← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

وكنا نذكر للشيخ أبي محمد الملاحة، وكان ينقل عن شيخه القفال تردداً في اشتراطها: تارة كان يقول: ليست الملاحة معنىً، بل كل يشتهي فنّاً ويستملح صفة، وقد يستقبح غيرُه تلك الصفة. وهذا في تناصف (١) الخلق، وفي عُرْض (٢) الاعتدال، من غير خروج إلى حد العيب. وكان شيخنا يميل إلى اعتبار الملاحة، ويقول: هي صفة معلومة، لا ينكرها أهل المعرفة، ثم التنزيل على ما ينطلق عليه الاسم. فهذا منتهى الإمكان في ذلك، ومبناه على اعتقاد خروج الحيوان عن قياس الباب وقد يتفق السلم في حيوان ينضبط بصفات معدودة من غير عُسرٍ، ولا عزة، فيجب التشوّفُ إلى الضبط فيه. * * *

стр. 2942

بَابُ مَا لَا يَجُوزُ فِيْهِ السَّلمُ ٣٥٠٤ - ذكر الشافعي -رحمة الله عليه- في الباب الأول ما يجوز السلم فيه، وأراد الإيناس بذكر الأوصاف، فذكر أجناساً، وأشار في كل جنسٍ إلى ما يليق به، ومقصوده في هذا الباب أن يُبيّن ما لا يجوز السلم فيه، ويشير إلى وجوه امتناع الوصف، حتى يجتمع للناظر من الباب الأول وهذا الباب ما يفيد الامتناعَ، وما يفيد التجويز. وقد صدر الباب بالنَّبل فقال: " لا يجوز السلم في النَّبل " (١). والأمر على ما قال. وسبب المنع التركّب من أركانٍ: الخشبُ والعَقَب (٢)، والريش، والنصل في مكان الرَّعْظ (٣). وكل جنس من هذه الأجناس مقصود القدر في السهم، وهو مجهول، وفيه التخريط (٤)، والأخذ في الدقة عن غِلظ، وهو يتضمن جهالة، والغرض يختلف به اختلافاً بيّناً. هذا معلومٌ، لا يلزم عليه إلا أن يعارَض بالحيوان. وقد ذكرنا أنه خارج عن قياس الباب، وقد انتهض بعض الأصحاب للانتصار فقال: " أفراد أركان الحيوان ليست مقصودة، وإنما المقصود البنية ". ولا شفاء في هذا ما لم يحط المرء بما ذكرناه. ويجوز السلم في خشب النَّبل، وفي بيع السهم وعليه الريش، نظرٌ؛ لمعنىً في بيع العين؛ فان الريش المستعمل على النشاب نجس، على القول الظاهر. وقد يقع

стр. 2943

الكلام في تفريق الصفقة على تنجيس الريش، فالوجه بيع النشابة دون الريش، فيكون كبيع ثوب متضمخ بالنجاسة. فصل قال: " ولا في اللؤلؤ، ولا في الزبرجد ... إلى آخره " (١). ٣٥٠٥ - قال أصحابنا: يمتنع في النفائس من هذه الجواهر، وعلل بعضُهم بأن الضبط غيرُ ممكن، وليس الأمر كذلك؛ فإن الضبط غيرُ مقصودٍ على أقصى الوجوه، فيقال: ياقوتة وزنها كذا، وشكلها كذا، لحمية أو جمرية، أو وردية، أو رمانية. ويقال: لؤلؤة مدحرجة، صافية اللون، براقة البياض. وزبرجد أخضر ريحاني، أو [سِلْقي] (٢). فسبب المنع أن الأوصاف إن لم تذكر، كان السلم فيه مجهولاً، وإن ذكرت جَرَّت عزة. والسلم في اللآلىء الصغار التي تباع وزنا ولا يُجرّدُ النظرُ إلى آحاد حباتها، جائزٌ. وكان شيخي يقول: يجوز السلم في الدرّ التي يُتحلَّى بها، إذا لم تثقل، وكان في الحبة سدس مثلاً؛ فإن هذا لا يعز وجوده. ومنع بعض الأصحاب ذلك، فإن اتفاق السدس من غير مزيد ولا نقصان، مع استجماع الصفات المرعية نادر. والمسألة محتملة. فإذاً مدار الفصل (٣) على الجهالة والإفضاء إلى العزة. وأن يكون المرء محيطاً بمسائلِ السلم؛ حتى يضع السلم في الحيوان [نبذة في فكره] (٤) لا يقيس بها شيئاً،

стр. 2944

ولا نقيسها على شيء، ويجري في تفريعها جريان من لم يدرك أصله بقياسه. وإنما زعه على قدر الضرورة. فصل قال الشافعي: " وأرى الناس تركوا وزن الرؤوس ... إلى آخره " (١). ٣٥٠٦ - السلمُ في الرؤوس والأكارع قبل التنقية غير جائز، لما عليها من الصوف والشعر، والمقصود مستتر بها. وفي السلم فيها بعد التنقية قولان: أحدهما - الجواز، كالسلم في لحم الفخذ وغيره من الأعضاء. والثاني - لا يجوز؛ لأنه يختلف اختلافا متبايناً في المشافر، والمناخر، وعظم اللحيين، وعظم الأسنان، واللسان، فقد يعظم منها ما لا يؤكل إلا على تكره، ويصغر منها ما يقصد، وهذا يختص بالرأس، والتجويز في الأكارع أقرب. ثم من صحح السلم شرط الوزن. ٣٥٠٧ - وذكر بعد هذا منعَ السلم في الجلود. يعني الجلودَ الطاهرة؛ فإنها لا تنضبط بتشكيل، وفيها انعطافات متباينة، والغرض من الأَدَم لا ينحصر على الوزن، فالسلم إذاً فيها كالسلم في ثوب من غير ذرعٍ. ولو قطعت وشكلت أشكالاً تقبل المساحة، كالنعال السبتية (٢)، ففي السلم فيها وجهان: أحدهما - وهو الأصح الجواز. والثاني - المنع؛ لأن ثخانتها ودقتها خارجان عن الحصر، وأطراف الأدَم متفاوتة في ذلك، ولا يتأتى درك الجميع بسَبْر طرفٍ. والأصح الصحة. والاعتمادُ على الوزن لا محالة. ولا التفات إلى الحيوان.

стр. 2945

ولا يصح السلم في الخفاف والصنادل؛ لأنها مجهولة كالنشاشيب. وإذا امتنع السلم في النشاب، فالقوس المركب، وهو قوس العجم أولى بالمنع. والنَّبعة (١) التي يتخذ منها قوس العرب بأخذٍ في التخريط من الطرفين، فتتطرق إليه الجهالة. والأواني المنطبعة إن كانت على شكل واحد، لا تفاوت فيها تضايقاً واتساعاً، جاز السلم فيها، والاعتماد على الوزن. وإن كانت تختلف أشكالُها تضايقاً واتساعاً، فالسلم يمتنع. هذا مجموع ما ذكره رضي الله (٢) عنه. * * *

стр. 2946

بَابُ التَّسْعِير وهل ينادي منادي الإمام في البلد، ويأمر بسعرٍ مقدرٍ في جنس حتى لا يتعدَّوْه؟ ٣٥٠٨ - فنقول: ليس للإمام هذا في رخاء الأسعار وسكون الأسواق؛ فإنه حجرٌ على الملاك، وهو ممتنع. فأما إذا غلت الأسعار، واضطر الناسُ، فهل يجوز للإمام أن يسعّر؟ فيه وجهان مشهوران: أحدهما - المنع طرداً للقياس الكلي. والثاني - الجواز، نظراً إلى مصلحة العامة. وقد روي: " أن عمرَ بن الخطاب ﵁ مر بحاطب بن أبي بلتعة، وبين يديه غَرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعره، فَسَعَّر مُدَّين بدرهم فرآه عمرُ غالياً، وقال: " حُدّثتُ بعِيرٍ مقبلة من الطائف تحمل زبيباً، وهم يعتبرون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإمَا أن تدخل زبيبك البيتَ، فتبيعه كيف شئت " (١). وأراد برفع السعر الزيادة في وزن الزبيب. ومن منع التسعير احتج بما روي عن أنس أنه قال: غلت الأسعار بالمدينة، وقلنا: يا رسول الله لو سعرت لنا! فقال ﵇: " إن الله هوَ المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس لأحد منكم مظلمة في دم ولا مال " (٢) وأما حديث عمر فقد روي أنه كان يحاسب نفسه كل ليلة بما جرى له في

стр. 2947

نهاره، فروي أنه فعل ذلك، فوجد فيما جرى له في يومه تسعيره على حاطب، فندم وأتاه في جوف الليل، وقال له: " إن الذي قلتُ ليس بعزيمة ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت، فبع، وكليف شئت، فبع ". فصل ٣٥٠٩ - روي أن رسول الله ﷺ قال: " الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون " (١) وقال ﵇: " من احتكر طعاماً أربعين يوماً يقصد به الغلاء على الناس برئت منه ذمة الله " (٢). والجالب هو الذي يجلب الطعام إلى البلد وقتَ الضيق والغلاء ليوسع على المسلمين، وهو على مضادة المحتكر؛ فإن المحتكر هو الذي يحبس الطعام حتى تزداد الأسعار غلاءً وارتفاعاً. ثم قال الأصحاب: المحتكر الذي يلحقه اللعن والوعيد صاحب مال يشتري الطعامَ ويحبسه، ولا [يتركه] (٣) حتى يشتريه المساكين والضعفاء. فأما من يشتري الطعام في وقت الرخص وكساد الأسواق، ويحبسه ليبيعه إذا غلا، فلا بأس؛ فإن أصل احتكاره وتربّصه كان في رخاء الأسعار، حيث لا ضرار، وربما يكون ما ادخره قائماً مقام الذُّخر للناس، ولولا ادخاره، لكان يضيع، ويتفرق.

