← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

١٠٤٠٥ - والنسوة ليس من أهل التعاطي وكذلك الضعيف من الرجال الذي نعلم أنه لا يستقلُّ بالأمر. وإذا كان في الأولياء جماعة يتأتى منهم الاقتصاص؛ فإن سلّموا لواحدٍ أن يتعاطى، فذاك، وإن تنازعوا أُقرع بينهم. والضعيف الذي لا يستقلّ لا بد وأن يراجَع، فلا يسوّغ القتل دون إذنه ورضاه. ولكن هل يدخل في القرعة حتى إذا خرجت القرعة عليه، استناب من شاء من الأولياء أو من الأجانب؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يدخل؛ فإنه لا فائدة به إذا كان لا يتعاطى، ولئن كان في التعاطي حظ بيّن في شفاء الغليل، فلا غرض في الاستنابة، وما ذكرناه يطّرد في المرأة. ١٠٤٠٦ - ثم إذا تعين تعاطي واحد، فلا بد وأن يحتاط الوالي، فينظر في الآلة. قال الشافعي: ينبغي أن يقع الاقتصاص بأحدّ سيفٍ وأحدِّ ضربة، لقوله ﷺ : "إن الله يحب الإحسان في كل شيء، حتى في القتل، فإذا قتلتم، فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم، فأحسنوا الذبحَ، وليحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" (١). ومما يتفقده أن لا تكون الحديدة مسمومة إذا كان القصاص في الطرف. وإن كان القصاص في النفس، فمن أصحابنا من قال: لا بأس باستعمال المسموم [لأنه ليس فيه زيادة عقوبة. ومن أصحابنا من قال: لا يقتص باستعمال المسموم] (٢) محافظةً على حفظ

стр. 8332

الجثة؛ فإن السم إذا نفذ قد يتسرع البلى إلى الجثة، وجسد الميت محترم على الوجوب، ولعل الأصحَّ الأولُ. ولو سلمنا السيف إلى ولي القصاص، فضرب غير الموضع المقصود فإن كان يضرب الرقبة فيما زعم، فلم يصبها السيف، نُظر: فإن بان تعمده بضرب الرِّجْل أو غيرها، والسيف لا يتعدى الرقبة إلى الرجل، فإنا نعزّر الوليّ بما يراه الوالي. ثم قال الشيخ أبو بكر (١): لا يصرفه عن ذلك، ولكن يعزّره ويهدده بمزيد التشديد عليه لو عاد إلى مثل ما بدر منه. وقال بعض أصحابنا: يأخذ السيفَ منه؛ فإنا لا نأمن أن يفعل ثانياً مثلَ ما فعل أولاً، والأوجه ما ذكره الصيدلاني؛ فإن حقه في التعاطي ينبغي ألا يبطل بعدُ، وإن صدر منه [ما صدر] (٢)، كما لو جرحَ الجاني قبل الارتفاع إلى مجلس الوالي، فيبعد أن لا يسلم السيف إليه لما تقدم منه من الجرح والمَثُلة. ولو ظهر لنا أنه أخطأ في الضرب، ولم يتعمد، وقد يبينُ ذلك بأن يتعدى السيف من الرقبة إلى الكتف، أو إلى القَمَحْدُوة (٣)، فإذا أخطأ، لم يعزر، ولكن قال الشيخ أبو بكر: يُعْزل ويؤخذُ السيف منه، ويقال له: استنب، وليس [كالعامد] (٤) والفرق أن العامد لم يبن لنا خُرقه في الأمر، ولكنه اعتدى، فنهيناه، ونحن له -إن أعاد- بالمرصاد. وأما المخطىء، فتبين أنه ليس يحسن الأمر، ولا ينفع زجره. وذهب بعض الأصحاب إلى أن المخطىء لا يعزل، بل يعزّر، وهؤلاء هم الذين قالوا: العامد يعزل. ١٠٤٠٧ - ولا بد في تمام الفصل من استدراكات في مواضعَ: أقربُها أن ما ذكره الشيخ أبو بكر في الخطأ من العزل يجب أن يكون فيمن لم نعرفه ماهراً بضرب الرقاب، والماهر قد يخطىء ولا يضرب، ولا يجوز أن يكون فيه خلاف. ومن قال: المخطىء

стр. 8333

لا يُعزل؛ فإنما يقول ذلك إذا لم يبن خُرْقُه، فإن ظهر ذلك، فلا بد من صرفه. وما ذكره الشيخ من أن العامد لا يُصرف، فما أراه يقول ذلك إذا تكرر ذلك منه، وإنما هو في المرة [الأولى] (١). ومما نستدركه أن السيف إذا كان مسموماً بحيث تتقطع الجثة به، [فيعسر الغسل] (٢) والدفن على [هيئة الاحترام] (٣)، فلا يجوز استعمال مثل هذا السيف في القتل، فإن كان الأمر كذلك، فلا خلاف، وإنما الخلاف إذا لم يظهر ذلك، وكنا نحاذر تسرع البلى بعد الدفن، ويخرج من ذلك أن البحث لا بد منه، ثم المذهب يتفصّل كما ذكرناه. فصل قال: "ولو أذن لرجل فتنحّى به، فعفا الولي ... إلى آخره" (٤). ١٠٤٠٨ - قد ذكرنا في كتاب الوكالة اختلافَ قول الشافعي في التوكيل باستيفاء القصاص في غيبة الموكِّل، والقول في هذا الفصل غيرُ مفتقر إليه؛ فإنه مفروض في الاستنابة بحضرة المستنيب، وهذا جائز لا خلاف فيه، إذا استناب مستحقُّ القصاصِ من يستوفيه له، فيتنحى المستناب بمن عليه القصاص ليقتله، وكان بمرأى ومسمع من المستنيب، فلو عفا مستحقُّ القصاص، وقتل المستناب، نُظر: فإن وقع العفو بعد وقوع القتل، [فهو] (٥) لغو. وإن أشكل الأمر، فلم يُدْر أوقع العفو قبل القتل أو بعده؟ فالأصل أن لا عفو، والقتل واقع قصاصاً، اتفقت الطرق عليه. وإن تحققنا تقدم العفو واستئخار القتل، ولكن وقع القتل على جهل من القاتل

стр. 8334

بجريان العفو، فلا قصاص على القاتل، إجماعاً، وليس كما لو قتل رجل رجلاً في دار الإسلام عمداً، ثم راجعناه، فزعم أنه حسبه مرتداً أو حربياً، ففي وجوب القصاص قولان، وستأتي هذه المسألة ونظائرها. وغرضنا [الفرق] (١) الآن، فالمستناب إذا قتل، كان معذوراً، وكان عذره ظاهراً، والذي يدّعي الردة [يستند] (٢) في قتله إلى أمر [بعيد] (٣)؛ فإن المرتد لا يترك مُسيَّباً، والحربي يبعد اجتراؤه على دخول دار الإسلام من غير ذمام. وإذا ثبت ما ذكرناه، فقد يُدعى على المستناب أنه قتل عالماً بالعفو، قالقول قوله مع يمينه في نفي العلم. ١٠٤٠٩ - فإذا وضح انتفاء القصاص، ففي وجوب الدية على هذا القاتل قولان. واختلف أصحابنا في مأخذهما: فمنهم من قال: هما مأخوذان من اختلاف قول الشافعي في أن الوكيل إذا عزله الموكل ولم يبلغه الخبر، فهل نحكم بانعزاله؟ وقد مضى القولان في الوكالة، قال هؤلاء: إن حكمنا بأن الوكيل لا ينعزل، فقتْلُ المستناب واقعٌ بحقٍّ، فلا دية، وإن حكمنا بأنه ينعزل، فالقتل غير واقع بحق، فتجب الدية. وهذا مسلك باطل، وقد أورده الصيدلاني، وبنى المسألة عليه، ووجه بطلانه أنا وإن حكمنا بأن الوكيل لا ينعزل، فتصرف ذي الحق نافذ في حقه، فإذا نفذ وتضمّن نفوذه عزلاً للوكيل، انعزل قطعاً. ولو وكل الرجل رجلاً ببيع عبده، ثم إن الموكل أعتقه، ثم باعه الوكيل، فالبيع مردود؛ فإن العتق لا بد من تنفيذه، وفي تنفيذه رد [بيع] (٤) الوكيل، والعفو في مسألتنا من مستحِق القصاص مشبّه بالعتق في الصورة التي ذكرناها، فلا وجه لرد

стр. 8335

العفو، وإذا سقط القصاص، فلا معنى لبقاء الاستنابة مع سقوط أصل الحق، فقد ظهر فساد أصل هذا المأخذ. ومن أصحابنا من قال: القصاص ساقط بالعفو لا محالة، والوكالة زائلة، والقولان في وجوب الدية مأخوذان من أصلٍ آخر، وهو أن من قتل إنساناً عمداً في دار الحرب، وجرد القصد إليه وألفاه في صف المشركين، ثم تبين أنه كان مسلماً [مأسوراً] (١)، فلا شك في انتفاء القصاص، وفي وجوب الدية قولان؛ من جهة ظهور العذر في الإقدام على القتل، فالمستناب إذا قتل بهذه المثابة؛ من جهة أنه بنى أمره على قصاصٍ [ثابت] (٢) واستنابةٍ صحيحة، وهذه الطريقة [مثل] (٣) قليلاً، وإن كان يتضح الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة الأسير؛ فإن القاتل لا يبعد نسبتُه إلى التقصير وترك التحفظ، من جهة اقتداره على أن يقتل والمستحِق واقف عليه، ولا يستمكن الغازي من العلم بالمصطفّين في صف الكفار، وهو مأمور بقصدهم بأسباب المنايا. ١٠٤١٠ - ثم إن قلنا: تجب الدية على المستناب، فلا شك في وجوب الكفارة، وإن قلنا: لا تجب الدية، فظاهر نص الشافعي أن الكفارة لا تجب. ومن أصحابنا من قضى بوجوبها، وهو مذهب المزني، ولا وجه في انتفاء الكفارة إلا المصير إلى تقدير بقاء القصاص ووقوع القتل حقاً؛ فإن (٤) الكفارة تثبت على من قتل أسيراً بسهم غَرْب (٥) على العاقلة (٦).

