← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

أجزاء الدهن، والتردد في الاستصباح يجوز أن يكون مأخوذاً من نجاسة الدخان؛ فإنه يثبت في البيوت ويلحق الثياب، وقد لا يحسّ بأوائل لحوقه حتى يحترزَ منه. ولا يمتنع على بعدٍ أن يطرد الخلاف في الاستصباح وإن بعد السراج، فإن هذا ممارسةُ نجاسة مع الاستغناء عنها، وليس كذلك التزبيل؛ فإنه لا يسد مسده شيء، فكان ذلك في حكم الضرورة، ويقرب من هذا جواز اقتناء الكلب الضّاري؛ فإن الحاجة ماسّة ولا يسد مسد الكلب في ظهور منفعته (١) وخفة مؤنته شيء. فصل ٣٤٢٨ - أكثر أئمتنا ذِكْرَ المالية وأجرَوْا في أثناء الكلام ما يتموّل وما لا يتمول، ورأَوْا ذلك قاعدةً متبعة في تصحيح البيع ونفيه. ونحن نفصل القول في هذا على إيجاز وبيانٍ، إن شاء الله تعالى. فممّا يسميه الفقيه غيرَ متمول ما لا يقبل البيع في جنسهِ، وهو ينقسم إلى نجسٍ وإلى محترم: أما الأعيان النجسة قد (٢) سبق القول فيها، وأمّا المحترم الذي لا يتمول كالحرّ وما يحرز بالشرع كبقعة الكعبة، أو حرز كالبقاع التي اتخذت مساجد. ثم ما لا يتمول لجنسه، وهو الأعيان النجسة لا قيمة لها، ولا تضمن بالإتلافِ، وما لا يتمول لحرمته، فلها أبدال عند الإتلاف. ومقصودنا من هذا الفصل شيء آخر. فإذا قلنا: هذا لا يتمول لقدره، فليقع الاعتناء به، وإن كان جنسه مالاً. والضّابط فيه أن كل ما ليس للانتفاع به على حياله وقع محسوس، فهو الذي يقال: إنه لا يتمول، كالحبة والحبتين فصاعداً. وليعتبر وقعه منسوباً إلى كل جهة؛ فإن حبات معدودة قد لا يكون لها وقع في الإنسان، وهي تقيم عصفورة، أو تسد منها مسداً. فكل ما فيه نفع محسوس، فهو مال، وكل ما ليس فيه نفع محسوس، فهو غير

стр. 2872

متمولٍ. وكل منتفع به طاهرٌ غير محترم إذا تحقق الاحتواء عليهِ، فهو مال. وإن كان الناس لا يتمولونه لكثرته ورخاءِ السّعر. فليكن التعويل في الفرق بين ما يتمول وما لا يتموّل على المنفعة في الأجناس الطاهرة غير المحترمة. فلو أجدَّ (١) الرجل صخرة، وكان فيها منفعة ظاهرة، فيجوز أن يبيعها بآلاف ممن يشتريها: وهم في شعاب جبال مفعمة بالصخور. وعليه يخرج تجويز بيع [هذِه] (٢) في أمثال هذه البلاد. فأما الحبة من الحنطة فلا، ولا يختلف هذا بسِنِي الأَزْم والمَجاعة ورخاء الأسعار. ولكن ما يقال فيه: إنّه لا يتمول لقلته فيه حق لصاحبهِ، فلا يجوز أخذ حبة من مال إنسان بناء على أنها لا تتمول. ومن أخذها لزمه ردُّها. قال شيخي: كان القفال يقول: إن تلفت لم يبعد أن أوجب مثلَها. وإنْ منعتُ بيعها. نعم لو كان كذلك القليل من جنس متقوم، فلا قيمة. فهذا حَاصل القول في ضبط ما يتمول. وما لا يتمول. فصل مشْتمل عَلى بَيعْ المَاءِ وحُكمِهِ نظمه الشيخ أبو علي في الشرح ونحن نأتي به على وجهه فلا مزيد عليه. ٣٤٢٩ - فنقول: من ينزح ماء من موضع مباع، فالمذهب المشهور أنه يملك ما أحرزه، كما يملك الحطب إذا احتطب، والصيدَ إذا اصطاد. وفي المسألة وجه بعيد أنه لا يملك قط. ولكن محرزه أولى به، وهذا بعيد لا تفريع عليه. وإنما التفريع على أن الماء يملكه محرزه.

стр. 2873

فمن أحرز ماء في إداوة وسقايةٍ، فقد ملكه، ويجوز بيعه على شط الدجلة، بما يقع من التراضي عليه. فأما إذا حفر بئراً أو قناةً، فاجتمع فيها ماء، فهل يملك ذلك الماء؟ هذا يستدعي أولاً تفصيلَ المذهب في أن الآبار كيف تملك، وهذا مما يأتي استقصاؤه في إحياء الموات، والقدر الذي تمس الحاجة إليه الآن أن من حفر بئراً في مواتٍ وقصد باحتفارها تملّكَها، فإذا ظهر مقصودُه، مَلَكَها، ومقصودهُ ظهور الماء، فكما (١) ظهر، مَلَك، ولا يتوقف الملك على أن يطويَ (٢) البئر ويعمرَها. هذا ظاهرُ المذهب. وقيل: ظهور الماء يجعل حافرَ البئر كالمتحجر، وهذا يأتي في الإحياء. ولو كان يحتفر نهراً إلى نهر عظيم كالفرات، وقصده أخذ شيءٍ من ماء الفرات في نهرهِ، فإذا قصد باحتفار النهر تملكها، وانتهت فوهة النهر إلى النهر الكبير، وجرى فيه الماء، فهذا في ملك النهر نظير إنباط الماء في البئر. هذا إذا قصد التملك. فأما إذا قصد احتفار البئر ليستقي ماءها لا أن يتملكها. فيكون أولى بماء البئر، فإذا تعداها وجاوزها، فالبئر بمائها مباح. فإذا بان ذلك، فلو لم [يملك] (٣) البئر، ولم يقصد تملكها، فالماء المجتمع فيها لا يكون مملوكاً باتفاق الأصحاب. هكذا قال الشيخ. فأمّا إذا ملك البئر، أو كان في ملكهِ الخالص بئرٌ كَدَارِه، فالماء المجتمع في تلك البئر هل يكون ملكاً على الحقيقة لمالك البئر؛ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - وهو اختيار أبي إسحاق أنه لا يملكه، وينزل الماء الحاصِل في ملكه منزلةَ ما لو عشش طائر في ملكه؛ فإنه لا يملكه. وقال ابن أبي هريرة: الماء ملك لصاحب البئر على

стр. 2874

الحقيقة، وهو نازل منزلة الثمرة التي تخرج من أشجاره من غير قصده. ٣٤٣٠ - فإذا ثبت ذلك، فالكلام وراء ذلك في فصلين: أحدهما - إفراد الماء بالبيع. والثاني - بيعه مع قرارِه. فأما إفراد الماء بالبيع، فالماء الذي جمعه في إداوة أو حوض، أو أحرزه، فيجوز بيعه؛ فإنه غير متزايد. فأمّا الماء المجتمع في البئر المملوكة، أو الماء الجاري في النهر المملوك، فإن قلنا: إنه غير مملوك، فإذا أفرده بالبيع، لم يصح؛ لأنه باع ما لم يملكه، فأشبه ما لو باع فرخَ طائر على عش في ملكه. ولم يأخذه بعدُ. وإن قلنا: إنه مملوك، قال ﵁ (١): لا يصح إفراده بالبيع إذا قال: بعتك ماء هذا البئر؛ لأنه ممّا يتزايد تزايداً كثيراً، وليس كذلك بيع الجِزة من قُرطٍ، فإنه إذا ابتدرَ الجزَّ، لم يتزايد تزايداً محتفلاً به، والماء الجاري أولى بالفساد، فلا يصح إذا بيع الماء على الوجهين لعلّتين (٢). ولو قال: بعتك مائة مَن من ماء هذه البئر، فإن قلنا: إنه مملوك، ففي المسألة وجهان: أحدهما - يصح. والثاني - لا يصح. وهما مبنيان على ما إذا أراه نموذجاً من لبن الضرع، فينبغي أن يكون المقدار المذكور من ماء البئر، ومن لبن الضرع بحيث يعتقد قلةُ التزايد فيه، كما قدمناه في لبن الضرع. قال الشيخ: لو باع مقداراً من ماء نهرٍ جارٍ، فهو ممنوع؛ فإنه غير واقفٍ ولا يستمكن من تنزيل العقد على معاين فيه تَسلُّم. وكل ما ذكرناه فيه إذا باع الماء وحده. ٣٤٣١ - فأما إذا باع ماء البئر مع البئر، فنذكر التفصيل في البئر أولاً، ثم نذكره في النهر.

