← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

أيضاً، ثم إذا اتفق التأخير بعذر الجمع، فقد ظهر الخلاف في أنا في التأخير هل نشترط رعاية الترتيب والموالاة، بين الظهر والعصر؟ فمن أصحابنا من قال: يشترط ذلك، كما يشترط في التقديم؛ فإن الجمع في صورته يقتضي ذلك. والثاني - لا يشترط بخلاف التقديم، والفرق أن صلاة العصر إذا قُدّمت، فلا تقدّر مقضية أو مؤخرة عن وقتها، فيشترط في صحتها الجمع المحقق صورةً، وذلك يتضمن الترتيبَ والمتابعةَ جميعاًً، فأمّا التأخير، ففائدته إخراج صلاة الظهر عن وقت الرفاهية، ثم صلاة العصر تكون مقامة في وقتها، والظهر مخرجة عن وقت الرفاهية، فلا حاجة إلى رعاية ترتيب أو موالاة. فإن قلنا: لا يشترط الترتيب، ولا الموالاة، في التأخير، فلا تشترط نية الجمع وجهاً واحداً، ولا معنى للجمع على هذا الوجه. ١٣٤٢ - ثم غلط بعض أصحابنا، وقال: صلاة الظهر على هذا الوجه مقضية، وفائدة الرخصة تجويز جعل الظهر مقضية، وهذا زلل، وقلة بصيرة بالمذهب. والدليل عليه شيئان: أحدهما - أن أصحاب الضرورات إذا زالت ضروراتُهم، وقد بقي إلى الغروب خمسُ ركعات، فنجعلهم مدركين لصلاة الظهر، حملاً على أن الوقت مشترك، ولو كان الظهرُ مقضياً في وقت العصر، في حق المعذور، لما تحقق الاشتراك في الوقت قطعاً، فلزم ألا يكونوا مدركين لصلاة الظهر. والثاني - أن صلاة الظهر لو كانت تصير مقضيةً بالتأخير، لوجب أن يتوسع وقت قضائها في جميع العمر؛ حتى يقال: يقضيها المرء متى شاء، ولا خلاف أنه لا يجوز للمسافر أن يُخرج صلاةَ الظهر عن وقت العصر. فهذا إذا لم نشترط الموالاة والترتيب. ١٣٤٣ - فأمّا إذا قلنا: لا بد من رعاية الترتيب والموالاة، فليُصلّ الظهرَ أوّلاً، ثم العصر، فلو صلى العصر أوّلاً، صحت منه صلاة العصر بلا شك؛ فإنها صلاة مقامة في وقتها، ولكن بطلت رخصة الجمع، فإذا أراد أن يصلي الظهر، فهي صلاة مقضية فائتة، مقامة في غير وقتها. وأول ما يظهر من ذلك أنا إذا منعنا قصرَ الفائتة في

стр. 1332

السفر، نمنع قصرها ونوجب إتمامها، وكأنا نقول: وقتها ينقضي بصحة العصر قبلها. فهذا إذا ترك الترتيب. ١٣٤٤ - فأما إذا تركَ الموالاة، فصلى صلاة الظهر، ثم خلل فصلاً طويلاً، ثم صلى العصر، فقد أبطل الرخصة، وإذا بطلت، فصلاة الظهر خارجة عن وقتها، غيرُ مقامة على حكم الرخصة، فتكون مقضيةً، ويلزم إتمامُها إذا منعنا قصر الفائتة. وهذه الصورة تفارق تركَ الترتيب؛ فإنه إذا صلى العصر أولاً مخلاً بالترتيب، فيظهر أن نقول: كما (١) صلى العصر، وصحت له، فاتت صلاةُ الظهر، فأما إذا صلى الظهر أولاً، فقد أقدم عليها، وصحت مؤداةً، فخروجها عن كونها مؤداةً بعد وقوعها كذلك، لا يخرج إلا على تَبَيُّن (٢) واستناد، ومصيرٌ إلى أن الأمر كان موقوفاً على الوفاء بصورة الجمع، فإن لم يَفِ بها في رعاية الموالاة والمتابعة، فصلاة الظهر خارجة عن وقتها، فتبين أنها وقعت مقضية. ١٣٤٥ - وأما الصيدلاني فلم يتعرض لذكر الخلاف في الموالاة، وإنما ذكر الخلاف في الترتيب، والذي فهمتُه من مساق كلامه قصرُ الخلاف على الترتيب؛ فإنه ظاهر، فأما اشتراط الموالاة، فلا معنى له عندي. فأما إذا قلنا: تقديم العصر والفراغ منه يُلحق الظهر بالفائتة، فهذا له وجه، فأمّا أن نقول: إذا أقام صلاة الظهر، تَعيّن وصلُ صلاة العصر بها، وصلاة العصر مؤداة في وقتها، فليس لذلك وجه بتّةً، بل إذا قدّم العصر، فيجوز أن نقول: شرط إجزاء صلاةِ العصر مقدَّمة، أن توصل بالظهر، فإن لم توصل، لم تصح؛ فإنها مقدمة بشرط إجزائها، وهي مقدَّمة الموالاة. هذا بيّن، فأمّا إيجاب تعجيل العصر على إثر الفراغ من الظهر في وقت العصر، فبعيد جداً. فَلْيتَأمل ذلك؛ فإنه حسن بالغ.

стр. 1333

١٣٤٦ - ثم من راعى الموالاة في التأخير، فإذا أخلّ بها، وقد نوى الأداء في صلاة الظهر، وقلنا: الفائتة لا تُقصر، فلا بد من الإتمام عنده، ولكن لم أر أحداً يقول: لا تصح الظهر بنية الأداء وهي مقضية، ونحن وإن كنا نرى القضاء يصح بنية الأداء في بعض الصور، مثل أن يصوم المحبوس مجتهداً شهراً ظاناً أنه شهر رمضان، ثم يتبين أنه شهر بعده، فيصح ما جاء به، وإن نوى الأداء، فالسبب فيه أنه معذور فسومح، وقيل: القضاء قريب من الأداء، فأمّا إذا نوى الأداء في صلاة الظهر، ثم أخلّ بشرط الجمع، من غير عذر، فقد أقام فائتةً بنيّة الأداء من غير عذرٍ قصداً. والذي يتجه في ذلك أن الموالاة إذا اختلت بعذر وقع من غير تقصير منه، فصلاة الظهر صحيحة بنيّة الأداء، وهي فائتة. وإن اعتمد ترك الموالاة، وقد نوى الأداء، ففيه احتمال، ووجهه أن الخلل وقع بعد الصلاة، وإن كان من غير عذرٍ. فهذا التردد جرّه اشتراط الموالاة. والفقه عندي ما أشعر به كلام الصيدلاني: وهو تخصيص الخلاف باشتراط الترتيب في التأخير، فأما الموالاة، فلا معنى لشرطها لما قدمت. ١٣٤٧ - ثم إن لم نشترط الموالاة، فلا تجب نيّة الجمع، وإن شرطنا الموالاة، فنوجب نية الجمع كما نوجبها في التقديم، والإخلال بنيّة الجمع بمثابة ترك الموالاة. فهذا منتهى الفصل في الجمع بعذر السفر. ١٣٤٨ - والجمع بين المغرب والعشاء، تقديماً وتأخيراً، كالجمع بين الظهر والعصر في كل ترتيب. والذي يدور في الخلَد أنا إذا وسعنا وقت المغرب، اتّسع الأمر في تصوير الجمع، وإذا ضيقنا وقتَ المغرب، وقد فُرض جمعُ العشاء إليه تقديماً، فيظهر أن يقال: ينبغي أن توقع الصلاتان في وقت يُحكم بأنه وقت المغرب، كما سبق التفصيل في ضبط المغرب ووقته؛ فإنا قد ذكرنا في بيانه ما يوضح أنه يحمل خمس ركعات. وفي هذا نظر، فَلْيتأمل.

стр. 1334

١٣٤٩ - فأمّا الجمع بعذر المطر؛ فإنه سائغ [في الحضر] (١) عند الشافعي، ومعتمد المذهب الحديثُ، وهو ما روي: "أن رسول الله ﷺ جمع في المدينة من غير خوفٍ، ولا سفر" (٢)، قال الشافعي: قال مالك: ما أراه إلا بعذر المطر" (٣)، فاستأنس الشافعي بقول مالك، ولم يَرد ذكرُ المطر في متن الحديث. وجرى هذا مجرى رواية القلّتين، في الماء الكثير، فإن القلة، وإن ترددت بين معانٍ، فلا قائل بشيء منها، فيتعين ردها إلى المختلف فيه، فكذلك حمل الحديث على جمع قال به قائل ممن (٤) يُعتبر قوله. ورأيت في بعض الكتب المعتمدة، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ جمع بالمدينة بين الظهر والعصر بالمطر" (٥). ١٣٥٠ - ثم كان شيخي يحكي وجهين في جواز الجمع بعذر الثلج من حيث إنه لا يبل الثوب، وقَطَعَ غيرُه بتنزيله منزلة المطر. فأما الأوحال، والرياح، وغيرها، فلا يتعلق جواز الجمع بشيء منها وفاقاً. ١٣٥١ - ثم الذي جرى عليه أئمة المذهب أن الجمع بعذر المطر جائز تقديماً، وفي جواز التأخير خلاف، والسبب فيه أنه في السفر: إن أخر؛ فإدامة السفر إليه، فأما إن

стр. 1335

أخر بعذر المطر، فليس إليه إدامة المطر، فربما يُقلع وينقطع قبل دخول وقت العصر أو مع دخوله. وقد قال الصيدلاني: يجوز التقديم ولا يجوز التأخير، فقطع جوابه في النفي والإثبات جميعاًً. وقال بعض المصنفين: يجوز التأخير بعذر المطر، وفي التقديم وجهان، فجرى على الضد مما ينبغي، وهو غلط لا يُبالى به. ١٣٥٢ - ثم قد ذكرنا في الجمع بعذر السفر طريان الإقاهة بالنية، أو بالانتهاء إلى الإقامة، ونحن نذكر الآن تفصيلَ القول في طريان انقطاع المطر، فنقول: أجمع الأئمة أنه لو تحرم في الظهر بالتقديم مع المطر، ثم انقطع في أثناء صلاة الظهر، ثم عاد وقت التحرم بالعصر، فانقطاعه في أثناء صلاة الظهر لا يضر، ولكن اكتفى معظم الأئمة بوقوع المطر عند عقد الظهر والعصر. وقال أبو زيد: ينبغي أن يكون موجوداً عند التحلل من الظهر أيضاً، ليتحقق اتصال آخر الظهر في العذر بأول العصر. فهذا ما ذكره الأئمة. ثم إذا كنا لا نشترط دوامَ المطر في أثناء الظهر وفاقاً، فلا نشترط المطر في أثناء العصر، بل لو انقطع في أثناء العصر بعد أن كان موجوداً عند العقد، لم يؤثِّر انقطاعه. ١٣٥٣ - وحكى صاحب التقريب قولاً غريباً: أن الجمع بعذر المطر يختص بالمغرب والعشاء في وقت المغرب، وأجراه قولاً ضعيفاً، وحكاه العراقيون وأسقطوه، ولم يعدّوه من المذهب، وأوّلوه. وذكر بعض المصنفين في انقطاعه في أثناء العصر أو بعده مع بقاء الوقت ما ذكرناه من طريان الإقامة في هذه الأوقات، إذا كان سبب الجمع سفراً، وهذا بعيدٌ لا أصل له؛ فإن دوامَ المطر إذا لم يعتبر في أثناء الظهر، فكيف يستقيم هذا الترتيب في العصر وما بعده؟

