← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

وتمام بيان الفصل في شيء: وهو أنا إذا جعلنا نفسَ العقد منهما إذناً في القبض، فهل يملك العاقد الرجوعَ قبل مضي الزمانِ؟ فعلى وجهين أشار إليهما صاحب التقريب، وصرح بهما شيخي: أحدهما - أن الرجوع ممكن؛ إذ لا قبض بعدُ. والثاني - لا؛ فإن القبض صار ضمناً للعقد. ولعل حرملة قال ما قال عن هذا، حيث أسقط اعتبار الزمان على قول اشتراط الإذن. هذا كشف الغطاء في الفصل. ٣٥٤١ - ولم نتعرض فيما أجريناه للبيع والقبض فيه، وهذا أوانُ ذكرِه. وقد قطع الأئمة [في] (١) الطرق أنه لا حاجة إلى إذنٍ في القبض في البيع، بل إذا باع مالك الوديعةِ الوديعةَ من الموح، ومضى زمان يحتمل الرجوعَ، فقد استقر العقد، وانتقل الضمان. وفرّقوا بَيْن البيع، والهبة، والرهن، بأن قالوا: البيع مقتضاه وجوب الإقباض على الجملة، فإذا أورده المالك على يد المشتري فقد أوجب له القبضَ. والقبضُ لا يستحق قط على الراهن والواهب، بل وَضْعُ العقدين على وقوف القبض على اختياره. وهذا يتأكد بحصول الملك للمشتري، فإذا انضم ملكُه إلى دوام يده [و] (٢) ورد عليه العقد، تم الأمرُ. وعلى هذا ظهر خلاف بين الأصحاب في أن الزمان هل يعتبر بعد جريان العقد؟ فمنهم من قال: لا حاجة إلى الزمان مع تأكد الحال في اجتماع الملك واليد. ومنهم من قال: لا بد من اعتبار الزمان، كما ذكرناه في الرهن والهبة. هذا هو المسلك المشهور للأصحاب. وذكر الشيخ أبو علي في الشرح وجهاًً أن القبض لا يحصل، ولا يبطل حق البائع في حبس المبيع إذا أثبتنا له حقَّ الحبس، ما لم يأذن في القبض، أو يتوفر عليه الثمن

стр. 2977

من جهة المشتري. وهذا غريب. وإن كان قياسه على قبض الهبة والرهن واضحاً. ثم لو وفر الثمن على هذا الوجه الضعيف أو أذن البائع في القبض، ففي اعتبار الزمان ما ذكرناه من الخلاف. والذي ينقدح لنا في هذا: أنا إن لم نُحصل القبضَ حتى يتوفر الثمن، فينبغي أن تكون العين في يد المشتري بمثابة المبيع يقبضه قبل توفير الثمن، حتى لو فرض التلف، لجرى الأمر فيه كما أوضحناه في كتاب البيع. وهذا يلتفت على قبض الطعام المشترى مكايلة جزافاً. هذا منتهى البيان في أطراف الفصل. ٣٥٤٢ - وقد كنا وعدنا أن نذكر حكم قبض الأبِ إذا رهن من طفله، أو ارتهن من مال طفله. [فنقول: إن ارتهن من مال طفله، فاليد في مال طفله له؛ فهو كالموح، ولكن الترتيب في المودَع يتعلق بإذن المالك، والمرعيّ هاهنا قصد الأب. ثم الكلام بعد قصده في الزمان كما مضى. هذا إذا ارتهن من مال طفله] (١). فأما إذا رهن من الطفل فيرعى أن يقصد إقباضَه، وإقباضُه أن يقبض له. ثم القول في المدة وما يتصل بها كما مضى. ونجز الفصل على أبلغ وجه في البيان. فصل قال: " ولا يكون القبض إلا ما حضره المرتهن أو وكيله ... إلى آخره " (٢). ٣٥٤٣ - قبض المرهون مما يتطرق النيابة إليه. فإن قبض المرتهن بنفسه عند إقباض الراهن إياه، أو عند إذنه له في القبض فذاك. وإن وكل وكيلاً حتى يقبضه له، صح.

стр. 2978

وليكن ذلك الوكيل ممن يصح قبضُه، ولا تكون يده يدَ الراهن. هذا عقدُ الفصل. فلو وكل عبدَ الراهن، أو مدبَّره، أو أمَّ ولده، حتى يقبض، لم يحصل القبضُ بأيديهم؛ فإنها بمثابة يد المالك الراهن. ولو وكل مكاتَب الراهن، صح قبضُه، فإن يدَه مستقلة، وهو بمحل أن يعامل سيدَه. ولو وكل عبدَ الراهن المأذونَ في التجارة، فقد ذكر الشيخ أبو علي ثلاثةَ أوجه: أحدها - أن قبضه لا يصح. وهو الأصح؛ فإنه قِنٌّ لمالكه. والوجه الثاني - أنه يصح لانفراده بالتصرف والتزام العهد. والوجه الثالث - وهو اختيار الشيخ أنه إن لم يكن مديوناً، لم يصح قبضه للمرتهن. وإن كان مديوناً، صح ذلك؛ فإنه إذا أحاطت به الديون تُثبت له أحكاماً لا تثبت قبلها. قال الشيخ: لو اشترى المأذون شقصاً وسيده شريك في الدار، فإن لم يكن عليه دين، فلا شفعة للسيد؛ فإن الشراء وقع له، فلا فائدة في الشفعة، وإن كان عليه دين، فهل تثبت الشفعة للسيد؛ فعلى وجهين. وهذا بعيد عندي؛ من جهة أن الملك يقع له، ومن يمنعه من أداء الديون، وتخليص الشقص المشترَى لنفسه؟ ولعلِّي أعود إلى هذا في كتاب الشفعة. ولو وكل المرتهن صبياً بقبضه، فقبضُ الصبي باطل، ولا يلزم الرهن به. وقد ذكرنا طرفاً صالحاً منه في كتاب البيع. فرع: ٣٥٤٤ - ذكر العراقيون نصّين عن الشافعي فيه إذا قال الراهن للمرتهن: قد أذنت لك في قبض الرهن، فلم يقبضه. وقال المرتهن: قد قبضتُه. قالوا: قال الشافعي في موضعٍ " القول قول المرتهن "، وقال في موضع: " القول قول الراهن ". ثم قالوا: ليست المسألة على قولين، ولكنها على حالين، فحيث قال: " القول قول المرتهن "، أراد إذا كان الرهن في يده. وحيث قال: " القول قول الراهن "، أراد إذا كانت يدُه ثابتة على العين المرهونة. فرع: ٣٥٤٥ - إذا رهن المودِع الوديعة عند المودع، وقلنا: لا بد من الرجوع إلى مكان الوديعة، فلو وكل وكيلاً حتى يرجع، ويشاهد، وينوب عنه، فهل يصح

стр. 2979

التوكيل في ذلك؟ أم لا بد من رجوع المرتهن بنفسه؟ فعلى وجهين: أحدهما - يصح التوكيل فيه، وهو الأصح، كالتوكيل في أصل القبض. والثاني - لا يصح؛ فإنه ليس قبضاً على الحقيقة، وإنما هو أمر حكمي، واليد للمودَع، فليكن الرجوع منه. ٣٥٤٦ - فرع متصل بقبض الصّبيان، وما يتلف في أيديهم، نقله بعض الأثبات من أجوبة القاضي عن مسائلِ الوقائع: سئل عن تلاعب الصبيان بالجوز فقال: إنه قمار، ولا حرج على الصبيان لعدم التكليف، وما يتلف في يد الصبي من جوز صبي فضمانه ثابت في مال الصبي الذي تلف في يده. فإن كان يلاعبهم بالغ، فما يتلف في يده من جوز الصبيان مضمون عليه، وما يتلف في أيدي الصبيان من جوزه، فلا ضمان؛ فإنه المفرِّط بتسليطهم على جوزه وإثبات أيديهم عليها. وإذا حصل في يد صبي جوزات صبي، وعلم بها القيم، أو الأب، ومن يلي بنفسه أو بتوليةٍ، فإذا لم ينتزعها، وجب الضمان على القيّم، أو الولي للتفريط. وإن علمت به أُمُّه، ولم تنتزعها، فالأصح أنه لا ضمان عليها؛ تخريجاً على أن الأم ليست وليّة، فسبيلها ولا نظر لها كسبيل الأجانب. ولا إشكال في شيء ممّا ذكرناه، وإنما المستفاد منه التسبب إلى تخريج مسألة مبنية على أصول هي أقطاب المذهب. فصل قال: " والأقرار بقبض الرهن جائز ... إلى آخره " (١). ٣٥٤٧ - إذا أقر المالك بالرهن والإقباض، حكم عليه بموجب إقراره. ولو قامت البينة على إقراره بالرهن والإقباض، فقال: قد أشهدت على إقراري [وما أقبضتُ] (٢) نُظر: فإن ذكر سبباً لا يستنكر وقوع مثله، مثل أن يقول: ظننت أني

стр. 2980

[أقبضتُ] (١)، فأقررت على موجب ظني، ثم تبينت خلاف ذلك، أو قال: اعتمدت كتاب وكيلٍ لي، ثم تبينت أنه مزور، أو قال: ظننت أن الإقباض بالقول صحيح، فبنيت إقراري عليه، أو قدمت الإشهاد على الصك والعرف جابى بمثله. فهذه جهات غير منكرة. فإذا ادَّعى شيئاً منها، واقتصر على دعواه هذه، لم يلتفت إليه، وقد جرى القضاء بالإقرار. وإن قال: حلّفوا المرتهن أنه قبض، فله تحليفه. ثم لا يخفى طريق فصل الخصومة عند عرض اليمين وفرض الحلف أو النكول. وإنما جوزنا تحليفه؛ لأن ما قاله ممكن، والمدعي يكتفي في ثبوت دعواه بإمكانها. وكيفما فُرض الأمر، فغايته أن يُسعَف بتحليف خصمه. ولو أنه أقر بالإقباض، ثم قال: كذبتُ فيما قلت. ولم يذكر جهة يستند إليها صَدَرُ إقراره ودعواه التي يدعيها بعده، فالذي قطع به المراوزة أنه لا يقبل منه على هذه الصيغة، ولا يملك تحليفَ خصمه وهذه صيغة لفظه. وذكر العراقيون هذه المسألة: وهي إذا كذّب نفسه صريحاً في إقراره السابق، وقالوا: ما صار إليه معظم الأصحاب أن له أن يحلِّف خصمه، ويحمل تكذيبه نفسَه على جهة من الجهات التي ذكرناها، لا على الكذبِ الصريح؛ فإن هذا ممكن. وقد ذكرنا أن الدعوى لا تعتمد إلا الإمكان. وهذا متحقق في التكذيب. قالوا: قال أبو إسحاق المروزي: ليس له في هذه الصورة أن يُحلِّف، وهذا الذي قطع به المراوزة. وكان شيخي أبو محمد يحكي عن شيخه القفال أن ما ذكره من ملك الدعوى والتحليف فيه إذا ثبت الإقرار في مجلس القاضي بالبينة. فأما إذا ادعى الخصمُ الرهنَ والإقباضَ، فاعترف في مجلس القضاء، ثم أراد أن يذكر لإقراره محملاً ويحلّف خَصمه عند ذلك القاضي، لم يكن له ذلك. وهذا تخييل عندي، فإنا إذا كنا نعتمد الإمكان، فينبغي أن يُكتفى به. نعم إن اتحد المجلس، فقد يتجه أن نجعل هذا بمثابة تكذيبه نفسَه، وإن قام من ذلك

