هاهنا أصلان: أحدهما - أن الأصل عدم بيعه في الوقت الذي يدعيه، والأصل عدم رجوع المرتهن أيضاًً في ذلك الوقت، فيتقابلان ويبقى أصل الرهن على ما تقرر ابتداء.
ومن أصحابنا من قال: ينفذ البيع؛ فإن الأصل استمرار المرتهن على حكم الإذن الذي سبق منه.
وهذه المسألة تلتفت على اختلاف الزوجين في الرجعة وانقضاء العدة، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه، إن شاء الله .
فصل
قال: " ولو رهنه أرضاً من أرض الخراج، فالرهن مفسوخ؛ لأنها غير مملوكة ... إلى آخره " (١).
٣٥٨٣ - أراد بأرض الخراج سوادَ العراق وكان غنمه المسلمون، واستولَوْا عليه عَنْوة، واقتسموا واشتغلوا بالحراثة وتعلقوا بأذناب البقر، وتقاعدوا عن الجهاد، فاستطاب أمير المؤمنين عمرُ ﵁ قلوبَهم عنها، فاستردَّ [ها] (٢) منهم بعوض وغير عوض، ثم حبّسها على المسلمين، وردَّها على سكان العراق ووظّف عليهم أجرة. هذا مذهب الشافعي، وسيأتي شرحه في موضعه، إن شاء الله في كتاب السِّير والجزية، والغرض من ذكره الآن تفصيل القول في رهن تلك الأراضي.
وزعم ابنُ سريج أن عمر باع تلك الأراضي من أهل العراق، وما حبسها وجعل الثمن موظفاً عليهم. وهذا يخالف نصَّ الشافعي، فإن ابن سريج يزعم أن سواد العراق على التأويل الذي ذكره مملوك، فينفذ بيعه ورهنه. ونص الشافعي يصرح بأن تلك الأراضي محبَّسةٌ ممتنعٌ بيعها ورهنها.
قال العراقيون: سواد العراق من عَبَّادان إلى الموصل طولاً، ومن القادسية إلى حُلوان عرضاً، فلو فعل الإمام فينا مثلَ هذا، جاز. والقول فيه يطول، وليس هو من
стр. 3012
غرض الكتاب، وإنما المقصود الكلامُ في أن رهن سواد العراق غيرُ جائز على النص؛ فإنه محبس. وهو جائز على تخريج ابن سريج.
وأما بيع ما فيهِ من أبنية، فكل بناء كان من برّية العراق، فهو أيضاً غير مملوك، وما لم يكن من برّيته، فمملوك، والغراس لا شك أنه مستحدث، فإذا كان مملوكاً، فالرهن فيه جائز، وكذلك البيع.
ولو جمع بين رهن أرضٍ من السواد وغراس فيه مملوك، فهذا من باب تفريق الصفقة.
ثم مما وقع التعرض له في هذا الفصل أن بيع الأرض هل يستتبع الغراس؟ وهذا قد استقصيناه في كتاب البيع على أبلغ وجه، فلا معنى لإعادته، وشرط هذا الكتاب أن نضم فيه أطرافَ الكلام في المثنيات والمكررات.
٣٥٨٤ - ثم قال الشافعي: " لو أدى عنه الخراج، فهو متطوِّع ... إلى آخره " (١).
فالمراد أن من رهن بناء مملوكاً أو غراساً، فالخراج على الراهن، فلو أدى المرتهن الخراج نُظر: فإن أداه من غير إذن من عليه الخراج، فهو متطوع لا يجد إلى ما أداه مرجعاً. ولو أداه بإذن من عليه بشرط الرجوع، رجع، ولو أدّاه بإذنٍ، وما كان الإذن متقيداً بشرط الرجوع، ففي المسألة وجهان مشهوران.
ولا اختصاص لهذا بما نحن فيه. وكل من أدى ديناً على إنسان، فتفصيله في الرجوع على ما ذكرناه.
ونصُّ الشافعي يميل إلى الرجوع إذا كان الإذن مطلقاًً. قال الشافعي: لو فادى أسيراً دون إذنه، لم يرجع عليه، وإن فاداه بإذنه، رجع عليه، ولم يعتبر شرطَ الرجوع. ونصَّ أيضاًً على أن من اكترى داراً وقبضها وأكراها، فأدى المكتري الثاني الكراءَ عن الأول إلى المُكري بإذنه، رجع. وإن لم يكن بإذنه، لم يرجع، ولم يعتبر شرط الرجوع.
والمسائل كلها على الخلاف بين الأصحابِ.
стр. 3013
فصل
قال: " ولو اشترى عبداً بالخيار ثلاثاً، فرهنه قبلها، فالرهن جائز، وهو قطع لخياره ... إلى آخره " (١).
٣٥٨٥ - إذا شرط الخيار لنفسه دون البائع، فالمذهب أن الملك للمشتري، وخرّج فيه قولان آخران، تقدم ذكرهما في أول البيع. والشافعي فرعّ على أن الملك للمشتري، وقال: " لو رهنه في زمان الخيار، صح الرهن، وانقطع الخيار، ولزم البيع ".
وهذا مما ذكرناه في كتاب البيع على أبلغ وجه في البيان، وأحسن مساق في التفصيل، والرهن في زمان الخيار بمثابة البيع. وحاصل المذهب ثلاثةُ أوجه: أحدها - أن الرهن فاسد والعقد على جوازه.
والثاني - أن الرهن فاسد، والخيار ينقطع. والثالث -وهو ظاهر النص- أن الرهن يصح، وينقطع الخيار به.
وذكر العراقيون، وصاحب التقريب في الوصية اختلافاً يناظر هذا، فإذا أوصى رجل بعبد لرجلٍ، ومات الموصي، فرهن الموصى له العبدَ الموصَى به بعد موت الموصي، وقبل القبول، ففي المسألة أوجه: أحدها - يصح الرهن، ويكون قبولاً للوصية. والثاني - لا يصح الرهن، ولا القبول. والثالث - يفسد الرهن، ولكن يقع قبولاً للوصية.
فصل
٣٥٨٦ - ويجوز رهن العبد المرتد، وهذا معنى مستقصى في البيع، ثم ذكرنا المذهبَ في بيع العبد المرتد، وبيع العبد المحارب المستوجب للقتل؛ بسبب القتل والمحاربة، وأوضحنا أن من اشترى عبداً مرتداً، وقبضه، وقتل في يده بالردة، فهو من ضمان البائع أو من ضمان المشتري؟ ولا وجه لإعادة ما سبق.
стр. 3014
والقدرُ المتعلق بكتاب الرهن أن من ارتهن عبداً مرتداً، وصححنا الرهن، فقبضه، ثم قتل في يده بالردة، نظر: فإن لم يكن الرهنُ مشروطاً في بيعٍ، فلا أثر لما جرى، وقد ارتفع الرهن بفوات المرهون. وإن كان الرهن مشروطاً في بيع، فإذا قتل العبد في يد المرتهن، ففيه الخلاف المقدم ذكرُه في البيع: ففي وجهٍ يُجعل كما لو قتل في يد الراهن، ولو قتل في يده، لما كان وافياً بالرهن المشروط، ثم حُكمه أن يتخير البائع في فسخ البيع؛ فإن من شرط رهناً، فلم يتفق الوفاء به، ثبت له الخيار.
وسيأتي بيان هذا الأصل.
وإن قلنا: المرتد في يد المرتهن محسوبٌ عليه، فقد توفر عليه المشروط، فلا يثبت له حق فسخ البيع.
٣٥٨٧ - ويتصل بهذا الفصل أن الرهن إذا كان مشروطاً، ثم اتفق ضياعه في يد المرتهن، ثم اطلع المرتهن على عيب بعد فوات الرهن، فهذا من غوامض الأحْكام في الرهن. وهو بين أيدينا. ولكن نُنْجز منه شيئاً.
فنقول: إن اطلع على عيب وأمكن الرد ورَدَّ، ففائدة ذلك أن يتخيّر في فسخ البيع.
وإن عسر الرد بالتلف، وقد فرض الاطلاع من بعدُ، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه قد فات الأمر؛ فإن الرد غير ممكن، والأرش لا وجه له؛ فإن الأرش استردادُ جزءٍ من الثمن.
والوجه الثاني - أنه يثبت للمرتهن حق فسخ البيع؛ لأن النقصان الذي اطلع عليه في حكم جزء لم يصل المرتهن إليه، ولم يتحقق الوفاء بالشرط فيه، فهو كما لو شرط رهن أشياءَ، فاتفق الوفاء برهن بعضها دون بعضٍ، فالخيار ثابت.
ونص الشافعي يميل إلى هذا.
فإذا ارتهن مرتداً، فقتل في يده، وفرعنا أنه محسوب عليه، فلو اطلع على الردة من بعدُ، فهذا ما ذكرناه من الاطلاع على العيب بعد فوات الرد.
стр. 3015
فصل
قال: " ولو أسلفه ألفاً برهنٍ ... إلى آخره " (١).
٣٥٨٨ - إذا رهن من عليه ألف عبداً بالألف، ثم أراد أن يرهن بذلك الألف عبداً آخر أو ما بدا له، فليفعل، ولا منع من هذا؛ والسببُ فيه أن الرهن هو المشغول بالدين، والدين غيرُ مشغولٍ بالرّهن؛ فإنه ليس عوضه، ولا موثقاً به، فالزيادة في الرهن لا منع منها.
فأما إذا أراد أن يزيد في الدين، ويرهن ذلك المرهون بدين آخر، ضما إلى الدين الأول، فإن فسخا الرهن الأول وأعاداه بالدينين، فلا شك في جوازه.
ولو قررا الرهن الأول، وأرادا ضم دين آخر إليه، ففي جواز ذلك قولان: أحدهما - يجوز، وهو القديم، واختيار المزني.
والثاني - لا يجوز. وهو الجديد. ومذهب أبي حنيفة (٢).
٣٥٨٩ - توجيه القولين: من منع ذلك، احتج بأن قال: إذا أُقر الرهنُ الأولُ، وزيد في الدين بذلك الرهن، فهذا رهنُ مرهونٍ، ورهنُ المرهون لا يجوز، كما لو فرض رهنه من آخر.
ومن قال: إنه جائز، فلا وجه لقوله إلا اعتبارُ (٣) الدين بالرهن. وقد قدمنا أن الزيادة في الرهن جائزة؛ فإذا لم يمتنع هذا في أحد الجانبين وحكمُ العقود التساوي، لم يمتنع في الجانب الآخر. ولمَّا منعنا الزيادةَ في الثمن بعد لزوم العقد، منعناها في المثمن.
ومن بدائع الأمور اختيار المزني جوازَ هذا الإلحاق، مع ميله إلى القياس في اختياراته، وأبدعُ من هذا منعُ أبي حنيفة لهذا الإلحاق، مع مصيره إلى أن الزيادة
стр. 3016
تلحق الثمن والمثمن، بعد لزوم العقد.
٣٥٩٠ - ومما يتعلق بالمسألة أن العبد المرهون لو جنى جنايةً، وتعلق الأرش برقبته، وسنذكر أنه يباع في الأرش، ولا يبالَى بحق المرتهن إذا لم يَفْدِه الراهن، فلو قال المرتهن: أنا أفديه، ويكون ما أفديه به ديناً على السيد، ويصير (١) العبد مرهوناً بما أُقرضُ الراهنَ في فدائه، ففي جواز ذلك قولان مرتبان على القولين في الأصل.
وهذه الصورة أولى بالجواز، من قِبل أن هذا الفداء من مصلحة الرهن، وهو سبب استبقائه، فكان ما قدرناه فيه أقربَ إلى الجواز.
وقرب الأئمة هذا من أصلٍ رمزنا إليه في كتاب البيع، وهو أن المشرف من الحقوق على الزوال إذا استدركت يُجعل استدراكها بمثابة زوالها وإعادتها أم يحمل الاستدراك على موجب الاستدامة فيها؛ فعلى قولين، مأخوذين من معاني كلام الشافعي. وعليه بنينا استثناء الثمار عن مطلق بيع الأشجار قبل بدوِّ الصلاح، حيث قلنا: إنها إن كانت كالزائلة العائدة، فلا بد من شرط القطع في استثنائها، وإن بنينا الأمر فيها على الاستدامة، وهو الصحيح، فلا معنى لشرط القطع.