стр. 1336

١٣٥٤ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن الذي ظهر للعلماء أن الجمع بعذر المطر سببه الجماعة؛ فإن الناس إذا حضروا والمطر واقع، فيجمعون بين الصلاتين في جماعة؛ حتى لا يحتاجوا إلى عَوْدٍ. فأما إذا أراد الرجل أن يجمع بعذر المطر في منزله، ففيه وجهان ذكرهما الصيدلاني وغيره: أحدهما - المنع، وهو الظاهر لما ذكرناه. والثاني - يجوز طرداً للرخصة؛ فإنها لم ترد مقيدة بالجماعة، وكذلك اختلف الأئمة فيه إذا كان الطريق إلى المسجد في كِن. قال الشيخ أبو بكر: لو حضروا المسجد والسبيل مكشوفٌ، فأرادوا أن يصلّوا أفراداً من غير جماعة، ففيه وجهان أيضاً، لما ذكرناه من ارتباط الجمع في عذر المطر خاصَّة بالجماعة. ١٣٥٥ - ومما يتعلق برخصة الجمع في السفر والمطر: أن من أراد التأخير -حيث يجوز- فينبغي أن يقصد الترخص بالتأخير، ولو أخر صلاة الظهر من غير نية الرخصة قصداً، كان عاصياً بإخراج الصلاة عن وقتها، وكانت الصلاة المؤخرة المخرجة عن وقتها فائتة، هكذا ذكره شيخي والصيدلاني. وهذا فيه شيء؛ فإنا إذا لم نشترط نية الجمع عند إقامة الصلاة، فلا يبعد أن يقال: نفس السفر يسوغّ التأخير، ويصير الوقت مشتركاً. والعلم عند الله تعالى. ***

стр. 1337

كتاب الجمعة ١٣٥٦ - الأصل في وجوب الجمعة قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] قيل: أراد بالذكر الخطبة، وقيل: أراد الصلاة. وروى الشافعي بإسناده عن محمد بن كعب القُرَظي عن رجل من بني وائل أن النبي ﵇ قال: "تجب الجمعة على كل مسلم إلا المرأة والصبي والمملوك" (١) وروى أبو الزبير عن جابر: "أن النبي ﷺ خطب في جمعة من الجمع فقال: أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تُشغلوا، وصِلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة، ترزقوا، وتجبروا، وتنصروا، واعلموا أن الله تعالى فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا، إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعد وفاتي استخفافاً بها، أو جحوداً لها، وله إمام عادل أو جائر، فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره، ألا لا صلاة له، ألا لا زكاة له، ألا لا حج له، ألا لا برّ له، إلاّ أن يتوب، فإن تاب تاب الله عليه" (٢). وأجمع المسلمون قاطبة على وجوب صلاة الجمعة وإن اختلفوا في التفاصيل.

стр. 1338

فصل قال: "وتجب الجمعة على أهل المصر، وإن كثر أهله ... إلى آخره" (١). ١٣٥٧ - صدَّر الشافعي الكتاب بذكر من يلتزم الجمعة من أهل الأمصار والقُرى. ولمن يلتزم الجمعة شرائطُ سنذكرها إن شاء الله، وإنما غرض الفصل ذكر من يبلغه النداء، ومن لا يبلغه، وضبط القول هذا في الفن. ١٣٥٨ - فأما أهل المصر إذا كانوا على الكمال الذي سنصفه، فيلزمهم الجمعة، وإن كثروا، وكان نداء الجامع لا يبلغهم؛ فإنه إذا كان المصر جامعاً لهم، لزمتهم الجمعة، مع استجماع الخصال التي سنذكرها. ١٣٥٩ - فأما أهل القرى، فكل قرية ذاتِ بنيان، اشتملت على أربعين، على الصفات المرعية، لزمهم أن يقيموا الجمعة، فإن كانوا على القرب من البلدة، وكان صوت نداء مؤذن الإمام يبلغهم، فأرادوا أن يحضروا البلدة، فلهم ذلك، فيقيمون الجمعة في البلدة، والأوْلى أن يقيموها في قريتهم؛ حتى تكثر الجُمَع في القرى، فإن كانت القرية لا تشتمل على الأربعين من أهل الكمال، نُظر: فإن كان نداء البلدة لا يبلغهم، لم يلزمهم الجمعة، فلا يقيمونها في موضعهم؛ فإنّ ذلك غيرُ ممكن، ولا يلزمهم أن يحضروا البلدة. ومعتمد الشافعي في هذه القاعدة ما رواه عمرو بن العاص عن النبي ﵇ أنه قال: "الجمعة على من يسمع النداء" (٢).

стр. 1339

١٣٦٠ - وضبط المذهب من طريق المعنى أن المصير إلى الجامع إجابة للداعي، فكان المرعيُّ فيه سماعَ النداء، وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] مشعرٌ باعتبار النداء. ثم قال أئمتنا: إذا أردنا أن نعتبر سماع النداء، فرضنا كونَ المنادي في جهة القرية الذي نُريد اعتبارَ أمرها، ونُقدّره على طرف البلدة في تلك الجهة، ثم نُقدر رجلاً يعدّ صيّتاً عُرفاً، فإذا نادى في جنح الليل عند زوال اللغط، وسكون الأصوات، وركود الهواء، اعتبرنا بلوغ صوته على هذا الوجه، ولا بد من اعتبار سكون الرياح؛ فإن الريح إذا كانت تهب من نحو البلد إلى جهة القرية، فقد يبعد بلوغ النداء بعداً مسرفاً؛ لمكان الريح، ولا يكون هذا بلوغَ النداء، بل هو حملُ الريح للصوت، وإن كانت الريح تهب من جهة القرية إلى البلدة، فإنها تدفع الصوتَ وتمنعه من النفوذ، فلا يكون قصورُ الصوت بسبب بعد القرية. وفي بعض التصانيف أن من أصحابنا من يعتبر وقوفَ المنادي في وسط البلدة، وهذا ساقط، غيرُ معتبر؛ فإن البلدة في اتساع خِطتها وكبرها، قد تكون بحيث لو وقف المنادي في وسط البلدة، لم يبلغ صوتُه الأطرافَ، فضلاً عن أن يتعداها إلى قُراها. فإن قيل: لم لَمْ تعتبروا النداء في أهل البلدة؟ قلنا: البلدة بجملتها موضع الجمعة، فلا قُطر فيها إلا ويمكن إقامة الجمعة فيه، ونحن إذا كنا نراعي في القرى بلوغَ النداء، نعتبر موقف المنادي على الطرف في تلك الجهة؛ فما من جادّة معدودةٍ من البلد، إلا ويتأتَّى فيها فرض وقوف المنادي. فأهل البلدة داخلون تحت النداء المقدّر، فهذا واضحٌ. وكان شيخي يقول: لو فرضت قريتان في جهةٍ واحدةٍ، وكانت إحداهما في وهدةٍ، وكان النداء لا يبلغها لذلك، وكان يبلغ القريةَ الأخرى الموضوعة على الاستواء، وهي في مثل مسافة القرية الأولى، فيجب على أهل القرية الموضوعة في الوهدة الجمعةُ، نظراً إلى المسافة في الاستواء، ومصيراً إلى أنهم في محل سماع النداء، ولكن انخفاضَ قريتهم مانع من السماع.

стр. 1340

ثم لو كان النداء يبلغُ بعضَ من في القرية، لزمت الجمعةُ أهلَ القرية، ولو كان فيهم من جاوز العادة في حدّة السماع، وكان متميزاً عن الناس بزيادة ظاهرة، كما يحكى من حدةِ بصر زرقاء اليمامة، فلا تعويل على سماع من ينتهي إلى هذا الحد. فصل ١٣٦١ - ذكر الأئمة شرائطَ الجمعة على الجمع، وهي خمسة: عدد، ودارُ إقامةٍ، وجماعة، ووقت، وخطبتان. وهذه الأشياء ستأتي مفصلة إن شاء الله. ١٣٦٢ - فأهونها تفصيل القول في دار الإقامة، فنقول: لو سكن طائفة في طرفٍ من البادية، وكانوا أصحاب خيام وأخبيةٍ؛ فإنهم لا يقيمون الجمعة، ولو أقاموها، لم تصح منهم، والإقامة التي عزموا عليها، لها أحكام من انقطاع الرخص المتعلقة بالسفر وغيره، ولكن الإقامة المشروطة في صحة الجمعة هي إقامة في الأبنية التي لا تُحوّل، والخيام مهيأة للنقل، فلا تكمل الإقامة بها، فإذاً صحةُ الجمعة تستدعي موضعاً فيه أبنية. وقال العراقيون: لو كانت القريةُ من سعف وجريد وخشب وكانت بحيث لا تنقل، فهي من جملة الأبنية، وهكذا تُلفى معظم القرى في الحجاز، والمعتبر ألا تكون الأبنية بحيث يُعتادُ نقلُها. ثم لو أقيمت الجمعة خارجةً من خِطة البلد في موضعٍ، لو برز إليه الهامُّ بالسفر، لاستباح رخص المسافرين، فلا يصح، بل شرطُها أن تقام في خِطة البلد، ولا يضر إقامتها في عَرصة معدودة من الخِطة غيرِ خارجة منها؛ فإن الجماعة إذا كثرت، فقد يعسر اجتماعها في كِن. وأما صلاة العيد فسيأتي أن الأوْلى البروز فيها إلى الجبَّانة (١)، والسبب فيه أن الإقامة أولاً ليست مشروطة في إقامتها، ولا دارَ الإقامة، ثم يشهدها الخيّالة

стр. 1341

والركبان، والرجالة، وأخيافُ الناس (١)، ويتعذر اجتماعهم في غير جبّانة، فهذا بيان دار الإقامة. ١٣٦٣ - ثم نبتدىء بعدها تفصيل القول في العدد، فمذهب الشافعي أن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين. وقد اختلف مذاهبُ السلف في ذلك، وحكى صاحب التلخيص قولاً عن القديم أن الجمعة تصح ابتداء من ثلاثة، والإمام ثالثهم، وقد بحث الأئمة عن كتب الشافعي في القديم، فلم يجدوا هذا القول أصلاً، فردّوه. ومعتمد الشافعي في هذا العدد ما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: "مضت السنة أن في كل أربعين، فما فوق جمعة" (٢)، واستأنس الشافعي بمذهب عمر بن عبد العزيز (٣). ثم قاعدة الشافعي في مسائل الجمعة تدور على شيءٍ، وهو أن صلاة الجمعة مغيرة مخالفة للظهر في سائر الأيام، وهي على صورة صلاة ظهر مقصورة في الإقامة، وقد تمهد في الشرع أنه يُراعَى كمالٌ في الموضع من المقيمين، واجتماعُ شرائط، فالأصل إتمام الصلاة، إلا أن يثبتَ ثَبَت. والجمعة أيضاً جمع الجماعات، ولذلك لا تقام في وقتها جماعة أخرى، فلا بدّ من اعتقاد كثرة، ثم إذا وجدنا مستمسكاً في التقدير ابتدرناه. فهذا بيان قاعدة المذهب. وإذا بعد الاكتفاء بأقل جماعةٍ وأدنى جماعة، ولم يشترط أحدٌ كثر من الأربعين، وانضم إليه اعتبار الأقصى، والاحتياط، كان ما ذكره الشافعي غايةَ الإمكان في ذلك. ثم اختلف أصحابنا في أنا هل نشترط أن يكون إمام الجماعة الحادي والأربعين، أم