стр. 2981

المجلس وعاد وأبدى عذراً، فيتجه تنزيل هذا منزلة ما لو أبدى عذراً في مخالفة الشهود. وإن أقام الفقيه لما يجري في مجلس القضاء مزية، واعتضد فيه بأمر يتعلق بخرم أبهة القضاء والغض من مجالس القضاة، وذلك أن الرجل إذا أقر بين يدي القاضي، ثم قال على الفور: كذبت أو أخطأت، فحلّف خصمي، فهذا مما لا يعتمد مثله. ولو فرض، لم نشك أن القضاة الأولين كانوا لا يسعفون بالتحليف، بل [ربما] (١) كانوا يرون ذلك لو وقع من مظانّ التأديب والتعزير. وكل هذا والمذكور إقرار. فأما إذا شهد عدلان على فعل الإقباض، فقال المشهود عليه للقاضي: حلّف خصمي، لم يجب إلى ذلك؛ فإنه كذبَ الشهودَ، وليس كذلك إذا شهدوا على الإقرار، فإنه في طلب التحليف ليس يكذِّب الشهود وإنما يجمع بين تقدير ذلك الإقرار وبين وجهٍ ممكن. وهذا معترِض في هذا الباب، واستقصاء أصله وتفصيله في كتاب الدعاوى. فصل قال: " والقبض في العبد والثوب ... إلى آخره " (٢). ٣٥٤٨ - أراد الشافعي أن يتكلم في طرف من كيفية القبض. وقد مضى استقصاء هذا في البيع، وبيّنا ثَمَّ ما يكون قبضاً في المنقول، وما يكون قبضاً في العقار. والذي يقع الاكتفاء به هاهنا أن ما يكون قبضا ناقلاً للضمان في البيع، فهو قبض في الرهن؛ فإن صور القبوض لا تختلف باختلاف المقاصد. قال القاضي: ذكرنا قولاً في كتاب البيع في أن التخلية في المنقولاتِ هل تكون قبضاً أم لا بدّ من النقل؟ وهذا لا يخرّج في الرهن والهبة؛ من جهة أن خروجه اتجه في البيع بكون القبض مستحقاً فيه، فإذا ارتفع حجر البائع -وهو مستحِق الحبس-

стр. 2982

بالتخلية، وانضم إليه ملك المشتري واستحقاقُه القبضَ، لم يبعد أن تكون التخليةُ كافيةً. وهذا المعنى لا يتحقق في الرهن والهبة؛ فإن القبض غيرُ مستَحق فيها. وهذا الذي ذكره حسن. ولكن صرح الأصحاب بذكر قولِ التخلية في الهبة والرهن؛ مصيراً إلى أن القبوض صورٌ، فلا تختلف باختلاف المحال. فصل قال: " ولو كان في يد المرتهن بغصبٍ ... إلى آخره " (١). ٣٥٤٩ - مالك العين إذا صادفها مغصوبة، فرهنها عند الغاصب، فالرهن صحيح، والذي ذهب إليه معظم الأصحاب أن القول في حصول القبض بنفس الرهن كالقول فيه إذا رهن المودِع عند المودعَ بلا اختلاف. وذهب بعض أصحابنا إلى أن القول الذي يخرّج في المودعَ: في أن نفس الرهن يتضمن الإقباض لا يخرّج هاهنا؛ فإن يد المودع صدرت عن حكم المالك، فإذا صادفها الرهن، كان دوامُ اليد بمثابة ابتدائها في قولٍ. وهذا لا يتحقق في يد الغاصب. وهذا تخييل. والأصح ما عليه الجمهور. ثم إذا حكمنا بتمام الرهن على التفاصيل المقدمة، أو صرح الراهن بالإذن في الإمساك عن جهة الرهن، فمذهب الشافعي أن ضمان الغصب لا يزول بهذا، فتكون العين مرهونةً في يد الغاصب مضمونة عليه بحكم الغصب، وبناء المذهب على أن الضمان يثبت بيد الغاصب، فلا يزول ما لم تزل يد الغاصب إلى المالك، أو يزول ملك المالك إلى الغاصب. وقنع بعض أصحابنا بأن أطلقوا إمكان اجتماع الرهن والغصب إذا فرض طريان العدوان. وهذا غير سديد؛ فإنّ طريان العدوان سببه إحداث المرتهن ما لم يكن له أن يحدثه، وليس يشبه هذا إذنَ المالك للغاصب في الإمساك. ومن لا يستشعر

стр. 2983

غموضَ هذه المسألة فليس من [الفقه] (١) في شيء؛ فإن ضمان الغصب سببه عدوانُ الغاصب. وقد انقطع العدوان بالإذن في جهة غير مضمِّنة. ولو أودع العينَ المغصوبة عند الغاصب، فقد ظهر اختلاف الأصحاب في انقطاع ضمان الغصب، فمنهم من قال: لا ينقطع ما لم تتبدَّلُ اليد. ومنهم من قال: يزول ضمان الغصب؛ فإن الائتمان مقصود في الإيداع، وليس الائتمان مقصوداً في الرهن، بل مقصوده التوثيق. ثم الأمانة من موجَبه ومقتضاه. ٣٥٥٠ - ولو أجر المالك العين المغصوبة من الغاصب، والعين المستأجرة أمانة في يد المستأجر، فهل يُقضَى بأن المغصوب ينقلب أمانة في يد الغاصب بالإجارة؟ فعلى وجهين مرتبين على الوجهين في الإيداع. والإجارة أولى بأن لا تُسقط ضمان الغصب؛ لأن الائتمان ليس مقصوداً فيها. ولو وكل المالكُ الغاصبَ بالبيع فإن استحفظه في الحال مودَعاً، ثم أذن له في البيع إذا وجد طالباً، فالاستحفاظ إيداع، وقد مضى الكلام فيه. وإن لم يجر استحفاظٌ، فالوكالة المطلقة في البيع نازلةٌ منزلة الإجارة؛ لأن الائتمان غيرُ مقصود فيها، بخلاف الإيداع؛ وكانت الوكالة من هذه الوجوه كالإجارة. ويجوز أن يقال: الوكالة المطلقة أولى بأن لا تُبطل ضمان الغصب؛ من قِبل أن الإجارة في ضمنها تسليط القبض والإمساك، والتوكيل في البيع ليس كذلك، فيتجه ترتيب الوكالة المطلقة على الإجارة. فإن قيل: اعتمدتم في ترتيب المذهب أن الأمانة ليس مقصوداً في الإجارة، وإن كانت الأمانة من حكمها، فهلاّ نزلتم الرهنَ منزلة الإجارة؛ فإن الرهن في وضعه لا يقتضي ضماناً كالإجارة؟ قلنا: نود لو كان كذلك، ولكن لم نطلع في هذا على خلافي للأصحاب معتبرٍ، والاعتبار بما يُجريه أئمةُ النظر في مسائل الخلاف، إذا كان لا يستند إلى أصل في المذهب من طريق النقل.

стр. 2984

والذي ينتظم في محاولة الفرق بين الرهن والإجارة أن بناء بقاء الضمان على أنه حكم ثابت باليد؛ فلا يزول مع دوام اليدِ والملكِ. والإيداعُ خرج على الخلاف، والظاهر أنه يقطع الضمان؛ لأن يد المودع مقصورةٌ على غرض المالك وحظه، فنزِّل الإيداع منزلة الرد. ويد المستأجر (مستأجرة) (١) من يد المودع؛ من حيث إن الحظ فيها ليس للمالك على التمخض، ولكن الحظ مشترك، فحظّ المستأجِر استيفاءُ المنفعة، وحظ المالك تقرير عوض المنفعة، فاقتضى ذلك فرقاً ظاهراً بين يد المستأجر ويد المودع. فأما يد الرهن، فلا حظ فيها للمالك أصلاً، وإنما الحظ كله للمرتهن. وإذا كان كذلك لم تنزل يدُ المرتهن منزلة الرد على المالك. فإن قيل: إذا كان الحظ للمرتهن، فهلا جعلتم يده يد ضمان كيد المستعير؟ قلنا: إنما كان ذلك لأن المقصود من الرهن الوثيقةُ، والتعرضُ لغرر الضمان لا يطابق الوثيقة. فإن قالوا: نفيُ (٢) الضمان إذاً (٣) مقتضى الرهن، فاجعلوا الأمر كذلك، فأسقطوا ضمان الغصب أو لا تصححوا (٤) يدَ الراهن. قلنا: ذلك لأنا لا نرى الأيدي الطارئة على الغصب منقسمة، ويدُ المرتهن لو لم يسبقها عدوان لا تقتضي ضماناً، ولكنها لا تقوى على إزالة ضمان. وهذا في نهاية الإشكال. وهو من فنون الاحتيال التي نكرهها من أصحاب أبي حنيفة في مدافعات الكليات الجلية. والأصل الذي يبتدره الفقيه المنصف أن يزول الضمان عند انقطاع (٥) العدوان.

стр. 2985

فهذا منتهى الإمكان. ومعتمد المذهب النقل. ٣٥٥١ - ومما يتعلق بأطراف المسألة أن المالك إذا قال للغاصب: أبرأتك عن ضمان الغصب، ففيه وجهان: أحدهما - أنه لا يبرأ. والثاني - أنه يبرأ؛ وتصير يدهُ يدَ أمانة، والوجهان مأخوذان من الأصل المشهور في أن ما لم يجب ووُجد سببُ وجوبه هل يصح الإبراء منه؟ وفيه قولان. وبيان ذلك أن القيمة إنما تجب على الغاضب، إذا فاتت العين، وامتنع ردها، والغصب سببٌ ناجز لاقتضاء هذا الضمان، عند تعذر الرد. ٣٥٥١/م- ثم ذكر الشيخ أبو علي للرهن المغصوب ترتيباً، هو تتمة الكلام، فقال: إذا رهن المالك المغصوبَ من الغاصب، وأذن في القبض، وتم القبض كما فصلناه فيما تقدم، فقد انبرم الرهن، حتى لو أراد الراهن الفسخ، لم يجد إليه سبيلاً. ولو أراد المرتهن أن يزول عنه ضمان الغصب، فليرد العين إلى الراهن، فيخرج عن ضمان الغصب، ولا ينقطع حقه من الوثيقة. ثم إنه كما رده على المالك يملك استردادَه. ويخرج من ذلك أن له أن يجبر الراهن على قبض الرهن؛ ليزول عنه الضمان، وليس للراهن أن يمتنع من ذلك. ثم ما قبضه يلزمه أن يردّه على المرتهن؛ لأن الرد لازم. وجرى في أثناء كلام الشيخ ما يدل على أن للراهن أن يسترد العين المغصوبة، ثم يردها، حتى إذا امتنع المرتهن من ذلك أجبر على الرد، ثم يرد عليه. هذا ما أجراه. والقياس عندي أن الراهن لا يملك هذا؛ فإنه أثبت للمرتهن يداً لازمة، ونحن إنما جوزنا للمرتهن أن يجبر الراهن على استرداد العين، ليحصّل غرضَه في الخروج عن الضمان، وهذا لا يتحقق في جانب الراهن؛ فإنه لا غرض له في تبرئة ذمة المرتهن عن عهدة الضمان. وقد صرح القاضي بهذا في " الأسرار " (١)، والمسألة ظاهرة.