стр. 2948

وكذلك من اتفقت له غَلة من ضيعته، فحبسها على أي قصد أراد، لم يتعرض للوعيد. والقول في هذا الآن يتعلق بقطب عظيم، وهو أن الناس إذا كانوا يتهاوَوْن على الرَّديء، وقد أسرع فيهم المَوَتَانُ (١) العظيم الذريع، وانتهى كل واحدٍ إلى استحلال الميتة وطعام الغير، فالقول في هذا وفي كل ما يدّخره كل إنسان لنفسه ولعياله ليس بالهين. وسأذكر فيه في باب المضطر أصلاً يرقى عن مجال الفقهاء، وننبه على قاعدة عظيمة، إن شاء الله . * * *

стр. 2949

بَابُ امْتِنَاعِ ذِي الحق ٣٥١٠ - إذا أتى المسلَمُ إليه بما عليه على الصفات المطلوبة، فلا كلام. وإن أتى بجنسٍ آخر، فهو الاعتياض عن المسلم فيه، وهو باطل. وإن كان أجودَ مما وُصف، جاز قبولُه. وإن قال: لا أقبله ولا أتقلّد المنة، فالأصح أنه يجبر على قبوله. ومن أصحابنا من قال: لا يجبر؛ لمكان المنّة، وهي ثقيلة على ذوي المروءات. ولو أتى بأردأ مما وصف، لم يلزم المسلِمَ القبولُ. وإن قبل محابياً، جاز. وإن أتى بنوعٍ آخر والجنسُ متحد، مثل أن يقع السلم في الزبيب الأبيض فيأتي بالزبيب الأسود أو الطائفي، ففي المسألة وجهان عند التراضي: أحدهما - يصح قبوله، ولا يكون اعتياضاً. والثاني - لا يجوز قبوله؛ فإن اختلاف النوع كاختلاف الجنس. ولو أسلم في الحنطة النفيسة، فأتى بالخسيسة، فمن أئمتنا من جعل ذلك كاختلاف النوع، حتى يخرج على الخلاف. ومنهم من جعل النوع واحداً، وجعل هذا اختلافَ صفة، مع اتحاد النوع. وإذا جاء بعبد هندي والمسلَمُ فيه تركي، فطريقان: منهم من جعله كاختلاف الجنس، ومنهم من جعله كاختلاف النوع، على ما مضى. ولو أسلم في الحنطة، لم يُقبل التراب والتبن فيه، وقد ضبطت هذا في كتاب الربا وبيّنت القدرَ المحتمل منه. وإذا أسلم في التمر، فأتى بالرطب من ذلك النوع، فطريقان: منهم من جعل الرطب مع التمر نوعين، ومنهم من جعلهما نوعاً واحداً. وإذا أسلم في لحم الطير، لم يُقبل الرأس والرجل، يعني ما لا لحم عليه من الرجل.

стр. 2950

ولو أسلم في لحم السمك، لم يقبل الرأس والذنب؛ لأن مطلق اسم اللحم لا ينصرف إليه ولا يقتضيه، وليس كالعظم في أثناء اللحم؛ فإنه كالنوى في التمر، وقد جرى العرف بتنحية الرأس والذنب في السمك. وفي هذا نظر عندي فأقول: إن أسلم في لحم السمك، فالأمر على ما قال الأصحاب، وإن أسلم في السمك، فلا يكلف تنحية الرأس والذنب، والعلم عند الله. وأجنحة الطائر تُمَعَّط فيقع [التسليم] (١) بعد ذلك. ويجوز أن يقال: يزال ذنب السمك وجناحه؛ فإن الحيتان صحيحة الأوساط، وكأنها طيور الماء. ثم ذكر الشافعي أنه إذا أسلم في مكيل وقبض وزناً، أو في موزونٍ وقبض كيلاً، فليس هذا قبضاً صحيحاً، وهو بمثابة القبض جزافاً، وقد قدمته في قبوض البيع على أكمل وجه. فصل قال: " ولو جاءه بحقه قبل مَحِلِّه ... إلى آخره " (٢). ٣٥١١ - من عليه الحق إذا جاء به، فلا يخلو إما أن يكون الحق حالا أو مؤجلاً، فإن كان مؤجلاً، وأتى به قبل الحلول، نظر: فإن كان لصاحب الحق غرضٌ في التأخير. كأن كان حيواناً لا غنى به عن علف، أو كان في وقت نهب، وليس للمعطي غرض ظاهر إلاّ براءة الذمة، وخيفة هجوم الموت، فلا يجبر صاحب الحق على قبول حقه حيث انتهى التصوير إليه، قولاً واحداً؛ فإن غرضه في الامتناع عن القبول لائح. ولو لم يكن لمستحق الحق غرض ظاهرٌ في الامتناع من القبول، وكان للمعجِّل غرض في التعجيل، كالمكاتب يستفيد بالتعجيل العتقَ، وكذلك من رهن بالدين المؤجل عليه رهناً، فهو يطلب بتعجيل الدين فك الرهن. ومن الأغراض الظاهرة أن يكون

стр. 2951

بالدين ضامن، وكان من عليه الدين يحاول تفريغ ذمته. فإذا لم يكن لذي الحق غرض في الامتناع، وظهر غرضُ المعجل أُجبر صاحبُ الحق على القبول. وإن لم يكن لواحدٍ منهما غرض: لا لذي الحق في الامتناع، ولا للمعجل، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن ذا الحق لا يجبر، وله أن يبني الأمر على الوفاء بالأجل، ويجعل المعجِّلَ كالمتبرع المعطي مزيداً، وإذا كان كذلك، فله الامتناع من تقلّد هذه المنة. والقول الثاني - أنه يجبر؛ فإن الأجل حق من عليه الدين، فإن أسقطه، لم يكن لمستحق الحق أن يمتنع. وإذا كان أصل الحق يسقط بإبراء مستحقه من غير شرط القبول على الأصح، فينبغي أن يسقط حق الأجل من غير حاجة إلى قبول من يستحق أصل الدين. ولو كان لصاحب الحق غرض في الامتناع، وكان للمعجل غرض ظاهر في التعجيل، فالذي ذهب إليه الأكثرون أنا نرعى جانب مستحق الحق، ونقطع بأنه لا يجبر لعذره اللائح، ومن أصحابنا من جعل تقابل العذرين كسقوطهما، وخرَّج المسألة على القولين كما ذكرناه. ولو لم يكن للمستحق غرض في الامتناع، وظهر غرضُ المؤدي، فقد قطع الأصحاب بالإجبار في هذه الصورة. ولو كان الدين سلماً، فعمّ وجودُ المسلمِ فيهِ قبل الحلول، وكان يخاف المسلَمُ إليه من انقطاع الجنس قبل الحلول؛ فهل يعد ذلك عذراً في جانب المعجِّل؛ حتى يبنى عليه ما تقدم من التفصيل في أعذار المعجِّل؛ فعلى وجهين: أحدهما - أنه عذرٌ؛ فإنه قد يترتب على التأخير انفساخ العقد، أو حق فسخه. والثاني - أنه ليس بعذر؛ فإن العقد إن انفسخ، رد رأس المال، وسقط عنه الدين، في مقابلة ما يرد. هذا كله في الدين المؤجل إذا عجَّله مَن عليه. ٣٥١٢ - فأما إذا كان الدين حالا، فجاء به من عليه، وامتنع المستحق من القبول،

стр. 2952

ففي المسألة طريقان: من أصحابنا من قال بإجبار ذي الحق. فيقال له: إما أن تقبل، وإما أن تبرىء ذمته من الدين. ومن أصحابنا من ذكر في ذلك قولين أيضاً؛ فإن مستحق الدين يقول: الحق لي، وإليّ طلبه، فليس لمن عليه الحق أن يحتكم عليَّ في طلب الحق. ومما يجب التَنبُّهُ له أنا في الدين المؤجل فصلنا بين المعذور وبين ما لا عذر له، وإذا حل الدين، فنقول: أما جانب مستحق الحق، فلا يختلف بأن يكون معذوراً، ووجه بيّن. وأما المعطي، فإن كان معذوراً، أُجبر صاحبه على القبولِ قولاً واحداً. ولم يجر القولان؛ من قِبَل أن العذر يوجب قبول ما يَنْقُدُه من الدين المؤجل، فما الظن بالدين الحالّ؟ ثم إذا وجد العذر في الجانبين، والدّين حال، فصاحب الحق مجبر على القبول قولاً واحداً؛ فإنا قد أوضحنا أن عذر مستحق الدين لا اعتبار به إذا كان الدين حالاً. ثم حيث يجبر على القبول، فإن لم يقبل، قبض القاضي عنه، أو أناب من يقبض. وإذا جرى ذلك، فقد برئت ذمة المديون، وكان المال أمانةً لمستحق الحق في يد الحاكم، أو في يد من أنابه. ٣٥١٣ - وممّا يتصل بهذا أن من عليه الحق إذا ظفر بمستحق الحق في غير المكان المتعيّن شرعاً أو شرطاً، وأراد إجبار مستحق الحق على القبول، فالتفاوت في المكان كالتفاوت في الزمان: فإن كان على الناقل مؤونة، لم يجبر مستحق الحق على قبوله، وهو يناظر في الزمان ما إذا ظهر غرض بيّن في الامتناع قبل الحلول. وإن لم يكن في نقل المستحق مؤونة، فهل يجبر مستحِق الحق على قبوله في غير المكان المستحق؛ فعلى القولين المقدمين فيه، إذا جاء بالحق قبل حلول الأجل؛ فالتفاوت المكاني في الحكم الذي أردناه كالتفاوت الزماني. فرع: ٣٥١٤ - تردد الأئمة في السلم في الثوب الذي يصبغ بعد نسجه، فيما ذكره العراقيون: فأجازه بعضهم، وهو ما قطع به الإمام. ولا خلاف في جواز السلم في الثوب الذي ينسج بعد الصبغ.