فإذا جنى العبد المرهون، فقد أشرف الرهن على الزوال، بتقدير أنه يباع في أرش الجناية، فإذا فدى المرتهن بالإذن على الشرط الذي ذكرناه، فهل يجعل هذا كما لو انفك الرّهن ثم أعيد؟ ولو كان كذلك، لصحّ فيه الخلاف الذي ذكرناه.
فصل
قال: " ولو أشهد المرتهن أن هذا الرهن في يده بألفين ... إلى آخره " (٢).
٣٥٩١ - صورة المسألة إذا أقر الراهن أن العبد الذي في يد المرتهن مرهون عنده بألفين، ثم ادّعى بعد ذلك أنه رهنه أولاً بألفٍ، ثم ألحق به ألفاً آخر على ما ذكرناه في صورة القولين. فإن قلنا: الزيادة في الدين جائزة، فلا معنى لدعواه. وإن قلنا:
стр. 3017
لا يجوز ذلك، فلو صدّقه المرتهن، فذاك، وإن كذّبه، فالقول قول المرتهن.
وللراهن أن يحلّفه؛ فإن ما يدعيه محتمل.
وقد مهدنا فيما سبق أن جواز التحليف يعتمد الإمكان، وإنما جعلنا القول قول المرتهن؛ لظهور الإقرار في ثبوت الرهن بألفين، وظهور الإقرار، واحتمال ما قال الراهن يبيح الرجوعَ إلى قول المرتهن مع يمينه.
ولو ادعى الراهن ما وصفناه، فقال المرتهن: فسخنا الرهن الأول بالألف، وأعدناه بالألفين، وأنكر الراهن الفسخ وادعى الإلحاق من غير فسخ وإعادة، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن القول قولُ المرتهن؛ فإنه معتضد بالإقرار المطلقِ الصادر من الراهن؛ إذ قال أولاً: العبد مرهون بالألفين.
والثاني - أن القول قول الراهن؛ فإن المرتهن ادعى فسخاً وإعادة، والأصل عدم ما ادعاه. وكل من ادعى عقداً جديداً، فهو في مقام المدعين.
٣٥٩٢ - ومما يتصل بهذا الفصل أنا إذا منعنا إلحاق الزيادة بالدين مع اتحاد الرهن، فلو قال الراهن لشاهدين: كان هذا العبد رهناً بألفٍ، فجعلته رهناً بألفين، فشهد الشاهدان على لفظه، ونقلاه إلى مجلس القاضي، وكان القاضي يعتقد أن الزيادة لا تلحق، فمعلوم أن اللفظة التي نقلها الشاهدان محتملةٌ لفسخٍ وتجديدٍ، ومحتملة للإلحاق، ففي المسألة وجهان ذكرهما صاحبُ التقريب: أحدهما - لا يحكم الحاكم بكونه رهناً بالألف الثاني، حتى يتبين له تفصيل الحال. والثاني - أنه يلزمه الحكم بكونه رهناً؛ فإنه يجب على الحاكم حمل ما ينقله الشهود على الصحة.
والدليل عليه أنهم لو شهدوا على بيع مطلق، حمل على الصّحة في ظاهر المذهب.
مع اختلاف العلماء في الصحيح والفاسد من البيوع.
وهذا الذي ذكرناه فيه إذا لم يطلع الشاهدان على سر الحال، ولكن سمعا من الراهن لفظه المطلق: " إنِّي جعلت هذا رهناً بألفين ".
فأمَّا إذا علم الشاهدان أنهما ما جددا عقداً بعد فسخٍ، وإنما ألحقا، وكان الشاهدان يعتقدان أن ذلك لا يجوز، والزيادة لا تلحق، فلو أرادا أن يشهدا مطلقاًً
стр. 3018
وينقلا لفظ الراهن " إني جعلت هذا رهناً بألفين " فهل لهما أن يشهدا مطلقاًً؟ قال صاحبُ التقريب: هذا ينبني على أن القاضي هل يقبل ذلك؟ فإن قلنا: لا يقبله، فلا نظر إلى إطلاقهما. ثم إذا استفصل القاضي، فصَّلا ما عندهما. وإن قلنا: القاضي يقضي بالمطلق من شهادتهما من غير بحث، فعلى هذا هل يجوز لهما إطلاق الشهادة مع العلم بسر الحال؟ فعلى وجهين ذكرهما صاحبُ التقريب. قال: والأصح أنه لا يجوز الإطلاق.
والأمر على ما قال. وليس للوجه الثاني وجه.
فصل
قال: " ولو رهن عبداً قد صارت في عنقه جناية ... إلى آخره " (١).
٣٥٩٣ - قد تقدم في كتاب البيع اختلافُ القول في بيع العبد الجاني إذا تعلق برقبته أرشُ جنايته، فلو رهن المالك العبدَ الجاني وفي عنقه الأرش، فلأصحابنا طريقان: منهم من أجرى القولين في صحّة الرهن والقبض، كما تقدم في البيع.
ومنهم من قطع بأن الرهن مردود قولاً واحداً بخلاف البيع، واعتلَّ بأن المرهون لو جنى جناية مالية، وتعلق أرشها برقبته، وامتنع السيد من فدائه، عُرض على البيع، وبيع في أرش الجناية. وإذا كان طريان الأرش يتضمن قطعَ حق المرتهن وتقدّمَ حق الأرش على حقه، فينبغي أن يُمْنَع إيراد الرهن على العبد الذي في رقبته أرش. وإذا امتنع رهنُ المرهون، فالوجه امتناع رهن الجاني؛ فإن تعلق الأرش بالرقبة يوثق بها، والمتعلَّق الأظهر في الحال [لأرش] (٢) الرقبة، والدين الذي به رهنٌ يتعلق أصله بالذمة، والتوثق في حكم تأكيد الأصل، فإذا امتنع رهن المرهون، وجب أن يمتنع رهن الجاني الذي في رقبته مالٌ.
ولو جنى العبد جناية توجب القصاص، ففي بيعه تصرفٌ للأصحاب، وخرّجوه
стр. 3019
على أن موجب العمد ماذا؟ وقد مضى هذا مفصلاً في البيع. فإذا جوزنا البيع جواباً على أن موجب العمد القودُ المحض. (١ وجوّزنا الرهن في هذه الصورة على هذا القول ١)، والجريان على أن تعلقَ الأرض يمنع الرهن، فلو فرض بعد انبرام الرهن بالقبض عفوُ المجني عليه، على مالٍ، أو من غير مالٍ، ورأينا العفو المطلق مقتضياً للمال، فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: ثبوتُ المال طارئاً في الصورة التي انتهينا إليها بمثابة جنايةٍ تطرأ على الرّهن من العبد المرهون، ولو كان كذلك، لم نحكم ببطلان الرهن، ولكن يثبت حق بيعه في الجناية، فإن اتفق ذلك، انقطع الرهن. وإن لم يتفق بسببٍ، فالرهن باقٍ. كذلك إذا عفا المجني عليه عفواً يوجب المال.
ومن أصحابنا من قال -وهو اختيار شيخي- نتبين أنّ الرهن في أصله غيرُ منعقد.
ولا شك أن التفريع على منع رهن الجاني جناية مالية. ووجهُ الوجه الذي ذكرناه أن الرهن جرى مقترناً بسبب هو الذي أفضى إلى ثبوت المال في المآل، فتبين آخراً أن السبب المقترن كان مانعاً. ومن الأصول تنزيل الأسباب إذاً أفضت إلى مسبباتها منزلة تحقق المسببات. وليس كالجناية الطارئة التي لا استناد لها إلى سبب متقدّم.
التفريع:
٣٥٩٤ - إن جرينا على الوجه الأول، وهو تنزيل ثبوت المالِ طارئاً منزلة طريان الجنايةِ، فلا كلام. وإن أسندنا (٢) تبيّن فساد الرهن، فلو كان العبد احتفر بئراً في محل عدوان، فرُهن وأُقبض، وتردّى في البئر متردٍّ، فأرشه يتعلق برقبة العبد المرهون المتسبب بالحفر. ثم كيف السَّبيل فيه على هذا الوجه الذي ذكرناه في العفو عن جناية الرهن عمداً؟ وجهان في هذه الصورة: أحدها - أنا نتبين أن الرهن كان فاسداً، كما تبينا الفساد في العفو الطارىء. والوجه الثاني - أن هذا ليس بالعفو؛ فإن الجناية واقعة في تلك الصورة والعبد منعوت بكونه جانياً. وليس كذلك حفر البئر؛ فإنه ليس جناية واقعة. والفرق لائح.
стр. 3020
فهذا منتهى قولنا في ذلك.
٣٥٩٥ - ثم إن صححنا رهنه العبد الجاني جناية مالية، فنجعل السيد مختاراً للفداء، كما إذا باعه، وفرعنا على نفوذ بيعه، حتى قال الأئمة: هل يلزمه الفداء أم ننقض عليه بيعَه إذا امتنع؟ فعلى وجهين لا يخفى توجيههما. وعلى حالٍ (١) لا يبطل حق المجني عليه.
٣٥٩٦ - ولو باع العبدَ الجاني، وكان معسراً ليس له وفاء بالفداء، فالمذهب الأصح الحكم بفساد البيع، وتخصيص القولين بما إذا كان السيد متمكناً من الفداء.
ومن أصحابنا من نفذ البيع من المعسر لحق ملكه، وأثبت للمجني عليه الخيارَ.
وما ذكرناه في البيع من ذلك كله جارٍ في الرهن. فإذا رهن وأقبض، كان كما لو باع، ومهما (٢) اختلف الأصحاب في فساد البيع، فالرهن أحق بالفساد لما ذكرناه في أصل الفصلِ من اختلاف طريق الأصحاب في تصحيح رهن العبد الجاني.
وإذا جرى التفريع على الفساد، فلا فرق بين أن يكون أرشُ الجاني مستغرقاً لقيمته، وبين أن يكون أقلَّ منها، فإن المانع إذا منع التعلق، فهذا المعنى متحقق في القليل والكثير، وهو بمثابة الحكم بفساد بيع المرهون دون إذن المرتهن. ولا فرق بين أن يكون الدين في مقداره مثلَ القيمة، وبين أن يكون أقل منها.
فصل
قال: " ولو ارتهنه [فقبضه] (٣) ثم أقر الراهن أنه جنى ... إلى آخره " (٤).
٣٥٩٧ - إذا رهن مالك العبد العبدَ، وأقبض، ثم أقر بأنه كان جانياً، والأرش في رقبته، لمّا رهنه، وأنكر المرتهن ذلك، ورام استمرار الرهن له، نُظر: فإن لم يذكر
стр. 3021
الراهن المجنيَّ عليه، بل أرسل الإقرار بالجناية، وتعلّقِ الأرش، فقوله مردود؛ فإنه رام إبطال حقٍّ التزمه بقوله، ولم يسنده إلى مستحِق، فلم يبطل الحق الذي ظهر التزامُه بقول مبهم بلا ثبت، وسيتضح هذا في أثناء الكلام، إن شاء الله.
وإن أسند الراهن إقراره إلى مجنيٍّ عليه في نفسه، أو ماله، فإن كذبه المقَرُّ له، بطل إقراره، واستمر حق [المرتهن] (١). وإن صدقه المقَرّ له، فهذا موضع اختلاف النصوص واضطراب الأقوال.
٣٥٩٨ - وحاصل ما نقل في المذهب في تأسيس الفصل ثلاثة أقوال: أحدها - أن إقرارَ الراهن مردود لمنافاته موجَبَ رهنه وإقباضِه. وأصل الشرع أن يؤاخذ الرجل بسابق قوله وفعله، فيما يتعلق بثبوت الحقوق وبطلانها. ولو نفذنا إقراره، لأبطلنا مقتضى تصرفه وإقباضه، وهذا القول أَقْيس الأقوال.