стр. 8336

ومن أصحابنا من قال: إنه يرجع بها (١)، [بالمعنى] (٢) الذي يرجع بالدية إذا غرمها. [والغائلة] (٣) العظمى في المسألة أن الأصحاب قالوا: إن حكمنا بأن الضمان يجب على القاتل المستناب، فللعافي دية قتيله من تركة من قتله المستناب، وهذا لائح. وإن قلنا: لا غرم على المستناب، فلا حق للعافي في تركة القتيل، فإنا لو أثبتنا الدية في تركته، وأهدرنا ديته، كان ذلك بعيداً. وهذا ليس بشيء والوجه أن نقول: إن حكمنا بوقوع القتل قصاصاًً -وهو بعيد عن القياس- فلا شك أنه لا يثبت في تركته ضمان، فإن أخذنا المسألة من نفوذ العفو، وتمهيد عُذر المستناب وتنزيل ما جرى منه منزلة قتل الأسير في دار الحرب، فالوجه القطع على هذه الطريقة [بأن] (٤) العافي يستحق الدية في تركة القتيل المقتول بعد العفو عنه، ثم يقع قتله هدراً من جهة وقوعه والقاتلُ معذور، كما ذكرناه في الأسير، حتى كأنه مات حتف أنفه، ولا نظر إذا لاح مسلك القياس إلى الاستعارات التي لا حاصل لها. فإن قيل: إذا أوجبتم الدية في مال المستناب، فهي حالّة أم مؤجلة؟ قلنا: اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: هي حالة، فإنها مقتطعة عن قياس دية الخطأ وشبه العمد، وكذلك لم تضرب على العاقلة، ومنهم من قال: هي مؤجلة؛ فإن الدية إنما تتعجل إذا وجبت بسبب عدوان هو عمد محض، ولا ينسب المستناب إلى العمد المحض على وجه العدوان، وسنبين هذه القواعد في كتاب الديات، إن شاء الله .

стр. 8337

فصل قال: "ولا تقتل الحامل حتى تضع ... إلى آخره" (١). ١٠٤١١ - المرأة إذا استوجبت القصاص وكانت حاملاً، لم يُستوفَ القصاصُ منها حتى تضع حملها، ولا فرق بين أن يكون القصاص في النفس أو في الطرف؛ فإنه إذا كان في النفس، ففي قتلها قتلُ الجنين، وإن كان في الطرف، فلو قطعت لأَجْهَضَتْ جنينَها، ولئن كان إليها سبيل، فلا سبيل لنا إلى جنينها. [وإذا] (٢) وضعت فقد تولّع الفقهاء بذكر اللِّبَأ، واعتقدوا أن الولد لا يعيش دونه، وهو أوائل [اللبن] (٣) بعد انفصال المولود، وحظُّ الفقه من ذلك أنه إن تحقق أن الولد لا يعيش دونه، [لم] (٤) نقتل الأمَّ حتى تُرضع ولدها اللِّبَأ، ثم إن وجدنا ذات لبن غيرها، قتلناها قصاصاً، ولم نمهلها مدة الإرضاع، اتفق أصحابنا عليه؛ فإن الذي يفوت الولدَ منها مزيدُ إشفاق وحدب، ولا يقع هذا موقعاً في مقابلة حقّ الآدمي يؤخّر. هذا قولنا فيه إذا استوجبت القصاص، فأما إذا استوجبت الرجم، وهي حامل، لم نقتلها أو تضع، ولا نقتلها حتى ترضع ولدها، وإن وجدنا مرضعة سواها، ثم إذا انقضت مدة الإرضاع، فلا نقتلها أيضاًً حتى تكفل ولدها؛ فإن الولد لا يستقلّ بعد الفطام إلا بكافل، وحديث [الغامديّة] (٥) نصٌّ في الترتيب الذي سقناه. والفارق في وضع الشرع بين القصاص وبين الحدّ ما تحقق من ابتناء حقوق الله المحضة على المساهلة، ولذلك يُقبل الرجوع عن الإقرار فيها، ولا سبيل إلى تقدير ذلك في القصاص وحقوقِ الآميين، وكأنا قدمنا حقَّ إشفاق الأم في الإرضاع على استيفاء حد الله تعالى.

стр. 8338

١٠٤١٢ - وإذا تمهد ما ذكرناه، ابتنى عليه أمور: أولها فيه إذا نُهينا عن قَتْلها، فقُتلت وأَجْهَضَتْ جنينها، والقصة مرفوعة إلى مجلس السلطان، والنصوص وطرق [الأصحاب] (١) مضطربة جدّاً، ونحن نأتي بجميعها ونختار أميلَها إلى القياس، ونذكر ما يميل إلى موافقة النص، ونفرض الكلام فيه إذا فوّض الوالي قتلها إلى [ولي الدم] (٢)، والكلام في ذلك يتشعب وينقسم، فإن كان الإمام عالماً بالحمل عِلْم مثله (٣) وكان [الولي] (٤) عالماً أيضاً، فقتل الوليُّ بإذن الإمام، فقد أساءا وظاهر النص الذي نقله المزني أن الضمان يتعلق بالإمام؛ إذ إليه الأمر، وكل فاعل في مجلسه بإذنه في حكم الآلة له، وكذلك اتفق العلماء في أنه لا يتعلق بجلاد الإمام ضمان وإن كان مختاراً فيما تولاه من القتل، ولو أعرض وولَّى لم نتعرض له، وسيكون لنا إلى حكم الجلاد استتمام في آخر الفصل. قال معظم أصحابنا: الضمان يتعلق بالولي؛ فإنه المباشر، ولم يكن محمولاً على مباشرته، بل كان مندوباً إلى العفو والصفح، ولا أثر لإذن الإمام مع قوة مباشرة الولي في حالةٍ نهيناه فيها عن القتل. وذكر صاحب التقريب وجهاً ثالثاً أن الضمان ينشطر بين الوالي والولي؛ لتعلق كل واحد منهما بأمر معتبر. وهذا غريب لم أره لغيره. التفريع: إن علّقنا الضمان بالإمام، فلا نضربه على بيت المال؛ فإن المسألة مفروضة فيه إذا علم الحملَ علماً يليق به. نعم، الضمان على عاقلته الخاصة، والكفارة تجب في خاصّ ماله. وإن علّقنا الضمان بالولي، ضربناه على عاقلته، فإن

стр. 8339

العمد لا يتحقق في إهلاك الأجنة، ولا يخفى حكمُ التشطير على ما بيّنا حكمَ الكل في الوجهين. ١٠٤١٣ - هذا إذا كانا عالمين، فلو كان الوالي عالماً والولي جاهلاً؛ فإن علّقنا الضمان بالوالي إذا كانا عالمين، فلأن نُعلّق الضمان في هذه الصورة أولى. وإن علقنا الضمان بالولي في الصورة الأولى لقوة مباشرته، ففي هذه الصورة وجهان: أحدهما - أن الضمان يتعلق بالولي؛ فإنه المباشر المختار، وهذا الخلاف حيث انتهى التفريع [إليه] (١) يقرب من الخلاف في تقديم الغاصب الطعامَ المغصوبَ إلى ضيف جاهلٍ بالغصب، ففي قرار الضمان خلافٌ مضى في كتاب الغصوب. ولو كان الولي عالماً والوالي جاهلاً، فإن قلنا: لو كانا عالمين، فالضمان يتعلق بالإمام مع قوة المباشرة من الولي، فإذا كان الإمام جاهلاً، فالذي قطع به الأئمة في طرقهم أن الضمان لا يتعلق بالوالي؛ فإنه اجتمع عدم مباشرته وجهله، وعارضها علمُ الولي وقوة مباشرته. وذكر صاحب التقريب وجهاً آخر أن الضمان يتعلق بالإمام، كما يتعلق به إذا كان عالماً، وهذا غريب لم أره لغيره. فإن قلنا: الضمان [يتعلق] (٢) بالإمام، فهو الآن على عاقلته الخاصّة أم على بيت المال؛ فعلى قولين سيأتي ذكرهما بعد هذا. فإن قلنا: الضمان على عاقلته [فالكفارة] (٣) تجب في ماله، وإن قلنا: الضمان في بيت المال، ففي الكفارة وجهان: أحدهما - أنها في خاصّ ماله؛ [فإنها] (٤) قربة لا يتطرق إليها التحمل. والثاني - أنها في بيت المال؛ فإن المعنى الذي أوجب الغرامات المتعلّقة بنظره في بيت المال، ذلك المعنى يوجب طردَ ذلك في الكفارة، فإن الوقائع تكثر على الأئمة، ثم الكفارات تُجحف بهم إجحافَ الأروش والديات.

стр. 8340

ولو كانا جاهلين، ففي المسألة الأوجه الثلاثة المذكورة فيه إذا كانا عالمين. وكان شيخي يقول: الإمام في هذه الصورة أولى بأن يكون متعلَّقَ الضمان؛ لأن النظر له، وهو المنتسب إلى التقصير. فهذا استيعاب الأقسام. وما قدمناه قبلُ من أن يَظُن [نعني به] (١) الظنَّ الذي يسمى علماً في الإطلاق، فإن ظن، ولم يستيقن، [كان] (٢) كما إذا علم الحمل في الصورة التي ذكرتها. ١٠٤١٤ - [وفي] (٣) تعلق الضمان بالجلاد خلاف مرتب على ما ذكرناه [في] (٤) الولي العالم بمخايل الحمل، والجلاد أولى بالا يضمن؛ فإنه لم يستوف لنفسه، وإنما امتثل أمرَ السلطان، [والولي] (٥) استوفى حقَّ نفسه. هذا إذا ظن الجلاد ظنّاً يسمى علماً، ولم يستيقن، فأما إذا استيقن خطأَ الإمام أو تَعمُّدَ ظُلمه، فقتل، وكان قادراً على ألا يقتل، فالذي نراه القطعُ [بتقرير] (٦) الضمان. وإن كان المحل محلَّ القصاص، استوجبَ القصاصَ؛ فإنه مباشر مختار على [استيثاقٍ] (٧) من الحال. وقد ذكر بعض أصحابنا في فصل الإكراه خلافاً في أن مجرد أمر السلطان هل يكون إكراهاً، حتى إذا قُدٍّر إكراهاً نُزّل [الجلاّد] (٨) منزلة المكرَه. هذا لست أراه جارياً مع اختيار الجلاد [وعلمه] (٩) بأنه لو أعرض أمكنه الإعراض، وإنما خلاف الأصحاب في