стр. 2953

ولا فرق؛ فإن عين الصبغ قائم في الثوبين. ومن أئمتنا من منع السلم في الثوب المصبوغ بعد النسج، واحتج عليه بأن الصبغ عينٌ ضمت إلى الثوب، وهو مجهول المقدار. والغرض يتفاوت. وهذا إنما كان يتجه لو امتنع السلم في الذي صبغ غزلُه، ثم نسج. والأصح التجويز؛ فإن الصبغ صار صفة في الثوبِ لا يُطلب تمييزه وفصله. فرع: ٣٥١٥ - حكى صاحب التقريب عن ابن سريج أنه قال في السّمك المملح: إن كان يظهر للملح وزن، فلا يصح السلم لجهالة مقدار المسلَم فيه. وإن كان لا يظهر للملح وزن، لم يخل إما أن يكون له قيمة أو لا يكون، فإن لم تكن له قيمة، فلا أثر له؛ إذ لا قيمة ولا وزن، والسلم صحيح. وإن كان له قيمة، فهو كالثوب المصبوغ بعد النسج. فإن قيل: أرأيتم لو كان للصبغ وزن في الثوب؟ قلنا: لا أثر لوزنه في الثوب؛ فإن الثوب لا يوزن. فرع: ٣٥١٦ - إذا. قبض المسلِمُ المسلَم فيه، وتلف في يده، واطلع على عيب، فرده، فالاستبدال (١) منه غير ممكن بعد التلف. ولكن له الرجوع بالأرش، وهو قسط من رأس المال. وإذا حصل الرجوع، لم يكن هذا استرداداً، ولكنه في حكم فسخ العقد في ذلك المقدار المسترد. وذهب المزني إلى أن الرجوع بالأرش لا يثبت بعد تلف المقبوضِ. * * *

стр. 2954

كتاب الرهن ٣٥١٧ - الرهن توثيق الدين بعين مالٍ يسلمها الراهن إلى صاحب الدين، وحقيقةُ الرهن الإثبات، ومنه قيل: الحالة الراهنة، أي القائمة الثابتة. والأصل في الرهن الكتاب، والسنة، والإجماع. فأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، قوله تعالى ﴿فَرِهَانٌ﴾ مصدر أقيم جزاءً للشرط بحرف التعقيب، وهو الفاء، فقام مقامَ الأمرِ؛ فإن الشرط والجزاء لا يعتقبان إلا على الأفعال، فجرى ذلك مجرى الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] وقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي فحرروا، وافدوا، واضربوا، وصوموا. و" رهن رسول الله ﷺ درعه من أبي [الشحم] (١) اليهودي، بشعير استقرضه منه، فتوفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهون " (٢). والرهن محثوث عليه، وليس حتماً، فإنه قال تعالى في سياق الآية ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].

стр. 2955

وأصل الرهن مجمع عليه، وهو يشتمل على ركنين: مرهون، ومرهون به. أما المرهون، فلا يكون إلا عيناً، لأن الغرض من الرهن التوثيق، ولا يتوثق الدين بالدين، وهو مشبه بالهبة، من حيث إنه تبرع يفتقر إلى القبول. ثم الهبة تختص بالعين. ولو قال: وهبت منك ألف درهم ثم نقدها عن ذمته، وأقبض لم يصح، بخلاف ما لو باع ألفاً بألف، ثم نقدا وتقابضا قبل التفرق. هذا في المرهون. وأما المرهون به، فلا يكون إلا ديناً؛ فإن الغرض استيفاء الدين من العين، عند فرض العسر. ولو كان المرهون به عيناً، فاستيفاؤها من المرهون محال، وهي متعينّة. وفي ضمان الأعيان المضمونة كلام وتردد سنفرعه على قولي كفالة الأبدان من كتاب الضمان. وإذا جوزنا ضمان الأعيان المضمونة، فهو بتقدير ضمان قيمتها إذا تلفت، ولا يجوز الرهن بالعين على هذا التقدير في المذهب الظاهر؛ لأن الضامن لا ضرر عليه إذا امتد بقاء العين، فالذمة متسعة لالتزام الحقوق. ولو جاز الرهن على هذا التقدير، لجر ضرراً دائماً لا نهاية له؛ فإن العين التي يقدر الرهن بها ربما لا تتلف أبداً، فيبقى الرهن دائماً، ويطرد الحجر بدوامه. فصل قال الشافعي: " والدين حق، فيجوز الرهن به ... إلى آخره " (١). ٣٥١٨ - قال الأصحاب: أراد حق لازم. فنقول: قد تقدم أن المرهون به يشترط أن يكون ديناً. وغرضنا انحصار الرهن في قبيل الديون. وهذا الفصل يحوي تقاسيم الديون، فهي منقسمة ثلاثة أقسام: دينٌ لازم مستقر في الذمة، كالسلم، والقرض، والأروش، والأثمان، والمهور، والأجور، فيجوز الرهن بهذه الديون. والقسم الثاني - دين لا يتصف باللزوم، ولا يُفضي إليه، وهو كنجوم الكتابة، فلا

стр. 2956

يجوز الرهن بها؛ فإنها لم تتأكد باللزوم، ولا يتصور أن تنتهي إليه في نفسه. فالتوثيق به لا معنى له. فان قيل: إذا أدى المكاتب النجم، فقد انتهى إلى التأكد. قلنا: نعم هو كذلك، ولا حاجة بعده إلى التوثيق. والقسم الثالث - دين لا يتصف باللزوم في نفسه، ولكنه يفضي إلى اللزوم. وهذا ينقسم قسمين: منه ما أصله اللزوم، والجواز دخيل فيه مرفق. ومنه ما أصله الجواز، ولكنه يفضي إلى اللزوم. أما القسم الأول، فهو كالثمن في زمان الخيار، [فالرهن به جائز. وهذا يتطرق إليه خلافٌ، لا محالة، متلقى من اختلاف القول في أن البيع في زمان الخيار] (١) هل يتضمن نقل الملك في المبيع إلى المشتري، وفي الثمن إلى البائع؟ فإن حكمنا بأنه يقتضي النقلَ، فعليه قطع الأصحاب بصحة الرهن. وإن قلنا: إنه لا يقتضي النقلَ أصلاً، فالظاهر منعُ [الرهن] (٢)؛ إذ لا دين، فيقع الرهن لو وقع قبل ثبوت الدين. هذا قسم من قسمين انقسم إليهما القسم الثالث. والقسم الثاني - الجُعْل في الجعالة (٣)، فمبناه في وضع العقد على الجواز، ولكنه ينتهي إلى اللزوم عند تمام العمل، ففي جواز الرهن به وجهان: أحدهما - أنه جائز كالثمن في زمان الخيار. والثاني - لا يجوز؛ فإنه قبل اللزوم بعيد عن التوثيق؛ إذ لا يتصور من المتعاقدين في الجعالة أن يلزما الجُعل باختيارهما قبل العمل. ويتصور من المتبايعين إلزام الثمن باختيارهما. ومن قال بالوجه الأول، انفصل عن هذا، وقال: لو كان ثبوت الرهن مأخوذاً من اختيار اللزوم، لكان الرهن بالثمن في زمان الخيار متضمناً إلزامَ العقد. وليس كذلك. ٣٥١٩ - وكل ما جاز الرهن به صح ضمانه، وكل ما صح ضمانه جاز الرهن به، إلا العهدة فإن ضمانها جائز على ظاهر المذهب -وهو ضمان الدَّرَك- ولا يجوز الرهن

стр. 2957

بعهدة المبيع. والفارق بينهما أن ضمان العهدة إنما جاز مصلحة في العقد، إذ قد لا يثق المشتري بغريب يبايعه، فينكف عن معاملته. ويلتحق بهذا السبب ضرار بالجانبين، فسوغ الشرع التوثيقَ بالضمان. ثم لا ضرر في ذلك الضمان؛ فإن الضامن لا طَلِبة عليه قبل بدوّ الاستحقاق. وإن جوزنا الرهن بالعهدة، لكان ذلك التزام حجرٍ (١) في المرهون لا نهاية له، وهو تنجيز ضرار لا نهاية له على مقابلة توقع ضرار. وحكى شيخي عن شيخه القفال وجهاًً في جواز الرهن بالعهدة. والسبب فيه أن الثقة قد لا تحصل إلا به، والرهن منصوص عليهِ في آية المداينات في طلب الوثائق دون الضمان، وما قدر من الضرار غيرُ سديد؛ فإنه إنما يعظم وقع الضرار لما يلزم من غير اختيار، وكلامنا هذا في جواز الرهن إذا وقع الرضاً به، لا في وجوبه. قال: " وكذلك كل حق لزم في حين الرهن وما تقدم الرهن ... إلى آخره " (٢). ٣٥٢٠ - أشار الشافعي إلى أن الآية في دين مخصوص، ثم بين أن ما سواه من الديون اللازمة في معناه. فنقول: إذا وجب الدين وأنشىء الرهنُ بعده، فهذا رهنٌ لا كلام فيه. ولو قدم الرهن بشقيه على وجوب الدين، لم يصح عند الشافعي. فلو قال: رهنتك هذه العين بألف تقرضنيه، فقال المخاطب: ارتهنتُ، ولا إقراض بعدُ (٣)؛ فهذا مردود، وإن جرى القرضُ بعد ذلك؛ فإن الرهن توثيق الدين، ولا يعقل التوثيق قبل الدين، إلا على مذهب التعليق، وتعليق الرهن باطل. والقول في الضمان قبل الوجوب كالقول في الرهن. ثم في المذهب تفصيل طويل

стр. 2958

في ضمان ما لم يجب. سيأتي في أولِ كتاب الضمان، ونذكر ترتيبين في القديم والجديد. ثم الرهن يجاري الضمان في محل الوفاق والخلاف، إلا في أمثال ضمان العهدة؛ فإن الرهن ينفصل في ظاهر المذهب عن الضمان، ويجري وجه مطرد للقفال في تنزيل الرهن منزلة الضمان. هذا قولنا في طرفي الثبوت والنفي: ذكرنا تقدم الدين، وإنشاء الرهن بعده، ثم ذكرنا تقدم الرهن بشقيه وابتداء الوجوب بعده. ٣٥٢١ - ونحن نذكر الآن حكم الاقتران بين الرهن والدين، ونُجري فيه حكم التعاقب أيضاًً. ونرسم في غرضنا مسائل أرسالاً. فلو تقدم شِقَّا الرهن على البيع، وذلك أن يتراهنا بالثمن، ثم لا يتفرقا حتى يتبايعا، فالمذهب المثبوت أن ذلك غيرُ جائز. وأبعد بعض الأصحاب، فجوّز ذلك إذا جمع المجلسُ الرهنَ والبيعَ، وجعل اتحادَ المجلس كالاقتران بالإيجاب والقبول، كما سنصفه الآن. وهذا ليس بشيء؛ فإن المجلس إن ثبت له حكم، فهو بعد البيع، وعقد الرهن لا [مجلس] (١) له، ولا أثر لخيار المجلس فيه، كما قدمناه. ثم لو قدر له مجلس، فالبيع بعده ليس من لواحقه. ونحن إن رأينا إلحاق شيء بالعقد في مجلسه، فهو في توابع العقد الذي المجلس مضاف إليه. ولولا ذكرُ الأصحاب هذا، لأضربنا عنه. هذا بيان اجتماع الاقتران بتقدير تقدم الرهن، وتعقب البيع. فأما إن امتزج إيجاب الرهن واستيجابه بالتواجب في البيع، فالوجه أن نفصله. فمن صور ذلك أن يتقدم ذكر الرهن، بأن يقول البائع: ارتهنت ثوبك هذا بألف، وبعتك هذه الدار به، فقال المشتري: رهنتُ واشتريت، أو قال: اشتريت ورهنت. فإذا قدم المبتدىء ذكر الرهن، وعقبه في استكمال الكلام بذكر ما يليق به من شقي البيع، فظاهر المذهب أن هذا غير جائز.