стр. 2986

فرع: ٣٥٥٢ - العارية مضمونة في يد المستعير، فلو رهن العينَ العاريَّةَ من المستعير، وأذن له في قبضه عن الرهن، فهل يزول ضمان العارية؛ فعلى وجهين: ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - لا يزول، كما لا يزول ضمان الغصب. والثاني - يزول؛ فإن ضمان العارية أخف من ضمان الغصب، وهذا الْتفاتٌ منه على الخلاف المشهور في أن العارية هل تضمن ضمان الغصوب؟ وأنا أقول: المرتهن مراعٍ حظَّ نفسه وعلةُ الضمان في حق المستعير أنه قابض لحظ نفسه من غير استحقاق. فلما ثبت الاستحقاق في حق المرتهن، وانطبق هذا على الإذن، ظهر فيه زوال الضمان، وليس كذلك ضمان الغصب. ولست أذكر هذا عن اعتقاد؛ فإن مضادة الرهن للعدوان أوقع مما تكلفناه في الرهن والعارية. فصل قال: " ولو رهنه دارين، فقبض إحداهما ... إلى آخره " (١). ٣٥٥٣ - إذا رهن عبدين أو دارين بدَين، وأقبض إحداهما دون الأخرى، فالتي جرى القبض فيها مرهونة بجميع الدين عندنا، خلافاً لأبي حنيفة (٢). ومعوّل المذهب أن الدين لا يتعلق بالمرهون تعلق التقسيط، بل كل جزء من الرهن مرهون بكل الدين، ولا خلاف أنه لو تلف أحدهما في يد الراهن، وأقبض الثاني، كان مرهوناً بالجميع. وإذا باع الرجل عبدين بمبلغ من الثمن، ثم انفسخ البيع في أحدهما، لم يكن الباقي في مقابلة جميع الثمن؛ لأن انفساخ العقد في المعوض يوجب انفساخه في العوض الذي يقابله، ومساق هذا يتضمن سقوطَ مقدارٍ من الثمن، فكيف يُتخيل والحالة هذه أن يكون الباقي محبوساً بجميع الثمن، وقد تحقق سقوط قسط من

стр. 2987

الثمن. وليس الدين عوضاً للرهن حتى يفرض بانفساخ الرهن في بعض المرهون سقوط بعض الدين. وقد ذهب الأئمة المعتبرون إلى أن من باع مقداراً من المكيل بثمن معلوم، وتوفر عليه معظم الثمن، والتفريع على أن حق الحبس ثابت للبائع، فلا يلزم تسليم شيء ما بقي من الثمن شيء. فلما كان الثمن باقياً، جرى حبس المبيع على قياس حبس الرهن، وآل افتراق البابين إلى سقوط بعض العوض في البيع عند فوات بعض المبيع. وهذا لا يتصور في الدين بالإضافة إلى الرهن. وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن توفير بعض الثمن يوجب على البائع تسليمَ مقدارِه من المثمن، إذا كان المبيع قابلاً للقسمة. وهذا رديء غيرُ معتد به، والأصل ما قدمناه. وهذا الوجه ليس بأبعد في القياس عن قول مشهور في الحكاية في تفريع تفريق الصفقة: وهو أن كل الثمن يبقى وإن انفسخ العقد في معظم الثمن، ورب وجه منقاس لا أعده من المذهب؛ إذ لم يشتهر نقله، وأعد قولاً أضعف منه لاشتهار النقل فيه. ٣٥٥٤ - ثم ذكر الشافعي أن من ارتهن داراً وقبضها، وانهدمت في يده، فالرهن باقٍ على الساحة، والنقض المنهدم رهن؛ فإنَّ تغيّر صفة المرهون لا يخرجه عن كونه رهناً. وهذا مستبين. فصل قال: " ولو رهنه جارية ... إلى آخره " (١). ٣٥٥٥ - هذا الفصل يقتضي تأخير ما قدمه الشافعي، وتقديم ما أخره، فنبدأ باستقصاء القول في عتاق الراهن العبدَ المرهون، واستيلادِه الجاريةَ المرهونة، حتى إذا استوفينا أطراف الكلام، انعطفنا حينئذ على صدر الفصل. فإذا رهن الرجل عبداً وسلمه، وانبرم الرهن فيه، ثم أعتقه من غير إذن المرتهن،

стр. 2988

ففي نفوذ عتقه أقوال: أحدها - أنه ينفذ لوروده على الملكِ الثابت للمعتِق، وكون المعتِق من أهل العتق، ومبنى العتق على النفوذ. والقول الثاني - أنه لا ينفذ العتق؛ فإن الرهن يتضمن حجراً لازماً على الراهن، فلو سلطناه على الإعتاق، لكان مناقضاً للحجر المحكوم بلزومه. والقول الثالث - أنا نَفْصِل بين كون الراهن موسراً، وبين أن يكون معسراً، فإن كان موسراً، نفذ عتقه، وغرِم قيمةَ العبد المرتهن ليكون رهناً. وإن كان معسراً لا ينفذ عتقه أصلاً. وهذا القائل يشبه جريانَ العتق وسريانَه إلى حق المرتهن بمثابة سريان عتق أحد الشريكين إلى نصيب صاحبه من العبد المشترك. وقد تحقق أنا نفصل في عتق الشريك بين الموسر والعسر. ثم قال العراقيون: إذا فرعنا على قول التفصيل، فلو كان الراهن موسراً وأعتق، فكيف الترتيب في نفوذ عتقه؟ قالوا: اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: يخرّج في وقت نفوذ عتقه ثلاثة أقوال: أحدها - أنه يتعجل نفوذ العتق، وبعده يتوجه الغرم، كما نفصله. والثاني - نفوذ العتق يقع مع غرامة القيمة للمرتهن. والثالث - أن الأمر موقوف. وهذا القائل يُجري هذه الأقوال من الأقوال المشهورة في وقت نفوذ عتق الشريك سرياناً إلى نصيب الشريك. هذه طريقة. قالوا: ومن أصحابنا من قطع بأن العتق ينفذ عاجلاً قولاً واحداً، وليس على قياس سريان العتق إلى ملك الشريك. والسبب فيه أن عتق الراهن صادف ملكَه، والعتق الذي نُسرِّيه في العبد المشترك ينفذ في ملك الغير، فيجوز أن يتوقف انتقالُ الملك فيه إلى المعتِق على تقرير ملك الشريك على العوض، وإنما يستقر الملك على عوض التلف إذا بُذل، وثبتت يدُ المتلَف عليه على ذلك العوض. وهذا القائل يقول: لو كان عتق الراهن على قياس سريان العتق، لقطعنا بالفرق

стр. 2989

بين الموسر والمعسر. ولا قطعَ، بل الأصح أن لا فرق. التفريع: ٣٥٥٦ - إن حكمنا بأن العتق ينفذ، فعلى الراهن أن يغرَم القيمةَ للمرتهن، والاعتبار بقيمة ساعة الإعتاق؛ فإنها ساعةُ الإتلاف. ثم إذا بذل القيمة وسلّمها، لم يشترط عقد رهن فيها، بل نفس التسليم إلى المرتهن على قصد الغُرم يجعل المسلَّم رهناً، ولا شك أنه لا يتم ذلك ما لم يقصد الراهن المعتِق التسليمَ عن جهة الغُرم. وهذا جار في كل مالٍ يلزم الذمةَ، ثم يسلّمه ملتزمُه. حتى لو سلَّم، ثم قال: قصدت الإيداعَ عندك، فالقول قوله، ويقع المقبوض وديعة. ٣٥٥٧ - وإن قلنا: لا ينفذ العتق، فيبقى الرهن، فإن مست الحاجة إلى بيعه في الدين، بعناه. ثم إذا بيع، فلو عاد إلى الراهن المعتِق يوماً بعد زوال ملكه، فلا ينفد عتقه الآن، وإن زالت الموانع. وإن انفك الرهن، ولم يزل ملك الراهن عنه بأن يفك المرتهن الرهن، أو بأن ينفك بأداءٍ أو إبراء، فهل ينفذ العتق الآن؟ فعلى وجهين: أقيسهما - أنه لا ينفذ؛ فإنه وجه على العبد منجزاً، فرأينا ردَّه، واللفظ إذا رُدّ وأُبطل حكمه، لم يبق له بعد بطلان أثره حكم. وسيكون لنا إلى هذا الفصل عودة من وجه آخر، وعنده نفصل الأمر، ونبين الحقيقة المطلوبة. ٣٥٥٨ - ولو علق الراهن عتقَ العبد المرهون، نُظر: فإن علق عتقه على انفكاك الرهن [فانفك الرهن، نفذ العتقُ المعلّق؛ لأن التعليق لا يزاحم حقَّ المرتهن. وإذا نفذنا العتق بعد انفكاك الرهن،] (١) لم يكن نفوذ العتق وارداً على حق المرتهن. وليس تعليق العتق على ما وصفناه بمثابة تقديم تعليق العتق على حصول الملك. ولو علق عتق العبد المرهون بصفة قد توجد قبل انفكاك الرهن، فنقول: إن وجدت في استمرار الرهن، فالعتق مردود تفريعاً على رد تنجيز العتق؛ فإن التعليق

стр. 2990

والصفة اجتمعا في دوام لزوم الرهن، وكانا كتنجيز العتق، ولو وُجدت تلك الصفة بعد انفكاك الرهن، ففي المسألة خلافٌ، والأصح النفوذ إذا كان لا يفضي الحكم بالنفوذ إلى إبطالِ حق المرتهن. ومن أصحابنا من قال: لا يصح التعليق أصلاً، كما لا يصح التنجيز. وهذا يقرب من خلاف الأصحاب فيه إذا قال العبد لزوجته: إن دخلت الدار، فأنت طالق ثلاثاً. ثم عَتَقَ العبدُ، فدخلت الدار، ففي وقوع الطلقة الثالثة خلاف. وبين القاعدتين فرق؛ فإن العبد لو قال لزوجته: إن عَتَقتُ، فأنت طالق ثلاثاً، جرى الخلاف في هذه الصورة. ولو قال الراهن: إذا انفك الرهن، فهذا العبد حر، نفذ العتق بعد انفكاكه. والفارق أن الطلقة ليست مملوكة للعبد، ومحل العتق مملوك للراهن. وسبب امتناع العتق حق المرتهن؛ إذ لو أَذِن، نفذ العتق. فهذا ما أردناه. ٣٥٥٩ - ولو علق عتق عبده بصفة، ثم رهنه، فوجدت الصفة بعد لزوم الرهن، ففيه اختلاف مشهور. وللمسألة نظائر، يجمعها أن الاعتبار بحالة التعليق، أو بحالة وجود الصفة. وعليه يخرّج خلاف الأصحاب في أن الصحيح إذا علق عتق عبد بصفة، ثم مرض مرض الموت، ووجدت الصفة، فالعتق من رأس المال، أو هو محسوب من الثلث؟ فيه خلاف مشهور. وسيأتي أصل ذلك وفرعه في كتاب الوصايا، إن شاء الله تعالى. ٣٥٦٠ - ومما يتفرع على العتق أن الرجل إذا رهن نصفاً من عبد مملوك له، واستبقى منه نصفاً، فالرهن صحيح. فلو أعتق النصفَ الذي لم يرهنه، نفذ العتق فيه. وفي سريان العتق إلى النصف المرهون على القول الذي نفرع عليه وجهان: أصحهما - النفوذ؛ فإن العتق إذا كان يسري من الملك إلى [ملك الغير] (١)، فلأن يسري إلى محل حق (٢) الغير أولى.

