عامداً، أو أخرج نفسه من الصلاة قصداً، أو سبقه الحدث، فكل ذلك على وتيرة واحدة، والاستخلاف يجري في جميع هذه الصور عندنا.
وأبو حنيفة (١) إنما يجوّز الاستخلاف إذا سبقه الحدث، ثم يقول: لا تبطل الصلاةُ بسبق الحدث، فالإمام يستخلف وهو بعينه في الصلاة.
وعندنا أنه يجري الاستخلاف مع بطلان صلاة الإمام.
وللشافعي قول في القديم أن من سبقه الحدث في صلاته لا تبطل صلاته، ولكن لا ينتظم التفريع في ذلك؛ فإن هذا القول منصوص عليه في القديم، والذي نص عليه في القديم منعُ الاستخلاف، فلا يتأتى في الترتيب تفريعُ جواز الاستخلاف على قولنا بأن سبق الحدث لا يُفسد صلاة الإمام.
ثم ما صار إليه أبو حنيفة خليّ عن التحصيل؛ فإن الاستخلاف يليق بزوال الإمام الأول عن الصلاة.
١٤٠٥ - ثم الذي نبتدئه في ذلك أن المستخلف يشترط فيه أن يَكون عقَدَ الصلاة مع الإمام أولاً، وصار من جملة المقتدين، ثم يستخلَف، فلو بطلت صلاة الإمام أولاً، وأراد أن يستخلف من لم يتحرم بالصلاة بعدُ، حتى يتحرّم ويتقدم ويؤم بهم، فهذا غير جائز في الاستخلاف. وسأذكر حكم هذه الصورة في آخر المسألة إذا تمَّمْتُ غرضي في الاستخلاف.
١٤٠٦ - فإذا ثبت أن الاستخلاف يختص بمن عقد صلاته قبل بطلان صلاة الإمام، فلا يخلو إما أن يجري هذا في الركعة الأولى، أو يجري في الثانية، فإن جرى في الأولى، فهل يشترط أن يكون الخليفة ممن سمع الخطبة؟ ذكر الأئمة فيه خلافاً في جميع الطرق. ثم الذي صححوه أن ذلك ليس بشرط؛ فإنه إذا عقد صلاتَه، صار في حكم من سمع الخطبة، وضاهى في حكمه حكمَهم.
ثم قال الأئمة: إن استخلف الإمام رجلاً مقتدياً به جاز، فلو مضى الإمام على وجهه، ولم يستخلف أحداً، فالقوم يقدّمون خليفة من جملة المقتدين بالإشارة،
стр. 1367
واتفق الأصحاب على أن ذلك جائز منهم، ثم قالوا يجب الاستخلاف في الركعة الأولى؛ فإن ذلك إذا اتفق يترتب عليه إدراك الجمعة، ولو أرادوا أن ينفردوا، لم تصح جمعتُهم، وإقامة الجمعة واجبة عليهم، فيتعين الاستخلاف لما ذكرناه.
ثم الذي ذكره الأئمة أنه إذا صح الاستخلاف، وتقدم الخليفة، استمر الناس على صلاتهم، ولا حاجة بهم إلى تجديد نية الاقتداء بالخليفة. وفائدة الاستخلاف نزول الخليفة منزلة الإمام الأول، حتى كأنه هو، ولو استمرت الإمامة من الأول، لم يكن لتجديد نية الاقتداء معنى، ولو انقطعت القدوة الأولى، لكان الظاهر في القياس انقطاع الجمعة، ثم إن كان التقديم من القوم، ولم يستخلف الإمام الأول، فيكفي عندي صَدَر (١) هذا من واحد من القوم، ولو شرطنا صدورَه من جميعهم، وهم مائة ألف مثلاً، لعسر الوصول إلى ذلك في أثناء الصلاة.
ولو تقدم واحد بنفسه، ولم يقدمه أحد، ففيه احتمال عندي؛ من جهة أنه لم يستخلفه أحد، ويظهر الجواز، من جهة أنه من القوم، فتقديمه نفسَه كتقديمه آخرَ.
والله أعلم.
١٤٠٧ - ولو قدم الإمام إنساناً، وقدم القوم آخرَ، فليس في هذا عندي نقل، والمسألة محتملة.
ولعل الأظهر أن المتَّبَع من يستخلفه القومُ؛ فإن الإمام قد بطلت صلاته، وإنما يستخلفُ بعُلْقة إمامةٍ كانت وزالت، والقوم باقون في الصلاة، وهم أولى بالاستخلاف.
١٤٠٨ - ثم ينبغي أن يجري الاستخلاف على القرب، بحيث لا يطول الفصل، فإن قضَوْا على الانفراد ركناً، ثم استخلفوا، لم يجز. وإن طوّلوا الركن الذي هم فيه، ثم استخلفوا بعد طول الزمان، ففي المسألة احتمال.
وكل ما ذكرناه مفرعّ على ما ذكره الأصحاب، من أنهم لو لم يستخلفوا في الركعة الأولى، فلا يصلّون الجمعة.
стр. 1368
والذي حكيته عن شيخي في تفريع ذلك على الانفضاض لا تفريع عليه.
١٤٠٩ - ثم إذا جرى الاستخلاف في الركعة الأولى، فالإمام المستخلَف يصلي الجمعة كالقوم؛ فإنه اقتدى أولاً وعقَد الصلاة، ثم استُخلف، فسبيله في الإدراك كسبيل القوم. وكل ما ذكرناه فيه إذا جرى الاستخلاف في الركعة الأولى.
١٤١٠ - فأما إذا تمت ركعة مع الإمام الأول، ثم فسدت صلاته في الركعة الثانية، فالذي ذكره الأصحاب أنه لا يجب الاستخلاف في الركعة الثانية؛ إذ سبب وجوبه في الأولى أنهم لم يدركوا مع الإمام ركعة، فأما إذا صلوا ركعة، فلو انفردوا -وقد فسدت صلاة الإمام- لصحت جمعتُهم؛ فلا يلزمهم الاستخلاف.
ثم نص الأصحابُ على أن المقتدين لا يلزمهم الاستخلاف، ولو استخلف الإمامُ لا يلزمهم أن يتابعوه، بل هم بالخيار إن شاءوا، استخلفوا، وإذا استخلف الإمام، فهم بالخيار إن شاءوا، تابعوه واستمروا، وإن شاءوا، انفردوا. ولو اقتدى بعضهم وانفرد آخرون، جاز.
١٤١١ - فإن قيل: لو بقي الإمام الأول، ولم يطرأ ما يبطل صلاته، فلو أراد القوم، أو واحد منهم أن ينفردوا بالركعة الثانية، وينووا قطع القدوة والخروجَ عن المتابعة، فما ترون فيه؟ قلنا: لو جرى هذا في سائر الصلوات، ففي المسألة قولان في حق غير المعذور، كما تقدم ذكره، والذي نراه القطعُ بأن هذا في الجمعة غير جائز، وإن مضت الركعة الأولى على الصحة؛ فإن الجماعة واجبة في الجمعة، فلا يجوز قطع الواجب، فإن قيل: هلا أوجبتم الاستخلاف لتدوم الجماعة؟ قلنا: لم يوجبها أحد في الركعة الثانية؛ فإنهم إنما التزموا الوفاء بما نَوَوْه من الاقتداء الأول، فأما الاستخلاف وإن كان تدوم به الجماعة، فهو ابتداء أمر، فهذا ما أردناه.
١٤١٢ - ولو استخلف الإمام في الركعة الثانية مسبوقاً، لم يدرك الركعة الأولى، ففي جواز ذلك قولان: أحدهما - المنع؛ فإن هذا الإمام لا يكون مدركاً للجمعة، كما سنوضحه في التفصيل إن شاء الله.
والثاني - الجواز؛ فإنه بمثابة الإمام، حتى كأنه هو، وهذا يترتب عندي على
стр. 1369
ما تقدم من أنَّا هل نشترط أن يكون الخليفة قد سمع الخطبة؟ فإن شرطنا ذلك، فلا يجوز استخلاف المسبوق، وإن جوزنا استخلاف من لم يسمع الخطبة، ففي استخلاف المسبوق بالركعة الأولى قولان، والمسألة مفروضة [فيما] (١) إذا اقتدى المسبوق أولاً، وانعقدت صلاته، ثم فسدت صلاة الإمام واستخلفه.
ثم قال الشافعي مفرعاً على جواز استخلاف المسبوق: إذا تقدم، فإنه يجري على ترتيب صلاة الإمام، ولتكن صلاتُه على صفة صلاته لو بقي مقتدياً بالإمام الأول، فيجلس إذا انقضت هذه الركعة بقدر جلوس الإمام تقريباًً، ويجلس معه القوم، ثم يومىء إيماءً، فيتحلل المقتدون عن جمعتهم، ويقوم الخليفةُ إلى ما عليه، على ما سنوضح تفصيل ما عليه إن شاء الله.
ثم هذا الخليفة لا يكون مدركاً للجمعة بلا خلاف؛ فإنه لم يدرك ركعة من الجمعة مع الإمام.
ولو دخل مسبوق واقتدى بهذا المسبوق المستخلف -على قولنا يصح استخلافه- فيكون المقتدي به مدركاً للجمعة، حتى لو أدركه في ركوع هذه الركعة، حُكم بكونه مدركاً للجمعة؛ وذلك أنه يجري على ترتيب صلاة الإمام، حتى كأنه هو في حق المقتدين، ولذلك يتشهد، وليس هذا ترتيبَ صلاة نفسه، فهو في التحقيق حالٌّ في حق المقتدين به محل الإمام الأول لو بقي، ولكنه في نفسه غيرُ مدرك للجمعة.
قال ابن سريج: يُخرج في المسبوق الخليفة -على قولنا: يجوز استخلافه- قولان، في أنه هل يصح ظهرُه - على أصلين: أحدهما - أنه نوى الجمعة، وقد ذكرنا قولين في أن الظهر هل يصح بنية الجمعة إذا تعذرت الجمعة؟ والثاني - أنَّ الظهر لو صححناه، لكان قبل الفراغ من صلاة الجمعة، وفي صحة الظهر قبل الفراغ من صلاة الجمعة قولان، وسيأتي ذكرهما.
ثم إن صححنا ظهرَه، فلا كلام، وإن لم نصححه -وقد قطع الكافة بأنه لا جمعة له- فتكون صلاتُه نفلاً على [قول] (٢).
стр. 1370
ثم قال: سيأتي الخلاف في أن إمامَ القوم لو كان متنفلاً، فهل يصح منهم الاقتداء به في صلاة الجمعة؟ فإن صححنا ذلك، فلو دخل مسبوق واقتدى به، صار مدركاً للجمعة؛ فإن صلاة الخليفة بين أن تكون ظهراً، وبين أن تكون نفلاً، وكيفما فرض، فيصح الاقتداء به.