стр. 2959

ويلتحق بهذه الصورة أن يقول البائع: بعت وارتهنت، ويقول المشتري رهنت واشتريت، فسواء وجد تقدم شقي الرهن على شقي البيع على صورة الاقتران، أو وجد من أحد الجانبين تقديم شق من الرهن، فالوجه منع صحة الرهن. ويقرب أن يرتب هذا على تقدم الشقين من الرهن. ووقوع البيع بعدهما. ولكن لا ينبغي أن يُعتقد ذلك الوجه الضعيف من أصل المذهب، حتى يُبتنى عليه أو يُرتَب عليه. فلنبتدىء قائلين: الأصح أن الرهن يفسد في الصورة التي ذكرناها؛ لأنه قُدِّم شق منه أو شقاه على شقي البيع المثبت للثمن، وإذا كان الرهن يستدعي ثبوت الدين، فأحد شقيه يستدعي ذلك أيضاًً. ووضع الرهن استئخار أوله عن ثبوت الدين. ٣٥٢٢ - ومن المسائل في الباب أن يتقدم مصراع البيع على مصراع الرهن، وذلك مثل أن يقول للبائع: بعت منك هذه الدار، وارتهنت هذا الثوب بالثمن. فقال المشتري: اشتريت ورهنت، فقدم كل واحد شقَّ البيع على شق الرهن، ووقع شقا الرهن ممتزجين بشقي البيع، على ما وصفناه، وميزنا هذا النوع في التصوير عما تقدم عليه بذكر كل واحد من المتخاطبين شق البيع أولاً، فإنه لو ذكر أحدهما شق الرهن، ثم شق البيع، اتصل بالفن المتقدم على هذا. ومن صور هذا القسم أن المشتري لو قال: بعني هذه الدار ورهنت هذا الثوب، فقال البائع: بعت وارتهنت، وجعلنا الاستدعاء قبولاً كما سيأتي في موضعه. هذا بيان الصور. ونصُّ الشافعي ظاهر في تصحيح البيع في هذه الصور، واتفق على القول بالصحة فيها الأصحاب. وذكر القاضي في طريقه تخريجاً من عند نفسه، لم ينقله؛ فقال: هذا مشكل؛ فإن أحد شقي الرهن يقع لا محالة قبل ثبوت الثمن بانعقاد البيع، ووضع الرهن يقتضي استئخار إنشاء الرهن عن ثبوت الدين، فقال يظهر أن يخرَّج هذا قولاً. ويقول: لا يصح الرهن ما لم يتقدم الدين بشقيه، ثم يُنشأ أولُ الرهن بعدهما.

стр. 2960

وهذا يظهر تخريجه من مسألة للشافعي في الكتابة؛ فإنه قال: إذا قال السيد لعبده: كاتبتك على ألف درهم، وبعت هذا العبد منك بألف، فقال العبد: قبلت الكتابة والبيع. قال الشافعي: لا يصح البيعُ؛ فإنه يستدعي ثبوت الكتابة أولاً، وقد جرى أحد شقي البيع قبل انعقاد الكتابة، ولا يصير العبد من أهل المعاملة مع مولاه ما لم تتم الكتابة، فيخرج منع الرهن على هذا خروجاً ظاهراً. ثم قال: لو أردنا فصلاً بين الأصلين فقهياً، لم نجده إلا أن نتعلق بمصلحة العقد، فنقول: الرهن من مصلحة البيع، فإن نفذ مقترناً بالبيع، كان هذا لائقاً بالمصلحة؛ من جهة أن البائع ربما كان يطلب وقوع الاستيثاق بالرهن مع وقوع البيع، والوجه مزج العقد بالعقد كما ذكرناه. والبيع ليس من مصلحة الكتابة، فجرى فساد البيع على القياس الذي مهدناه. وكان شيخنا أبو محمد لا يفرق بين أن يقول البائع: ارتهنت وبعت، أو يقول بعت وارتهنت. والأحسن أن نفصل بينهما كما ذكرناه. فإن قيل: لمَ؟ وشق الرهن وقع قبل انعقاد البيع من الوجهين؟ فإذا كان كذلك فأي أثر لتقديم شق البيع أو شق الرهن؟ قلنا: قول القائل: بعت بألف، وارتهنت به، منتظم إلى أن يحكم بالصحة أو الفساد، وقوله: ارتهنت بألف وبعت، ليس له نظم صحيح؛ فإن الرهن يستدعي استئخاراً عن ذكر مرهونه، فيظهر الفرق في نظم العقد، وإن لم يظهر في الوجوب والثبوت. فرع: ٣٥٢٣ - لو قال: بعتك هذه الدار بألف درهم، بشرط أن ترهنني ثوبك بالألف. فقال: اشتريت ورهنت. والتفريع على النص في الحكم بصحة الرهن. قال الأصحاب: يتم الرهن بما جرى، لأنه وجد من البائع استدعاء الرهن، فكان ذلك بمثابة الارتهان والتلفظ به. قال القاضي: الذي عندي أنه لا بد من لفظ الارتهانِ، أو القبول من البائع بعد قول المشتري: رهنت؛ لأن الذي وجد منه شرط الإيجاب، وليس باستيجاب. وهذا يبتني على أن الاستيجاب في البيع والرهن هل يكون بمثابة القبول؛ فإذا قال الرجل:

стр. 2961

بعني عبدك هذا بألف، فقال البائع: بعته منك بالألف، فما تقدم من الاستيجاب واستدعاء الإيجاب هل يكفي؟ وهل يحل محل التصريح بالاشتراء والقبول؟ فيه قولان وترتيبُ نصوص سنذكرها في موضعها. فإن قلنا: الاستيجاب لا يكفي، فلا كلام. وإن قلنا: الاستيجاب يكفي في البيع، فإنه كاف في الرهن أيضاً. فعلى هذا إذا قال البائع: بعتك هذه الدار بألف درهم بشرط أن ترهنني ثوبك، فقال: اشتريت ورهنت. فقوله بشرط أن ترهنني هل ينزل منزلة قوله بعت منك بألف وارهنِّي ثوبَك؛ فيه تردُّدٌ. والأصح في القياس ما ذكره القاضي. وإن كان الأشهر غيره. فصل قال: " ولا معنى للرهن حتى يكون مقبوضاً ... إلى آخره " (١). ٣٥٢٤ - لا يلزم الرهن دون القبض، خلافاً لمالك (٢) ﵀ وهذا الخلاف مطرد معه في الهبة والعارية المؤقتة. والتأجيل في القرض واعتبار الرهن بالهبة قريب؛ من قِبل أن كل واحد منهما تبرع، والمتبرع قد يتعرض للندم، والمعاوضات تبعد عن إمكان الندم. ثم جعل الشارع لما ذكرناه من توقع الندم منتهى ومَردّاً، وهو القبض، ولسنا نتمسك بهذا المعنى تمسك من يقصد الاستقلال به، بل مقصودُنا تشبيه الرهن بالهبة، وهو ظاهر. ثم المعتمد في الهبة حديمث لأبي بكر ﵁ في ذلك، سنذكره في كتاب الهبات، إن شاء الله تعالى. ثم قال الشافعي: " حتى يكون مقبوضاً من جائز الأمر حين رهَنَ، وحين أقبض ... إلى آخره " (٣).

стр. 2962

٣٥٢٥ - أما اشتراط الاستقلال والاتصاف بشرائطه عند العقد وعند القبض، فبيّن لا إشكال فيه، وإنما الكلام فيه إذا تخللت أحوال بين العقد وبين القبض، ثم فرض زوالها، فهل يُقضى بارتفاع العقد وانفساخه؟ أم كيف الكلام؟ الذي يقتضيه الترتيب أن نذكر موت الراهن، أو موت المرتهن بين العقد والقبض، نص الشافعي على أن الرهن يسلم إلى ورثة المرتهن، وهذا تصريح منه بأن الرهن لا يبطل بموت المرتهن قبل القبض. وحكى بعض أصحابنا نصّاً أن الراهن لو مات قبل الإقباض، بطل الرهن. ثم اختلف الأئمة: فمنهم من جعل في موت الراهن والمرتهن قبل القبض قولين: أحدهما - أن الرهن يبطل بموت كل واحد منهما؛ فإنه على حقيقة الجواز قبل القبض، والعقود الجائزة تنفسخ بموت أحد المتعاقدين في أثناء الجواز، والذي يحقق ذلك أن القبض فيما يشترط القبض فيه يقع موقع أحد جوابي البيع وغيره؛ فإنه ركن في تحصيل مقصود العقد. والقول الثاني - لا يبطل العقد بموت كل واحد منهما؛ فإن مصير العقد إلى اللزوم على الحد المعلوم، فكان الموت قبل القبض كموت أحد المتعاقدين في زمان الخيار. ومن أصحابنا من قال: يبطل الرهن بموت الراهن قبل القبض، ولا يبطل بموت المرتهن. والفارق أن الراهن ربما يموت وعليه ديون مستغرقة، فإذا لم يلزم الرهن بالقبض، فالوجه انقطاع الرهن، وتقديم الحقوق اللازمة. وإن لم يكن ديون، فلا نظر إلى هذا، بل النظر إلى إمكانه. قال الشيخ أبو محمد: السديد في ذلك أن نقول: إن مات الراهن وخلَّف ديوناً مستغرقة، فلأصحاب الديون المنعُ من تخصيص المرتهن بشيء. لا يجوز خلاف ذلك. فأما إذا لم تكن ديون مستغرقة، أو كانت، ورضي الغرماء بالتخصيص وإنفاذ الرهن؛ فإذ ذاك يختلف الأصحاب. ٣٥٢٦ - والمذهب الظاهر أن الرهن لا يبطل بموت المرتهن، ولا بموت الراهن، لما ذكرناه من أن العقد مصيره إلى اللزوم، والعقود الجائزة التي تنفسخ بالموت