والقول الثاني - أن إقراره مقبول؛ من جهة أن ملكه مستمر في المرهون، والتهمة منتفية؛ من قبل أَنَّ العاقل لا يتسبب إلى التزام مَغرم في ملكه، لإبطال حق وثيقة لغيره. وبيان ذلك أن المعترَف به أصلُ الغرم، وحق المرتهن توثُّق وتعلُّق، فيبعد أن يلتزم أصلَ الغرم لقطع تعلُّقٍ. وهذا يناظر قبولَ إقرار العبد فيما يوجب عليه عقوبة.
والقول الثالث - أن المقر إن كان موسراً، نفذ إقراره، ويلزم أن يغرم للمرتهن قيمةَ المرهون، ليوضع رهناً؛ فإنه بقوله تسبب إلى بطلان حق المرتهن. وإن كان معسراً، لم يقبل إقراره؛ فإن في قبوله إبطالُ حق المرتهن، لا إلى بدلٍ.
واختلاف الأقوال في قبول الإقرار وردِّه قريب المأخذ من اختلاف الأقوال في تنفيذ عتق الراهن وردِّه. وقد ذكرنا فيه ثلاثة أقوالٍ: أحدها - الفرق بين الموسر والمعسر.
والعتقُ على رأي من نفذه يعتمد الملكَ. والإقرارُ عند من ينفِّذه يعتمد الملكَ أيضاً، وانتفاءَ التهمة.
ولهذا التفات على اختلاف القول في أن العبد إذا أقر بسرقة مالٍ، نفذ الإقرار في
стр. 3022
وجوب القطع. وهل ينفذ في ثبوت المال؛ فيه تردد أشرنا إليه. وسيأتي تقريره في كتاب السرقة، إن شاء الله تعالى.
وعبر الأئمة عن هذه الأصول بأن قالوا: الإقرار ممن هو صحيح العبارة إذا انتفت التهمة عنه بالكلية، وتعلق بما للمقِر فيه حق، فهو مقبول، وإن تضمن بطلانَ حق الغير، كما ذكرناه في ثبوت العقوبة بإقرار العبد.
وإذا اقترن بالإقرار شيء يتعلق الإقرار المقبول به، فهل يقبل الإقرار في قرينة العقوبة؛ فيه اختلاف قولٍ. وأصل الإقرار مقبول من السيد لا خلاف فيه، ولو انفك الرهن، كان مؤاخذاً به؛ فإن الأصل لا تهمة فيه، وهو مصادِف محلَّ حقه، وبطلان حق المرتهن قرينة مقترنة بإقرارٍ مقبول الأصل، وفي نفوذ الإقرار في القرينة التردد الذي ذكرناه.
٣٥٩٩ - ولو أقرّ الراهن بأنه كان أعتق العبد قبل أن يرهنه، ففي إقراره الأقوال الثلاثة. وكذلك لو أقر بأنه كان مغصوباً عنده، وأنه رهنه متعدياً وكان غاصباً.
ولو باع عبداً وألزم العقد، ثم جرى بعد لزوم العقد إقرارٌ من البائع، لو قدر نفوذه، لبطل البيع، ولا تهمة على المقِر في ظاهر الأمر، فقد قطع الأصحاب برد هذا الإقرار في حق المشتري، وتقرِير البيع؛ والسبب فيه أن إقراره جرى وليس للمقِر ملك في ظاهر الحال، وإقرار الإنسان في ملك غيره مردود، وليس كإقرار الراهن؛ فإنه صادف محلَّ ملكه.
وقد ذكر بعض الأصحاب طردَ الأقوال في إقرار البائع فيما يتضمن بطلانَ البيع، ورمز إليه شيخي في بعض أجوبته، ثم رجع. وهذا فيما أراه هفوة لا يعتد بها.
وقد يعترض للناظر أن الراهن إذا أقر بكونه غاصباً، فليس إقراره في محل ملكه على زعمه. وفيه الأقوال.
وقد يقول هذا القائل: إقرار البائع له تعلق ببيعه الذي تعاطاه، وعهدته متعلقة به، وليس كقرارٍ مرسلٍ من أجنبي في ملك الغير. ولا اغترار بهذا، ولا وجه إلا القطعُ برد إقرار البائع بعد لزوم العقد، وتخصيص الاختلاف بالرهن.
стр. 3023
نعم. في معناه الإجارة: فلو أجر عبده، ثم اعترف بأنه كان جانياً، والتفريع على منع إجارة الجاني قبل الفداء، فالأقوال تخرج خروجها في المرهون؛ لأن الإقرار صدر عن مالك الرقبة، فانتظم الترتيب كما ذكرناه.
٣٦٠٠ - ومما يتعلق بتمهيد أصل الأقوال في إقرار الراهن أنه لو أقر بتعلق أرش يقصر مقدارُه عن قيمة العبد ومبلغِ الدين، فالتهمة في ذلك المقدار تنتفي، والأقوال الثلاثة تخرج. ولو قبلنا. الإقرارَ، لأبطلنا الرهن في الزائد، والتهمةُ متمكنة فيه.
ولأصحابنا في ذلك الزائد طريقان: منهم من قطع برد الإقرار فيه لتمكن التهمة.
ومنهم من أجرى الأقوالَ الثلاثة في الجميع طرداً للباب.
وهذا ضعيف. وسيخرجُ عليه في أثناء الكلام تفريع، وعنده يبينُ حاصل القول في أصل الفصل الزائد.
وقد انتهى الغرض في تأصيل الأقوال. وحان التفريع عليها.
٣٦٠١ - فإن قلنا: لا نقبل إقرار الراهن، فلا بد من فرض دعوى من المقَر له، وبذلك ينتظم الكلام، والتفريع، فإذا أصر المقَرّ له على الدعوى، ورَدَدْنا على القول الذي نفرع عليه إقرارَ الراهن، راجعنا المرتهنَ، فإن صدق الراهن، فيباع العبد في أرش الجناية أو يفدى؛ فإنا رددنا إقرارَ الراهن استبقاءً لحق المرتهن، فلا يبقى مع تصديقه إلا تنفيذ حكم الجناية. ثم إذا بيع العبد في الأرش، وكان المرتهن شرط في البيع رهناً، فيثبت له في هذه الصورة فسخُ البيع إذا لم يتحقق الوفاء بمشروطه. هذا إذا وافق المرتهن.
فأمّا إذا أنكر وقد رددنا قول الراهن، فلا بد من تحليف المرتهن إذا طلب المدعي ذلك، ثم لا يخلو إما أن يحلف أو ينكُل (١)، فإن حلف، استقر حقه في الرهن، وبقي الكلام بعد ذلك في أن المقَر له هل يغرَم له الراهن المقِر، بسبب أنه بالرهن والإقباض حال بين المجني عليه وبين حقه من رقبة الجاني. ثم باعترافه أقر بصنيعه.
في المسألة قولان سيأتي أصلهما في المغصوب.
стр. 3024
والذي ننجزه الآن بناؤهما على ما لو قال صاحب اليد في الدار غصبت هذه الدار من زيد، لا بل من عمرو، فالدار مسلَّمةٌ إلى المقَرّ له أولاً. والإقرار الثاني في حكم الرجوع عن الإقرار الأول، فتسلّم الدار إلى الأول. وهل يغرم المقِر للثاني قيمةَ الدار بسبب إيقاعه الحيلولةَ بينه وبين الدار بالإقرار الأول؟ في المسألة قولان.
٣٦٠٢ - ثم نعود إلى ما ذكرناه في مسألتنا، فإن قلنا: لا يغرَم الراهن للمقَر له شيئاًً، فلا كلام. وإن قلنا: إنه يغرَم، ففي القدر الذي يغرَم له طريقان: من أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما - أنه يغرَم أقلَّ الأمرين من الأرش والقيمة. والثاني - أنه يغرَم الأرش بالغاً ما بلغ، وإن زاد على القيمة. وهذا بعينه اختلاف القول في أن السيد إذا أراد أن يفدي عبده الجاني، فبكم يفتديه؟ وسيأتي تفصيل ذلك في آخر الديات إن شاء الله تعالى.
هذه طريقة.
ومن أصحابنا من قطع القولَ بأن الراهن لا يغرَم للمقر له إلا أقل الأمرين، كما لا يغرم سيدُ المستولدة في فدائها إلا الأقلَّ، والجامع أَنَّ فداء المستولدة ضروري، لا تعلق له بالاختيار، فكان بمثابة مَا لو جنى العبدُ وتعلق الأرش برقبته، فقتله مولاه، وكان الأرش زائداً على القيمة؛ فلا يغرَم المولى إلا القيمةَ؛ فإن إتلافه لا ينبغي أن يزيد غرمه على غرم إتلاف الأجنبي.
وإذا وضح هذا، فالغرم على الراهن بعد تقدم الرهن، مع الحكم برد إقراره غرمٌ ضروري، فاتجه القطع باعتبار الأقل.
هذا كله إذا حلَّفنا المرتهن، فحلف.
ثم لا يخفى أنه يحلف على عدم العلم بجناية العبد. وكل يمين يتعلق بنفي فعلِ الغير، فهي على نفي العلم.
٣٦٠٣ - فأما إذا نكل المرتهن، فاليمين على من ترد؛ على قولين: أحدهما - أنها تُردّ على المجني عليه المقَر له؛ فإن الحق له، ولولا حقه، لقرّ الرهنُ، وانقطع الخصام، فليقع الرد عليه. والقول الثاني - أن اليمين ترد على الراهن المقِر؛ فإنه
стр. 3025
المالك، وكأنه ينفي حقَّ المرتهن من الرهن، فارتبطت الخصومة به من هذا الوجه.
التفريع على القولين:
٣٦٠٤ - فإن رددنا اليمين على المجني عليه، نظر: فإن حلف، ثبت دعواه وانتُزع العبد من يد المرتهن، وبيع في حقه، وليس للمرتهن أن يفسخ البيع الذي شُرط الرهنُ فيه؛ لأن الراهن يقول: أنت أبطلت حقك بنكولك. فإن قال المرتهن: وأنت أقررت أيها الراهن بانتفاء الرهن. فالراهن يقول: لكنك لم تقبل إقراري، ولم يقبله الشرع، ولم يبطلُ الرهن إلا (١) بسبب نكولك، ولم يكن لقولي أثر. وهذا واضح.
وإن نكل المجني عليه المقَرّ له، لم يكن له أن يغرِّم الراهنَ شيئاًً، ويبقى العبد رهناً.
والسبب فيما ذكرناه أنه بنكوله أبطل حقَّ نفسه. ووضوح ذلك يغني عن بسطه.
هذا إن رأينا ردَّ اليمين بعد نكول المرتهن على المجني عليه.
فأما إذا قلنا: اليمين ترد على الراهن المقِرّ، فعلى هذا إن حلف، سُلّم العبد للبيع. في حق المجني عليه، وليس للمرتهن في هذه الصورة فسخ أيضاًً؛ فإنه بنكوله أبطل حق نفسه، فكانت الإحالة على نكوله. هذا إذا حلف الراهن.
وإن نكل الراهن عن يمين الرد، فهل للمجني عليه أن يحلف بعد نكول الراهن؟
قولان: أحدهما - له ذلك؛ لأن مصير الحق إليه، ويستحيل أن يَبطل حقُّه بنكول الراهن، كما لا يبطل حقه بسبب رجوعه عن الإقرار. والقول الثاني - لا ترد اليمين على المجني عليه؛ فإن اليمين في الخصومات ليس لها إلا مرد واحد، ومنتهاها مردُّها. فإذا ثبتت يمين الرد في جانب، لم تتحول عنها. فإن قلنا: لا يرد اليمين إلى المجني عليهِ، نجعل نكولَ الراهن بمثابة حلف المرتهن، ونقرر الرهنَ. ثم يعود
стр. 3026
القولان في أن الراهن المقِرَّ هل يغرَم للمقَر له؛ من جهة أنه حقق الحيلولةَ؟ وقد مضى هذا.
وإن قلنا: يرد اليمين على المجني عليه، فإن حلف، ثبت حقه وبيع العبد في الأرش، وليس للمرتهن خيار الفسخ؛ فإنه أبطل حقه بنكوله عن اليمين. وقد تمهد هذا.