وإن قلنا: لا يجوز أن يكون إمام الجمعة متنفلاً، فالمسبوق المقتدي به لا يكون مدركاً للجمعة، ولكن يصح اقتداء الذين أدركوا الركعة الأولى مع الإمام الأول به؛ فإنهم لو انفردوا بتلك الركعة، لكانوا مدركين للجمعة، فليس الجماعة مشروطةً في حقهم، فلا يمتنع أن يقتدوا فيها بمتنفل، كما يسوغ ذلك في إقامة سائر الفرائض خلف المتنقل، فأما المسبوق، فالجماعة شرط في إدراكه الجمعة، ثم إذا لم نجوّز أن يكون الإمام متنفلاً، فلا يكون هو مدركاً للجمعة.
١٤١٣ - ومما يليق بترتيب الكلام ورعاية النظام فيه، أنا إذا جوّزنا استخلاف المسبوق، فقد التزمنا الحكمَ بصحة صلاته، فكأنا نفرعّ على أن ظهره صحيح، أو ينقلب نفلاً.
وأما التفريع على أن صلاته تبطل، فيؤدي إلى منع استخلافه؛ فإن من تبطل صلاته، يستحيل تقديرُه إماماً أولاً، ثم الانعطاف على صلاته بالبطلان آخراً. نعم.
إذا منعنا استخلافه، فيخرج في صلاته قولان في أنها ظهر، فإن لم تكن ظهراً، خرج قولان في أنها باطلة أو نفل.
هذا تمام القول في استخلاف المسبوق.
١٤١٤ - وبقي في إتمام الغرض من المسألة ما وعَدْنا ذكرَه من استخلاف من لم يقتد بالإمام.
وتصوير ذلك أنه لو بطلت صلاة الإمام -وقد دخل داخل ولم يقتد بعدُ- فالإمام يأمره حتى يتقدم، ويتحرّم بالصلاة، ويقتدي القوم به. فهذا نفرضه في غير صلاة الجمعة، ثم نذكره في صلاة الجمعة.
فإن جرى ذلك في غير الجمعة، فالذي يهب تقديمُه أن هذا ليس باستخلاف،
стр. 1371
والمتقدم ليس خليفة، وإنما هو عاقد صلاةَ نفسه، جارٍ على ترتيب نفسه فيها، وقد انقطعت قدوة المقتدين بإمامهم، فإن اقتدَوْا بهذا الرجل، فسبيلهم كسبيل منفردين، يقتدون في أثناء الصلاة، وقد ذكرنا ما فيه من اختلاف القول فيما تقدم.
وإن فرضنا هذه الواقعة في الجمعة، ففي صحة الظهر لهذا المتقدم قولان، وفي صحة صلاته على أحد القولين قولان. فإن لم نصحح صلاتَه، فلا يصح اقتداء أحدٍ به، وإن صححنا صلاته، فنقول: إن جرى هذا في الركعة الأولى -والتفريع في جميع ذلك على ما ذكره الأصحاب- فقد انقطعت قدوة القوم، فلا جمعة لهم؛ فإنهم لم يدركوا ركعة مع إمام الجمعة، ولم تصح الخلافةُ على هذه الصورة في حق هذا الداخل. وقد نقول: لا يصح ظهر القوم، والجمعة لا مطمع فيها وفي صحة نفلهم كلام على ما تكرر. فإن صحت صلاتُه، فنوَوا الاقتداء بهذا المتقدم على الصورة التي ذكرناها، فهؤلاء نَوَوا القدوة في أثناء الصلاة، وفيه من الكلام ما مضى.
وإن أحسوا بحقيقة الحال، فقطعوا الصلاة، وابتدأ هذا الداخل المحتقدم، ونوى الجمعة، واقتدى القوم به ابتداءً، صحت الجمعة للمتقدم، والمقتدين به، إذا جوزنا أن يخطب رجل، ويصلي الجمعة غيرُ من خطب، فإن لم نجوز، فلا جمعة لهم. ثم لا يخفى بقية التفريع.
فهذا تفريع الحكم لو جرى ما ذكرناه في الركعة الأولى.
١٤١٥ - فأما إذا جرى في الركعة الثانية، فقد ذكرنا من مذهب الأصحاب أن جمعة القوم صحيحة، وإن انفردوا بالركعة الأخيرة، فلو تقدم الداخل ونوى الجمعة، فاقتدى القوم، فقد نقول: لا تصح صلاة المتقدم الذي نوى الجمعة، فلا يصح اقتداؤهم، مع العلم بذلك، وبطلت صلاتهم.
وإن قلنا: تصح صلاة المتقدم ظهراً أو نفلاً، فالقوم قد انقطعت قدوتهم، ولم يصح الاستخلاف، فإن اقتدَوْا به، كان هذا اقتداء طارئاً على الصلاة بعد ثبوت حقيقة الانفراد، وفي جواز ذلك القولان الجاريان في سائر الصلوات.
فهذا منتهى القول في الاستخلاف وما يتعلق به.
стр. 1372
فصل
١٤١٦ - ذكر صاحب التقريب تفصيلاً جامعاً في نية صلاة الجمعة، فقال: اشتهر الخلاف في أن الجمعة ظهر مقصورة أم صلاة على حيالها؟ فإن قلنا هي صلاة بنفسها، وليست ظهراً، فلا بد من نية الجمعة، ولو نوى المرء ظهراً مقصورة، (١ لم تصح جمعته.
وإن قلنا: هي ظهر مقصورة، فلو نوى المكلف ظهراً مقصورة ١) ففي صحة الجمعة بهذه النية وجهان: أحدهما - يصح؛ فإنه نوى الصلاة على حقيقتها وصفتها.
والثاني - لا تصح الجمعة؛ فإن الغرض الأظهر [من الباب التمييز، وهذه الصلاة، وإن كانت ظهراً مقصورة، فليست كالظهر المقصورة] (٢) في السفر، بل هو مقصور متميز، بحكمه، وصفته، وشرطه [عن] (٣) كل ظهر مقصورة، فلا بد من تمييزه بما يختص به، وهو الجمعة.
ثم ذكر في سياق الكلام شيئاًً، فقال: إذا نوى الجمعة، وقلنا: هي صلاة على حيالها، فذاك. وإن قلنا: هي ظهر مقصورة، فهل يجب التعرض في النية لقصد القصر، أم يكفي نية الجمعة؟ فعلى وجهين: أصحهما - أن نية الجمعة كافية؛ فإنها لا تكون إلا مقصورة.
والثاني - لا بد من قصد القصر؛ فإن الأصل الإتمام، وهذا ضعيف، لا اتجاه له أصلاً، ولكنه صرح بنقله مراراً، فنقلناه، وهو غير معدود من المذهب.
وجميع ما ذكرناه في الانفضاض، والزحام، والاستخلاف، متعلق بشرط واحد وهو الجماعة، فجرت هذه المسائل الموصوفة متفرعة على حكم الجماعة.
стр. 1373
فصل
١٤١٧ - قد ذكرنا في الشرائط المرعية الوقت، فنقول في بيانه: إن وقع شيء من صلاة الإمام والمقتدين به في وقت العصر، فلا تصح الجمعة وفاقاً.
ثم نقول: لو وقعت التسليمة الأولى وراء الوقت، فلا جمعة، ثم يعود الترتيب المقدم في أن الجمعة إذا لم تصح، فهل يبنون عليها ظهراً؟ وقد تكرر هذا على الترتيب المعروف مراراً.
١٤١٨ - ولو أدرك مسبوق ركعةً من الجمعة مثلاً وتحلل الإمام، والسابقون المقتدون به في الوقت، فقام المسبوق إلى تدارك الركعة التي فاتته، فوقعت ركعتُه، أو آخرُها وراء الوقت، ففي المسألة وجهان مشهوران: أحدهما - أنه لا تصح جمعة المسبوق لوقوع بعضها وراء الوقت، فصار كما لو اتفق ذلك في صلاة الإمام والمقتدين به.
والثاني - تصح للمسبوق؛ فإنه تابع للقوم، وقد صحت جمعتهم، وهذا أدرك ركعةً معهم في الوقت، فتبعهم في صحة الجمعة.
وعلى الجملة اعتناء الشرع بالوقت أعظم من اعتنائه بالجماعة، ولذلك اختلفت الأقوال في الانفضاض، وإن اختلّت الجماعة به، ولم يختلف المذهب في أن شيئاًً من صلاة الإمام، لو وقعت وراء الوقت، لم تكن جمعة، وإن وقع المعظم في الوقت.
والمسبوق لا يمتنع أن ينفرد بركعة، وفي وقوع شيء من صلاته وراء الوقت الخلافُ الذي ذكرناه. ولعلّ السبب فيه أن الجمعة على صورة صلاة مقصورة، أو هي مقصورة على الحقيقة، والاقتصار على الركعتين مشروط بالمحافظة على الوقت، وذلك داخل تحت اختيار الإمام والقوم، فأما اختلال الجماعة في الأثناء والانتهاء، فلا يتعلق بالاختيار كما تقرر في مسألة الزحام.
стр. 1374
فصل
يجمع تقاسيمَ لا بد من الإحاطة بها
١٤١٩ - فنقول: الناس في الجمعة على أقسام، منهم من لا يلزمه حضور الجامع وإقامة الجمعة، ولو حضروا الجامع، فهم على تخيّرهم، إن أحبوا أقاموها، وإن أحبوا أقاموا ظهراً، وهؤلاء: النسوان، والعبيد، والصبيان، والمسافرون، والمترخصون. وذكر صاحب التلخيص في العبد تخريجاً أنه إذا حضر؛ لزمته الجمعة. وهذا غلط باتفاق الأصحاب، ولا يوجد هذا التخريج في جميع نسخ الكتاب، فلعله هفوة من ناقل.
١٤٢٠ - ثم هؤلاء لا يكمل بهم العدد المشروط قطعاً؛ فإنهم على نقائص ظاهرة لازمة، وصفات الكمال مرعية في العدد الذين تنعقد بهم الجمعة.
ومن نصفه حر، ونصفه عبد، في معنى العبد الرقيق.
وذكر بعض المصنفين أن الجمعة إذا كانت في نوبة مالك الرق، فلا جمعة؛ فإنه في معنى الرقيق في نوبة السيد، فإن وقعت الجمعة في نوبة من نصفه حر، فهل يلزمه إقامة الجمعة؟ فعلى وجهين، وإن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة، فلا تلزمه الجمعة أصلاً، وذِكْر الوجهين في نهاية الضعف. والوجه القطع بأنه لا يلزمه إقامة الجمعة.
ولا أعرف خلافاً أن المكاتَب لا تلزمه الجمعة وإن كان [مستقلاًّ] (١) بنفسه.
وسقوط الجمعة عن المسافر المترخص بالاتفاق أوضح دلالة على أنَّ الكمال والاستقلال مرعيٌ في وجوب الجمعة.
وإن كان من نصفه حر في يوم نفسه، فهو في نوبته مدفوع إلى الجدّ في التكسب لنصفه الحر، فهو في شغل شاغل لمكان الرق.