стр. 2963

فمستندها أمر وقول لا لزوم له، فإذا مات القائل، انقطع أثر قوله، كالجِعالة (١)، والوكالة. ولهذا قال المحققون: لا يشترط القبول في الجِعالة والوكالة، فإذا آل سبب الانفساخ إلى انقطاع قول القائل، تضمن الموتُ لا محالة الانفساخَ. والرهنُ عقدٌ تام يشير إلى مقصود يتوقف لزومه على القبض، فكان هذا يقتضي أن يبقى العقد على صفته بعد العاقدين. وبعد موت أحدهما. التفريع: ٣٥٢٧ - إن حكمنا أن الموت لا يُبطل الرهن، فلو فرض طريان الجنون، فهو أولى بأن لا يبطله. ثم إن جُن المرتهن، نصب القاضي قيماً يقبض الرهنَ إن ساعده عليه الراهن. وإن جُن الراهن، نظر القيم في صلاح الأمر، فإن رأى الأصلحَ له أن يقبض أقبض، وإن رأى الأصلح في الفسخ، فسخ. وإن قلنا: طريان الموت يتضمن انفساخ الرهن، ففي طريان الجنون وجهان، وسنذكر تفصيل الجنون والإغماء، وما في معناهما، إن شاء الله . وإن طرأ السفه بين العقد والقبض، فاقتضى طريانه عود الحجر أو إعادته، فإذا طرأ (٢) الحجرُ، ففي انفساخ الرهن خلافٌ مرتب على الجنون، وهذا أولى بأن لا ينفسخ الرهن فيه؛ لأنه بالسفه لم يخرج عن أن يكون من أهل العبارة لو أُذن له فيها، واستقصاء ذلك في كتاب الوكالة، إن شاء الله تعالى. فرع: ٣٥٢٨ - إذا باع الراهن الرهن قبل القبض، أو وهب، أو أصدق، أو أعتق، فكل ذلك يصح منه، ويكون رجوعاً في الرهن. فأما إذا أجَّر المرهون قبل القبض، أو زوج الجارية: أما التزويج قبل القبض، فإنه لا يكون رجوعاً في الرهن؛ فإن التزويج لا يرِد على مورد الرد (٣)، ولا يمتنع رهنُ المزوَّجة ابتداء. وأما الإجارة، فإن قلنا: لا يمتنع رهن المُكرَى وبيعُه، فهو كالتزويج. وإن

стр. 2964

قلنا: يمتنع رهنُ المكرَى، الأصح أن الإجارة تكون رجوعاً. ومن أصحابنا من لم يجعلها رجوعاًً على هذا القول. وهو بعيد. ولو دبر العبدَ قبل القبض، فالمنصوص أن ذلك رجوع عن الرهن، وخرَّج الرّبيعُ قولاً آخر أنه لا يكون رجوعاًً، وهذا منقاس؛ إذ بيع المدبَّر جائز عندنا، وهذا كاختلاف القول في أن المدبر هل يجوز رهنه. ولو دبر عبداً، ثم رهنه، ففيه كلام يأتي بعد هذا على قرب. وكل ذلك ينشأ من نصّ الشافعي: في أن من أصدق امرأته عبداً، فدبرته، فطلقها الزوج قبل المسيس، فهل يرجع في نصف المدبر؟ فيه كلام سيأتي، إن شاء الله . وسأجمع -بتوفيق الله- مراتب الكلام في الرجوع في كل فن يقبل الرجوع، في باب الرجوع عن الوصايا. وقد قدمت طرفاً منه في أول البيع. فصل قال: " وما جاز بيعه جاز رهنه ... إلى آخره " (١). ٣٥٢٩ - قال الأصحاب: الأشياء في البيع والرهنِ على أربعة أقسام: أحدها - ما لا يجوز بيعه، ولا يجوز رهنه ككل ما لا يُملَك، وكالموقوف، وأم الولد، والآبق، وما لا يتمول. والقسم الثاني - ما لا يجوز رهنه، وفي بيعه تفصيل، ومنه الدين، فإنه لا يجوز رهنه وفي جواز بيعه خلاف، وقد يلتحق بهذا القسم المدبر والمعلق عتقُه بصفةٍ، فإن بيعهما نافذ، وفي رهنهما كلام سيأتي. والقسم الثالث - ما يجوز رهنه على وجه، وفي بيعه خلاف، ومنه العقد على الأم دون الولد، وعلى الولد دون الأم. هذا جائز في الرهن، وفي البيع كلام. والقسم الرابع - ما يجوز بيعه ورهنه، وهو معظم الأعيان المملوكة على الإطلاق. وسنلحق بكل قسم ما يليق به في مسائل الكتاب، والذي ذكرناه الآن تراجم.

стр. 2965

وغرض الشافعي بما قال تجويز رهن المشاع، وهو مذهبنا، والخلاف فيه مع أبي حنيفة (١) مشهور. ثم إذا جرى الرهنُ في المشاع، فالقبض فيه يتأتى بتسليم كله، ثم يرتد إلى المالك النصفُ الذي لم يرهن على مهايأة ومناوبةِ، ولا يمتنع صحة الرهن. وإن كان القبض يتبعض بحكم الشيوع. ونحن قد نبعض القبض لتوفير المنافِع على الراهن، على ما سيأتي ذلك، إن شاء الله . فصل قال: " ويجوز ارتهان الحاكم، وولي المحجور عليه، ورهنهما عليه في النظر له ... إلى آخره " (٢). ٣٥٣٠ - صوّر الأئمة من ولي الطفل الارتهانَ للطفل، وصوروا منه أيضاًً رهن مال الطفل، واتفقوا على الجملةِ أن الرهن والارتهان منه متقيد بشرط الغبطة، ورعاية المصلحة. اتفق العراقيون على أن الأب ليس له أن يبيع شيئاًً نسيئةً من مال الطفل، ولو باع بأضعاف الثمن من مليء وفي إلى أجلٍ قريب، ولم يرتهن شيئاً ولكن وثق بيسار المشتري وانتظام حاله، وزعموا أن هذا تغريرٌ بمال الطفل، ورفعٌ للملك واليد عنه لا في مقابلة عوض ناجز. وهذا الذي ذكروه لم أر في طرقنا ما يخالفه على التصريح، ولكن في معاني طرقنا ما يجوِّز ذلك، وليس بيع ماله نسيئة من غير رهن بأكثر من الإبضاع بمال الطفل، وقد ذكرنا في تجارة الوصي في مال اليتيم أن ذلك جائز، ومعظم الأرباح ونماء التجاير يقع في النسايا (٣).

стр. 2966

أما البيع نسيئة مع الارتهان، فجائز لا منع فيه على الجملة، على شرط رعاية الغبطة. ٣٥٣١ - وها نحن نفصلها بالمسائل. فنذكر الارتهان للطفل، ثم نذكر رهن مال الطفل، فأما الارتهان للطفل، فقد يفرض في بعضِ المواضع نظراً محضاً، فالوجه القطع بنفوذه، وذلك إذا أتلف رجل مالاً من أموال الطفل، والتزم قيمتَه، فإذا رهن بما لزمه للطفل مالاً، فلا شكّ في صحة الرهن؛ فإنه يقع محض فائدة (١) مجرّدة للصَّبي؛ فإنه يتوثق دينُه إلى اتفاق القضاء وليس عليه من الارتهان غرر ولا ضرر. ومن صور الارتهان للطفل أن الولي إذا رأى أن يبيع شيئاًً. من ماله نسيئة على أن يرتهن، والبيع على شرط الغبطة، فالرهن صحيح. والعراقيون لما قطعوا بمنع البيع نسيئة، قيدوا القطع في المنع بما إذا لم يكن بالثمن رهن. فأمّا إذا كان به رهن واقترنت المصلحة بالمعاملة، فلا مانِع من الجواز. وإذا كان الولي يخاف النهب والغارة فرأى إيقاع مال الطفل في ذمة مليء وفيّ على أن يرتهن له، كان ذلك جائزاً. ولو باع مالَه نسيئة بمثل ما يُشترى به نقداً وارتهن، فالبيع باطل، والارتهان فاسد؛ فإن ثبوت الرهن موقوف على ثبوت مرهون به، فإذا لم يثبت، لم يصح الرهن. ثم إذا قبض الرهن على الفساد، فهو أمانة. هذا من الأصول المتفق عليها؛ فإن ما لا يقتضي ضماناً إذا صح، ففاسده لا يقتضي الضمان، على ما سيأتي ضبط أمثال ذلك. وكذلك لو أقرض مال الطفل، لا في نهب ولا عند إرهاق حاجة، فالإقراض فاسد. ثم إذا أفسدنا المعاملة على مال الطفل، فالعين مُتَّبعةٌ أينما صودفت، وإن تلفت في يد المشتري أو المستقرض، توجّه الضمانُ عليه، والضمان على كل حال متوجه على الولي لتفريطه، ورفعه اليدَ عن مال الطفل لا على جهة الغبطة. فهذا تفصيل الصور التي يجرى فيها الارتهان للطفل.