стр. 8341

أمره المطلق، وكان المأمور لا يأمن سطوتَه وغائلته وبطشَه به لو لم يمتثل. فأما إذا لم يعلم الجلاد خطأ الإمام، [ولم] (١) يظنه، وجرى على ظاهر الامتثال، فلا يتعلق الضمان بالجلاد، وإن كان مختاراً، وعند ذلك يظهر قول الأصحاب: إن الجلاد آلةُ الإمام، ونصوا على أن الكفارة لا تلزمه في القتل الواقع بغير حق، مع العلم بأن الكفارة تلزم الغازي إذا أصاب سهمُه اْسيراً من المسلمين وراء الصفوف، ولم أعثر فيما ذكرته في الجلاد على خلاف الأصحاب إلى الآن. وقد نجز هذا المقصود من الفصل. ١٠٤١٥ - ومما نذكره أن المرأة إذا استوجبت القصاص، ووضعت حملها، ووجدنا مرضعات، ولكنهن امتنعن عن إرضاع المولود، فظاهر النص أن المرأة المستوجبةَ للقصاص مقتولةٌ، والإمام يجبر واحدةً من النساء على الإرضاع بالأجر؛ فإن قيل: [أجبرتم] (٢) أجنبيةً على العمل لتوفية القصاص، ولو صبرتم حتى تُرضعَ الأم، لكان ذلك أوجه وأقرب؟ قلنا: هذا قول من لا يتعدّى نظره الظواهرَ؛ فإذا وضعت هذه حملها، وأرضعت اللِّبَأ إن كان له أصل، فإرضاع المولود من الممكنات، فتُقتل هذه قصاصاً، ثم نبتدىء نظرنا في الإرضاع بعد هذا، ونقول: طفل لو لم [يُرضَع] (٣) لضاع، فنُجري حكمه على واجبه. ١٠٤١٦ - ومما يتعلق بهذا الفصل أن الحامل تحبس إلى أن تضع، فإنا لو أطلقناها، لم نأمن أن تهرب، فحبسها للمحافظة على القصاص، حتى تضع. وإذا زنت حاملاً، واستوجبت الرجمَ، فظاهر المذهب أنها لا تحبس، والأصل فيه حديث الغامدية؛ فإنها لما اعترفت بالزنا حاملاً، قال رسول الله ﷺ : "حتى تضعي"، ثم لما وضعت "حتى تفطمي"، ولم يحبسها في هذه المدد، وحق الله على المسامحة، ولذلك يقبل فيه الرجوع عن الإقرار، وذهب

стр. 8342

ذاهبون إلى أن من استوجب حد الله وهرب، لم يُتّبع مع إمكان اتباعه، كما سنذكره في كتاب الحدود، إن شاء الله . ومن أصحابنا من قال: تحبس الحامل لأجل الحد، كما تحبس للقصاص، وإطلاق هذا بعيد، والأقرب إن قيل بذلك أن الحد إن ثبت بالإقرار، فلا معنى [للحبس مع العلم بأنه] (١) مهما (٢) رجع سقط الحد في ظاهر الحكم. فإن ثبت بالبينة، فالحبس قد يتجه، والأصح ما قدمناه. ١٠٤١٧ - ومن تمام القول في ذلك أن الرجل إذا قتل رجلاً قَتْل قصاص، وكان أولياء القتيل أغنياء، فرأى السلطان حبس القاتل، ومراجعةَ الأولياء، فله ذلك [فإنه يحبس من يسيء أدبه مؤدباً،] (٣) ويحبس من يخاف غائلتَه على المسلمين، فكيف يُطلِق من يقتل [قاتلَ] (٤) غيره (٥)، وليس هذا كالحبس في دَيْنِ غائبٍ دون استدعائه؛ فإن ذلك لا يتعلق بالسياسة، بخلاف ما ذكرناه. ١٠٤١٨ - [ومن] (٦) مقاصد الفصل أن الحامل كما لا تقتل حداً وقصاصاًً لا تقطع يدها، ولا يقام عليها حد بالجلد، فإن ذلك كله يُفضي إلى الإجهاض في الغالب. وتمام الغرض أن المرأة إذا استوجبت القصاص، ثم ادعت أنها حامل أننكف عنها

стр. 8343

بدعواها؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنا لا ننكف عنها ما لم تَقُم بينةٌ على ظهور مخايل الحمل بها، وهذا اختيار الإصطخري. والوجه الثاني - أن ننكف عنها؛ لأنها أعرف بذلك من نفسها، وقد تستشعر الحمل من ذاتها، وتظهر العلامات بعد مدة، وإذا كان كذلك، فالهجوم على ما يُفضي إلى الجناية على الجنين لا وجه له، ولعل الإصطخري يقول: لا حكم للنطفة -وهي تستشعرها [مدّة] (١) - وإنما [الحمل] (٢) هو الذي لا نهجم عليه، والعلم عند الله. ثم إذا رجعنا إلى قولها، فلست أدري أن هؤلاء يصبرون إلى انقضاء أقصى مدة الحمل، أم يقولون: نحبسها إلى مدةٍ تظهر في مثلها العلامة لو كان حمل؟ وهذا هو الأشبه؛ فإن تأخير القصاص أربعَ سنين من غير ثبت -بل على خلاف الظاهر- بعيد. ومن لا يشترط ظهور علامة الحمل لست أدري ما مذهبه فيه إذا استوجبت المرأة القصاص، ثم وطئت والوطء [عِلّة] (٣) الإعلاق؟ ولو اعترف السيد بالوطء، ترتب عليه طرق (٤) نسب المولود الذي تأتي به. فهذا مسالك المنقول. ما قدمته. فصل "ولو قتل نفراً، قُتل بالأول ... إلى آخره" (٥). ١٠٤١٩ - الواحد إذا قتل جماعة، وكان بحيث يستوجب القصاص بقتل كل واحد منهم، فمذهب الشافعي أنه يقتل بواحدٍ، وللأولياء الباقين الدياتُ في تركته. ثم لا يخلو إن كان قَتَلَهم ترتيباً، قُتل بالأول، فإن عفا ولي الأول، قتل بالثاني، وإن عفا ولي الثاني، قتل بالثالث، وهكذا إلى تمام العدد. ولو لم يعف ولي القتيل

стр. 8344

الأول، ولم يقتص، وأخر الأمر، فلا معترض عليه، وليس لولي القتيل الثاني أن يبادره [فيقتله] (١). هذا إذا قتل جماعةً ترتيباً. وأما إذا قتلهم جمعاً بسبب يجمعهم، فلا نقتله بهم، بل نقتله بواحد، والسبيل إذا تنازعوا أن نُقرع بينهم، فمن خرجت قرعته، قُدِّم، وهذا التقديم استحقاقٌ، ويحرم على من لم تخرج له القرعة مبادرتُه بالقتل، كما يحرم بسبب الترتيب على ولي الثاني أن يقتل ما لم يعف ولي القتيل الأول. ولو قتل جماعةً معاً، فرضي أولياء القتلى بتقديم واحد، جاز؛ فإن الحق لا يعدوهم، ولو قدموه، ثم بدا لهم، رُدّوا إلى القرعة، ثم القرعة متبعة، كما تقدم. ولو رضوا بأن يُقتل القاتل بهم، ويرجعوا إلى ما تبقّى لكل واحد من الدية عند فضّ القصاص عليهم، [واستنابوا نائباً] (٢)، فلا يجابون إلى ذلك، لم يختلف المذهب فيه (٣). ١٠٤٢٠ - وإن جرى القتل ترتيباً، وقد تمهد أن ولي القتيل الأول يتقدم، فلو ابتدر ولي الثاني وقتله، فهل يغرم لولي القتيل الأول ديةَ قتيله؟ فوجهان ذكرهما القاضي: أحدهما - يغرم، ثم هو يتبع [تركة] (٤) الجاني بدية قتيل نفسه. والثاني - لا يغرم، ويقع قتلُه عن القصاص في حقه، والأول يتبع الجاني بدية قتيله. وهذا هو المذهب، والوجه الأول مزيفٌ، لا أصل له، ثم فيه تضمين القصاص؛

стр. 8345

فإن وليّ الثاني فوّت بقتله حقَّ القصاص الثابت لولي القتيل الأول، فأحلنا عليه دية قتيله؛ [تقويماً] (١) للقصاص عليه. ويلزم من مساق هذا أن يقال: إذا قتل الأجنبيُّ شخصاً لزمه القصاص في نفسه، يغرَم بما جرى منه ديةَ قتيلِ مستحِق القصاص. وسر المذهب في هذا، وفي كل ما يتصل به يبين في فصلٍ بين أيدينا، وهو إذا قتل أحد الأولياء [لقتيلٍ] (٢) واحد الجانيَ، فكيف سبيله؟ والمذهب الذي عليه التعويل في هذا الفصل أن من بادر وقتل الجاني من أولياء القتلى، وقع القصاص عن حقه وللباقين الديات في تركة القتيل، [فكل] (٣) واحد من الأولياء مستحِقٌّ للقصاص التام، ولكن المحل لا يفي بعددٍ من القِصاص، فإن قدمنا بعض الأولياء، فذاك بحق تقديمٍ وأصل استحقاقٍ قائم في حق كافة الأولياء. ١٠٤٢١ - ولو ازدحم الأولياء وتمالؤوا على الجاني وقتلوه، ففي وقوع القتل وجهان: أحدهما - أنه [يقع عن الأولياء] (٤) مفضوضاً عليهم، ولكل واحد الرجوع إلى حصته من الدية على ما يقتضيه التقسيط والتوزيع، [ووجهُ] (٥) هذا الوجه أن القتل وقع عن جميعهم، ويستحيل أن ينسب مستحِق القصاص إلى القتل، ثم لا يقع غيرُ ما انتسب إليه؛ فإن كل واحد لو قدر منفرداً بالقتل، لكان ما صدر منه واقعاً عن حقه على المذهب الذي عليه التفريع، ولا عوْد إلى غيره، فإذا انتسبوا إلى القتل، وجب صرف القتل إلى الجمهور (٦).

