← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

وذكر صاحب التقريب وجهاً غريباً حكاه، معظم الأصحاب عنه. وهو أنهما لو حذفا الأجل المجهول في مجلس العقد، فهل ينحذف حتى يحكم بصحة العقد؟ واحتج عليه بأن [قال] (١) المتعاقدان في مجلس العقد بمثابتهما بين التواجب (٢)، فكأن العقد لا قرار له ما لم يتفرقا. وهذا الوجه مزيف لا يستقيم على قاعدة مذهب الشافعي؛ فإن المجلس إنما يتعلق به الحكم إذا صح العقد، وإذا ذكر في صيغته مفسدٌ، فلا عقد، وإذا لم يكن عقدٌ، فلا مجلس. ثم تكلم أصحابنا على هذا الوجه الضعيف من وجهين: أحدهما - يتعلق بضبط القول في مجرى هذا الوجه وبيان الأحكام التي يجرى فيها هذا الوجه، والأحكام التي لا يجري فيها. لا خلاف أن الثمن والمثمن لو أثبت أحدهما على الفساد، فلا ينفع إصلاحهما في مجلس العقد. وهذا الوجه جارٍ في الأصل كما ذكرناه. واختلف أصحابنا في جريانه في الخيار الفاسد إذا شرط، والرهنِ والحَميل، وزوائدِ العقد: فمن أصحابنا من طرد هذا في جميع الزوائد التي تثبت على الفساد. والأصح تخصيص ما ذكرناه بالأجل؛ وسببه أن المتعاقدين في مجلس العقد على حكم الأجل في الثمن؛ من قِبَل أن البائع لا يملك مطالبة المشتري بالثمن في المجلس، وعاقبة المجلس مجهولة، فكان الأجل مجهولاً؛ فلم يبعد أن يصلح الأجل في مجلس الخيار، والكفيل والحميل ليسا في هذا المعنى، كالأجل. وأمّا شرط الخيار الزائد إذا حذف في المجلس، فهو أقرب إلى الأجل من الكفيل

стр. 2907

والحميل؛ فإنه تأخيرٌ في لزوم العقد وليس كالأجل؛ فإنه يتصور رفعه على البت (١). والخيار يتصف به العقد. والأجل فُسحةٌ في عوض العقد. والحاصل مما رتب في ذلك أن ما صار إليه الجمهور أن الفساد لا يصلح إلا باستئناف العقد. وقال صاحب التقريب: فساد الأجل يصلح. وقال غيره: نعم فساد الأجل يصلح، وكذلك فساد الرهن، والحَميل، والخيار. وقال آخرون: لا يصلح إلاّ فسادُ الأجل والخيار. فهذا ما تكلم الأصحاب فيه. ٣٤٦٩ - ومما ذكروه تفريعاً على هذا الوجه البعيد أن العقد لو شرط فيه الخيار على الصحة، وأثبت فيه أجلٌ مجهول، وتفرق المتعاقدان، وزمان الخيار باقٍ. فهل يكون الإصلاح في زمان الخيار بعد التفرق بمثابة الإصلاح في المجلس؟ فعلى جوابين: قال قائلون: زمان الخيار بمثابة زمان المجلس في أن جهالة الأجل يصلح. وهذا بعيد؛ فإن مجلس العقد في حكم الحريم للعقد، فلا يقاس به الخيار المستمر بعد التفرق. وكل ذلك خبط، وخروج عن حد المذهب، وجريان على مجاري مذهب أبي حنيفة. والذي صح عندي من قول صاحب التقريب: أنا إذا جعلنا (٢) إطلاق السَّلم لا يجوز لتردده بين الحلول والتأجيل. فلو فرض إطلاقه، ثم تبين حلوله أو تأجيله في المجلس، فقد قال صاحب التقريب: لا يبعد أن يحتمل ذلك؛ فإن العقد لم يشتمل على جهالة محققة.

стр. 2908

وهذا في هذا الطَّرف بعيد أيضاًً، فإنا إذا حملنا إطلاق اللفظ على التردد، لزم القضاء بالفساد، وإذا تحقق الفساد، فلا عقد ولا مجلس. فصل قال: " ولا يجوز في السلف حتى يدفع الثمن قبل أن يفارقه ... إلى آخره" (١). ٣٤٧٠ - ذكرنا أن من الشرائط في السلم تسليمَ رأس المال في المجلس. وهذا متفق عليه. ولو فرض التفرق قبل قبضه، فسد العقد، ولو جرى القبض في البعض دون الباقي وحصل التفرق، فسد العقد في القدر الذي لم يجر القبض فيه، ويسقط بنسبته من المسلم فيه، وهل يبطل في الباقي؟ كان شيخي يقول: إذا اشتملت الصفقة أولاً على حلالٍ وحرامٍ؛ ففي انعقاد الصفقة في الحلال قولان. وإذا انعقد العقد على عبدين مثلاً، ثم تلف أحدهما قبل القبض، وانفسخ العقد فيه، فهل ينفسخ في العبد الباقي؟ فعلى قولين مرتبين على التفرّق (٢) في الابتداء والانتهاء. [والانتهاء] (٣) أولى بقبول التفرّق (٤)؛ لأنه صح أولاً، ثم اختص الطارىء بالبعض. فإذا وضح طرق الكلام، فالتفرق في قبض رأس المال بين الدرجتين، وهو أقرب إلى التفرق في الابتداء من مسألة العبدين؛ فإن قبض رأس المال ركن السلم، فالانفساخ فيه جرى بأن يشبه بالفساد. فليتخيل الناظر ثلاث مراتب: إحداها- العقد. والثانية- ركن العقد. والثالثة- طريان الانفساخ على البعض بعد تمام العقد بشرائطه. ولو سلم رأسَ المال في المجلس، وتفرقا، ثم وجد المسلَمُ إليه برأس المال عيباً، فله رده. وإذا رده، كان ذلك فسخاً في العقد بعد الصحة وتوفر الأركان. ولو

стр. 2909

تعذر ردُّ رأس المال بتلف حكمي أو حسِّي، فيثبت للمسلم إليه الرجوعُ بالأرش، حتى إذا كان العيب الذي حصل الاطلاع عليه مقدارَ عشر القيمة يسقط (١) في مقابلته عشرُ المسلم فيه، وهذا هو الأرش. ٣٤٧١ - ويجب وراء هذا التنبّهُ لدقيقتين: إحداهما- أن هذه الصورة لا تلتحق بتفريق الصفقة، حتى يقال: " ارتفع العقد في عشرٍ، فهل يرتفع في التسعة الأعشار؟ فعلى قولين "، بل لا يرتفع في التسعة الأعشار قولاً واحداً. والسبب فيه أن القبض قد جرى في رأس المال. وهذا المستدرك لم يتضمن تبعيض القبض في رأس المال، والدليل عليه أنه لو كان باقياً، أمكن الرّضا به. ولكن أثبت الشرع طريقاً في استدراك الظُّلامة، وجِهةُ (٢) الاستدراك عند البقاء (٣) الرد، وعند الفوات الأرشُ. والعقد لم يختل ركنه؛ فالعشر إذن محطوط. ولا يقال: انفسخ العقد فيه، بل حطه مستحق. فهذا بيان ما ذكرناه. ومما وجب التنبّه له أنه إذا سقط العشر مثلاً، فلا خيار لمن يحط العشر عن استحقاقه. ونحن نثُبت الخيار لخيالات تنحط عن هذا. ولكن الوجه أن هذا حقٌّ مستحَقّ شرعاً، فلا خِيَرَة مع حكم الشرع. والدقيقة الثانية- أن الرد إذا تعذّر، ففي كلام الأصحاب تردد في أن الأرش يثبت من غير إثبات. أم لا بُدّ من إثباته؟ ظاهر كلام القاضي (٤) أن الأرش يثبت من غير حاجة إلى إثباته، وإنما التردد والخِيَرة في حالة البقاء. فإن شاء ردّ. وإن شاء رضي به معيباً. وسبب التردد أنا لو لم نقل به، لكان (٥) بدوُّ العيب متضمناً انفساخ العقد. وهذا بعيد عن وضع العقد ومصلحته. فأما إذا فات الردّ، فالوجه ثبوت حق صاحب الحق مع بقاء العقد.

стр. 2910

ومن أصحابنا من قال: لا يثبت الأرش بنفس الاطلاع على العيب مع تعذر الرد؛ فإنَّ الرضا بالعيب كان ثابتاً في البقاء، فليثبت إمكانه وحكمه بعدَ الفوات. فعلى هذا يثبت الأرش بالطلب الجازم. وهذا قريب من التردد في أنّ ملك الشفيع متى يثبت في الشقص المشفوع، غير أنه يتجه في الشفعة جهاتٌ من القضاء، وتأدية الثمن والطلب، وهاهنا لا وجه إلا الربط بالطلب. فصل قال: " ويكون ما يسلف فيه موصوفاًً ... إلى آخره " (١). ٣٤٧٢ - قد ذكرنا أن أحد شرائط السَّلم كونُ المسلم فيه موصوفاً؛ فإن الإعلام لا بد منه. فإذا لم يكن عِيانٌ ومشاهدة، فلا بد من الوصفِ. ثم بعض الأوصاف المقصودة لا تكفي، ولا بد من استقصاء كل وصف مقصود. ثم يكفي -عند القبض والتسليم- في كل وصف ما ينطلق عليه الاسم، ولا يطلب الأقصى؛ فالنهايات لا ضبط لها حتى لو أسلم في كاتب، فيكتفى بما ينطلق عليه اسم الكتابة، لا يشترطُ التبحر فيها. وكذلك القول في الصفات المشروطة في بيع الأعيان. فإذا شرط كون العبد المشترى كاتباً، اكتفي في الوفاء بالشرط بالاسم. كما ذكرناه. ثم من الأوصاف ما يهتدي إليها الخواص والعوام، كأوصاف الحنطة والشعير، وما في معناهما، والثياب المتخذة من القطن، وما كان من هذا القبيل فأوصافها قليلة. ومنها ما لا يهتدي إلى معرفة أوصافها إلا أهل الصنعة كأنواع القطن والإبريسم والمماليك. ٣٤٧٣ - وقد ذكر شيخي وصاحب التقريب في ذلك ترتيباً، ونحن نطرده على وجهه. قالا: إذا وقع السَّلم في موصوف أوصافه المقصودة معروفةٌ في الناس،