стр. 2991

والوجه الثاني - أنه لا يسري؛ لأن العبد بجملته مملوك للراهن، فلا يحمل عتقُه على مذهب السريان، بل إن نفذ التنجز، فذاك. وإلا فلا نفوذ. وهذا يعتضد بأن الراهن هو الذي حجر على نفسه، فليس له التسبب إلى مناقضة الحجر. ولا يلزم عليه ما لو باع النصف من عبده؛ فإن ذاك ليس حجراً، إنما هو خروج منه في المبيع عن رتبة الملاّك. ولو نفذنا سريان عتقه على الأصح، فإنْ وجّه العتقَ على المرهون قصداً، وقال: أعتقت ما رهنت من هذا العبد، فالوجه القطع برد عتقه، إذا كان التفريع على الرد. ثم قال المحققون: إذا رأينا تنفيذ سريان العتق في صورة الوجهين، فنقطع بالفصل بين الموسر والمعسر؛ فإن سبب نفوذ هذا قياسُ السراية، وقياس السراية في مذهب الشافعي يقتضي الفصْلَ بين الموسر والمعسر، كما سيأتي في كتاب العتق. وأما إعتاق المشتري العبدَ في يد البائع على قولنا بثبوت حق الحبس، فقد مضى مفصلاً. ولا شك أن عتق المشتري أولى بالنفوذ من عتق الراهن؛ فإن حق الحبس في المبيع لم يثبت بعقدٍ مقصود في إثبات الحجر، والرهنُ عقد متضمنه حجر مقصودٌ على المالك. هذا كله بيان القول في إعتاق الراهن. ٣٥٦١ - ونحن نبتدىء بعد ذلك التفصيل في استيلاده. فنقول: إذا أقبض الجارية المرهونة -إن صححنا رهن الجواري، كما سيأتي، وهو الأصح- فإذا استولدها الراهن بعد انبرام الرهن: أما الولدُ فلا شك في انعقاده حراً؛ فإنه لا حق للمرتهن في ولد المرهونة رقيقاً فُرِض أو حراً، ولا يغرَم قيمة الولد؛ لما ذكرناه من انقطاع حق المرتهن عن الولد، والمهر لا ريب في أنه لا يلزم؛ فإنه عوض منافع البضع، ولا حق للمرتهن في المنافع. والكلام وراء ذلك في ثبوت الاستيلاد. ٣٥٦٢ - وقد خرّج الأئمة نفوذ الاستيلادِ على الأقوال المتقدمة في نفوذ العتق، ثم رأَوْا أن يرتبوا الاستيلادَ، ويجعلوه أولى بالنفوذ؛ من قِبَل أنه فِعْل، والأفعال بعيدة

стр. 2992

عن الرد، والأقوال عرضة الإفساد والتصحيح، والفسخ بعد النفوذ؛ ولذلك ينفذ الاستيلاد ممن هو محجور عليه في تصرفاته، كالسفيه والمجنون، واستيلاد المريض جاريتَه نافذٌ، والعتق يحسب من رأس المال، وهو بمثابة الاستهلاك الحسي. فإن حكمنا بأن الاستيلاد ينفذ، فينفسخ الرهن، وعلى الراهن قيمةُ الجارية معتبرةً بوقت العلوق، ففيه حصل الاستيلاد، والخروج عن الرق المطلق. وقد مضى القول في القيمة. ٣٥٦٣ - وإن قلنا: لا ينفذ الاستيلاد، فالجارية مرهونة كما كانت، فإن حل الحق وهي حامل، فالذي أطلقه الأئمة قطعُ القول بأنه يمتنع بيعها؛ لمكان اشتمال رحمها على الولد الحر، وزعموا أن مطلق البيع لا يقصر عن الولد، وتناوله للجنين الحرّ محالٌ. وقد قدمت في هذا خلافاً في كتاب البيع، ونزّلته منزلة ما لو باع الرجل جاريةً حاملاً بولدٍ مملوك، واستثنى حملَها، ولا فرق بين أن يقع الاستثناء شرطاً، وبين أن يقع استثناؤه شرعاً. ولكن المذهب المنع كما ذكره الأصحاب، وإن كان تجويز البيع منقاساً. ولو ولدت المرهونة وماتت في الطلق، فالذي صار إليه جماهير الأصحاب أن الراهن يلتزم قيمةَ الجارية للمرتهن، فيضعُها مرهونة، كما لو قتل الجارية المرهونة. والسبب فيه أن الطلق مترتب على العلوق، وهو مترتب على وطء الراهن، والضمان يناط بالأسباب تارة، وبالمباشرات أخرى. وفي بعض التصانيف أن ضمان القيمة لا يجب؛ من جهة أن إحالة التلف على العلوق فيه بعد، وقد تفرض أسباب جِبِلِّية، هي التي جرّت الطلق الشديد. ولا خير في هذا الوجه، فلا تعتبروا به، والتفريع على وجوب الضمان، كما ذكرناه. ٣٥٦٤ - فلو وطىء جاريةَ إنسان بشبهة، فولدت، فماتت في الطلق، التزم قيمتها، تفريعاً على الأصح.

стр. 2993

ولو وطىء حرة بشبهة، وأعلقها، فماتت من الطلق، ففي وجوب الدية وجهان: أحدهما - أنها تلزم اعتباراً بالأمة؛ فإن التسبب حاصل، كما تقدم. والثاني - لا تلزم الدية؛ فإن الأمةَ يتُصوّر الاستيلاء عليها، فيصير الوطء في حكم الاستيلاء (١) فيها أوّلاً، ثم العلوق أثرٌ باقٍ من الاستيلاء (٢) السابق، كالسراية تستند إلى الجراحة، وكالصيد يُنفِّره المحرم، فيبقى نِفارُه إلى العشار، والموت، والحرة لا يتصور الاستيلاء عليها، أولاً، وليس الوطء في نفسه سبباً قويّاً. وهذا وإن كان مشهوراً، وقد قطع به طوائف من أصحاب المذهب (٣)، فالقياس الأول؛ فإن طريق الضمان التسبب إلى الإتلاف. وهذا لا يختلف بالحرية والرق، بمثابة احتفارِ البئر في محل العدوان، وغيرِه من أسباب الضمان. ولو زنا بامرأة فعلِقت منه، وطُلِقَت، وماتت، فالذي ذكره الأصحاب أن الضمان لا يجب (٤)، وإن فرض ذلك في الأمة. وكذلك إن قدرت [مضبوطة] (٥) غيرَ ممكِّنة، والسبب فيه أن الطلقَ مترتب على العلوق، والولد المنتسب إلى الواطىء يُسبب الطلقَ، وولد الزنا لا انتساب له، وليس العلوق من هذا الشخص المعيّن معلوماً؛ حتى يحمل هذا على جناية متحققة. ولولا حكم الشرع بانتساب الأولاد إلى الآباء، لما وثقنا بكون ولد من رجل. وإذا علقت امرأة الرجل منه، وماتت في الطلق، فلا ضمان من قِبَل أن العلوق

стр. 2994

مترتب على سبب مستَحق للزوج، والمترتب على المستحقات غيرُ مضمون عندنا. ولذلك أهدرنا سراية القصاص. ٣٥٦٥ - ثم إذا ألزمنا الرجلَ قيمةَ الجارية التي ماتت في الطلق، فأيةُ قيمةٍ تراعى في ذلك؛ للعراقيين ثلاثة أوجه: أحدها - أنه يجبُ أقصى القيم من يوم الإحبال إلى الموت، كما يجب على الغاصب أقصى القيمة، من يوم القبض إلى التلف، وكأن الجارية في يد الواطىء منذ علقت إلى أن ماتت. والثاني - أنه يجب قيمةُ يوم الإحبال؛ فإنه [سبب] (١) الإتلافِ، والأمة وإن بقيت مملوكة، فهي مع سبب الردى هالكة. ولهذا نظائر ستأتي في كتاب الجراح إن شاء الله تعالى. والثالث - وهو اختيار ابن أبي هريرة أنه يجب قيمة يوم الوضع؛ فإن التلف تحقق يومئذ، وما تقدم غير موثوقٍ به، ولا مُحاطٍ به. وهذا كاعتبار النهايات في أروش الجنايات على الأحرار. ٣٥٦٦ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن الراهن إذا وطىء الجارية وأعلقها، فولدت، ونَقَصها الولادةُ، وجب على الراهن أرشُ النقص، ووضعه رهناً، وهكذا سبيل أروش جناياته على المرهون، على ما ستأتي فصول الجنايات. ولو وطىء الجارية المرهونة وكانت بكراً، وافتضها، فعليه أرش البكارة. وليس هذا بمثابة المهر في الثيب؛ فإن الافتضاض جنايةٌ على جزء من الجملة، والجملة بأجزائها مرهونة. فإن قيل: لمَّا فرعتم على نفوذ الاستيلاد، قطعتم القولَ بأن الاعتبار بقيمة يوم العلوق، وردّدتم المذهب حيث انتهيتم في التفريع إليه؟ قلنا: إذا ثبت الاستيلاد، انفك الرهن، ولم يتوقف انفكاكه على الولادة، فتعين اعتبارُ ذلك اليوم، وما يفرض من نقصان أو زيادةٍ بعد الانفكاك، فلا تعلق له بحق المرتهن.

стр. 2995

وإذا قلنا: لا ينفذ الاستيلاد، وأوجبنا القيمة بسبب الهلاك، وقد تقدم السبب المقتضي له، فتردُّدُ الأصحابِ بين السبب والتلف كما تقدم. ومما يتفرع على قولنا: لا يثبت الاستيلاد لحق المرتهن، أنها تباع في الرهن إذا مست الحاجة إلى بيعها، ثم إذا بيعت، فلو عادت يوماً إلى المستولد، فهل تصير أم ولدٍ له؛ فعلى قولين مشهورين، ولا اختصاص لهما بهذه الصورة، بل كل جارية علقت بولد حر، من مستولد محترم، وامتنع نفوذ الاستيلاد، فإذا ثبت للمستولد الملكُ المطلقُ فيها، ففي نفوذ الاستيلاد القولان. ومن صور القولين أن يطأ جارية الغير بالشبهة ويُعْلِقَها، ثم يشتريها. وقد ذكرنا في التفريع على ردّ عتق الراهن أن العبد المرهون الذي أعتقه الراهنُ إذا بيع في الدَّين، وعاد ملكاً إلى الراهن، فلا ينفذ العتق المردود، والفارق ظاهر؛ فإن اللفظ (١) إنما ينفذ حيث ينفذ بصيغته، وكان [صيغة] (٢) إعتاق الراهن التنجيزَ، فإذا رُدّ، ارتد، وقد زال الملك الذي كان إعتاقه تصرفاً فيه. والاستيلاد فعل، والأفعال قد تتوقف، وكأنا نقدّر إعلاق الجارية بولدٍ حُر تسبُّباً إلى حصول الحرية يوماً من الدهر، ومبنى الاستيلاد على هذا؛ فإنه لا يُنجِّز العتاقة. ٣٥٦٧ - ولو انفك الرهن عن الجارية، وكنا رددنا استيلادَ الراهن، فلأصحابنا طريقان: فمنهم من قطع بنفوذ الاستيلاد في هذه الصورة لاستمرار الملك، وانقطاع المزاحم، ومنهم من خرَّجه على قولين، ورتبهما على القولين في صورة وطء الشبهة، وفيه إذا زال الملك عن المرهونة، ثم عاد. ولا يكاد يخفى وجه الترتيب، وطريق الفرق. والأوجه عندي القطعُ بنفوذ الاستيلاد إذا انفك الرهن. والاستيلاد عندي على هذا القول مشبَّه بتعليق العتق على ما بعد الانفكاك. وقد قدمنا القطعَ بنفوذ التعليق على هذا الوجه.