стр. 2875

فإذا باع البئرَ، فلا يخلو إما أن يشترط معه الماءَ الذي فيه أو لا يشترط: فإن شرط معه الماء الذي فيه، فإن قلنا: إنه غير مملوك، فلا يصح البيع فيه. وهل يصح في البئر؟ فهو على قولي تفريق الصفقة. وهو كما لو باع ظبية مملوكة، وأخرى في الصحراء لم يصطدها. فأما إذا قلنا: الماء في البئر مملوك، فإذا باع البئر مع مائه الذي فيهِ، صح؛ فإنه مشاهد. [وليس] (١) كما لو أفرد ماء البئر بالبيع؛ فإن الأصل في تلك الصورة مُبْقَى للبائع. وما نَبَع بعد تقدير البيع، فهو لمالكِ الأصل، فيؤدي إلى اختلاط المبيع، وأما هاهنا مَلَك (٢) المشتري [المنابع] (٣)، فلا أثر للازدياد، ولا يضر أن يختلط ملكُ المشتري بملكه. هذا إذا شرط مع البئر ماءها. فأفا إذا باع البئر ولم يتعرض للماء الذي فيه، فإن قلنا: إن الماء ليس بمملوك، فقد ملك المشتري البئر، وصار أحق بالماء، كما كان البائع أحقَّ به. وإن قلنا: إنه مملوك، فالبئر صارت مملوكة للمشتري، والأصح أنه لا يتبعها الماء؛ فإنه [نماءٌ] (٤) ظاهر، فأشبه الثمار الظاهرة المؤبرة لا تدخل في مطلق بيع الشجرة. ومن أصحابنا من أتبع الماءَ البئرَ وجعله كالثمار التي لم تؤبَّر، ونزل الأمر في هذا على العرف. وهذا قدمته في أثناء مسائل البيع فيما أظنه. فهذا في البئر. ٣٤٣٢ - فأمّا في النهر، فإن باعه من غير تعرض للماء الذي فيه، فالبيع في النهر صحيح، والقول في إتباع الماء الموجود في النهر على ما تفضل. فأما إذا باع النهرَ مع الماء الجاري، فإن قلنا: إنه غير مملوك، فقد جمع بين مملوك وغيرِ مملوك

стр. 2876

مجهولٍ، لا سبيل إلى ضبطه. والأصح في مثل ذلك بطلان البيع في الجميع، ما قدمناه في تفريق الصفقة. وإن قلنا: الماء مملوك وقد ذكره مع النهر، فهو مجهول لا يفرد بالبيع ضُمَّ إلى معلوم، فيخرج على التفريق. ولو اجتمع في ملك الرجل شيء سوى الماء كالموميا (١) والملح، وكان يتزايد تزايد الماء، فقد قال الشيخ: حكمه مع قراره حكم الماء في كل تفصيل، إلا أنا ذكرنا في صدر الفصل وجهاً بعيداً أن الماء لا يملك أصلاً، وذلك لا يجري هاهنا. ولماء الأودية والقنوات وموارد البيع منها تفاصيل كثيرة في إحياء الموات، إن شاء الله تعالى. فصل في الإقالة ٣٤٣٣ - لا خلاف في جوازها، وارتداد عوضي العقد بها، وأنها تختص بالثمن الأول، ولا حاجة إلى ذكر الثمن والمثمن على التفصيل، بل الإطلاق ينصرف إليه، ولا تختص الإقالة بالمتعاقدين، بل لو ماتا، جرت الإقالة بين الورثة. ٣٤٣٤ - ثم هي فسخ، أو ابتداء عقد؟ فعلى قولين: أحدهما - أنها عقد، وهو المنصوص عليه في القديم، لتضمنها تمليكَ مال بمالٍ على التراضي، وصيغةِ الإيجاب والقبول. والمنصوص عليه في الجديد أنها فسخٌ، لاختصاصها بالثمن الأول، ولأن الغرض منها رفع ما كان، ورد الأمر إلى ما كان عليه قبل العقد. ولفظ الإقالة مشعر بهذا. ومنه إقالة العثرات.

стр. 2877

ولم أر أحداً من الأصحاب يخرجُ الإقالةَ قبل قبض المبيع على أن الإقالة فسخ أو بيع. حتى إن قلنا: إنها فسخ، نفذت. وإن قلنا: إنها بيع خرجت على الخلاف في أن بيع المبيع من البائع قبل القبض هل يجوز. وكذلك لم يردد أحد من أصحابنا القولَ في الإقالة في السلم، بل أطلقوا جوازها. وإن كان يمتنع بيع المسلم فيه قبل القبض. وكان شيخي يقول: الإقالة بعد القبض على القولين، والإقالة قبل القبض تنفذ. فإن جوزنا بيع المبيع من البائع قبل القبض، [خرجت المسألة على قولين في أن الاقالة فسخ أو بيع، وإن قلنا: لا يصح بيع المبيع من البائع قبل القبض] (١)، فالإقالة نافذة، وهي فسخ قولاً واحداً. وذكر شيخي في كتاب الخلع في أثناء كلامه فصلاً به تظهر حقيقةُ الإقالة، وهو أنه قال: اختلف أصحابنا في أن البيع هل يقبل الفسخ بالتراضي؟ فمنهم من قال بقطع القول بقبوله الفسخ بالتراضي. والقولان في لفظ الإقالة. ومنهم من قال: كل ما فرض على التراخي سواء كان بلفظ الفسخ، أو بلفظ الإقالة، فهو خارج على القولين، ولا نظر إلى الألفاظ، فالفسخ لفظٌ ألفه الفقهاء، ومعناه ردَّ شيء واسترداد مقابله. فإن تعلّق متعلّق بلفظ الفسخ، فالإقالة من طريق اللسان صريحة في رفع ما تقدَّم، ورد الأمر إلى ما كان عليه قبل العقد. فرجع حاصل القول إلى أن من أصحابنا من جعل الخلاف في تصور الفسخ بالتراضي من غير سبب يوجبه. ثم هؤلاء يقولون: يتصور الفسخ بالتراضي قبل القبض؛ لأن العقد لم يُفض إلى نقل الضمان، فإذاً هو متصور قبل القبض. وفي تصويره بعد القبض الخلاف. ومن أصحابنا من قطع بتصوّر الفسخ، ورد الخلاف إلى الإقالة ومعناها، ثم هؤلاء قالوا: هي محمولة قبل القبض على الفسخ، والخلافُ في عملها بعد القبض.

стр. 2878

٣٤٣٥ - ثم يتفرع على القولين في أن الإقالة فسخ أو عقدٌ أمور: منها - تجدد حق الشفعة للشفيع إذا كان قد عفا عنها في البيع: إن جعلناها فسخاً، لم يتجدد حق الشفعة بالإقالة. ضمان جعلناها عقداً، تجدد له حق الشفعة. وإذا تلف المبيع في يد المشتري بعد الإقالة، فإن قلنا: هي عقد، انفسخت كما ينفسخ البيع بتلف المبيع قبل القبض، وعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل الإقالة. وإن قلنا: هي فسخ، لم ترتفع الإقالة، وضمن المشتري قيمة التالفِ في يده. ومما يتفرع على ذلك أنهما إذا تقايلا، فإن قلنا: الإقالة بيع؛ فلا يتصرف البائع في ملك العين مادامت في يد المشتري. وإن قلنا: هي فسخ، نفذت تصرفاته كالمفسوخ بالعيب. ٣٤٣٦ - وإذا تلف المبيع، ثم تقايلا، فإن جعلنا الإقالة عقداً، لم يصح؛ فإن البيع لا يرِدُ على تالفٍ. وإن جعلناه فسخاً، فوجهان: أحدهما - أنه ينفذ كالفسخ بالتحالفِ. والثاني - لا ينفذ؛ فإن الفسخ بالتحالف ليس مقصوداً في نفسه، وإذا أنشأ المتحالفان دعوتيهما، فليس غرضهما الفسخ. لكن كل واحدٍ يبغي أن ينكُل صاحبه ويحلف هو فإذا تحالفا، كان الفسخ ضروريّاً، والفسخُ بالإقالة معمودٌ مقصود، فلا ينفذ في التالف، كالفسخ بالعيب بتقدير ردَّ قيمة المعيب التالف واسترداد عوضه. فإذا اشترى عبدين، فتلف أحدهما، فأراد الإقالة في الآخر، إن جوزنا الإقالة، والمبيع تالفٌ بجملته. فهذا أولى بالجواز، فإن منعنا الإقالة عند تلف المبيع، وهو واحد، فهاهنا وجهان؛ إذ القائم يلاقيه الإقالة، ثم يستتبع التالفَ. ٣٤٣٧ - ولو اشترى عبدين فتقايلا في أحدهما مع بقاء العبدين. فإن قلنا: الإقالة بيع، لم تصح الإقالة؛ فإنها لو صحت، لقابل العبدَ قسط من الثمن يبيّنه التقسيط. وهذا مجهول. فلا يصح تقدير العقد، مع جهالة العوض. وإن قلنا: الإقالة فسخ، جاز ذلك. ولو كان مكان العبدين قفيزان من الحنطة، فخُصت الإقالة بأحدهما، جاز على القولين. أما قول الفسخ، فلا يخفى. وأمّا قول العقد، فلا جهالة. والثمن يتقسط بالأجزاء.

стр. 2879

ولو اشترى عبداً وتقايلا على نصفه، فالإقالة صحيحة على القولين؛ إذ لا جهالة. والفسخ لا شك في نفوذه على قول الفسخ. فإن قيل: هلا خرّجتم على تفريق الصفقة؛ قلنا: سبب منع التفريق على قولٍ في هذا المقام تنزيلُ العقد على جملةٍ مع تخلفه عن بعضها، فتارة يقول: ارتفع العقد، وتارة يقول: يتخير من تبعض الأمر عليه. وأما الإقالة فَصَدَرُها عن التراضي. والحق لا يعد وهماً. وإنما يمتنع رد أحد العبدين على أحد القولين قهراً. فلو فرض التراضي به، كان إقالة مسوغة. ومن جوز فسخاًً بعد لزوم العقد بلا سبب التراضي، [لم] (١) يغادر متعلقاً في التبعيض. وذكر بعض المصنفين أنهما إذا تقايلا على أحد العبدين، وجعلنا الإقالة فسخاً، نفذت. وهل ينفسخ العقد في العبد الآخر؟ فعلى قولي تفريق الصفقة. وهذا خبال. والأصل اتباع الرضا في الفسخ والإبقاء. ولو سلكنا هذا المسلك، لخرَّجنا قولاً في منع الإقالة في أحد العبدين. فإذا اجتمع الأصحابُ على خلافه، بطل هذا المسلك، وانتسب صاحبه إلى عدم الإحاطة بحقيقة الإقالة. ٣٤٣٨ - ومما يتفرع على ذلك أنا إذا جعلنا الإقالة عقداً، فلو قالا: تفاسخنا، اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: هو عقد؛ تعويلاً على اشتراط التراضي، ومنهم من قال: هو فسخ. وهذا يستند إلى ما ذكرته من حقيقة الإقالة في صدر الفصل. وقد نجز الغرض من الإقالة وتفريعها، وانتهت مسائل الأصول من كتاب البيع. ونحن نذكر فروعاً انسلت عن ضبطنا، فليلحقها الناظر بأصولها، وليرتبها على قواعدها. فرع: ٣٤٣٩ - إذا اشترى الرجل جارية ثم تبين أنها أخته من رضاع أو نسب، فلا خيار للمشتري. وإذا اشترى جارية فإذا هي معتدة من وطء شبهةٍ، فله الخيار. أمّا نفي الخيار إذا بانت أخته، فسببه أن الأخوّة لم تقدح في المالية. وهي مقصود البيع، ولا التفات إلى ما يتخلف من الأعراض بعد وفور المالية.