стр. 2911

فالسلم صحيح لا يأتيه خلل من قبيل الوصف. والأَوْلى إذا تعاقدا أن يُشهدا على الأوصاف؛ حتى لا يتنازعا، والإشهاد مستحب غير مستحَق، ولا يستحق الإشهاد إلا في النكاح. وإن كان الجنس المطلوب مما يختص بمعرفة صفته المتعاقدان فيما زعما، فالسلم باطل؛ فإن المطلوب مجهول عند الناس. ولو تشاجر المتعاقدان لم يُدْرَ كيف تداعيهما، وعاد مقالهما تراطناً بينهما. وعقد السلم عقد غرر، فينبغي أن يُتوقَّى أمثالُ ذلك، ولو لم تُجتنب، لانضم إلى أصل الغرر في العقد وترتب منهما عَماية. ولو كانت تلك الصفة بحيث يعرفها عدد الاستفاضة، فيصح العقد، ولا يشترط حضور أحد، بل يشترط ما ذكرناه، ليعرف عند النزاع تناكرهما (١) وتقارّهما (٢). وإن عرف الصفة عدلان، فهل يعتمد العقد معرفتهما حتى يصح؟ أم لا بد من عدد الاستفاضة؟ فعلى وجهين. وزعم الإمام أن هذا القياس يطرد في تعيين المكيال على ما سنعقد فيه فصلاً. والذي نعجله منه أنهما لو ذكرا مكيالاً شائعاً، صح التقدير به إذا كان يعرفه أهل الاستفاضة. فإن ذكرا مكيالاً زعما أنهما يعرفانه، وكان لا يعرفه غيرهما، فالسلم باطل. وإن كان يعرف ذلك المكيالَ عدلان، فوجهان إذا لم يَشع العلمُ في عدد الاستفاضة. وليس ما استشهدنا به في تعيين (٣) المكيال إشارة إليه؛ فإن ذلك فن يأتي. وإنما هذا في ذكر مكيال معلوم أو مجهول، كما فصلنا. وهذا الترتيب حسن. [ولكن فيما وقع القطع بفساد السلم فيه احتمال. والأظهر الفساد.

стр. 2912

ليس هذا الذي خضنا فيه الفصلَ الموعودَ في] (١) ضبط الوصف (٢) المعتبر. وذلك يأتي في فصل، إن شاء الله. فصل قال: " قال الله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] ... إلى آخره" (٣). ٣٤٧٤ - الغرض من الفصل أن السلم إذا اشتمل على الأجل، فلا بد من إعلامه، فإذا أجل إلى شهر، صح، وحمل على الشهر العربي. والشهور العربية بالأهلة، ومعلوم أن الشهر ينقص ويكمل، وما يتوقع من كمالٍ ونقصانٍ محتمل بلا خلاف. ويبعد تطبيق أول الأجل على أول الشهر، والغالب أن تردد الشهر يقع في الشهر الثاني والثالث. فإذا وقع التأجيل ثلاثة أشهر، فلينكسر الأول غالباً، وكل شهر انكسر في الآجال اكملناه ثلاثين يوماً، ولم ننظر إلى ذلك الشهر انتقص أم تكمّل، فإذاً الشهر الثاني والثالث بالهلال، والشهر الأول المنكسر على الكمال، فنستكمله من أيام الشهر الرابع. حتى لو وقع الأجل وقد بقي من الشهر لحظة، انكسر الشهر بها، ولزم من انكساره إكماله. وبيان ذلك بالمثال أن ابتداء الأجل لو وقع وقد بقيت لحظة من شهر صفر، فنقص الربيعان، ونقص جُمادى، فأمّا الربيعان فشهران محسوبان بالأهلة، وأمّا جُمادى فإذا نقص، كملناه بيوم من جُمادى الآخر. وكنت أود في هذه الصورة أن نكتفي بالأشهر الثلاثة؛ فإنها جرت عربية كَوامِل وإن نقصت عدة الأيام. وإنما يكمل إذا كان بقي من الشهر أيام بحيث لا يتمكن من احتساب شهر كاملٍ عربي، فيأخذ من أيام الشهر الثالث ما يكمل أيام شهر صفر ثلاثين.

стр. 2913

فأمّا إذا استمرت لنا أشهر عربية، فليقع الاكتفاء بهذا. وعلى هذا أمر العدة المنوطةِ بالأشهر. وإذا كان الأجل إلى انقضاء شهرٍ، أو انسلاخه، أو انقضاء السنة، جاز. ان احتاج المتعاقدان إلى وقفة في درك ما بقي من السنة. قال الأئمة: هذا في الألفاظ يناظر ربط إعلام المبيع بالعِيان في مثل قول القائل: بعتك من موقف قدمي إلى الشجرة. ثم كما (١) انقضى الشهر أو السنة حكم بحلول الأجل. ٣٤٧٥ - وذكر صاحب التقريب فصولاً في العبارات عن الأجل. ونحن نذكرها، ونتخذها أصولاً. فمنها أنه لو أجل شيئاً إلى نَفْر الحجيج، فإن قيده بالنفر الأول في سنة مخصوصة، صح. وإن ذكر النفر مطلقاً، أو أضافه إلى السنة المعلومة، ففي المسألة وجهان. هكذا ذكر صَاحب التقريب: أحدهما - يفسد الأجل لتردد محله بين النفرين. والثاني - يصح، ويحمل على النفر الأول؛ فإنه تحقق الاسم به. وهو كما لو قال: إلى يوم عاشوراء، فالأجل صحيح، وآخره محمول على أول جزء من اليوم، فإن الاسم يتحقق به، فحمل على الأول، ولم نلتفت إلى تمادي اليوم إلى غروب الشمس. وألحق العراقيون بذلك ما لو أجّله بشهر ربيع أو جمادى من سنة معلومةٍ ولم يذكر الأول والآخر، وهذا قياسُ ما ذكره صاحب التقريب في النفر. ثم يلتحق بهذا عندنا أصل نمهده أولاً، ثم نفرعه، وهو أن آخر الشهر اسمٌ ينطلق على ما يبقى بعد نصف الشهر إلى الانقضاء، وليس المراد بالآخر الجزء الأخير، فيقال: العشر الأواخر. وأواخر الشهر. والقول في الأول كالقول في الآخر، فهو اسم ينطلق على النصف، ولا يتخصص به الجزء الأول. ثم أطلق أصحابنا وقالوا: إذا قال: إلى آخر الشهر أو إلى أول الشهر الفلاني،

стр. 2914

كان ذلك مجهولاً، حتى ينص على ما يعينه في الأول والآخر. وهذا مشكل عندي. وإذا كان الأصحاب يردّدون القول في الربيع المطلق والنَّفرِ، وحمله بعضهم على ما ينطلق عليه الاسم أول مرة، فهذا يتوجه في الأول والآخر من الشهر، حتى يقال: يحمل الأول على الجزء الأول، ويحمل الآخر على الجزء الأول من النصف الثاني. وقد ينقدح للفَطن حمل الأخير على الجزء الأخير، وحمل الأول على الجزء الأوّل. وإذا لم يكن لصاحب المذهب نص، ورجع الكلام إلى معاني الألفاظ، اتسع المقال، وارتفع الحرج. ولست أرى مثل هذا مخالفةً في المذهب؛ فإن المحذور خلاف نص المذهب؛ كيف وقد نصوا على أن ذكر اليوم -من غير عبارة تقتضي الظرفَ- محمول على أوله وإن كان اسم اليوم يشمل (١) الجميع، فليكن الأول شاملاً لنصف، والآخر شاملاً لنصف شمول اسم اليوم لساعات. فإذا قال: أجلتك إلى يوم الجمعة، حل الأجل بطلوع فجر يوم الجمعة. وإذا قال: أجلتك إلى شهر كذا، فكما (٢) استهل تبين حلول الأجل معه. ولو قال: تؤديه في يوم كذا، أو شهر كذا، لم يجز؛ لأنه جعل جميع أجزاء اليوم ظرفاً ومحلاً، فكأنه قال: محل الأجل وقتٌ من أوقات يوم كذا. وجوز أبو حنيفة هذا. وذكر صاحب التقريب ذلك وجهاً لبعض أصحابنا، لم أره لغيره. وإذا جعل محل الأجل فعلاً يتقدم أو يتأخر، فهو مجهول. مثل أن يقول: إلى الحصاد أو إلى الدياس. وكذلك إذا قال: إلى العطاء، يعني خروج الأُعطية. ولو قال: إلى وقت العطاء وكان له وقت معلوم، جاز، ولو قال: إلى وقت الحصاد، لم يجز؛ لأنه ليس له وقت معلوم. ولو قال إلى النيروز والمهرجان، فالمذهب الجواز؛ لأنه معلوم مفهوم عند

стр. 2915

الناس، ومنع بعض الأصحاب ذلك، وهو مشهور، ولست أرى له وجهاً إلا الحمل على مسير الشمس؛ فإن النيروز والمهرجان يطلقان على الوقتين اللذين تنتهي الشمس فيهما إلى أوائل برجي الحمل والميزان. وقد يتفق ذلك ليلاً، ثم ينخنس مسير الشمس كل سنة بمقدار ربع يوم وليلة وشيء، ومن اجتماع هذا التفاوت الكبايس في حساب الفلك. ولو قال: إلى فِصْح النصارى وفطير اليهود، وكان لا يعرف ذلك، والرجوع فيه إلى النصارى واليهود، فهذا مجهول، ولا سبيل إلى اعتماد قول الكفار. هكذا قال الشافعي. ولو أسلم منهم طائفةٌ، وأخلوا بالفصح والشعانين، وكانوا يعرفون، فمفهوم نص الشافعي في التعليل بالمنع عن الرجوع إليهم يدل على أن ذلك جائز في الذين أسلموا، وهم لا يحتاجون إلى المراجعة. ومن أصحابنا من لم يجوز ذلك. ولا محمل له إلا اجتناب التأقيت بمواقيت الكفار. ويمكن أن يقرب من اختصاص المتعاقدين بمعرفةِ الأجل حتى ينزّل هذا على ما ذكرناه في الوصف النادر، والمكيال النادر. فصل قال: " وإن كان ما أسلف فيه مما يكال، أو يوزن سمياً مكيالاً معروفاً عند العامة ... إلى آخره " (١). ٣٤٧٦ - القول في هذا الفصل يتعلق بأمرين: أحدهما - ذكر المكيال مطلقاًً. والثاني - تعيين المكيال بالإشارة. فأمّا ذكر المكيال مطلقاً، فقد تقدم بما ذكرنا العامُّ والمستفيضُ، وما لا يعرفه غير المتعاقدين، وما يعرفه عدلان سواهما. وهذا كالوصف. والغرض الآخر من الفصل التعيين.