стр. 8346

والوجه الثاني - أن القتل يصرف بالقرعة إلى واحد منهم؛ إذ لا سبيل إلى توزع القتل؛ فإنه مما لا ينقسم، وهذا مشهور في الحكاية، ولكن لا اتجاه له. فهذا ما حكاه أئمة المذهب. وحكى شيخي عن الحليمي وجهاً ثالثاً، وهو أن القتل يقع عن جميعهم، ثم يُكتفى بالقتل، فلا يرجع واحد منهم إلى الدية، واعتل بأن قال: لو قتل جماعة معتدين [واحداً] (١)، لجعلنا كلَّ واحد منهم كالمنفرد بالقتل [في] (٢) استيجاب القصاص، فنجعلهم في الاستيفاء كذلك. وهذا لا أعتد به من المذهب، فإن قتل الجماعة بالواحد ليس هو على قياس المقابلة، وإنما سببه أمرٌ جَليّ [لا تعتريه] (٣) الأقيسة الجزئية، ولو قتل جماعةٌ [جماعةً] (٤)، فاجتمع الجمع على كل واحد من المقتولين؛ فإن ترتب الأمر، قتلوا بالأول، كما يقتل الشخص الواحد، وإن جرى ذلك منهم على صورة الاجتماع من غير ترتيب، أقرع بين أولياء القتلى، فمن خرجت قرعته قتل الكلّ بقتيله؛ فإن الكل في حق كل قتيل كقاتلٍ واحد. ١٠٤٢٢ - ولو قتل جماعةً عبدٌ، فالمذهب أنه يقتل بواحد منهم على الترتيب المقدم، وديات الباقين في ذمته، وهو كالحر المعسر. وذهب بعض أصحابنا إلى أن العبد يقتل بالجميع؛ إذ لا مرجع إلى شيء بعد رقبته، وزعم هؤلاء أن هذا يخرّج على خلافٍ سيأتي ذكره في أن العبد هل له ذمة في الجنايات. ١٠٤٢٣ - وإذا قتل المحاربُ جماعةً في المحاربة، فلا شك أن قتله محتوم، ثم

стр. 8347

فيه قولان: أحدهما - أنه يقتل بجميعهم، والثاني - أنه يقتل بالواحد قصاصاً، وللباقين الديات، وهذا يخرج على قولين استنبطهما ابن سريج في أن من قتل في الحرابة هل يتعلق حق الآدمي بقتله أم قتله متمحّض لله تعالى كالحدود؟ فإن جعلناه حدّاً محضاً، [فلا] (١) معنى لصرف قتله إلى واحد، ولا حقيقة لصرفه إلى الجميع إلا على مذهب إضافة الحد إلى الزنا، وإن لم يكن [الحدّ] (٢) عوضاً عن الزنا، وإن أثبتنا للآدمي حقاً في القتل، قلنا: [يقتل] (٣) المحارب بواحد وللباقين الدياتُ في تركته. فهذا منتهى القول في ذلك. فصل قال: "ولو قطع يدَ رجلٍ وقتلَ آخر ... إلى آخره" (٤). ١٠٤٢٤ - نذكر في مقدمة مقصود الفصل تفصيلَ القول في سراية القصاص، فنقول: من قطع طرفاً قَطْع قصاصٍ، واستوجب القصاصَ في طرفه، فإذا اقتصصنا من الجاني، فسرى القصاصُ إلى نفسه وهلك [منه] (٥)، واندمل الجرح الواقع بالمجنيّ عليه أولاً، فسراية القصاص مهدرة لا يقابلها ضمان، خلافاً لأبي حنيفة (٦). ولو قطع يد إنسان، فمات المجنيّ عليه، فقطعنا يد الجاني قصاصاًً، فمات هو أيضاًً، فالنفس بالنفس، وكأن القطع الأول لم يكن جناية على الطرف، وإنما صار طريقاً في القتل، كذلك لما قطعنا يدَ الجاني، ثم أفضى إلى قتله بعد هلاك المجني عليه، فقد صار قطع اليد طريقاً في الاقتصاص، كما كان قطع يد المجني عليه طريقاً في القتل، على سبيل العدوان، وهذا بيّن فيه إذا جنى بالقطع، فمات المجني عليه،

стр. 8348

فابتدأنا بعد موت المجني عليه قطع يد الجاني، فأدى إلى هلاكه. ولو قطع الجاني اليد، فقطعنا يده قصاصاًً، ثم مات المجني عليه، ومات بعده المقتص منه، فالنفس بالنفس أيضاً، وإن وقع القصاص قبل زهوق روح المجنيّ عليه، والمرعيّ فيما نرتبه أن يستأخر موت الجاني المقتص منه عن موت المجني عليه، حتى يكون القصاص المحكوم به بعد موت المجني عليه. ولو قطع اليدَ، فقطعنا يده، فمات المقتص منه أولاً، ثم مات المجني عليه آخراً ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن نفس المقتص منه بنفس المجني عليه، كالصورتين المذكورتين قبل هذه. والوجه الثاني - أن النفس لا تقع بالنفس؛ [فإن] (١) زهوق روح الجاني تقدم على هلاك المجني عليه، والقصاص يستحيل وقوعه قبل وجوبه. ومن قال بالوجه الآخر، انفصل عن هذا، فقال: لا ننظر إلى ترتيب المرتِّبين؛ فإن الموت خارج عن الاختيار، وهو من فعل الله تعالى، فلا نظر إلى التقدم والتأخر فيه، والذي يتعلق بالاختيار هو القطع، وقد جرى مرتباً، إذ سبق القطع ظلماً، وترتب عليه الاقتصاص. ويمكن بناء هذا الخلاف على أنا هل نجعل الجرح قتلاً إذا أدى إلى القتل؟ وهذا قد سبق ذكره في أول الجراح في صورٍ: منها أن العبد إذا جرح عبداً، ثم عَتَق العبدُ الجارح قبل زهوق روح المجروح المظلوم، فهل نجعل العتق بعد الجرح قبل الموت كالعتق بعد [القتل] (٢) المجهز؟ فعلى وجهين. وكذلك القول فيه إذا جرح كافر كافراً ثم أسلم الجارح، ومات المجروح. ١٠٤٢٥ - فإن قيل: قد تمهد من أصلكم أن سراية القصاص غيرُ مضمونة، وأن قَطْع يد المظلوم لو اندمل، وسرى قطعُ يد الجاني قصاصاً، فالسراية مهدرة، فلم أوقعتموها قصاصاًً في بعض الصور التي قدمتموها؟ قلنا: وقوع السراية [هدراً] (٣) ليس أمراً مستحَقاً؛ فإن جرى لنا على القياس صرفُ

стр. 8349

تلك السراية إلى قصاصٍ، لم نمتنع من صرفها إليه، وإن عَدِمنا صرفَها إلى القصاص، فلا سبيل إلى تبقيتها مضمونة؛ فإنها في الأغلب تقع ويستحيل التسليط على ما يقتضيها غالباًً بشرط الضمان فيها؛ فإن هذا لو [قيل] (١) به، [لأدّى إلى عسر الاقتصاص، وتخويفِ المقتص] (٢) وتعريضه للخطر الذي يغلب وقوعه. ١٠٤٢٦ - فإذا ثبت ما مهدناه في السراية قلنا: إذا قطع رجلٌ يد رجل ظلماً، وسرى إلى نفسه، فقطعنا يد الجاني قصاصاً، فإن سرى القطعُ، فالنفس بالنفس كما قدمناه، وإن لم يسر، بل اندمل، فلوليّ المظلوم أن يضرب رقبة الظالم، فإن فعل، فذاك، وإن عفا على مال، لم يثبت له إلا نصف الدية؛ فإن اليد التي استوفاها قصاصاًً تقابل نصفَ الدية. وقد يعرض لما نحن فيه أمران: أحدهما لا اندراج فيه - وهو ما يتعلق بالقصاص. والثاني مبناه على الاندراج - وهو ما يتعلق بالدية على ما سيأتي شرح ذلك من بعدُ، فإذا أراد القصاص، فالطرف والنفس (٣)، وإذا أراد المال، فلا يجب في الطرف والنفس، وقد صار الجراح نفساً [فلا يجب] (٤) في المظلوم إلا ديةٌ واحدة، واليد التي استوفاها تقابل نصف الدية، ولا سبيل إلى إهدار ما قبض عوضاً، فيقتضي مجموع ذلك نصفَ الدية عند العفو عن القصاص في النفس. ولو قطع الظالم أولاً اليدين، وسرى قطعهما إلى النفس، فقطع الولي اليدين من الظالم قصاصاًً فاندمل قطعهما، فإن أراد الولي القصاص، ضَرَب رقبةَ الظالم، وإن أراد الرجوع إلى مال، فلا مال له؛ [لأنه] (٥) استوفى ما يقابل الدية الكاملة، وهو

стр. 8350

القصاص في اليدين، فهذا قصاصٌ ثبت في النفس، ولو أسقطه مستحقه، لم يرجع إلى مال، ويشبه ما رتبناه من مخالفة أمر المال للقصاص وابتنائه على التداخل بخلاف القصاص. وقد ذكر صاحب التقريب أن من أصحابنا من جوز لمستحقي القصاص في النفس الرجوع إلى مال، فهذا وهذا قد قدمناه في تفريع القول في أن موجب العمد [ماذا؟] (١). ١٠٤٢٧ - وحقيقة هذا ترجع إلى أن القصاص لا يحسب من المال إذا آل الأمر إليه. وهذا أثر قولنا: لا يندرج القصاص، فإن جرينا على هذه الطريقة البعيدة، فالنفس في هذا المقام تقابل بالدية الكاملة. ١٠٤٢٨ - وإن جرينا على ظاهر المذهب، فلو أراد من له القصاص أن يصالح عن حقه من القصاص على مالٍ، فهل له ذلك؟ فعلى وجهين مرتبين على الوجهين من المصالحة عن حد القذف، فإن جوزنا المصالحة عن الحد على مال، فالقصاص بذلك أولى، وإن لم نجوّز ذاك، ففي القصاص وجهان، والفرق أن الأعراض ليست متقوّمة شرعاً، بل لم تتلف بالقذف بدليل تصور قذف بعد القذف، ولا قتل بعد القتل. فإن جوزنا لمستحق الدم أن يصالح من عليه القصاص، فهل يجوز لأجنبي أن يصالح مستحقَّ القصاص بمالٍ يبذله، فعلى وجهين: أصحهما - المنع، ومجوزها يلتفت على [مخالعة] (٢) الأجنبي الزوجَ في طلب تخليص المرأة، ولعل المصالحة عن الدم أقربُ إلى المصلحة؛ [فإن] (٣) إسقاط القصاص على كل حال محبوب محثوث عليه، وجواز خلع الأجنبي لا يختص بضرار يلحق الزوجة من زوجها. ١٠٤٢٩ - ومما يتعلق بمنتهى الكلام أنا إذا قلنا: موجب العمد القود أو الدية، فلو