стр. 2996

٣٥٦٨ - [وإذا] (١) أعتق الراهنُ العبدَ المرهون، ورددنا عتقه، ثم انفك الرهن، فقد أشرنا إلى خلافٍ في ذلك. والسبب فيه استمرار الملك، وزوالُ الحجر. وهذا يقرب من اختلاف القول في أن المحجور عليه بالفلس إذا أعتق عبداً من جملة مالِه، فرددنا عتقه، ثم انفك الحجر عنه، ولم يتَّفق بيعُ ذلك العبدِ في ديونه، ففي نفوذ العتق عند إطلاق الحجر قولان، سيأتي ذكرهما في كتاب التفليس، إن شاء الله تعالى، ووجه التشبيه بيّن. ولا خلاف أن العتق لا ينفذ في اطراد الحجر عليه؛ فإن فائدة الحجر منعُه من التصرف في ماله. وتفاصيل ذلك يأتي في موضعه. والراهن مطلقٌ، وقد أبقى ملكَ نفسه في الرقبة، فظن ظانون أنه مطلق صادف عتقُه ملكَه، وسرى إلى حق غيره. ثم سنذكر في بيع المفلس مالَه -إذا انفك الحجر عنه، ولم يتفق صرفُ مبيعه في دينه- قولين. ٣٥٦٩ - وأطلق الأصحاب القول بأن بيع الراهن في المرهون مردود، ولم يقفوه على انفكاك الحجر، ولا فرق عندي بين البابين، ولا محمل لتصحيح بيع المفلس مالَه على قولٍ إلا الحملُ على الوقف، ومحمل القولين لا يمتنع جريانه في الرهن. وبالجملة لا فرق بين البابين إلا أن أحد الحجرين جرى من غير اختيار المحجور عليه في جميع ماله، والحجر الذي نحن فيه وهو الرهن جرى في مالٍ خاص باختيار مالكه، فالوجه التسويةُ بين البابين، وتنزيلُ البيع والعتقِ على ترتيب واحد، فالعتق أولى بالنفوذ، والبيع أبعدُ منه. وهذا فنّ من الوقف زائد على الأصناف التي ذكرناها في كتاب البيع، وتقريرُه في كتاب الحجر. والفارق بين البيع والعتق أن تنفيذ التصرف بطريق الوقف ملتفت إلى مذهب التعليق، فكأن المفلس قال: إذا انفك الحجر، فهذا العبد حر، وهذا يتطرق إلى العتق، ويبعد عن البيع، والمحجور المبذّر عتقه مردودٌ في الحال، وإذا انفك الحجر عنه، وظهر الرشد، لم ينفذ من العتق ما رددناه.

стр. 2997

ولو قال في سفهه: إذا ظهر رشدي، فعبدي هذا حر، لم ينفذ عتقه إذا آنس رشدَه. وأما استيلاده، فنافذ في الحالِ؛ فإنه يجري على مذهب الاستهلاك، وهذا واضح. وقد نجز غرضنا من تفصيل القول في إعتاق الراهن واستيلاده وما يتعلق بأطراف الكلام في ذلك. ٣٥٧٠ - ثم قال الشافعي في أثناء الكلام تفريعاً على ثبوت الاستيلاد: " وتعتِق بموت السيد في قول من يعتقها " (١). وهذا ترديدُ قولٍ منه في بيع أمهات الأولاد. وهذا القول مشهور في القديم، وترديده القولَ فيما نقله المزني غريب. والاستيلاد على قوله القديم لا أثر له، وهو من ضروب الاستخدام، فكأن السيد إذا أودعها ماءه، ثم انفصل، فبقيت على رقها كالظرف يحتوي على شيء ثم يفرغ منه. وعلى هذا لا تعتق مستولدة، ولا يمتنع بيعُها. وهذا قولٌ لا عمل به، ولا فتوى. وقد كان فيه اختلاف في الصدر الأول، ثم أطبق العلماء بعدهم على المنع، فالتحق هذا بإجماع بعد خلاف. وهذا مستقصى في فن الأصول. فإذا مهدنا هذا الأصل الكبير، فقد حان أن نرجع إلى صدر الفصل، فنقول: إذا رهن الرجل جارية، فظهر بها حمل، وقال الراهن: هذا الولد مني، وقد كانت علقت به ولم أشعر، فرهنتها: فإن صدقه المرتهن، فلا كلام، فيثبت النسب والولد حرٌّ، لا ولاء عليه، والجارية أم ولد، والرهن باطل، وليس على الراهن قيمةٌ توضع رهناً؛ من قِبل أنه لم يجن (٢) على رهنٍ لازم، بل تبيّنا أن لا رهن. نعم لو كان هذا الرهن مشروطاً في بيعٍ، وقد تبين امتناعهم (٣) بالسبب الذي ظهر، فيثبت الخيار للبائع؛ من قِبل تعذر الوفاء بالشرط المذكور في العقد. وسيأتي

стр. 2998

هذا في موضعه من الكتاب، إن شاء الله . هذا إذا صدقه المرتهن. فإن كذبه المرتهن، وقال: ليس الولدُ منك، فإن كانت للراهن بينة أقامها، أو أقامتها الجارية، والشهادة على جريان الوطء من الراهن قبل العقد، أو بعد الرهن قبل الإقباض. والحكم ما قلناه في المسألة الأولى. فإن قيل: يحتمل أن يثبت الوطء، ولا يثبت العلوق. قلنا: نعم، هو كذلك. ولكن العلوق عيبٌ، ولا شيء يدار الإقرارُ والإنكار عليه إلا الوطء، ولهذا قلنا: إن السيد إذا اعترف بوطء مملوكته وأتت بولدٍ لزمانٍ يمكن أن يكون من الوطء، فالنسب لاحق على تفصيل يأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى، وهذا يعتضد باستلحاقه النسبَ، فصار مجموع هذا مثبتاً للاستيلاد. وإن كذبه المرتهن، ولا بينة، فنقول: أما نسبُ المولود، فثبت لاستلحاق الراهن، وتثبت حريةُ الولد. وأما الاستيلاد، فهل يحكم به حتى يبتني عليه تبين بطلان الرهن؛ فعلى ثلاثة أوجه: أحدها - لا يحكم به؛ لأنه أثبت للمرتهن حقاً، ثم ادعى ما يتضمن بطلانَه، فلا يقبل. والوجه الثاني - أنه مقبول؛ من جهة انتفاء التهمة؛ إذ إقراره لو ثبت، فمتضمنه زوال الرق، وقد يقبل الإقرار في محل حق الغير، لانتفاء التهمة، وعليه بنينا قبول إقرار العبد بما يوجب سفك دمه، أو بما يوجب عقوبةً عليه. والوجه الثالث - أنا نفصّل بين أن تأتي بالولد لستة أشهرٍ، فما دونها من وقت الإقباض، وبين أن تأتي بالولد لأكثر من ستة أشهر؛ فإن الأمر إذا كان كذلك، اتسع مسلك الإمكان، ولم يبعد أن يُفرض العلوقُ بعد تمام الرهن. وتحقيق الفرق أنا إذا أثبتنا العلوق حالة القبض، فإقرار الراهن يرد على غير محل الرهن، ولو كان موجوداً حالة القبض، فيقع ثبوت الاستيلاد تابعاً. وهذا يلتفت إلى أصل سيأتي بعد هذا. وهو أن من رهن عبداً أو باعه، ثم زعم بعد ظهور اللزوم، أنه كان أعتقه، أو كان باعه. وهذا سيأتي في مسائل الرهن، إن شاء الله تعالى.

стр. 2999

فإن قيل: إن قبلتم إقراره، فلا سؤال. وإن لم تقبلوه، فهلا خرَّجتم هذا على الأقوال في أنه لو أنشأ الاستيلاد هل يثبت؛ حتى تقولوا: إن نفذنا منه الاستيلاد ابتداء، ينفذ إقراره، وإن لم ينفذ منه الاستيلاد ابتداء، فلا يقبل إقراره، تخريجاً على تنزيل الإقرار بالشيء منزلة إنشائه؛ فإن الوكيل بالبيع لو أقر بالبيع، نفذ إقراره كما ينفذ إنشاؤه البيع. ولو أظهر الموكِّل عزله، ثم ادعى الوكيلُ البيعَ، لم ينفذ قوله. وهذا يطرد لنا وينعكس. قلنا: هذا جارٍ في التصرفاتِ التي يسلِّط الشرعُ على الإقدام عليها، فيجعل الإخبارَ عن الشيء بمثابة إنشائه، إذا كان إنشاؤه مملوكاً للمقر. والراهن على كل مذهب ممنوعٌ من الإقدام على استيلاد الجارية المرهونة. وهذا مما اختلف أصحابنا فيه، وتخريجه على أصلٍ سيأتي في كتابِ الحجر. وهو أن المبذر لو أقر بالطلاق، نَفَذَ، اعتباراً بأنشائه، ولو أقر أنه أتلف مالاً، ففي قبول إقراره خلاف؛ فإن الإتلاف ليس ما يملكه شرعاً، ولكن يتصور وقوعه منه، وهل يقبل إخباره فيه؟ فعلى وجهين. كذلك قلنا: لو وقع استيلاد الراهن، لنفذ، فإذا اعترف به، ففي نفوذه الخلاف الذي أشرنا إليه. فصل ٣٥٧١ - كل تصرف يمتنع نفوذُه لحق المرتهن، فإذا أذن فيه، نفذ؛ فإن المانع حقُّه. وإذا أذن للرّاهن في بيع المرهون، أو في هبته، فباع أو وهب، نفذ. وإذا فرعنا على أن العتق لا ينفذ من الراهن، فإذا أذن فيه المرتهن، نفذ. وسنذكر أن الراهن لا يجوز له أن يطأ الجارية المرهونة إذا كانت بصدد أن تحبل، وفي التي لا تحبل كلام سيأتي، إن شاء الله تعالى. وإذا أذن في الوطء، فوطىء الراهن بالإذن وترتب عليه العلوق، ثبت الاستيلاد، وإن وقع التفريع على أن الاستيلاد لا ينفذ لو انفرد الراهن.

стр. 3000

ثم الإذن المجرّد لا يرفع عقد الرهن، حتى يتصل بوقوع التصرف. وللمرتهن أن يرجع قبل التصرف عن إذنه. وإذا أذن في الهبة والإقباض، فوهب الراهن، ورجع المرتهن عن الإذن، لم يملك الراهن الإقباضَ، ولو أذن في البيع من غير تعجيل حق ولا شرط جَعْل الثمن رهنا، فباع الراهن على شرط الخيار، فقال المرتهن رجعت عن الإذن؟ الذي ذهب إليه المحققون أن رجوعه لا ينفعه، وللراهن إلزام العقد، وقطع الخيار، كالهبة مع القبض، وذلك لأن القبض ركنُ العقد فيه (١). وهو ينزل منزلة القبول من الإيجاب، وكأن الهبة عدلاً والوفاء بها الإقباض، والبيع مبناه على اللزوم والخيار دخيل فيه، فهو مفوّض إلى من له الخيار. ولو أذن في الوطء فوطىء، ولم يتفق العلوق، فحق الرهن باق؛ فإن الوطء لا ينافي الرهن، وإنما ينافيه العلوق، وثبوت الاستيلاد. فلو لم يأذن إلا في وطأة، فلم تَعْلق، فلا يعود الراهن إلى الوطء. ولو كان أذن في جنس الوطء، ثم رجع عن إذنه، تعين على الراهن أن يمتنع. ٣٥٧٢ - ثم فرض الشافعي والأصحابُ صوراً في اختلاف الراهن والمرتهن في الحكم الذي نحن فيه. ونحن نرسم مسائل تستوعب الغرض. فمنها أن يختلفا في أصل الإذن، فيقول الراهن: أذنت في الوطء، وأنكر المرتهن، فالقول قول المرتهن مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الإذن. ثم إذا كان أولدها وجرى الخلاف كما وصفناه، وحلف المرتهن، عاد التفريع إلى وقوع الاستيلاد. والأولى تفريع صور الخلاف على أن الاستيلاد لا يثبت على استبدادٍ. فإن نكل الراهن عن يمين الرد، فأرادت الجارية أن تحلف لمكان حقها من عُلقة الحرية، فهل لها ذلك؟ على وجهين ذكرهما العراقيون: قالوا: والأصح أنها لا تحلف؛ فإنها ليست بمتأصلة في الحق، وإنما يثبت أمرها تبعاً، والأيمان لا تعرض على الأتباع، ولذلك لا يحلف الوكيل، وسنذكر نظائر ذلك في كتاب