стр. 2916

والقول في هذا ينقسم إلى ما يشار إليه (١ في بيع العين، وإلى ما يشار إليه ١) في السلم. فأما تفصيل القول فيما يشار إليه في السلم، فإن وقعت الإشارة إلى قصعةٍ ما جرى العرف في الكيل بها وبأمثالها، فقد اتفق الأئمة على بطلان السلم. والسبب فيه أن مِلأه (٢) مجهول، والمسلم لا يدري أن ما أسلم فيه ما سعره؟ أرخيص هو أم غال؟ وينضم إلى ذلك أن القصعة عرضة التلف؛ فهذا غرر أُدخل على السلم من غير مَرْفق. ولو تلفت القصعة، لم يدر المتعاقدان إلى ماذا رجوعهما. وإن أشار إلى مكيال ملؤه معلوم، وشرط أن يقع الكيل به دون غيره، ففي المسألة وجهان مشهوران: أحدهما - أن العقد يفسد، لإلزام ما لا يلزم، مع تعرض ذلك المعين للتلف، كما قدمناه. والوجه الثاني - أن السلم يصح، والمعقود عليه ملء ذلك الصاع، وتعيين ذلك فاسد، لا يتعلق بغرض العقد، وقد ذكرنا أن الشرائط التي لا تتعلق بغرض العقد ملغاة، لا حكم لها. هذا قولنا في تعيين المكيال بالإشارة في السلم. ٣٤٧٧ - فأما التعيين في بيع العين، فإذا قال: بعتك ملءَ هذه القصعة من هذه الصُّبرة، فالأصح الصحة. وفيه وجه أنه لا يصح؛ لجهالة المعقود عليه، والعِيان غيرُ محيط بالمبيع، وإنما إحاطته بطرفه. والأصح الوجه الأول، فإن التعويل الأظهر على ما ذكرناه من الغرر في السلم، ولا غرر هاهنا. ولو عين مِكْيَالاً معتاداً في بيع العين، وشرط الكيلَ به، فبيعُ العين والسلم بمثابةٍ في هذه؛ فإن ملء الكيل معلوم في العقدين، والمكيال لا يتعين بالشرط فيهما. وإنما الكلام في الحكم بشرط لا يلزم ولا يتعلق بغرض العقد. والسلم الحال بين بيع العين والسلمِ المؤجل. فمن أصحابنا من ألحقه بالقصعة والمكيال المعلوم بالبيع، ومنهم من ألحقه بالسلم المؤجل.

стр. 2917

فصل قال: " ويكون المسلم فيه مأموناً في مَحِلِّه ... إلى آخره " (١). ٣٤٧٨ - أراد بذلك أنَّ المسلم فيه ينبغي أن يكون بحيث يغلب وجوده في العادة عند المحل المشروط. فلو كان معدوماً عند المحل، فالسلم باطل قولاً واحداً، وهو كما لو جعل محلَّ الرطب الشتاءَ أو الربيع، وكذلك لو كان نادر الوجود بحيث يتعذر تحصيله، وقد لا يصادَف، فلا يصح السلم. وهذا هو المعني بقول الفقهاء: لا يصح السلم فيما يعسر وجوده، ومثّل الأئمة هذا بالسلم في قدرٍ [صالح] (٢) من تمرٍ في أول ما يدرك الجنس، وهو إن وجد، فقليلٌ يُتهادى باكورُه (٣)، وظهور التعسّر في التحصيل كالعدم، وهو بمثابة ما لو باع عبداً آبقاً وكان ردُّه عسراً، فالبيع باطل، وإن لم يكن مأيوساً. وهذا فيه فضل نظر. فإن كان المسلمُ فيه مما يغلب على القلب فقده، ولا يبعد -على ندورٍ- وجودُه، فالسلم باطل. وإن كان مما يغلب على القلب وجوده، ولكن كان لا يتوصل إلى تحصيله إلا بمشقة عظيمة، ينكف بمثلها الطالبون عن الطلب غالباً، فمن أئمتنا من قال: السلم باطل في هذه الصورة؛ لأنه عقد غررٍ، فلا يحتمل معاناة المشاق العظيمة. ومنهم من قال: إنه يصح. ولعله القياس. والمسلم إليه إذا التزم أمراً وكان التحصيل فيه ممكناً غالباًً، فعليه الوفاء بما التزمه على يسر أو عسر. والشرط عند هذا القائل إمكان التحصيل في الوقت المشروط من غير استئخار فيه.

стр. 2918

فصل ٣٤٧٩ - ذكر الشافعي من هذا الموضع إلى آخر الباب تفاصيلَ ما يجب ذكره من الأوصاف في الأجناس التي يصح السلم فيها، وعقدَ بعد نجاز غرضه باباً فيما يصح السلم فيه. ونحن نذكر الأجناسَ التي ذكرها على ترتيب السواد، ونورد في كل جنس ما ذكره الأصحاب. ثم نُعقب المسائلَ بما وعدناه من الضبط في الصفات، إن شاء الله تعالى. قال: " فإن كان تمراً قال: صَيْحاني أو بَرْني " (١) فالمراد أنه إذا أسلم في تمر، فلا بد من ذكر نوعه ولونه، ولا بد من ذكر كونه حديثاً أو عتيقاً. وقد ردد أصحابنا ذكرَ الحديث والعتيق في الأطعمة. وليس يطرد القول فيها على منهاجٍ واحد، فكل جنس يختلف الغرض والثمن فيه بأن يكون جديداً أو عتيقاً، كالتمر الذي نحن في بيانه، فلا بد من التعرض له. وكل جنس لا أثر للحدوث والعتق فيه، فلا حاجة إلى التعرض لذكره. فلو أسلم في الرطب، ذكر فيه ما ذكرناه في التمر، ولا يتعرض للحدوث والعتق. وإن أسلم في حنطة، ذكر الأوصاف المقصودة فيها، وتعرض لنوعها، فذكر أنها شامية أو ميشانية (٢). وإن كان يختلف الغرض باختلاف البقاع، نسبها إلى الناحية المقصودة، ويصفها بالحدارة (٣) والدقة. وذكر بعض أصحابنا أن التعرض للحدوث والعتق واجب فيها، كما ذكرناه في التمر. وقال آخرون: لا يجب ذكرهما؛ فإن الغرض لا يختلف في الحنطة. فإن وقع التعرض لذلك، كان احتياطاً؛ فإن العتق المحذور فيها يُدنيها من التسويس، ومطلق العقد يقتضي سلامةَ المسلم فيه، فلا حاجة إلى ذكر ذلك.

стр. 2919

ثم قال الشافعي: ويذكر حالاً أو مؤجلاً. وهذا تعلَّق به مَنْ شَرَطَ التعرض للحلول والتأجيل. ومن لم يشترط ذلك وحمل المطلق على الحال -وهو الصحيح- حمل ما ذكره الشافعي على الاحتياط. ثم قال في الحنطة: يصف حصادَ عامٍ مسمّى. وهذا إن كان مقصوداً، فالأمر فيه يتوقف على أن ذلك هل يدرك، وإن أُدرك، فهل يشيع إدراكه؟ وقد مضى فيه قول بالغ. فصل قال: " ويكون الموضع معروفاً ... إلى آخره " (١). ٣٤٨٠ - من أصحابنا من قال: أراد الموضعَ الذي يرتفعُ (٢) منه الطعام المسلم فيه، فيذكر أنه تمر ناحية كذا، وفُرض فيه إذا كان الغرض يختلف بهذا، أو كانت الناحية التي سماها لا يخلُف (٣) رَيْعه غالباًً. فإن كان موضعاً ضيقاً كقرية صغيرة، أو مَحِلة، أو بستان، فقد أطلق أصحابنا أن هذا النوع من التعيين يُبطل السلم. وفي هذا نظر ومباحثة. فإن أشار إلى نخلة أو نخلات، أو بستان يحوي نخلات، فالسلم باطل. واختلف أصحابنا في تعليله: فمنهم من قال: سبب البطلان التعيينُ، وهو منافٍ للدَّيْنيّه المرسلة. وحق المسلم فيه أن يكون ديناً مرسلاً ينبسط الملتزِمُ (٤) في تحصيله على يسر، فإذا عُينت نخلة أو نخلات، ضاق مجال التحصيل. وكان المعيَّنُ عرضة للآفات، فيجتمع فيها ظهورُ توقّع الآفة، وضيق مجال التحصيل. وهذا القائل يقول: المعتبر ما دللنا عليه بمنظوم الكلام ومفهومه، حتى لو عيّن

стр. 2920

ثمار ناحية متسعة يبعد أن يعمها آفة، ولايضيق مجال التحصيل فيها، فالسلم صحيح. وسلك بعض أصحابنا مسلكاً آخر فقيهاً (١) فقال: كل تعيين يضيِّق المجال، يفسد السلم، وإن لم يضيِّق المجالَ، فالشرط أن يفيد التعيينُ نَوعيَّةً في المذكور، وهو بمثابة تمر البصرة، أو تمر ناحية أخرى، لو قيس به تمر ناحية أخرى. وإن جمعهما الصنف اشتمالاً لا يجمعهما النَّوعية، وهذا كالمعقلي البصري، يمتاز عن المعقلي البغدادي لا محالة. وهذا عام في فواكه النواحي. ولعله من الأهوية والتربة، في مطرد العرف. فما كان كذلك، صح. ومالم يكن كذلك، فالتعيين فيه مفسد؛ فإنه تعيين لا غرض فيه. فخرج أن من أصحابنا من اعتبر في الجواز اتساعَ (٢) المحل ومنهم من اعتبر ذلك، واعتبر معه غرضَ النوعية. ثم من لم يعتبر غرضَ النوعية، ففي قوله احتمال عندي، يجوز أن يتعين رَيْع القطر الذي عينه، ويجوز أن يقال: الغرض تحصيله أو تحصيل مثله، ويلغو ذكر التعيين، كما يلغو تعيين الصاع في وجه إذا كان له أمثال. ومن اعتبر النوعية، فإذا عينها وبنى العقدَ عليها، فلو فُرض تمر بغداد مساوياً لتمر البصرة من كل وجه، فهذا القائل يكتفي به لا محالة، ويقول: لم يكن الغرض بتعيين الناحية التعيين على الحقيقة، ولكن الغرض العبارة عن النوع. [والأوصاف] (٣) قد لا تصاغ لها عباراتٌ فردة، وإنما تستبان بالإضافات. هذا تفصيل القول في التعيين المصلح، والتعيين المفسد. ٣٤٨١ - ومن أصحابنا من حمل قول الشافعي: " ويكون الموضع معروفاً " على مكان التسليم. والنصوص مترددة في هذا، والأصحاب مختلفون فيه.