стр. 1342

يكفي أن يتم به الأربعون؟ ولعل الأظهر أنه يُعَدّ من الأربعين؛ فإن الذي اعتمدناه في ذلك لم يفصل الإمامَ عن المقتدين، والله أعلم. ثم يشترط أن يكون الأربعون على صفات، فينبغي أن يكونوا ذكوراً، بالغين، عاقلين، [أحراراً] (١)، مقيمين، إقامة، لا يظعنون شتاء ولا صيفاً، إلا أن تعِنَّ حاجة، فلو كانوا يرحلون على اعتيادٍ شتاء، أم صيفاً، وينتقلون إلى موضعٍ آخر، فليسوا مقيمين في هذه البقعة، فلا تنعقد الجمعة بهم. ١٣٦٤ - والآن يتصل بفصل العدد مسألة الانفضاض. وفي كتاب الجمعة ثلاثُ مسائل منعوتة في الفقه، إحداها الانفضاض، والأخرى الازدحام، والثالثة الاستخلاف. ١٣٦٥ - فأما مسألة الانفضاض: فالقول فيها يتعلق بالانفضاض في أثناء الخطبة، أو بعدها وقبل عقد الجمعة، ثم إذا نجز هذا، تعلق التفصيل بالانفضاض بعد التحرّم بالصلاة. فنقول: أولاً - أجمع أئمتنا أن العددَ المرعيَّ وهو الأربعون في عقد الصلاة مرعيٌ معتبر في الاستماع إلى الخطبة، فما لم يستمع الأربعون على نعوت الكمال، لم يُعتدّ بالخطبة، ثم للخطبة أركان على ما سيأتي إن شاء الله، فلو جاء بركن منها، ثم استمعوا، ثم انفضوا، فإن سكت الخطيب حتى عادوا، وقد عادوا على قربٍ، قبل تخلل فصلٍ طويل، فاندفع في بقية الخطبة، جاز، وصح بلا إشكال، ولو تمادى في الخطبة، وهم منفضون، وما كان بقي منهم أربعون، فالركن الذي جاء به في انفضاضهم، لا يحتسب، ولا يعتد به قولاً واحداً، ونقصانُ واحدٍ من الأربعين، كانفضاض الجميع. وسيأتي في الانفضاض في الصلاة أقوالٌ، منها: أن نقصان العدد بعد عقد الصلاة غيرُ ضائر، ولا يخرّج هذا في الخطبة باتفاق الأئمة، ولم تختلف الطرقُ فيه. والفرق أنا وإن شرطنا الجماعة في الجمعة، فكل مصلٍّ يصلي لنفسه، فإن كان يتسامح

стр. 1343

متسامح في نقصان العدد في أثناء الصلاة، فله خروج على هذا الأصل، فأما الخطبة، فالغرض منها استماع الباقين ووعظهم وتذكيرهم؛ فما جرى، ولا مستمعَ، أو مع نقصان عدد المستمع، فقد عُدمَ أصلُ مقصود الخطبة. ولو سكت الإمام، لما انفضّ القوم، فطال الفصل، فعادوا بعد تخلل الفصل الطويل، فهل يبني الخطيبُْ على الخطبة؟ ذكر معظم الأئمة قولين في ذلك، وخرّجوهما على قولين في أن الموالاة هل تشترط في الخطبة؟ وطردوا القولين فيه إذا لم ينفض القوم، ولكن سكت الخطيب سكوتاً طويلاً، تنقطع بمثله الموالاة، فهل يلزمه إعادة الخطبة؟ فعلى قولين. ١٣٦٦ - ولو انفض القوم بعد الخطبتين، ولم يتحرّم الإمام حتى عادوا، وما عادوا إلا بعد طول الفصل، فإذا عادوا ففي المسألة القولان المذكوران، فإن قلنا: الموالاة ليست مشروطة، تحرّم بالصلاة وتحرموا، ولم يضرّ ما جرى، إذا وسع الوقتُ الصلاةَ، كما سنذكر الوقت وما يتعلق به إن شاء الله. وإن حكمنا باشتراط الموالاة، فقد بطلت الخطبتان، فإن أعادهما على قربٍ، وتحرّم وتحرّموا، ووسع الوقت، جاز ذلك. وإن لم يُعد، فقد قال الشافعي: "أحببت أن يعيدَهما، ولو لم يُعدهما، لم تصح الجمعة"؛ فقوله: "أحببتُ" أثار خلافاً بين الأصحاب، فقال قائلون منهم: يجب عليه الإعادة، ووجهه أن ذلك ما (١) تصح به الجمعة، فعليه التسبب إليه، والسعي في تحصيله؛ إذ هو ممكن، وهو متمكن. وذهب آخرون إلى أنه لا يجب عليه ذلك؛ فإنه قد فعل ما عليه. وفائدة الخلاف أن صلاة الجمعة إذا لم تصح بسبب امتناعه عن إعادة الخطبة، فالذنب في وجهٍ محالٌ على الخطيب في ترك الإعادة، وهو في وجه محال على القوم؛ فإنهم بانفضاضهم جرّوا هذا، وهو قد أدى ما عليه من الخطبتين مرة، وسبب إبطالهما تفرقُهم وطول الفصل.

стр. 1344

فهذا تفصيل القول في الانفضاض في الخطبة، أو بين الفراغ منها وبين التحرّم بالصلاة. ١٣٦٧ - فأما إذا تحرم بالصلاة وتحرموا، ثم انفضوا، ونقص العدد المشروط، فالنصوص مختلفة جداً، وحاصل الضبط أنه اختلف قولُ الشافعي، أولاً، فقال في قول: يشترط في صحة الجمعة بقاء الأربعين على شرائطهم معه من أول الصلاة إلى آخرها، وهذا يتيسرُ توجيهه؛ فإن العدد مرعي في هذه الصلاة، فإذا اختل في جزء من الصلاة، فقد تخلف شرط الصحة، فلا جزءَ من الصلاة، إلا والجماعة الكاملة شرطٌ فيه، وهذا كالوقت؛ فإنه لما كان شرطاً، لا جرَمَ، قيل: لو وقع التسليم وراء الوقت لم تصح الجمعة، وتعين إقامة الظهر قضاء، فكما نشترط الوقت في دوامه، فكذلك نشترط دوامَ العدد التام. والقول الثاني - لا نشترط بقاء تمام العدد؛ فإنهم إذا حضروا أولاً وصح عقدُ الصلاة، فالتزام ضبطهم عسِر، وشرطهم في الابتداء يتعلق باختيار الإمام؛ فإنه لا يتحرم ما لم يحضروا، ورب شيء يُشترط في الابتداء، ولا يشترط دوامه، كالنية؛ فإنها لو عزبت بعد العقد، لم يضر عزوبها. التفريع - ١٣٦٨ - إن حكمنا أن دوام العدد شرط من الأول إلى الآخر، فلو سمع الخطبةَ أربعون على الشرط وتحرموا، ثم انفضوا، وتحرم بعدهم أربعون، فقد بطلت الصلاة؛ فإن هذا مفروض فيه إذا انفض السامعون، ثم تحرّم اللاحقون. ولا يفرض خلاف أنه لو انفضَّ السامعون، وحضر أربعون آخرون، فتحرم بهم، لم تصح الجمعة، فإن الشرط أن يقع العقد بأربعين سمعوا الخطبة. فأما إذا تحرم السامعون، وتحرّم بعدهم في الركعة الأولى أربعون ما سمعوا الخطبة، ثم انفض السامعون، وثبت اللاحقون، فلا تبطل صلاة الجمعة؛ فإن العدد لم ينقص، وما انفض السامعون حتى تبعهم اللاحقون، وإذا تبعوهم، صاروا في حكم واحد، فإذا ثبتوا، استقلّت الجمعة بهم، وإن انفض السامعون، وكان هذا كما لو سمع ثمانون وتحرّموا، ثم انفضَّ منهم أربعون، وثبت أربعون.

стр. 1345

١٣٦٩ - وهذا يتطرق إليه عندي احتمال، إذا شرطنا بقاء العدد التام في جميع الصلاة، [فلا] (١) يمتنع أن نقول: يُشترط بقاء أربعين قد سمعوا الخطبة. فأما إذا قلنا: لا يُشترط بقاءُ العدد الكامل، فهل يُشترط أن تبقى الجماعة؟ أم لو انفرد الإمام وحده، صحت جمعته من غير بقاء مُقتدٍ؟ فعلى قولين: أحدهما - لا بد من بقاء الجماعة، وذلك بألا ينفضَّ كلُّهم، وهو المنصوص عليه. والقول الثاني - أنه لو بقي وحده، صحّت الجمعة، وهو وإن كان منقاساً، فهو مخرّج ووجهه أن بقاء العدد الكامل إذا لم يكن شرطاً، فلا أثر لبقاء أحد من المقتدين، فإن قلنا: تصح صلاته وحده، فلا كلام، وإن قلنا نشترط جمعاً، فعلى هذا القول قولان منصوصان: أحدهما - لا بد من ثلاثة والإمام الثالث؛ فإن هذا هو الجماعة المطلقة. والقول الثاني - أنه يكفي مقتدٍ واحد؛ فإنّ هذا أقلُّ مراتب الجماعة، فهذا بيان الأقاويل: المنصوص عليها، والمخرج منها. ١٣٧٠ - وقال المزني: إن انفضوا في الركعة الأولى، ونقص العدد المرعيُّ، بطلت جمعة الإمام، ومن بقي معه، وإن انفضوا في الركعة الثانية، صحت جمعة الإمام، وإن كان وحده واستشهدَ عليه بالمسبوق؛ فإنه إذا أدرك ركعةً، صلى الجمعة، فيقوم عند تحلل الإمام إلى الركعة الأخرى، وإن لم يدرك ركعة، لا يكون مدركاً للجمعة. وهذا الذي ذكره قياس لا بأس به، وقد عدّ معظم أئمتنا هذا قولاً مخرجاً للشافعي، فالتحق بالأقوال المقدمة، وقد أورده المزني إيراد من يبغي تخريج قول للشافعي، فكان كما قدره. ومن أباه، قال: المقتدي المسبوق إذا تبع الإمامَ في الإدراك، لم يبعد؛ فإنّ وضع الشرع على اتباع المقتدي للإمام، فأما أن يقال: إذا صلى الإمام ركعة مع

стр. 1346

العدد، فقد أدرك الجمعة، وإن انفرد في الركعة الأخرى، فهذا في التحقيق حكم بأن الإمام يتبع القوم، وهذا فيه بعد؛ فإن المسبوق مع إمامه صحت له جمعة تامة، والقوم إذا انفضوا في الركعة الثانية، لم تصح لهم جمعة، فالإمام إذاً يتبع قوماً لم تصح جمعتهم، فهذا وجه الكلام في ذلك. فرع: ١٣٧١ - إذا قلنا: لا بد وأن يبقى مع الإمام واحد، أو اثنان، فالظاهر أنا نشترط أن يكونا على الكمال المرعي المشروط؛ فإن الكامل هو الذي يراعى أوّلاً، فليراع آخراً. وذكر صاحب التقريب احتمالاً في أن من بقي لو كان عبداً أو مسافراً، جاز؛ فإن المرعي في الابتداء العددُ الكامل، فاشترطنا عدداً كاملاً، واشترطنا كمالاً في كل واحد، فإذا اكتفينا آخراً باسم الجماعة، فلا يبعد ألَاّ نشترط الكمال، وهذا مزيف غير معتد به. فرع: ١٣٧٢ - قال شيخي: إذا تحرم الإمام بالصلاة، فتباطأ المقتدون، ثم أحرموا، فقد قال القفال: الضبط المرعي فيه، أنه إذا أدرك الإمامَ أربعون في الركوع، صحت الجمعة، وإن رفع رأسه ثم تحرموا، فلا جمعة، ثم قال: الوجه أن نشترط ألا ينفصل تحرمهم بالصلاة عن تحرم الإمام بما يعد فصلاً طويلاً، وهذا الذي ذكره حسن بالغ. ويجوز أن يقال: ينبغي أن يتحرموا بحيث لا يسقط عنهم من القراءة شيء، ولا يثبت لهم حكم المسبوق؛ فإنهم لو أدركوه في الركوع، فحكم ذلك حيث يصح سقوط القراءة، وهو من أحكام المسبوقين، وإن أدركوه في بعض القيام بحيث لا يتأتى منهم إتمام القراءة، فهذه صورة الاختلاف فيما يفعله المسبوق، فلا يجوز الانتهاء إلى هذا الحدّ في التأخر. فإذاً ما ذكره القفال إدراك الركعة، وما ذكره شيخي النظر إلى التطويل، وما ذكرتُه ثبوت أحكام المسبوقين. فهذا منتهى القول في الانفضاض.