стр. 2880

ولو اشترى رجل جارية وسعى في تحريمها على البائع بسبب طارىء في يده، ثم اطلع على عيب قديم بها، ردّها، ولم يكن للبائع أن يقول: بعتُها وهي محلٌّ لحلي، ورددتَها وهي محرّمة، فلا أقبلها؛ فإن التحريم والتحليل لا تعويل عليهما في عقد البيع. وأمّا ما ذكرناه في المعتدة، فالسبب فيه أنها محرمة على الناس كافة، وهذا يرِّغب الطالبين عنها، وما كان كذلك أثر في المالية. وهو بمثابة ما لو اشترى داراً، ثم تبين أنها مستأجرة، والتفريع على صحة البيع يثبت الخيار. وعلى هذا القياس لو اشترى جارية وقبضها، فوطئها واطىء بالشبهةِ، ثم اطلع على عيبٍ قديمٍ، كانت العدة بمثابة عيبٍ حادث طرأ في يد المشتري. وقد سبق التفصيل فيه. ثم ذكرنا في مسائلِ العيوب أن العيب الحادث إذا زال وقد كان تعذر الردُّ بسببه، فهل يملك المشتري الردَّ؟ فيه خلاف وتفصيل. والعدة وإن كانت في حكم عيب، فهي مرجوة الزوال. فلو قال المشتري: أصبر حتى تنقضي العدة ثم أرد. فقال البائع: ضُمّ الأرشَ أو اقبل العيب القديم، وإلا فتأخيرك يبطل حقك من الرد، فكيف الحكم فيه؛ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يملك التأخير؛ فإن [العُذر] (١) لائح، ورجاء زوال العيب ظاهِر، وإنما يبطل حق الرد بالتأخير إذا لم يكن عذرٌ. ومن أصحابنا من قال: إذا أخر يبطل حقه؛ فإنه يجد سبيلاً إلى التخلّص من الظلامة دون الرد، فليرض به. فرع: ٣٤٤٠ - إذا اشترى عبداً معيباً وقبضه، ثم جاء بعبد وقال: هذا العبد المبيع، وهو معيب، وهو الذي قبضتُه. وقال البائع: ليس هذا الذي قبضتَه مني واشتريتَه، وإنما هو عبد آخر، ولا بينة. قال الأصحاب: القول قول البائع مع يمينه؛ فإنه يستبقي العقدَ، والأصل بقاؤه. ولهذا صدقناه إذا ادعى حدوثَ العيب، وأنكر قدمه. فأما إذا أسلم في عبدٍ أو غيره من الموصوفات، وقبض ثم جاء وقال: هذا الذي قبضتُه ليس على الوصف الذي طلبتُه وذكرته في السَّلم، فقال المسلم إليه:

стр. 2881

ليس هذا ذاك الذي قبضتَه مني، فالقول قول من؛ فعلى وجهين: أحدهما - القولُ قولُ المسلَم إليه؛ فإنه قد سبق قبض وفاقاً، والمسلِم يدَّعي بعد ذلك مرجعاً. والوجه الثاني أن القول قول المسلِم؛ فإنهما اتفقا على اشتغال ذمة المسْلم إليه، والمسلَم إليه يدعي براءة ذمته، والأصل اشتغالها. وليس كذلك العبد المعيّن؛ فإنهما اتفقا على أن المشتري قبض ما اشتراه، ثم اختلفا في أن العقد هل يفسخ بعد ذلك أم لا. والأصل بقاء العقد. وما ذكرناه من الوجهين في المسلم إليه يجريان في الثمن الواقع في الذمة. وذكر ابن سريج في كل عوضٍ ثابت في الذمة ثمناً كان أو مثمناً ما ذكرناه من الوجهين في الحُكم الذي أردناه، وزاد وجهاً ثالثاً ذكره في الثمن. وهو أنه قال: لو قال البائع: الدراهم التي سلمتها أيّها المشتري مبهرجةٌ زيوفٌ، وليست وَرِقاً، فالقول قوله؛ فانه ينكر أصلَ القبض. وإن قال: هي معيبةٌ، فالقول قول المشتري حينئذٍ؛ فإن أصل القبض ثابت؛ بدليل أنه لو رضي القابض به [لعد] (١) ثمناً، وجرى عوضاً. فرع: ٣٤٤١ - إذا أوصى إلى رجل أن يبيع عبداً معيباً من تركته، ويشتري بثمنه جاريةً، ويعتقها عنه، فباع الوصي العبد بألف، واشترى بالألف جارية، وأعتقها عن الموصي، ثم وجد مشتري العبد به عيباً ورده، فللوصي أن يبيع ذلك العبد المردود ويؤدي من ثمنه الألفَ الذي كان ثمناً، فإن وفَّى ثمنُ العبد لمَّا باعه بعد الرد، فلا كلام. وإن كان ثمنه تسع مائة، لمكان العيب الذي بدا، فذلك النقصان لا بد من جبره لرد جملة الثمن على المشتري. فذلك النقصان على من؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: هو على الوصي؛ فإنَّ الموصي إنما أمره أن يشتري بثمنه جارية، وقد بان أخيراً أن ثمنه تسع مائة؛ فكان من حقه ألا يشتري الجارية إلا بهذا المبلغ؛ فهو بترك البحث مفرّط. ثم هو ضامن بسبب تفريطه. ومن أصحابنا من قال: لا ضمان على الوصي في تلك الزيادة، ولكنها في ذمة الميت الموصي تؤدَّى من تركته؛ وذلك أن [الوصيّ] (٢) بالحاكم والعدل [في

стр. 2882

الرهن] (١) أشبه. وقد قال الشافعي: إذا باع الحاكم شيئاً، فلزمت فيه عُهدة، فلا تتعلق الغرامة بالحاكم، وكذلك من عُدّل الرهن على يده. ولو باع الوصيُّ العبدَ المردودَ عليه، فزاد ثمنُه على الألف، فقد بان لنا فيه أنه فرط في بيعه لما باعه بالألف وكانت قيمته ألفان. والمسألة فيه إذا لم تكن الزيادة عن ارتفاع سِعرٍ، ولا عن قبول زبون، فقد جرى بيعه بغبن وكان باطلاً، ولا حاجة إلى الرد. وشراءُ الجاريةِ إن كان واقعاً في الذمة، فينصرف إليه، والعتق واقعٌ عنه، وعليه الآن بتمام ثمن العبد جارية، فيعتقها عن الموصي. وإن كان قد اشترى الجارية بعين ما قبضه في ثمن العبدِ، فلا يصح العقد؛ فإن المشار إليه كان مستحقاً ولم ينفذ العتق. ومما يليق ببقية المسألة أنا قطعنا القول بأن الوصي إذا رُدَّ العبدُ عليه، فله بيعه، لم يحك الشيخُ فيه خلافاً. ٣٤٤٢ - فإن قيل: لو باع الوكيل عبداً فرُدَّ عليه بالعيبِ، فهل له أن يبيعه مرة أخرى؟ قلنا: اختلف أصحابنا في المسألة: فذهب بعضهم إلى أنه يبيعه؛ فإن الموكل قد أذن له في بيعٍ يلزم وينفذ، فإذا نُقض عليه، فله البيع ثانياً (٢ والمذهب الصحيح الذي اختاره القفال أنه لا يصح منه البيع ثانياً ٢)؛ لأن المبيع رجع إلى ملك الموكَل رجوعاً جديداً، فلا يستفيد الوكيل التصرف في هذا الملك الجديد. ولو أذن للوكيل في بيع عبده بشرط الخيار للمشتري، فباعه وشرط الخيارَ، ففسخ المشتري البيع، فهل يجوز للوكيل أن يبيعه ثانياً؛ فعلى وجهين مشهورين قرَّبهما القفال من القولين في أن البيع بشرط الخيار هل يوجب نقلَ الملك. فإن قلنا: انتقل الملك إلى المشتري، فالأشبه أن لا يبيع الوكيل مرة أخرى. وإن قلنا: الملك للموكل، فيجوز أن يبيعه الوكيل ثانياً؛ فإن هذا ذلك الملك بعينه، فلا يبعد أن يدوم الإذن إلى أن يتفق نقل الملك. والمسألة محتملة على القولينِ.