стр. 8351

جرت مصالحة عن تراضٍ على مائتين من الإبل، فهي باطلة؛ فإن المال [متأصل] (١) على هذا القول، فترجع حقيقة المصالحة إلى المصالحة عن مائة على ما نبين. وهذا لا امتناع له. وإن قلنا: موجب العمد القود المحض [فلو جرت] (٢) المصالحة عن تراضٍ على مائتين [من] (٣) الإبل، ففي صحة المصالحة وجهان: أحدهما - الصحة؛ فإن المصالحة وردت على الدم، ووقع المال بدلاً عنه، فلا يبعد أن يزيد المالُ المبذول على أصل الدية. والثاني - يمتنع ذلك؛ فإن المال على حالٍ يتطرق إلى الجناية وإن كانت عمداً. وهذا الخلاف متردد بين أصول: منها أن ما ذكرناه من أن القصاص المحض الذي لا يرجع مستحقه إلى مال باختيار نفسه هل يجوز المصالحة عنه. والثاني - أن العفو المطلق هل يوجب المال، على قولنا إن موجب العمد القودُ المحض؟ ١٠٤٣٠ - ومما نجريه في تمام الفصل أن رجلاً لو قطع يدي رجل ظلماً وقتل آخر، [فإنا] (٤) نقدم القصاص في الطرف على القصاص في النفس، [ولا] (٥) نقدم القتلَ الموجب للقصاص في [النفس] (٦)؛ وذلك أنا لو قدمنا القصاص في النفس، أسقطنا القصاص في الطرف، فلا ينبغي أن نسعى لأجل تقديم وتأخير في إسقاط قصاصٍ مقصود في الشرع، فنقطع اليدين منه، ثم نقتله على أثر قطعهما بمن قتله. وغرضنا بما ذكرناه الآن تركُ قياس التقديم والتأخير فيما قصصنا عليه. ١٠٤٣١ - ولو قطع أصبعاً من إنسان وقطع يداً كاملة من آخر، فنقدم القصاص في الأصبع لتقدّمه، وإن قطع اليد الكاملة أولاً، ثم قطع أصبعاً، فنقطع يده باليد

стр. 8352

الكاملة، ولا نقطع [منها] (١) الأصبع، [لمكان] (٢) الأصبع [ويُرعَى] (٣) في ذلك التقديم والتأخير وليس كمسألة الروح والطرف؛ فإن النفس لا تنتقص بقطع طرف منها، والمستحق في اليد [اليدُ] (٤) كاملةَ الأصابع والكف، وهذا بيّن. ١٠٤٣٢ - ثم قال الشافعي ﵁: "لو قتله عمداً ومعه صبي أو معتوه ... إلى آخره" (٥) فتعرّض لأحكام الشركة، وقد قدمنا ذلك عند ذكرنا معالجةَ المجروح نفسه بخياطة جرحه، وتنزيلنا إياه شريكاً في دم نفسه، فثمَّ نظمنا تقاسيم القول في الشركة، فلا نعيده. فصل قال: "ولو قتل أحدُ الوليين القاتل بغير أمر صاحبه، ففيها قولان ... إلى آخره" (٦). ١٠٤٣٣ - إذا خلَّف القتيل ظلماً وليّين والقصاصُ واجب على من ظلمه بالقتل، فليس لأحد الوليين الانفرادُ بقتله دون رضا صاحبه؛ فإن القصاص واحد في هذا المقام، وهو من جهة التقرير مفضوض على الورثة، ولو كان مُشَقَّصاً (٧)، لقيل: [لكل] (٨) واحد من الورثة حصته، فالأمر كذلك، وإن عسر تقدير التبعيض في الاستيفاء.

стр. 8353

ولو عفا أحد الأولياء عن القصاص، سقط حقه وترتب عليه سقوط حقوق الباقين؛ فإن القصاص واحد، فإذا سقط بعضه، استحال استيفاء باقيه [مع] (١) الاقتصار على القدر المستحق، والسقوط أغلبُ في العقوبات إذا اجتمع فيها المسقط ونقيضه. وذهب طائفة من علماء المدينة إلى أن القصاص من حقوق الورثة ينزل منزلة حد القذف، فلو ابتدره واحد منهم دون مراجعة أصحابه، جاز، ووقع الموقع، ولو عفا جميع الورثة إلا واحداً منهم، فله الانفراد باستيفاء القصاص، اعتباراً بحد القذف في مثل هذه الصورة. وإنما ذكرنا مذهب هؤلاء لمسيس الحاجة إليه في ترتيب مذهبنا. فلو قتل أحد الوليين قاتلَ أبيه منفرداً، ولم يراجع أخاه، لم يخل: إما أن يفعل ذلك قبل عفو أخيه عن القصاص، وإما أن يفعله بعد عفوه عن القصاص، فلو ابتدر واقتصّ قبل العفو، فقد نص الشافعي على قولين في أن القصاص يجب عليه؛ فإن استيفاء حق نفسه من القصاص غيرُ ممكن، ولا سلطان له في استيفاء حق أخيه، فلا يمكن [أن] (٢) يقع قتله عن جهة الاستيفاء، لا في حقه، ولا في حق أخيه، وإذا لم يقع عن جهة القصاص، فإن قتله إياه بمثابة قتل أجنبي، ولو قتل أجنبي رجلاً استوجب القصاصَ، وجب القصاصُ عليه بقتله؛ فليكن الولي كذلك. القول الثاني - وهو الأصح أنه لا يجب القصاص على الولي [المبادر] (٣) القاتل، لمعنيين: أحدهما - أن القتل قصاصاًً مشترك بينه وبين أخيه، ولو كان الكل مستحَقاً لهذا المستوفي، لكان مستوفياً حقّ نفسه، فإذا ثبتت الشركة، فلا أقل من أن تنهض الشركةُ شبهةً في إسقاط القصاص عنه. هذا أحد المعنيين، وهو أظهرهما. والمعنى الثاني - التعلق بمذهب فقهاء المدينة [وهو] (٤) أنهم جوزوا لكل واحد من

стр. 8354

الورثة أن ينفرد بالقتل، فينبغي أن ينتهض بمذهبهم شبهة في درء القصاص عن هذا المبتدر. التفريع على القولين: ١٠٤٣٤ - إن حكمنا بأن القصاص يجب على الولي المبتدر، فلا يخلو ولي القاتل المقتول من أن يقتص منه أو يعفو، فإن اقتص من هذا الولي، فدية المقتول الأول ظلماً تتعلق بتركة القتيل القاتل: نصفها للولي [الثاني] (١) ونصفها لورثة الولي المبتدر. فإن عفا ولي القتيل القاتل عن الولي المبتدر على مال، تعلقت دية القتيل المظلوم بتركة القتيل القاتل: النصف منها للولي الذي لم يقتل، والنصف للولي الذي قتل، وعلى الولي [المبتدر] (٢) لورثة القتيل القاتل تمام الدية: النصف منها يرتفع بالنصف قصاصاًً والنصف الآخر على الولي المبتدر. وقد تختلف الأقدار باختلاف أقدار الدية في القتل في القتيل القاتل والقتيل ظلماً، بأن يكون المظلوم رجلاً والمرأة قاتلة وهي القتيلة القاتلة، وقد يكون الأمر على الضد، فلينظر الناظر، وليجر على ما يقتضيه الحال. هذا تفريعٌ على أن القصاص يجب على الولي المبتدر، وكل ما ذكرناه يأتي من تنزيل قتله منزلةَ قتل الأجنبي، والحكم بأنه ليس استيفاءً، لا لحق المبتدر ولا لحق أخيه. ١٠٤٣٥ - فأما إذا فرعنا على القول الآخر، وهو أن القصاص لا يجب على الولي المبتدر، فكيف الكلام في الدية؟ وعلى من يرجع الأخ الذي لم يأمر بالقتل؟ فسبيل افتتاح الكلام في هذا أن بعض القتل يقع عن حق المبتدر على هذا القول الذي نفرع عليه، فهو إذاً مستوفٍ حقَّ نفسه بطريق الاقتصاص. والنظرُ في حق أخيه، وفيه قولان: أحدهما - أن حقه يتعلق بتركة القتيل القاتل،

стр. 8355

فلا رجوع له على أخيه، والقول الثاني - أن حقه يتعلق بأخيه المبتدر. قال الأصحاب: القولان مبنيان على [المعنيين] (١) اللذين ذكرناهما في توجيه إسقاط القصاص عن المبتدر، فإن قلنا: المعنى شبهه [بالشركة] (٢)، فمقدار حقه واقع له، وهو في الزائد [معتدٍ] (٣) غيرُ مستوفٍ؛ فإن مستحق الحق لم يستنبه، والشرع لم ينصبه [وليّاً] (٤) عليه، [فوقع] (٥) قتله في حق صاحبه إتلافاً، فعلى هذا يرجع أخوه على تركة القتيل القاتل؛ فإنه بقتله في حق أخيه ينزل منزلة الأجنبي إذا قتله. وإن عللنا مذهب أهل المدينة، فكأنا نقول: القتل وقع استيفاء بكماله، ولكن المبتدر لما استبد بنفسه، كان مفسداً على أخيه حقه، فيضمنه له. هكذا كان يرتبه شيخي. ولست أرضى هذا المسلك، ولكن الوجه أن نقول: هذا المبتدر استوفى حق نفسه، والقتلُ لا يتبعض، فينشأ القولان من هذا من غير بناء على المعنيين، فالقول المنقاس حملُ القتل على [التبعيض] (٦) وصَرْفِ بعضه إلى جهة الظلم، فيكون المبتدر كالأجنبي فيه، وموجب هذا تضمين المبتدر لورثة القتيل القاتل، وإيجاب حق الأخ الآخر في تركة القتيل القاتل؛ قياساً على ما إذا كان القاتل أجنبياً. ووجه القول الثاني: أن القصاص لا يمكن تبعيضه، فيُجْعل المبتدر [مستوفياً] (٧) لحق أخيه، وليس [كالأجنبي] (٨)، فإن أصل قتله ظلم، وليس القصاص مما يغرم