стр. 3001

القسامة، ثم في كتاب الدعاوى، إن شاء الله - هذه مسألة في الاختلاف. المسألة الثانية - أن يقع الوفاق على أصل الإذن، ويعودَ الخلاف إلى جريان الوطء، فقال الراهن: قد وطئتُ، وأنكر المرتهن ذلك. فيقول: ما وطئتَ، وليس الولد الذي جاءت به الجارية منك. هذا أصل التصوير. ثم ذكر الأئمة صورتين: إحداهما - أن يبتدىء الراهن فيقول: أذنتَ لي في الوطء، فوطئتُ، وأعلقتُ. ثم يقول المرتهن: أذنت لك، وما وطئت، فالقول قول الراهن؛ فإن الإذن متفق عليه، والوطء المختلف فيه من فعل الراهن، فليكن الرجوع إليه في فعله. هذا هو الأصح. ومن أصحابنا من قال: الأصل عدمُ الوطء، وبقاء الرهن. وهذا يناظر ما لو قال الرجل لامرأته: إن زنيتِ، فأنت طالق، فإذا زعمت أنها زنت، فالقول قول الزوج في إنكار زناها؛ فإن الأصل عدم وقوع الطلاق، وعدم الزنا. هذا أصل المذهب. وليس كما لو قال: إن حضت، فإنت طالق، فقالت: حضتُ، فالقول قولها؛ إذ لا يُطلع على حيضها إلا من جهتها، ويُطَّلع على سائر أفعالها من غير جهتها. ولا فرق بين ما يخفى في العادة وبين ما يظهر، كدخول الدّار ونحوه. ومن أصحابنا من صدق المرأة فيما يخفى وتطرد العادة بكتمانه، كالزنا ونحوه. وهذا مزيف لا أصل له. فإن قيل: لم كان ظاهر المذهب تصديقَ الراهن في الصورة التي ذكرتموها؟ وما الفرق؟ قلنا: إذا كان الوطء مأذوناً، فادّعاه من أُذن له، كان هذا ادعاءَ أمر يملك إنشاءه، وكل مأذون في شيء يدعي مع دوام الإذن إيقاعَ ما أُذن فيه، فقوله مقبولٌ، كالوكيل بالبيع إذا ادّعى البيعَ قبل أن يُعزل؛ فتصديق الراهن يؤخذ من هذا الأصل، وهو غير متحقق في تعليق الطلاق بالصفات؛ إذ ليس في التعليق تسليطٌ على أمرٍ وتولية في شيء، والطلاق يعلق تارةً بما يدخل تحت اختيار الزوجة، وتارة يعلّق بأمور ضرورية، لا اختيار فيها كغروب الشمس وطلوعها. هذا فيه إذا قال الراهنُ أولاً: أذنت لي، فوطئت. وقال المرتهن بعده: ما وطئتَ.

стр. 3002

فأما إذا قال المرتهن أولاً: أذنتُ لك في الوطء، فما وطئتَ، فقال الراهن بعده: أذنت لي فوطئتُ. ذكر الأئمة في هذه الصورة وجهين ورتبوهما على الخلاف في الصورة الأولى، وجعلوا هذه الصورة الأخيرة أولى أن يصدَّق المرتهن فيها، وعلّلوا بأن قول المرتهن إذا تقدَّم يتضمن عزل الراهن عن الإذن في الوطء، فيقع قول الراهن بعد انعزاله، وليس كالصورة الأولى إذا تقدم قول الراهن. وهذا ليس بشيء. وليس ما قاله المرتهن قطعاً للإذن، ولا عزلاً، وإنما هو خبر عن الإذن، واعتراف به، ثم ادعاءُ عدم الوطء؛ فلا عزل إذاً. وحصل من الصورتين أوجه: أحدُها - أن القول قول المرتهن في الصورتين؛ فإن الأصل عدم الوطء. والثاني - أن القولَ قولُ الراهن في الصورتين كما استشهدنا به من ادعاء الوكيل البيع الذي وكل به. والوجه الثالث - أنه يفصل بين أن يتقدم قول الراهن وبين أن يتقدم قول المرتهن، فالمصدَّق من يقدَّم قوله. وهذا ما اختاره القاضي، وهو ضعيف؛ فإنه بناه على العزل، وزعم أن قول المرتهن يتضمن عزلَ الراهن، وهذا غيرُ مفهوم. ثم قال لو قال الوكيل بالبيع لموكله: أذنتَ لي في البيع، فبعتُ، وأنكر الموكِّل بيعَه، واعترف بالإذن، فالقول قول الوكيل. ولو قال الموكل أولاً: أذنت لك في البيع، فلم تبع. وقال الوكيل: قد بعتُ. ذكرَ وجهين في هذه الصورة أخذاً مما تخيله من أن قول الآذن في ذلك رجوع عن الإذن. وهذا كلام عريٌّ عن التحصيل. ٣٥٧٣ - ومن مسائل الاختلاف: أن يتفقا على الإذن، وجريان الوطء، ويقول المرتهن: هذا الولد الذي أتت الجارية به ليس منك، ولم تُعلقها أنت بوطئك، وإنما زنت، وأتت بولدٍ من غيرك، فالقول في هذه الصورة قول الراهن بلا خلاف؛ فإن أصل الإذن متفق عليه، وكذلك جريان الوطء، ولا يبقى بعد هذا في نفوذ الاستيلاد شيء إلا استلحاق المولود، والاستلحاق إلى الواطىء، وهو من الأمور المفوّضةِ إليه، فلا معنى لتقدير مزاحمته. ثم وجدت الطرق متفقة على أن الراهن لا يحلَّف في الصورة الأخيرة، ويكفي استلحاقُه. وإذا جعلنا القولَ قولَ الراهن في ادعاء الوطء، فهل يحلّف؟

стр. 3003

ذكر الأصحاب وجهين. والأظهر عندي أن يحلّف. ووجهُ قول من لا يحلّفه أن حاصل كلامه يرجع إلى استلحاق المولود، وقد تقدم أنه لا استحلاف فيه. ولو ادعى الوطء، ولم يتعرض لاستلحاق النسب، لم يثبت الاستيلاد. والوجهان في تحليف الراهن على الوطء ذكرهما صاحب التقريب على النسق الذي ذكرناه. وإن رأينا تصديق المرتهن في نفي الوطء، فلا يُثبت يمينُه؛ فإن كل من أراد نفيَ فعل غيره، لم يزد في يمينه على نفي العلم به، وهذا لو صح الرجوع إلى قول المرتهن أصل لا مراء فيه. وبه يضعف أصلُ هذا الوجه؛ فإن المرتهن في الغالب لا يطلع على الوطء؛ ومهما حلف على نفي العلم بالوطء، برَّت يمينُه، فيؤدي هذا المسلكُ إلى أن لا يثبت حقُّ وطء الراهن قط إلا أن يطأ على رؤوس الأشهاد. وهذا ينفصل عن تعليق الطلاق؛ فإن وقوع الطلاق ليس من حقها، وكذلك فعلُها الذي هو صفة في الطلاق، فإن كان لا يظهر وقوع الطلاق، فليس فيه تعطيل حق، والراهن يطأ بحق الملك؛ فإن الوطء لا يستباح بالإذن، ولكن الإذن يرفع المانع من اليمين. وإذا كان هذا من حق الراهن، فينبغي له أن يمهّد له سبيلٌ إلى إثباته على يسر. ٣٥٧٤ - ثم إن المزني ذكر المسألة الأخيرةَ، وحكى عقيبها عن الشافعي أنه قال: إن كان موسراً، فعليه القيمةُ، وإن كان معسراً، فلا شيء عليه. ذكر هذا في صورة الاعتراف بالإذن والوطء، ثم أخذ يعترض ويقول: وجب أن لا نلزم القيمة، لأن الوطء جرى بالإذن، فوجب بطلان حقه. قلنا: الأمر على ما ذكرتَ، ولكن أخطأتَ ووهمت في النقل، والشافعي ذكر هذا في المسألة الأولى من مسائل الاختلاف: وهي إذا أنكر المرتهن أصلَ الإذن وحلف. وقد تتبّع الأثباتُ نصوصَ الشافعي في الكتب، فلم يجدوا ما ذكره المزني من الفرق بين الموسر والمعسر، إلا على أثر إنكار المرتهن أصلَ الإذن. فرع: ٣٥٧٥ - ذكر العراقيون في أثناء الكلام عند ذكرهم إذْنَ المرتهن مسألة في الإذن أحببت نقلها، وهي أنهم قالوا: لو قال السيد: اضرب عبدي، فضربه، وأتى

стр. 3004

الضرب عليه. قالوا: لا ضمان على الضارب. وقالوا: الزوج مأذون من جهة الشرع في ضرب زوجته، ولو ضربها وأتى الضرب عليها، ضمنها، وفرقوا بأن الإذن في ضرب الزوجة مقيد بتوقي القتل وإبقائها والإبقاء عليها. والإذنُ في الضرب مطلق في المسألة التي ذكرناها لا تقييد فيه. وكأنهم رأوا الأمر بالضرب أمراً بجنسه بالغاً ما بلغ. وهذا محتمل عندي؛ فإن الضرب يخالف القتل، فالأمر به أراه مُشعراً بالاقتصار عليه، ومن قتل إنساناً لا يقال: ضربه. ولو قال: أدِّب عبدي، فلا يجوز أن يُشكَّ في أنه لو قتله، ضمنه؛ فإن التأديب مصرِّحُ بإبقاء المؤدَّب. فصل قال: " ولو وطئها المرتهن ... إلى آخره " (١). قد ذكرنا فيما تقدم وطءَ الراهن بالإذن وغيرِ الإذن. وهذا الفصل مضمونه ذكرُ وطء المرتهن الجاريةَ المرهونة. ولذلك صورتان: إحداهما - أن يقع الوطء من غير إذن الراهن. والأخرى - أن يقع الوطء بإذنه. فأما إذا وطىء بغير إذن الراهن، فلا يخلو إما أن يكون عالماً بالتحريم، وإما أن يدعي الجهلَ به، فإن كان عالماً بالتحريم، فهو زان يلزمه الحد. فإن استكره الموطوءة، التزم مهرَها للراهن. وإن طاوعته، فهي زانية. واختلف الأصحاب في وجوب المهر: منهم من قال: لا مهر، وإليه ميلُ المحققين. ومنهم من أوجب المهر. ٣٥٧٦ - التوجيه: من قال: يجبُ المهر، احتج بأنَ مُطاوعتها إباحة منها، وإباحتها مهدرة في حق المولى، فأشبه ما لو أباحت قطع طرفها لجانٍ؛ فإن الضّمان لا يسقط بإباحتها. ومن قال: يسقط، احتج بأن قال: هي بغيّ أوّلاً، وقد " نهى رسول الله صلى الله

стр. 3005

عليه وسلم عن مهر البغي " ومنافع البضع تقوّمت بالشرع إذا استهلكت وهي محترمة، ولا حرمة مع البغاء. وفيه لطيفةٌ من جهة المعنى، وذلك أنها إذا طاوعت، فهي مشاركة في العمل، وليس الزاني منفرداً بإتلاف المنفعة، ولا تمييز ولا تشطير. والشرع لا يتقاضى إثباتَ البدل لحقٍّ حرمه، فلا شيء. هذا إذا كان عالماً بالتحريم. فأما إذا كان جاهلاً فيما زعم، بأن كان حديث العهد بالإسلام، وظن أن الارتهان يبيح المرهونة، فإذا ادعى الجهلَ ولم يبعُد ما قال، فلا حد. وإذا انتفى الحد، فالكلام بعده في المهر، والنسب، والحكم برق الولد وحريته. الظاهر أن النسب يثبت؛ لمكان الشبهة الدارئة للعقوبة. وإذا اندفع الحد لشبهة، كان الوطء على حظ من الحرمة (١)؛ فيثبت النسب. ومن أصحابنا من قال: لا يثبت. ثم الطريقة الصحيحة تخريج رق المولود على الخلاف في النسب، فإن حكمنا بالنسب، فالولد حر، وإن نفينا النسب، فالولد رقيق. وقال بعض أصحابنا: النسبُ يثبت وفاقاً. وفي ثبوت الحرية وجهان. وهذا القائل يزعم أن النسب أسرع إلى الثبوت. وعكس بعض من ينتسب إلى التحقيق هذا، فقطع بإثبات الحرية، وردّد القول في النسب، وصار إلى أن الولد النسيب هو المنعقد من ماء محترم، والحرمة غير متكاملة. وهذا كله خبط. والوجه إجراء النسب والحرية مجرى واحداً. والمذهب ثبوتهما. وكان شيخي يعلل الوجه الآخر بضعف الشبهة، ويقول: الحدّ يندرىء بأدنى شبهة. والنسب يستدعي شبهة لها وقعٌ.