стр. 2883

فرع: ٣٤٤٣ - إذا اشترى الرجل عبداً، ثم بان له أنه ابنه، صح العقد، ونفذ العتقُ، ولا مردّ له. وإذا عسر ردُّ العتق، فلو اطلع على عيب قديم به رجع بالأرش. ولو قال ولا عيب به للبائع: أغرمك شيئاً إذْ خسَّرتني، لم يغرمه؛ فإن العبد لا نقصان به. فرع: ٣٤٤٤ - إذا باع سمسماً على أن يكون الدهن مبيعاً والكسب للبائع، أو باع قطناً على أن الحليج هو المبيع والحب للبائع، فالبيع باطل؛ فإن المبيع ليس متعيناً على التحقيق ولا جزءاً شائعاً. فرع: ٣٤٤٥ - إذا قال: بعتك هذا على أن لا ثمن لي عليك، فقال: اشتريتُ وقبضه، فالذي قطع به الأئمة فسادُ البيع. ثم قالوا: لو تلف المقبوض في يد المشتري، ففي وجوب الضمان وجهان: أحدهما - الوجوب؛ لأنه مقبوض على حكم بيع فاسد. والثاني - لا يجب الضمان؛ لأن البائع رضي بحطِّه، وبنى الأمر عليه، فصار القبض قبض وديعة. وذكر القاضي قولين في أن ما جرى هل يكون هبة صحيحة مملكة: أحدهما - أنه هبة؛ نظراً إلى القصد، ولا اعتبار بالخطأ في اللفظ. والثاني - أن هذا ليس بهبة؛ فإن البيع ينافي في وضعه معنى الهبة، و [العقود] (١) لا تنعقد بالمقاصد، وإنما تنعقد بالألفاظ. ولو قال: بعتك هذا، ولم يتعرض لنفي الثمن وإثباتِه، فقال المخاطب: قبلتُه، فلا يكون هذا تمليكاً وفاقاً. والأصح أن القبض المترتب عليهِ قبض ضمان؛ فإنه ليس مشتملاً على نفي الضمان. ومن أصحابنا من خرّج الضمان في هذه الصورة على الخلاف المقدم، وسنذكر أمثلة لهذا في كتابِ الخلع، إن شاء الله . * * *

стр. 2884

نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني رحمه الله تعالى (٤١٩ - ٤٧٨هـ) حققه وصنع فهارسه أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب الجزء السادس السلم - الرهن - التفليس الحجر - الصلح - الحوالة دار المنهاج

стр. 2885

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧م جميع الحقوق محفوظة للناشر

стр. 2886

تنبيهان أولاً: هذا الكتاب بينك وبينه ألف عام تقريباً، فإذا رأيت من ظواهر اللغة والأساليب غير مالوفك ومعهودك، فلا تحاول أن تحمل لغته على لغتك، ولا تسارع بحمل ذلك على الخطأ وسهو المحقق وتقصيره، فهذه هي لغة عصرهم، وهذا أسلوبهم، وهو صحيح سليم، وإن لم يعد مألوفاً لدينا ومستعملاً عندنا ولا جارياً على ألسنتنا. ثانياً: إبراءً للذمة، وخروجاً عن العهدة ننبه: أن برنامج الصف استحال عليه كتابة الهمزة المتطرفة المكسور ما قبلها على الياء، مثل: قارئ، تجزئ، فتنبه لذلك.

стр. 2887

والموقف الأعظم على العلماء استعمال ما يجمعونه في آحاد الوقائع إذا بلوا بها، وكان شيخي يشبه هذا بجمع الجامع العلوم المخصوصة بفن الطب، وهو هيِّنٌ على صاحب القريحة والجد، وإذا أراد استعمال ما جمعه في معالجة الأشخاص عظم الأمر عليه فيها. الإمام في نهاية المطلب

стр. 2888

كتاب السلم بَابُ السَّلفِ والنهي عن بيع ما ليسَ عندك ٣٤٤٦ - الأصل في السلم الكتابُ والسنة والإجماع. فأما الكتاب فآية المداينات: قال ابن عباس في تفسير الآية: أشهد بالله أن السلف (١) المضمون إلى أجلٍ مسمى أحلّه الله وأذن فيه، وتلا هذه الآية (٢). وروى ابنُ عباس أن النبي ﷺ دخل المدينة، فوجدهم يسلفون في التمر السنة، وربما قال السنتين، والثلاث. فقال ﵇: " من أسلف، فليسلف في كليلٍ معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " (٣). والإجماع منعقد على صحة السلم. والسلم والسلف اسمان للعقد الذي قُصد في هذا الكتاب بيان أحكامه. وذكر الأصحاب عبارتين مشعرتين بمقصود السلم: إحداهما- أنه عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطَى عاجلاً. والثانية- أنه عقد يفتقر إلى بذل ما يُستَحَق تسليمه عاجلاً في مقابلة ما لا يستحق تسليمه عاجلاً. وقال أبو حنيفة (٤): بدل عاجل في آجل. واللقب الخاص للعقد السلمُ. والسلف يستعمل فيه وفي القرض. ثم قال الأئمة في توطئة الكتاب: السلم يستند إلى سبعة شرائط: شرطان في رأس المال. وخمسة في المسلم فيه: أحدها- أن يكون ديناً في الذمة. والثاني - أن يكون موصوفاً بالصفات التي تختلف بها الأثمان والأعواض. والثالث- أن يكون معلوم

стр. 2889

القدر إن كان مما يقدّر. والرابع- أن يكون عامَّ الوجود عند المحل. والخامس- تعيين مكان التسليم على أحد القولين. وكل ما ذكرناه تراجم ستأتي مفصلة في مواضعها، إن شاء الله تعالى. ٣٤٤٧ - ثم مما يجب الاعتناء به أن لفظ السلم له أثر في العقد، ومتضمنه أن يكون المطلوب ديناً؛ فإن العين لا تسمى سلماً. وأما استحقاق تسليم رأس المال في المجلس، فلا يتلقى من اللفظ، وإنما هو يعتدّ بمثابة التعبد برعاية التقابض في بدلي العقد في الصرف وما يلتحق به. فلو قال الرجل: اشتريت منك طعاماً صفته كذا وكذا بهذا العبد، فقال: بعته منك بهذا. فهل يثبت حكم السَّلم؟ فعلى وجهين ذكرهما صَاحبُ التقريب وغيره: أحدهما - أنه يثبت حكم السلم من كل وجه، ويشترط فيه إقباض رأس المال في المجلس، ويمتنع الاعتياض عن المسلم فيه. والوجه الثاني - لا يثبت حكم السلم، ولا يجب تسليم الثمن المعيّن في المجلس. وعلى هذا الوجه في الاعتياض عن المسلم فيه تردّدٌ: فمن أصحابنا من خرّجه على قولين في جواز الاعتياض عن الثمن، وقد تقدم ذكرهما. ومنهم من قطع بمنع الاعتياض، وإن لم يُثبت للعقد حكم السلم؛ فإن الموصوف في الذمة مقصودُ الجنس، فكان كالمبيع المعيّن في كونه مقصودَ العين. والغالب على الأثمان قصدُ المالية لا قصدُ الجنسِ. ومما يتعلق بالكلام على اللفظ أن الرجل إذا قال: أسلمت هذا الحمار أو هذا العبد في ثوبك هذا، وذكر لفظ السلم، ولم يف بحكمه وشرطه، فلا شك أن ما جاء به ليس بسلم. وهل ينعقد بيع العين بهذا اللفظ؟ فعلى قولين ذكرهما القاضي: أحدهما - لا ينعقد اعتباراً باللفظِ، والثاني - ينعقد نظراً إلى المعنى، وليس البيع إلا تمليك مال بمال يتواجب بين المتعاقدين. وهذا أصلٌ طرده القاضي. والمسألة التي ذكرناها في آخر البيع من حمل البيع المقيد بنفي الثمن على الهبة أبعد عما ذكرناه الآن. وحاصل الأصل راجع إلى أن الاعتبار بما يفهمه المتعاقدان من اللفظ، أو بمعنى اللفظ في وضعه.

стр. 2890

فصل قال: " وقد أذن الله تعالى في الرهن والسلم ... إلى آخره " (١). ٣٤٤٨ - هذا وإن كان من كتاب الرهن، فلا بد من ذكره؛ إذ ذكره الشافعي- رحمة الله عليه- فالرهن بالمسلم فيه جائز، وإذا ثبت بتفسير ابن عباس أن الدين المذكور في آية المداينات هو السلم، وقد قرنه الله تعالى بالرُّهُن المقبوضة، فينبغي أن يتوثق مستحق السَّلم بالرهن [أو] (٢) الحَميل. أمّا الرهن، فغرضه الأظهر الوثيقةُ، فإذا حل السلم وامتنع المسلم إليه، واستمكن المرتهن من إثبات حقه في مجلس القاضي، تولى القاضي بيع الرهن في حقّه. وإن لم يتمكن من إثبات حقه، فلأصحابنا طريقان: منهم من قطع بتسليط المرتهن على بيع الرهن عند العجز عن التوصّل إلى ذلك بالحكم والقضاء. ومنهم من خرّج ذلك على ما إذا ظفر الإنسان بمال من عليه الحق. وفيه تفصيل سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى. وإن كان بالمسْلم فيه (٣) حَميلٌ (٤)، طالبه المسلِمُ [بحقه] (٥) بالمحل، فإذا أدّاه وكان ضمن بالإذن، رجع على المضمون عنه. على تفصيلٍ يشتمل على خلافٍ ووفاقٍ في المسائل. وإذا ثبت له الرجوع، نُظر (٦) في المضمون. فإن كان مثلياً، رجع بمثل ما ضمن، وإن كان من ذوات القيم، فيرجع بالقيمة أو بالمثل، فعلى وجهين كالوجهين في القرض؛ فإن الضامن في حكم المقرض للمضمون عنه ما يرجع به عليه، وهذا بيّن. قال القاضي: ولو قال أحد من في السفينة لصاحبه: ألق متاعك في البحر، فإذا

стр. 2891

ألقاه وكان مثلياً، ضمن المستدعي مثلَه. على تفصيل يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وإن كان من ذوات القيم، فيضمن له القيمة أو المثل، فعلى الخلاف المذكور في القرض. وهذا فيه احتمال؛ من جهة أنه ليس بإقراضٍ على الحقيقة. وإنما هو استدعاء إتلافٍ لمصلحة. وهو قريب من تعاطي المضطر أكل طعام الغير، فالغالب على الظن أن القاضي يسلم القطعَ في ذلك بالرجوع إلى القيمة إذا كان المتلفُ من ذوات القيم. فصل قال: " وإذا جاز السَّلف في التمر السنين ... إلى آخره " (١). ٣٤٤٩ - يجوز السلم في المنقطع حالة العقد عندنا إذا كان يغلب على الظن عمومُ وجوده عند المحل. وشرط أبو حنيفة (٢) أن يكون الجنس المسلمُ فيه موجوداً حالة العقد، وشرط ألا يكون مما ينقطع بين العقد والمحل. واحتج الشافعي عليه بما رواه ابن عباس: " أن أهل المدينة كانوا يسلفون في التمر السنة والسنتين ". ولا يكاد يخفى أن من أسلف في التمر سنتين، فالتمر ينقطع في الأثناء. ومعنى المذهب مذكور في (الأساليب). وإذا أسلم في شيءٍ ببلد، وكان لا يوجد مثله في ذلك البلد، ويوجد فيما عداه من البلاد والقرى، فإن كان البلد الذي يعم وجود المسلم فيه قريباً من بلد العقد، صحَّ. وإن كان بعيداً، لم يصح. ٣٤٥٠ - ثم قال الأئمة: لا يعتبر فيما أطلقناه من القرب والبعد مسافةُ القصر والقصورُ عنها.

