← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

الثلث لم يتحقق استحقاقه من الولدين، وبيت المال لا يتصور أن ينوب عنه حالف. ١٠٩٣٨ - ولو قُتل رجل، وله ثلاثة من البنين: بالغ حاضر، وصغير حاضر، وبالغ غائب، فالبالغ الحاضر إن أراد حلف في الحال خمسين يميناً، ويعطى ثلث الدية، ولا يُنتظر في إثبات حقه بلوغُ الصغير، ورجوعُ الغائب؛ فإن تأخير اليمين منهما ينزل منزلةَ نكول بعض الورثة، ولو نكل بعض الورثة، فللبعض أن يثبت حصة نفسه، وسبيل إثباته حصة نفسه أن يحلف خمسين يميناً، كذلك إذا كان التأخّر بالصغر في أخ وبالغيبة في أخٍ. ثم إذا رجع الغائب، فإذا كان يحلف، حلف نصف الأيمان واستحق ثلث الدية، وجعل كما لو كان حاضراً مع أخيه، ولو كان كذلك، لحلف كل واحد منهما خمسة وعشرين يميناً، والأيمان في الأخ الأول اشترطنا فيها كمالاً [لتكمل] (١) حالة الحلف، ولما حضر الثاني وأيمانه مسبوقة بأيمان أخيه، فيبتني الأمرُ على رغبتهما في اليمين ونكول الصغير. فإذا بلغ الصبي، حلف ثلث الأيمان، واستحق ثلث الدية. ولو صبر الأول حتى يرجع الغائب ويبلغ الصبي، فيحلفون خمسين يميناً أثلاثاً مع جبر الكسر والجبر يقتضي مزيداً على العدد، ولهذا نظير في [الشفعة] (٢)، فإذا ثبت في الشقص المشفوع حق الشفعة لثلاثة، فحضر واحدٌ منهم أخذ الجميع باليمين، ثم لا يخفى تفصيل المذهب لو حضر الباقيان. وإنما غرضنا أبداً [التناظر] (٣). ١٠٩٣٩ - ولو كان في المسألة: جد، وأخت لأبٍ وأم، وخنثى هو أخ من أب، أو أخت من أب، فنقول: لو كانت الخنثى أنثى لم يخلص إليها من التركة شيء، ولو كان ذكراً، لاستحق عُشر المال، والأخت من الأب والأم في التقديرات كلها تستحق

стр. 8892

نصف المال؛ لمكان المعادة، والجد استحق النصف لو كان الخنثى أنثى، ويستحق أربعة من عشرة لو كان ذكراً، فإذا أثبتت هذه التقديرات، [فالتحليف] (١) يجرى على الأخذ بالأكثر، ثم لا يسلّم من المال إلا الأقلُّ المستيقن. ثم الخنثى في هذه المسألة (٢) لا يخلو إما أن يحلف، أو لا يختار الحلف، فإن اختار الحلف، حلف عُشرَ الأيمان، وحلفت الأخت نصفَ الأيمان، وحلف الجد نصف الأيمان، وهذا خارج على الأصول التي مهدناها؛ فإن أقصى ما نفرض على الجد خمسة وعشرين يميناً، ولا مزيد في حق الخنثى على العُشر بتقدير الذكورة، والأخت لا يتصور في حقها تقدير يقتضي أكثر من نصف الأيمان، مع حلف هذا الخنثى. وفي هذا احتياج إلى فضل بيان وسنذكره الآن، فإن لم يحلف الخنثى، فنقول الجد يحلف خمسة وعشرين يميناً، كما ذكرناه، ويأخذ أربعة أعشار الدية، وإنما حلفناه أكثر مما يأخذ لجواز أن يكون هو مستحق النصف، والأيمان تبنى على الأكثر، وأما الأخت، فينبغي أن تحلف عند نكول الخنثى خمسة أتساع الأيمان؛ فإنا لو قدرنا