ولا شك أن الجمعة لا تنعقد بمن نصفه رقيق، وإنما التردد الذي حكيناه في
стр. 1375
وجوب الجمعة، فأما أن يعد في العدد المعتبر في عقد الجمعة، فلا.
فهذا تفصيل القول في الذين لا تلزمهم الجمعة، ولو حضروها، فهم على تخيرهم، ولا يعدّون في الأربعين.
١٤٢١ - ومن الناس من لا يلزمه حضور [الجامع] (١) ولو حضره متبرعاً في وقت الصلاة، أو حضره لشغل، لزمه أن يقيم الجمعة، وهؤلاء هم المرضى، والمعذورون؛ فإنهم عذروا في التخلف، فإذا حضروا لزمهم الجمعة، وهم يعدّون (٢) من الأربعين إذا حضروا؛ فإنهم على كمال الصفات.
وإن ظن ظان أن المريض كالمسافر في بعض الرخص؛ فإنه يفطر في رمضان إفطار المسافر، ثم الجمعة لا تنعقد بالمسافرين، فينبغي ألاّ تنعقد بالمرضى، فهذا مردود عليه؛ فإن المريض مستوطن من أهل القطر، فمرضه الذي يعذره لا يحطه عن الكمال المعتبر، ولا تعويل على الرخص؛ فإنه أولاً لا يقصر ولا يجمع، وإفطاره ليس ملحقاً بالرخص، بل هو من قبيل الضرورات، وإنما تتميز الرخصة عما يباح للضرورة أو الحاجة؛ من جهة أن المسافر وإن لم يكن محوجاً إلى الرخص، يترخص، حملاً على كون [السفر] (٣) مظنة للمشقة، ولا يعتبر فيه الأحوال والآحاد، والمريض إذا وجد خفة في يوم، لم يفطر، ولو وجد قوةً ومُنة في أثناء الصلاة، وكان يصلي قاعداً، لزمه أن يقوم.
ومما يتعلق بالمريض والمعذور أن العدد لو كان ناقصاً بواحد مثلاً ولو حضر، لتمّ العدد به، ولو تخلف، لا يمكن إقامة الجمعة، وكانت الجمعة تتعطل بسبب تخلفه، فلا يلزمه أن يتكلف ويحضر؛ فإذاً هو ممن يتم به العدد، ولا يلزمه أن يحضر، ولا يختلف الأمر بين أن تتعطل بسبب تخلفه الجمعة أو لا تتعطل، ولو حضر في وقت الصلاة، لزمته الجمعة، ثم تنعقد الجمعة، وإن كان يصلي قاعداً لمرضه.
ولو حضر قبل دخول الوقت، فالوجه القطع بأن له أن ينصرف لو أراد، وإن كان
стр. 1376
دخل الوقت، وقامت الصلاة، أقام الجمعة، وإن كان بين دخول الوقت وبين إقامة الصلاة مدة، وكان لا يناله مزيدُ مشقة، في مصابرة الإقامة في الجامع، حتى تقام الجمعة، يلزمه ذلك.
وإن كان يناله مشقة في الصبر، فالذي أراه أن ينصرف إن أراد، ولا يلزمه المصابرة، ولعل هذا يُضبط بما ضبط به جواز ترك القيام، وإيثار القعود في الصلاة المفروضة.
فهذا بيان القول في المرضى.
١٤٢٢ - ومن الناس من يلزمهم إقامة الجمعة، وحضور الجامع، ثم ظاهر المذهب أن العدد لا يتم بهم، وهم الذين نَوَوْا إقامة مدّة لأشغالٍ لهم، ثم هم عازمون على الانصراف إلى أوطانهم، إذا قضَوْا أوطارهم، كالتجار والمتفقهة، ولا يعد هؤلاء من أهل البلدة، بل يسمَّوْن الغُرباء، فلا يكمل بهم الأربعون؛ فإنهم ليسوا من أهل البلدة.
والذي يحقق ذلك أنا لم نصحح الجمعة من المقيمين في البوادي تحت الخيام والأخبية؛ فإنهم وإن أبرموا العزمَ، فالخيام مهيأة للنقل، فدل أن المعتبر إقامةٌ تامة، في محل مهيّأ لها، ولكن وإن حكمنا بأن العدد لا يتم بهم، فيلزمهم أن يحضروا، ويقيموا الجمعة إذا كملت العِدة بأصحاب الكمال.
والسبب فيه أن سقوط الجمعة معدود من قبيل الرخص، وهؤلاء الغرباء إذا أقاموا على الصفة التي ذكرناها، لم يجز لهم أن يترخصوا بشيء من رخص المسافرين، فترتب على ذلك أنه يلزمهم الجمعة، ولا يتم بهم العدد.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن الغرباء، الذين تلزمهم الجمعة، يحكم بانعقاد الجمعة بهم، وهذا وإن لم يكن ظاهر المذهب، فليس بعيداً عن القياس.
فأما أهل الكمال: وهم العقلاء، البالغون، الذكور، الأحرار، المقيمون، الذين يعدّون من أهل البقعة، ولا يعتادون الانتقال شتاء ولا صيفاً، فهم الذين يلزمهم، وتنعقد بهم الجمعة.
стр. 1377
١٤٢٣ - فهذا بيان أحكام طبقات الناس في أمر الجمعة (١ ثم جميعهم على درجاتهم، إذا حضروا وصلّوا الجمعة ١) وقد استجمعت شرائطها، فصلاتهم صحيحة، والسبب فيه أن الجمعة وإن كانت مقصورة في الصورة، فقد أُثبتت لأصحاب الكمال الذين لا عذر لهم، فلأن تصح من أصحاب المعاذير أولى، وهذا مجمع عليه.
فصل
١٤٢٤ - قد ذكرنا فيما تقدم المعاذير التي تترك الجماعات بسببها، وقد قال الأئمة: كل عذرٍ يُرخَص في ترك الجماعات المسنونة يُرخص لأجله في ترك الجمعة أيضاً، وقد مضى تفصيلُها.
فمن جملة الأعذار المرض، ومنها تمريض مريضٍ والقيامُ عليه.
وقد فصّل الأئمة هذا، فقالوا: إن كان له قريبٌ محتضَرٌ منزول به، فيجوز له ترك الجمعة، والوقوف عنده حتى يقضي نحبه، وإن فاتته الجمعة بهذا السبب، عُذر، والأصل فيه: "ما روي أن ابن عمر كان يَطَّيب يوم الجمعة ليروح إلى الجامع، فأخبر أن فلاناًً البدريَّ منزول به، فحضره وترك الجمعة" (٢) وكان هذا البدري سعيدَ بن زيد ابنَ عمر بن نفيل، وهو من العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وكان قريباً لابن عمر. وجواز ترك الجمعة في هذه الصورة إنما هو لاشتغال القلب، لا لضرر ينال المنزولَ به، ولكن لو قضى نحبه في غيبة من يحضر الجامع، فقد يعظم وقعُه على قلبه، فساغ التخلف بهذا السبب، فليفهم الفاهم هذا وليتخذه أصلاً في الفصل.
стр. 1378
وقد تقدم أن ترك الجمعة بعذر المطر جائز وفاقاً، وكذلك الوحل الشديد، على ظاهر المذهب.
١٤٢٥ - والمرض الذي يجوز التخلف به لا يبلغ مبلغ الذي يجوز لأجله القُعود في الصلاة المفروضة، ولكنه مقيسٌ، معتبر بما يلقاه الماشي في الوحل والمطر، وبما ينال من يفوته موتُ قريبه من [المضض] (١)، ولو كان له زوجة أو مملوك، فهو عندي على معنى القريب، ولا يبعد أن يكون المولى كذلك، فإن الأئمة لم يفصلوا في القريب بين من يقرب إدلاؤُه وبين من يبعد.
ولو كان ثمَّ مريض، فأراد أن يقوم بتمريضه، ويترك الجمعة، فإن لم يكن للمريض قريب (٢)، ولم يكن بينه وبينه سبب مما ذكرتُه، وكان لا ينال المريضَ ضررٌ بمفارقته، فيتعين حضور الجامع، وإن كان المريض قريبَه، وكذلك إن كان للمريض من يتفقده في غيبته.
١٤٢٦ - فأما إذا لم يكن لذلك المريض من يمرّضه، وكان يناله ضررٌ بغيبته، فهذا أبهمه الفقهاء، ولم يفصلوه على ما ينبغي، وأنا أقول فيه: من أشرف على الهلاك من المسلمين وأمكن إنقاذه، فإنقاذه فرض على الكفاية، ولو تركه أهلُ القُطر حتى هلك حَرِجوا من عند آخرهم، وعليه يخرج إطعام المضطر. وكان شيخي يذكر مجامع فرائض الكفايات في كتاب السير، وسنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
وقدرُ غرضنا منه أن الذي يتعلق بفرض الكفاية، في هذا الفن الذي نحن فيه، الإنقاذُ من الهلاك، فأما إذا فرض جائعٌ قد بلغ به الجوع مبلغاً مضراً، فلست أرى تدارك هذا من فروض الكفايات؛ فإن هذا لو قيل به، لأدى إلى تأثيم خلق الله على عموم الأحوال؛ فإن الحاجة عامة، والضرر غالب في الأصحاء والمرضى. نعم يجب على الإمام تعهد هؤلاء وسد خلاّتهم من مال المصالح؛ فإن سبيل تعلّق استحقاق هؤلاء بمال بيت المال، كسبيل تعلق حق الولد الفقير بمال الأب الغني، فإذا كان في
стр. 1379
بيت المال مال، فهؤلاء محالون عليه، والدليل عليه أن من اضطر وانتهى إلى خوف الهلاك، فله أن يأخذ مال غيره، ولو جاع، لم يكن له ذلك.
ولو خلا بيت المال عن المال، ففي هذا نظر كلي إيالي (١)، استجمعت أطرافاً منه في (الغياثي). وإنما نبهت على هذا المقدار لمسيس الحاجة إليه.
فنقول: إن كان غيبة المرء عن المريض تؤدي إلى هلاكه، فلا شك أنه يترك الجمعة، ويقوم عليه سواء كان أجنبياً، أو كان بينه وبينه قرابةٌ، أو سبب، مما سبق ذكره.
ولو قيل: ليس القائم عليه بأولى في كفاية ذلك من غيره، فليحضر الجامع، وليكل أمرَه إلى آخر. قلنا: هذا يتوجه إذن في حق كل من يقوم عليه، وفيه ما يؤدي إلى ضياعه، فإذاً يجوز أن يبتدره من يوفَّق لذلك، ويترك الجمعة.