стр. 1347

مسألة [الزحام] (١) ١٣٧٣ - الزحام: يتصوّر في سائر الصلوات، وإنما يذكر في هذا الكتاب (٢) لاجتماع وجوه الإشكال فيها (٣)؛ فإن الجماعة في هذه الصلاة مستحقة، ومن أسباب الإشكال أن من عسر عليه إقامة الجمعة، ففي بناء الظهر على الجمعة تردد، مبني على أن الجمعة ظهر مقصورة أم لا، ثم في إقامة الظهر قبل فوات الجمعة اختلافُ قولٍ سنذكر قدر الحاجة منه في أثناء المسألة، ثم نبيّنه مفرداً في فصلٍ، وكان شيخي مولعاً بهذه المسألة وجمع فيها كلَّ ما قيل من الوجوه الضعيفة، مخالفاً عادته في ذكر الضعيف من الوجوه، ونحن نسرد طريقته على وجهها، ونذكر في أدراج الكلام التنبيه على التحقيق، فنقول مستعينين بالله: ١٣٧٤ - إذا زُحم الرجل على السجود في الركعة الأولى، فأول ما فيه (٤ أنه إن تمكن من وضع الجبهة على ظهر إنسان على شرط إقامة ٤) هيئة السجود، فعل ذلك، وإنما يتأتى هذا بأن يفرض موقف المزحوم مستعلياً حتى يتأتى التنكس منه. فإن تعذر عليه إقامةُ الهيئة المشروطة، فقد ذكر شيخي ثلاثةَ أوجه: أحدها - أنه يأتي بالسجود، ويأتي بأقصى الإمكان فيه، كالمريض يومىء بالسجود على قدر الإمكان. والثاني - لا يفعل ذلك، ولا يعتد بما يأتي به من إيماء، ولكن ينتظر التمكن من السجود، وانجلاء الزحام. والثالث - يتخيّر بينهما. وهذا يُضاهي صلاة العاري قاعداً مومياً، أو قائماً متماً للأركان، أو متخيراً بينهما. ولست أرى لما ذكره وجهاً، ولم يتعرض لهذا أحد من أصحابنا؛ فالاقتصار على

стр. 1348

الإيماء خارج عن القانون، لا أصل له، وتشبهه بالمريض ساقط؛ فإن هذا مما يندر ولا يدوم، وتمكن المصلي من السجود قائم، والاستئخار عن الإمام بأركانٍ أقرب من الاقتصار على الإيماء في ركن لا يتطرق إليه التحمل، فإذاً الوجه القطع بألا يومىء، ولكن ينتظر ما يكون ثم يتفرع صور في انتظاره، وفيما يُفضي إليه أمره. كما ستأتي مفصلة إن شاء الله. قال الشيخ أبو بكر: هذا من الأعذار التي يجوز بسببها الانفراد عن الإمام، وقد ذكرنا فيما تقدم أن من التزم الجماعة، وانفرد عن الإمام من غير عذر، ففي بطلان صلاته قولان، وإن كان انفرادُه بعذر، فالمذهب صحة الصلاة، فقال الصيدلاني: إذا وقعت الزحمة، وأحوجت إلى التخلف عن الإمام، فيجوز بسببها نية الانفراد. ١٣٧٥ - وهذا فيه تفصيل عندي: فإن فُرض الزحام في غير صلاة الجمعة، فما ذكره متجه حسن. وإن كان الزحام في صلاة الجمعة، فيظهر عندي منعه من الانفراد؛ فإن إقامة صلاة الجمعة واجبة قصداً، فإخراج النفس عنها قصداً، ليس يتجه، وقد رأيت الطرق متفقة على أن التخلف بعذر الزحمة لا يقطع حكمَ القدوة على الإطلاق. ولو صار إليه (١) صائر؛ من جهة أن الاتباع -على شرط الوفاء بالقدوة عند الاختيار- متعذر، وإذا تعذر تحقيق الاقتداء فعلاً، وأحوج الازدحام إلى التخلف بأركان، فلو قيل: ينقطع حكم نية القدوة، لم يكن بعيداً عن القياس. ولكن لم يصر إلى هذا أحد من الأصحاب، والمذهب نقل، وأنا لا أعتمد قط احتمالاً إلاّ إذا وجدت رمزاً وتشبيباً لبعض النقلة. ١٣٧٦ - فإذا وضح ذلك، عُدنا إلى البناء على ما هو المذهب، وهو أنه إذا عسر عليه السجود لا يومىء، بل ينتظر انجلاءَ الزحام، فإذا قام الإمام إلى الركعة الثانية، وتمكن المزحوم من السجود، فسجد سجدتين، ورفع رأسه، فإن صادف الإمام

стр. 1349

قائماً، وقام وقرأ وأتى بالركعة الثانية (١ مع الإمام، فهذا قد أدرك الجمعة بكمالها، وما جرى من التخلف بعذر الزحام، فهو محتمل باتفاق الأئمة. وإن رفع رأسه من السجود، فصادف الإمام في الركوع من الركعة الثانية، فقد اختلف أئمتنا فيه، فمنهم من قال: يبتدر الركوع ابتدار المسبوق، فإذا أدرك الإمام فيه، فقد أدرك الركعة الثانية ١) وتمت له الأولى، وتسقط القراءة عنه في الركعة الثانية؛ لأنه معذور في تخلفه، ولأجل ذلك سقطت القراءة عن المسبوق. ومنهم من قال: لا يركع مع الإمام، بل يشتغل بالقراءة؛ فإنه ليس بمسبوق، وإسقاط القراءة عن المسبوق في حكم رخصة معدولة عن القياس، فلا يتعدى بها مواردها. فإن قلنا: يقرأ، فلا يقطع القدوة، بل يقرأ ويتبع الإمام جهده، ويركع، ويجري على ترتيب صلاة نفسه، رابطاً قلبَه بلحوق الإمام، ويكون مدركاً للركعة الأولى والثانية على حكم الجماعة، وإذا ساغ التخلف بسبب الزحمة بأركانٍ لا يجوز التخلف بها اختياراً، فلا فرق بين أن يزيد ذلك أو ينقص، ثم إذا جرى ذلك، فهو مقتدٍ، ولو سها، كان الإمام حاملاً لسهوه، فهذا إذا أدرك الإمامَ راكعاً. ولو أدركه قائماً، لم يركع بعدُ، فإن لم يتمكن من إتمام القراءة، وركع الإمام، فقد ذكرنا أن المسبوق في هذه الصورة يتم القراءة، أم يبادر الركوع؟ وهذا مضى مفصلاً في موضعه. ١٣٧٧ - فإذا رفع المزحومُ رأسه من السجود، والإمام في بقية من القيام لا يسع تمام الفاتحة، فإذا قرأ ما قدر عليه وركع الإمام، فهذا يترتب على ما إذا صادف الإمام راكعاً، فإن قلنا ثَمَّ: يقرأ، فهاهنا يقرأ لا محالة، ويجري على ترتيب صلاة نفسه. وإن قلنا: يركع كما يركع المسبوق، ففي قطع القراءة ومبادرة الركوع الخلاف المذكور في المسبوق مع ترتيب. والفرق واضح. ثم الذي يقتضيه القياس، أنا إذا جوزنا له التخلف، وأمرناه بالجريان على ترتيب

стр. 1350

صلاةِ نفسه، فالوجه أن يقتصر على الفرائض، فعساه يدركُ إمامَه، ويُحتمل أن يسوغ له الإتيان بالسنن مع الاقتصار على الوسط. وقد ذكرنا نظير هذا في المسبوق إذا أدرك الإمام في بقية القيام، فاشتغل بدعاء الاستفتاح والتعوّذ. ١٣٧٨ - ولو رفع المزحوم رأسه عن السجود في الركعة الأولى، فوجد إمامه رافعاً رأسه عن الركوع، فقد انتهى في هذه الركعة إلى موضع لو أدركه مسبوق، لم يصر مدركاً للركعة، فكيف المزحوم؟ قال شيخي: إن قلنا: لو أدركه في الركوع، ابتدر، فركع، فِعْلَ المسبوق، فحكمه في هذه الصورة حكمُ المسبوق. ولو أدرك المسبوقُ الإمام رافعاً رأسه، فاقتدى، تابعه في بقية [الركعة] (١)، ولم تكن محسوبةً، كذلك المزحوم على هذا الوجه: يرتفع، ولا يقرأ، ولا يركع، ويتابع الإمام في بقية الركعة، ولا تحتسب له الثانية، والأولى محسوبة، وإذا تحلل الإمام، قام وصلى ركعة أخرى، وقد تمت له الجمعة. وإن قلنا: لو أدرك الإمامَ راكعاً، لم يركع واشتغل بالقراءة، جرى على ترتيب صلاته، ويكون مدركاً للركعة الثانية أيضاً. ١٣٧٩ - وقد رأيت الطرقَ أشارت إلى أنه إذا صادف الإمامَ رافعاً رأسه من الركوع، فليس له إلا اتباعُ الإمام، ولو جرى على ترتيب صلاة نفسه، لم يكن مدركاً للركعة الثانية، وإذا لم يكن مدركاً للثانية، فجريانه على ترتيب صلاة نفسه مبطل لصلاته؛ فإنها زيادات غير محسوبة، وليس هو جارياً فيها على حكم متابعة، ولا يتصور الانفراد بصلاة الجمعة، والإمام بعدُ في الصلاة فتتعين المتابعة، وهذا حسن، فكأنه إنما يجوز الاقتفاء، والاتباع، والتشوف، إلى اللحوق، ما لم يفرط تقدمُ الإمام، فكأن هذا القائل يقول: إذا صادفه المزحوم في الركعة الثانية على محلٍّ يدرك المسبوقُ بإدراكه الركعةَ، فهذا قريب في حق المعذور، فيتّجه إما اتباعه حيث

стр. 1351

صودف، وإما الجريان على ترتيب الصلاة، ثم هو يدرك الركعة الثانية في الجهتين جميعاًً. وإن صادفه في الركعة الثانية في محلٍّ لو أدركه مسبوق، لم يصر مدركاً للركعة، فلا يصير المزحوم مدركاً للركعة الثانية؛ فإنه قد أفرط التخلف. ١٣٨٠ - ورأيت تفريعاً على هذه القاعدة به تمام البيان وكشفُ الغطاء: وهو أن المزحوم لو لم يتمكن من تدارك السجود، ولا من متابعة الإمام في الركعة الثانية، حتى رفع الإمام رأسه من الركوع، ثم تمكن من السجود، وقد بلغ التخلفُ هذا المبلغ، فلا يصير مدركاً للجمعة، وإن سجد عن الركعة الأولى؛ فإن التخلف جاوز الحدّ، وكأن هذا القائل يقول: تقدُّمُ الإمامِ [بركنٍ أو ركنين، والمقتدي مختار غير ممنوع، يقطع القدوة على التفصيل المقدّم، وإن كان مزحوماً معذوراً، فإذا تقدم الإمام] (١) بما يُدرك به الركعة الثانية، فهذا مع العذر يقطع القدوة، فتفوت الصلاة. فهذا مسلك، والمشهور ما قدمته من طريقة شيخي. ١٣٨١ - ولو رفع الساجد رأسه، والإمام في التشهد، فهو كما لو صادفه رافعاً رأسه من الركوع. وليس بعد ذلك تفصيل؛ فإن تقدير الإدراك قد فات برفع الرأس من الركوع، فإذا صادف الإمام في الصلاة، وقد فات محل إدراك المسبوق، فيستوي التفريعُ بعد هذا. ١٣٨٢ - ولو رفع المزحوم رأسه من السجود، فسلّم الإمامُ، فالذي ذهب إليه معظم الأئمة: أنه يصلي ركعةً ويضمها إلى الأولى، ويصير مدركاً للجمعة. ثم ذكر شيخي اختلافاً في أنه هل يثبت له في هذه الركعة حكم المقتدي، حتى كأنه مقتفٍ لإمام سابق له بأركان، وفائدة تقديره مقتدياً، أنه لو سها يكون سهوه محمولاً. وهذا بعيد لا أصل له، وكيف يقدّر الاقتداء حكماً، وتحقيقاً بمن ليس في الصلاة.