стр. 8893

أخاً من أب على التحقيق، وجدّاً، وأختاً من أب وأم، ثم فرضنا نكول الأخ عن اليمين، لكان الجد في هذه الحالة مع البيان يحلف أربعة أتساع الأيمان؛ فإن الأمر بيّن، وكانت الأخت تحلف خمسة أتساع الأيمان، وإن زادت أيمانها على ما تأخذ، فلا مبالاة بذلك، مع ما قدرناه من الأخذ بالأكثر في باب الأيمان. فإذا كان هذا التصوير يقتضي أن تحلف الأخت خمسة أتساع اليمين، فإذا نكل [الخنثى] (١) فنأخذ بالأكثر في الأيمان، وذلك بأن نقدره وأخاً ناكلاً، ولو كان كذلك، لكان الحساب يقتضي أن يكون حَِلْف الأخت والجد على نسبة ما يأخذان والنسبة بالأتساع، والأخذ بالأكثر في الأيمان [يوجب] (٢) أن نحلفها خمسة أتساع الأيمان، ثم لا تأخذ إلا نصف المال. فانتظم من هذا أن الخنثى إذا لم يحلف، حلفت الأخت خمسة أتساع خمسين يميناً مع جبر الكسر، ويحلف الجد نصف الأيمان. فإن قيل: لم اكتفيتم إذا حلف الخنثى بنصف الأيمان من الأخت؟ قلنا: لأن الخنثى إذا حلف لم يخل إما أن يكون أنثى أو ذكراً، وعلى التقديرين لا يخص الأخت من قسمة الأيمان أكثر من النصف، [وكذا] (٣) ينشأ حساب الأتساع عند تقدير نكول الأخ عن الأيمان. هذا بيان هذه المسألة. ورأيت في الطرق خبطاً هو محمول على الزلل الذي يأتي [من] (٤) قلة الفكر، [ومثل] (٥) ذلك لا يعتد به غلطاً أيضاً مع الاتفاق على أصلين: أحدهما - رعاية الأكثر في الأيمان، والآخر رعاية الأقل في الأنصباء. ١٠٩٤٠ - وذكر الشيخ أبو علي في المسألة الأخيرة المشتملة على ذكرِ الخنثى أن الخنثى لا يحلف في هذه المسألة، ولو حلف لم يقع الاعتداد بأيمانه، واعتلّ

стр. 8894

[بأنّا] (١) نجوّز أن يكون محروماً (٢) غير مستحق، والأيمان الصادرة منه على هذا التقدير مردودة. وهذا الوجه متجه، ولكنه [يكرّ] (٣) على معظم ما ذكرناه بالهدم، وبيان وجهه أن الأيمان من غير دعوى مردودة، والدعوى مع الإشكال محال. فهذا وجهٌ ظاهر، [وكان] (٤) يجب على موجبه أن نقول: لو كان في المسألة ولد خنثى وعصبة، فالعصبة لا تحلف؛ لأنا لم نعلم له استحقاقاً، فلا تصح دعواه، ولا بد من تخريج هذا الوجه في العصبة وهو إذاً وجهٌ منقاس مطرد في كل من لا نعلم له استحقاقاً. ويرد سؤال آخر وفي الجواب عنه تمام الغرض، وهو أن قائلاً لو قال: حلّفتم الجد في هذه المسألة خمسةً وعشرين يميناً، ثم لم تسلموا إليه إلا أربعة أعشار المال، فدعواه إلى تمام النصف مردودة، ثم لو بان الخنثى أخاً، أخذ الباقي، واحتسب بتلك الأيمانِ التي تقابل تكميلَ النصف، فهذه الأيمان إلى تتمة النصف غيرُ مرتبة على دعوى؟ قلنا: نعم هذا مقام يجب الاعتناء بدركه وفهمه [وقد تقرّر] (٥) أنا نزيد الأيمان لإثبات المستحق في بعض الصور، وقد يحلف الإنسان خمسين [يميناً] (٦) ويستحق عُشراً، فهذه الأيمان صحت لإثبات القدر المستيقن، فإذا [بان مزيد] (٧) في الاستحقاق، كفت تلك الأيمان الصحيحة.