стр. 2921

والترتيب أن عقد السلم إن جرى في مكان لا يصلح للتسليم بأن كان في مفازة، فلا بد من تعيين مكان التسليم. وإن وقع العقد في مكان يصلح لتسليم المعقود عليه فيه، فهذا موضع التردد. من أصحابنا من قال: إن كان لحَمْل المسلم فيه مؤنة، وجب تعيين مكان التسليم ذِكراً، فإن لم يذكر، فسد العقد، وإن لم يكن لحمل المسلم فيه مؤنة، ففي المسألة قولان: أحدهما - يجب التعيين؛ فإن الأغراض تختلف باختلاف أماكن التسليم، وليست المؤنة كل الغرض. والثاني - لا يجب، ويحمل مطلق العقد على استحقاق التسليم في مكان العقد. ولم يصر أحد إلى صحة العقد، وإرسال مكان التسليم، بل إما الفساد وإما تعيين مكان العقد. وهذه الطريقة في الترتيب هي الصحيحة. ومن أصحابنا من عكس، وقال: إن لم يكن للحمل مؤنة، لم يعتبر المكان، وتعيّن مكان العقد. وإن كانت، فقولان: أحدهما - الفساد. والثاني - الصحة. ووجهه أن العرف يَحمل التسليمَ على مكان العقد. وهذا لا يسلمه القائل الأول. ومن أصحابنا من طرد القولين فيما فيه مؤنة، وفيما لا مؤنة فيه. وطرد المحققون أصلاً على هذا في جميع الديون، فقالوا: إذا عجل من عليه الدين المؤجل ما عليه، فامتنع مستحق الدين، فإن كان له غرض من توقي نهب أو غارة، أو فساد يتسرع إلن ما يقتضيه، فله الامتناع. وإن لم يكن له غرض في الامتناع، نُظر: فإن كان للمعجِّل غرضٌ في التعجيل من فك الرهن أو غيره من الأغراض الصحيحة، فظاهر المذهب أن مستحق الدين مجبر على قبضه؛ إذ لا غرض له في الامتناع، وللمعجل غرض [في التعجيل. وإن لم يكن للمعجل] (١) غرض ظاهر ولا للممتنع غرض بيِّن، ففي المسألة قولان.

стр. 2922

ومن أصحابنا من قال بطردِ القولين في الدين المؤجل، وإن كان للمعجل غرض. ثم كيفما فرض الأمر، فمقصودنا من الفصل أنا إن أجبرنا على القبول، أو فرضنا في الدين الحال، وجرينا على الأصح من أنه يجبر المستحِق على القبول، فإنما يجري الإجبار إذا كان المسلم يُسلِّم ما عليه في المكان المتعين شرعاً أو ذكراً، فمن أراد التسليم في غيره، لم يجز، ولم يجبر صاحبه. ٣٤٨٢ - ثم قال الشافعي: " ولا يستغنى في العسل ... إلى آخره " (١). إذا أسلم في العسل ذكر في أوصافه أنه جبلي، أو بلدي. والجبلي خير، وأنه خريفي أو ربيعي، والخريفي خير، ويصف اللون، ويختلف الغرض فيه. ولا يشترط أن يذكر كونَه مصفَّى من الشمع؛ لأن الإطلاق يقتضي ذلك، واسم العسل لا ينطلق على الشمع. ثم إن أتى به مصفى بالشمس أو بالنار اللَّينة القريبة من الشمس حتى لا تعقد أجزاء العسل، ولا تزيد على تمييز الشمع، فيقبل ذلك. وإن كانت النار أثّرت في التعقيد، لم يقبل. ولا حاجة إلى ذكر هذه التفاصيل في العقد، فإن العسل المطلق هو النقي عن الشمع، من غير أن يلحقه عيب. والتعقيد في العسل عيبٌ؛ ولا حاجة في السلم إلى التعرض للبراءة من العيوب، لا مجملاً، ولا مفصلاً؛ فإن استحقاق السلامة مقتضى إطلاق العقد. ولو جاء بعسل ذائب، فإن كان بحرارة الهواء، قُبل، وسيتماسك إذا اعتدل الهواء. وإن كان انمياعه بعيب، لم يقبل. والسلم في الشّهد (٢) جائز، وإن كان مركباً. وهذا النوع من التركيب له أثر في بيع العين. ولذلك لم نجوّز بيعَ الشهد بالشهد، وجوزنا بيع اللبن باللبن. والسبب فيه أن تعويل السلم على الوصف، لا على صورة التركيب والاتحاد، والوصف يحيط

стр. 2923

بالشّهد، وليس كالمعجونات ذوات الأخلاط المقصودة؛ فإنا سنذكر بعد هذا أن السلم فيها باطل، ونوضح الفرق إذ ذاك. ٣٤٨٣ - ثم قال: " ولو اشترط أطيب الطعام أو أردأه لم يجز ... إلى آخره " (١). أما لو ذكر الأجود، فإنه لا يجوز؛ فإنه لا جيد إلا ويُرتَقب فوقه أجود منه، فيؤدي ذكر الأجود إلى نزاع لا ينقطع. وأما ذكر الجيد، فليس كذلك؛ لأنة ينزل على أدنى درجات الجودة، وتنقطع الخصومة. وأما السلم في الرديء شرطاً وذكراً ينظر فيه، فإن كان رداءة النوع، كالسلم في النوع الرديء من التمر، مثل مصران الفارة، والجُعْرور، فالسلم صحيح. وإن لم يتعرض للنوع الرديء، ولكن ذَكَرَ لفظَ الرديء مع ذكر النوع، فالسلم باطل؛ فإن الرديء إذا لم يرد به النوع، جر نزاعاً لا ينقطع؛ فإن المسلَم يأتي برديء، فيقول المسلِم: هذا غاية في الرداءة، ولست أرضى به، ودون هذا رديء لا يبلغ هذا المبلغ في الرداءة. ولو أسلم في نوعٍ وعيّنه، وذكر الأردأ، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن العقد يبطل لذكر الرديء. والثاني - لا يبطل، فإن جاء المسْلَم إليه برديء، فقال المسلِم: أريد أردأ من هذا، لم يلتفت إليه، وعُد متعنتاً في طلب الأردأ. وإن طلب أمثل مما جيء به، لم يكن له ذلك، وقد ذكر الأردأ. وقد ردد الشافعي شرط الجيد في كل صنف. وائفق الأئمة على أن ذكر الجيد ليس بشرط؛ فإن مطلق الجيد معناه السليم من العيب، وهذا يقتضيه العقد من غير ذكرٍ، فإن ذكر، فلا بأس، وكان احتياطاً. ٣٤٨٤ - ثم قال: " وإن كان ما سلف فيه رَقيقاً ... إلى آخره " (٢). ذكر في أوصاف العبيد ألفاظاً، نذكرها، ونذكر اختلاف الأصحاب في معناها، ولا اطلاع على المرعي من صفات العبيد والحيوانات إلا في الفصل الضابط.

стр. 2924

قال الشافعي رحمة الله عليه- قال: "عبداً نوبياً خُماسياً أو سُداسياً، ووصف سنَّه " (١). فمن أصحابنا من قال: أراد بالخماسي والسداسي ذكر المولد، أي بذكر أنه خمس أو ست، وقوله: " ووصف سنَّه " أراد الأسنان المعروفة، أي يذكر أنه أفلج الأسنان أو أدراها، وغير ذلك من صفات الأسنان. قال الأصحاب: وهذا احتياط لشى بواجب. ومنهم من قال: أراد بالخُماسي والسُّداسي القامةَ، أي يذكر أن طوله خمسةُ أشبار أو ستةُ أشبار. وهذا القائل يقول: قوله ووصف سنَّه أراد به المولد. وقال الأئمة: لا بد من ذكر السن والنوع، فيذكر أنه تركي أو هندي، واللون: فيذكر أنه أسود، أو أبيض. ولا بد من ذكر الأنوثة والذكورة - ثم معرفة السن من المولودات فينا متيسرة. فأما الجليبة فقلَّما يُعرف سنُّها إلا أن تُفرضَ بالغاً، فيرجع إلى قولها. ٣٤٨٥ - ثم قال: " ولا يشترط معها ولدها ... إلى آخره " (٢). أراد به إذا وصف جارية وصفاً يضبطها، وشرط أن يكون معها ولدها الرقيق، فهذا باطل؛ لأنه يتصل بما يعزّ وجودُه. والقول في ذلك يتفاوت، فالزنجية التي لا تكثر صفاتها لا يعزّ ولدُها معها. وإن كانت الجارية تُطلبُ (٣) حَظِيةً وسُرِّية (٤)، فصفاتها تذكر؛ فتكثر، فإذا ضم إليها شرطُ ولدها، التحقت بما يعزّ. وقد ذكرنا التفصيل فيما يعز وجوده، وما يمتنع السلم فيه لأجل العزّة. فإن أسلم في جاريتين، وتناهى في وصفهما، فجيء بهما وإحداهما أمٌّ والأخرى بنت، فلا بأس إذا كانتا على الصفات المطلوبة.