وإن لم يكن المريض بحيث يخاف عليه لو ترك، ولكن كان يناله ضرر ظاهر في ذلك، على حد الجوع المضرّ الذي [لا] (٢) يبلغ مبلغ الضرورة كما تقدم وصفه، فهل يجوز لمن يريد القيام على المريض أن يترك الجمعة أوْ لا؟ نقول: إن كان يقوم على المريض من يكفيه، ممن لا يلزمه الجمعة مثلاً، فلا يجوز للكامل (٣) أن يترك الجمعة بسبب القيام عليه؛ لمكان اشتغال قلبه بالغيبة عنه، بخلاف المنزول به القريب.
وإن لم يكن للمريض من يقوم عليه، وكان يناله ضرر لا يبلغ كفايتُه مبلغ فروض الكفايات، ففي جواز القيام عليه، وترك الجمعة بسبب دفع الضرر عنه أوجه، جمعتُها من شرح التلخيص وغيره، أحدها - وهو الأفقه أن يترك الجمعة؛ فإنا لا نشترط في العذر الذي تترك الجمعة لأجله الضرورةَ، وشدةَ الحاجة، ودرءُ ضرر ظاهر عن مسلم ليس بالهين، وإن لم يكن من فروض الكفايات. وهذا القائل لا يفرق بين القريب والأجنبي، وهو اختيار الصيدلاني.
والوجه الثاني - أنه لا يجوز ترك الجمعة لهذا؛ فإن هذا كثير، ولو تركت الجمعة
стр. 1380
لمثله، لأدى إلى تعطيلها، فأما الإقامةُ على قريبٍ منزول به، فهو مما يندُر، وما ينال القلبَ عنه من التأسف على فوته شديد.
والوجه الثالث - أنه يفرق بين أن يكون المريض قريباً، أو أجنبياً، والفرق في ذلك يعود إلى اشتغال القلب، وما يناله من مضض الرقة على القريب.
فهذا مجموع القول في ذلك.
١٤٢٧ - وترجمة الفصل أن ترك الجمعة للقيام بفرض كفاية سائغ في القريب والأجنبي، وتركُها بسببِ منزولٍ به جائز في حق القريب، ومن هو على سبب خاصٍ، كما تقدم ذكره، فأما تركها بسبب منزولٍ به أجنبي لمكان صداقةٍ، فلا يجوز أصلاً، إذا لم يكن ثمَّ دفعُ ضرر، وإن كان سبب الإقامة دفعَ ضرر، ليس دفعه من فروض الكفايات، ففيه الأوجه التي ذكرناها.
فهذا تمام البيان في ذلك.
١٤٢٨ - ثم نذكر بعد هذا تفصيلَ القول فيمن يُصلِّي الظهرَ قبل فوات الجمعة، فنقول: أصحاب المعاذير الذين لا تلزمهم الجمعة إذا أرادوا أن يقيموا صلاة الظهر، قبل فوات الجمعة، فيجوز ذلك لهم، ويُجزىء عنهم، ثم إذا كان ذلك العذر بحيث لا يرجى زواله، ولا يتأتى معه حضور الجامع، كالزمانة، فالأولى للموصوف بهذا العذر أن يصلي الظهر في أول الوقت رعاية لتعجيل الصلاة. وكذلك المرأة، وإن كان يتصور منها الحضور، فالأولى أن تلزم بيتها، والأنوثة لازمة، فالأولى لها أن تعجل الصلاة.
فأما أصحاب المعاذير التي يتصوّر زوالُها، كالمريض مرضاً يتوقع أن يخف على الفور، وكالعبد يتوقع أن يعتق، والمسافر يتصور أن ينوي الإقامة، فالأولى لهؤلاء أن يؤخروا الظهر إلى فوات الجمعة.
وكان شيخي يحكي وجهين في معنى الفوات: أحدهما - أن يرفع الإمام رأسه من الركوع في الركعة الثانية؛ فإنه إذا انتهى إلى ذلك، فقد فاتت الجمعة.
والثاني - أن المرعي في هذا تصوّر الإدراك في حق كل واحد، فإن كان منزل من
стр. 1381
فيه الكلام بعيداً، بحيث يعلم أنه قد انتهى الوقتُ إلى منتهى لو أنشأ فيه الخروجَ إلى الجامع، لما أدرك الصلاة، فهذا رجل قد فاتته الجمعة، [وربما] (١) يكون تقديراً في هذا الوقت في ابتداء الصلاة، أو لا يكون بعدُ شارعاً، فالمعشر في حق كل شخص تصور إدراكه.
١٤٢٩ - ثم المعذور إذا صلى الظهر في أول الوقت، ثم زال عذرُه والجمعة غيرُ فائتةٍ بعدُ، فلا يلزمه المصير إلى الجامع؛ فإنه قد أدى فرض وقته، فإذا صلى المريض، والعبد، والمسافر، ثم بَرأَ المريض، وعتق العبد، وأقام المسافر -وإدراك الجمعة ممكن- فلا يلزمهم الجمعة.
١٤٣٠ - قال ابن الحداد: لو صلى الصبيّ الظهر، ثم بلغ، لزمته الجمعة في هذه الصورة، واعتلّ بأنه أقام الظهر، وهو غير مكلف، وليس كغيره من المعذورين الذين لا تنافي معاذيرُهم التكليف. وقد ذكرنا في آخر باب المواقيت أن هذا مردود عليه؛ فإنه فرعه على قياس مذهب أبي حنيفة في أن الصبيَّ إذا صلى الظهر في غير الجمعة في أول وقته، ثم بلغ في أثناء الوقت، [فلا] (٢) يلزمه إعادة الظهر، وإن لم يكن مكلفاً بما صلى.
هذا كله في أصحاب المعاذير.
١٤٣١ - فأما من لم يكن به عذر ينافي وجوبَ الجمعة، فحقٌ عليه أن يحضرها ويقيمَها، فلو صلى الظهرَ قبل فوات الجمعة، فهل يصح؟ فيه قولان مشهوران: أحدهما - لا يصح؛ فإن الظهر في حقه في حكم البدل عن الجمعة، وإقامة البدل مع
стр. 1382
وجوب المبدل وتصوّر القيام به لا يجزىء.
والقول الثاني - يصح؛ فإن الظهر صلاة أُخرى، وهي أكمل في الركعات من الجمعة وأتم [فإن لم نصحح الظهرَ، فالأمرُ بحضور الجمعة قائم] (١).
وإذا فاتت، لزم بعد الفوات إقامة الظهر مرة أخرى، وفي رجوع ما جاء به قبلُ نفلاً والحكم ببطلانه القولان المشهوران.
وإن حكمنا بصحة الظهر، فيسقط عنه الأمر بحضور الجامع، إذا أقام الظهر؛ فإنه إذا صح الظهر، استحال بقاء الخطاب بغيره في وقته.
وهذا فيه أمر غريب؛ فإنه بالإقدام على الظهر في حكم الساعي في ترك الجمعة، وذلك معصية. فكأن ما جاء به طاعة من وجه، معصية من وجه.
والاختلاف في صحته قريب من الخلاف في صحة الصلاة المقامة في الوقت المكروه، كما تقدم ذلك في بابه.
١٤٣٢ - ثم لو صلى الرجل الظهرَ، وأجزأ عنه، وكان معذوراً أو غير معذور، فلو حضر مع ذلك الجامعَ، وصلّى الجمعة، فإن فُرض ذلك في معذورٍ، فهو آت بما هو محثوث عليه، نعني بذلك غيرَ المرأة، فالفرض من الظهر والجمعة أيّهما؟ فهذا ينزل منزلة ما لو صلى الرجل في غير هذا اليوم صلاةً منفرداً، ثم أدرك جماعةً، فأعادها، ففي ذلك اختلاف، قد تقدم ذكره، وإن أردنا تجديدَه فقولان: أحدهما - أن الفرض هو الأول.
والثاني - أن الفرض أحدهما لا بعينه، والله يحتسب بما شاء منهما.
وهذان القولان في حق المعذور.
فأما المصلي بلا عذر إذا صلى الظهر، ثم حضر الجمعة وأقامها، فلا شك أنه خرج عن المأثم الآن، ولكن المفروض من الصلاتين أيتهما، ذكر شيخي هاهنا أربعة أقوال: أحدها - أن المفروض هو الأول؛ فإنه لو اقتصر عليه برئت ذمته، والتفريع على أن الظهر مجزىء.
стр. 1383
والثاني - أن الفرض الجمعة؛ فإنه بها خرج عن الحَرَج.
والثالث - أنهما جميعاًً فرضان.
والرابع- أن الفرض أحدُهما لا بعينه، وقد ذكرنا لهذا نظائر في كتاب الطهارة في باب التيمم عند جمعنا ما يُقضى من الصلوات وما لا يُقضى.
١٤٣٣ - ويترتب على هذا غائلة: وهي أنا إذا قلنا: هما فرضان، فمن ضرورته أن نقول: خطاب الجمعة باقي إلى الفوات، وإن فرَّعنا على إجزاء الظهر، فهذا يضاهي من الصور المذكورة في التيمم، ما [إذا] (١) أوجبنا إقامة الصلاة في الوقت، ثم أوجبنا قضاءها.
وإن قلنا: الفرضُ الجمعة، فهذا يشابه ما إذا قلنا في تلك المسائل: لا يجب فرض الوقت مع الخلل الواقع لعدم الوضوء والتيمم، والواجب هو القضاء عند إمكان الطهارة.
وهذا فيه إشكال؛ من جهة أن من صلى من غير وضوء ولا تيمم، وألزمناه القضاء، فلا يسقط عنه القضاء أصلاً، ما لم يأت به، ومن صلى الظهر، ثم تخلف حتى فاتته الجمعة، فقد سقط الفرض عنه، على قولنا الظهر مُجزىء، وعليه نفرع الآن. نعم [لو] (٢) ضممنا في ترتيب المذهب القولَ بأن ظهره لا يصح إلى ما يجزئه، فيخرج حينئذ قول يشبه قولنا بأن القضاء لا بد منه في مسألة التيمم.
١٤٣٤ - ويخرج من هذه الأقوال مسألة: وهي أن غير المعذور إذا صلّى الظهر، وقلنا: إن ظهرَه يُجزىء، ولو فاتت الجمعة، لا يجب القضاء. فإذا لم تفت، فهل يلزمه أن يحضر ويصلي الجمعة؟ فعلى قولين: أحدهما - لا يلزمه الآن (٣)، وقد سقط الخطاب لما فرغ من الظهر، وقد (٤) أساء، وهذا إذا قلنا فرضه الظهر، أو أحدهما، إذا صلى الجمعة أيضاً.
стр. 1384
والثاني - يلزمه الحضور، وهذا إذا قلنا: هما فرضان، ثم لو فاتت الجمعة، كفى الظهر؛ فإنا لو لم نكتف به، لأوجبنا قضاء الظهر، وقد تقدم الظهر مجزئاً.
فليتأمل الناظر حقيقةَ ذلك، وليَحكُم [بخبط] (١) التفريع على أن الأصح أن الظهر غيرُ مجزىء من غير المعذور.