وإن نكل المجني عليه عن اليمين، لم يكن له تغريم الراهن قولاً واحداً؛ فإنه كان مقتدراً على رفع الحيلولة، فلم يرفعها وأكدها، فإذا كانت الحيلولة محالاً عليه، لم يثبت له تغريم الراهن المقر.
وكل ما ذكرناه تفريع على أن إقرار الراهن غير مقبول، والقول قول المرتهن. ثم انشعب الكلام من تحليف المرتهن إلى صور.
٣٦٠٥ - فأما إذا فرعنا على أن إقرار الراهن مقبول، فهل يقبل قوله من غير يمين، أم يحلَّف؟ في المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يحلّف؛ من جهة أنه مقر على ملكه وسبب نفوذ إقراره مصادفته ملكَه مع انتفاء التهمة، وهذا المعنى يوجب أن لا يحلّف.
ومن أصحابنا من قال: لا بد من تحليفه لتعلق حق المرتهن بمحل إقراره، فالإقرار مقبول على قاعدته، واليمين معروضة لمكان حق المرتهن.
فإن قلنا: يقبل قوله دون اليمين، سلّم إلى البيع في حق المجني عليه. وإن قلنا: إنه يحلّف، لم يخل: إما أن يحلِف، أو ينكُل، فإن حلف، ثبت الإقرار، وبيع العبد في الجناية، وتخير المرتهن إن كان الرهن مشروطاً في بيع. وإن نكل عن اليمين، فالمرتهن يحلف؛ من قِبل أن الخصومة بينهما تدور، وإنما حلفناه لحق المرتهن، فإذا نكل، فالرد على صاحب الحق. ثم إن نكل المرتهن، كان نكوله بمثابة حلف الراهن، جرياً على القياس الممهد في حكم يمين الرد، ولا خيار له؛ فإنه بنكوله أبطل حق نفسه في هذا المكان؛ فلم يملك الفسخ. هذا إذا نكل عن يمين الرد.
стр. 3027
فأما إذا حلف المرتهن لما نكل الراهن -والتفريع على قبول قول الراهن مع يمينه- فإذا انتهى الأمر إلى ما ذكرناه، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن العبد يَقِرُّ في يد المرتهن مرهوناً، وهذا فائدة حلفه. وظاهر القياس هذا. ولا يتجه غيرُه.
والقول الثاني - أن العبد يُنتزع من يده، ويباع في الجناية، ولا أثر لنكول الراهن وحلف المرتهن إلا أنه يُغرِّمه قيمةَ العبد المرهون ليوضع رهناً، وينسب في الامتناع عن اليمين إلى تفويت حق المرتهن، ولا فائدة على هذا القول لتصوير اليمين والرد، إلا بتثبيت قيمة العبد ووضعها رهناً مكان العبد.
٣٦٠٦ - ومما يجب التنبيه له في هذا المنتهى أنا نتخيل الأقارير ثلاث مراتب: المرتبة العليا - إقرار من مُطلق فيما يعرف حقاً له، فهو مقبول؛ فإنه صادر من مُقِر (١) مُطلق فيما يقتضي الظاهر كونَه حقه، وليس يتضمن إقرارُه إبطالاً لحق غيره. هذه مرتبة وعليها خروج الأقارير الصحيحة.
والمرتبة الأخرى - إقرارٌ في محلٍّ هو في ظاهر الظن حق الغير، ولا ولاية للمقر.
فهذا الإقرار مردود؛ لأنه على الغير، لا في حقه، فإن اشتمل الإقرار على ما ينفي التهمة، فالإقرار قد يقبل في محل انتفاء التهمة، وهذا يظهر فيه إذا كان حق الغير يتلف بعقوبةٍ على المقِر، كالعبد يُقر بما يوجب عليه قصاصاً أو حداً. ولو كان لما وصفناه قرينة، ففي نفوذ الإقرار فيها القولان المقدمان، وهو كإقرار العبد بسرقة مالٍ.
فهذا بيان هذه المرتبة، مع ما يستثنى منها.
ومن مراتب الإقرار أن يصادف ملكاً فيه حقٌ لازم ظاهراً، والمقر مطلق في نفسه، ففي قبول أصل الإقرار خلاف. فإذا قبلناه، عدنا فترددنا في أنه يقبل من غير يمين أم مع اليمين؟ وسبب هذا التردد قيامُ حق المرتهن.
٣٦٠٧ - ثم إن فرضنا حَلِفاً من المقر، نفذ الأمر، ولم يبق للمرتهن إلا الخيارُ في البيع. وإن فرضنا نكولَه عن اليمين، رددنا اليمين وترددنا؛ من جهة أن التفريع على
стр. 3028
قول قبول الإقرار. ويبعد في مسالك الأقارير أن يرد لمكان نكولٍ عن يمين، مع رد يمين، وبعُدَ علينا أن نعطِّل أثر اليمين بالكلية، فقلنا في قولٍ يستخرج العبد من يد المرتهن؛ فقول الراهن إذن ليس إقراراً، بل كأنه قولٌ مقبول ممن يظهر صدقُه، كقول المودعَ في الرد، وقول كل مدّعىً عليه، ومساق هذا يوجب تثبيت الرهن في يده إذا حَلف على خلاف قول الراهن.
وإن قلنا: العبد يستخرج من يد المرتهن، وإن [حلف] (١)، فقولُ الراهن إقرارٌ في حقه. ولكنه لو حلف، لأبان بحلفه أن أصل الرهن لم يكن، فإذا لم يحلف وحلف المرتهن غرّمنا الراهن في حق المرتهن، كالمعتِق لما انجر إليه من التهمة لما نكل، فألزمناه القيمة لهذا التخيّل (٢). وهذا ضعيف، ولكن نقله الأئمة المحققون.
فإن قلنا: يبقى الرهن في يد المرتهن، فلا كلام، وإن قلنا: يغرم الراهن له القيمة، فهل يثبت له الخيار؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه يثبت؛ لأنه لم يسلم له الرهن في العبد الذي عينه. والوجه الثاني - أنه لاخيار له، كما لو سلّم العبد المشروط ثم أتلفه؛ فإنه يلتزم قيمته ولا خيار للمرتهن.
من قال بالأول انفصل عن الإتلاف بأَنْ قال: لما أقبضه، فقد وفاه حقَّه، وصار وافياً بشرطه، فانقطع الخيار لذلك. وقول الجاني فيما نحن فيه له انعكاس على أول الرهن؛ من قِبل أنه يُشعر بأن الرهن لم ينعقد.
فليتأمل الناظر تردد الفقهاء عند تركّب الموجَبات والمقتَضيات.
ثم إن قلنا: تقر العين المرهونة في يد المرتهن، فهل يغرم الراهن للمجني عليه؛ فعلى قولين مقدمين؛ من جهة أنه بنكوله حقَّقَ الحيلولةَ بين ذي الحق وبين محل حقه.
ولهذا نظائر ستأتي مشروحة في كتاب النكاح، إن شاء الله تعالى.
وكل ما ذكرناه تفريع على أن رهن العبد الجاني الذي في رقبته أرشٌ باطل.
стр. 3029
٣٦٠٨ - فأما إذا صححنا رهن الجاني، والتفريع على أن إقرار الراهن مردودٌ فيما يتضمن بطلانَ حق المرتهن. فلو قال: قد رهنت وأقبضت، ثم أقررت إقراراً لا ينافي رهني وإقباضي، فاقبلوا قولي.
قلنا: اضطرب الأئمة في ذلك؛ والقول فيه محتمل جداً. وقد تردد الأئمةُ: فقال بعضهم: إقراره بتقدم الجناية مقبول على هذا القول؛ فإنه لا منافاة بين تصحيح الرهن والقبض وبين الجناية، وهو مُطلق أقر بأمرٍ ممكن في ماله. وليس كما إذا فرعنا على أن رهن الجاني مردود؛ فإنه إذا رهن، وأقبض، ثم أقر، فإقراره يتضمن مناقضة ما قدمه من عقده وإقباضه. فلم يقبل منه في قولٍ. كما سبق.
وذهب بعض الأصحاب إلى أنا إذا رأينا رد إقراره على قولنا بفساد رهن الجاني - فيُرد إقرارُه على القول بصحة رهن الجاني؛ فإن قبول إقراره يتضمن نقضَ يد المرتهن.
والرهن إذا انبرم بالقبض، فمقتضاه لزوم حق المرتهن، فالراهن المُقبض ملتزم إلزام حق المرتهن. فإذا أتى بما يناقض قولَه ومضمونَ فعله، رُدَّ على قولَ الرد، كما يرد إقرارُه على قول فساد رهن الجاني؛ من جهة أنه بلفظه في العقد وإقباضه التزم صحته له. فإذا أقر بما ينافي الصحّةَ، رُدّ إقرارُه في القول الذي عليه التفريع.
فرع:
٣٦٠٩ - إذا رأينا قبول إقرار الراهن على قول فساد رهن الجاني، وانتهى الأمرُ إلى بيع العبد المرهون في أرش الجناية، فإذا بعناه، فلو فضل من ثمنه شيء، فقد اختلف أصحابنا في ذلك الفاضل، فمنهم من قال: هو خارج عن هذا الرهن، لا عُلْقة فيه للمرتهن.
ومنهم من قال: ذلك الفاضل مرهون؛ فإن إقرار الراهن إنما يقبل في مقدار الأرش.
وهذا يلتفت على ما أجريناه في أثناء الكلام، من أن الراهن لو أقر بأرش يقصر عن القيمة، ورأينا قبول إقراره، فهل نحكم بانفكاك الرَّهن في الجميع أم نقضي بانفكاكه في مقدار الأرش؟ فيه التردد الذي سبق. فالقول في الفاضل ملتفتٌ عليه.
ولكن على الناظر فضلُ تدبر. فإن حكمنا بأن الزائد على مقدار الأرش لا ينفك
стр. 3030
الرهن فيه، فلا وجه لبيعه حتى ينتهي الكلام إلى كونه رهناً أم لا. وإن قلنا: الرهن مردود في الجميع، فالمصير إلى أن الفاضل رهن بعيد. فما الوجه في تنزيل هذا الخلافِ في الفاضل؟ قال شيخي أبو محمد: نحن وإن قلنا: الجاني لا يصح رهنه، فإذا أقر وقبلنا إقراره، وفضل من الثمن شيء، فلسنا نقولُ: إنه بان لنا أن الرهن بطل بإقراره. ولكن كأَنَّا قدَّمنا حقَّ المقَر له بالأرش على حق المرتهن. ولم نجعل الإقرارَ مبطلاً. فإذا فضل شيء من حق المقَر له، فيبقى حق المرتهن فيه.
وهذا بعيد عندي عن النظم، والوجه القطع بأنّا نتبين بالإقرار فسادَ الرهن. فإن كان الأرش أقلَّ، نردُّ نظرنا إلى أن بيع ما يزيد على الأرش مرود أو غير مردود.
ولا مصير إلى تصحيح البيع ورد الخلاف إلى أن الفاضل رهن أم لا.
فصل
قال: "ولو جنى بعد الرهن، ثم برىء من الجناية بعفوٍ، أو صلحٍ ... إلى آخره" (١).
٣٦١٠ - العبد المرهون إذا جنى في يد المرتهن جنايةً مالية، تعلق الأرش برقبته، ولم يتضمن ذلك بطلانَ الرهن؛ فإنه لو فرض عفو عن الأرش أو فداءٌ من المولى، فالرهن يبقى مستمراً. ولكن إن لم يجر مما أشرنا إليه شيءٌ، فيباع في الأرش إن كان مستغرِقاً لقيمته. وإذا بيع، تبين ارتفاع الرهن قبيل البيع، ولو كان الرهنُ مشروطاً في بيعٍ، ثم أفضى الأمر إلى الجناية والبيعِ فيها، فلا خيار للمرتهن في فسخ البيع؛ فإن الراهن قد وفّى بما شُرط عليه، ولا نُلزمه أن يعصم المرهون عن الجناية، كما لا نُلزمه عصمتَه من طوارق الحَدَثان.