стр. 2925

وإن أسلم في جارية وشرط كونَها حبلى، فإن جرَّ ذلك عِزَّةً، لم يصح السلم. وإن كان لا يعز [ذلك] (١) بأن لا تكون الجارية مطلوبة للتسري، وإنما تُطلب للحضانة، فهذا الآن وإن كان يعم، يخرّج على القولين في أن من اشترى جارية معينة على أنها حبلى هل يصح ذلك؟ والقولان يقربأن في الجارية المعينة، فما استنبطه الأئمة من القولين من معاني كلام الشافعي في أن الحمل هل يقابله قسط من الثمن؟ [فإن قلنا: لا يقابله، فهو صفة، ولا يعد في ذكر الصفات الممكنة. وإن قلنا الحمل يقابله قسط من الثمن] (٢) فإذا ذكر، فقد جُرِّدَ مقصوداً، وهو مجهول، فالسلم يخرج على هذا. ٣٤٨٦ - ثم قال: " وإن كان في بعيرٍ، قال: من نَعَم بني فلان، ثَنِيّ غير مُودَن نقي من العيوب، سبط الخلق، أحمر مُجْفَر الجنبين " (٣). والثنيُّ الذي استكمل خمس سنين، والمُودَن الناقص القصير، ومُجْفَرُ الجنبين عظيمهما. قال الأصحاب: أمّا ذكر الثنيِّ، فلا بد منه، فيذكر أنه ابنة لبون أو بنت مخاض. أو ما يريده. والتعرض للذكورة والأنوثة محتوم. قال: "ويذكر أنه من نَعَم بني فلان". والغرض يختلف بهذا. والشرط أن تتسع نَعَمُ بني فلان، بحيث لا ينتهي الأمر إلى عزّة الوجود. فأما قوله: "نقياً من العيوب"، فاحتياطٌ؛ فإن مطلق العقد من اقتضاء السلامة يغني عن هذا. ثم ذكر السلم في الخيل. فلا بد من ذكر النوع، عربي أو تركي، وذِكرُ الألوانِ،

стр. 2926

والأسنان لا بد منه. وقال الأصحاب: الشياتُ (١) ذِكرُها احتياطٌ كالأغر، واللطيم (٢)، والمحجّل ونحوها. فلا يجب التعرض لذلك. ٣٤٨٧ - ثم قال: " يصف الثيابَ ويذكر جنسها، وأنها من كتان أو قطن أو إبريسم، والصفاقة والرقة، واللين والخشونة، والطول والعرض، ونسجَ البلد: اسكندراني أو يماني أو هَرَوي أو مَرْوي " (٣). قال الأصحاب: هذا إذ كان يختلف الغرض باختلاف نسج البلاد، فأما إذا كان نَسْجُ ذلك الثوب في البلاد على قريب من الاستواء، فلا معنى للذكر. وذَكَر السلمَ في النحاس، فيذكر النوعَ واللونَ. والقَدْرُ لا بد منه. والحديد يذكر أنه ذكر (٤) أو أنثى (٥). فأما الأواني المتخذة من هذه الجواهر، ففيها كلام يأتي في الباب المشتمل على ذكر ما لا يجوز السلم فيه. ٣٤٨٨ - وذَكَر السلمَ في اللحم. وهو جائز، فيذكر الجنسَ والنوعَ: لحمَ بقر أو غنم ضأن أو ماعز، من رضيع أو فطيم. ويذكر المحل الذي منه يعطى، ويبيّن أنه لحم فخذ، أو كتف، أو جنب. ويذكر الذكورةَ والأنوثة. وإذا شرط الذكورة، ذكر أنه خصي أو غيرُه، ويذكر أنه لحم راعيةٍ أو معلوفة. ثم الاكتفاء في العلف بالمرة والمرات، حتى ينتهي إلى مبلغ يؤثر في اللحم، ولا يشترط أن يبيّن كونه منزوعاً عن

стр. 2927

العظم، بل يصح السلم مطلقاً ويجبر المسلِم على قبول العظم المعتاد، في العضو المذكور، وينزل العظم في اللحم منزلةَ النواة من التمر. ثم قال: " وأكره اشتراط الأعجف والمشوي والمطبوخ " (١). وهذا كراهية تحريم؛ لأن الأعجف معيب، وشرط العيب مفسدٌ، وهو شرط الرديء الذي سبق الكلام فيه. فإن أراد بالأعجف الذي لم يسمّن، فلا بأس. وأما المشوي والمطبوخ، فقد قال الأصحاب: لا يصح السلم فيهما، لخروج أثر النار عن الضبط. هذا مقتضى النص وهو الذي أطلقه الأصحاب في الطرق. قال الصيدلاني: إن كان الشي والطبخ بحيث يمكن ضبطه، فلا بأس، وهو كالسلم في الخبز، ولا خلاف في جواز السلم في الخبز. و [الطِّلَى] (٢) والدِّبس، والسكر، والفانيذ. وذكر بعض أصحابنا وجهاًً بعيداً في منع السلم في الدِّبْس والخبز، أخذاً من منع بيع الدبس بالدبس. والأصح الجوازُ. والفقيه من يُنزل كلَّ باب على معتاده، والمماثلة مرعية في بيع الأعيان الربوية المتجانسة، وذلك يختلف باختلافِ تأثير النار، كما قررناه في باب الربا، والمرعي في السلم قربُ الضبط. وهذا مع الواصف البالغ في الدبس والخبز قريبٌ. ٣٤٨٩ - وذَكَر السلم في لحم الصيد (٣)، وسبيلُ الوصف فيه بيّن. وينبغي أن يكون بحيث لا يعزّ وجودُه. وذكر السلمَ في السمن، فنقول سمن ماعز، أو ضأن، أو بقر. وإن كان يختلف بالبلاد ذكرها. وذكر السلم في اللبن، وبين أوصافه على ما ينبغي. وذكر من جملتها

стр. 2928

الأوارك (١)، وهي التي ترعى الأراك، والمعلوفة، والراعية. فإن كان الغرض يختلف بجميع ذلك، فهي مشروطة. وإن كان الأمر لا يختلف، فلا يشترط ذكر ما لا يختلف الغرض به. ولا يشترط أن يقول لبنَ حليب؛ فإن الإطلاق يقتضي انتفاء الحموضة؛ إذ الحموضة في اللبن عيبٌ؛ ولا يجوز السلم في المعيب. قال: " ولا يسلم في المخيض؛ لأن فيه ماء " (٢). فإن كان كذلك، فهو ملتحق بالمختلطات، وسنعقد فيها فصلاً الآن. وإن لم يكن فيه ماء، فالسلم في المخيض جائز. فإن قيل: إنه حامض. قلنا: أدنى حموضة في المخيضِ مقصودة. والحموضة في اللبن عيب. فصل قال: " وكذلك كل مختلط ... إلى آخره " (٣) ٣٤٩٠ - منع الشافعي السلم في المختلطات، وقد رتبها العراقيون ترتيباً حسناً. فقالوا: هي على أربعة أوجه: فمنها مختلط من جهة الخلقة، وهو في نفسه يعد موصوفاًً مضبوطاً، فالسلم فيه جائز كاللبن، والشّهد. ومنها مختلط خليطهُ من مصلحته، وذلك الخليط في نفسه غير مقصود، وهو كالجبن تخالطه الإنفحَّة (٤)، ولكنها غير مقصودة في نفسها، وكأنها كالمستهلكة، والجبنُ على حكم الجنس الفرد، وكذلك الخبز فيه الملح والماء، ولكنهما غيرُ مقصودين. والضرب الثالث- مختلط ذو أركان، وكل ركن منه مقصود، ولا ينضبط أقدارُ

стр. 2929

الأخلاط، فلا يصلح السلم فيه، كالغالية من العطر، والمعاجين والجُوَارِشْنات (١)، وكالهرائس من المطبوخات، ومعظمِ المرق ذواتِ الأخلاط المقصودة. والضرب الرابع- مختلط في الصورة ولكن يتأتى ضبط ذلك لكل قسم منه، وهو مثل الثياب التي نسجت من الغزل والإبريسم، والخزوز (٢) بهذه الصفة. فإن لم يتأت الضبط، فالسلم باطل، كالسلم في المعاجين. وإن أمكن الضبط، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن السلم يصح لإمكان الضبط. والثاني - لا يصح؛ فإن أحد القسمين لا يتميز في الحسّ عن الثاني في الثياب العتّابية (٣) ونحوها. وهذا عندي قياسٌ. ونقل بعض المعتمدين أن الشافعي نص على جواز السلم في الخزوز، فإن صح هذا، فالخزوز أنواع، فلعله جوّز السلم فيما يتحد جنسه، ومنه ما لا يكون كذلك. ولو جوزنا السلم في الثياب المختلطة من غير أن يتميز في الحس قسم عن قسم، لوجب تجويز السلم في المعاجين تعويلاً على قول العاجن، وإذا لم يجز ذلك، فسبب المنع ما يتوقع من تنازع بين المسلِم والمسلَم إليه. ومثل هذا غير محتمل في السلم. وعدّ المزني لما ذكر المختلطات من الأدوية، وفنون الطيب من جملة ما لا يجوز السلم فيه الأدهانَ المرببة (٤) المطيّبةَ، كدهن البنفسج والورد، وما أشبههما. وأجمع الأصحاب على أن ما قاله غلط غيرُ راجع إلى مأخذ الأحكام، ولكنه أمرٌ تخيّله في التصوير، فظن أن هذه الأدهان خالطها أشياء ليست منها، وهذا خطأ؛ فإن أصول