стр. 2967

٣٥٣٢ - فأما رهن مال الطفل، فهو إيقاع طائفة من ماله في حَجْر الرهن، ولا يجوز هذا إلا بغبطةٍ ظاهرة عريّة عن الغرر، أو حاجة ماسَّة على ما سنصف المسائل الآن. فأمّا الحاجة: فإذا مست حاجة الطفل إلى ما يصرف إلى نفقته، وكان ماله عقاراً، فضن الولي بالعقارِ، ولم ير بيعه واستمكن من استقراض شيء يُتزجَّى (١) به، ولم يُبْعِد أن يتأدى ذلك الدين من رَيْع الضيعة، ولكن لا يتمكن من هذا إلا برهن ذلك العقار، فهذا جائز، وظهور المصلحة فيه بيّن. هذا بيان الحاجة. فأما الغبطة: فإذا رأى الولي شيئاً يباع بألفٍ نسيئة. وكان يساوي ألفين، ولكن كان لا يستمر الأمر إلا برهن شيء يساوي ألفاً من مال الطفل، فالولي يفعل ذلك؛ فإنه يتنجز فائدةَ الطفل، وليس عليه غرر؛ فإن الرهن لو تلف وأدى الولي ألفاً، لم يخسر الطفل شيئاً؛ فإن المشترَى يساوي ألفين. وبمثله لو كان لا يقنع في هذه المعاملة إلا برهنٍ يساوي ألفين، فلا غبطة؛ من جهة أن الحيلولة تقع ناجزة بين التصرف للطفلِ، وبين الرهن في الحال، ويجب بذل ألف في ثمن السلعةِ، فإذا بذل الألف وفُرض التلف في الرهن، فالثمن وقيمة المرهون ثلاثة آلاف، والحاصل للطفل من المعاملة ألفان. فإن قيل: العين المرهونة كانت تتلف أيضاً لو بقيت في يد الطفلِ غير مرهون. قلنا: نعم ولكن انتجز منعُ التصرف فيه، ولو كان التصرف سائغاً لكان ربما يسبق التصرف، فآل المنعُ إلى تنجيز الحجر وضم الثمن. قال شيخي أبو محمد لو كان المرهون بحيث لا يتلف في مطّرد العادة كقراح من الأرض، فهذا فيه احتمال؛ من جهة أن الزيادة حاصلة في قيمة المبيع، وتحصيل الزيادة تنجيزُ ملك له على مقابلة حجر في الحال، والتسبب إلى رفعه بأداء الثمن

стр. 2968

قريب. وهذا الذي ذكره محتمل حسن؛ فإن الذي حقق الغرر تقدير تلفِ المرهون أمانة، كما سبق التصوير فيه. والذي ذكره شيخنا وإن كان منقاساً، فهو على خلاف ظاهر المذهب. هذا تفصيل القول في الارتهان للطفل، وفي الرهن من ماله. ٣٥٣٣ - وذكر العراقيون وجهاًً بعيداً أخرته حتى لا ينتظم في ترتيب المذهب: وذلك أنهم قالوا: ذهب بعض أصحابنا إلى أن بيع مال الطفل نسيئةَ قط لا يجوز، وإن فرض التوثق بالرهن، والتشوف إلى الغبطة الظاهرة، وإنما يجوز التأجيل في بعض الثمن إذا نقد من الثمن قيمةَ السلعة، يعني القيمة التي تشترى بها نقداً، وذلك إذا كانت السلعة تساوي مائة نقداً، ومائة وعشرين نسيئة فباع الولي بمائة وعشرين، مائة منها نقداً وعشرون نسيئة وبالعشرين رهن. قال هذا القائل: لا تجوز النسيئة إلا كذلك في بعضٍ من الثمن. وهذا بعيد لا أصل له، ولا ينتظر هذا عاقل. ثم اشتراط الرهن في الفاضل من القيمة المنقودة خارج عن قياس المعاملات؛ فإن تيك الزيادة لو لم تحصل، لم يضع بتعذرها شيء من مال الطفل، فلا أصل لهذا الوجه. والتعويل على ما رتبناه في الارتهان والرهن. ٣٥٣٤ - ثم قال المعتبرون من أئمة المذهب: تصرف المكاتب في الرهن والبيع بنسيئة كتصرف الولي للطفل؛ فإن تصرف المكاتب -إذا لم يشتمل على تركِ النظر- مُطلق لهُ وأقصى النظر المرعي ما نأمر به الأولياء في حق الطفل. وذكر العراقيون والشيخ أبو علي وجهاً آخر أن المكاتب لا يبيع نسيئة، على الاستقلال، وهو على كل حال في حقه معدود من التبرعات، سواء ارتهن أو لم يرتهن. والولي في مال الطفل أبسطُ يداً من المكاتب وعليه حجرُ الرق، فإذاً بيعه نسيئة على هذا الوجه ملحق بتبرعاته. فإن استقل، لم ينفذ، وإن استأذن السيد، فعلى قولين قياساً على سائر تبرعاته. ولو رهن المكاتب حيث ينفذ رهن الولي [في مال الطفل، ففي رهنه من الكلام

стр. 2969

ما في بيعه نسيئة. فالذي ذهب إليه أهل التحقيق أنه ينفذ رهنه حيث ينفذ رهن الولي] (١). وفي المسألة وجه آخر حكَوْه: أن رهنه تبرع، ولا يخفى حكم تبرعه. ثم إن قلنا: لا ينفذ الرهن من المكاتب، ففي نفوذه من العبد المأذون وجهان؛ من جهة أن الرهن في نفسه حجر، وليس من عقود التجارة. وهذا يقرب من الاختلاف الذي ذكرناه في أن العبد هل يملك إجارة الرقاب التي يتصرف فيها؟ ووجه التشبيه أن الإجارة والرهن ليس من عين التجارة، وهو مأذون له في التجارة. فصل قال: " ولو كان لابنه الطفل عليه حق ... إلى آخره " (٢). ٣٥٣٥ - ما قدمناه من رهن مال الصبي على شرط الغبطة، ومن الارتهان له، يستوي فيه الأب، والقيم الأجنبي، والوصي، فلا خلاف في وجوه التصرّفات ووجوه النظر. وإنما خالف الولي الوصيَّ فيما قدمناه في كتاب البيع من حمل ظاهر تصرف الولي على المصلحة، وعلى من يدعي خلافَها الحجةُ، والوصي يطالب بإقامة الحجة على رعاية المصلحة. وهذا الفصل يختص مضمونه بالأب والجد، فإذا كان لابنه الطفل عليه دين، فارتهن مال نفسه لطفله بالدين الذي للطفل عليه، جاز هذا. ولو ارتهن مال الطفل من نفسه حيث يجوز له أن يرهنه من غيره، فيصح، ولا يأتي هذا في الوصي والقيّم والحاكم؛ فإن هؤلاء لا يتولَّوْن طرفي العقد. ثم إذا باع الأب من نفسه مال طفله، أو باع من طفله مال نفسه، أو رهن منه أو ارتهن له، فهل عليهِ أن يأتي بشقي العقد الإيجاب والقبول؛ أم يكفيه الإتيان بأحد

стр. 2970

الشقين؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - لا بد من أن يقول: رهنت وارتهنت، وبعت واشتريت، أو بعت ورهنت، وقبلت؛ لأن العقد استقلاله بركنيه وبهما كان عقداً. والثاني - يكتفى بأحد الشقين، والتعيين إلى اختيار الولي؛ فإن التواجب تخاطب، وهذا لا ينتظم من الشخص الواحد، فيكفي الإثبات بشق لرسم العقد، والتنصيص عليه. وإذا اكتُفي بعاقد واحد لم يبعد الاكتفاء بلفظ واحد. وإذا باع الأب من طفله أو ابتاع من ماله، ففي ثبوت خيار المجلس خلاف: من أصحابنا من قال: لا يثبت؛ فإن المجلس منتهاه التفرق وهو بين شخصين. ومنهم من أثبت خيار المجلس. ثم اختلف هؤلاء، فقال بعضهم: ينقطع الخيار بمفارقة مجلس العقد. وقال آخرون: لا ينقطع الخيار إلا أن يختارَ إلزام العقد، ويقطعَ الخيارَ لفظاً؛ فإنه في مقام البائع والمشتري، فمفارقته المجلس كاصطحاب المتعاقدين ومفارقتهما المجلس. وإذا رهن من طفله أو ارتهن من مال طفله، فهل يحتاج إلى إجراء قبض؟ الكلام فيه كالكلام فيما إذا رهن الوديعة عند المودعَ، وسيأتي ذلك في فصلٍ، فإذا استقصيناه، أعدنا القول في الأب. فصل قال: "وإذا قبض الرهنَ، لم يكن لصاحبه إخراجُه من الرهن ... إلى آخره" (١). ٣٥٣٦ - إذا رهن شيئاً وألزم الرهنَ بالإقباض، تأكدت الوثيقة، ولا فكاك إلا بسقوط الدين إما بالأداء وإما بالإبراء، أو بفسخ المرتهن الرهنَ؛ فإن الرهن جائز في حقه. أما الراهن، فلا يجد سبيلاً إلى الفِكاك ما بقي الدين، فلو أدى معظمَ الدين، لم ينفك من الرهن شيء، ما بقي من الدين حبة، أو أقل، ولا يتوزع الدينُ على قيمة

стр. 2971

المرهون؛ حتى يقال: إذا أدى بعضاً، فك من الرهن بقسطه. وإذا أثبتنا حق الحبس للبائع، فلو أدى المشتري بعض الثمن، فالذي اختاره الأئمة أنه لا يستحق تسليمَ شيء من المبيع إليه ما لم يوفِّ الثمنَ بكماله، والمحبوس في هذا الحكم بالثمن كالمرهون المحبوس بالدين. ولو كان لرجل على رجلين دين عن جهة واحدةٍ، أو جهتين، فرهنا بما عليهما عبداً مشتركاً عند مستحِق الدين، وأقبضاه إياه، فإذا أدى أحدُهما ما عليه من الدين، انفك الرهنُ في حصته؛ إذ لا تعلّق لرهنه نصيبَه برهن صاحبه. ولو وكلا وكيلاً حتى رهن عبدهما المشترك من مستحِق الدين، فإن علم المرتهن صورةَ الحال، فالأمر على ما تقدم. ولا يختلف الأمر باتحاد الوكيل. وقد ذكرنا تردد الأصحاب في اتحاد الوكيل وتعدده في البيع والشراء، وأن الاعتبار في تعدد الصفقة بالوكيل المباشر للعقد أم بالموكل، هذا ذكرناه على الاستقصاء في كتابِ البيع في الفصل المشتمل على شراء رجلين عبداً من رجل، أما الرهن، فلا أثر فيه للوكيل، والنظر إلى الموكل؛ إذ ليس الرهن عقد ضمان حتى ينظر فيه إلى من تولاه، بخلاف البيع. ولو جرى الرهن والاقتراض من شخص واحد، ولم يشعر المقرِض المرتهن بكون المستقرض الراهن وكيلاً، ثم تبين أنه وكيل شخصين في الاقتراض والرهن، فالمذهب الأصح في هذه الصورة أن أحد الموكِّلين إذا أدى الدين، انفك الرهن في حصته. ومن أصحابنا من قال: إذا جرى الرهن على ظن أن المتعاطي هو صاحب الأمر، لم يحصل الانفكاك في شيء ما بقي من الدين شيء. وهذا غريب. ولكن حكاه صاحب التقريب قولاً وكرره، في مواضع. ومثل هذا القول يشوّش قاعدة [المذهب، فحق الناظِر أن يكتفي بمعرفته، ولا يعتده من أصل] (١) المذهب.