стр. 1352

ومما يتعلق بتحقيق القول في ذلك أن الإمام لو سلم قبل أن يرفع المقتدي رأسه من السجود الذي زُحم عنه، فقد قال الأئمة: لا يكون مدركاً للجمعة؛ فإن الإمام فارقه قبل إقامة ركعة كاملة، ومن أبعد فأثبت الاقتفاء الحكمي لا يثبته هاهنا؛ فإن ذلك الاقتفاء تبعٌ، لجريان ركعة تامة على تحقيق القدوة. فهذا منتهى القول في قسم واحد من المسألة، وهو أن يسجد المزحوم والإمام في قيام الركعة الثانية، ثم تنقسم الأحوال عند رفعه رأسه كما سبق. ١٣٨٣ - فأما إذا دامت الزحمةُ حتى ركع الإمامُ في الركعة الثانية، فإذ ذاك تمكن من استدراك ما فاته من السجود، وتصدى له إدراكُ الركوع في الركعة الثانية، فما يفعل والحالة هذه؟ للشافعي قولان فنصوصان: أحدهما - أنه يشتغل بتدارك ما فاته؛ فإن رعاية الترتيب في الصلاة محتومة، وهذا المزحوم قد ركع متابعاً في الركعة الأولى، ولو ركع مرة أخرى، لكان موالياً بين ركوعين في ركعة واحدة، وقد يلزم الرجلَ متابعةُ الإمام ومخالفةُ ترتيب نفسه، ولكن ذلك فيه إذا ابتدأ، فاقتدى وصادف الإمام ساجداً، مثلاً؛ فإنه يهوي ساجداً؛ لأنه التزم المتابعة؛ فلزمه اقتداؤه، وهذا ابتداء الاقتداء، فأما المسألة التي نحن فيها، فقد تابع في الركوع الأول، فيلزمه بحكم ذلك الركوعِ وترتيبِه أن (١) يسجد، فإن أمرناه بالركوع، خالف ذلك الترتيبَ. والقول الثاني - أنه يركع مع الإمام؛ فإن الركعة الأولى قد (٢) بعُد تدارك ترتيبها، وأفرط التخلفُ عن الإمام، وإذا عسُر ذلك متصلاً، فلا وجه إلا مبادرة الركوع على اعتقاد أن هذه ركعةٌ جديدة، اتفقت مصادفة الإمام فيها، وقد يتعلق تمام الغرض في التوجيه بالتفريع. فإن قلنا: إنه يركع مع الإمام، فلا يخلو إما أن يوافق، فيركع كما أمرناه، وإما أن يخالف، فيسجد ويتدارك ما فاته في الركعة الأولى، فإن ركع وتمادى مع الإمام، حتى يؤدي الركعة الثانية مع الإمام، فقد أتى بركوعين أحدهما في الركعة الأولى،

стр. 1353

والثاني في الثانية، فالمحسوب أيهما؟ فعلى وجهين: أحدهما - أن المحسوب هو الأول؛ فإنه أتى [به] (١) على حكم القدوة، وكان معتداً به، فلا ينبغي أن ينقلب عما جرى. والثاني - أنه لا يعتد إلا بالثاني، فإنا بطول تدارك الركعة الأولى، وعُسْر الأمر فيها، كأنا رفضنا تلك الركعة من البَيْن (٢)، وقدرنا المزحوم كأنه أدرك هذه الركعة ابتداء، وأدرك الإمام في ركوعها. فإن قلنا: المحسوب الركوع الثاني، فيصير مدركاً للجمعة، وإذا تحلل الإمامُ يقوم، ويصلي ركعة أخرى، وإن قلنا: المحسوب الركوع الأول، وإنما نأمره بالثاني لصورة المتابعة، فيحصل له في ظاهر الأمر ركعة ملفقة، ركوعها في الأولى وسجودها في الثانية، فهل نجعله مدركاً للجمعة بركعة ملفقةٍ؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه يصير مدركاً، فيقوم إذا سلم الإمام، ويصلي ركعة أخرى. والثاني - أنه لا يصير مدركاً للجمعة؛ لأنه لم يحسب له مع الإمام ركعة متوالية الأركان، والجماعة على نظامها، وهو ركن الجمعة. التفريع على هذين الوجهين: ١٣٨٤ - إن جعلناه مدركاً، فلا كلام، وإن قلنا: لا يصير مدركاً لها، فتتعارض الآن أصولٌ، لا يمكن التنبيه عليها إلا بعد ذكر رسم التفريع على ما ذكره الأئمة: فإذا لم نجعله مدركاً للجمعة، فهل تحسب له هذه الركعة من صلاة الظهر؟ فعلى قولين: أحدهما - تحسب. والثاني - لا تحسب، وهذا يرجع إلى أن صلاة الجمعة ظهرٌ مقصورة؟ أم هي صلاة على حالها وانفرادها؟ وفيه قولان سيأتي ذكرهما. فإن قلنا: هي محسوبة عن ظهر، فلا كلام. وإن لم نحسبها ظهراً، فهل تنقلب صلاته نفلاً أو تبطل؟ فعلى قولين مبنيين على أصل مشهور جارٍ في مسألة معروفة: وهي أن من نوى فرضاً، ولم يحصل

стр. 1354

له ما نواه لتخلف شرط في الفرضية، فهل يحصل له النفل؟ فعلى قولين. هكذا رتب الأئمة التفريع وهذا [مختلٌّ] (١) على هذا النسق عندي؛ فإن قصارى التفريع أدى إلى حكمنا ببطلان صلاته في قولٍ، ويستحيل أن نأمره بشيء ونقدر موافقتَه فيه، ثم نُخرج من تفريعنا عليه بطلانَ عمله رأساً. هذا محال، لا يُعتقد في مساق الكلام. والذي يجب القطع به أنا إذا أمرناه بالركوع، فركع، فيتفرعُّ عليه من نتائج الأصول المزدحمة وجوهٌ: أحدها - أنه مدرك للجمعة، وهو الأصح الذي لا ينقدح في الفقه غيرُه. وهذا ينبني على أحد أصلين، إما أن نقول: المحسوب الركوع الثاني، وإما أن نقول: الجمعة تدرك بركعة ملفقة. والوجه الثاني - أنه تحسب له ركعة من الظهر، وهذا على التلفيق وعلى المصير إلى أن الإدراك لا يحصل معه، والظهر تتأدى بنية الجمعة. والثالث - أنه لا يحصل له جمعة، ولا ظهر، ولكن تحسب له ركعة من صلاة التطوع، وأصل هذا بيّن. فأما أن يخرج وجه رابع أن تبطل صلاته، فلا يعتقد ذلك عاقل، فكأنا نقول: هذا القول وهو: الأمر بالركوع من ضرورته أنه يتفرع على وجه يقتضي الصحة لا محالة وإلا فالأمر بما قصاراه (٢) الفساد محال. فهذا كله تفريع عليه إذا أمرناه بالركوع مع الإمام، فركع. ١٣٨٥ - فأما إذا أمرناه بالركوع، فخالفنا وسجد؛ تلافياً لما فاته، فلا يخلو: إما أن يكون جاهلاً بأنه ممنوع من ذلك، وإما أن يكون عالماً: فإن كان جاهلاً، وظن أن الوجه فعله، فأول ما نذكره أن سجوده الذي يأتي به غير محسوب له، فإن رفع رأسه، والإمام بعدُ في الركوع، فابتدر وركع، فقد عاد تفريعه إلى موجب الموافقة، وعذر فيما صدر منه من السجود لجهله. وإن لم يدرك الإمامَ راكعاً، فقام، وقرأ، وركع، وسجد، مقتفياً، لا مقتدياً

стр. 1355

على التحقيق، فلم يأت بالسجود مع الإمام على حقيقة المتابعة، فإذا جرى الأمر كذلك، فقد يطلق ظاهراً أن السجود الذي تداركه أوّلاً إن لم يحتسب، فالذي أتى به في الركعة الثانية ينبغي أن يحسب، ولكن إن قدرنا ذلك، فالمزحوم في هذه الركعة الثانية مقتدٍ حكماً، وليس متابعاً عِياناً، وقد اختلف أئمتنا في ذلك: وأحسن ترتيب فيه، أنا إن قدرنا الاحتساب بالسجود في الركعة الثانية، فقد حصلت ركعة ملفقةٌ: ركوعها من الأولى، وسجودها من الثانية، وهل يحصل إدرك الجمعة بركعةٍ ملفقة؟ فعلى ما تقدم. وإن قلنا: لا يحصل، فنقطع تفريعه الآن، فإن قلنا: يحصل، فهذه ركعة في حكم الاقتداء، لا في حقيقة الاقتداء، وقد اختلف الأئمة في أن الجمعة هل تحصل بحكم الاقتداء لا بحقيقته؟ ١٣٨٦ - وهذا الآن يستدعي تثبتاً، فنقول: إن سجد المزحوم في قيام الإمام قبل ركوعه -كما تقدم تصويره في صدر المسألة- فقد جرى سجوده، وهو متخلف عن الإمام تخلفاً، لو اختاره، بطلت قدوته، ولكن ذلك القدرَ معفو عنه، لعذر الزحام وفاقاً. وإن لم يسجد حتى ركع الإمام في الثانية، ثم أمرناه بالركوع، فسجد، فلا يعتد بالسجود؛ لأنه خالف به، فلو سجد في الركعة الثانية مقتفياً، لا مقتدياً حساً، فهذا اعتقدوه تخلفاً مفرطاً، فترددوا فيه. وخرج من هذا أن ما يقع قبل الركوع ملحق بالاقتداء الحسي، وإن جرى فيه تخلف لا يحتمل في حالة الاختيار. وما يقع بَعْد فوات الركوع اقتفاءً، فهو في حكم اقتداء حكمي لا عِيانيٍّ. ثم في إدراك الجمعة بمثله الخلافُ الذي ذكرناه. ١٣٨٧ - ثم من تمام التفريع في الصورة أنا إذا لم نجعله مدركاً للجمعة، فهل يكون مدركاً ركعةً من الظهر؟ فعلى قولين مبنيين على أصلين: أحدهما - أن الجمعة ظهر مقصورة أم لا؟ والثاني - أن الظهر هل تصح قبل فوات الجمعة؟ ثم إن صححنا الظهرَ، فيقوم عند

стр. 1356

تحلل الإمام، ويصلي ثلاث ركعات، وإن لم نصحح، فهل تبطل الصلاة أم تنقلب نفلاً؟ فيه قولان. فإذاً يخرج في صورة اشتغاله بالسجود على ما رسمناه في الصورة التي ذكرنا مع الجهل أوجه: أحدها - أنه مدرك للجمعة. والثاني - أنه مدرك لركعة من الظهر. والثالث - أنه متنفل، والرابع - أنه تبطل صلاته. وتخريج البطلان لا يبعد إذا خالف ما أمرناه به، وإن كان جاهلاً. فأما طرد وجه البطلان مع أمرنا إياه بشيء وامتثاله إياه، فمحال لا أثر له. وهذا كله فيه إذا أمرناه بالركوع، فسجد جاهلاً، ثم رفع، واقتفى الإمامَ، فقرأ، وركع، وسجد. ١٣٨٨ - فأما إذا رفع رأسه من الركوع الذي اشتغل به، فلم يأت بالركعة الثانية على اتساقها، ولكن صادف الإمام رافعاً رأسه من الركوع، فتابعه، ووقع له ذلك، فأتى بالسجود في الركعة الثانية على صورة المتابعة في الحقيقة، فقد زال أحد الأصلين في أن حكم الاقتداء هل يكون كحقيقة الاقتداء؟ وتجرد الأصل الثاني في أنه أدرك ركعة ملفقة: ركوعها من الأول، وسجودها من الثاني. ١٣٨٩ - ثم تمام البيان في هذه الطرق أنه إذا اشتغل بالسجود جاهلاً، والتفريع على أنه كان مأموراً بالركوع، فإذا رفع رأسه من السجود، وصادف الإمام رافعاً عن الركوع، فيؤمر في هذه الحالة أنه يتابع الإمام، ثم تتفرع التفاريع، ولا يخرج على هذا القول وجه أنه مأمور بالجريان على ترتيب الركعة الثانية اقتفاء. فليفهم الفاهم ما نجريه. ١٣٩٠ - فمما أطلقه على ظن غالبٍ في المسألة، أنه ليس في الزمان مَن يحيط بأطراف هذه المسألة، وتنزيلها على حقيقة الأصول فيها. ومن بدائع معانيها ومبانيها ازدحام الأصول المتناقضة فيها، وهي منشأة من زحام وقع فيها، ومغزاها بعدُ مؤخرٌ، سيأتي ذكرنا عليه إن شاء الله .