стр. 8356

غرامة المتقوّمات، فاتجه على بُعدٍ تضمين المبتدر؛ من جهة أنه يبعد تبعّض القتل قصاصاًً وظلماً، فيبعد الحكم بوقوع القصاص [لمن لم يأذن فيه] (١) فاضطررنا في هذا المقام إلى تضمين المبتدر لأنه في حكم من قبض [حق] (٢) غيره، ولم يوفِّه عليه، فهذا هو الوجه عندنا في توجيه القولين. التفريع عليهما: ١٠٤٣٦ - إن قلنا: رجوع الولي الذي لم يأذن على تركة القتيل القاتل، فيرجع بنصف دية أبيه، ثم هم يرجعون بنصف دية القتيل القاتل على الابن المبتدر؛ فإنه في هذا النصف ظالمٌ بالقتل غيرُ مستوفٍ، ثم قد تختلف أقدار الديتين كما نبهنا عليه. فإن قلنا: رجوع الابن الذي لم يأذن على أخيه المبتدر، فلا طلبة على تركة القتيل القاتل، ويطالِب من لم يأذن أخاه المبتدر بنصف دية أبيه المقتول ظلماً أولاً، ثم إذا غرم هذا المبتدر لأخيه، فلا يرجع بما ضمنه على تركة القتيل القاتل، فإنا نزلنا [قتله] (٣) استيفاءً، فكيف نجمع بين القتل المحكوم بكونه استيفاء، وبين الرجوع في المال؟ وقد جرى في أثناء الكلام قَطْعُ الأصحاب أولاً بأن الأجنبي إذا قتل مَنْ عليه القصاص، فليس القصاص مما يُضمن بالتفويت، فإن قيل: ألستم ذكرتم وجهين فيمن قتل جماعةً ترتيباً، وجعلنا حق استيفاء القصاص لولي الأول فابتدره ولي الثاني وقتله - في أن هذا الولي هل يغرم لولي الأول ديةَ قتيله؟ قلنا: ذاك بعدُ لا اتجاه له، وإنما أشار إليه بعض أصحاب القاضي، ولا ينبغي أن [تشوش] (٤) قواعدُ المذهب بمثل ذاك الوجه. ثم هو على بعده منفصل عن الأجنبي؛ من جهة أن قتله وقع مستحَقاً له، فكان تفويته من جهة الاستيفاء، لا من جهة الإتلاف المحض. فهذا ما أردناه في ذلك. وكل هذا في ابتدار أحد الوليين قبل عفو الثاني.

стр. 8357

١٠٤٣٧ - فأما إذا عفا أحد الوليين، فابتدر الثاني، وقتل، فلا يخلو: إما أن يكون ذلك [بدون العلم] (١) بالعفو، وإما أن يكون عالماً به، فإن كان مع العلم بالعفو، ففي وجوب القصاص على هذا المبتدر قولان مرتبان على القولين فيه إذا ابتدر أحدهما وقتل قبل عفو الثاني، ثم القولان بعد الترتيب مبنيان على المعنيين المذكورين في توجيه أحد القولين. فإن قلنا: المسقط للقصاص عن المبتدر الشركة، فهي زائلة بالعفو، وإن قلنا: المسقط خلاف العلماء، فهو قائم؛ فإن الذين صاروا إلى جواز انفراد أحد الوليين باستيفاء القصاص [نحَوْا به نحو حدّ القذف] (٢) وزعموا أنه لا يسقط حق من لم يعف بعَفْو من عفا. وكان شيخي يقول: الخلاف في نفس الشيء لا يوجب درءَ العقوبة سواء كانت لله أو للآدمي، فإنا لو جعلنا الخلاف في ثبوت العقوبة وانتفائها شبهةً دارئة للعقوبة، لما تصور الخلاف [في] (٣) العقوبة، ولاقتضى إيجاب العقوبة مدركاً مستيقناً حتى لا تفرض عقوبة في مجال الظن. فأما إذا كان الخلاف في إباحة السبب، فالمذهب الأصح أنه إذا كان (٤) مساغٌ ولم يصادم أمراً مقطوعاً به، فإنه يدرأ العقوبة الثابتة لله، وهذا كخلاف ابن عباس في إحلال المتعة، وإن كانت العقوبة للآدمي كالقصاص في الصورة التي نحن فيها، فالخلاف هل يدرأ العقوبة؟ فعلى قولين؛ فإن حقوق الآميين أبعد عن السقوط من حقوق الله تعالى، ولا [يعدم] (٥) الفقيه تقدير هذا. ومما [نؤثر للفقيه] (٦) التنبه له أن إسقاط القصاص مع العلم بالعفو في الصورة التي نحن فيها أقرب مأخذاً من إيجاب القصاص على المبتدر إذا لم يكن عفوٌ.

стр. 8358

هذا إذا كان القاتل عالماً بعفو أخيه. ١٠٤٣٨ - فأما إذا ابتدر ولم يعلم بعفوه، فهذا يترتب على ما إذا علم بالعفو، فإن لم يلزمه القصاص مع العلم، فلأن لا يلزمه إذا كان جاهلاً أولى، وإن ألزمناه القصاص في حالة كونه عالماً، ففي حالة الجهل قولان مبنيان على أصلٍ سيأتي تمهيده، وله صور: منها أن من رأى مرتداً [وتعدى] (١)، ثم رآه بعد زمان، فحسبه مصراً على ردته وقتله، ثم تبين أنه كان أسلم، ففي وجوب القصاص على قاتله قولان، ووجه [التشبيه] (٢) أن المقتول معصومٌ، والقاتل غير عالم بعصمته، وليس هو معذوراً في الإقدام على قتله، وادعاء القاتل هذا الأمر على إباحة قتله ظاهر، فانتظم القولان [وفي هذا الأصل معاصات سننبه عليها] (٣)، إن شاء الله . فصل قال: "ولو قطع يده من مفصل الكوع، فلم يبرأ القطع حتى جاء آخر وقطع ذلك الساعد من المرفق، ثم مات المجني عليه ... إلى آخره" (٤). ١٠٤٣٩ - فمذهب الشافعي أن القصاص في النفس يجب على القاطعين جميعاً، وأوجب أبو حنيفة (٥) القصاص على الثاني، واعتقد أن سراية القطع الأول انقطعت بزوال محل القطع. فإذا ثبت من أصلنا وجوب القصاص عليهما، فالولي يقطع يدَ الأول من مفصل الكوع، ويُنظر في الثاني، فإن صادف له ساعداً بلا كف، قطع يده من المرفق، فإن

стр. 8359

صادف يد الجاني مع الكف، فهل يقطع يده من المرفق؟ اختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من قال: له ذلك، وهو الأظهر؛ فإن نفس هذا الجاني مستحَق، وقطع يده من المرفق طريقٌ في قتله، وليس في القطع من المرفق مزيد مَثُلة، وإن كان عليها كف، فلا جُنّة بالكف، فإنها هالكة بالقتل المستحق. ومن أصحابنا من قال: لا نقطع يد الجاني وعليها الكف من المرفق. وليس لهذا الوجه اتجاه عندي إلا من جهة أنا نقدّر العفو عن النفس من المستحِق، ولو فرض ذلك، لكان القطع من المرفق مع الكف زيادةً غيرَ مستحَقه. وحمل بعض أصحابنا هذين الوجهين على وجهين سيأتي ذكرهما في أصلٍ قريب مما نحن فيه، وهو أن من أجاف غيره وقتله، فالجائفة لو اندملت، فلا قصاص فيها، وإذا حصل القتل بها، فهل يجوز الاقتصاص بالإجافة عن النفس؟ فعلى وجهين، ووجه [الشبه] (١) أن الجائفة لو لم يحصل القتل بها لا قصاص فيها، ولا يُقطع مرفق وعلى الساعد كف بساعدٍ قُطع من المرفق ولا كف عليه، فإذا حصل القتل بهما، وصارت الروح مستحقة، فالأمر على الخلاف، وهذا التشبيه ليس [بمرضيٍّ] (٢) عندي؛ فإن سبب الخلاف في الجائفة أنها غيرُ منضبطة، فلا نأمن أن يتعدى إلى الحد مَثُلة؛ هذا هو الذي أثار الخلاف ثَمَّ، وهذا المعنى مفقود في قطع المرفق، فالطريق في التوجيه ما نبهنا عليه في [توقع] (٣) العفو. فصل قال: "وإذا تشاحّ الولاة ... إلى آخره" (٤). ١٠٤٤٠ - إذا ثبت القصاص بين جماعة ورفعوا أمرهم إلى السلطان، فرآهم السلطان أهلاً لاستيفاء القصاص، فإن فوضوا الأمر إلى واحد منهم حتى تعاطى

стр. 8360

الاقتصاص، جاز، وإن تشاحّوا، فالوجه أن يُقرع بينهم، فإذا خرجت القرعة لواحد، فهل يجوز له أن يبتدر الاقتصاص دون رضا أصحابه؟ فعلى وجهين ذكرهما مشايخنا: أحدهما - أنه لا ينفرد ما لم يرضَ أصحابُه (١)، فإن الانفراد بالاقتصاص غير سائغ عندنا. والوجه الثاني - أنه يجوز له أن يبتدر، فيقتصَّ؛ إذ لو لم نقل ذلك، لما كان للقرعة معنى وفائدة، ولرجع الأمر إلى امتناع الاقتصاص حتى يعينوا واحداً، ولو عينوا واحداً، فلا حاجة إلى القرعة. وهذا يحتاج إلى فضل نظر: فإن خرجت القرعة، فصرح الذين لم تخرج [القرعة] (٢) لهم بالمنع من الاقتصاص، [فهذا] (٣) غير جائز (٤)، وإن ظهر منهم قصد القتل قصاصاً، وردّوا نزاعهم إلى [تخيّر] (٥) من يقتل، فحكّمنا القرعة، ولم يُبْد أحد منعاً، فهل يجوز لمن خرجت قرعته الابتدار بناء على ما ظهر من حالهم من قصد القتل؟ فيه الخلاف الذي قدمناه (٦). وليس اختلاف الولاة في القصاص بمثابة اختلافهم في التزويج؛ فإن الولاة في [حقه] (٧) إذا اختلفوا فيمن يزوج المرأة واقترعوا، فمن خرجت قرعته لا يحتاج إلى مراجعة أصحابه إذا رضيت المرأة ذلك، والأصل على الجملة بعيد [عن] (٨)