стр. 2972

فرع: ٣٥٣٧ - إذا رهن رجل عبداً من رجل بألف درهم، ومات الراهن، وخلف ابنين؛ فأدى أحدُهما حصته، وهو خَمسمائة، فهل ينفك الرهن في نصف العبد؟ ذكر صاحب التقريب قولين (١): أحدهما - ينفك، كما لو كان الراهن في الابتداء اثنين. وهذا ضعيف لا أصل له. والقول الثاني - أنه لا ينفك من الرهن شيء ما بقي من الدين شيء، وهذا ما قطع به الإمام والمحققون؛ فإن الرهن في الابتداء اقتضى وثيقةً على وجهٍ، فلتدم تلك الوثيقة. وإنما ينقدح القولان في فك تعلّق التركة، فإذا مات رجل وعليه دين متعلق بتركته، فإذا أدّى أحد الوارثين لحصته، فانفكاك تعلق الدين بحصته لا يبعد أن يخرج على قولين مبنيين على أن أحدهما لو أقر بالدين، وأنكر الثاني، فهل يلزم المقر تأدية الدين من حصته من التركة؟ فيه قولان مشهوران، كما سنذكرهما في كتاب الأقارير. فأما وثيقة أثبتها شخص واحد على قضية، فيبعد أن تزول تلك القضية بموته، وتعدد ورثته، ولهذا التفاتٌ على موت السّيد المكاتِب وتخليفه ورثة، وأداء المكاتَب حصةَ بعضهم. والقول في هذا طويل. فصل قال: " ولو أكرى الرهنَ من صاحبه أو أعاره أياماً، لم ينفسخ الرهن ... إلى آخره " (٢). ٣٥٣٨ - اختلف الأصحاب في صورة المسألة: فمنهم من قال: صورة المسألة أن يكتري الراهن المرهونَ من المرتهن، لأن الإكراء إنما يصح منه؛ إذ هو المالك والمستحِق للتصرف في المنفعة، فعلى هذا يسمَّى المرتهن صاحبَ الرهن بماله من حق الحبس. وقصد الردَّ على أبي حنيفة (٣) حيث قال: الرهن والكراء لا يجتمعان.

стр. 2973

وإذا أجزنا، فآخرهما ينقضُ (١) أولهما. ومن أصحابنا من قال: صورة المسألة أن يكري المرتهن المرهون من الراهن، ويُقبضه على اعتقاد الإجارة، فلا شكّ أن الإجارة فاسدة؛ فإنها ليست صادرة عن استحقاق، ولكن الغرض أَن المرهون وإن رجع إلى يد الراهن، فلا يُقضى بانفساخ الرهن، وإن كان العود إلى يده برضا مستحِق اليد، وهو المرتهن. ومن أصحابنا من صور إجارةً تصح من المرتهن لينتظم كلامُ الشافعي، فقال: لو أكرى رجل عبداً من رجل، ثم إنه رهنه منه، فالعقدان ثابتان، والمرتهن يتصرف في المنافع؛ فإنه مستحقها بالإجارة السابقة. فإذا أجر ذلك العبدَ من الراهن ففي صحة الإجارة وجهان، سيأتي ذكرهما في كتاب الإجارة. وسبب الخلاف كون المستأجر مالكاً للرقبة، فهذه صورة الإجَارة الصحيحة على وجه. وغرضُ الفصل أن الرهن لا يبطل برجوع العين إلى يد الراهن. فصل قال: " ولو رهنه وديعةً له في يده ... إلى آخره " (٢). ٣٥٣٩ - إذا أودع رجل عيناً عند رجل، ثم إن مالك العين رهنها من المودَع، فالذي نص عليه هاهنا أنه لا بد في القبض من إذنٍ، ونفسُ عقد الرهن مع ثبوت اليد للمرتهن، لا يكون متضمناً إذن في القبض. ونص على أنه لو وهبَ شيئاً وهو في يد المتهب، صار مقبوضاً من غير إذنٍ جديد. ونصه هذا يخالف نصَّه في الرهن، فاختلف أصحابنا على طريقين: فمنهم من جعل في المسألة قولين بالنقل والتخريج أحدهما - لا يشترط الإذن في القبض، لا في الرهن، ولا في الهبة؛ فنفس العقد إذا صادف اليدَ من المرتهن والمتهب، كان

стр. 2974

متضمنا إذناً في القبض. والقول الثاني - وهو القياس أنه لا بد من الإذن في القبض في المسألتين؛ فإنه لم يَجْر له تعرض، واليدُ السابقة كانت يدَ وديعة أو يداً عن جهة أخرى. ومن أصحابنا من أقر النَّصين في الرهن والهبة قرارَهما، وشرط الإذن في القبض في الرهن، ولم يشترط ذلك في الهبة. وفرق بينهما بالقوة والضعف، فالهبة مملِّكة والرهن مقصوده إثباتُ اختصاص. فإن قلنا: لا بد من الإذن، فالعقد قبل الإذن على الجواز، وهو رهن غير مقيدٍ بالقبض، وإذا جرى الإذن، لم يحصل القبض بمجرد الإذن أيضاً، حتى يمضي من الزمان ما يتأتى فيه القبض، وهو زمان يسع الرجوع إلى موضع الوديعة. وعلة هذا أنا نريد أن نجعل دوام اليد كابتداء القبض بالإذن، ولا أقل من أن يجري زمنٌ يُتصوّر فيه ابتداء القبض لو أُريد ذلك. وإن جعلنا نفسَ العقد إذناً في القبض، فلا بد وأن يمضي من وقت العقد زمان يسع إمكان الإقباض بتقدير الرجوع إلى المكان الذي به العين. وقد اتفقت الطرق على اعتبار الزمان. قال الشافعي: " لو كان في المسجد والوديعةُ في البيت، لم يكن قبضاً حتى يصير إلى منزله الذي هو فيه " (١). فإذا ثبت اعتبارُ مضي الزمان، فهل يشترط حقيقةُ الرجوع من القابض، ومعاينة العين، فعلى وجهين: أحدهما - لا يشترط ذلك، بل يكتفى بمضي زمان إمكان الرجوع؛ فإن الأمر مبني على استدامة، لا على ابتداء فعل. والذي يليق ثَمَّ بالاستدامة الاكتفاء بزمان الرجوع. والوجه الثاني - أنه لا بد من الرجوع حتى يصير الدوام مع الثقة بوجود العين بمثابة افتتاح إقباض. ونصُّ الشافعي دليل عليه؛ فإنه قال: " لو كان في المسجد والوديعةُ في البيت، لم يكن قبضاً حتى يصير إلى منزله ".

стр. 2975

وذكر بعض أصحابنا وجهاًً ثالثاً، فقال: إن كانت العين مأمونةَ التلف، فلا حاجة إلى الرجوع والمعاينة، وإن كان لا يأمن تلفه، فلا بد من الرجوع والمعاينة. ثم ما ذكرناه من الأمر يُكتفى فيه بغلبةِ الظن، ولا يشترط اليقين في ذلك. قال العراقيون: هذا هو المذهب. عنَوْا مضيَّ الزمان وحَكَوْا عن حرملة من أصحابنا: أنا إذا لم نشترط إذناً، فلا نشترط مضيَّ مدة أيضاًً، ولكن يتم القبض بنفس العقد ولفظه حكماً. فظاهر ما نقلوه عن حرملة سقوطُ اعتبار الزمان على قولنا: أنا لا نشترط إذناً في القبض. ومقتضى نقلهم أنه يوافق الأصحابَ على قول اشتراط الإذن، ويعتبر مضي الزمان من وقت الإذن. وقياس مذهبه إسقاط اعتبار الزمان بعد الإذن، كما يسقط اعتباره بعد العقد إذا لم يشترط الإذن. ٣٥٤٠ - ومن تمام التفريع على المذهب المشهور أنا إذا اشترطنا الرجوعَ إلى مكان العين، فهل يشترط أن ننقلها من مكان إلى مكان، كما يقع مثله قبضاً وإقباضاً بين اثنين؛ فعلى وجهين: أحدهما - لا بد منه، لتثبت صورة القبض. وكأن هذا القائل ليس يقنع بدوام اليد. وهذا ضعيف؛ فإنه إن كان يشترط إجراء قبضٍ، فكيف يكون الشخص الواحد قابضاً مقبضاً؛ وقد ذكرنا ما فيه من مسائل القبض في كتاب البيع. ثم استكمل التفريع الشيخ أبو علي (١) فقال: إذا ثبت أنه لا بد في القبض من انقضاء زمان بعد الإذن، ولا بد من الإذن، فابتداءُ المدة من وقت الإذن، فلو كان الكلام في مبيع، فهو قبل انقضاء المدة في ضمان البائع لو تلف، ولو تلف بعد المدة، فهو من ضمان المشتري. وإذا شرطنا الإذن في القبض في الرهن والهبة؛ فيصح الرجوع عن الإذن قبل انقضاء المدة. ولو انقضت المدة، ولم نشترط الرجوع إلى عينه، لم يؤثر رجوعه عن الإذن. وكل ذلك بيّن. ولكني أحببت نقلَه منصوصاً لإمام.