стр. 2930

هذه الأدهان الشيرج، ثم إن السمسم يمزج بالورد والبنفسج وغيرهما، حتى يتروّحَ بها عن مجاورة، ثم يعتصر السمسم؛ فإذاً هو شيرج محض، واكتساب الروائح بالمجاورات لا تمنع صحة السلم. وعد العراقيون خل التمر والزبيب من المختلطات التي يجوز السلم فيها، وزعموا أن المقدار المعتبر من الزبيب يدرك بقوة الخل وضعفه، والمقصود من الخل حموضته ونفاذُه وحدّتُه، وهذا يقصد منه كما يقصد من الخل من العنب. وزعموا أن مُدركَ العِيان يبيّن ما يعتبر من الإبريسم والغزل في العتَّابي؛ فإن لهذا الجنس رونق (١) إذا كان الإبريسم فيه على الحد المقصود، لا يخفى دركُه على أهل البصائر كما ذكروه. وما أشار إليه العراقيون وإن كان كلاماً (٢)، فلا نقنع بمثله في التوقي من الغرر في أبواب السلم. هذا ما أردناه في المختلطات. ٣٤٩١ - ثم ذكر السلم في اللِّبأ (٣) والرائب. وهو شائع؛ فإنّ المسلمَ فيه مضبوط، وقد يُعرض اللِّبأ على النار عَرضةً خفيفة، ولا اعتبار بها، ولذلك صححنا السلم في الفانيذ والسكر، وإن تردد الأصحاب في جواز بيع السكر بالسكر، وذكرنا الميز بين البابين في المقصودين. وذكر بعض المعتمدين تردداً في السلم في الدبس قدمنا ذكره. ثم ذكر أن من أصحابنا من نزل السكر والفانيذ في باب السلم منزلتهما في بيع الأعيان. وقد اختلف أصحابنا في بيع السكر بالسكر، والفانيذ بالفانيذ. فهذا القائل

стр. 2931

يقول: إن جوزنا بيع السكر بالسكر، يجوز السلم فيه، وإن منعنا بيع السكر بالسكر، يمنع السلم فيه أيضاًً. وهذا غير صحيح. ويترتب عند هذا القائل في الدبس والسكر ثلاثة أوجه: أحدها- المنع فيهما. والثاني - الجواز. والثالث- الفصل بين الدبس والسكر. وردد صاحب التقريب جوابه في السلم في المَاوَرْد (١)؛ من حيث إنه اعتقد اختلافَ تأثير النار فيما يتصعد ويقطر. وهذا في نهاية الضعف لم أره لغيره. ثم ذكر الشافعي السلم في الصوف، وأشار إلى الصفات التي ترعى فيها، وشبهها بما قدمناه، فممّا ذكر أنها طوال أو قصار ليّنة أو خشنة، وذكر اللون. وقال: يكون نقياً مغسولاً (٢). أما النقاء، فيغني عنه شرط السلامة، وأما المغسول، فإن أراد الغَسل ليُنَقَّى من الغبش والقاذورات، فلا حاجة إلى هذا، فإن اشتراط الصوف المجرد يُغني عن قولٍ غيرِه، فإذن الغسل احتياط. ثم ذكر الكرسفَ، والسلمُ فيه صحيح، والأوصاف المرعية فيه معلومة، من اللين والخشونة، وقد يختلف بالإضافة إلى البقاع. والضابط ما تقدم. والسلم في الجوزق (٣) المتشقق (٤) جائز على شرط التقدير بالوزن. ولا يجوز السلم فيما ليس بمتشقق؛ فإن المقصود منه مستتر بما ليس بمقصود، ولا يبقى فيه. وإن ظن ظان أن بيعه من أطراف بيع الغائب، فلا مجال لهذا في السلم، فإن الجهالات لا تحتمل في السلم. وذكر السلم من الإبريسم، وذكر مما يعتبر فيه الدقة والغلظ، والنوع، والناحية التي يجلب منها، إلى غير ذلك مما يتغير به الثمن والغرض.

стр. 2932

٣٤٩٢ - ثم قال: " ولا بأس أن يسلم في الشيء كيلاً، وإن كان أصله الوزن " (١). وهو كما قال. [و] (٢) قد ذكرنا في باب الربا أن ما كان موزوناً لا يجوز بيع بعضه ببعض كيلاً، وما كان مكيلاً في عصر الشارع لا يجوز بيع بعضه ببعض وزناً؛ فإن باب تحريم التفاضل في الربا مبناه على التعبد، وباب السلم مبناه على الإعلام واتباع العرف فيما يعد مضبوطاً. وإذا كان يجري الكيل والوزن في شيء، فإعلامه بكل واحدٍ منهما ممكن. فهذا ما أطلقه الأصحاب. وفيه فضل نظر عندي في الأشياء الخطيرة، فإن فتات المسك يحصره الكيل، ولست أرى الكيل فيه إعلاماً، وكذلك العنبر، وكل خطيرٍ. فلعل الوجه أن يقال: ما كان مكيلاً لا يجوز السلم فيه بالوزن، فإنه حاصر، وما يوزن عرفاً هل يصح السلم فيه كيلاً؟ هذا ينقسم، فمنه ما يُعدّ الكيلُ في مثله إعلاماً، وإن كان الوزن معتاداً، فليصح هذا، وما لا يُعتاد الكيل في مثلهِ ضابطاً، فلا يجوز السلم فيه كيلاً، وإن كانت صورة الكيل تجري فيه. وإن كان التعويل على قاعدةٍ واحدة، فمسائل التردد ناشئةٌ من تلك القاعدة، ورأيُ النظار عندي مشترك. وإن استدرك البعض على البعض، لم يرجع الخلاف إلى الفقه، وإنما يرجع إلى أمور حسّية، أو إلى أمور عُرفية. ولو أسلم في شيء يكال ويوزن، وشرط الكيلَ والوزنَ جميعاً، فهذا ينتهي إلى التعذّر الذي يفسد السلمُ بمثله، وهو مثل أن يقول: أسلمت في مائةِ صاعٍ على أن يكون وزنها إذا رد إلى الوزن خَمسمائةِ منّ. فهذا حكمٌ (٣) لا يتأتى الوفاء به، مع

стр. 2933

العلم بأن الحنطة يتفاوت وزنها بسب اكتنازها، ورخاوتها وصلابتها. ٣٤٩٣ - ولا يجوز السلم في شيءٍ عدداً، وإن كان مضبوطاً، فليقع السلم باعتبار الوزن، وهذا كالسلم في البطيخ والسفرجل، فاكتفاء الناس فيها بالعدد تسامح، والتعويل على العِيان؛ فإنها تتفاوت في القيم. نعم قد يتفق فيها ما لا يتفاوت قيمها، وإن كانت مختلفة الأقدار لتسامع أطبق الناس عليه. وهذا كالبيض والجوز، فلا يجوز التعويل في السلم على العدد، وذلك أن التسامح الذي حكيناه إنما يقع في مقدارٍ يسير كأعدادٍ قليلة من الجوز والبيض، وإذا كثر فالجوزات الكبار والبيضات الكبار، لو جمعت في موضع، وقيست بالصغار تفاوت الأمر، وصدقت الرغبة من الكبار، وظهر تفاوت في الثمن بيّن؛ فلا يجوز التعويل على العدد في شيء من المعدودات. ويجوز السلم في البطيخ والسفرجل وزناً؛ فإن الوزن يحصر وإن لم يحصر العدد. وذكر شيخي أن السلم يجوز في البيض وزناً، وكذلك في الجوز واللوز، وما في معناهما. وما ذكره في البيض سديد؛ فإن قشورها لا تختلف اختلافاً به مبالاة. وإن زاد وزنُ قشور الكبار منها، فتلك الزيادة على نسبةٍ غيرِ متفاوتة بالإضافة إلى ما يقصد من المحّ (١) والماح. فأما قشور الجوز، فأراها تختلف، فمنها رقاق، ومنها غلاظ، ومنها ما ينفرك باليد للطافة القشور، ومنها ما يحتاج إلى معاناة في كسرها، فلست أرى السلمَ مسوَّغاً في الجوز وما في معناه. وإن ذَكر وزنها. فإن أمكن ضبطُ نوعٍ منها بالوصف يُقرِّب قشورها، ثم اعتمد الوزن، ولم يُفض الأمرُ إلى عزة الوجود، فالجواب الجواز إن اقتضى الحال ذلك. وقد ذكرت أن اختلاف طرق الأصحاب في هذا الكتاب لا يرجع إلى التردد في أساليب الفقه، وإنما رجوعه إلى مماراةٍ في الوقائع. وذكر الأصحاب جوازَ السلم في اللَّبِن. والتعويل على الوزن، وقد يجمع إليه

стр. 2934

العدد، وهو المعتاد، ولا عسر في الجمع، فيسلم المسلم في مائة لبنة، ويقول: اللبنة الواحدة عشرة أمناء (١). هذا لا بد منه وتحصيله لا عسر فيه. ثم إَن وقع تسامحٌ في التسليم، فلا بأس. والسلم في الآجُر (٢) مما اختلف الأصحاب فيهِ اختلافَهم في الدبس، والظاهر الجواز؛ فإن الوصف ممكن، وتحصيل الموصوف لا تعذر فيه. ثم ذكر الشافعي السلم في لحم الطيور. والوصفُ يحيط به فليذكر النوع والعضو الذي يسلم منه، إن كان يسلم في المقطّع، وإن كان يسلم في الطير المذبوح غيرَ مقطع، فالوزن، والسِّمن، والصنف، وكل ما يختلف الغرض فيه. والطير لا سِنَّ له، فيوصف بالصغر والكبر، ويذكر أنه لحم فروج، أو ناهض. وكذلك الحيتان. ٣٤٩٤ - وأما الخشب فإن كانت تراد للحطب، فأوصافها قريبة فيذكر النوع، وأنها دقاق أو غلاظ جزلة. والوزن لا بد منه. وقال الأصحاب: لا حاجة للتعرض لليبوسة؛ فإن الرطوبة والنداوة عيبٌ، والإطلاق يقتضي اليابس. هكذا ذكره المحققون. وإن كان السلم في الجذوع والعُمد، فالطول والعرض، والصنف، واللون، ويصح السلم إذا استوت الأجزاء، فإن اشترط فيها تخريط (٣)، وكان يختلف الأعالي والأسافل، فهذا مما يؤثر في منع السلم عند الشافعي؛ فإنه لا يدري أن الخشبة من أين تأخذ في الدقة، ولا ينضبط هذا مع تعلق القصد به. وإذا أسلم في جذعٍ، ذكر الطولَ والعرضَ، والاستدارةَ واللونَ. وفي ذكر الوزن تردد؛ فإن الوزن لا يقصد في العمد والاسطوانة.