стр. 2892

وهذا مما يجب الاعتناء فيه بتقريب مأخذ يخرجه عن عماية الإجمال؛ فإن القول في مثله ينتشر. ولا ضبطَ في قول القائل: إن كان بحيث يشق النقل لم يصح السلم، وإن كان بحيث لا يشق النقل يصح. وقد يقرب في هذا أن يقول: إن جرت العادة بنقل ذلك الجنس إلى ذلك البلد، يجوز (١)؛ فالمسلم فيه مقدور على تسليمه. وإن كان ذلك لا يعتاد، فهو ملتحق بما لا يقدر عليه. ولا اعتبار بما ينقله آحاد الناس للتحف. وإنما الاعتبار بما ينقل لأغراض المعاملة. وهذا لا بأس به، وإن (٢) قيل: المتبع هو الذي يلقى متحمِّلُ النقل مشقةً ظاهرة خارجة عن اعتياد النقل. وقد أجرى الشافعي في هذا لفظاً، فليتأمله الناظر، فقال: " هو كما لو أسلم في رطب البصرة، وبلد المسلم من بلاد خُراسان ". وهذا سرف في تصوير التعذّر، وهو يحصل بدون هذا. وبالجملة السلم عقد إرفاق من الجانبين، والمحكَّم فيما ينتشر من أحكامِ المعاملة العرفُ، فكل مشقة لا يبعد في غرض المعاملة أن تحتمل لاستعمال رأس المال، فتلك المشقة لا تقدح في صحة السَّلم، وكل مشقة لا تحتمل في أغراض التعامل، فلا يبتنى جواز العقد عليها. وليس للفقيه أن يصور غرضنا وراء المعاملة، مثل أن يتفق تضييق وإرهاق في مصادرة وحاجةٍ حاقة في الرضا بمقاساة الكُلف للتجارة من الضرورة الناجزة. فلا اعتبار بأمثال هذه الأحوال. ويمكن أن يقال: سبيل الضبط أو القرب منه أنّ النقل إذا كان يُلحق المنقولَ بما لا يعم إمكان الوصول إليه، فهو من المتعذر الذي لا يجوز السلم فيه. وهذه العبارات تُشير إلى تقريب واحد.

стр. 2893

فصل قال: " فإن نفد الرطب أو العنب حتى لا يبقى منه شيء ... إلى آخره " (١). ٣٤٥١ - مقصود الفصل ذكر حكم انقطاع جنس المسلم فيه، والوجه أن نبدأ بالحكم، ونُجري فيه ما يليق، ثم نذكر دقيقةً في معنى الانقطاع. فإذا انقطع جنس المسلم فيه حالة المحل لآفةٍ أو جائحةٍ، فللشافعي قولان: أحدهما - أن العقد ينفسخ. والثاني - أنه لا ينفسخ. ولكن للمسلم حق الخيار في الفسخ، وله الانتظار إن أراد إلى زمان الإمكان. ٣٤٥٢ - توجيه القولين: من قال بانفساخ العقد احتج بأن عقد السَّلم تناول ثمرةَ السنة المعينة، فإذا انقطعت، فقد فات المعقود عليه، وكان هذا بمثابة ما لو اشترى قفيزاً من صُبرة، ثم تلفت الصبرة، فالعقد ينفسخ. ومن قال بالقول الثاني، احتج بأن المسلم فيه دين، والدين متعلق بالذمة، ولا اختصاص له بوقتٍ وزمان، وأما الآجال (٢) لإثبات أوقات المطالبات. ولعل القياسَ هذا القول. ثم انقطاع الجنس في وقت المحل يضاهي إباق العبد المبيع عن يد البائع، فالبيع لا ينفسخ بإباقه، ولكن يثبت الخيار للمشتري، كذلك يثبت الخيار في مسألتنا للمسلم، فإن فسخ العقد، فذاك، وإن رأى إنظار المسلم إليه إلى قابل، فله ذلك. ثم قال الأصحاب: إذا أنظرة، ثم بدا له أن يفسخ، فله ذلك. وقد وجدت الطرق متفقة في هذا. وشبه الأصحاب هذا برضا المرأة بالمُقام تحت زوجها المُولي بعد انقضاء مدة

стр. 2894

الإيلاء، فإذا هي رضيت بعد توجه المطالبة بالمُقام، ثم ندمت، وأرادت رفع زوجها إلى مجلس الحاكم، فلها ذلك. وهذا تشبيه مسألة بمسألةٍ. والمعنى المعتمد أن الإنظار -في التحقيق- تأجيلٌ والأجل لا يلحق بعد لزوم العقد، وإذا لم يلحق الأجل، لغا الإنظار. وكان شيخي يقول: حقه في الطلب يتجدد حالاً على حالٍ، ورضاه ينحصر على وقته. وهذا في قبيل إسقاط الحقوق يضاهى الإعارة في قبيل التسليط على الانتفاع. وكان يقطع بهذا المسلك في الخيار الذي ثبت للمشتري عند إباق العبد. فإن قيل: أليس الإباق من قبيل العيوب التي يثبت الرد بها، ومن رضي بالعيب، لم ينفعه الندم، ولم يملك الرجوع؟ قلنا: اعتياد الإباق عيب، واتفاق الإباق لا يُلحق بالعيوب. ثم غرضنا لا يختص بهذا. ولو غصب غاصبٌ ذلك العبد وعيّبه، فغرضنا يحصل فيه. ومما يتعلق بهذا الفن أن المشتري في العبد الآبق: لو قال أبطلت حقي من الفسخ، فالمذهب أن حقه لا يبطل وإن صرح به. وكذلك القول في السَّلم إذا صرح بإبطال حقه من الفسخ. والتفريع على أن السلم لا ينفسخ. وقد أبعد بعض أصحابنا؛ فقال عن عجز وخَوَر: " يبطل حق الفسخ؛ فإن مستحق الحق أبطله ". وإن كان يخرج هذا على أصلٍ، فأقرب الأمور إليه الإبراء عما سيكون وقد ثبت سبب وجوبه. ٣٤٥٣ - فانتظم من مجموع ما ذكرناه أن هذا النوع من الفسخ لا يُبطله التأخير، ولا يُبطله بذلُ اللسان بالإنظار من غير تصريح بإبطال خيار الفسخ. وإن فرض التصريح، فهو على التردد الذي ذكرناه، فإن حكمنا بالانفساخ، أو فسخ المسلِم (١) على القول الصحيح ونفذ فسخه، نظرنا إلى رأس المال: فإن كان معيناً في ابتداء العقد وعينُه باقٍ، فيسترده الفاسخ. وإن كان تالفاً، يرجع إلى بدله، فإن كان مثلياً، فالمثل. وإن كان متقوماً، فالقيمة.

стр. 2895

وليس هذا بمثابة إفلاس المشتري بالثمن والمبيع تالف؛ فإن البائع لا يملك فسخ البيع والرجوعَ بقيمة المبيع. كما سيأتي مفصلاً مشروحاً في كتاب التفليسِ إن شاء الله تعالى. والسَّبب فيه أن غرض البائع الانفراد بالمبيع (١)، والخروج عن جهة (٢) المضاربة ولو فسخ البيع تقديراً ورجع (٣) بالقيمة، لضارب بها (٤). وسيعود هذا في مواضعه. فليكتف الناظر بالمرامز إذا أحلناه. ٣٤٥٤ - ولو كان رأس المال موصوفاً في الذمة أولاً، ثم عُجل في المجلسِ، فإذا تسلمه المسلم إليه، وكان عينه باقياً في يده، فهل يُسترد؟ أم للمسلم إليهِ أن يأتي ببدله؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يتعين استرداد ذلك المقبوض؛ فإنه لما عُين بالإقباض آخراً، كان كالمعين أولاً. والثاني - لا يتعين؛ لأن العقد لم يتناول تلك الأعيان. وأصل هذا الخلاف أن المسلم لو ردّ المسلمَ فيه بعيب، وقال: ليس على الوصف الذي أستحقه، فهل يجعل ذلك نقضاً (٥) للملك من الأصل تبيناً، أو هو نقضٌ في الحال؟ فيه اختلافٌ قدمناهُ، وعليه بنينا وجوبَ الاستبراء على المسلَم إليه إذا كان المردود جارية. فإن قلنا: ما يجري من ذلك في الموصوفات يتضمن رفع الملك من أصله، فعلى المسلم إليه وقد فسخ السلم ردُّ عين ما قبضه. وإن قلنا: يتضمن نقض الملك في الحال، فللمسلم إليه الإبدال. وهذا بيّنٌ للمتأمل.