стр. 8895

ومن لطيف القول في هذا أن تلك الأيمان الزائدة لا تفتقر إلى دعوى على قدرها من المال الذي [ثبت في المآل] (١). ١٠٩٤١ - ونحن نبيّن صورة أخرى لبيان هذا الذي انتهينا إليه، فنقول: خلف القتيل ولداً [خنثى] (٢)، فالجواب أنه يحلف خمسين يميناً، ويستحق نصف المال، فلو [بان] (٣) ذكراً، أخذ النصف الباقي، [بلا] (٤) مزيد. ولو قيل هذه المسألة [عديمة] (٥) [النظير] (٦) في الدعاوى، لم يكن هذا القولُ مجازفةً؛ فإن الأيمان صحت لغرضٍ آخر، ثم تبين الاستحقاق، فيكفي ما تقدم، والسبب فيه أن القتل ثبت بالخمسين، وأتبعنا بعض الأيمان البعضَ، ولهذا لا يتصور ثبوت القتل إلا بالخمسين، [فهذا نهاية البيان] (٧) في هذه الأصول. وعندي أن بعض هذا الاضطراب إنما أتى [من] (٨) التفريع على قولٍ لا أصل له في القياس، والتفاريع إنما تنتظم في سلك المقاييس، فإذا لم يستقم الأصل على القياس، اختبط التفريع. ١٠٩٤٢ - ثم قال: "ومن مات من الورثة قبل أن يُقسم قام ورثته مقامه ... إلى آخره" (٩). إذا قتل رجل وله ابنان -والتفريع على قول التوزيع- فيحلف كل واحد منهما خمساً وعشرين يميناً، فلو مات أحد الابنين عن ابنين قبل جريان الإقسام، قام ابناه مقامه، ووزعنا عليهما خمسة وعشرين من العدد، فيحلف كل واخد منهما مع جبر الكسر ثلاثةَ

стр. 8896

عشرَ يميناً، ولو مات أحد [الحافدين] (١) قبل الحلف [عن ابنين] (٢) قاما مقامه في ثلاثة عشر مع جبر الكسر، فيحلف كل واحد منهما سبعة، وهذا قياسٌ واضح، لا غموض فيه. ١٠٩٤٣ - ومما يليق بتمام البيان أن القتيل إذا خلف وارثاً واحداً مستغرقاً، فأقسم خمسين [يميناً] (٣)، ثم مات، فالدية لورثته، ولو نكل هو عن أيمان القسامة بعد التعرض لها، ثم مات، لم يكن لورثته أن يقسموا؛ فإن حق القسامة بطل بنكوله، وورثتُه ليسوا أصلاء، وإنما لهم الخلافة، فإذا بطل الأصل، فقد انقطعت الخلافة وتقديرها. ١٠٩٤٤ - ولو حلف وارث القتيل بعضَ الأيمان، ومات في خلالها قبل أن يستكملها، فالذي قطع به أئمة المذهب أنه ليس للورثة أن يبنوا [على أيمانه، بل يستأنفون] (٤) خمسين يميناً، لأن الأيمان الخمسين في حكم اليمين الواحدة، فإذا انقطعت بموت الأول، بطل حكمها. وذكر الشيخ أبو علي أنه رأى في مكتوب عن الشيخ الخِضْري أن الورثة يبنون على تلك الأيمان، وهذا وإن كان بعيداً في الحكاية، فله وجهٌ مأخوذ من الخلافة، وهو منطبق على التوزيع، ويمكن تخريجه على بناء حَوْل الوارث على حَوْل الموروث، وفيه قولٌ [بعيد. ١٠٩٤٥ - ولو حلف] (٥) المقسِم بعضَ الأيمان وغُلب على عقله وجُنّ في خلال الأيمان، ثم أفاق، فقد قال الأصحاب: له البناء؛ لأنه إنما يبني على أيمان نفسه. وفي هذا تدبر ينبني على تمهيد أصلٍ، وهو أن المقسم لو أتى بالأيمان في مجالس

стр. 8897

أو مجلسين، فقد ذكر القاضي في ذلك وجهين، وأجرى مثلهما في [تفريق] (١) كَلِم اللعان، ووجْهُ التجويز بيّن، ووجه المنع [أن الغرض] (٢) من تعديد الأيمان التشديدُ والتغليظُ [والزجرُ] (٣) عن الإقدام عليها لا على وجه الصدق، ويعظم وقعها إذا توالت. وإذا تفرقت في المجالس، لم تكن على حدّها في إفادة الرجوع والزجر، وكذلك القول في اللعان، ولعل تواصل الزمان مع اتّحاد المجلس يدخل في هذا التردد، بل هو أولى بالاعتبار، فإنه لو كان يحلف أيماناً ويخرج ويعود على الفور وقُرْب العهد، فأثر الردع لا يسقط، ولو تطاول الزمن وتخللت الفصول، ظهر سقوط الأثر. وإذا فهم الناظر المقصود، لم يخف عليه التفريع. ونعود إلى طريان الجنون، فنقول: إذا طرى الجنون، وزال، خرج هذا على التفرق الذي ذكرناه من التردد. ١٠٩٤٦ - ولو حلف المقسم بعض الأيمان، فعُزل ذلك القاضي الذي ارتفعت الخصومة إلى مجلسه، وولي آخر، فعليه أن يستأنف الخمسين في مجلس هذا الصارف، [ولا يبني على الأيمان التي جرت في مجلس المصروف] (٤)؛ فإن هذا المولّى لا يحكم إلا بما جرى في زمن ولايته، ورأيت الأصحاب متفقين على هذا، ووجهه بيّن. ...