فإن قيل: لم قدمتم حقَّ المجني عليه على حق المرتهن، وهلاّ قلتم: لا يتعلق الأرش برقبة المرتهن لكونها مشغولةً بوثيقة الرهن؟
قلنا: تكلف أصحابنا في هذا كلاماً، فنذكره أولاً. قالوا: حق المرتهن له
стр. 3031
محلاّن العين والذمة، فإن فاتت العين، استقل الحق بالذمة. وحق المجني عليه ناجزاً ينحصر في العين، فقُدم، كما قدم إزالةُ النجاسة على رفع الحدث إن كان الماء لا يفي إلا بأحدهما، فإن لطهر الحدث بدلاً. وقيل: حق المجني عليه يثبت بأصل الشرع، فكان أقوى من حق المرتهن الثابت بالعقد.
وهذا تكلُّفٌ عندي. وقد تتعارض الأقوال، ولا يعدَم الفقيه كلاماً في ترجيح وثيقة الرهن. ولو لم يثبت في ذلك إلا القطعُ بمنع بيع المرهون، مع التردد في بيع الجاني، لكان ذلك متنفساً. والوجه ألا نلتزم هذا الفنَّ أصلاً؛ فنقول: حقُّ المرتهن في رقبة المرهون لا يزيد على حق المالك. ثم الأرش يتعلق بمحل الملك، فليتعلق بمحل الرهن. فإن روجعنا في تعليل أصل التعليق، لم نخض فيه الآن.
فصل
قال: " ولو دبّره، ثم رهنه، كان الرهن مفسوخاً ... إلى آخره " (١).
٣٦١١ - مقصود الفصل الكلام في رهن المدبر. ونحن نقدم عليه القولَ في رهن المعلّق عتقُه بالصفة، فنقول: رهن العبد المعلق عتقه بالدين الحالّ جائز، ثم إن بيع قبل وجود الصفة، فذاك، وإن وجدت الصفة قبل البيع، فهذا يبتني على أن العبرة في التعليقات بحالة التعليق، أو حالة وجود الصفة. وقد ذكرنا طرفاً في ذلك كافياً في غرض هذا الكتاب. وسيأتي تفصيل هذا الأصل في الوصايا والعتق، إن شاء الله تعالى.
ولو رهن المعلّقَ عتقُه بدينٍ مؤجل، ففيه مسائل: أحدها - إن تيقن أن حلولَ الأجل يسبق وجودَ الصفة، فيجوز الرهن كما يجوز بالحالّ.
والمسألة الثانية - أن يتيقن أن الصفة توجد قبل حلول الأجل، ففي جواز الرهن والحالة هذه وجهان: أظهرهما - المنع. والثاني - أنه يجوز. والوجهان يقربان من
стр. 3032
قولين سيأتي ذكرهما في رهن الطعام الذي يسرعُ الفساد إليه، بدين مؤجَّل، يسبق فسادَ الرهن حلولُ أجله. وسيأتي ذلك في مسائل الكتاب، إن شاء الله تعالى.
ووجه الشبه لائح، فتقدير نفوذ العتق قبل الأجل كتقدير فساد المرهون. وهذا يحتاج إلى تأمل.
٣٦١٢ - وإنما يَسْتدُّ ما ذكرناه من البناء تفريعاً على أن العتق ينفذ عند وجود الصفة، فيقع النّظر في أن مقصود الوثيقة يزول بنفوذ العتق قبل الحلول.
فأمّا إذا قلنا: العتق المعلَّق قبل الرهن لا ينفد في حالة الرهن، فليس يتأتى والتفريع على هذا الوجه أخْذُ هذا من رهن ما يتسارع الفساد إليه؛ فإنا إذا قدرنا ثبوتَ الرهن، ورتبنا عليه منعَ نفوذ العتق قبل الأجل، فقد خرج بنا الكلام عما تقدّم.
فالوجه أن نقول: إن كنا ننفذ العتق، نأخذهُ من تسرع الفساد. وإن كنا نرى أن العتق لا ينفذ لو قدر الرهن، فالقول في صحة الرهن يخرّج على أصل آخر، وهو أن الراهن صار مدافعاً لعتقٍ صار كالمستحق (١) بالتعليق. فهل يصح الرهن؟ وهذا الآن يخرّج على الخلاف الذي سنذكره في رهن المدبَّر مع القطع بجواز بيعه، وثَمَّ يتبيّن حقيقة ما نقول إن شاء الله تعالى.
ومن مسائل التعليق أنه إذا رهن عبداً معلقَ العتق بصفةٍ يجوز وجودها قبل المَحِل، ويجوز استئخارها عن المَحِل، ففي جواز الرهن وجهان مرتبان على الوجهين فيه إذا استيقنا تقدّم الصفة على الأجل. وهذه الصورة أولى بالجواز.
ووجه الفرق بيّن.
فهذا تمام ما أردنا ذكرَه في رهن المعلّق عتقُه.
٣٦١٣ - فأما رهن المدبر، فنذكر فيه اختلاف طرق الأصحاب، ثم نرجع إلى النص: فمن أصحابنا من بنى رهن المدبر على القولين في أن التدبير وصية أو عتقٌ بصفة؟ قال: إن جعلناه عتقاً بصفةٍ، فهذه الصفة يجوز أن توجد قبل المحل، ويجوز
стр. 3033
أن توجد بعده. فجواز الرهن يخرّج على قولي رهن العبد المعلق عتقه بصفةٍ يجوز أن توجد قبل المحل، ويجوز أن تستأخر.
ومن أصحابنا من قال: يجوز رهن المدبر قولاً وَاحداً. وهذا هو القياس؛ لأن التدبير إن كان وصية، فالرهن جائز، وإن كان عتقاً بصفة، فهو محسوب من الثلث.
وحق المرتهن من رأس المال، فهو مقدَّم على ما يحسب من الثلث، غاية ما يُقدّر (١) أن يموت من عليه الدين، ولا يخلِّف إلا هذا العبدَ، ولو كان كذلك وكان الدين مستغرِقاً لقيمته، لصرفناه إلى الدين وأبطلنا العتق. وليس كذلك رهنُ المعلَّق عتقه بصفة توجد في حياة المعلِّق؛ فإن ذلك العتق لو نفذ في حياة المعلِّق، لكان مقدماً على الديون، فلا تأكّدَ للعتق في التعليق، وصار في حكم الاستحقاق، والرهن تصرفٌ ضعيف منحط عن البيع، اقتضى ذلك تجويزَ البيع، ومنع الرهن. والعتق الذي يقدر حصوله في المدبر ضعيف؛ من قبل انحصاره في الثلث، فيقدم الدين عليه.
وقال بعض أصحابنا: رهن المدبر باطل قولاً واحداً. وهذا هو الذي قطع به الشافعي؛ إذ قال: " رهنه مفسوخ " والمراد بالمفسوخ الباطل. وهذا يعتاده الشافعي كثيراً.
وهذا القائل يزعم أن التدبير ليس وصية محضة، فلا يلزم تصحيحَ الرهن على قول الوصية. وهذه الطريقة وإن كانت توافق النص، فليس ينقدح لي في توجيهها شيء.
وكأن الشافعي يعتقد أن التدبير على حال عقدُ عتاقةٍ شرعي، ولا يطابق هذا مذهبَه في جواز البيع، وجواز الرجوع عن التدبير على الأصح، والمدبر على الحقيقة عندنا عبدٌ قن، فإذا مات السيد، جعلنا عتقه محسوباً من محل الوصايا. وللشافعي في كتاب الصّداق كلام في أن المرأة إذا دبرت العبد المصْدقَ، ثم طلقها زوجهاً، فهل يرجع إلى نصف المدبر. فلعلنا نجد ثَمَّ بسطةً في الكلام.
وقد انتهى غرضنا الآن والله أعلم.
стр. 3034
فصل
قال: " ولو رهنه عصيراً حلواً، كان جائزاً، فإن حال إلى أن يصير خلاً أو مزّاً ... إلى آخر الفصل " (١).
تقرأ " مُزّاً " (٢) وهو بين شدة الخمر وحموضة الخل، وليس بمسكر على حالٍ.
وتقرأ " مُرِّياً " (٣). وهذا بعيد؛ فإن الخمر لا يصير مُرِّياً.
٣٦١٤ - فنخوض في غرض الفصل، ونقول: رهن العصير جائز بالدين الحال.
فلو رهن العصير وأقبضه، فاستحال العصير خمراً في يد المرتهن، فلا نحكم بأن الخمرَ توصف بكونها رهناً أصلاً، واختلف الأصحاب في العبارة عنها. قال قائلون: بطل الرهن لمّا استحال العصير خمراً؛ فإن الخمر ليست مالاً، وما لا يكون مالاً لا يكون رهناً.
ثم إذا استحالت الخمر خلاً، فالخل مرهون، وهذا القائل يقول: عاد الرهن من غير إعادة، كما زال من غير إزالة، وليس كما لو فسخا الرهن؛ فإنه لا يعود ما لم يعيداه؛ من جهة أن الرهن زال عن قصد ورضا، فلا يعود إلا بمثل ما زال به.
ومن أصحابنا من قال: إذا استحال العصير خمراً، فالرهن موقوف لا يحكم ببطلانه، فإن عاد خلاً، بان أنه لم يبطل. وهذه الطريقة عريّةٌ عن التحصيل؛ من جهة أن لا توقف في أن الخمر ليست مالاً، والتبيّن إنما يحسن لو كنا نتبين أن الشدة لم تطرأ.
والطريقة الأولى قاصرة أيضاًً عن شفاء الغليل والكشف التام.
والوجه عندنا أن يقال: من اتخذ عصيراً، وقصد تركه إلى أن يصير خلاً، فإذا صار العصير خمراً، فالخمرة ليست مملوكة، ولكن لمالك العصير فيها حقُّ ملكٍ،
стр. 3035
وإن لم يكن حقيقةَ ملكٍ، فهو على حق الملك فيها، فإذا انقلبت خلاً، كان على حقيقة الملك الآن؛ من جهة أنه استفاد هذا المالَ عن اختصاصه بالخمر. كذلك المرتهن له حق اختصاص بالخمر، وليس ذلك الحق رهناً، فإذا انقلبت الخمر خلاً، عاد حقه في الرهن لترتبه على ما ذكرنا نظيره في الملك.
٣٦١٥ - ولو رهن شاة وسلمها، فماتت، فلا شك أن الرهن لا يبقى في الميتة، وإنما النظر في جلدها إذا دُبغت، فهل نحكم بأن الرهن يعود في ذلك الجلد من غير استئناف عقدٍ؟ فعلى وجهين: أحدهما - يعود الرهن كالخمر إذا عادت خلاً؛ فإنها تعود رهناً، كما تقدم.
والوجه الثاني - لا يعود الجلد إذا دبغ رهناً؛ فإنه ليس ينقلب بنفسه مدبوغاً، بل لا بد من إتيان فعل فيه. وإنما يستقيم العَوْدُ من غير اختيارٍ رهناً إذا كان الانقلاب على هذه الصفة.
ومن غصب خمراً أو جلداً غير مدبوغ، ثم استحالت الخمر خلاً، ودبغ الغاصبُ الجلدَ، فهل يجب عليه ردُّ الخل والجلدِ المدبوغ؟ هذا من القواعد العظيمة في الغصب، وهو شعبة من أصلٍ يحوي تقاسيم. والوجه تأخير جملته إلى كتاب الغصب. والعودُ إلى ما يتعلق بهذا الكتاب.
٣٦١٦ - فلو باع عصيراً وسلمه عصيراً، فقد تم العقد، وتحمل ما يفضي إليه من انتقال العهدة. فلو استحال في يد المشتري خمراً، فليس يتعلق بذلك من تبدل قضايا العقد شيء في غرضنا، وليس كالمرهون يستحيل خمراً؛ فإن مقصود الرهن منتظرٌ، وهو بيعُ الرهن في الدين عند مسيس الحاجة إليه، فوقع الاعتناءُ باستحالة العصير في يد المرتهن.