стр. 2896

٣٤٥٥ - وإذا انتهى الكلام إلى هذا، فنذكر ما فيه من مزيد، فنقول: أجمع أئمتنا على أن المتعاقدين لو تبايعا الدراهم بالدنانير وصفاً، ثم عجلا في المجلس، وتفرقا عن تقابض، صح ذلك وإن اعتمد العقد في ابتدائه الذمة من الجانبين، وهل يصح العقد على هذا الوجه بعبارة السلم؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ أبو علي في الشرح. وهذا مأخوذ من خلاف للأصحاب سنذكره في أن السلم هل يصح في الدراهم والدنانير إذا كان رأس المال ثوباً، أو غيره؟ ولو اشتمل العقد على عوضين من أموال الربا يشترط التقابض فيهما، كالمطعومات يباع بعضها بالبعض، فلا بد من التقابض في المجلس. فلو وصفا في الشقين، ثم عجلا، وجرى التقابض كما ذكرنا في الدراهم والدنانير، ففي صحة ذلك وجهان مشهوران: أحدهما - الصحة كالنقود، والثاني - لا يصح؛ فإن الوصف يطول في العروض، وتعيين الدراهم يقرب من وصفه، ولهذا يكتفى في النقود الغالبة بالإطلاق من غير وصف، والقياس أن لا فرق؛ فإن الوصف وإن كان يطول، فإذا ذكر، فهو كالوصف الذي يقرب ولا يطول. ويتصل بهذا أنه لو استحق على رجل ديناً مستقراً، ثم اعتاض عنه دراهم معينة، صحَّ. ولو اعتاض دراهم موصوفةً، ثم عجلها في المجلس، صح. فإن لم يعجلها في المجلس نُظر: فإن كان الدين نقداً، لم يجز. وإن كان الدين عَرْضاً، ففي المسألة خلاف قدمناه في كتاب البيع. وغرضنا الآن أنا حيث نشترط التعجيل في المجلس يجوز الاعتماد [في أصل العقد] (١) على الوصف في الدراهم، وهل يجوز الاعتماد على الوصف في العروض على أن تعجل في المجلس؟ فعلى وجهين. وهذا بعينه هو الذي قدمناه. ٣٤٥٦ - ومما يتعلق بأطراف الكلام أن المسلم إذا فسخ السَّلم، فإن كان رأس المال قائماً، فيجوز الاستبدال عنه قبل القبض؛ لأنه وإن كان مضموناً، فليس هو ضمان مقابلة على التحقيق، وقد انفسخ العقد، والاستبدال عن الأعيان المضمونة بالقيم

стр. 2897

جائز، كما مهدناه في البيع. ومنع أبو حنيفة (١) الاستبدال عمَّا في يد الغير على حكم العقد المفسوخ، وليس معه متعلق من طريق المعنى. وكل ما ذكرناه فيه إذا تعذر الوصول إلى جميع المسلم فيه. فأمَّا إذا فرض التعذر في بعضه، فالقول في الانفساخ وثبوت حق الفسخ في المقدار المتعذر على ما تقدم، ثم يزداد في هذه الصورة تفريع تفريق الصفقة، وقد مضى في موضعه مفصلاً. فليعرف الفقيه الفصلَ بين أن يقبض الميسور ثم يطرأ التعذر وبين أن يطرأ التعذّر قبل قبض الميسور، وليتذكر الفرقَ إذا قبض الميسور بين أن يتلف وبين أن يكون باقياً. ولا مزيد على ما مهدناه في قواعد التفريق. وقد نجز الغرض في هذا. ٣٤٥٧ - وبقي علينا ما وعدناه من فضل النظر في بيان معيى الانقطاع، فممّا نستعين به في هذا ما قدمنا في الفصل السابق من تفصيل القول في أن من أسلم في جنس وهو ببلدة لا يوجد ذلك الجنس بها، فهل يكون هذا من السلم في المنقطع حالة الحلول؟ وهذا قد تمهد على قرب العهد. ونعود الآن فنقول: إن تحقق انقطاع الجنس بالكلية بأن يسلم في جنس لا يوجد إلا في بلده، ثم اتفق انقطاع ذلك الجنس في تلك السنة، هذا هو الانقطاع المحقق، الذي يجري فيه القولان في الفسخ والانفساخ. فأمّا إذا انقطع الجنس في تلك البلدة، وكان النقل إليه ممكناً على حدٍّ لو فرض السَّلم في البلد، لعُد المسلم فيه بتقدير النقل من الممكنات، فهذا ليس بأنقطاع. وإن كان النقل عسراً، بحيث يمتنع السلم، نُظر: فإن كان لا يتصوّر أصلاً، مثل أن يكون المسلم فيه جنساً لو نقل من مسافة شاسعة، لفسد، فهذا انقطاع أيضاً. وإن كان النقل ممكناً على عسر، فالأصح القطع بأن السلم لا ينفسخ،

стр. 2898

[فإن] (١) قول الانفساخ إنما يجري إذا جعل ثمن السنة مع إضافة المستحق إليها بمثابة صُبرة بيع صاع منها. فأما إذا كان الإحضار ممكناً على عسر، فهو كإباق العبد إذا طرأ، فيثبت خيار الفسخ، وإن كان يمتنع إيراد العقد عليه. ومن أصحابنا من يجعل التعذر الذي يمتنع بسببه السلم ابتداء إذا طرأ بمثابة الانقطاع الحقيقي، حتى [يُخرّج] (٢) قولَ الانفساخ. وهذا القائل يزعم أن التعذر في عقد الغرر كالتلف الحقيقي، وبه يتوجه قول الانفساخ في أصله، مع أن المسلم فيه دينٌ. ٣٤٥٨ - ومما يتعلق بتمام البيان في هذا الفصل أنه إذا أسلم في جنس يعم وجوده غالباً عند المحل، فاتفق انقطاع الجنس قبل المحل على وجه يعلم أن الانقطاع يدوم في السنة. قال القاضي: في المسألة قولان: أحدهما - أنه لا ينفسخ العقد في الحال على قول الانفساخ، ولا يثبت الخيار على قول الخيار، حتى يحل الأجل. فإذا حل، فإذ ذاك يجيء القولان. والقول الثاني - أنه يتنجز قبل المحل ما ثبت عند الحلول. قال: وهذا يقرب من خلاف في الأيمان، وإن كان مأخذ الأيمان يبعد عن مأخذ الأحكام. وذلك الأصل هو أن من حلف ليأكلن هذا الطعام غداً، فتلف الطعام قبل دخول الغد، فهل يحنث في الحال؟ أم يتأخر الحنث إلى مجيء الغد؟ فيه خلاف سيأتي ذكره، ووجه الشبه بيّن. فصل قال: " نهى رسول الله ﷺ حكيماً عن بيع ما ليس عنده، وأجاز السلف ... إلى آخره " (٣). ٣٤٥٩ - غرض الشافعي ﵀ الكلام على حديث حكيم بن حزام، وعلى الأخبار الدالة على السلم، ولم يقصد نقلَ إجازة السَّلف، مع قول رسول الله صلى الله

стр. 2899

عليه وسلم في متن حديث واحد، ثم لا يخفى وجه الكلام، فالذي نهى رسول الله ﷺ حكيماً عنه في بيع الأعيان من غير تقدير وصفٍ والتزامٍ في الذمة، وفي حديث حكيم ما ينبه على هذا؛ فإنه قال لرسول الله ﷺ : " إن الرجل ليأتيني فيساومني السلعة وليست عندي، فأبيعها منه، ثم أدخل السوق، فأشتريها وأسلمها إليه. فقال ﵇: " يا حكيم لا تبع ما ليس عندك " (١). فصل قال: " وإذا أجازه ﷺ بصفةٍ مضموناً إلى أجل، كان حالاً أجوزَ، ومن الغرر أَبْعَدَ ... إلى آخره " (٢). ٣٤٦٠ - السلم يفرض على ثلاثة أقسام: مؤجل- وهو جائز بالاتفاق. وحالٌّ مقيد بالحلول- وهو جائز عند الشافعي إذا كان المسلمُ فيه عامَّ الوجود حالة العقد، خلافاً لأبي حنيفة (٣)، ومعتمد المذهب أن الحلول لا يجرّ إلى العقد غرراً وعسراً، وإن أثر في قطع مَرفِق (٤)، فمسوّغٌ تسويغ الرخص، معلقاً بغرر، فإذا وقع التراضي على حذفه لم يضر. وأما التأجيل في الكتابة فمستَحق، واعتمد بعض الأصحاب فيه تحققَ عجز المكاتب عن الوفاء بحق الحلول، وهذا لست أرضاه؛ لما سأذكره في الكتابة إن

стр. 2900

شاء الله تعالى. والمعتمد أن الكتابة حائدة عن قوانين المعاملات، وحيْدُها محتملٌ لمكان رِفق، فإذا زال الرِّفق، فارق العقدُ موردَه الشرعي، والسلم موضوع على مصالح المتعاملين، وليس نائياً نأيَ الكتابة. فأما القسم الثالث من السلم- فهو ما يفرض مطلقاً من غير تعرض لأجل أو حلولٍ، وقد اشتهر خلاف الأصحاب فيه، فذهب بعضهم إلى أن العقد لا يصح؛ فإن المطلق في العقود محمول على العادة، وللعادة وقعٌ عظيم في المعاملات، وقد عم العرف بتأجيل المسلم فيه، فالمطلق يحمل على الأجل، فإذا لم يبيّن، كان مجهولاً. والأقيس الحكم بصحة السَّلم؛ فإن الإطلاق مشعر بالحلول في وضعه، فإنّه يتضمن الالتزام، وكل ملتزِم مطالَب، وعليه بنينا حملَ الأجرة على الحلول في الإجارة المطلقة. فصل قال المزني: " والذي اختاره الشافعي أن لا يسلف جزافاً من ثياب ولا غيرها ... إلى آخره " (١). ٣٤٦١ - مقصود الفصل الكلامُ فيما يصح أن يكون رأس مالٍ، فنقول: إذا كان رأس المال مشاراً إليه، ولكن كان جزافاً، ففي صحة السلم قولان: أحدهما - وهو الأقيس الصحة، وهو اختيار المزني، ووجهه أن المعيّن المشار إليه معلوم في عقود [المعاوضات] (٢)، والإشارة مغنيةٌ عن القدر والوصف، إذا لم يكن علينا تعبد في رعاية المماثلة، ولم يكن على العاقد نظر في جهة الغبطة لطفل أو غيره ممن يليه، وهذا قياسٌ ظاهر. والقول الثاني - أنه لا بد من معرفة القدر والوصف، كما في المسلم فيه، والسلم