فصل
١٤٣٥ - قد ذكرنا فيما تقدم أن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين من أهل الكمال، وذكرنا اختلافَ الأصحاب في أن الإمام منهم، أو هو الحادي والأربعون، فإذا تجدد ذكر هذا، قلنا بعده:
اختلف قول الشافعي في أن إمام الجمعة لو كان صبياً، أو متنفلاً، فهل تصح جمعة القوم خلفه؟ فأحد القولين لا تصح؛ فإن هذه الصلاة مبناها على رعاية الكمال في أهل الجماعة، والإمام ركنُ الجماعة؛ فإنه لا تتصور الجماعة دونه، فإذا كان متنفلاً، فليس في صلاة الجمعة، والصبي وإن نوى الجمعةَ، فصلاته نفل.
والقول الثاني - أنه تصح جمعة القوم؛ فإن الغرض حصول الجماعة، واختلافُ نية الإمام والمأموم لا تمنع صحة الجماعة عندنا.
واختلاف القول مفرعّ على ما إذا تم الأربعون على الكمال دون الإمام، فأما إذا لم يزد القوم مع الإمام على الأربعين، فكان الإمام صبياً، فلا جمعة؛ فإن العدد قد نقص من أهل الكمال، وكذلك إذا كان الإمام متنفلاً في هذه الصورة.
فليفهم الناظرُ موضعَ التفصيل.
ولو اقتدى أربعون من أهل الكمال فصاعداً [بإمامٍ] (٢)، ثم بان أنه كان محدثاً، ففي صحة جمعتهم قولان أيضاً؛ فإن الاقتداء بالجنب مع الجهالة جائز عندنا في غير صلاة الجمعة.
стр. 1385
١٤٣٦ - ثم كان شيخي يرتب هذه المسائل، ويقول: في المتنفل، والصبي، قولان، [وفي المحدث قولان] (١)، مرتبان، والجمعة معه أولى بالبطلان، والفرق ظاهر، وسيأتي تفريعات على صلاة الجنب توضح ما ذكرناه إن شاء الله.
ولو كان إمام القوم عبداً، أو مسافراً، فإن كان القوم مع الإمام أربعين، فلا جمعة؛ فإنه لم يحصل الكمال في العدد، وإن زادوا، فكمل عدد أهل الكمال دون الإمام، فقد قال شيخي: إن كنا لا نعد الإمامَ من الأربعين، فكأنا لا نعتبر العدد إلا في المقتدين، فنعتبر الكمال فيهم، ولا يضر أن يكون الإمام عبداً، أو مسافراً.
وإذا قلنا: الإمام معدود من الأربعين، فإذا تم القوم أربعين على الكمال، وكان الإمام عبداً أو مسافراً، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن الجمعة تصح، وهو ظاهر المذهب؛ فإن العدد قد تم في كاملين، وجمعة العبد صحيحة.
والثاني - أنه لا تصح؛ فإن الإمام إذا عُد في الأربعين، فهو ركن، فينبغي أن يشترط فيه الكمال، وإن كثر القوم وكملوا. وهذا وإن أمكن توجيهه، فلا أعده من قاعدة المذهب.
١٤٣٧ - وترجمة الفصل أن القوم إن كانوا مع الإمام أربعين، وكان الإمام ناقصاً، أو متنفلاً، فلا تصح الجمعة، وإن زادوا، وكان المقتدون الكاملون أربعين، والإمام متنفل أو صبي، فعلى قولين.
وإن [كنا] (٢) نشترط أن يكون الإمام زائداً على الأربعين، فإن كان الإمام عبداً أو مسافراً، وقلنا: الإمام زائد، فتصح الجمعة.
وإن قلنا: يجوز أن يكون الإمام من الأربعين، فلو كمل الأربعون دونه، وكان الإمام الزائد عبداً أو مسافراً، فقد ذكر الأئمة وجهين، والأصح الصحة.
فرع:
١٤٣٨ - المعذور إذا تخلف وافتتح الظهر، ثم زال العذر في أثناء الصلاة،
стр. 1386
ونحن نفرع على أن غير المعذور لا يصح ظهره، قال ﵁ (١): أجرى القفال هذا مجرى ما لو تحرم المتيمم بالصلاة على الصحة، ثم رأى الماء في خلال الصلاة، وهذا حسن بالغ، ثم لا يخفى تفريعه في الوجوه المذكورة في التيمم.
فصل
١٤٣٩ - إذا زالت الشمس يومَ الجمعة، وكان الرجل من أهل استيجاب الجمعة، فلا يجوز له أن يسافر حتى يقيم الجمعة.
ولو لم تزل الشمسُ بعدُ، فهل يجوز له أن يسافر؟ في نص الشافعي تردُّدٌ.
وقد اختلف أصحابنا، فمنهم من قال: في المسألة قولان: أحدهما - أنه يحرم السفر كما (٢) طلع الفجر يوم الجمعة؛ فإن هذا الشعار وإن كان وقته بزوال الشمس، فهو مضاف إلى اليوم، ولهذا يعتد بغُسل الجمعة إذا وقع قبل الزوال.
والثاني - أنه يجوز أن يسافر؛ فإن وقت وجوب الجمعة يدخل بزوال الشمس، فلا معنى للحَجْر قبله.
ومن أئمتنا من قطع بجواز المسافرة قبل الزوال، وحمل نص الشافعي على التأكّد.
١٤٤٠ - قال الشيخ أبو بكر: إنما تردد الأئمة فيه إذا لم يكن السفر واجباً، أو لم يكن سفر طاعة، فإذا كان واجباً، أو طاعة، لم يمتنع الخروج قبل الزوال بلا تردد، واستشهد عليه بما روي أن رسول الله ﷺ لما جهز جيش مؤتة، وأمّر عليه جعفر الطيار، وذكر ابنَ رواحة إن أصيب جعفر، فخرجوا بأمر رسول الله ﷺ بُكرة يوم الجمعة، فلما تحلّل النبي ﵇ رأى عبدَ الله بنَ رواحة، فقال: "ما الذي خلفك عنهم"؟ فقال: "أردت أن أصلي الجمعة ثم أروح". فقال ﵇: "لو أنفقت ما في الأرض جميعاًً ما أدركت غُدوتهم" (٣).
стр. 1387
والذي ذكره فيه بعض النظر: فأما إذا كان السفر واجباً، فلا شك، وهكذا كانت سفرتهم؛ فإن امتثال أمر رسول الله ﷺ متعيّن، وكان رأَى رأياً، واتبع وحياً، فأما القطعُ بذكره في سفر طاعة لا يجب، ففيه نظر، مع العلم بأن إقامة الجمعة مقدمة على الطاعات التي لا تجب، ولكن ما ذكره متجه؛ من جهة أن الجمعة قبل الزوال لا تجب، فانتظارها قبل الزوال في حكم الطاعة، غير أن مساق هذا يخير في السفر؛ فإن الطاعة إذا لم تجب، جاز تركها بالمباح.
فإن قيل: إذا زالت الشمس، لم يتعين إقامة الصلاة؛ فإن الصلاة إن وجبت، فإنما تجب وجوباً موسعاً، وظاهر المذهب أن من أَخَّر الصلاة لأول وقتها، ومات في أثناء الوقت، لم يمت عاصياً، فهلا خرج وجه في جواز السفر بعد الزوال؟ قلنا: الناس تبع للإمام في هذه الصلاة [فلو عجلها] (١)، تعينت متابعته وسقطت خِيرةُ الناس، [في] (٢) التأخير، وإذا كان كذلك، فلا يُدرى متى يقيم الإمام الصلاةَ، فتعين انتظارُ ما يكون منه، فهذا وجه التنبيه على أطراف الكلام (٣).
...
стр. 1388
باب الغسل للجمعة والخطبة
غسل الجمعة فندوب إليه مؤكد، قال الشيخ أبو بكر: تركه مكروه. وهذا عندي جار في كل مسنونٍ صح الأمر به مقصوداً، وقد ذكرت حقيقة المكروه في فن الأصول.
١٤٤١ - ثم لا يستحب غُسل الجمعة إلا لمن يحضر (١ الجامع، وغسل العيد مستحب لمن يحضر ١) المصلى، ولمن يلزم بيته؛ فإنه يومُ الزينة العامة، والأولى أن يقرب غُسل الجمعة من وقت الرواح؛ فإن الغرض التنزه، وقطعُ الروائح الكريهة، ولو اغتسل المرء بعد طلوع الفجر يوم الجمعة أجزأ، وإن كان متقدماً على الرواح بأزمان طويلة، ولو اغتسل قبل طلوع الفجر للجمعة، لم يعتد بغسله، ولو اغتسل للعيد قبل الفجر، ففيه وجهان، سنذكرهما في صلاة العيد.
وحكى الشيخ وجهاً عن محمد (٢) أن غسل الجمعة قبل طلوع الفجر يجزىء، ثم غلّطه وزيّفه، وهو خطأ لا شك فيه.
стр. 1389
١٤٤٢ - ومما ذكره الشيخ أبو بكر (١)، وهو واضح، ولكني أحببت نقله منصوصاً، وفيه احتمال أيضاً: إذا قيل: لو سَلِم أعضاءُ الوضوء من إنسان، وتقرح سائر بدنه، وعسر عليه إقامةُ الغسل، فإنا نأمره بأن يتيمم بدلاً عن الغسل؛ فإن التيمم ثابت في الطهارات التي يعجز المريض عنها، وفيه احتمال [من جهة] (٢) أن هذا الغُسلَ منوط [في] (٣) الشرع بقطع الروائح والتنزه، والتيمم لا يقوم مقامه، والظاهر ما ذكره.
стр. 1390
١٤٤٣ - [ثم] (١) عدّ صاحب التلخيص الأغسال، [فبدأ بما يجب منها، وهو الأربعة المذكورة في كتاب الطهارة، وزاد بعدها] (٢) الأغسال المسنونة، فقال: منها غسل الجمعة، وغسل العيدين، والغسل من غسل الميت، والغسل للإحرام، والغسل للوقوف بعرفة، والغسل لمزدلفة، والغسل لدخول مكة، وثلاثة أغسال أيام التشريق، وهذه الأغسال منقولة عن رسول الله ﷺ قولاً وفعلاً، وذكر الغسل لدخول الكعبة، وحكى قولاً في القديم أنه يغتسل لطواف الوداع خاصة.
١٤٤٤ - وذكر الغسل إذا أسلم الكافر، وهو ثابت، ولكن إن كان الكافر جنباً فأسلم، لزمه الغسل، وإن كان اغتسل في الكفر، فالمذهب أنه لا يصح غسله، وإنما التفصيل والتردد في الكافرة تحت مسلم، تغتسل إذا طهرت عن الحيض، وأبعد بعض أصحابنا، فطرد صحةَ القَوْل في حق كل كافر، وهذا ذكره أبو بكر الفارسي، فغلّطه الأصحاب فيه، وحكاه الشيخ في الشرح. وإن لم يكن الكافر جنباً، فنستحب غُسلاً بسبب الإسلام.