стр. 1357

فهذا إذا أمرناه بالركوع، فسجد جاهلاً. ١٣٩١ - فأما إذا سجد وخالف عالماً بأنه مخالف لما هو مأمور به، فنقول في ذلك: إن خالف، وهو مستديم لنية القدوة، غيرَ قاطعٍ لها، بطلت صلاته قطعاً. وإن نوى الخروج عن القدوة، فيزدحم كما ذكرناه أصولٌ متناقضة، منها: أن الخروج عن القدوة، هل يجوز من غير عذر؟ فيه قولان، سبق ذكرهما. فإن منعنا ذلك، فحكمه بطلان الصلاة. والأصل الآخر أنه إذا أراد إقامة الظهر، فهذا ظهر قبل فوات الجمعة، ثم العقدُ كان على نية الجمعة، والجمعة ظهر مقصورة، أم صلاة على حالها؟ فإن أبطلنا صلاته بسبب نية الانفراد، فذاك، وإلا لقِيَنَا أصلٌ آخر يقتضي الإبطال في قول، وهو أن الظهر بنية الجمعة كيف تتأدى، فإن لم يبطل لهذا أيضاً على قولٍ وهو أن الظهر بنية الجمعة كيف تتأدى، فإن لم يبطل لهذا أيضاً على قولٍ، لقِيَنَا أمرٌ آخر، وهو أن الظهر قبل فوات الجمعة هل يصح؟ فإن فرعنا على قول الصحة في كل أصلٍ من هذه الأصول، فقد يُخرّج قول آخر في صحة الظهر، وإن لم نصحح الظهر، فقد يخرّج قول في صحة النافلة. فهذا كله تفريع على أنه مأمور بالركوع، ثم فرضنا فيه الموافقة والمخالفة جميعاًً. ١٣٩٢ - فأما إذا أمرناه بالسجود وتلافي الفائت، ولم نأمره بالركوع، فلا يخلو إما أن يوافق أو يخالف، فإن وافق، وسجد. ثم رفع رأسه، فلا يخلو إما أن يصادف الإمام راكعاً أو رافعاً، فإن صادفه راكعاً، فيقرأ، ويقتفي، أو يركع ويقتدي؟ قد ذكرنا هذا في صدر الفصل، ونحن نعيده على وجه. فلنبدأ بأنه إذا سجد كما أمرناه، فهل يصير مدركاً للجمعة أم لا؟ ذكر الأئمة وجهين في ذلك؛ من جهة أنه سجد مقتفياً، وكان في سجوده على حكم القدوة، لا على حقيقة القدوة، وقد تقدم ابتداءً أنه لو تمكن من السجود، وانجلى الزحامُ، والإمام بعدُ قائم، فسجد، يكون مدركاً للركعة، فقطَعْنا ثَم بالإدراك، وإن أتى بالسجود لا على حقيقة القدوة؛ فإن الإمام سبقه بهما سبقاً، وهو تخلف عنه بسبب

стр. 1358

الزحام، تخلفاً، لو تخلف باختياره من غير عذر، لما جاز ذلك، ولكن يمكن فيما تقدم من التلافي والإمام قائم غيرُ منتهٍ إلى الركوع الذي به يدرك المسبوقُ الركعة، فلم نجعل المزحومَ إذا ابتدأ السجود مقتدياً حكماً، بل جعلناه مقتدياً حقيقة، وجعلنا انضمام عذر الزحام إلى تخلفه مع القدرة على ابتداء السجود في القيام في معنى متابعةٍ حسية، فاقتضى ذلك الحكمَ بإدراكه الركعة. ١٣٩٣ - فأما إذا ابتدأ السجودَ والإمامُ راكع منته إلى ما به يدرك المسبوق -لو دخل الآن- فهذا تخلّف ظاهر -وإن كان العذرُ معه قائماً- يُخرّجُ (١) السجود منه الآن -وإن كان على وفق ما أمرناه به- على وجهين في أنه مقتف على حكم القدوة أو مقتدٍ على حقيقتها. فهذا بيان الخلاف في هذه الصورة، مع التنبيه للفرق بينها وبين الصورة التي تقدمت في الاشتغال بالسجود. وقد وضح أن سبب التردد انتهاءُ الإمام إلى ما به يدرك المسبوق في الركعة الثانية، ثم هو يُضرب عن إمامه، ويتركه في أهم حالات المتابعة، ويشتغل بالسجود. ثم إن جعلناه مدركاً -وهو الظاهر لمكان العذر- فإذا رفع رأسه [من السجود، والإمام رافع] (٢) من الركوع، فالمقتدي يجري على ترتيب صلاة نفسه في الركعة الثانية، فيقرأ ويركع ويرفع؛ لأنا أمرناه بالسجود والإمام راكع ليجري على ترتيب صلاة نفسه، فلأن نأمره باعتبار ترتيب صلاة نفسه، وقد رفع الإمام رأسه من الركوع، وجاوز الركنَ الذي يقع به إدراك المسبوق أولى. ١٣٩٤ - وإن رفع رأسه من السجود والإمام بعدُ في الركوع أيبتدر الركوعَ فعْلَ المسبوق؟ أم يجري على ترتيب صلاة نفسه، فيقرأ ويقتفي؟ الظاهر أنه يجري على ترتيب صلاة نفسه؛ فإنا أمرناه بترك متابعة الإمام في الركوع، والاشتغال بالسجود أوّلاً ليكون جارياً على ترتيب صلاة نفسه، فنستديم هذا القياس.

стр. 1359

ومن أصحابنا من قال: يركع ويترك القراءة كما يفعل المسبوق، ولا يكون ذلك تركاً منه لترتيب الصلاة، ولكن يكون ترخُّصاً منه بما يترخص به المسبوق. والقراءة تقع محسوبة له، والترتيب جارٍ مطرد، والقراءة عنه محمولة. ومن أصحابنا من قال: إذا رفع رأسه من [السجود والإمام رافع رأسه من] (١) الركوع، فإنه يؤثر متابعته، ويُزجي (٢) معه بقيةَ الصلاة، ثم إذا تحلل، يقوم ويصلي ركعةً أخرى. فإذا قيل لهذا: إنما نُفرعّ نحن على أنه يترك متابعةَ الإمام، فيتدارك ما فاته جارياً على ترتيب صلاة نفسه، فكيف يليق بهذا التفريع أن نأمره آخراً بالمتابعة، وفيها ترك ترتيب صلاة المقتدي بالكلية؟ فيقول مجيباً: نحن لم نأمره بالسجود أوّلاً ليجري على ترتيب صلاة نفسه، ولكن الركعة الأولى قد كان متابعاً في معظمها، فتخلّف بعذر الزحام، فلم يبعد أن يسجد ويتمم القدوة فيها، فأما إذا أخذ يقتفي في الركعة الثانية، ولم يتابع الإمام متابعة حسيّة في شيءٍ منها، فهذا قد يبعد عن شرط القدوة. فإذاً حاصل القول: أنا إذا فرعنا على التلافي، وترك متابعة الإمام في الركعة الثانية، فوافق وسجد، ثم رفع، والإمام رافع رأسه من الركوع، أو منتهٍ إلى التشهد أنه في وجهٍ نأمره بمتابعة الإمام في البقية، ثم نأمره عند التحلل بضم ركعة إلى الركعة الأولى. وفي وجهٍ نأمره بالجريان على ترتيب صلاة نفسه في الركعة الثانية. ١٣٩٥ - وإن رفع رأسه والإمام بعدُ في الركوع، فإن قلنا: يؤثر المتابعة، وقد صادف الإمامَ رافعاً رأسه، فإيثار المتابعة هاهنا أولى. وإن قلنا ثَمَّ: يجري على ترتيب صلاة نفسه، فهاهنا خلاف؛ لأن حمل القراءة وإسقاطها على طريق الرخصة لا يخرجه عن مراعاة (٣ ترتيب صلاة نفسه، بل نجعله كأنه قرأ؛ إذ هذه الركعة على هذه ٣) الطريقة محسوبة له، فإذا تابع بعد الرفع،

стр. 1360

فذلك غير محسوب له. والذي يعترض في صورة إدراكه راكعاً أن المقتدي ليس مسبوقاً، وقد سبق ذلك في صدر الفصل. فهذا إذا أمرناه بالسجود والإمام رافع، فوافق، وسجد، ثم رفع رأسه، وصادف الإمام راكعاً بعدُ، أو رافعاً رأسه. ١٣٩٦ - فأما إذا أمرناه بالسجود والتلافي (١)، فخالف وركع، فإن فعل ذلك عمداً مع العلم بأنه ممنوع منه، بطلت صلاته؛ فإنه جاء بركوعٍ زائدٍ عمداً غير محسوب له، وهو منهيٌ عنه. وإن كان جاهلاً، فالركوع غير محسوب، ولكنه إذا سجد مع الإمام، فسجدتاه مع ظاهر الأمر تلتحقان بالركعة الأولى، ولكن الركعة ملفقة، ففي إدراك الجمعة وجهان، ثم في انقلابها ظهراً، ثم لا يبعد تفريع البطلان؛ من جهة أنه خالف ما أمرناه به. فهذه صور مسائل الزحام، وقد حذفت من الترهات (٢) والحشو ما لا نهاية له. ١٣٩٧ - ولو أدرك المقتدي الركعة الأولى بكمالها، وزحم عن السجود في الركعة الثانية، ثم لم يتمكن من السجود حتى سلم الإمام، فإنه يسجد ويتشهد ويسلم، وقد أدرك الجمعة بلا خلاف؛ فإنه أدرك الأولى على حقيقة القدوة، وأدرك معظم الثانية، وهو معذور في التخلف الذي جرى. ١٣٩٨ - ولو دخل مسبوق وأدرك الإمامَ في ركوع الركعة الثانية، ثم زحم عن السجود، فلم يتمكن منه حتى سلم الإمام، فلا نجعله مدركاً للجمعة؛ فإنه لم يأت بركعة حتى سلم إمامُه. فهذا تمام الصور المقصودة. ١٣٩٩ - وأنا أختم هذه المسألة بأربعة أشياء تتمةً للغرض: أحدها - ما قد أشرت

стр. 1361

إليه في أثناء التفاريع، من أن هذه المسألة يطرأ فيها انقلاب الجمعة ظهراً، ثم إن لم نجوز، فيطرأ انقلابها نفلاً، ثم ينتهي التفريع إلى البطلان، ويجري في الصور أمرُنا المزحوم وموافقته إيانا ومخالفته لنا، فحيث نأمره ويوافقنا، فلا ينبغي أن نفرع قولَ البطلان أصلاً؛ فإن الأمر بالشيء، ثم الحكم بالبطلان محال، وإذا لم نأمره، فجرى شيء منه عن جهل، أو أمرناه، فخالف جاهلاً، فلا يمتنع انتهاء التفريع إلى البطلان. وإذا تفطّن المفرع لهذا، كُفي مُؤْنةَ خبطٍ واختلاط في الظاهر (١)، ورجوع من الأمر، وتصوير الموافقة إلى الحكم بالفساد. والثاني - أنّا حيث نقول: لا جمعة، وتنقلب الصلاة ظهراً في قولٍ، فقد ذكر الشيخ أبو بكر وجهين، في أنا هل نشترط أن يقلبها ظهراً بقصده، أم تنقلب من غير قصده؟ والتوجيهُ فيه: فمن قال: لا نشترط قصدَ القلب؛ فإن الجمعة كصلاة مقصورة، وإن بطل القصر، ثبت الإتمام، من غير حاجةٍ إلى قصدٍ إليه، كذلك هاهنا. ومن قال: نشترط قصدَ القلب إلى الظهر، قال: بين الجمعة والظهر على الجملة تغاير، وليس بين قصر الظهر وإتمامه إلا زوال القصر، فلا بد في بناء الظهر على الجمعة من قصد. ولعلنا نُعيد هذا من بعدُ. والثالث - وهو سر مسألة الزحام وبه تمام شفاء الغليل: وهو أن المزحوم إذا تمكن من السجود، والإمامُ بعدُ في قيام الركعة الثانية، فلا ينتهي تفريع هذه الصورة إلى البطلان، إذا امتثل المزحوم ما يؤمر به في جهة من جهات الكلام. فأما إذا لم يتمكن من السجود حتى انتهى الإمام إلى الركوع في الركعة الثانية، والقولان مشهوران في ذلك، فإن أمر بالركوع، فقد يؤدي إذا وافق إلى الركعة الملفقة، ثم يتسلسل التفريع إلى البطلان لو جرى. وإذا أمرناه بالسجود، فقد نقول في وجه: هو في هذا الجزء من التخلف مقتفٍ، وليس بمقتدٍ حِسّاً، ثم نقول: هل يحصل الإدراك بهذا؟ ثم يترتب عليه أنه ظهر؟ أم نفلٌ؟ أم تبطل؟