стр. 3006

وقرّر القاضي في هذا كلاماً، وقال: من لا يعلم حكم الإسلام تحريم هذا الوقاع فكأن لا شبهةَ ولا بصيرة. ثم قال: إذا زنى مجنون بعاقلة، فالقول في النسب يجب أن يخرّج على هذين الوجهين، فإن المجنون ليس ممن يدري، وليس ممن يتصف بنقيض الدراية، والشبهةُ إنما تثبت في حق من يعذر بظنٍّ وهو (بصدد) (١) الدراية، وعليه يخرّج عندي الخلاف في عمد المجنون في القتل؛ فإن إلحاقه برتبة المخطىء لا وجه له وإقدامُه معلوم حساً. وهذا لائح في المجنون. فأما إلحاق عاقل جهل التحريم -ومن الممكن أن يعرفه- بالمجنون، فبعيد. فأما المهر، ففيه تردد للأصحاب؛ من جهة ضعف الشبهة، وأنها لم تورِث حرمة، والأصح ثبوت المهر. هذا كله إذا وطىء المرتهن من غير إذن الراهن. ٣٥٧٧ - فأما إذا وطىء بإذن الراهن، فإذا كان عالماً بالتحريم، لزمه الحد في ظاهر المذهب. وقيل: لا حدَّ عليه لشبهة الخلاف؛ فإن عطاء بن أبي رباح، كان يجوّز إعارة الجواري، وكان يبعث بجواريه إلى ضيفانه، فلينتهض مذهبُه شبهة في درء الحدّ. وهذا ليس بشيء؛ فإن الحد لا يدرأ بالمذاهب، وإنما يدرأ بما يتمسك به أهل المذاهب من الأدلة، ولا نرى لفظاً في هذا متمسكاً، ولا أصل لهذا الوجه. فإن قلنا: لا حد، فالكلام في النسب وحرية الولد على ما قدمناه في حق من وطىء من غير إذن وادّعى الجهل بالتحريم. وإن أوجبنا الحد، فلا نسب، والولد رقيق. وإن ادعى الجهل بالتحريم عند إذن الراهن، فالدعوى في هذه الصورة أظهر. واتفق الأصحابُ على أنه يتعلق بها دفع الحد، وثبوت النسب، وحريةُ الولد. ولا تصير الجارية أم ولد، وإذا ملكها يوماً من الدهر، ففيها القولان المشهوران. وأما المهر، فقد اختلف قولُ الشافعي في وجوبه، فقال في قول: لا يجب؛ لأن الإذن من

стр. 3007

الحرّ المستوجب للمهر قد حصل، وإذا سلطه ذو الحق على إتلاف حقّهِ، فلا ضمان. وقال في قول آخر: يجب المهر؛ فإن الإباحة لا وقع لها في الأبضاع، وليس الوطء زنا. قال القاضي: هذا الاختلافُ قريب من اختلاف قول الشافعي في أن المفوضة هل تستحق المهر، وسيأتي ذلك مفصلاً في كتاب الصداق، إن شاء الله تعالى. هذا قولنا في المهر. فأما قيمة الولد وقد ثبتت حريته، ففيها طريقانِ: فالذي ذهب إليه معظم الأصحاب أنها تجب، ولا تسقط بسبب الإذن في الوطء؛ فإن العلوق لا صنع فيه للواطىء، فلا يكون الإذن في الوطء متعلِّقاً به. هذا أحد الطريقين. وقد ذكر صاحب التقريب طريقة أخرى في تخريج قيمة الولد على قولي المهر؛ فإن العلوق مترتب على الوطء المأذون فيه. والدليل عليه أنّ إذنَ المرتهن للراهن في الوطء يوجب تنفيذ الاستيلاد، وسقوطَ الغرامة، وإن كان الاستيلاد ترتب على العلوق. وليس هو من صنع الواطىء. ولكن التسبب إلى الشيء بمثابة مباشرته. فصل قال: " ولو كان الرهن إلى أجلٍ، فأذن للراهن في بيع الرهن ... إلى آخره " (١). ٣٥٧٨ - إذا أذن المرتهن للراهن في العتق، فأعتق بإذنه، بطل حقُّه من الرهن، سواء كان الحق حالاًّ أو مؤجلاً؛ فإن الإعتاق إتلافٌ للمالية، لا إلى عوض؛ فإذا أذن المرتهن به، سقط حقه بالكلية من الوثيقة. فأمَّا إذا أذن بالبيع، فلا يخلو: إما أن يكون حالاًَ، أو مؤجلاً. فإن كان مؤجلاً، ففيه مسائل: أحدها - أن يُطلق المرتهن الإذن في البيع، ولا يقيده بشرط، فإذا باع الراهن بالإذن، انفك الرهن، ولا يلزم البائعَ جعلُ الثمن

стр. 3008

رهناً مكان ما باع، خلافاً لأبي حنيفة (١). هذه مسألة. ٣٥٧٩ - والمسألة الثانية - أن يأذن في البيع على شرط أن يعجل الدين من ثمنه، فهذا الشرط باطل؛ فإنه يتضمن إثبات حق غيرِ ثابت، وهو التعجيل. وإذا تبين فساد هذا الشرط، فالإذن يفسد بفساد الشرط ولا ينفذ بيع الراهن، وينزل ما جرى منزلة ما لو باع مستبداً من غير إذن، وهذا يعد من مشكلات المذهب. وذهب المزني إلى أن البيع نافذ بالإذن. واحتج عليهِ بأن قال: الإذن في البيع لا فساد فيه، وإنما الفساد في الشرط المقرون به، فليفسد الشرط، وليصح البيع بالإذن، واستشهد عليه بالتوكيل بالبيع مع شرط فاسد، مثل أن يقول: بع عبدي هذا ولك عشرُ ثمنه، فالأجرة فاسدة؛ من جهة أن مبلغ الثمن مجهول، والجزء من المجهول مجهول. ولكن البيع من الوكيل نافذ، والرجوع إلى أجر المثل، فليكن الأمر كذلك فيما نحن فيه؛ حتى يصح البيع، ويفسدَ الشرط. وهذا الذي ذكره المزني في ظاهره معنى كلي. وقد قال العراقيون: حكي عن أبي إسحاق المروزي أنه ذكر قولاً مخرجاً موافقاً لمذهب المزني، فحكم بنفوذ البيع، وبفساد الشرط. هذا حكَوْه، ثم زيفوه. وقالوا: التعويل فيما يُنقل عن أبي إسحاق على ما يوجد في شرحه (٢). وهذا غير موجود في شرحه، فالوجه القطع بما نص عليه الشافعي. وما ذكره المزني نقول فيه: الإذن في البيعِ في مسألتنا مُعَارض باشتراط شيء لا يستحَق، فكأن المرتهن أَذِنَ، وقابَل (٣) الإذن بشرط يجر به منفعة إلى نفسه، ولم يُثبت الشرع ذلك الشرط، ففسد، وإذا فسد مقابلُ الشيء، فسد ذلك الشيء. وهذا يمثَّل بفساد أحد العوضين في المعاملات؛ فإن من حكمه فسادُ مقابلِهِ. وليس كذلك التوكيل بالبيع؛ فإنَ أصل الإذن لا مقابِل له، وإنما المقابلة في عمل الوكيل وما شُرط

стр. 3009

له، والإذن في البيع خارج عنهما، فاستقل الإذن بالصحة، وتقابل العمل والشرط، فقيل لَحِقَهما الفسادُ. أما أثر الفساد في العمل، فهو أنه لا يستحق، وأثر الفساد في العوض لائح، فيخرج منه نفوذ البيع بحكم الإذن المطلق، والرجوع إلى أجر المثل على قياس المعاوضات الفاسدة. ونفس الإذن في مسألتنا مقابَل بفسادٍ، وذلك الفساد عوض الإذن. هذا منتهى الإمكان في هذا. ٣٥٨٠ - والمسألة الثالثة - أن يأذن في البيع، ويشترطَ وضعَ ثمنه رهناً مكانه. وفي المسألة قولان: أحدهما - أن الشرط يفسد، ثم يفسد بفساده الإذن في البيع، كما قدمناه في المسألة الثانية. والقول الثاني - أن الشرط صحيح، والإذن في البيع صحيح، فإذا بيع المرهون، لزم جعلُ ثمنه رهناً. وهذا في حكم نقل الرهن من العين إلى عوضه، فإذا كان يجري هذا وفاقاً؛ فإن المرهون إذا هلك تعلق حق الوثيقة بقيمته، وما يقع لا يمتنع شرطه. وهذا يترتب على أصل سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. وهو أن من رهن ما يتسارع الفساد إليه، فهل يصح الرهن فيه والدين مؤجل؟ فعلى قولين، أحدهما - لا يصح؛ فإن مقتضى الرهن الحبسُ إلى حلول الدين، والحبس يفسد الرهن. والقول الثاني - يصح الرهن، ويباع ويوضع ثمنه رهناً، وسيأتي ذلك. فإن أفسدنا فيما يفسد من يومه، فذاك لمصيرنا إلى امتناع النقل، فلا يجوز إذاً شرط النقل. وإن صححنا رهنَ ما يفسد، ونزلنا على نقل (١) الوثيقة من العين إلى ثمنها، فلا يمتنع شرطه. وكل ما ذكرناه فيه إذا كان الدين مؤجلاً (٢ وجرى الإذن ٢) من المرتهن في البيع قبل حلول الأجل مطلقاً أو مقيداً. ٣٥٨٠/م- وأما إذا كان الحق حالاًّ، فأذن المرتهن في البيع، نُظر: فإن كان الإذن

стр. 3010

مطلقاًً، نفذ البيع، ولزم قضاء الحق من ثمنه؛ لأن هذا مستحق بحكم الرهن، فمطلق الإذن محمول عليه. فإنْ شَرَطَ قضاءَ الحق منه، فقد زاد تأكيداً، وصرح بما يقتضيه الإطلاق. ولو أذن في البيع على شرط أن يوضع ثمنه رهناً، ففي المسألة قولان والحقُّ حالٌّ، كالقولين إذا كان مؤجلاً، فلا يختلف الترتيب في هذا الشرط في الحالّ والمؤجل، فإنَّ نقل الرهن غيرُ مستحق في الحالتين. هذا بيان المسألة. ٣٥٨١ - ثم ذكر الشافعي بعد هذا اختلافاً بين الراهن والمرتهن في كيفية الإذن، والقول مفروض في الدين المؤجل، فإذا باع الراهن الرهنَ بالإذن، ثم اختلف الراهن والمرتهن: فقال الراهن: أذنتَ في البيع المطلق، وقال المرتهن أذنتُ في البيع وشرطتُ أن يوضع ثمنُه رهناً، فظاهر المذهب أن القول قول المرتهن مع يمينه؛ فإن البائع يدعي الإذن على وجه ينقطع فيه تعلق المرتهن، والمرتهن يأبى ذلك، والأصل استمرار تعلقه بحق الوثيقة. وذكر بعض أصحابنا وجهاً آخر في ذلك، ووجهوه بأن أصل الإذن متفق عليه، و [المرتهن] (١) يدعي ضم شيء إلى الإذن، والأصل عدمه. وهذا ليس بشيء، والمذهب الأول. وهذا ذكره شيخي وأنا أحسبه هفوة، فلا يعتد به. ثم أطنب المزني في التعلّق بمسألة الوكيل الذي شرط له الجعل الفاسد، وقد تكلمنا عليه بما فيه مقنع مذهباً وحجاجاً. فرع: ٣٥٨٢ - إذا أذن المرتهن في البيع مطلقاًً والدين مؤجل، ثم رجع عن الإذن قبل جريان البيع، صح رجوعه، ونفس الإذن في البيع لا يبطل حقَّ المرتهن، بل الأمر موقوفٌ على جريان البيع على حكم الإذن. فلو اختلف الراهن والمرتهن، وقد جرى الإذنُ في البيع والرجوعُ، فقال الراهن: بعتُ قبل رجوعك. وقال المرتهن: بل رجعتُ قبل بيعك، فالذي ذهب إليه الأكثرون أن القول قول المرتهن؛ فإنه تقابل