واختلف الأئمة في وقته، فمنهم من قال: يسلم ثم يغتسل؛ فإن حق القربات أن تقع بعد الإسلام، ومنهم من قال: يغتسل قبل إظهار الإسلام، وفي الأخبار إشارة إلى هذا، وهذا فيه نظر؛ فإن الأمر بتأخير الإسلام محال، والمعرفة إن ثبتت لا يمكن دفعُها، وإن كان المراد إظهار الشهادتين، فلا وجه لتأخيره؛ فإنه مما يجب على الفور. نعم: لو قيل: لو بدأ تباشيرُ الهداية، فابتدر الكافرُ، واغتسل، ثم أقبل وهداه الله في الحال الذي وصفناه. فهل يعتد به؟ فيه احتمال وتردد.
١٤٤٥ - ومما ذكره: الغسل بعد الإفاقة من إغماءٍ، أو جنون، وهذا صحيح، وفي مرض وفاة رسول الله ﷺ أنه كان يغشى عليه، فإذا أفاق قال:
стр. 1391
"ضعوا لي ماء في المِخْضَب" (١)، وكان يغتسل. وقد أوجبه بعض السلف.
ومما عده غسل الحجامة، وقد أنكره معظم الأصحاب، وقالوا: لا نعرف له أصلاً.
وذكر الغسل على من يخرج من الحمام، وأنكره المعظم من غير سبب يقتضيه.
١٤٤٦ - ثم قال: بعض هذه الأغسال اختيار، وأراد بذلك أنها لا تبلغ درجة الوَكادة، وعدَّ في ذلك غسل الكافر إذا أسلم، وغسل الحجامة، وغسل الحمام، وعدّ من هذا القسم الغسلَ من غسل الميت، وهذا غلط باتفاق الأصحاب؛ فإنه من الأغسال المؤكدة، وللشافعي قول: إنه آكد من غسل الجمعة، وذكر الساجي (٢) وجهاً بعيداً أنه واجب، وكذلك الوضوء من مس الميت، وعندي أني ذكرته في كتاب الطهارة.
فصل
١٤٤٧ - نقل المزني آداباً في الخطبة والأذان، ثم قطع الكلامَ وأتى بكلام آخر (٣)، ونحن نرى أن نذكر -بعد هذا- جميعَها وِلاء نَسَقاً (٤). والذي ذكره بعد تلك المبادىء تفصيلُ القول في المسبوق إذا أدرك من الجمعة [شيئاًً] (٥)، ونحن نستقصي القول في ذلك إن شاء الله، فنفرض قولاً في غير الجمعة، ثم نعود إلى الجمعة.
стр. 1392
١٤٤٨ - فنقول: إذا قام الإمام في صلاة الصبح إلى الركعة الثالثة ساهياً، فدخل داخل، فاقتدى به على ظن أنها الركعة الثانية، فإن أدرك الركعة بتمامها: قراءتَها وقيامَها، فالمذهب أنه مدرك لهذه الركعة؛ فإنه صلى ركعةً تامة، وغاية ما في المسألة أن الركعة غير محسوبة للإمام، فجعل كان المقتدي اقتدى بإنسان، ثم بان أن إمامه كان محدثاً، فصلاة المقتدي صحيحة، وذكر الشيخ أبو علي وجهاً بعيداً أن المقتدي بالإمام في الركعة الثالثة لا يكون مدركاً للركعة؛ فإنها في حكم اللغو، والغالب أن يظهر مثله؛ فإنها زيادة محسوسة، وطهارة الإمام وحدثُه أمر باطن، فكانت الركعة [الثالثة] (١) في حكم الاقتداء بالكافر؛ فإن الكفر مما يظهر غالباً.
وهذا الذي ذكره بعيد جداً، ولو طرد قياسه، للزم أن يقال: لا تنعقد صلاة المقتدي، كما لا تنعقد صلاة من اقتدى بكافرٍ على الجهل بحاله؛ إذ لو علم أن الإمام قائم إلى الثالثة ساهياً، ثم إنه اقتدى به، لم تنعقد صلاته، وقد قطع ﵁ بأن اقتداء المقتدي منعقد في الركعة الثالثة، وقد ينقدح فيه أن سبب انعقاد الصلاة أن الإمام ليس خارجاً عن الصلاة بملابسة السهو الذي صدر منه، والكافر ليس في صلاة أصلاً.
فليتأمل الناظر ذلك.
فهذا إذا أدرك المقتدي تمامَ الركعة على جهل.
١٤٤٩ - فأما إذا دخل، فأدركه في ركوع الركعة الثالثة، فإن قلنا: لو أدرك جميعَ الركعة، لم يكن مدركاً، فإذا أدرك الركوعَ، فلأن لا يكون مدركاً أولى، وإن قلنا: إذا أدرك الركعة التامة يكون مدركاً وهو المذهب، فإذا أدرك الركوعَ، فالمذهب وما قطع به الأئمة أنه [لا] (٢) يصير مدركاً لهذه الركعة؛ فإن الركوع ليس محسوباً للإمام، فكيف يصير متحملاً عمن أدركه فيه؟ وكذلك لو أدرك المسبوق الإمامَ المحدِث في ركوع ركعةٍ، فلا يصير مدركاً للركعة.
стр. 1393
وذكر الشيخ أبو علي وجهاً بعيداً في شرح الفروع أنه يصير مدركاً للركعة؛ فإنه لو أدرك كلّ الركعة، لكان مدركاً، فكذلك إذا أدرك ركوعَها.
وهذا وإن كان بعيداً، فهو عندي يستند إلى أصل، وهو أن قول الشافعي اختلف في أن إمام الجمعة لو بان محدثاً، فهل تصح جمعة القوم أم لا؟ ففي قولٍ تصح، ولا خلاف أن الانفراد بصلاة الجمعة لا يجوز، فإنَّ شرطَ إجزائها والاعتداد بها القدوة، فإذا قضينا بصحة الجمعة، فقد قضينا بصحة القدوة عند الجهالة بحدث الإمام، فعلى هذا لا يمتنع أن نجعل مدرك الركوع من صلاته مدركاً للركعة على الجملة.
وهذا كله في غير صلاة الجمعة.
١٤٥٠ - فأما إذا فرض قيام الإمام في الجمعة إلى الركعة الثالثة ساهياً، فلو دخل مسبوق واقتدى به في هذه الركعة من أولها، وأدرك قيامَها وقرأ ما يجب أن يقرأ، فهل يصير مدركاً لصلاة الجمعة؟ فيه وجهان مشهوران، مبنيان على القولين في أنه لو بان الإمام محدثاً، فهل تصح الجمعة؟ والفرق بين الجمعة وغيرِها من الصلوات أن الجماعة شرط في الجمعة، ومن ضرورة (١) الجماعة إمام يُقتدى به، فإذا تبين أخيراً أن الإمام [محدثٌ] (٢)، فقد تحقّقَ انعدام شرط معتبرٍ في صحة الصلاة، ولو اقتدى المسبوق به في الركعة الزائدة، وهو عالم بحاله، لم يصح اقتداؤه وفاقاً.
فهذا إذا أدركه في جميع الركعة.
فأما إذا أدركه في ركوع الركعة الزائدة، فإن قلنا: لو أدركه في جميعها، لم يكن مدركاً، فما الظن به إذا أدركه في الركوع؟ وإن قلنا: لو أدركه في تمامها، لكان مدركاً، فالمذهب أن الإدراك في الركوع لا يكون إدراكاً، وفيه وجه بعيد في النهاية (٣) أنه يصير مدركاً.
стр. 1394
وهذا ترتيب الشيخ أبي علي في شرح الفروع.
واختيارُ ابن الحداد في الجمعة أن المدرك لتمام الركعة لا يكون مدركاً للجمعة.
١٤٥١ - ومما يتصل بذلك أن الإمام لو كان نسي السجود من الركعة الأولى، وتداركه في الثانية، فيحصل له من الركعتين ركعة واحدة، على الترتيب الذي تقدم في باب سجود السهو، فإذا قام في الصلاة إلى الركعة الثالثة، فهذه ثالثة في الصورة ثانية في الحقيقة، ولا شك أن من أدركه في جميعها أو ركوعها، فهو مدرك للجمعة، وبمثله لو نسي السجود في الركعة الثانية، وقام إلى الثالثة ناسياً فقيامه وركوعه، ورفعه الرأس في هذه الركعة (١) غيرُ محسوب، بل عمله فيها كلا عمل، وإنما يعتد فيها بما يأتي به من السجود، فالمسبوق لو أدرك في هذه الركعة، فقد أدرك في زائدة، وقد ذكرنا التفصيل فيه على ما ينبغي.
١٤٥٢ - وابن الحداد يرى أن الاقتداء بالإمام في الركعة الزائدة غيرُ محسوب، وهذا أصح الطرق.
١٤٥٣ - ونحن نفرع عليه فرعاً هو تمام الكلام.
فنقول: إذا كان الإمام نسي السجود من الركعة الأولى، ثم أتى في الركعة الثانية بالسجود، وإنما تنبه لما جرى له عند انتهائه إلى السجود في الركعة الثانية، فقام إلى الركعة الثالثة -وهذا هو الواجب عليه- فهذه صورة المسألة التي [نطلبها] (٢)، فلو أدركه مسبوق [في أول] (٣) الركعة الثانية، وأقامها بتمامها معه، وظن أنها الركعة الأولى، ثم قام مع الإمام إلى الركعة الثالثة، وأتمها، فلا شك أن المسبوق يصير مدركاً للصلاة؛ فإنه أدرك ركعة محسوبة للإمام.
١٤٥٤ - ثم قال القفال: إذا سلم الإمام، يسلم معه؛ فإنه قد صلى ركعتين
стр. 1395
تامتين، وأدرك حقيقة الجماعة في إحداهما، فإن [كان] (١) في حكم المنفرد في الركعة الأولى على ما يرتضيه ابن الحداد، فانفراد المسبوق في صلاة الجمعة بركعةٍ لا يضر، بعد أن يصح له إدراك الركعة (٢).
ثم وجه على نفسه سؤالاً وانفصل عنه، فقال: لو صح ما ذكرتموه على هذا الوجه، للزم أن يقال: لو نوى الإنسان الانفراد بركعةٍ، ثم اقتدى بالإمام في الركعة الثانية، يصح ذلك منه؟ ثم قال مجيباً: هذا لا يصح في صلاة الجمعة؛ فإنه بنية الانفراد تاركٌ للقدوة في ابتداء الصلاة، والقدوة شرط الجمعة، ووقت نيتها التحرّم، وتكبيرة العقد، وفي المسألة التي نحن فيها نوى القدوةَ في وقتها، فحصلت، وتحقق الإدراك في ركعة.
هذا قول القفال، حكاه عنه كذلك الصيدلاني، وقطع به.