стр. 8361

القصاص؛ فإن من لم تخرج قرعته لو ابتدر، فزوج بالإذن، نفذ، وإنما القرعة استحسان محضٌ في ازدحام ولاة النكاح، فهذا منتهى المراد في ذلك. [فصل] (١) قال: "ولو طرحه في نار حتى يموت ... إلى آخره" (٢). ١٠٤٤١ - المماثلة عندنا مرعية في استيفاء القصاص إذا لم يكن فيها اهتتاك حرمة. هذا أصل الباب، وتعليله أن [مبنى] (٣) القصاص على التشفي ودَرْك الغيظ، ولا اختصاص للولي به إلا من هذه الجهة؛ فإن ما فيه من معنى الزجر [لا يختص] (٤) بالولي، بل فيه مصلحة عائدة على الكافة؛ من حيث يتضمن زجر الغواة أجمعين، فإذا كان أصل القصاص على التشفي، اقتضى ذلك المماثلةَ في الجهة. ثم معتمد الفقهاء أن القتل بالسيف [أوحى] (٥) جهاتِ القتل وأسهلُها، وسيظهر أثر هذا في أثناء الكلام، إن شاء الله . فإذا حرّق رجلاً [اقتُصّ] (٦) منه بالتحريق، وكذلك إذا غرّق أو خنّق. فالوجه أن نقسم جهات القتل تقسيماً ضابطاً، فنقول: هي تنقسم إلى ما يقتل لا بطريق السراية، وإلى ما يقتل بجهة السراية. فأما ما يقتل لا بجهة السراية، فينقسم إلى ما ليس فاحشة في أصل الشرع، وإنما سبب تحريمه رعاية حق المقتول المعصوم، وإلى ما هو فاحشة. فأما ما ليس فاحشة فيه كالقتل بالخنق، والتغريق، والتحريق، [والوُجور] (٧)

стр. 8362

والموالاةِ بالضرب، [والمثقلات] (١)، والترديةِ من عُلوّ، فالقتل بهذه الجهات ليس من الفواحش. وآية ذلك أنا قد نقتل بها الكفار، فالمماثلة جارية في هذه الجهات. ١٠٤٤٢ - ثم الوجه أن نقول: [إذا قتل الجاني بالإحراق، عمدنا إلى إيقاد نار مثلِ نار الجاني] (٢) وألقيناه فيها، فإن مات الجاني بالكَوْن في النار في المدة التي مات المظلوم فيها، [فلا كلام] (٣)، وإن لم يمت في مثل تلك المدة، فهل على الولي أن ينتقل إلى السيف؟ نُظر: فإن كان قَتْلُه بالسيف أهونَ [من] (٤) تبقيته في النار، ضرب الوليُّ رقبته، فلو أراد الجاني أن يُترك في النار، لم يترك فيها. ولو أراد الولي أن يتركه، وقال الجاني: اضربوا رقبتي، ضربت رقبته إن أراد الولي الاقتصاص، ويظهر الغرض في مبدأ هذا الفصل بما ذكرناه أولاً، وهو أن الولي إذا أراد ضرب رقبته، أجيب إلى ذلك. ولو قال الجاني: لو تركتموني [أُحرّق] (٥) مدة بقائي! [فاتركوني] (٦)؛ فإن البقاء مع العذاب أحب إليّ، قلنا: ليس لك هذا، وحق القصاص على الفَوْر ولا تؤخَّر لتبقى. وإن قال: إذا ضربتم رقبتي بالسيف جمعتم عليّ بين نوعين، قلنا: لا مبالاة بهذا؛ إذ كان القتل بالسيف أوْحَى (٧). ولو رضي بالتبقية في النار، فهاهنا ذكر شيخي خلافاً، والأظهر أنه لا أثر

стр. 8363

لتراضيهما، فإن منع المَثُلة متعلق بحق الله تعالى. ومن أصحابنا من قال: لا يُمنع إدامةُ الجنس الأول، [لما] (١) في النفوس من استشعار مزيد العقوبة عند فرض الانتقال من [جنس إلى جنس] (٢)، والكلام مفروض في الأسباب الموجِبة، فلا يظهر أثر المَثُلة عند استمرار السبب [الموجِب] (٣) زماناً. هذا إذا [كان ضرب الرقبة] (٤) أهون. فأما إذا كان الإبقاء في النار أهون، هذا مما صوره المحققون وأطلقوه، وكان شيخي [يأبى] (٥) تصور هذا، ويقول: القتل بالسيف أهون في حق كل أحد من سائر الجهات، ويمكن أن يقال: هذا مفروض فيه إذا كان لا يتأتى قتله بالسيف وهو في النار، وإذا طلبنا إخراجه، عظُم شقاؤه، وإذا تُرك يرجى هلاكُه، وليس يبعد تصوير ذلك على هذا الوجه. فإذا أخذنا بتصوير هذا، فقد ذكر الأصحاب وجهين: أحدهما - أنه يبقى في النار، لأنه أسهل عليه، والثاني - لا يبقى بل يُخرج وتحز رقبته: أما وجه إبقائه في النار، فبيّن، وهو رعايةٌ لحقه والتوحِّي، وينضم إليه اتحاد جهة العقوبة، فأما من قال: إنه يقتل بالسيف، مع الاعتراف بأن القتل بالسيف أشق، فلا وجه لهذا إلا إذا صور أن القتل بالسيف أقربُ من جهة الزمان، فيقول مستحق القصاص عجّلوا لي حقي، فإن كان يفرض القتل بالإبقاء أوْحى، أو كان في مثل [مدة] (٦) القتل بالسيف، فلا اتجاه أصلاً -مع انتهاء الكلام إلى هذا المنتهى-[لقول] (٧) من يقول: إنه يقتل بالسيف. نعم، غاية الإمكان في توجيه هذا الوجه أن يقال: الوَحِيّ (٨) بالسيف

стр. 8364

لا شك فيه، ودرك التوحى بعده غير منضبط، فكان السيف مقدماً لذلك، [فتوجيه] (١) الوجهين يؤول إلى التردد في التصوير لا محالة. ١٠٤٤٣ - ولو قتل رجل رجلاً [بالخنق] (٢)، فأراد ولي القصاص أن يقتله بالسيف، فقد قطع شيخي بأن له ذلك، [ومال] (٣) إلى أن القتل بالسيف أوحى وأيسر، وفي [الطرق] (٤) رمزٌ إلى مخالفة هذا، [فيمكن] (٥) أن يؤثر المرء [الخنقَ] (٦) ويراه أَوْحى وأقربَ إلى إزالة الحس الذي به درك الألم، والضرب بالسيف يختلف من المهرة؛ فإنه يتعلق بحركات [اختبار] (٧) وأمورٍ يدق مُدركها عند أهلها، ولا ينبغي أن يستبعد هذا (٨)، وقد ذكرنا وجهين في الإبقاء وضرب الرقبة بالسيف. ١٠٤٤٤ - ولو قتل الجاني بالحبس في البيت [والتجويع] (٩)؛ فإنا نجوّز للولي أن يقتل بمثله، ولا شك أن الولي لو أراد القتل بالسيف، كان له ذلك في هذه الصورة، فإنه أوحى وأيسر، فلو قال: الجاني: اقتلوني بمثل ما قتلت به، وأمتعوني ببقاء أيام. قلنا له: هذا يعارضه أن القصاص إذا وجب، وجب على الفور، ومن أتلف

стр. 8365

مقداراً في مُددٍ، غَرِم على الفور، فإن [قال] (١): الموت بالجوع أهون، كذبناه، فهذا منتهى ما أردناه. ١٠٤٤٥ - ومما يجب الاعتناء به أنا إذا كنا نرعى طريقَ المماثلة، فيجب الاحتياط به، حتى إن كان أحرق بنار، [راعينا قدرها، وكلما عظمت النار] (٢)، كان الموت بها أوحى. وإذا قتل بالتردية، اعتبرنا مثلَ ذلك البعد في المَهْوى وصلابة الموقع. وإن كان قتل بالضربات، فإنا نضربه بمثل تلك الآلة، ونرعى مثل تلك العِدّة، فإن مات، فذاك، وإن لم يمت، فيبعد تصوير القتل بذلك الجنس أوحى من القتل بالسيف، فيتعين العدول إلى السيف. ولو قتل [نحيفاً] (٣) بضربات يُقصد بها قتلُ مثله، واستوجب القصاصَ لذلك، وعلمنا أو ظننا ظناً غالباً أن [الجاني] (٤) في جثته وقوته لا يهلك بتلك الضربات، وقد نظن أنه لا يهلك بأضعافها، فالوجه عندنا القطعُ بأنه يقتل بالسيف؛ فإن الضرب ليس قاتلاً له، مع الاقتصار على القدر الذي جرى، فليس في إيقاعه به إلا تعذيبٌ محض، ثم العدول إلى السيف، ونحن إنما نرعى المماثلة في الجهة إذا كنا نظن [القتل] (٥) بها قصاصاًً مع رعاية المساواة، فليس كل جناية مقابلةً بالمماثلة، وهذا بيّنٌ لا خفاء (٦) به. ١٠٤٤٦ - وكل ما ذكرناه فيه إذا جرى القتل بما ليس بفاحشة في نفسه، وأما إذا