стр. 3011

هاهنا أصلان: أحدهما - أن الأصل عدم بيعه في الوقت الذي يدعيه، والأصل عدم رجوع المرتهن أيضاًً في ذلك الوقت، فيتقابلان ويبقى أصل الرهن على ما تقرر ابتداء. ومن أصحابنا من قال: ينفذ البيع؛ فإن الأصل استمرار المرتهن على حكم الإذن الذي سبق منه. وهذه المسألة تلتفت على اختلاف الزوجين في الرجعة وانقضاء العدة، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه، إن شاء الله . فصل قال: " ولو رهنه أرضاً من أرض الخراج، فالرهن مفسوخ؛ لأنها غير مملوكة ... إلى آخره " (١). ٣٥٨٣ - أراد بأرض الخراج سوادَ العراق وكان غنمه المسلمون، واستولَوْا عليه عَنْوة، واقتسموا واشتغلوا بالحراثة وتعلقوا بأذناب البقر، وتقاعدوا عن الجهاد، فاستطاب أمير المؤمنين عمرُ ﵁ قلوبَهم عنها، فاستردَّ [ها] (٢) منهم بعوض وغير عوض، ثم حبّسها على المسلمين، وردَّها على سكان العراق ووظّف عليهم أجرة. هذا مذهب الشافعي، وسيأتي شرحه في موضعه، إن شاء الله في كتاب السِّير والجزية، والغرض من ذكره الآن تفصيل القول في رهن تلك الأراضي. وزعم ابنُ سريج أن عمر باع تلك الأراضي من أهل العراق، وما حبسها وجعل الثمن موظفاً عليهم. وهذا يخالف نصَّ الشافعي، فإن ابن سريج يزعم أن سواد العراق على التأويل الذي ذكره مملوك، فينفذ بيعه ورهنه. ونص الشافعي يصرح بأن تلك الأراضي محبَّسةٌ ممتنعٌ بيعها ورهنها. قال العراقيون: سواد العراق من عَبَّادان إلى الموصل طولاً، ومن القادسية إلى حُلوان عرضاً، فلو فعل الإمام فينا مثلَ هذا، جاز. والقول فيه يطول، وليس هو من

стр. 3012

غرض الكتاب، وإنما المقصود الكلامُ في أن رهن سواد العراق غيرُ جائز على النص؛ فإنه محبس. وهو جائز على تخريج ابن سريج. وأما بيع ما فيهِ من أبنية، فكل بناء كان من برّية العراق، فهو أيضاً غير مملوك، وما لم يكن من برّيته، فمملوك، والغراس لا شك أنه مستحدث، فإذا كان مملوكاً، فالرهن فيه جائز، وكذلك البيع. ولو جمع بين رهن أرضٍ من السواد وغراس فيه مملوك، فهذا من باب تفريق الصفقة. ثم مما وقع التعرض له في هذا الفصل أن بيع الأرض هل يستتبع الغراس؟ وهذا قد استقصيناه في كتاب البيع على أبلغ وجه، فلا معنى لإعادته، وشرط هذا الكتاب أن نضم فيه أطرافَ الكلام في المثنيات والمكررات. ٣٥٨٤ - ثم قال الشافعي: " لو أدى عنه الخراج، فهو متطوِّع ... إلى آخره " (١). فالمراد أن من رهن بناء مملوكاً أو غراساً، فالخراج على الراهن، فلو أدى المرتهن الخراج نُظر: فإن أداه من غير إذن من عليه الخراج، فهو متطوع لا يجد إلى ما أداه مرجعاً. ولو أداه بإذن من عليه بشرط الرجوع، رجع، ولو أدّاه بإذنٍ، وما كان الإذن متقيداً بشرط الرجوع، ففي المسألة وجهان مشهوران. ولا اختصاص لهذا بما نحن فيه. وكل من أدى ديناً على إنسان، فتفصيله في الرجوع على ما ذكرناه. ونصُّ الشافعي يميل إلى الرجوع إذا كان الإذن مطلقاًً. قال الشافعي: لو فادى أسيراً دون إذنه، لم يرجع عليه، وإن فاداه بإذنه، رجع عليه، ولم يعتبر شرطَ الرجوع. ونصَّ أيضاًً على أن من اكترى داراً وقبضها وأكراها، فأدى المكتري الثاني الكراءَ عن الأول إلى المُكري بإذنه، رجع. وإن لم يكن بإذنه، لم يرجع، ولم يعتبر شرط الرجوع. والمسائل كلها على الخلاف بين الأصحابِ.

стр. 3013

فصل قال: " ولو اشترى عبداً بالخيار ثلاثاً، فرهنه قبلها، فالرهن جائز، وهو قطع لخياره ... إلى آخره " (١). ٣٥٨٥ - إذا شرط الخيار لنفسه دون البائع، فالمذهب أن الملك للمشتري، وخرّج فيه قولان آخران، تقدم ذكرهما في أول البيع. والشافعي فرعّ على أن الملك للمشتري، وقال: " لو رهنه في زمان الخيار، صح الرهن، وانقطع الخيار، ولزم البيع ". وهذا مما ذكرناه في كتاب البيع على أبلغ وجه في البيان، وأحسن مساق في التفصيل، والرهن في زمان الخيار بمثابة البيع. وحاصل المذهب ثلاثةُ أوجه: أحدها - أن الرهن فاسد والعقد على جوازه. والثاني - أن الرهن فاسد، والخيار ينقطع. والثالث -وهو ظاهر النص- أن الرهن يصح، وينقطع الخيار به. وذكر العراقيون، وصاحب التقريب في الوصية اختلافاً يناظر هذا، فإذا أوصى رجل بعبد لرجلٍ، ومات الموصي، فرهن الموصى له العبدَ الموصَى به بعد موت الموصي، وقبل القبول، ففي المسألة أوجه: أحدها - يصح الرهن، ويكون قبولاً للوصية. والثاني - لا يصح الرهن، ولا القبول. والثالث - يفسد الرهن، ولكن يقع قبولاً للوصية. فصل ٣٥٨٦ - ويجوز رهن العبد المرتد، وهذا معنى مستقصى في البيع، ثم ذكرنا المذهبَ في بيع العبد المرتد، وبيع العبد المحارب المستوجب للقتل؛ بسبب القتل والمحاربة، وأوضحنا أن من اشترى عبداً مرتداً، وقبضه، وقتل في يده بالردة، فهو من ضمان البائع أو من ضمان المشتري؟ ولا وجه لإعادة ما سبق.

стр. 3014

والقدرُ المتعلق بكتاب الرهن أن من ارتهن عبداً مرتداً، وصححنا الرهن، فقبضه، ثم قتل في يده بالردة، نظر: فإن لم يكن الرهنُ مشروطاً في بيعٍ، فلا أثر لما جرى، وقد ارتفع الرهن بفوات المرهون. وإن كان الرهن مشروطاً في بيع، فإذا قتل العبد في يد المرتهن، ففيه الخلاف المقدم ذكرُه في البيع: ففي وجهٍ يُجعل كما لو قتل في يد الراهن، ولو قتل في يده، لما كان وافياً بالرهن المشروط، ثم حُكمه أن يتخير البائع في فسخ البيع؛ فإن من شرط رهناً، فلم يتفق الوفاء به، ثبت له الخيار. وسيأتي بيان هذا الأصل. وإن قلنا: المرتد في يد المرتهن محسوبٌ عليه، فقد توفر عليه المشروط، فلا يثبت له حق فسخ البيع. ٣٥٨٧ - ويتصل بهذا الفصل أن الرهن إذا كان مشروطاً، ثم اتفق ضياعه في يد المرتهن، ثم اطلع المرتهن على عيب بعد فوات الرهن، فهذا من غوامض الأحْكام في الرهن. وهو بين أيدينا. ولكن نُنْجز منه شيئاً. فنقول: إن اطلع على عيب وأمكن الرد ورَدَّ، ففائدة ذلك أن يتخيّر في فسخ البيع. وإن عسر الرد بالتلف، وقد فرض الاطلاع من بعدُ، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه قد فات الأمر؛ فإن الرد غير ممكن، والأرش لا وجه له؛ فإن الأرش استردادُ جزءٍ من الثمن. والوجه الثاني - أنه يثبت للمرتهن حق فسخ البيع؛ لأن النقصان الذي اطلع عليه في حكم جزء لم يصل المرتهن إليه، ولم يتحقق الوفاء بالشرط فيه، فهو كما لو شرط رهن أشياءَ، فاتفق الوفاء برهن بعضها دون بعضٍ، فالخيار ثابت. ونص الشافعي يميل إلى هذا. فإذا ارتهن مرتداً، فقتل في يده، وفرعنا أنه محسوب عليه، فلو اطلع على الردة من بعدُ، فهذا ما ذكرناه من الاطلاع على العيب بعد فوات الرد.

стр. 3015

فصل قال: " ولو أسلفه ألفاً برهنٍ ... إلى آخره " (١). ٣٥٨٨ - إذا رهن من عليه ألف عبداً بالألف، ثم أراد أن يرهن بذلك الألف عبداً آخر أو ما بدا له، فليفعل، ولا منع من هذا؛ والسببُ فيه أن الرهن هو المشغول بالدين، والدين غيرُ مشغولٍ بالرّهن؛ فإنه ليس عوضه، ولا موثقاً به، فالزيادة في الرهن لا منع منها. فأما إذا أراد أن يزيد في الدين، ويرهن ذلك المرهون بدين آخر، ضما إلى الدين الأول، فإن فسخا الرهن الأول وأعاداه بالدينين، فلا شك في جوازه. ولو قررا الرهن الأول، وأرادا ضم دين آخر إليه، ففي جواز ذلك قولان: أحدهما - يجوز، وهو القديم، واختيار المزني. والثاني - لا يجوز. وهو الجديد. ومذهب أبي حنيفة (٢). ٣٥٨٩ - توجيه القولين: من منع ذلك، احتج بأن قال: إذا أُقر الرهنُ الأولُ، وزيد في الدين بذلك الرهن، فهذا رهنُ مرهونٍ، ورهنُ المرهون لا يجوز، كما لو فرض رهنه من آخر. ومن قال: إنه جائز، فلا وجه لقوله إلا اعتبارُ (٣) الدين بالرهن. وقد قدمنا أن الزيادة في الرهن جائزة؛ فإذا لم يمتنع هذا في أحد الجانبين وحكمُ العقود التساوي، لم يمتنع في الجانب الآخر. ولمَّا منعنا الزيادةَ في الثمن بعد لزوم العقد، منعناها في المثمن. ومن بدائع الأمور اختيار المزني جوازَ هذا الإلحاق، مع ميله إلى القياس في اختياراته، وأبدعُ من هذا منعُ أبي حنيفة لهذا الإلحاق، مع مصيره إلى أن الزيادة
следующие страницы →