وشبه الأئمة بيع العصير واستحالتَه خمراً في يد البائع باستحالة العصير خمراً في يد المرتهن؛ فإن البيع لزم بانتفاء الخيار عنه، ولا يتوقف لزومُه على الإقباض. ولكن انتقال الضمان ونفوذ التصرف منتظر بعدُ، فقال الأئمة إذا استحال العصير خمراً في يد البائع، ثم استحالت الخمر خلاً، فالعقد قائم، والقول في انقطاعه وعَوْدِه، أو في
стр. 3036
وقوف الأمر فيه على نحو ما قررناه في المرهون بعد القبض، وقال القاضي: النص ما ذكرناه في الرهن والبيع وهو الأصل.
وكان لا يمتنع في القياس أن نقول: العصير المبيع إذا استحال خمراً، والخمر ليست بمالٍ، فالعقد قد عدم موردَه ومحلَّه، فإذا انقلبت الخمر خلاً، فالقياس أن نجعل هذا على قياس عَوْد الحِنْث فيه إذا علق الرجل طلاقاً أو عتاقاً، ثم بت النكاح، وأزال الملك عن الرقبة، فلو فرض عودٌ بعقدٍ، ففي حكم التعليق السابق في الملك والنكاح اللاحقين قولان مشهوران.
ووجه التشبيه أن العقد في استحالة العصير خمراً على حالةٍ، لو فرض ابتداءُ العقد، لم يثبت لانعدام المحل، لا لعجزٍ أو غيره من الموانع. والأمر على هذا الوجه في عود الحِنْث، فإن النكاح انبتَّ، وكذلك الملك، ولم يبق محلٌّ يفرض فيه نفوذ طلاق أو عتاق. ثم كان في العوْد ما ذكرناه.
فإن كانت الخمرة تستحيل بنفسها، واعتقد المعتقد ذلك فرقاً، فهذا لا يعارض الفقه الذي ذكره القاضي من تحقق انعدام المحل، ولكنه لم يذكر هذا إلا منبهاً على طريق المعنى. والمذهب ذاك الذي نقلناه (١).
وكل هذا في استحالة العصير بعد القبض.
٣٦١٧ - فأما إذا استحال العصير خمراً قبل القبض، فإن جرى الإقباض على الشدة، فالقبض فاسد.
ولو استحالت خلاًّ، فلا عود للرهن؛ فإن الركن الأعظم جرى على الفساد. وهو كما لو رهن الخمرة المحترمة، ثم استحالت، فالعقدُ على الفساد، ولا ينقلب إلى الصحة بسبب انقلاب الخمر. ولو استحال العصير خمراً قبل القبض، وانقلب خلاً قبل القبض، فهل يفسد الرهن فساداً لا يعود بالانقلاب إلى الحموضة؟ فعلى وجهين: أحدهما - يفسد لانعدام المحل في حال جواز الرهن وضعفه؛ إذ هو غير منتهٍ إلى اللزوم بعدُ.
والثاني - يعود العقد، كما ذكرناه بعد القبض.
стр. 3037
وهذان الوجهان يقربان من الأصل الذي مهدناه في موت الراهن قبل القبض وجنونه.
٣٦١٨ - وألحق الشيخ أبو علي بهذا الأصلِ ما لو رهن الرجل عبداً، فجنى قبل القبض، وتعلق الأرش برقبته. وقلنا: رهن الجاني فاسد. وقد ثبت أن طريان الجناية بعد القبض لا يفسد الرهن، ولكن يُثبت حقَّ رفعه بالبيع في الجناية. فإذا فُرض ذلك بعد تأكد الرهن بالقبض، ففي ارتفاع الرهن وانفساخه وجهان.
وهذا الذي ذكره الشيخ أبعد من انقلاب العصير خمراً؛ فإن العبد وإن جنى، فهو قائم والملك فيه دائم.
وقد يلزم على هذا المساق تخريج وجهين فيه إذا أبق (١) العبد المرهون قبل القبض، وانتهى إلى حالة يمتنع ابتداء الرهن فيه. ويجوز أن يُتخيّلَ فرق من جهة أن الجناية بعد القبض تؤثر في الرهن، والإباقُ لا يؤثر بعد القبض.
وإذا كان أخذ هذه المسائل من طريان الجنون والموت، فليس الإباق بعيداً إذا فُرض طريانه قبل القبض عن التردد، وتقدير الخلاف.
وإذا بانَ ما ذكرناه في استحالة العصير خمراً قبل القبض، فإن قلنا: ينفسخ الرهن، ولا يعود، فإذا جرى الإقباضُ على الشدة، فالقبض فاسد، والرهن منفسخ، ولا توقع في العَوْد على الوجه الذي عليه نفرعّ، فاستحالة الخمر خلاً بعد ذلك لا أثر له. فإن أعادا عقداً بعد الحموضة، لم يخف حكمه.
وإن قلنا: لا ينفسخ الرهن انفساخاً لا يعود، فإذا جرى القبض على الشدة، فالقبض فاسد، فإذا استحالت الخمر خلاً، فعقد الرهن باقٍ، والذي جرى ليس بقبضٍ، فلا بد من قبضٍ بعد الحموضة. وإذا ورد العقد على يدٍ، ففي تضمن العقد الإقباض كلامٌ مضى. فأما إذا أردنا إثبات قبضٍ مجدد على يدٍ مستدامةٍ، فلا بُدَّ من إقباض من طريق الصورة. فلو قال: اقبضه لنفسك، ففيه خلافٌ، قدّمته في كتاب البيع. وهذا ذاك بعينه. ولو قال أمسكه لنفسك، لم يكن إقباضاً.
وإذا جوزنا له أن يقبض لنفسه بنفسه، فلا بد من صورة نجريها يقع مثلها قبضاً
стр. 3038
ابتداء، هكذا ذكره الأئمة وصرّحوا (١).
وذكر صاحب التقريب أن الإذن في الإمساك، واليدُ دائمة يخرّج على أن العقد هل يتضمن إقباضاً؟ ثم رجّح، فقال: هذا أولى؛ فإنه يعرض لنفس القبض. فإذا كنا نجعل ضمن العقد إقباضاً، فلأن نجعل الإذن في الإمساك قبضاً أولى.
وهذا قياس لست أنكره. ولكن صرح الأئمة بخلافه.
هذا تمام البيان في هذا الفصل. ثم وصل الشافعي بهذا الفصل تخليل الخمر والمعالجةَ في استعجال الحموضة. وذكر الأصحاب هذا الفصل هاهنا فنتأسَّى بهم.
فصل
٣٦١٩ - الخمر تنقسم إلى خمرة غير محترمة، وإلى خمرة محترمة، فأما التي لا تحترم، فهي التي اتخذها المالك لتكون خمراً، فهذه الخمرة غيرُ محترمة؛ وتتعين الإراقة على أهلها، وإذا التمسوا أن يكتفى بإيقاع الحيلولة بينهم وبينها حتى تتخلل بأنفسها لم نُجبهم إلى هذا، وعجلنا إراقتها، وهذا مشعر باستحقاق الإراقةِ فيها؛ فإنا إن عولنا على محاذرة مخامرتهم لها، وعدم الأمن بهم فيها، فالحيلولة تحسم هذه المادة وتقطعها ولا اكتفاء بها، فوضح أنها مستحقة الإراقة.
فلو لم يتفق إراقتها حتى استحالت خلاًّ من غير علاج، ولا تسبب، فالخل مالٌ، ولا خلافَ أنه لا يراق على صاحبه.
فنقول: الخمر وإن كانت مستحقة الإراقة، فقد انعدمت الشدّة، وكأن تيك العين قد زالت، والخل رزق جديد. هذا متفق عليه.
٣٦٢٠ - ولو خلل مخلل هذه الخمرة التي وصفناها بكونها مستحقة الإراقة، نُظر: فإن طرح فيها عيناً من ملح، أو خلٍ، أو غير ذلك، فانقلبت خلاً، فهو نجس محرّم. وعلل بعض أصحابنا ذلك بأن العين الواقعةَ في الخمر تنجست بملاقاتها، فإذا
стр. 3039
انقلبت الخمر خلاً، نجسته تيك العين المتنجسة بملاقاة الخمر.
وهذا قول غيرُ صادر عن فكرٍ قويم؛ فإنه لا معنى لتنجيس العين إلا اتصال أجزاء الخمر بها، وجوهر تلك العين على الطهارة، فإذا انقلبت الخمر خلاً، فمن ضرورة ذلك أن تنقلب تلك الأجزاء التي لاقت العينَ الواردةَ على الخمر؛ فلا حاصل إذن لذلك، والتعويل في تحريم الخل على تحريم التخليل كما ذكرناه في (الأساليب).
هذا قولنا في التخليل بطرح شيء في الخمر، والحكم متفق عليه، والتعويل على تحريم التخليل.
٣٦٢٠/ م- ولو لم يطرح في الخمرة المستحقة الإراقة شيئاًً، ولكن نقلت إلى ظل أو شمس، وكان ذلك سبباً في المعالجة، ومعاجلة تحصيل الحموضة، فإذا زالت الشدة، ففي المسألة وجهان بناهما بعض الأصحاب على التردد الذي ذكرناه في التعليل في المسألة الأولى. قالوا: إن عللنا بالنجاسة، فهذا المعنى مفقود هاهنا؛ لأنه لم يطرأ على الخمرة ما ينجسُ بها، وإن عوّلنا على التحريم، فالتخليل عبارة عن التسبّب إلى إكساب الخمر الحموضة. وهذا المعنى يحصل بالتشميس، والنقل. ولا حاجة إلى هذا البناء؛ فإن فصل (١) النجاسة باطل قطعاً. وإن اعتمده أبو يعقوب (٢) وطائفة من أئمة الخلاف. ولكن توجيه الوجهين في التشميس والنقل يهون من غير بناءٍ، فأحد القائلين يتمسك بقصد التخليل وقد حرمه النبي ﵇ في الخمرة المستحقة الإراقة، ولما قال أبو طلحة في خمور الأيتام: أخللها، قال رسول الله ﷺ : " لا ". ولم يتعرض للتفصيل في التخليل (٣)، فهذا وجه.
стр. 3040
والوجه الثاني أن [الخل] (١) يحلّ اعتباراً بالإمساك (٢).
ثم لو فرض إمساك الخمر المستحقة الإراقة على قصد التخليل، فتخللت، ففي المسألة وجهان أيضاًً بالترتيب على الوجهين في النقل والتشميس، وهذه الصورة أولى بالحلّ (٣)؛ من جهة أنه لم يوجد فيها فعل، والقصد المجرد يبعد أن يحرم.
ولو اتفق لُبث من غير قصد إليه، فاستحالت الخمر في تلك المدة، فالخل حلال بلا خلاف؛ لما قدمناه في صدر الفصل.
فهذا بيان الخمرة التي ليست محترمة.
٣٦٢١ - فأمّا الخمرة المحترمة وهي خمرة الخل. وتصوير ذلك أن اتخاذ الخل جائز بلا خلاف، والعصير لا ينقلب من الحلاوة إلى الحموضة من غير توسط الشدة، فإذا انقلبت خمراً، فلا سبيل إلى إتلافها؛ إذ لو أُتلفت، لما تصوّر اتخاذُ الخل.
وهذى بعضُ الناس فقال: نُضرب عنها، فإن عثرنا عليها خمراً، أرقناها، ولم يصر إلى هذا أحد من أئمة المذهب، وإنما هو من ركوب أصحاب الخلات. ثم كان يستد (٤) هذا في حق من يأمر بالمعروف، فمن يتخذ الخل في نفسه يعلم انقلاب العصير خمراً، ويفطن لدركِ رائحتها، وهو مقَرٌّ عليها، فلا اعتداد بأمثال هذا.
وذكر الشيخ أبو علي في الفصل كلاماً أؤخره عن ترتيب المذهب، ثم آتي عليه.
والقدر الذي فيه اكتفاء أن هذه الخمرةَ غيرُ مراقة على صاحبها، وإذا استحالت خلاً بالإمساك، فالخل طاهر محترم. وكذلك تكون الخلول.