стр. 2901

عقد غرر، وقد يفرض فيه فسخ أو انفساخ، ثم تمس الحاجةُ إلى رجوع رأس المال، وينتظم منه نزاع يعسر فصله، والذي يليق بالحال أن العقد إذا كان مبناه على احتمالِ غررٍ لمكان غرض، فينبغي أن يُتوقَّى من الغرر الذي لا يقتضيه ذلك المرفق. ورأس المال إذا لم يقدّر بهذه المثابة. قال المحققون: اختلاف القول في هذا يقرب من اختلاف القول في الجمع في صفقة واحدة بين سلمٍ وبيع، ووجه الشبه أنا نقدر تطرق الفسخ إلى أحدِ العقدين دون الثاني، ثم يفضي القول فيه إلى نزاع عند محاولة التوزيع في الفسخ والإبقاء، فينبغي أن يبعد السلم من هذا، ولا يكتفَى بحصول العلم والإحاطة في الحال. ثم نحن في طرد القولين لا نفصل بين المكيل والموزون، وبين ما ليس كذلك. فلو جعل رأس المال ثوباً غيرَ معلوم الذُّرعان. اطرد القولان. وأبو حنيفة (١) يفصل بين المقدور وغيره، فيُبطل السلمَ إذا ترك تقدير ما يقبل التقدير، ولا يبالي بتطرق الجهالة إلى الثياب وغيرها إذا جعلت رأس مال. وهذا تحكّم؛ فإن التقدير فيما يقبل التقدير إنما يطلب لما فيه من الإعلام المنافي للجهالة، والجهالة هي المحذورة في عاقبة السَّلم، فإذا تحققت في الثيابِ، كانت كما لو تحققت بترك المقدار فيما يقبل [التقدير] (٢). ومما يتصل بهذا أَنَّ رأس المال إذا أحيط بصفاته بطريق العِيان، ولكن كان مجهول القيمة عند المتعاقدَيْن أو عند أحدهما، فالذي ذهب إليه الأكثرون القطعُ بصحة السلم. وقال آخرون: الجهل بالقيمة يتضمن تخريج المسألة على قولين؛ فإن التوزيع يقع باعتبارها. والتراجع يكون بحسبها. ٣٤٦٢ - ولو كان العوض جزافاً في الإجارة، فلأصحابنا طريقان: منهم من أجراه مجرى رأس المال في السلم، حتى يخرّج على القولين. وليس عوضُ الإجارة عند

стр. 2902

هذا القائل كعوض البيع؛ فإن الإجارة لا ثبات لها إلى انقضاء مدتها؛ فإن الدار إذا سلمت، لم ينقطع غررُ الإجارة؛ إذ هي عرضةُ الانفساخ إذا تلفت الدار في أثناء المدة، ولو عابت في يد المستأجر، تعرضت الإجارة لخيار الفسخ، فشابهت الإجارةُ السلمَ فيما ذكرناه؛ لكنها تفارقه في أن التسليم في عوضها ليس شرطاً. ومن أصحابنا من قطع بأن الأجرة في الإجارة على قياس العوض في البيع. والإجارة لا تعد من عقود الغرر، وتقدير التعذر في مقصودها ليس كتقدير التعذر في السلم. ٣٤٦٣ - ولو كان السلم حالاًّ، فمن أئمتنا من قطع بأن رأس المال لو كان جزافاً فيه، جاز، وإنما القولان في السلم المؤجل؛ فإنه المعرض للخطر، والسلم الحال تعامل على ناجز. وهذا اختيار القاضي. ومن أئمتنا من قال: لا فرق بين السلم الحال والمؤجل في تخريج المسألة على قولين إذا كان رأسُ المال جزافاً. ٣٤٦٤ - ولو كان رأس المال دُرّة لا يصح السلم فيها، فضبطها بالوصف غير ممكنٍ. وإذا انضم إلى ذلك كونها مجهولة القيمة. فهذا من صور القولين إذا كان السلم مؤجلاً، وإن كانت قيمتها معلومة، فيعتبر ضبط وصفها. فإن حَرَصا على ذكر الوصف، فالأصح صحة السلم. فإن قيل: لم يمتنع السلم فيها مع إمكان وصفها؟ قلنا: لعزة وجودها، وقد ذكرنا أن الشرط في المسلم فيه عموم الوجود، ولا معنى لاشتراط هذا في رأس المال. وقال بعض أصحابنا: كل ما لا يصح السلم فيه لا يصح جعله رأس مالٍ على أحد القولين. ومثل هذا وإن ذكر في الكتب محمول عندي على ما إذا لم يطلع على وصفه أو قيمته، غير أن معظم الناس لا يعتنون بنهايات البيان، وإذا فصل مفصل، كان ظاهر تفصيله مخالفاً لإطلاق الأولين، ولا مخالفة.

стр. 2903

فصل ٣٤٦٥ - قال: " والذي أحتج به في تجويز السلم في الحيوان ... إلى آخره" (١). السلم في الحيوان جائز عند الشافعي، ولا يشك الفقيه أنه لا يجوز السلم في كل حيوان، فإنه ما من جنسٍ يطلق القول بجواز السلم فيه إلا وفيه ما يمتنع السلم فيه على ما سنصفه الآن. والمرعي فيما يجوز السلم فيه أن يكون قابلاً للوصف المعتبر. عامَّ الوجود على الوصف المعتبر، والقول في الوصف المعتبر لم يعتنَ بضبطه على ما ينبغي، والذي أراه أن نذكر مسائل السَّلم على ترتيب السواد (٢)، ونورد في كل مسألة ما يليق بها. ثم نختم المسائل. ونعطفُ عليها ما يضبط القول في الوصف المعتبر. ففي الحيوانات ما [تضبطه] (٣) الأوصافُ المقصودة، مع بقاء عموم الوجود. ثم استدل الشافعي على جواز السلم في الحيوان بأخبار وردت في استقراض الحيوان، وعلم الشافعي أن المخالف في السلم في الحيوان يخالف في استقراضه. ومبنى مسائل السلم على ذكر ما يجوز السَّلم فيه وما لا يجوز على الجملة، حتى إذا انتجز الكلام في الجمل، انعطف الشافعي على ما أجمله، وذكر مجامع الوصف في كل فن. وكنت أوثر أن أجمع مسائلها في تقاسيم ضابطة، ولكن الجريان على ترتيب السواد أولى.

стр. 2904

فصل ٣٤٦٦ - أجمع الأئمة على أن الاعتياض عن المسلم فيه لا يجوز؛ فإنه وإن كان موصوفاً، فهو كالبيع في كونه مقصوداً، وإذا امتنع التصرف في المبيع قبل القبض مع فرض توفير الثمن، فالمسلم فيه وهو في الذمة لم يتحصل بعدُ، بذلك (١) أولى. وذكرنا في الاعتياض عن الأثمان قولين في كتاب البيوع. وغرض هذا الفصل أن النقد إن التحق به باءُ الثمنية، فهو ثمن، وفي الاعتياضِ عنه القولان. وإن اتصل باءُ الثمنية بثوبٍ أو غيرِه، فقد ذكرنا في مسائل البيع خلافاً في أنه هل يكون ثمناً. فلو قال: اشتريت منك عشرة دنانير -ووصفها- بهذا الثوب، وقد اتصل باء الثمن بالثوب، وأقيم النقد على هذه الصيغة مقام المثمن. فإن قلنا: الدراهم ثمنٌ كيف أثبتت في العقد، فيجوز الاعتياض عنه على أحد القولين في هذه الصورة. وإن قلنا: الثمن ما اتصل به باء التثمين، فالثوب ثمن. ولا يجوز الاعتياض عن الدراهم قولاً واحداً. وإذا منعنا الاعتياض على هذا الترتيب، فهل يجب تسليم الثوب في المجلس؟ فعلى وجهين، قدمنا أصلَهما. فإن اتبعنا المعنى، فالعقد سلمٌ، وإن اتبعنا اللفظ، فلم يجر لفظ السلم. فلا يجب التسليم في المجلس. وممّا يتعلق بهذا الفصل أن الفلوس إذا جرت في بعض البلاد وراجت رواج النقود، فقد ذهب شرذمةٌ من الأصحاب إلى أنها تلتحق بالنقود في الأحكام. ومنهم من قال: ليس لها حكم النقود، وإنما هي كالأعواض الرائجة، وإن كسدت، فهي كالأعواض الكاسدة. فإذا تبين هذا بنينا عليه أنه لو قال: اشتريت منك مائة فلس بهذا الثوب، فإن قلنا: الفلوس من العُروض، فليس في الصفقة ما هو ثمن في جوهره. وإن قلنا: الفلوس لها حكم النقود، فإذا قال: اشتريت منك مائة فلسٍ بهذا الثوب، فهو كما لو

стр. 2905

قال: اشتريت منك مائة درهم بهذا الثوب. وقد سبق الكلام فيه. وإذا كسدت الفلوس فنادى منادي السلطان بالنهي عن التعامل عليها، فتنقلب إذ ذاك عروضاً بلا خلاف. ثم جعل أبو حنيفة (١) كساد الفلوس بمثابة تعذر تسليم المعقود عليه. واضطربوا وراء هذا، قال منهم قائلون: هو كتلف المعقود عليه. وقال آخرون: هو كإباق العبد. واضطربوا على وجوه في الفَلَس لسنا لها. ومأخذها ما ذكرناه. والمذهب أن الفلوس في جوهرها من العروض. فصل قال: " ولو لم يذكر أجلاً، فذكراه قبل أن يتفرقا، جاز ... إلى آخره " (٢). ٣٤٦٧ - إذا عُقد السلم مطلقاً، وحكمنا بصحته حملاً على الحلول، وهو الأصح. فلو (٣) أثبتا أجلاً في مجلس العقد، فظاهر النص أن الأجل يلحق، وهذا مشهور عند الأصحاب معدود من أصل المذهب. وفي المسألة وجه آخر، أن الزوائد لا تلحق (٤ في جواز العقد، كما لا تلحق ٤) بعد لزومها. وهذا منقاس. وإن كان المشهور غيره. وقد استقصينا القول في هذا في كتاب البيع. ٣٤٦٨ - ولو ذكر المتعاقدان في السلم، أو في بيع الأعيان أجلاً مجهولاً في العوض الثابت في الذمة، ثم حذفا (٥) تلك الجهالة في مجلس العقد، فالذي ذهب إليه الأصحاب أن الحذف لا ينفع، وفساد العقد مستمر. فإن أعاداه على الصحة، كان عقداً مبتدءاً.