١٤٥٥ - وحكاه الشيخ أبو علي، ثم لم يرضه، وقال: المقتدي على أصل ابن الحداد لم يدرك من صلاة الإمام إلا ركعة واحدة، هي المحسوبة (٣)، فإذا اطلع المقتدي أخيراً على حقيقة الحال، وسلَّم الإمامُ، فينبغي أن يقوم ويصلّي ركعةً أخرى، فهذا (٤) يُتم صلاتَه، والسبب فيه أن القدوة لم تتحقق في الركعة التي هي صورة ثانية الإمام؛ فإنها لم تكن محسوبة، ولا يصح من المسبوق تقديم الانفراد على الجماعة في الجمعة، فالذي جاء به أولاً انفرادٌ، قبل حصول حقيقة الجماعة في الركعة الأخيرة، فلم يعتد به، فإذا أدرك الركعة المحسوبة، وهي الأخيرة، فليقم بعدها إلى الركعة التي ينفرد بها المسبوق بعد تحلل الإمام، والمسألة محتملة جداً، وما ذكره الشيخ أبو علي متوجه على ما اختاره ابن الحداد وصححه.
١٤٥٦ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك: أن الإمام لو نسي السجود من إحدى الركعتين، وقام إلى الثالثة ليتدارك، وكان لا يدري أنه نسي السجود من الأولى أو
стр. 1396
الثانية، فإذا أدركه المسبوق في هذه الثالثة، فلا شك أنا في التفريع على الصحيح نقول: إذا كان نسي السجود من الثانية، فثالثته غير محسوبة إلا السجود منها، ولو قدرنا ذلك، فلا يكون المسبوق مدركاً على الرأي الظاهر، وإن كان نسي الإمام السجود من الركعة الأولى، فالثالثة محسوبة من صلب الصلاة، والمسبوق مدرك، ولو أشكل الأمر، ولم يدر أنه ترك السجود من الأولى أم من الثانية، فنأخذ في حق المسبوق بالأسوأ، ويُقدر كأنه ترك من الثانية؛ حتى لا يكون مدركاً للجمعة. على الأصح الذي اختاره ابن الحداد.
١٤٥٧ - ثم حيث قلنا: لا يكون مدركاً للجمعة، فهل يكون مدركاً للظهر؟ فإن الجماعة ليست مشروطة فيها، فهذا ينبني على أن الظهر هل تصح بنية الجمعة؟ وقد مضى التفصيل في الركعة الزائدة إذا أدركها المقتدي في غير صلاة الجمعة. وقد تقرر الغرض من الفصل، فلا حاجة إلى إعادته.
فصل
قال: "وإذا زالت الشمسُ، وجلس الإمام ... إلى آخره" (١)
١٤٥٨ - نذكر في هذا الفصل ما يشترط في الخطبتين، وما يستحب فيهما.
فنقول أولاً: الخطبتان لا بدّ منهما، ولا تكفي الواحدة، والشافعي اعتمد الاتِّباع، وهو الأصل فيما لا يعقل معناه، ويجلّ خطره، فما صادف الروايات لا يختلف فيها، بل تتفق، [أوجبه محتاطاً] (٢)، وعلى هذا بنى العددَ (٣) الذي ذكرناه.
стр. 1397
وأبو حنيفة لما لم يلزم الاتباع، فلم يزل يخلّ قليلاً قليلاً، حتى اكتفى بأن يقول الإمامُ قبل الصلاة: "سبحان الله" في نفسه (١)، ولا شك أن هذا إسقاطٌ لشعار الخطبة، ومذهبه في هذا بمثابة أصله في أقل الصلاة.
ونحن نذكر أركان الخطبتين، ثم نذكر شرائطهما، ثم نعود فنذكر رعاية الآداب فيهما، من أول الافتتاح إلى الاختتام.
١٤٥٩ - فأما الأركان، فقد قال أئمتنا: المرعيّ المتبع في الخطبتين خمسةُ أشياء:
стр. 1398
الحمد لله، والصلاةُ على رسول الله ﷺ ، والتوصيةُ بتقوى الله، وقراءة القرآن، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات.
ثم اتفقوا أنه يجب في الأولى والثانية في كل واحدة منهما الحمد لله، والصلاة، والتوصية بالتقوى، فهذه الأركان الثلاثة لا بد منها في كل خطبة.
وفي بعض التصانيف (١) أن المقصود حث الناس على التقوى، والحمدُ والصلاة، وإن وجبا جميعاًً وفاقاً، فهما في حكم الذريعتين إلى الوصية بالتقوى، ولا أصل لهذا الكلام، ولا فائدة فيه مع إيجاب الجميع.
فأما قراءة القرآن، فقد حكى شيخي أبو محمد وجهين عن أبي إسحاق المروزي في أنها معدودة من الأركان متحتمة أم هي مستحبة؟ ثم قال: إذا أوجبناها، فقد اختلف أئمتنا في محلّها، فمنهم من قال: تختص بالأُولى، فلو أخلى الخاطب الأولى من القراءة، لم يجز، وهذا القائل يقول: تشترك الخطبتان في ثلاثة أركان: الحمد، والصلاة، والحث على التقوى، وتختص الأُولى باستحقاق القراءة فيها، وتختص الثانية بالدعاء.
ومنهم من قال: الدعاء يختص بالثانية، فأما قراءة القرآن، فلا يتعين لها واحدة، بل يجب الإتيان بها في إحداهما، وهذا هو الظاهر.
وقد حكى شيخنا أبو علي في شرح التلخيص عن نص الشافعي في الإملاء أنه قال: أركان الخطبتين: الحمد، والصلاة، والوعظ. ولم يذكر قراءة القرآن، والدعاء، ولما عدّ صاحب التلخيص الأركان، لم يعدّ القراءة، ولا الدعاء أيضاً. وأما الخلاف
стр. 1399
في قراءة القرآن، فقد حكاه شيخي عن أبي إسحاق. وأما التردد في الدعاء، فلا نراه إلا في التلخيص، ولا يحمل سكوت صاحب التلخيص عن ذكر الدعاء على غفلةٍ؛ فإن المقصود الأظهر من كتابه العدّ والحصر، والاستثناء، وقد ظهر وفق قوله من نص الشافعي، الذي نقله عن الإملاء.
١٤٦٠ - ولو تأمل الناظرُ مقصود الخطبة، ألفاه راجعاً -بعد ذكر الله وذكر رسول الله ﷺ إلى حمل الناس [على مراشدهم] (١) بالموعظة في كل جمعة، وأما القراءة والدعاء، فلا يبعد من طريق المعنى خروجهما عن الأركان، ولكن هذا غريب، ولم يحكِ خروجَ القراءة فيما أظن غيرُ (٢) شيخِنا (٣) والشيخ أبي علي، واختص أبو علي بما حكاه (٤) نصّاً ونقلاً عن صاحب التلخيص في الدعاء.
وذكر العراقيون أنه يجب قراءة القرآن في كل خطبة، وهو مكرر تكرر الحمد والوصية.
فهذا مجامع القول في الأركان.
١٤٦١ - ونحن نعود إلى قول في التفصيل، [فنقول: أما] (٥) الحمد، فقد وجدتُ الطرقَ متفقة في تعيينه، والمصير إلى أنه لا يقوم ذكر الله بسائر وجوه التحميد والثناء مقام الحمد نفسه، وهذا هو اللائق بقاعدة الشافعي في بناء الأمر على الاتّباع؛ فإنّ أحداً ما عدل عن الحمد إلى غيره من وجوه الثناء.
وفي بعض التصانيف في ذكر أركان الخطبة إطلاق القول باستحقاق الثناء على الله، وهو مشعر بأن الحمد لا يتعين، بل يقوم غيره مقامه، وهذا لا أعدّه من المذهب، ولا أعتدّ به.
стр. 1400
١٤٦٢ - واتفقت الطرق على أن ذكر رسول الله ﷺ ، بالنبوة والرسالة، وسائر وجوه المناقب التي خصه الله تعالى بها، لا يقوم مقامَ الصلاة عليه، فلا بد منها، ويشهد [لتعينها] (١) وجوبها على التعيين في الصلاة بعد التشهد.
وذكر العراقيون ذكرَ الله وذكرَ رسول الله ﷺ ، ولم يتعرضوا للحمد ولا للصلاة، وظنّي أنهم أرادوا الحمد والصلاة، ولكنَّ لفظَهم [ما] (٢) نقلته.
١٤٦٣ - فأما القول في الحث على التقوى، فلا شك أن لفظ الوصية ليس معيَّناً، وإنما الغرض الاستحثاث على التقوى بأية صيغة كانت، ثم التقوى تجمع كلَّ وعظ، وهي مشعرة بالإقدام على المأمورات، والإحجام عن المنهيات، وقد بحثت عن الطرق، فلم أرها متعينة، بل الغرض الوعظ، وقد نص عليه الشافعي في الإملاء فيما نقله الشيخ أبو علي، وأبواب المواعظ راجعة إلى الحث على الطاعة، والزجر عن المعصية، وفي أحدهما إشعار بالثاني، فيقع الاكتفاء به، وأما التحذير عن عقاب الله، والترغيب في ثواب الله، ففي ذكرهما، أو ذكر أحدهما كفاية عن التصريح بالأمر بطاعة الله، والنهي عن مخالفته، فيما أراه. وهذا حقيقة التقوى.
فأما الاقتصار على ذكر التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها، فلست أراه كافياً، من جهة أنها مما يتواصى به المعطّلة المنكرون للمعاد.
وينبغي أن يكون الوعظ في أول درجاته مشعراً بمواعيد الشرع والتزامها. وكذلك الأمر بالإحسان المطلق، من غير تعرض لذكر الله تعالى، ما أراهُ مجزياً.
وأما ذكر الموت، فإن اشتملت الوصية على الأمر بالتأهب والاستعداد له، فهو كاف، وإن لم يَجْر إلا ذكره، فهو من الاقتصار على ذكر فناء أعراض الدنيا فيما أظن.
١٤٦٤ - ومما يدور في الخلد أن الخاطب لو اقتصر على كلم معدود، ليس فيها هزٌّ، واستحثاث على الخير، أو زجر عن معصية، مثل أن يقول: أطيعوا الله واجتنبوا معاصيه. فهذا القدر لو فرض الاقتصار عليه، فالذي يؤخذ من قول الأئمة أنه كافي؛
стр. 1401
فإنه ينطلق عليه اسم الوصية بالتقوى والخير، ولكني ما أرى هذا القدرَ من أبواب المواعظ التي تنبه الغافلين، وتستعطف [القلوب] (١) الأبيَّة العصيَّة، إلى مسالك البرّ والتقوى. وإن كان المتبع مسالكَ الأولين في العُصُر الخالية، فالغرض فصلٌ مجموع يهزّ، ويقع من السامعين موقعاً.
وقد بالغ الشافعي في الاتباع حتى أوجب الجلوس بين الخطبتين، كما سأذكره.
