما تصح المزارعة بذلك لما تقدم من أن الإجارة تصح بجزء مشاع معين من الخارج من الثمر.
وتصح المساقاة على الشجر الصغير الذي لم يبلغ حد الإثمار بجزء من ثمرته بشرط أن تكون مدة المساقاة يثمر فيها الشجر غالباً، وكذلك تصح المساقاة على أن يغرس العامل شجراً ابتداء ويتعهده حتى يثمر وينمو جزء منه وهي المغارسة النتقدم دكرها كما يصح بجزء من ثمره أو بجزء من الشجر وجزء من الثمر بشرط أن تكون الأصول التي يراد
غرسها من مالك الأرض كالبذر فإذا اشتراها العامل وغرسها كان المالك مخيراً بين قلعها ويدفع له قيمة ما نقص منها وبين تركها وعليه قيمتها.
وهو عقد غير لازم كالمزارعة فالكل من العاقدين فسخة في رأي وقت فإذا فسخ العامل بعد ظهور الثمرة فهي بينهما على ما شرطاه عند العقد في هذه الحالة يملك العامل نصيبه من الثمر الظاهر ويلزم بالعمل وفي إلزامه بالعمل وله أن يبيع نصيبه لمن يقوم مقامه بالعمل ويصح أن يشترط على من يبيع له أن يعمل بدله. أما إذا فسخ فإن عليه للعامل أجرة مثل عمله.
ولا يشترط توقيت المساقاة بمدة لأنها عقد غير لازم كما عرفت فلو عينت مدة للمساقاة ولكن الثمر لم يثمر فيها فلا شيء للعامل.следующие страницы →