стр. 8898

باب ما يسقط القسامة قال الشافعي ﵁: " ولو ادعى أحد الابنين على رجل من أهل هذه المَحِلة ... إلى آخره " (١). ١٠٩٤٧ - مضمون الباب ليس يفي بترجمته؛ فإن ما يُسقط القسامةَ كثير، وقد تقدم فيما نفينا وأثبتنا معظمُ ما يؤثر في القسامة، ومقصود الباب أصل واحد، وهو بيان الحكم في تكاذب الوليين أو الأولياء في ظهور اللوث بالجهات التي ذكرناها، وأنه هل يؤثر في إبطال القسامة. عذا غرض الباب. ثم تمام بيانه يقتضي تفريعَ مسائل الصورة الأولى التي ذكرناها: إن القتيل إذا خلّف ابنين، أو أخوين، فقال أحدهما: إن فلاناً قتل موروثي وحده، وقال الآخر: ما قتله فلانٌ [هذا] (٢)، هذا تكاذبهما، وقد قيد الشافعي كلامه بلفظٍ، فقال: " وقال الآخر -[وهو عدل] (٣) - ما قتله ". وما يناط بالتكاذب لا يختلف بكون المكذب عدلاً أو خارجاً عن العدالة، ولكن قال الأصحاب: أراد بالعدل أن يكون المكذِّب من أهل القول، فلا يكون صغيراً ولا مجنوناً. وهذا التأويل سخيف عندي، ولكن غالب الظن أنه لم يجر شرطاً، وإنما ذكره فرضاً للكلام في أظهر الصور؛ فإن غرضه أن يبيّن أن التكذيب يوهي أثر اللوث ويثير خلافَ المظنون المتلقَّى من اللوث المطلق. ومن أراد تقرير مذهبٍ قد [يفرض] (٤)

стр. 8899

الكلام في أظهر الصور، فالصورة إذاً كما ذكرنا: رجل قُتل وله ابنان ادعى أحدهما على واحد أنه قتله، وكذبه أخوه، وقال: ما قتله أو [كان] (١) هو غائباً عن المَحِلّة يوم قُتل [أبونا] (٢)، أو قال: بل قتله فلان وحده، وذكر رجلاً آخر، فهذا هو التكاذب والتجاحد. ١٠٩٤٨ - وقد اختلف قول الشافعي ﵁ في ذلك، فقال في أحد القولين: تبطل القسامة بالتكاذب؛ لأن مستندها الغلبة على الظن عند وجود اللوث، وقد وَهَى الظن بتكاذب الوليين؛ إذ لو كان من يدعي أن فلاناً قتَل صادقاً، لأوشك ألا يكذبه أخوه. وقال في القول الثاني: لا تبطل القسامة بهذا، فإن اللوث قائم، وللأولياء في التكاذب أغراض، واليمين مع الشاهد إنما تسمع [للتقوِّي] (٣) بالشاهد، ثم لو ادعى أحد الابنين دَيْناً للموروث، وأقام عليه شاهداً، فكذبه أخوه، فللمدعي أن يحلف مع الشاهد، واللوث في اقتضاء البداية بيمين المدعي كالشاهد الواحد فيما يثبت بالشاهد واليمين، وهذا [اختيار المزني. فإن قلنا: تبطل القسامة، فلا يُقسم المدعي، كما لا يقسم المكذب، وإن قلنا:] (٤) التكاذب لا يمنع القسامة، فإذا ادعى أحدهما أن فلاناً قتل أباه، وقال الثاني: ما قتله، فللمدعي أن يقسم خمسين يميناً، ويستحق على المدعى عليه نصفَ الدية إذا آل الأمر إلى المال، ولو كان القتل المدّعى قتلَ قودٍ، فليس للمدعي طلبُ القصاص؛ فإن القصاص إذا ثبت مشتركاً، لم يكن لبعض الشركاء الانفرادُ بطلبه واستيفائه، بل إذا عفا بعضهم، سقط حقُّ الباقين، وكذلك إذا أنكر وجوبَ القصاص. ١٠٩٤٩ - ولو ادعى أحدهما على رجل اسمه زيد، وقال: قتل هذا أبانا، ورجل آخر معه لا أعرفه، فقال الآخر: قتل أبانا عمرو، ورجل آخر لا أعرفه، فلا تكاذب