وليس يليق بمذهبه أن يُعدَّ قولُ الخطيب: "الحمدُ لله، والصلاة على محمد، أطيعوا الله" خطبة تامةً، والعلم عند الله.
وقد ذكر الشافعي لفظ الوعظ في الإملاء وفيه إشعار بما ذكرته.
أما الاقتصار على كلمة في الحمد والصلاة مع أداء معناهما، فلا شك في كفايته، فإنما قولي هذا في الوعظ، وهذا الآن يشير إلى ما ذكره بعض المصنفين من أن مقصود الخطبة الوعظُ (٢)، والحمد والصلاة ذريعتان.
١٤٦٥ - فأما قراءة القرآن إذا أوجبناها على المشهور، فالذي ذكره الأئمة: لا بد من قراءة آية تامة. وهذا فيه كلامٌ عندي، ولو قرأ شطراً من آيةٍ طويلة، فلست أُبعد كفايةَ ذلك، ولا أشك أنه لو قال: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] لم يكفِ ذلك، وإن عُدَّ آية، ولعل الأقرب أن يقرأ ما لا يجري على نظمه ذكرٌ من الأذكار، وهو المقدار الذي يحرم قراءته على الجنب، ولست أرى للآية الواحدة في هذا الباب ثَبَتاً في التوقيف.
ومما لا بد من إجزائه أنه لو قرأ الخطيب آيةً فيها وعدٌ أوْ وعيد، أو حكمٌ شرعيّ، أو معنى مستقل في وقعةٍ، فهذا كافٍ، ولو قرأ من أثناء قصّةٍ ما يحرم قراءتُه على الجنب، ولكن كان لا يستقل بإفادة معنى على حياله، فهذا مما أتردد فيه.
١٤٦٦ - وبلائي كله من شيئين: أحدهما - أن بَني الزمان ليس يأخذهم في طلب الغايات، [لا. بل] (٣) في طلب حقيقة البدايات ما يأخذني، فلا يهتدون
стр. 1402
[لما] (١) أبغيه من مداركها، بل أخاف أن يتبرّموا (٢) بها.
ثم الأولون لم يعتنوا بالاحتواء على ضبط الأشياء، والتنبيه على طريق التقريب فيها، ويشتد ذلك جداً في الإحالة على الأمور المرسلة، التي لا يثبت توقيف خاص شرعي فيه، كما نحن الآن مدفعون إليه من لزوم الاتباع وتركِ الاقتصار على أدنى مراتب الأذكار، ثم لم تثبت ألفاظ مضبوطة حسب ثبوتها في التشهد والقنوت وغيرهما، فجرّ ذلك ما أنهيتُ الكلام إليه من التردّدات (٣).
١٤٦٧ - وأما الدعاء، فيكفي فيه الدعاء للمؤمنين كافةً، بجهةٍ من الجهات، وأرى ذلك متعلّقاً بأمور الآخرة، غيرَ مقتصر على أوطار الدنيا، والعلم عند الله.
فهذا بيان أركان الخطبة.
١٤٦٨ - وكان شيخي يقول: لو قرأ الخطيب في كل ركن من الأركان آية مشتملةً على المعنى المطلوب، فأتى بآيٍ من القرآن على هذا الترتيب لا يُجزيه.
والأمر مقطوع به في المذهب. كما قال؛ فإن الذي جاء به لا يسمى خطبة، وقد تقرر أن الخطبة أوجبت ذكراً، وإن لم يعيَّن، فهو من هذه الجهة كالتشهد والقنوت، غير أن الأذكار متعيّنة فيهما، وهو غير متعيّن في الخطبة، وإلا فالكل سواء في أنه شرع ذكراً، ولكنه عُيّن في التشهد، وأُبهم في الخطبة، وفيه فقهٌ حسن؛ فإن الخطباء لو لزموا شيئاًً واحداً، وأنس به الناس، وتكرر على مسامعهم، لأَوْشَك ألاّ تحصل فائدة الوعظ؛ فإن النفوس مجبولة على قلة الاكتراث بالمعادات، فهذا كذلك، وإن كنت لا أشك في أن الخاطب لو لزم كلمات معهودة في ركن الوعظ، أو كان يُعيدُها، فيكفيه ذلك؛ فإنه قد يختلف السامعون، ويتبذلون في كل وقت.
стр. 1403
فإذن قد تحقق أن قراءة القرآن لاتكفي، نعم. لو أوقع التحميدَ آيةً، فليس يمتنع ذلك، ولو أوقع الوعظَ آية، أو آيات مشتملةً على مواعظ، وما جعلَ جميع الخطبة قراءةً، فلست أبعد إجازةَ ذلك، وقد نص عليه شيخي، ولكن ينبغي ألا تحتسبَ القراءة وعظاً، ويُعتدّ بها عن جهة القراءة أيضاً؛ فإن ذلك لا يليق بمذهبنا.
١٤٦٩ - ثم سنَحَ في هذا إشكال في التفريع، وهو أنه لو أتى بدل الوعظ بالقراءة، ثم قرأ القرآن عن جهة استحقاق القراءة، ولم أُبعد أن يكفي في الحمد آيةٌ فيها حمدٌ أيضاً، فينعطف الأمر آخراً إلى تجويز ردّ الخطبة كلّها قراءة، وهذا ممتنع.
ويخرج منه نتيجةٌ، وهي اشتراط إيقاع الوعظ ذكراً؛ حتى [لا] (١) يؤدي إلى هذا آخراً؛ فإنه قد لاح أن الغرض الأظهر من الخطبة الوعظ.
فهذا منتهى القول في أركان الخطبة.
١٤٧٠ - ثم القيامُ في الخطبتين حتم عند الشافعي في حق القادر على القيام، وكذلك القعود بين الخطبتين، ولا بد من رعاية الطمأنينة في القعدة بين الخطبتين، كما يشترط ذلك في القعود بين السجدتين.
فإن قيل [لِمَ] (٢) لَمْ تعدّوا القيامَ والقعودَ من الأركان، وعددتموها في الصلاة؟
قلنا: لا حجر في ذلك، فمن [عدّ] (٣) ذلك في الخطبة، فقد أصاب، ومن لم يعدهما في الصلاة، وزعم أن القيام والقعود محلاّن، والمقصودُ ما يقع فيهما، فلا بأس عليه. ومن حاول فصلاً، لم يبعد؛ فإن الغرض من الخطبة الوعظ، وهذا أمرٌ معقول، ولا يصح في الصلاة أمرٌ معقول، والأمر في ذلك كله قريب [مع اعتقاد] (٤) وجوب القيام والقعود في الموضعين.
فهذا أركان الخطبة.
стр. 1404
١٤٧١ - فأما الشرائط، فلا يختلف العلماء في أن الوقت شرطٌ فيهما، فليقع أول ما يعتد به منها (١) [بعد] (٢) الزوال.
ثم شرطُ الاعتداد بالصلاة تقدّم الخطبتين، ولما اختصتا بالوجوب من بين سائر الخطب، اشتُرط تقديمهما، حتى يحتبس الناس لانتظار الصلاة ويسمعوا.
ولما لم تجب الخطبة في العيد وغيره، لم يضر التأخير، وإن فرض انتشار الناس فيها.
١٤٧٢ - وفي اشتراط الطهارة عن الحدث والخبث وجهان مشهوران: أحدهما - لا يشترط؛ فإن الغرض منهما الذكر والوعظ، ولا منافاة بين ذلك وبين الحدث.
والثاني - أن الطهارة مشروطة، وقد علل هذا الوجهَ بعضُ الأصحاب بأن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين؛ فيشترط فيهما الطهارة، وهذا لا أرضاه توجيهاً، مع القطع بأن الاستقبال ليس مشروطاً فيهما. والوجه أن نقول: هذا مبني على اشتراط الموالاة [كما] (٣) تقدم؛ فإنه إذا لم يكن متطهراً، فقد يتفرق النظام إذا توضأ قبل الصلاة (٤).
١٤٧٣ - وأجرى الأصحابُ اشتراط الستر في الاعتداد بالخطبة على الخلاف المذكور في الطهر، وسبب اشتراطه بروز الخطيب، وما فيه من هُتكةٍ (٥) من الانكشاف لو لم يتستر.
١٤٧٤ - وأما الاستقبال، فلا أشك أنه ليس شرطاً، بل الأدب أن يستدبر كما سنذكره، ثم لم يشترط أحد الاستدبار أيضاً، فلو استقبل وأسمَعَ أجزأ، وإن خالف الأدب.
١٤٧٥ - ومما يتعلق بما نحن فيه: أنا إذا شرطنا الطهارة في الاعتداد بالخطبة، فلو
стр. 1405
كان الخطيب يخطب، فسبقه الحدث في أثناء الخطبة، فلو أتى بركنٍ في حالة الحدث، فلا أشك أنه لا يعتد بما جاء به في الحدث، ولكنه إذا جدد الوضوءَ، فيستأنف الخطبة، أو يبني عليها، ويأخذ من حيث جرى الحدث؟
وذكر شيخي في ذلك وجهين مبنيين على أن الموالاة هل تشترط في الخطبة؟ وهذا منه دليل على أنه ليس يتلقى اشتراطَ الطهارة من نفس الموالاة؛ فإنه كان يقول: إن شرطنا الموالاة، وقد اتفق الوضوء على قربٍ من الزمان لا تنقطع بتخلل مثله الموالاة، فهل يجب استئناف (١) الخطبة؟ فعلى وجهين، أحدهما - يجب كالصلاة يطرأ عليها الحدث.
والثاني - لا يجب؛ فإن الخطبة لا عقد فيها، وإنما المرعي فيها الموالاة، لغرض تواصل الكلام، وإفادة الوعظ، وإذا لم يتخلل زمان طويل، جاز البناء، وإن جرى الوضوء في زمان طويل، فلا شك أنا نأمره بالاستئناف على قول اشتراط الموالاة.
وحفزني على هذا شيء، وهو أن الموالاة إذا اختلت في الطهارة بعذر، فالطريقة المرضية أن ذلك لا يقدح في الطهارة، وإن شرطنا الموالاة فيها، ولكن الذي أراه أن الموالاة إذا انقطعت بعذرٍ في الخطبة، فلا أثر للعذر، وفي انقطاع الخطبة ووجوب الاستئناف الخلاف؛ والسبب في ذلك أن الطهارة غيرُ معقولة المعنى، ولا يختل بترك الموالاة فيها غرض، ولكن من حيث إن الطهارة عُهدت متوالية، كما عهدت مرتبة، اشترطنا في قولٍ الموالاة فيها، فإذا فرض عذرٌ، لم يمتنع أن يعذر صاحب الواقعة، على أنه قد ورد على حسب ذلك أثرٌ عن ابن عمر (٢). وأما اشتراط الموالاة في الأذان والخطبة؛ فإنه متعلق بمعنى معقول، فإذا اختل ذلك المعنى المعتبر، لم يظهر فرق بين المعذور وغيره.