ولو استعجل صاحب الخمر وخلل، نُظِر: فإن كان التخليلُ بإلقاء شيء من ملح أو غيره، فظاهر المذهب منعُ هذا، وإذا فعل، فالخل على موجَب المنع محرّم،
стр. 3041
ويشهد له حديث أبي طلحة، فإنه سأل رسول الله ﷺ عن خمور الأيتام، وما كانت اتخذت إلا واتخاذها جائز، ثم نهى رسول الله ﷺ عن تخليلها.
ومن أصحابنا من قال: يحل التخليل في الخمر المحترمة؛ فإنها ليست مستحقة الإراقة، وهذا القائل يجيب عن حديث أبي طلحة، ويقول: أمر رسول الله ﷺ براقتها، والخمرة المحترمة لا تراق بالإجماع، فلعلَّ تلك الخمرةَ كانت اتخذت بعد التحريم، فإن العصير ينقلب في يوم في حر الحجاز خمراً، ولعل هذا كان والأمر على التشديد، كما يدّعيهِ أصحاب أبي حنيفة. وللنظر في هذا مجال على الجملة.
ولا مبالاة إن جوزنا التخليل بما ذكره أبو يعقوب من فصل النجاسة. هذا إذا كان التخليل بإلقاء شيء في الخمرة المحترمة.
فأما إذا كان التخليل بالنقل من شمس إلى ظل، أو من ظل إلى شمس، فالمذهب جواز ذلك، وإلحاقُه بالإمساك.
وذهب طائفة من أئمة المذهب إلى تحريم ذلك، وإلحاقِه بالتخليل المحرم.
وهذا رديء مخالف لما درج عليه الأولون فعلاً، ولم يُبْدَ عليهم نكير.
وكان شيخي أبو محمد يقول: إن طرح في العصير ملحٌ، وكان سبباً لتعجيل التخليل، ففيه تردد بين الأصحاب، وهو في معنى النقل. وهذا عندي بعيد؛ فإن المعالجة لم تصادف خمراً.
وسمعته مرة يقول: تلك الأعيان لا حاجة إليها فتنْجُس بالخمر، ثم لا يزول حكم النجاسة عنها، بخلاف نجاسة الظروف. وهذا تردد على طريقة أبي يعقوب، وهي في أصلها باطلة، والتفريع عليها باطل؛ فإنا لو التزمنا تمحيص العصير، لنقَّيناه من العناقيد، والثجير (١)، والتزمنا تصفيته جهدنا عن الأقذاء، وهذا أمر طويل لا يستريب محصل في حَيْده عن سمت الشريعة.
стр. 3042
نعم لو وقع شيء في الخمرة من غير قصد، فقد رأيت فيه تردداً لبعض الأصحاب إذا منعنا التخليل.
٣٦٢٢ - وقد نجز التفصيل في التخليل، وحان أن نذكر ما وعدناه من كلامٍ [للأصحاب] (١) خارجٍ عن ضبط المذهب، وذلك في صورتين: إحداهما - أن العناقيد إذا استحالت أجوافها إلى الشدة، والحبات متصلة بالعساليج (٢)، فقد ذكر القاضي وطائفة من الأئمة وجهين في جواز بيعها، وطردوا هذا الخلافَ في بيع البيضة التي حال مُحُّها وماحُها دماً وهو إلى الانقلاب إلى تخليق الفرخ. ومن ذكر هذين الوجهين
لم يخصهما بحال من يقصد اتخاذَ الخل، حتى يحمل على الحرمة. نصّ عليه القاضي، ولم يفرض المسألةَ إلا فيمن يتخذ الخمر، ثم روجع في نجاسة أجوافها، فتوقف، وهذا عظيم؛ فإن متضمنها الخمر الشديدة. ولا يليق بقاعدتنا أن ننفي حكمَ النجاسة عما في بواطنها، ثم نقول: لو اعتصرت، صارت نجسةً، والانفصال لا يتضمن تثبيت النجاسة.
وهذا يوافق مذهب أبي حنيفة (٣)، إذ قال: الدماء في العروق في خلل اللحم ليست نجسة؛ فإذا سفح وزايل، اكتسب النجاسة، وزعم أنه تمسك في هذا بظاهر قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وهذا مخصوص بالدم، فلا وجه لهذا إذنْ، ولا خروج للخلاف في البيع إلا على أمرٍ وهو أن البيضة ظاهرها طاهر، والنجاسة مستترة بالقيض (٤) استتار خِلقة، والبيضة في نفسها صائرة إلى رتبة الفرخ، فكان ابتياع البيضة وحشوها الدم كابتياع العصفورة وحشوها النجاسة، فاعتمد البيعُ مقصودَ البيضة، وطهارة الظاهر. والعنقودُ طاهرٌ وحشوه نجاسة مستترةٌ، وهي إلى الحموضة.
فإن قيل: قد فرضتموها في حال من يقصد الخمرَ؟ قلنا: نعم ولكن العادة جاريةٌ بأن من يبغي الخمر يعتصر، ولا يصب في الدنان إلا العصير، فإن الثجير وعفوصتَه
стр. 3043
تفسد شدة الخمر، فإذا وجدنا العناقيد، لم نعول على قصد المتخذ إذا كان ما وجدناه مائلاً عن عادة من يقتني الخمور. وهذا القائل يقول: لا نجوز إتلافَ العناقيد على أربابها؛ إذ يستحيل الجمعُ بين جواز بيعها وبين جواز إفسادها. وليس كالمرتد يباع؛ فإنّ قتله غير مستحق، ولكنه مدعوّ قهراً إلى الإسلام، بالتعنيف. والقتلُ المستحق قد يمنع صحة البيع في العبد الذي استوجب القتلَ في المحاربة. وقد ذكر الأصحاب منعَ البيع في المرتد، كما قدمته.
فهذا تلخيص القول في ذلك.
فإن قيل: أليس اختلف الأصحاب في جواز الصلاة مع البيضة المذرة، فهلا فهمتم من هذا الاختلاف الترددَ في نجاسة حشو البيضة؟ قلنا: جواز الصلاة مأخوذ من الاستتار الخِلقي المشبه باستتار النجاسة بالحيوان. وقد طرد بعض الأصحاب الخلافَ في جواز الصلاة مع حمل قارورة مصممة حشوها نجاسة.
هذا بيان إحدى الصورتين.
٣٦٢٣ - الصورة الأخرى في الخمرة المحترمة، كما سبق وصفها - قطع الأصحاب بأنها ليست مالاً، ولا تضمن إذا أُتلفت، وليس على متلفها إلا التوبيخ والتأديب، على ما يراه صاحب الأمر. وذكر الشيخ أبو علي تردداً في بيعها، وتردداً في طهارتها وهي خمرة مشتدّة محرّمة، وهذا خرم المذهب، ومصادمة القاعدة. وما ذكرناه من استحالة العصير خمراً، وارتفاع الرهن، وعوده إذا صارت الخمر خلاً، والفصل بين ما قبل القبض وبعده، يخالف جواز بيع الخمر، فلا وجه لهذا. وإنما التردد في مسألة العنقود. وفيها من الإشكال ما تقدّم.
والوجه القطع بمنع بيعها أيضاً، لنجاسة أجوافها، وليست هي حيوان، فإن الحيوان لاختصاصه بالحياة ممتاز عن النجاسات المجاورة له، والبيضة والعنقود وإن انتظمت ظواهرها وبواطنها خِلقة، فإذا بيعت بجملتها، فلا تمييز لبعضها عن البعض بالحياة والجمادية، فالبيع فيها ممتنع؛ وأيضاً فإن المقصود منها أجوافها وحشوها نجس، والمقصود من الحيوان نفسه.
فهذا تمام ما يحضرنا في بيان ذلك.
стр. 3044
فصل
ولو قال: " رهنتكه عصيراً، فصار في يدك خمراً ... إلى آخره " (١).
٣٦٢٤ - إذا اختلف الراهن. والمرتهن في عيبٍ ثابت، فقال الراهن: حدث العيب في يدك ولا خيار لك. وقال المرتهن: حدث العيب في يدك أيها الراهن، وقد اطلعتُ عليه الآن، فأرده وأفسخ البيع الذي شرطتُ هذا الرهنَ فيه، فالقول قول الراهن؛ قياساً على اختلاف البائع والمشتري في قدم العيب وحدَثِه؛ فإذا كنا نجعل القول قول البائع استدامةً للعقد، فلنجعل هاهنا القولَ قولَ الراهن استدامة للرهن والبيعِ الذي الرهنُ شرطٌ فيه. وهذا واضح.
ولو كان رهن عصيراً، فرأيناه خمراً في يد المرتهن، وقد اختلف الراهن والمرتهن، فقال الراهن: أقبضتك العصير، فانقلب خمراً في يدك. وأنا قد وفيت بالشرط، ووفيتك المشروط. وقال المرتهن: أقبضتني الخمر وكانت الاستحالة إلى الشدة في يدك، فالقول قول من؟ هذا يبتني على ما مهدناه من أن الإقباض على الشدة فاسد.
وقد اختلف الأصحاب في أن العصير إذا استحال خمراً في يد الراهن؛ هل ينفسخ الرهن؟ وقد مضى ذلك الآن. فالراهن يدّعي استقرار الرهن، والمرتهن يأبى ذلك.
ففي المسألة قولان: أحدهما - القول قول الراهن؛ لأنه ادّعى إقباضه عصيراً، والأصل بقاؤه على صفة الحلاوة. والقول الثاني - أن القول قول المرتهن؛ فإن الراهن يدّعي عليه أنه قبض قبضاً صحيحاً، وهو منكر للقبض، والأصل عدمه، ولا حكم للقبض الذي اعترف به، فإنه فاسد ليس قبضاً شرعياً، فكأن لا قبض. وقيل: القولان يقربان من اختلاف الأصحاب في حد المدعي والمدعَى عليه، كما سيأتي في الدعاوى.
ومن أصحابنا من قال: المدعي مَنْ يدعي أمراً خفياً، والمدّعى عليه من يذكر أمراً
стр. 3045
جلياً. ومنهم من قال: المدعي من لو سكت تُرِك والسكوت، والمدعى عليه من لا يترك وسكوته. ووجه التخريج أن المرتهن لو سكت تُرك، فهو المدعي إذاً، والقول قول الراهن؛ فإنه لو سكت لم يترك.
وإن قلنا: المدعي من يدعي أمراً خفياً، فالمدعي هو الراهن إذاً على هذا؛ فإنه يدعي القبض المبرم، والأصل عدمه. والمرتهن يدعي عدم القبض وهو الأصل.
ولو قال المرتهن: كنتُ شرطتُ الرهنَ، وقد رهنتني خمراً إذْ رهنتني. وقال الراهن: بل رهنتك عصيراً. وهذه المسألة مفروضة فيه إذا شرطا رهناً معيناً، وفرض الوفاء به، ثم قال المرتهن: العين التي شرطنا رهنها كانت خمراً. وقال الراهن: بل كانت عصيراً، فهذا يبتني على أن شرط الرهن الفاسد هل يُفسد البيعَ؟ وفيه قولان سيأتي ذكرهما.
فإن قلنا: إنه لا يوجب فساد البيع، فالتنازع في الوفاء بالشرط، وعدم الوفاء به يخرّج على القولين، والاختلافِ في حالة القبض. وهذا بيّن.
وإن قلنا: شرط الرهن الفاسد يفسد البيع، فالذي قالاه نزاع في فساد البيع وصحته، وقد ذكرنا اختلاف أصحابنا فيه إذا اختلف المتعاقدان في شرط مفسد، فادّعاه أحدهما ونفاه الثاني. وقد استقصينا القول فيه في باب اختلاف المتبايعين.
فرع:
٣٦٢٥ - سئل عنه القاضي فقيل: إن (١) اشترى لبناً في قمقمة، فصبه البائع في قمقمةٍ للمشتري، فَعَلتْه فأرةٌ، فاختلفا، فقال المشتري: بعتني اللبن طاهراً (٢) فوقعت فيه فأرة. وقال البائع، لا بل كانت الفأرة في قمقمك.