стр. 2935

وكان شيخي يميل إلى اشتراط الوزن؛ صائراً إلى أن كلَّ خشبة تفرض، فلا يمتنع أن تصير حطباً، ويكون الوزن إذ ذاك مقصوداً. وهذا فيه نظر. ٣٤٩٥ - والسلم في أحجار الرحى جائز، إذا ذكر الطولَ منها والعرضَ والسمكَ. واتفق (١) على اعتبار الوزن فيها؛ فإن ثقلها مقصود، وهي برَزَانتها تطحن، ويختلف هذا برخاوة الأحجار وصلابتها. ثم إذا ذكر الوزن، فهو ممكن. حتى انتهى الأصحاب إلى تصوير وزن الأرحية الكبار بالسفن وغوصها في الماء. ثم العادة جارية بذكر أمثال هذه الأعلام، ثم يقع التسامح حالة القبض. ثم ذكر جواز السلم في أنواع العطر وأمتعة الصيادلة، كالمسك، والكافور، والعنبر، والأدوية، ولكل جنس أوصاف مقصودة لا يخفى دركها عند أهل البصيرة. وقد يقصد في بعضها أن تكون قطعاً كباراً كالعنبر، فليكن التعرض لهذا. ٣٤٩٦ - ثم قال: " لا يُسلم فيما خالطه لحوم الحيات " (٢). والسبب فيه مع الاختلاط أن لحوم الحيات نجسة، وقد ذكرنا منع بيع النجس. والتداوي بالترياق جائز على حدّ تجويز أكل الميتة. وفيه كلام طويل سيأتي في الأطعمة، وعنده نذكر التداوي بالخمر. والحدّ المعتبر في التداوي من الحاجة والضرورة. أما السموم القاتلة الطاهرة، فهل يجوز بيعها، قال الأصحاب: إن قتلت بكثرتها لغلبة الطبيعة والقليل منه يستعمل في الأدوية الحارة، فلا يمتنع بيعه. ومن هذه الجملة السقمونيا، والحنظل والخَرْبَق (٣)، وما في معانيها، ومنها الأفيون. فأما السموم التي لا يستعمل جوهرها في دواء، وهي منافية للقوة الحيوانية بأنفسها

стр. 2936

من غير كيفية تُعْقَل. وهذا هو السم عند أهله، فقد قال قائلون: لا يجوز بيعها؛ فإنه لا خير فيها؛ إنما هي ضرر كله. وكنا نقول للشيخ: إذا كانت طاهرةً، فلو أعدت لتستعمل في مكائدَ مع الكفار، فهذا وجهٌ في صلاح السياسة والإيالة، فرأيته يتردد في مواضع، وأراد أن ينزلها منزلة الأسلحة. ومن قتل إنساناً بسم قتلناه به. فليتأمل الناظر في ذلك. ٣٤٩٧ - ثم قال: " ولو أقاله بعضَ السلم " (١). قد ذكرنا تفصيل القول في الإقالة، وأنها فسخ أم لا. ثم قطعنا بأنها في السلم فسخ، ثم رتبنا كلاماً هو مقصود هذا الفصل. وقلنا: إذا انفسخ العقد في بعض المعقود عليه، ففي تعدي الفسخ إلى غيره ما فيه، كما مضى في تفريق الصفقة. وإن أراد [أحدُ المتعاقدين أن يفرد بالرد بعضَ المعقود عليه، ففيه تفاصيل مذكورة في صورة. وإذا أراد] (٢) المتعاقدان الفسخ في البعض عن تراضٍ، وهو الإقالة، فقد صحَّحَ أئمتنا هذا على التراضي، ولم يخرّجوا على تفريق الصفقة. وقد ذكرت ما يليق بذلك فيما تقدم. ٣٤٩٨ - ولا يجزىء في السلم التشريك ولا التَّوْلية، فإنهما بيعان، وبيعُ السلم قبل القبض لا يجوز. ومن جوَّز بيعَ المبيع من البائع قبل القبض، لم يجوز بيعَ المسلَم فيه من المسلَم إليه قبل القبض. وهذا رأيته متفقاً عليه. والفرق عسر. والوجه الاستدلال بموضع الوفاق على تزييف الوجه الضعيف في المبيع. فهذا منتهى ما نقله المزني في الباب، وعلينا الآن الوفاء بما وعدناه من ضبط القول فيما يُرعى من الصفات.

стр. 2937

فصل ٣٤٩٩ - قد كرر الأئمة في طرقهم أنه يجب ذكر الصفات التي تؤثر في القيمة والأغراض، وهذا مضبوط لا لبس فيه، ولا يتطرق إليه إلا شيئان: أحدهما - أن من الأشياء ما يهون وصفه، وليس إذا وصف عزّ، فيمتنع السلم فيه للعزة، ومنه ما ينتهي إلى صفة لا تُشيع معرفتَه، وفيه ترتيب تقدم ذكره، إذْ ذكرنا ما يعرفه أهلُ الاستفاضة، وما يعرفه عدلان، وما يختص بمعرفته المتعاقدان على زعمهما. ومما يتعلق بالباب أن الأوصاف التي يمكن الاقتصار فيها على قدر الاسم معتبرة، ثم لا تعتبر غاياتها. وهذا جار في جميع الصفات. وهذا إذا كان الخروج عن الضبط في جهة النهاية. فأما إذا كان الخروج عن الضبط في جهة البداية، فقبيله يمنع السلم، وعليه بنى الأصحاب منعَ السلم في المعيب والرديء؛ فإن المسلِم سيقول: سلم إلي ما هو في المرتبة الأولى في العيب المذكور، والمسلَمُ إليه يزعم أن هذا كذلك، فلا ضبط، ولا يمكننا أن نُنزلهما على شيء. ومن ضم إلى ما ذكره الأصحاب من الصفات المؤثرة في الغرض والقيمة هذه الأحوال الثلاثة، استقل بالكلام في الأوصاف. وكل هذا والمسلم فيه ليس بحيوان. ٣٥٠٠ - فأما إذا كان المسلمُ فيه حيواناً، فنحن نذكر افتراق مسالك الأصحاب في الحيوانات، ونستخرج من بينها ضبطاً. قال العراقيون: إذا أسلم في جارية، لم يشترط أن يقول في أوصافها دعجاء كحلاء، وكذلك قالوا: لا يشترط ذكر قدِّ الجارية والعبد. وكان الشيخ أبو محمد ﵀ يشترط التعرض لجميع ذلك ويقول: لكل صفة عبارة فما غادر الوصافون مقصوداً إلا صاغوا عنه [عبارات] (١) فلتذكر. ثم لنقتصر من كل صفة على أدنى

стр. 2938

الدرجات. ومن حمل من أصحابنا الخُماسي والسداسي على القِدَيَيْن (١) الطول والقصر، اعتضد بالنص. فكان شيخنا يقول: الكَحَل والدَّعج لا ينقصان عن الجعودة في الشعر والسبوطة. وقد اعتبرهما الأصحاب. وانتهى تساهلُ العراقيين في الصفات في الحيوانات إلى ما نذكره الآن. قالوا: إذا أسلم في بعير، فإنه يذكر سنه ويذكر أنه من نَعَم بني فلان إذا كانوا جمعاً كثيراً تكثر النَّعم فيهم. ثم قالوا: إن كان نعمهم لا تختلف، كفى ذلك، وإن كان نعمهم تختلف، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنا نكتفي بأقل الاسم على السن المذكور من نعم بني فلان، كما نكتفي بأدنى درجات الجودة. والقول الثاني - أنه لا بد من الوصف إذا اختلفت صفات نَعَم بني فلان. وهذا الذي ذكروه انحلال عظيم وخروج بالكلية عن قياس الباب، ورضا بالعماية والجهالة، واعترافٌ بأن السلم في الحيوان مبناه على احتمال المجاهيل. وشيخنا كان يتشوف إلى تنزيل السلم في الحيوان منزلة السلم في المكيلات والموزونات، وطلب نهايات الأوصاف. ومن أحاط باللفظ الذي نقلناه عنه تبين ذلك منه، إذ قال ﵀: الصفات المقصودة معلومة، وعن كل صفة عبارة، والقاعدة الاكتفاء بالأقل. ٣٥٠١ - فإذا بان المسلكان قلنا بعدهما: لا شك أنا لو رُدِدنا إلى القياس المحض، وأردنا أن ندرك من صحة السلم في المكيلات، والمثليات، والمتقوّمات، القليلةِ الأوصاف جوازَ السلم في الحيوان، سيّما في العبيد، الوصائف منهم، والمرموقين من الغلمان، والخيل العربيات، ما كنا نستدرك هذا. والشافعي لم يعتمد معنى في السلم في الحيوان، وإنما اعتمد أخباراً وردت في إقراض الحيوان، وعلم أن السلم في معنى القرض. فليعتقد المنصف أن السلم في الحيوان لا يتصوّر أن يلتزم فيه كلّ ما يؤثر في

стр. 2939

الثمن، أو يتعلق بغرض. وإن أمكن التقريب فيما يؤثر في القيمة، فَطَمَعُ ضبطِ الأعراض طمعٌ في غير مطمع. فالوجه أن نقول: معظم الأوصاف التي تضيق العبارة عنها نقائضها عيوب في الحيوانات، فإطلاق العقد يغني عنها. وهذا جنسٌ عظيم في الصفات. ٣٥٠٢ - ومما نذكره أن الأغراض في الحيوان لا ضبط لها، والناس على اختلاف فيها، ولو ذكر كل ما يقصد في جميع الحيوان، انتهى الأمر إلى عزّة الوجود لا محالة. وإذا وضح هذا في الخَلْق، ثم ضمت الأخلاق إليها، صار المسلمُ فيه عنقاءَ مُغرب (١). فإذا تنبه المتنبه لما ذكرناه، قلنا بعده: كل فنٍّ يعتبر في غير الحيوان، فهو في الحيوان أولى بالاعتبار. الصنف: وهو يضاهي الأجناس والأنواع. واللون: وقد تمهد اعتباره. والسن: وهو يناظر الحداثة والعتق فيما تقدم ذكره. ولم يعتبر العراقيون القدّ. وهذا خطأ صريح (٢)؛ فإنا وجدنا لذلك نظراً في العُمُد والجذوع، ولكن الشَّبْرَ (٣) بالأشبار لست أراه؛ فإن مما يتعين محاذرته الوقوعَ في العزّة، غيرَ أن أهل المعرفة يعرفون الطويلَ، والرَّبعَ (٤)، والقصيرَ، والتنزيل على أدنى الدرجات قانونُ الكتاب (٥). فهذه الأمور لا بد منها، والسلامة فيها غناء عظيم. وبقي وراء هذا شيئان: أحدهما - أن ضبط كل عضو بما يليق به، وبما يقصد