стр. 8366

جرى بما هو فاحشة مثل أن يلوط بصغير، فيهلكَ به، أو يوجِرَ إنساناً خمراً حتى يموت، فلا شك أن المماثلة ممتنعة، والذي ذهب إليه الأصحاب أن العدول إلى السيف مع الاقتصاص. وقال أبو سعيد الإصطخري: [يوجر] (١) الجاني ماءً إذا كان أوْجر خمراً، ويدس في [اللائط] (٢) خشبة على قدر الآلة. قلت: وهذا فيه إذا كان يظن أنه يهلك به، فإن لم يكن كذلك، التحق بالضربات في حق النحيف والجاني لا يهلك بها. ١٠٤٤٧ - وفي لفظ الشافعي تردد وإشكال في بعض أطراف المسألة؛ فإنه قال ﵁: "إذا شدخ رأسه بحجر يوالَى بذلك عليه إلى أن يموت" هكذا نقله المزني (٣)، [وظن أن الشافعي يرى أنه إذا لم يمت الجاني بالضربات] (٤) التي سبقت منه، فنزيد في الضربات، ولا نعدل إلى السيف، وإنما وقع له هذا من قول الشافعي: "قال بعض أصحابنا: إن لم يمت من [عدد] (٥) الضرب، قتل بالسيف" (٦)، فاعترض (٧) وقال: هذا خلاف أصله، وأصلُه في التعطيش والتجويع؛ فإنه يقول فيه: "لا يوالى عليه إلى أن يموت". قلنا: مذهب الشافعي أنه إذا فعل به مثلَ ما فعل بالضرب ولم يمت، تحزّ رقبتُه؛ فإن حزّ الرقبة أهون، ولم يبق لمستحق القصاص بعد ما عاقب بالجهة التي جرت الجناية [بها] (٨) إلا القتلُ على أوحى الوجوه، والشافعي قد يعني نفسه بقوله: "ذهب

стр. 8367

بعض أصحابنا" [إشارة] (١) إلى مذهبٍ له، فهو يخالف القطع، ونحن [نرعى] (٢) من مذهبه القطعَ بالعدول إلى السيف، ففي اللفظ ما فيه. وقد سمعت شيخي ﵁ يحكي مطلقاً قولاً: أنا لا نعدل إلى السيف، بل نتمادى [على] (٣) الجنس الذي وقع القتل به، وغالب ظنّي أنه كان يقول ذلك في النار، والتغريق، وإطالة مدة التجويع والتعطيش، فأما الزيادة على أعداد الضربات، فليس عندي في هذا سماع، وإن صح ما نقله، فهو لائق بالنص، وإن كان مشكلاً في المعنى، ثم يجب طرده في الزيادة على أعداد الضربات، ففيها اللفظ المشكل المنقول عن الشافعي، وهذا القول المرسل لا يتوجه عندي إلا بردّ الأمر إلى استشعار النفس [الخوفَ] (٤) من النقل من جنس إلى جنس، وهذا لا أصل له، فإن ضربةً بسيف، أقربُ من مائة ضربة بجنسه. فهذا منتهى الإمكان نقلاً وتصريحاً، ولم أنقل القول المطلق حتى تَمهَّدَ المذهبُ نفياً [وإثباتاً] (٥) كما سبق، ثم ربطته بالنص؛ فإنه عاضَدَه. ١٠٤٤٨ - ونحن نختم هذا الفصل بالتنبيه على معنىً بدعٍ [نخرِّج] (٦) عليه قولاً لم يصححه الأصحاب، ئم نجمع مناظم المسائل في تراجم، [فليُقبل] (٧) الناظر عليها، وليقدّر ما يقدّر جارياً على مسلكنا في طريق المباحثة، فنقول: إذا لم يمت الجاني بمثل صنيعه، [بالمجنيّ] (٨) عليه، فسبب ذلك أن [جنايته] (٩)

стр. 8368

وقعت من المجني عليه موقعاً عظيماً، لضعفه، فهدمت بنيته، وهذا القدر لم يقع من الجاني موقع جنايته من المجني عليه، فإذا نحن زدنا من ذلك الجنس، فكأنا لم ننظر إلى قدر الفعل، وإنما طلبنا في [موضوع] (١) طريقِ المماثلة موقعَ الجناية لا صورتَها، ولا وصول إلى الموقع إلا بالزيادة في صورة الجناية، فاللطمة تقع من الطفل موقعاً تُهلكه، أو تدنيه من الهلاك، ولا موقع لها من الأيّد، وإذا [زيد] (٢) في الجنس وبلغ جنسُ اللَّكم من القوي مبلغاً [يكون] (٣) وقعه عليه كوقع اللكمة من الطفل، فهذه هي المماثلة، وقد يُضّطر إلى هذا في السيف، فإن النحيف تحذف رقبته [بضربةٍ واحدة] (٤) بالسيف [والعُتلّ] (٥) يوالى عليه بالضربات، ويُحتَمل ذلك. وهذا [يصل بنا] (٦) إلى أمرٍ هو تمام الكلام، هو أن المَوْقع (٧) لا إشكال فيه، إذا حصل القتل، فلا نزال نزيد إلى الموت، وعنده يتبين آثار [رعايتنا] (٨) المماثلة. وإنما قررنا هذا لأن النص مائل إليه. ثم هذا الذي ذكرناه يرد عليه سؤال وجواب عنه، وهو قُصارى الغرض، فإن قيل: قد قلتم إذا حصل القتل بضربةٍ في رضيع، فلا يوالَى على الجاني الأيّد بالضربات حتى يموت، وصرتم إلى أن المماثلة إنما نرعاها إذا تصور أن يكون قدر الجناية قتلاً للجاني، فإن لم يتفق [إلا مع الزيادة، فكيف الكلام] (٩)؟ قلنا: ذلك منه [ارتماءٌ] (١٠) في رجم الظن؛ ولسنا نُبعد الآن أن نقتل الأيّد بالضرب، نظراً إلى

стр. 8369

ما ذكرناه من فقه الموقع. نعم، إن كنا لا نرى الزيادة على قدر الجناية من جنسها، وعلمنا قطعاً أنه لو ضُرب ذلك المقدار، لم يمت، ولم نر الزيادة، فلا معنى لتعذيبٍ لا يتوقع منه القتل، والضربة الآن -حيث انتهى التفريع- ليست من القتل، وليست قتلاً. ١٠٤٤٩ - والآن نعيد المسائل المرسلة تراجمَ وننظمها في سِلْكٍ، فنقول: إن مات الجاني بالقدر الذي وقع [على] (١) المجني عليه، فلا كلام، وإن لم يمت بذلك القدر، لم يخل: إما أن يكون السيف أهونَ منه، [فالذي] (٢) ذهب إليه معظم الأصحاب أنه يُعدل إلى السيف. وذكر شيخي قولاً ثالثاً: أنا نتمادى على جنس الجناية، والنصُّ يشهد لهذا، وهو معلل بفقه الموقع. وإن كان إبقاؤه أو التمادي في جنس الجناية أهونَ، ذكر الأصحاب وجهين هاهنا، وهذا [مُستدٌّ] (٣) إذا كان القتل [بسببٍ] (٤) غيرِ منقطع كالبقاء في النار، وفي ضيق التجويع والتعطيش. وإن كان جنس الجناية مما يتعدّد، لم يخل: إما أن يكون ضرباً، وإما أن يكون جرحاً بالسراية، فإن كان ضرباً، فالزيادة في الضربات إلى الموت أبعد عند الأصحاب من الإبقاء في النار وما في معناها، وكان شيخي يطرد الخلاف، وهو مصرَّح به في النص؛ فإنه مفروض في الشدخات والضربات بالحجر. وإن كانت الجناية جرحاً، لم يخل: إما أن يكون بحيث يتعلق القصاص به لو اندمل، كقطع الأيدي والأرجل، وإما أن يكون بحيث لا يتعلق القصاص به لو انفرد، فإن كان جرحَ قصاص، فلا زيادة من جنس الجناية، فلو قطع يدي رجل، فمات المجني عليه، قطعنا يدي الجاني، فإن لم يمت، لم نقطع رجليه، بل عدلنا إلى ضرب الرقبة، وهذا متفق عليه؛ فإن الزيادة في هذا القبيل ليست زيادةً في جنس

стр. 8370

وإنما هي عدول عن جنس الجناية، فإذا كنا نعدل، فضرب الرقبة أولى. وإن كان الجرح بحيث لا يتعلق القصاص به لو اندمل [كالجائفة] (١)، فهل نجيف الجاني كما أجاف؟ في المسألة قولان: أحد القولين - نجيفه جرياناً على المماثلة، كما نقتله بالضرب والشدخ. والثاني - لا نفعل ذلك؛ فإن الجوائف لا يُضبط مبالغ الإيذاء فيها، وليست موحيةً، بخلاف الإغراق والإحراق والخنق والضربات التي ترد على الظاهر، [فهي] (٢) مضبوطة أو قريبة من الضبط. فلينظر الناظر في الإيحاء أو في ظهور الأسباب، فإن قلنا: لا نجيف الجاني، فلا كلام، وإن قلنا: نجيفه، فالأصح أنا لا نزيد من جنس الجوائف، كما لا نقطع الرجلين بعد قطع اليدين؛ فإن الجوائف مختلفة الأجناس، إذا اختلفت محالها. وأبعد بعضُ أصحابنا، فخرَّج التمادي على الإجافة على الخلاف، قياساً على الضربات، وقال: إذا جرت المماثلة في الأصل، لم يبعد جريان الخلاف في الزيادة، وهذا يرد عليه قطع الأطراف. فهذا منتهى المراد. وقد ذكرنا قتلَ الطفل بالضربة والجاني أيّدٌ، وأجرينا فيه ما ينبغي، فلا نعيده. ١٠٤٥٠ - ومن تمام القول في ذلك أن من قطع يديْ رجل، فمات، فقطعنا اليدين من الجاني، فلو قال: أمهلوني مدة بقاء المجني عليه، فلعلي أموت بهذا القطع، وهذا هو المماثلة، لم نُجبه إلى ذلك، وقتلناه بالسيف؛ لأن حق القصاص ناجز، واليد المقطوعة مقصودة بالقصاص، ولو أراد ولي القصاص أن يُمهل الجاني، فقال: ادعوني واقتلوني واعطفوا عني (٣)، لم يكن له ذلك، والأمر إلى مستحق القصاص. والله أعلم. وقد أتينا على القتل بالأسباب السارية. وهو أحد قسمي الكلام.
следующие страницы →