стр. 1362

وقد حذَّرْنا (١) فيما تقدم مراراً تفريعَ البطلان حيث نأمر فيمتثل أمرنا، ولكن من حيث تتعارض في المتابعة في الركوع، وفي الاشتغال بالسجود -عاقبة فسادٍ، يتجه أن يقال: إذا دام الزحام إلى الانتهاء إلى هذا المنتهى، فتبطل الصلاة بناءً على وجوه الفساد، فلا نأمره حتى يمتثل، بل نقول: تنقطع الصلاة أصلاً، وهذا بالغ حسن. ولكن منشأ الفساد من الركعة الملفقة ضعيف، وكذلك منشأ الفساد من طول التخلف على تقدير أمره بالسجود، مصيراً إلى أنه مقتفٍ، أو طال تخلفه- بعيدٌ، فلما بَعُدا، لم يظهر من أصحابنا من حَكَمَ بالفساد في انتهاء الأمر إلى الركوع، ولكنا نبهنا على ذلك حتى لا يغفل الفطِن عما يطرأ في المسألة من فنون التقديرات. ثم إن ذكر خلاف في أن الجمعة هل تدرك بالركعة الملفقة؟ فلا شك أن ذلك يختص بالجمعة، فلو فرضت الزحمة في غير الجمعة، لا تبطل الصلاة بهذا التقدير. وكذلك ما ذكرناه من الخلاف. في المقتفي والمقتدي يختص بالجمعة؛ فإن الجماعة مستحقة فيها. فقد يبالغ المبالغ في أمر الجماعة، وجريانها عِياناً، أو اتساقها على نظام من غير تقطع، ولا أثر لذلك في سائر الصلوات. والرابع - كان شيخي يحكي خلافاً في التخلف عن الإمام بعذر ذهولٍ أو نسيان، ويقول: من أئمتنا من يُلحق ذلك بالزحام، ومنهم من لا يعذر الناسي؛ لتركه التصون وإدامة الذكر، مع إمكان ذلك، ويجعل من يتخلف ناسياً كمن يتخلف عامداً، ثم لا يخفى ذلك في التفريع على من أحاط بما تقدم. وكان يميل إلى أن الناسي كالمزحوم؛ فإن من نسي الصلاة، وتكلّم فيها، عُذر، ولم تبطل صلاته، وإن كان الكلام عمداً، تبطل الصلاة، والمسألة محتملة؛ فإن النسيان لا ينتهض عذراً في ترك المأمور به، والوفاءُ بالمتابعة مأمور به. وقد نجز غرضنا في الزحام. ولكن لا يضر اختتام المسألة بتجديد العهد بمراتب

стр. 1363

الزحام حتى يكون ذلك كالترجمة لما تقدم. فنقول: إذا زحم عن السجود، ثم انجلى الزحامُ والإمام في قيام الركعة الثانية، فيبتدر المزحوم السجودَ وتدارك ما فاته وفاقاً. ثم إذا رفع رأسه من السجود، ففي إدراكه الإمامَ على حالاته تفصيلات مقدمة، لا حاجة إلى إعادة شيء منها، والذي ينبغي أن يكون على ذكر من يبغي ترجمةَ المسألة أن الإمام لو سلم وهو في السجدة الثانية، فلا يكون مدركاً للجمعة؛ فإنه لم يدرك ركعةً والإمام في الصلاة، بل تحلَّل الإمامُ قبل أن تتم له ركعة، وقد رأيت الطرقَ متفقةً على ذلك. ولو رفع رأسه من السجدة الثانية، فسلم الإمام، قبل أن يعتدل المزحوم، فهذا فيه احتمال، والظاهر أن الركعة قد تمت. ولو لم ينجل الزحام حتى ركع الإمام في الركعة الثانية، ففيما نأمره قولان، وهذا عمدة مسألة الزحام، ويتفرع على كلِّ قولٍ الموافقة والمخالفة كما مضى. ولو دام الزحام، وبقي مزحوماً حتى يرفع الإمام رأسه من الركوع، واشتغل بالسجود، وتابع الإمام، فعند ذلك ذهب ذاهبون إلى أن التخلف قد أفرط، وزالت القدوة الحسّيّة، وبقي الاقتفاء الحكمي، ثم ذكروا في إدراك الجمعة خلافاً، وهذا التردد [إنما] (١) ينشأ من فوات الركوع في الركعة الثانية، ويصير الإمام إلى حالةٍ لو أدركه مسبوق، لم يصر مدركاً للجمعة، ولو دام الزحام حتى سلّم الإمام، فلا شك أن الجمعة قد فاتت المزحومَ، ثم بقية التفريع واضحة. والله أعلم. مسألة الاستخلاف: ١٤٠٠ - اشتهر اختلاف قول الشافعي في أن صلاةً واحدةً هل يجوز إقامتُها خلف إمامين؟ وتصوير ذلك أن تبطل صلاة الأول، فيخلفه مستخلَف، كما سنذكره، فيستديمُ المقتدون حكمَ القدوة معه، كما سنصوره بعد إطلاق القولين.

стр. 1364

والمنصوص عليه للشافعي في الجديد جواز الاستخلاف، وقال في القديم: لا يجوز إقامةُ بقية الصلاة خلفَ الخليفة. ثم اختلف أئمتنا في محل القولين: فمنهم من أجراهما في الصلوات كلها، وهو الظاهر، ومنهم من خصص القولين بصلاة الجمعة؛ فإن الجماعة ركنٌ فيها، ويشترط فيها شرائط، لا يشترط شيء منها في سائر الصلوات، فيليق بها اشتراط اتحاد الإمام. ١٤٠١ - ومما نذكره في صورة المسألة قبل الخوض في التفصيل، أن القول اختلف في أنه لو خطب بالناس خطيب، وصلى بهم غيره، فهل يجوز ذلك أم لا؟ وهذا قريب من إقامة الصلاة خلف إمامين. واختلف أئمتنا في ترتيب المذهب: فمنهم من يقول: تجويز ذلك أقرب من إقامة صلاة الجمعة بإمامين؛ فإن ذلك في الصلاة يبترُ صورة القدوة، ويثبت قدوة جديدة، لم تكن، والصلاة عبادة واحدة، والخطبة تنفصل عن الجمعة؛ فتعدد الخطيب والإمام في الصلاة ليس بدعاً. وكان شيخي يرى إقامة الصلاة بإمامين أولى بالجواز من أن يخطب واحدٌ ويصلّي آخر، ويقول: إذا انعقدت الجمعة، فقد اشتمل عقدها على الإمام الأول والمستخلَف، فالنظر إلى اتحاد العقد، وإذا فرض التعدد في الخطيب والمصلّي، فقد انقطع شرطُ الصلاة -وهو الخطبة- عن الصلاة، ولم يقم بهما واحد، مع تميز أحدهما عن الثاني، وكان يقول: في الجديد تردّدٌ في جواز ذلك، وجواز الاستخلاف مقطوع به في الجديد، وقد قطعنا بأن الانفضاض في الخطبة يؤثِّر؛ حيث يختلف القول فيه لو جرى في الصلاة. التفريع على القولين في الاستخلاف في الجمعة: ١٤٠٢ - إن منعناه، فالإمام الأول إن بطلت صلاتُه بسبق حدثٍ، أو تعمدٍ في الركعة الأولى، والتفريع على القديم، فالذي ذكره الأئمة أن الجمعة قد تعذرت على

стр. 1365

استدامة هذه الحالة [إن] (١) وقع ذلك في الركعة الأولى؛ فإن القوم لم يدركوا ركعة تامة مع الإمام، وإن وقع ذلك في الركعة الثانية، انفردوا بها، وأتموا الجمعة، ونزلوا منزلةَ المسبوق إذا أدرك ركعة من صلاة الجمعة؛ فإنه يقوم إلى الثانية منفرداً بها عن تحلل الإمام، ويكون مدركاً للجمعة. وقطعوا بأن صلاة الإمام إن بطلت في الركعة الأولى، فلا جمعة، وإن بطلت في الثانية، أتمَّ القومُ الجمعة، ولا استخلاف. ثم إن حكمنا بارتفاع الجمعة في الركعة الأولى، ففي انقلابها ظهراً، أو نفلاً، أو بطلانها أصلاً، ما قدمناه في مسألة الزحام. ١٤٠٣ - قال شيخي: قد ذكرنا في مسألة الانفضاض قولين: أن القوم لو انفضوا في الركعة الأولى، ولم يبق إلا الإمام وحده، فتصح جمعته، فعلى هذا لا يمتنع أن نقول: إذا بطلت صلاة الإمام في الركعة الأولى، فزوال الإمام عنهم كانفضاضهم عن الإمام، فإذا كان الإمام يُتم الجمعةَ وإن جرى الانفضاضُ في الركعة الأولى، فكذلك القوم يتمون الجمعة، وإن زال إمامهم في الركعة الأولى. وهذا الذي ذكره قياس حسن، غير أن الأصحاب قالوا: لو بطلت صلاة الإمام في الركعة الثانية، أتموها جمعة، وقد ذكرنا قولاً منصوصاً أن القوم لو انفضوا في الركعة الثانية، فالإمام لا يصلي جمعة، والإمام شيخي جرى على متابعة الأصحاب في الفرق بين الانفضاض وبين زوال الإمام في الركعة الثانية. فالذي يقتضيه القياس عندي تخريج قول من الانفضاض في زوال الإمام في الركعة الثانية؛ إذ لا يكاد يظهر فرق؛ فإن الإمام ركن الجماعة في حق المقتدين، كما أن القوم ركن الجماعة في حق الإمام، وليس ذلك كانفراد المسبوق بركعة؛ فإنه قد صحت الجمعة للإمام والجمع، فأُثبت للمسبوق إدراك الجمعة، على طريق التبعية لأقوامٍ صحت جمعتهم. فهذا تفريعٌ على منع الاستخلاف. ١٤٠٤ - فأما إذا قلنا: يجوز الاستخلاف. فأول ما نذكره أن الإمام لو أحدث