стр. 2906

وذكر صاحب التقريب وجهاً غريباً حكاه، معظم الأصحاب عنه. وهو أنهما لو حذفا الأجل المجهول في مجلس العقد، فهل ينحذف حتى يحكم بصحة العقد؟ واحتج عليه بأن [قال] (١) المتعاقدان في مجلس العقد بمثابتهما بين التواجب (٢)، فكأن العقد لا قرار له ما لم يتفرقا. وهذا الوجه مزيف لا يستقيم على قاعدة مذهب الشافعي؛ فإن المجلس إنما يتعلق به الحكم إذا صح العقد، وإذا ذكر في صيغته مفسدٌ، فلا عقد، وإذا لم يكن عقدٌ، فلا مجلس. ثم تكلم أصحابنا على هذا الوجه الضعيف من وجهين: أحدهما - يتعلق بضبط القول في مجرى هذا الوجه وبيان الأحكام التي يجرى فيها هذا الوجه، والأحكام التي لا يجري فيها. لا خلاف أن الثمن والمثمن لو أثبت أحدهما على الفساد، فلا ينفع إصلاحهما في مجلس العقد. وهذا الوجه جارٍ في الأصل كما ذكرناه. واختلف أصحابنا في جريانه في الخيار الفاسد إذا شرط، والرهنِ والحَميل، وزوائدِ العقد: فمن أصحابنا من طرد هذا في جميع الزوائد التي تثبت على الفساد. والأصح تخصيص ما ذكرناه بالأجل؛ وسببه أن المتعاقدين في مجلس العقد على حكم الأجل في الثمن؛ من قِبَل أن البائع لا يملك مطالبة المشتري بالثمن في المجلس، وعاقبة المجلس مجهولة، فكان الأجل مجهولاً؛ فلم يبعد أن يصلح الأجل في مجلس الخيار، والكفيل والحميل ليسا في هذا المعنى، كالأجل. وأمّا شرط الخيار الزائد إذا حذف في المجلس، فهو أقرب إلى الأجل من الكفيل

стр. 2907

والحميل؛ فإنه تأخيرٌ في لزوم العقد وليس كالأجل؛ فإنه يتصور رفعه على البت (١). والخيار يتصف به العقد. والأجل فُسحةٌ في عوض العقد. والحاصل مما رتب في ذلك أن ما صار إليه الجمهور أن الفساد لا يصلح إلا باستئناف العقد. وقال صاحب التقريب: فساد الأجل يصلح. وقال غيره: نعم فساد الأجل يصلح، وكذلك فساد الرهن، والحَميل، والخيار. وقال آخرون: لا يصلح إلاّ فسادُ الأجل والخيار. فهذا ما تكلم الأصحاب فيه. ٣٤٦٩ - ومما ذكروه تفريعاً على هذا الوجه البعيد أن العقد لو شرط فيه الخيار على الصحة، وأثبت فيه أجلٌ مجهول، وتفرق المتعاقدان، وزمان الخيار باقٍ. فهل يكون الإصلاح في زمان الخيار بعد التفرق بمثابة الإصلاح في المجلس؟ فعلى جوابين: قال قائلون: زمان الخيار بمثابة زمان المجلس في أن جهالة الأجل يصلح. وهذا بعيد؛ فإن مجلس العقد في حكم الحريم للعقد، فلا يقاس به الخيار المستمر بعد التفرق. وكل ذلك خبط، وخروج عن حد المذهب، وجريان على مجاري مذهب أبي حنيفة. والذي صح عندي من قول صاحب التقريب: أنا إذا جعلنا (٢) إطلاق السَّلم لا يجوز لتردده بين الحلول والتأجيل. فلو فرض إطلاقه، ثم تبين حلوله أو تأجيله في المجلس، فقد قال صاحب التقريب: لا يبعد أن يحتمل ذلك؛ فإن العقد لم يشتمل على جهالة محققة.

стр. 2908

وهذا في هذا الطَّرف بعيد أيضاًً، فإنا إذا حملنا إطلاق اللفظ على التردد، لزم القضاء بالفساد، وإذا تحقق الفساد، فلا عقد ولا مجلس. فصل قال: " ولا يجوز في السلف حتى يدفع الثمن قبل أن يفارقه ... إلى آخره" (١). ٣٤٧٠ - ذكرنا أن من الشرائط في السلم تسليمَ رأس المال في المجلس. وهذا متفق عليه. ولو فرض التفرق قبل قبضه، فسد العقد، ولو جرى القبض في البعض دون الباقي وحصل التفرق، فسد العقد في القدر الذي لم يجر القبض فيه، ويسقط بنسبته من المسلم فيه، وهل يبطل في الباقي؟ كان شيخي يقول: إذا اشتملت الصفقة أولاً على حلالٍ وحرامٍ؛ ففي انعقاد الصفقة في الحلال قولان. وإذا انعقد العقد على عبدين مثلاً، ثم تلف أحدهما قبل القبض، وانفسخ العقد فيه، فهل ينفسخ في العبد الباقي؟ فعلى قولين مرتبين على التفرّق (٢) في الابتداء والانتهاء. [والانتهاء] (٣) أولى بقبول التفرّق (٤)؛ لأنه صح أولاً، ثم اختص الطارىء بالبعض. فإذا وضح طرق الكلام، فالتفرق في قبض رأس المال بين الدرجتين، وهو أقرب إلى التفرق في الابتداء من مسألة العبدين؛ فإن قبض رأس المال ركن السلم، فالانفساخ فيه جرى بأن يشبه بالفساد. فليتخيل الناظر ثلاث مراتب: إحداها- العقد. والثانية- ركن العقد. والثالثة- طريان الانفساخ على البعض بعد تمام العقد بشرائطه. ولو سلم رأسَ المال في المجلس، وتفرقا، ثم وجد المسلَمُ إليه برأس المال عيباً، فله رده. وإذا رده، كان ذلك فسخاً في العقد بعد الصحة وتوفر الأركان. ولو

стр. 2909

تعذر ردُّ رأس المال بتلف حكمي أو حسِّي، فيثبت للمسلم إليه الرجوعُ بالأرش، حتى إذا كان العيب الذي حصل الاطلاع عليه مقدارَ عشر القيمة يسقط (١) في مقابلته عشرُ المسلم فيه، وهذا هو الأرش. ٣٤٧١ - ويجب وراء هذا التنبّهُ لدقيقتين: إحداهما- أن هذه الصورة لا تلتحق بتفريق الصفقة، حتى يقال: " ارتفع العقد في عشرٍ، فهل يرتفع في التسعة الأعشار؟ فعلى قولين "، بل لا يرتفع في التسعة الأعشار قولاً واحداً. والسبب فيه أن القبض قد جرى في رأس المال. وهذا المستدرك لم يتضمن تبعيض القبض في رأس المال، والدليل عليه أنه لو كان باقياً، أمكن الرّضا به. ولكن أثبت الشرع طريقاً في استدراك الظُّلامة، وجِهةُ (٢) الاستدراك عند البقاء (٣) الرد، وعند الفوات الأرشُ. والعقد لم يختل ركنه؛ فالعشر إذن محطوط. ولا يقال: انفسخ العقد فيه، بل حطه مستحق. فهذا بيان ما ذكرناه. ومما وجب التنبّه له أنه إذا سقط العشر مثلاً، فلا خيار لمن يحط العشر عن استحقاقه. ونحن نثُبت الخيار لخيالات تنحط عن هذا. ولكن الوجه أن هذا حقٌّ مستحَقّ شرعاً، فلا خِيَرَة مع حكم الشرع. والدقيقة الثانية- أن الرد إذا تعذّر، ففي كلام الأصحاب تردد في أن الأرش يثبت من غير إثبات. أم لا بُدّ من إثباته؟ ظاهر كلام القاضي (٤) أن الأرش يثبت من غير حاجة إلى إثباته، وإنما التردد والخِيَرة في حالة البقاء. فإن شاء ردّ. وإن شاء رضي به معيباً. وسبب التردد أنا لو لم نقل به، لكان (٥) بدوُّ العيب متضمناً انفساخ العقد. وهذا بعيد عن وضع العقد ومصلحته. فأما إذا فات الردّ، فالوجه ثبوت حق صاحب الحق مع بقاء العقد.

стр. 2910

ومن أصحابنا من قال: لا يثبت الأرش بنفس الاطلاع على العيب مع تعذر الرد؛ فإنَّ الرضا بالعيب كان ثابتاً في البقاء، فليثبت إمكانه وحكمه بعدَ الفوات. فعلى هذا يثبت الأرش بالطلب الجازم. وهذا قريب من التردد في أنّ ملك الشفيع متى يثبت في الشقص المشفوع، غير أنه يتجه في الشفعة جهاتٌ من القضاء، وتأدية الثمن والطلب، وهاهنا لا وجه إلا الربط بالطلب. فصل قال: " ويكون ما يسلف فيه موصوفاًً ... إلى آخره " (١). ٣٤٧٢ - قد ذكرنا أن أحد شرائط السَّلم كونُ المسلم فيه موصوفاً؛ فإن الإعلام لا بد منه. فإذا لم يكن عِيانٌ ومشاهدة، فلا بد من الوصفِ. ثم بعض الأوصاف المقصودة لا تكفي، ولا بد من استقصاء كل وصف مقصود. ثم يكفي -عند القبض والتسليم- في كل وصف ما ينطلق عليه الاسم، ولا يطلب الأقصى؛ فالنهايات لا ضبط لها حتى لو أسلم في كاتب، فيكتفى بما ينطلق عليه اسم الكتابة، لا يشترطُ التبحر فيها. وكذلك القول في الصفات المشروطة في بيع الأعيان. فإذا شرط كون العبد المشترى كاتباً، اكتفي في الوفاء بالشرط بالاسم. كما ذكرناه. ثم من الأوصاف ما يهتدي إليها الخواص والعوام، كأوصاف الحنطة والشعير، وما في معناهما، والثياب المتخذة من القطن، وما كان من هذا القبيل فأوصافها قليلة. ومنها ما لا يهتدي إلى معرفة أوصافها إلا أهل الصنعة كأنواع القطن والإبريسم والمماليك. ٣٤٧٣ - وقد ذكر شيخي وصاحب التقريب في ذلك ترتيباً، ونحن نطرده على وجهه. قالا: إذا وقع السَّلم في موصوف أوصافه المقصودة معروفةٌ في الناس،
следующие страницы →