стр. 2976

وتمام بيان الفصل في شيء: وهو أنا إذا جعلنا نفسَ العقد منهما إذناً في القبض، فهل يملك العاقد الرجوعَ قبل مضي الزمانِ؟ فعلى وجهين أشار إليهما صاحب التقريب، وصرح بهما شيخي: أحدهما - أن الرجوع ممكن؛ إذ لا قبض بعدُ. والثاني - لا؛ فإن القبض صار ضمناً للعقد. ولعل حرملة قال ما قال عن هذا، حيث أسقط اعتبار الزمان على قول اشتراط الإذن. هذا كشف الغطاء في الفصل. ٣٥٤١ - ولم نتعرض فيما أجريناه للبيع والقبض فيه، وهذا أوانُ ذكرِه. وقد قطع الأئمة [في] (١) الطرق أنه لا حاجة إلى إذنٍ في القبض في البيع، بل إذا باع مالك الوديعةِ الوديعةَ من الموح، ومضى زمان يحتمل الرجوعَ، فقد استقر العقد، وانتقل الضمان. وفرّقوا بَيْن البيع، والهبة، والرهن، بأن قالوا: البيع مقتضاه وجوب الإقباض على الجملة، فإذا أورده المالك على يد المشتري فقد أوجب له القبضَ. والقبضُ لا يستحق قط على الراهن والواهب، بل وَضْعُ العقدين على وقوف القبض على اختياره. وهذا يتأكد بحصول الملك للمشتري، فإذا انضم ملكُه إلى دوام يده [و] (٢) ورد عليه العقد، تم الأمرُ. وعلى هذا ظهر خلاف بين الأصحاب في أن الزمان هل يعتبر بعد جريان العقد؟ فمنهم من قال: لا حاجة إلى الزمان مع تأكد الحال في اجتماع الملك واليد. ومنهم من قال: لا بد من اعتبار الزمان، كما ذكرناه في الرهن والهبة. هذا هو المسلك المشهور للأصحاب. وذكر الشيخ أبو علي في الشرح وجهاًً أن القبض لا يحصل، ولا يبطل حق البائع في حبس المبيع إذا أثبتنا له حقَّ الحبس، ما لم يأذن في القبض، أو يتوفر عليه الثمن

стр. 2977

من جهة المشتري. وهذا غريب. وإن كان قياسه على قبض الهبة والرهن واضحاً. ثم لو وفر الثمن على هذا الوجه الضعيف أو أذن البائع في القبض، ففي اعتبار الزمان ما ذكرناه من الخلاف. والذي ينقدح لنا في هذا: أنا إن لم نُحصل القبضَ حتى يتوفر الثمن، فينبغي أن تكون العين في يد المشتري بمثابة المبيع يقبضه قبل توفير الثمن، حتى لو فرض التلف، لجرى الأمر فيه كما أوضحناه في كتاب البيع. وهذا يلتفت على قبض الطعام المشترى مكايلة جزافاً. هذا منتهى البيان في أطراف الفصل. ٣٥٤٢ - وقد كنا وعدنا أن نذكر حكم قبض الأبِ إذا رهن من طفله، أو ارتهن من مال طفله. [فنقول: إن ارتهن من مال طفله، فاليد في مال طفله له؛ فهو كالموح، ولكن الترتيب في المودَع يتعلق بإذن المالك، والمرعيّ هاهنا قصد الأب. ثم الكلام بعد قصده في الزمان كما مضى. هذا إذا ارتهن من مال طفله] (١). فأما إذا رهن من الطفل فيرعى أن يقصد إقباضَه، وإقباضُه أن يقبض له. ثم القول في المدة وما يتصل بها كما مضى. ونجز الفصل على أبلغ وجه في البيان. فصل قال: " ولا يكون القبض إلا ما حضره المرتهن أو وكيله ... إلى آخره " (٢). ٣٥٤٣ - قبض المرهون مما يتطرق النيابة إليه. فإن قبض المرتهن بنفسه عند إقباض الراهن إياه، أو عند إذنه له في القبض فذاك. وإن وكل وكيلاً حتى يقبضه له، صح.

стр. 2978

وليكن ذلك الوكيل ممن يصح قبضُه، ولا تكون يده يدَ الراهن. هذا عقدُ الفصل. فلو وكل عبدَ الراهن، أو مدبَّره، أو أمَّ ولده، حتى يقبض، لم يحصل القبضُ بأيديهم؛ فإنها بمثابة يد المالك الراهن. ولو وكل مكاتَب الراهن، صح قبضُه، فإن يدَه مستقلة، وهو بمحل أن يعامل سيدَه. ولو وكل عبدَ الراهن المأذونَ في التجارة، فقد ذكر الشيخ أبو علي ثلاثةَ أوجه: أحدها - أن قبضه لا يصح. وهو الأصح؛ فإنه قِنٌّ لمالكه. والوجه الثاني - أنه يصح لانفراده بالتصرف والتزام العهد. والوجه الثالث - وهو اختيار الشيخ أنه إن لم يكن مديوناً، لم يصح قبضه للمرتهن. وإن كان مديوناً، صح ذلك؛ فإنه إذا أحاطت به الديون تُثبت له أحكاماً لا تثبت قبلها. قال الشيخ: لو اشترى المأذون شقصاً وسيده شريك في الدار، فإن لم يكن عليه دين، فلا شفعة للسيد؛ فإن الشراء وقع له، فلا فائدة في الشفعة، وإن كان عليه دين، فهل تثبت الشفعة للسيد؛ فعلى وجهين. وهذا بعيد عندي؛ من جهة أن الملك يقع له، ومن يمنعه من أداء الديون، وتخليص الشقص المشترَى لنفسه؟ ولعلِّي أعود إلى هذا في كتاب الشفعة. ولو وكل المرتهن صبياً بقبضه، فقبضُ الصبي باطل، ولا يلزم الرهن به. وقد ذكرنا طرفاً صالحاً منه في كتاب البيع. فرع: ٣٥٤٤ - ذكر العراقيون نصّين عن الشافعي فيه إذا قال الراهن للمرتهن: قد أذنت لك في قبض الرهن، فلم يقبضه. وقال المرتهن: قد قبضتُه. قالوا: قال الشافعي في موضعٍ " القول قول المرتهن "، وقال في موضع: " القول قول الراهن ". ثم قالوا: ليست المسألة على قولين، ولكنها على حالين، فحيث قال: " القول قول المرتهن "، أراد إذا كان الرهن في يده. وحيث قال: " القول قول الراهن "، أراد إذا كانت يدُه ثابتة على العين المرهونة. فرع: ٣٥٤٥ - إذا رهن المودِع الوديعة عند المودع، وقلنا: لا بد من الرجوع إلى مكان الوديعة، فلو وكل وكيلاً حتى يرجع، ويشاهد، وينوب عنه، فهل يصح

стр. 2979

التوكيل في ذلك؟ أم لا بد من رجوع المرتهن بنفسه؟ فعلى وجهين: أحدهما - يصح التوكيل فيه، وهو الأصح، كالتوكيل في أصل القبض. والثاني - لا يصح؛ فإنه ليس قبضاً على الحقيقة، وإنما هو أمر حكمي، واليد للمودَع، فليكن الرجوع منه. ٣٥٤٦ - فرع متصل بقبض الصّبيان، وما يتلف في أيديهم، نقله بعض الأثبات من أجوبة القاضي عن مسائلِ الوقائع: سئل عن تلاعب الصبيان بالجوز فقال: إنه قمار، ولا حرج على الصبيان لعدم التكليف، وما يتلف في يد الصبي من جوز صبي فضمانه ثابت في مال الصبي الذي تلف في يده. فإن كان يلاعبهم بالغ، فما يتلف في يده من جوز الصبيان مضمون عليه، وما يتلف في أيدي الصبيان من جوزه، فلا ضمان؛ فإنه المفرِّط بتسليطهم على جوزه وإثبات أيديهم عليها. وإذا حصل في يد صبي جوزات صبي، وعلم بها القيم، أو الأب، ومن يلي بنفسه أو بتوليةٍ، فإذا لم ينتزعها، وجب الضمان على القيّم، أو الولي للتفريط. وإن علمت به أُمُّه، ولم تنتزعها، فالأصح أنه لا ضمان عليها؛ تخريجاً على أن الأم ليست وليّة، فسبيلها ولا نظر لها كسبيل الأجانب. ولا إشكال في شيء ممّا ذكرناه، وإنما المستفاد منه التسبب إلى تخريج مسألة مبنية على أصول هي أقطاب المذهب. فصل قال: " والأقرار بقبض الرهن جائز ... إلى آخره " (١). ٣٥٤٧ - إذا أقر المالك بالرهن والإقباض، حكم عليه بموجب إقراره. ولو قامت البينة على إقراره بالرهن والإقباض، فقال: قد أشهدت على إقراري [وما أقبضتُ] (٢) نُظر: فإن ذكر سبباً لا يستنكر وقوع مثله، مثل أن يقول: ظننت أني

стр. 2980

[أقبضتُ] (١)، فأقررت على موجب ظني، ثم تبينت خلاف ذلك، أو قال: اعتمدت كتاب وكيلٍ لي، ثم تبينت أنه مزور، أو قال: ظننت أن الإقباض بالقول صحيح، فبنيت إقراري عليه، أو قدمت الإشهاد على الصك والعرف جابى بمثله. فهذه جهات غير منكرة. فإذا ادَّعى شيئاً منها، واقتصر على دعواه هذه، لم يلتفت إليه، وقد جرى القضاء بالإقرار. وإن قال: حلّفوا المرتهن أنه قبض، فله تحليفه. ثم لا يخفى طريق فصل الخصومة عند عرض اليمين وفرض الحلف أو النكول. وإنما جوزنا تحليفه؛ لأن ما قاله ممكن، والمدعي يكتفي في ثبوت دعواه بإمكانها. وكيفما فُرض الأمر، فغايته أن يُسعَف بتحليف خصمه. ولو أنه أقر بالإقباض، ثم قال: كذبتُ فيما قلت. ولم يذكر جهة يستند إليها صَدَرُ إقراره ودعواه التي يدعيها بعده، فالذي قطع به المراوزة أنه لا يقبل منه على هذه الصيغة، ولا يملك تحليفَ خصمه وهذه صيغة لفظه. وذكر العراقيون هذه المسألة: وهي إذا كذّب نفسه صريحاً في إقراره السابق، وقالوا: ما صار إليه معظم الأصحاب أن له أن يحلِّف خصمه، ويحمل تكذيبه نفسَه على جهة من الجهات التي ذكرناها، لا على الكذبِ الصريح؛ فإن هذا ممكن. وقد ذكرنا أن الدعوى لا تعتمد إلا الإمكان. وهذا متحقق في التكذيب. قالوا: قال أبو إسحاق المروزي: ليس له في هذه الصورة أن يُحلِّف، وهذا الذي قطع به المراوزة. وكان شيخي أبو محمد يحكي عن شيخه القفال أن ما ذكره من ملك الدعوى والتحليف فيه إذا ثبت الإقرار في مجلس القاضي بالبينة. فأما إذا ادعى الخصمُ الرهنَ والإقباضَ، فاعترف في مجلس القضاء، ثم أراد أن يذكر لإقراره محملاً ويحلّف خَصمه عند ذلك القاضي، لم يكن له ذلك. وهذا تخييل عندي، فإنا إذا كنا نعتمد الإمكان، فينبغي أن يُكتفى به. نعم إن اتحد المجلس، فقد يتجه أن نجعل هذا بمثابة تكذيبه نفسَه، وإن قام من ذلك
следующие страницы →