стр. 1366

عامداً، أو أخرج نفسه من الصلاة قصداً، أو سبقه الحدث، فكل ذلك على وتيرة واحدة، والاستخلاف يجري في جميع هذه الصور عندنا. وأبو حنيفة (١) إنما يجوّز الاستخلاف إذا سبقه الحدث، ثم يقول: لا تبطل الصلاةُ بسبق الحدث، فالإمام يستخلف وهو بعينه في الصلاة. وعندنا أنه يجري الاستخلاف مع بطلان صلاة الإمام. وللشافعي قول في القديم أن من سبقه الحدث في صلاته لا تبطل صلاته، ولكن لا ينتظم التفريع في ذلك؛ فإن هذا القول منصوص عليه في القديم، والذي نص عليه في القديم منعُ الاستخلاف، فلا يتأتى في الترتيب تفريعُ جواز الاستخلاف على قولنا بأن سبق الحدث لا يُفسد صلاة الإمام. ثم ما صار إليه أبو حنيفة خليّ عن التحصيل؛ فإن الاستخلاف يليق بزوال الإمام الأول عن الصلاة. ١٤٠٥ - ثم الذي نبتدئه في ذلك أن المستخلف يشترط فيه أن يَكون عقَدَ الصلاة مع الإمام أولاً، وصار من جملة المقتدين، ثم يستخلَف، فلو بطلت صلاة الإمام أولاً، وأراد أن يستخلف من لم يتحرم بالصلاة بعدُ، حتى يتحرّم ويتقدم ويؤم بهم، فهذا غير جائز في الاستخلاف. وسأذكر حكم هذه الصورة في آخر المسألة إذا تمَّمْتُ غرضي في الاستخلاف. ١٤٠٦ - فإذا ثبت أن الاستخلاف يختص بمن عقد صلاته قبل بطلان صلاة الإمام، فلا يخلو إما أن يجري هذا في الركعة الأولى، أو يجري في الثانية، فإن جرى في الأولى، فهل يشترط أن يكون الخليفة ممن سمع الخطبة؟ ذكر الأئمة فيه خلافاً في جميع الطرق. ثم الذي صححوه أن ذلك ليس بشرط؛ فإنه إذا عقد صلاتَه، صار في حكم من سمع الخطبة، وضاهى في حكمه حكمَهم. ثم قال الأئمة: إن استخلف الإمام رجلاً مقتدياً به جاز، فلو مضى الإمام على وجهه، ولم يستخلف أحداً، فالقوم يقدّمون خليفة من جملة المقتدين بالإشارة،

стр. 1367

واتفق الأصحاب على أن ذلك جائز منهم، ثم قالوا يجب الاستخلاف في الركعة الأولى؛ فإن ذلك إذا اتفق يترتب عليه إدراك الجمعة، ولو أرادوا أن ينفردوا، لم تصح جمعتُهم، وإقامة الجمعة واجبة عليهم، فيتعين الاستخلاف لما ذكرناه. ثم الذي ذكره الأئمة أنه إذا صح الاستخلاف، وتقدم الخليفة، استمر الناس على صلاتهم، ولا حاجة بهم إلى تجديد نية الاقتداء بالخليفة. وفائدة الاستخلاف نزول الخليفة منزلة الإمام الأول، حتى كأنه هو، ولو استمرت الإمامة من الأول، لم يكن لتجديد نية الاقتداء معنى، ولو انقطعت القدوة الأولى، لكان الظاهر في القياس انقطاع الجمعة، ثم إن كان التقديم من القوم، ولم يستخلف الإمام الأول، فيكفي عندي صَدَر (١) هذا من واحد من القوم، ولو شرطنا صدورَه من جميعهم، وهم مائة ألف مثلاً، لعسر الوصول إلى ذلك في أثناء الصلاة. ولو تقدم واحد بنفسه، ولم يقدمه أحد، ففيه احتمال عندي؛ من جهة أنه لم يستخلفه أحد، ويظهر الجواز، من جهة أنه من القوم، فتقديمه نفسَه كتقديمه آخرَ. والله أعلم. ١٤٠٧ - ولو قدم الإمام إنساناً، وقدم القوم آخرَ، فليس في هذا عندي نقل، والمسألة محتملة. ولعل الأظهر أن المتَّبَع من يستخلفه القومُ؛ فإن الإمام قد بطلت صلاته، وإنما يستخلفُ بعُلْقة إمامةٍ كانت وزالت، والقوم باقون في الصلاة، وهم أولى بالاستخلاف. ١٤٠٨ - ثم ينبغي أن يجري الاستخلاف على القرب، بحيث لا يطول الفصل، فإن قضَوْا على الانفراد ركناً، ثم استخلفوا، لم يجز. وإن طوّلوا الركن الذي هم فيه، ثم استخلفوا بعد طول الزمان، ففي المسألة احتمال. وكل ما ذكرناه مفرعّ على ما ذكره الأصحاب، من أنهم لو لم يستخلفوا في الركعة الأولى، فلا يصلّون الجمعة.

стр. 1368

والذي حكيته عن شيخي في تفريع ذلك على الانفضاض لا تفريع عليه. ١٤٠٩ - ثم إذا جرى الاستخلاف في الركعة الأولى، فالإمام المستخلَف يصلي الجمعة كالقوم؛ فإنه اقتدى أولاً وعقَد الصلاة، ثم استُخلف، فسبيله في الإدراك كسبيل القوم. وكل ما ذكرناه فيه إذا جرى الاستخلاف في الركعة الأولى. ١٤١٠ - فأما إذا تمت ركعة مع الإمام الأول، ثم فسدت صلاته في الركعة الثانية، فالذي ذكره الأصحاب أنه لا يجب الاستخلاف في الركعة الثانية؛ إذ سبب وجوبه في الأولى أنهم لم يدركوا مع الإمام ركعة، فأما إذا صلوا ركعة، فلو انفردوا -وقد فسدت صلاة الإمام- لصحت جمعتُهم؛ فلا يلزمهم الاستخلاف. ثم نص الأصحابُ على أن المقتدين لا يلزمهم الاستخلاف، ولو استخلف الإمامُ لا يلزمهم أن يتابعوه، بل هم بالخيار إن شاءوا، استخلفوا، وإذا استخلف الإمام، فهم بالخيار إن شاءوا، تابعوه واستمروا، وإن شاءوا، انفردوا. ولو اقتدى بعضهم وانفرد آخرون، جاز. ١٤١١ - فإن قيل: لو بقي الإمام الأول، ولم يطرأ ما يبطل صلاته، فلو أراد القوم، أو واحد منهم أن ينفردوا بالركعة الثانية، وينووا قطع القدوة والخروجَ عن المتابعة، فما ترون فيه؟ قلنا: لو جرى هذا في سائر الصلوات، ففي المسألة قولان في حق غير المعذور، كما تقدم ذكره، والذي نراه القطعُ بأن هذا في الجمعة غير جائز، وإن مضت الركعة الأولى على الصحة؛ فإن الجماعة واجبة في الجمعة، فلا يجوز قطع الواجب، فإن قيل: هلا أوجبتم الاستخلاف لتدوم الجماعة؟ قلنا: لم يوجبها أحد في الركعة الثانية؛ فإنهم إنما التزموا الوفاء بما نَوَوْه من الاقتداء الأول، فأما الاستخلاف وإن كان تدوم به الجماعة، فهو ابتداء أمر، فهذا ما أردناه. ١٤١٢ - ولو استخلف الإمام في الركعة الثانية مسبوقاً، لم يدرك الركعة الأولى، ففي جواز ذلك قولان: أحدهما - المنع؛ فإن هذا الإمام لا يكون مدركاً للجمعة، كما سنوضحه في التفصيل إن شاء الله. والثاني - الجواز؛ فإنه بمثابة الإمام، حتى كأنه هو، وهذا يترتب عندي على

стр. 1369

ما تقدم من أنَّا هل نشترط أن يكون الخليفة قد سمع الخطبة؟ فإن شرطنا ذلك، فلا يجوز استخلاف المسبوق، وإن جوزنا استخلاف من لم يسمع الخطبة، ففي استخلاف المسبوق بالركعة الأولى قولان، والمسألة مفروضة [فيما] (١) إذا اقتدى المسبوق أولاً، وانعقدت صلاته، ثم فسدت صلاة الإمام واستخلفه. ثم قال الشافعي مفرعاً على جواز استخلاف المسبوق: إذا تقدم، فإنه يجري على ترتيب صلاة الإمام، ولتكن صلاتُه على صفة صلاته لو بقي مقتدياً بالإمام الأول، فيجلس إذا انقضت هذه الركعة بقدر جلوس الإمام تقريباًً، ويجلس معه القوم، ثم يومىء إيماءً، فيتحلل المقتدون عن جمعتهم، ويقوم الخليفةُ إلى ما عليه، على ما سنوضح تفصيل ما عليه إن شاء الله. ثم هذا الخليفة لا يكون مدركاً للجمعة بلا خلاف؛ فإنه لم يدرك ركعة من الجمعة مع الإمام. ولو دخل مسبوق واقتدى بهذا المسبوق المستخلف -على قولنا يصح استخلافه- فيكون المقتدي به مدركاً للجمعة، حتى لو أدركه في ركوع هذه الركعة، حُكم بكونه مدركاً للجمعة؛ وذلك أنه يجري على ترتيب صلاة الإمام، حتى كأنه هو في حق المقتدين، ولذلك يتشهد، وليس هذا ترتيبَ صلاة نفسه، فهو في التحقيق حالٌّ في حق المقتدين به محل الإمام الأول لو بقي، ولكنه في نفسه غيرُ مدرك للجمعة. قال ابن سريج: يُخرج في المسبوق الخليفة -على قولنا: يجوز استخلافه- قولان، في أنه هل يصح ظهرُه - على أصلين: أحدهما - أنه نوى الجمعة، وقد ذكرنا قولين في أن الظهر هل يصح بنية الجمعة إذا تعذرت الجمعة؟ والثاني - أنَّ الظهر لو صححناه، لكان قبل الفراغ من صلاة الجمعة، وفي صحة الظهر قبل الفراغ من صلاة الجمعة قولان، وسيأتي ذكرهما. ثم إن صححنا ظهرَه، فلا كلام، وإن لم نصححه -وقد قطع الكافة بأنه لا جمعة له- فتكون صلاتُه نفلاً على [قول] (٢).

стр. 1370

ثم قال: سيأتي الخلاف في أن إمامَ القوم لو كان متنفلاً، فهل يصح منهم الاقتداء به في صلاة الجمعة؟ فإن صححنا ذلك، فلو دخل مسبوق واقتدى به، صار مدركاً للجمعة؛ فإن صلاة الخليفة بين أن تكون ظهراً، وبين أن تكون نفلاً، وكيفما فرض، فيصح الاقتداء به. وإن قلنا: لا يجوز أن يكون إمام الجمعة متنفلاً، فالمسبوق المقتدي به لا يكون مدركاً للجمعة، ولكن يصح اقتداء الذين أدركوا الركعة الأولى مع الإمام الأول به؛ فإنهم لو انفردوا بتلك الركعة، لكانوا مدركين للجمعة، فليس الجماعة مشروطةً في حقهم، فلا يمتنع أن يقتدوا فيها بمتنفل، كما يسوغ ذلك في إقامة سائر الفرائض خلف المتنقل، فأما المسبوق، فالجماعة شرط في إدراكه الجمعة، ثم إذا لم نجوّز أن يكون الإمام متنفلاً، فلا يكون هو مدركاً للجمعة. ١٤١٣ - ومما يليق بترتيب الكلام ورعاية النظام فيه، أنا إذا جوّزنا استخلاف المسبوق، فقد التزمنا الحكمَ بصحة صلاته، فكأنا نفرعّ على أن ظهره صحيح، أو ينقلب نفلاً. وأما التفريع على أن صلاته تبطل، فيؤدي إلى منع استخلافه؛ فإن من تبطل صلاته، يستحيل تقديرُه إماماً أولاً، ثم الانعطاف على صلاته بالبطلان آخراً. نعم. إذا منعنا استخلافه، فيخرج في صلاته قولان في أنها ظهر، فإن لم تكن ظهراً، خرج قولان في أنها باطلة أو نفل. هذا تمام القول في استخلاف المسبوق. ١٤١٤ - وبقي في إتمام الغرض من المسألة ما وعَدْنا ذكرَه من استخلاف من لم يقتد بالإمام. وتصوير ذلك أنه لو بطلت صلاة الإمام -وقد دخل داخل ولم يقتد بعدُ- فالإمام يأمره حتى يتقدم، ويتحرّم بالصلاة، ويقتدي القوم به. فهذا نفرضه في غير صلاة الجمعة، ثم نذكره في صلاة الجمعة. فإن جرى ذلك في غير الجمعة، فالذي يهب تقديمُه أن هذا ليس باستخلاف،
следующие страницы →