فكان من جوابه أن قال: هذا يخرّج على القولين في إقباض الخمر والعصير؛ فإن المشتري يقول: أقبضتنيه نجساً، والبائع يقول: بل أقبضتك طاهراً، وحصلت النجاسة في يدك من قمقمك.
ولو قال البائع: كانت هذه الفأرة في قمقمك. وقال المشتري: بل كان اللبن
стр. 3046
حالة العقد نجساً لكون الفأرة فيه. فهذا نزاع في أن العقد عقد على الفساد أم لا؟ وهو مناظر اختلاف المتبايعين في فساد العقد، كما ذكرناه.
هذا جوابه. وتفصيله:
فإن قيل: إذا قال المشتري في الصورة الأولى: تنجس اللبن في يدك، فهو ادّعاء انفساخ البيع. قلنا: نعم هو كذلك، والعصير إذا استحال خمراً، فهل نحكم بانفساخ الرهن.
فإن قيل: إذا كانت النجاسة في ظرف المشتري، فاللبن ينجس بملاقاة النجاسة، فليس ما ادعاه البائع إقباضاً على الصحة. قلنا: ليس كذلك؛ فإن اللبن إذا حصل في فضاء الظرف، ثبت له حكم القبض جزءاً جزءاً، قبل أن يلقى النجاسة. هذا بيان قوله.
فلينظر الناظر في ذلك.
فصل
قال: " ولا بأس أن يرهن الجارية ولها ولد صغير؛ لأن هذا ليس بتفرقة ... إلى آخره " (١).
٣٦٢٦ - التفرقة في البيع بين الأم وولدها الصغير حرام؛ قال النبي ﵇: " لا تُولَّه والدة بولدها " (٢). ثم إن بيعت الجارية دون الولد، أو بيع الولد دون الجارية، وارتكب المتعاقدان محظور التفرقة، ففي صحة البيع قولان، سيأتي ذكرهما في كتاب السير، إن شاء الله تعالى، وفيه نذكر حد الصغر المؤثر، والتفريقَ
стр. 3047
المؤثر بين الوالد والولد، ثم بين جميع المحارم.
وقدرُ غرضنا الآن أن صحة البيع الواقع على حكم التفرقة فيها قولان: أحدهما - وهو الجديد أن البيع باطل. والثاني - وهو القديم أن البيع صحيح.
قال الشافعي: لو رهن الأمَّ دون ولدها أو على العكس، فالرهن صحيح؛ لأن ذلك ليس بتفرقة بينهما.
واختلف أصحابنا في معنى هذا اللفظ، فمنهم من قال: معناه أن الرهن لا يوجب التفرقة؛ فإن منافع الأم للراهن، فيجمع بين الأم وولدها، ويكلفها احتضانه وإرضاعه. ومنهم من قال: معنى قوله: إن ذلك ليس بتفرقة أن البيع منتظرٌ، [فإذا مست الحاجة إليهِ، لم يفرق بين الأم والولد، فإذا ثبت صحة الرهن] (١) فإذا مست الحاجة إلى البيع بأن حَلّ الدينُ، فهل يجوز إفراد الأم بالبيع - والتفريع على أن التفريق مفسد للعقد؟ على هذا القول وجهان: أحدهما - أن البيع يبطل إذا تضمن التفريقَ؛ طرداً للقياس. والثاني - لا يبطل؛ لأن هذا بيع قهري، ولا يمتنع التفريق قهراً لأمر شرعي، وهذا كما لو كان للجارية ولد صغير حُر، فبَيع الأم جائز، والحرية فرقت بين الأم والولد. كذلك اختصاص الرهن بالجارية يوجب تخصيصه بالبيع.
التفريع:
٣٦٢٧ - إن قلنا: تباع الجارية والولد عند مَحِل الدين، وهو الذي نص عليه الشافعي، فلا حظ للمرتهن في الولد، وقد جرى البيع في الأم والولد، فإذا أردنا توزيع الثمن على الجارية والولد، فما وجه التوزيع؟
هذه المسألة تقتضي تقديم أخرى عليها، وهي بين أيدينا، ولكنا لا نجد بُدّاً من ذكرها الان في غرضٍ لنا.
فنقول: من رهن أرضا بيضاء، وكان فيها نوى، فقبض المرتهن الرهنَ، ثم أنبتت النوى أشجاراً، فلا سبيل إلى قلعها، ولكن إذا حل الحق وبعنا الأرض والغراس، فكيف يقبض الثمنَ المأخوذَ على الأرض والغراس؟ اختلف أئمتنا في ذلك، فقال بعضهم: تقُوّم الأرض بيضاء فإذا قيمتها مائة، ثم نقوّمها مع الغراس،
стр. 3048
فإذا قيمتها مع الغراس مائة وعشرون، فقد زاد تقدير الضم على تقدير الانفراد في الأرض البيضاء بعشرين درهماً، والعشرون من المائة والعشرين سدسها، فنحفظ هذه النسبة، فإذا هي نسبة الأسداس، فإذا بعنا الأرضَ والغراس وزّعنا الثمنَ على النسبة التي معنا، فصرفنا خمسةَ أسداسه إلى المرتهن، وصرفنا سُدسه إلى الغرماء الباقين.
هذا وجه.
والوجه الثاني - أنا نقوّم الأرضَ بيضاء، فإذا قيمتها مائة، ونقوم الغراس في الأرض مفردة، فإذا قيمتها خمسون، فنضبط النسبة بأثلاث، فنوزع الثمن عليها، فنصرف ثلثي الثمن إلى المرتهن، وثلثه إلى الغرماء. فهذا بيان الاختلاف في مسألة الأرض والغراس.
٣٦٢٨ - عدنا الآن إلى الجارية وولدها وقد بيعا. وقد يحسن فرض هذه المسألة إذا كانت الأم مفردة وليست ذات ولد، أو بيعت دون ولدها، وكان ثمنها أكثرَ لانفرادها، وإذا بيعت مشتغلة بحضانة الولد، فقيمتها أقل، وعند ذلك يظهر التردد والاختلاف، وقد اختلف أصحابنا في كيفية التوزيع، فقال بعضهم: التوزيع على الأم والولد كالتوزيع على الأرض والغراس، وفيه وجهان نعيدهما: أحدهما - أنا نقوم الأم وحدها فإذا قيمتها مائة. ونقوّمها مع الولد، فإذا قيمتها عند الضم مائة وعشرون. فقد زاد سدس، فليقع التوزيع على الأسداس. هذا وجه.
والوجه الثاني - أنا نقوم الأم وحدها، فإذا قيمتها مائة، ونقوم الولد وحده مضموماً إلى الأم، فإذا قيمته وحده مع الأم خمسون، فيظهر لنا نسبة الأثلاث. فليقع التوزيع كذلك. وهذا بعينه ما ذكرناه في الأرض والغراس في الوجهين.
هذه طريقة. وهي اختيار الشيخ أبي علي، والقاضي.
وذكر صاحب التقريب هذه الطريقة، وذكر معها طريقة أخرى واختارها، فقال: ينبغي أن تقوم الأم مع الولد وهي حاضنة، ويقوم الولد مع الأم، ولا يفرد واحد منهما بالتقويم على تقدير الانفراد، بخلاف مسألة الغراس، والفرق أن الجارية رهنت وهي ذات ولد، فاستحق المرتهن بيعها على نعت الضم، وليس الأرض كذلك؛ فإنها رهنت إذْ رهنت ولا غرس، ثم حدث الغراس من بعدُ، كما سنصوره على
стр. 3049
الاستقصاء، إن شاء الله تعالى. ونحن قدرنا الأرض بيضاء في الوجهين جميعاً، ورددنا الاختلاف إلى كيفية اعتبار قيمة الغراس، وهاهنا لا تعتبر قيمة الجارية وحدها لما نبهنا عليه. فليتأمله النّاظر؛ فإنه حسن.
قال صاحب التقريب: نظير مسألة الغراس من الجارية ما لو رهنت، ولم تك ذاتَ ولد، ثم علقت بمولود رقيق، وولدت فيطابق هذا على صورة الغراس؛ من حيث انعقد الرهن وتم والأم على نعت التفردِ، كالأرض البيضاء، فلا جرم [يجري] (١) في التوزيع عند بيعها الخلافُ الذي ذكرناه في الأرض والغراس.
٣٦٢٩ - ومن تمام البيان في هذا الفصل: أن ما ذكرناه من المطابقة في التوزيع إنما يحسن وقعه وأثره إذا حُجر على الراهن، أو مات والديون محيطةٌ مستغرقة، واختلفت الأغراض في التوزيع، فالكلام على ما ذكرناه.
فأما إذا لم يفلس الراهن، ولم يضق مالُه، وبعنا الجارية والولد، فعلى الراهن توفيرُ الدين كَمَلاً (٢)، ولا يكاد يظهر فائدة المسألة. هكذا قال الشيخ أبو علي.
وهذا فيه فضل نظرٍ يُبيّنُه كلامٌ: وهو أن المرهون إذا بيع في دين المرتهن، فلو أراد الراهن أن يصرف طائفة من مالِه إلى دين المرتهن سوى الثمن المحصّل من بيع الرهن فهل يسوغ ذلك أوْ لا؟ والوجه القطع بجوازه، كما لو أدى الدين، وفك به الرهن، فتَعَلُّقُ حقِّه بثمن البيع، كَتَعَلُّق حقِّه بالمرهون قبل أن بيع.
ولو أراد أن يتصرف في ثمن الرهن قبل أن يؤدي حق المرتهن. لم يكن له ذلك.
وإذا أراد أن يتصرف فيما يقابل الولد المضمومَ، فله ذلك، وثَمَّ القدر الذي يقابل به الولد فيه الاختلاف المقدم.
ولاح بهذا أن أثر الخلاف قائم في حق المطلَق قيامَه في حق المحجور. والغرض أن نبيّن أن متعلَّق الرهن [والوثيقة] (٣) من الثمن المحصل من الجارية والولد كم؟ فإذا
стр. 3050
بانت الكمية، ظهر أمرُها عند الحجر في الفضّ (١) على الغرماء، وعلى المرتهن.
ويظهر أثرها حيث لا حجر في تصرف الراهن فيما يزيد على مقدار الرهن.
فصل
قال: " ولو ارتهن نخلاً مثمراً، قال ثمر خارج من الرهن ... إلى آخره " (٢).
٣٦٣٠ - إذا رهن نخيلاً عليها الثمار، واقتصر على تسمية النخيل، ولم يسم الثمار نافياً ولا مُثبتاً، نُظر: فإن كانت الثمار مؤبّرة، فلا شك أنّها لا تدخل في مطلق تسمية النخل؛ فإنها لا تدخل في تسميتها في عقد البيع على قُوّته، فلأن لا تدخل في حكم الرهن تحت الأشجار أولى، وإن كانت النخيل مُطْلِعَةً، ولكن لم تكن مؤبرة، فقد ذكرنا في كتاب البيع أنها تدخل تحت تسمية النخيل في البيع المطلق، وهل تدخل في حكم الرهن تحت تسمية النخيل؟ ظاهر المذهب أنها لا تدخل.
والرهنُ في ذلك يخالف البيعَ، والفارق أن البيع يزيل الملك في الأصل، فلا يبعد أن يقوى على الاستتباع. والرهن لا يقطع ملك المالك عن الأصل؛ ولا يرفع سلطانه، وكأنه موعد في دوام الملك أوجب الشرع الوفاء به، فاختص وجوب الوفاء بمورده المسمى، ولذلك لا يتعدى الرهنُ إلى الزوائد التي ستحدث في مستقبل الزمان، والملك في البيع يُثبت للمشتري حق الملك فيما يتجدد.
وخرّج طوائف من الأئمة قولاً آخر في الرهن، وهو أن الثمار تتبع تسمية النخيل إذا لم تكن بارزة (٣)، قياساً على البيع، وذلك لأنا لم نتبِع الثمارَ النخيلَ في البيع لقوة البيع، ولكنا رأينا الثمار الكامنة جزءاً متصلاً كامناً، واعتقدنا اللفظ شاملاً. وهذا يستوي فيه القوي والضعيف.
وهذا القول منقاسٌ، وهو مأخوذ من أصلٍ مع القول الأول، وهو أن من باع