стр. 2940

منه، لا سبيل إليه. وإن كانت القيم تختلف بهذا اختلافاً بيناً. والكلام في صفاتٍ تداول أهل البصائر اللهج بها كالدَّعج والكَحَل، وكون الوجه مُكَلْثماً، أو أسيلاً. وهذا موضع النظر. فلم أر للعراقيين التعرضَ لهذا. واعتبرها شيخنا. فلو وصف في السلم عضواً أو أعضاء، ولم ينته إلى العزة، فلا بأس. ولكن لا يشترط الخوض فيه؛ إذ لو شرط الخوض فيه، لاشترط استيعابه، وفي الاستيعاب العزة، وفي ذكر البعض قبل الانتهاء إلى العزة تحكم. فإن قيل: ليصف إلى أن ينتهي إلى إمكان العزة. قلنا: من أي طرف يبتدىء؟ فإن قال قائل: فما قولكم في التعرض لكونها خميصةً، مثقلةَ الأرداف، ريانة السيقان، شَثنِةَ الأصابع. قلنا: هذا كالكَحَل والدعج. وقد مضى قول الأصحاب فيه. ٣٥٠٣ - فقد تَنَخَّل من مجموع ما ذكرناه أنه يذكر في الحيوان ما يذكر في سائر الأجناس التي يُسلَم فيها، أو يذكر فيها ما يداني المذكورَ فيها، كما ذكرناه في الطول والقصر، فإنه يداني القدر في المقدَّرات، أو الطولَ في المذروعات. ووصف كل عضو مع إمكانه لا يشترط. وكل صفة نقيضها عيب، فلا حاجة إلى ذكرها، وهي كثيرة، والأمور الجُمليّة التي تذكر في الترغيبات، وتوجيه الطلبات نحو الحيوانات كالكَحَل، والدعج، ودِقة الخصر، وثقل الأرداف، وتكلثُم الوجه، وما في معانيها في محل الخلاف، لم يشترطها العراقيون، وشرطها المراوزة. وموضع زلل العراقيين قولهم: لا يشترط القدّ وذكره، وهذا خطأ؛ فإن أهل العراق (١) مطبقون على ذكره، والقيمةُ تختلف به، ولا يفضي الأمر إلى العزة، وهو على مضاهاة الأقدار في المقدَّرَات. ولا شكّ أن الحِرفَ، وإن كانت مقصودة، فلا يشترط التعرض لها.

стр. 2941

وكنا نذكر للشيخ أبي محمد الملاحة، وكان ينقل عن شيخه القفال تردداً في اشتراطها: تارة كان يقول: ليست الملاحة معنىً، بل كل يشتهي فنّاً ويستملح صفة، وقد يستقبح غيرُه تلك الصفة. وهذا في تناصف (١) الخلق، وفي عُرْض (٢) الاعتدال، من غير خروج إلى حد العيب. وكان شيخنا يميل إلى اعتبار الملاحة، ويقول: هي صفة معلومة، لا ينكرها أهل المعرفة، ثم التنزيل على ما ينطلق عليه الاسم. فهذا منتهى الإمكان في ذلك، ومبناه على اعتقاد خروج الحيوان عن قياس الباب وقد يتفق السلم في حيوان ينضبط بصفات معدودة من غير عُسرٍ، ولا عزة، فيجب التشوّفُ إلى الضبط فيه. * * *

стр. 2942

بَابُ مَا لَا يَجُوزُ فِيْهِ السَّلمُ ٣٥٠٤ - ذكر الشافعي -رحمة الله عليه- في الباب الأول ما يجوز السلم فيه، وأراد الإيناس بذكر الأوصاف، فذكر أجناساً، وأشار في كل جنسٍ إلى ما يليق به، ومقصوده في هذا الباب أن يُبيّن ما لا يجوز السلم فيه، ويشير إلى وجوه امتناع الوصف، حتى يجتمع للناظر من الباب الأول وهذا الباب ما يفيد الامتناعَ، وما يفيد التجويز. وقد صدر الباب بالنَّبل فقال: " لا يجوز السلم في النَّبل " (١). والأمر على ما قال. وسبب المنع التركّب من أركانٍ: الخشبُ والعَقَب (٢)، والريش، والنصل في مكان الرَّعْظ (٣). وكل جنس من هذه الأجناس مقصود القدر في السهم، وهو مجهول، وفيه التخريط (٤)، والأخذ في الدقة عن غِلظ، وهو يتضمن جهالة، والغرض يختلف به اختلافاً بيّناً. هذا معلومٌ، لا يلزم عليه إلا أن يعارَض بالحيوان. وقد ذكرنا أنه خارج عن قياس الباب، وقد انتهض بعض الأصحاب للانتصار فقال: " أفراد أركان الحيوان ليست مقصودة، وإنما المقصود البنية ". ولا شفاء في هذا ما لم يحط المرء بما ذكرناه. ويجوز السلم في خشب النَّبل، وفي بيع السهم وعليه الريش، نظرٌ؛ لمعنىً في بيع العين؛ فان الريش المستعمل على النشاب نجس، على القول الظاهر. وقد يقع

стр. 2943

الكلام في تفريق الصفقة على تنجيس الريش، فالوجه بيع النشابة دون الريش، فيكون كبيع ثوب متضمخ بالنجاسة. فصل قال: " ولا في اللؤلؤ، ولا في الزبرجد ... إلى آخره " (١). ٣٥٠٥ - قال أصحابنا: يمتنع في النفائس من هذه الجواهر، وعلل بعضُهم بأن الضبط غيرُ ممكن، وليس الأمر كذلك؛ فإن الضبط غيرُ مقصودٍ على أقصى الوجوه، فيقال: ياقوتة وزنها كذا، وشكلها كذا، لحمية أو جمرية، أو وردية، أو رمانية. ويقال: لؤلؤة مدحرجة، صافية اللون، براقة البياض. وزبرجد أخضر ريحاني، أو [سِلْقي] (٢). فسبب المنع أن الأوصاف إن لم تذكر، كان السلم فيه مجهولاً، وإن ذكرت جَرَّت عزة. والسلم في اللآلىء الصغار التي تباع وزنا ولا يُجرّدُ النظرُ إلى آحاد حباتها، جائزٌ. وكان شيخي يقول: يجوز السلم في الدرّ التي يُتحلَّى بها، إذا لم تثقل، وكان في الحبة سدس مثلاً؛ فإن هذا لا يعز وجوده. ومنع بعض الأصحاب ذلك، فإن اتفاق السدس من غير مزيد ولا نقصان، مع استجماع الصفات المرعية نادر. والمسألة محتملة. فإذاً مدار الفصل (٣) على الجهالة والإفضاء إلى العزة. وأن يكون المرء محيطاً بمسائلِ السلم؛ حتى يضع السلم في الحيوان [نبذة في فكره] (٤) لا يقيس بها شيئاً،

стр. 2944

ولا نقيسها على شيء، ويجري في تفريعها جريان من لم يدرك أصله بقياسه. وإنما زعه على قدر الضرورة. فصل قال الشافعي: " وأرى الناس تركوا وزن الرؤوس ... إلى آخره " (١). ٣٥٠٦ - السلمُ في الرؤوس والأكارع قبل التنقية غير جائز، لما عليها من الصوف والشعر، والمقصود مستتر بها. وفي السلم فيها بعد التنقية قولان: أحدهما - الجواز، كالسلم في لحم الفخذ وغيره من الأعضاء. والثاني - لا يجوز؛ لأنه يختلف اختلافا متبايناً في المشافر، والمناخر، وعظم اللحيين، وعظم الأسنان، واللسان، فقد يعظم منها ما لا يؤكل إلا على تكره، ويصغر منها ما يقصد، وهذا يختص بالرأس، والتجويز في الأكارع أقرب. ثم من صحح السلم شرط الوزن. ٣٥٠٧ - وذكر بعد هذا منعَ السلم في الجلود. يعني الجلودَ الطاهرة؛ فإنها لا تنضبط بتشكيل، وفيها انعطافات متباينة، والغرض من الأَدَم لا ينحصر على الوزن، فالسلم إذاً فيها كالسلم في ثوب من غير ذرعٍ. ولو قطعت وشكلت أشكالاً تقبل المساحة، كالنعال السبتية (٢)، ففي السلم فيها وجهان: أحدهما - وهو الأصح الجواز. والثاني - المنع؛ لأن ثخانتها ودقتها خارجان عن الحصر، وأطراف الأدَم متفاوتة في ذلك، ولا يتأتى درك الجميع بسَبْر طرفٍ. والأصح الصحة. والاعتمادُ على الوزن لا محالة. ولا التفات إلى الحيوان.

стр. 2945

ولا يصح السلم في الخفاف والصنادل؛ لأنها مجهولة كالنشاشيب. وإذا امتنع السلم في النشاب، فالقوس المركب، وهو قوس العجم أولى بالمنع. والنَّبعة (١) التي يتخذ منها قوس العرب بأخذٍ في التخريط من الطرفين، فتتطرق إليه الجهالة. والأواني المنطبعة إن كانت على شكل واحد، لا تفاوت فيها تضايقاً واتساعاً، جاز السلم فيها، والاعتماد على الوزن. وإن كانت تختلف أشكالُها تضايقاً واتساعاً، فالسلم يمتنع. هذا مجموع ما ذكره رضي الله (٢) عنه. * * *
следующие страницы →