стр. 8900

في هذه الصورة بينهما لجواز أن يكون ما جهله كل واحد منهما هو الذي [عرفه] (١) صاحبه، ونحن لا نشترط على هذا القول -وهو بطلان القسامة بالتكاذب-[التوافق] (٢) بينهما على التحقيق، بل نكتفي بأن لا يتجاحدا. والسبب فيه أن التصريح بالتكاذب يوهي اللوث، فأما الجهل بمن يشارك في القتل لا (٣) يضعف اللوث، فإذا ثبت أن القسامة تجري في الصورة التي ذكرناها، فيحلف كل واحد منهما على من عيّنه خمسين يميناً ويستحق عليه ربعَ الدية؛ لأنه مقرٌّ بأن صاحبه شريك في المستحَق على هذا [المعين] (٤)، وقد ذكر أنه لم يكن منفرداً بالقتل، فعلى المعيَّن بزعمه نصف الدية، وحصته من النصف الربعُ. ولو قال أحدهما: قتل أبانا زيدٌ هذا، ورجل آخر معه، لا أعرفه، ولكني أعرف أنه ليس عمراً، وقال [الآخر: قتل] (٥) أبانا عمرو، ورجل آخر لا أعرفه، وأعلم أنه ليس زيداً، فهذا تكاذب في الحقيقة، ولا يخفى التفريع. ولو كانت المسألة بحالها، فقال أحدهما: زيد هذا قتل أبي ورجل آخر لا أعرفه، [وأعلم] (٦) أنه ليس عمراً، وقال الآخر: قتل أبانا عمرو ورجل آخر لا أعرفه، ولا أُبعد أن يكون زيداً، فالذي عين زيداً مكذبٌ للذي عيّن عمراً؛ فإنه قال: أعلم أن شريك زيد لم يكن عمراً [والذي عيّن عمراً] (٧) لم يكذب أخاه في زيد، فقد اشتمل قولاهما على التكاذب في عمرو، وليس في أقوالهم ما يوجب تكاذباً في زيد، فنقول: أما زيد فلا تكاذب [فيه] (٨)، فيحلف المدَّعي عليه خمسين يميناً، ويستحق ربع الدية، وأما عمرو، فقد حصل التكاذب [فيه] (٩).

стр. 8901

فإن قلنا: القسامةُ تبطل بالتكاذب، فللّذي ادّعى على عمرو أن يحلِّف عمراً، وقد بطلت البداية بالمدعي، فإن حلف المدعى عليه، برىء [من الخصومة] (١) وإن نكل عن اليمين، ردت اليمين على المدَّعي، فإذا حلف يمين الرد، استحق عليه ربعَ الدية أيضاً، والتكاذب لا يسد باب التحليف والرد، وإنما يؤثر في إبطال القسامة [فحسب] (٢). ١٠٩٥٠ - ولو ادعى أحدهما على زيد وعمرو، وقال: هما قتلا أبانا لم يشاركهما غيرهما [وقال الآخر: بل قتل أبانا بكر وخالد] (٣)، فهما متكاذبان [والمسألة] (٤) مفرعة على القولين: إن قلنا: تبطل القسامة بالتكاذب، ارتدت الأيمان إلى المدعى عليهم، وحَلَّف كلُّ واحد من الابنين اللذَيْن ادعى عليهما، ولم يخف الحكم. وإن قلنا: لا تبطل القسامة بالتكاذب، حلف كل واحد من الابنين على اللذين عينهما خمسين يميناً، واستحق عليهما نصفَ الدية. ولو قال أحدهما: قتل أبي زيد، وانفرد بقتله، لم يشاركه غيره، وقال الآخر: شارك زيداً في قتل أبينا عبدُ الله، فقد اتفقا على توجيه الدعوى بنصف الدية على زيد، واختلفا في النصف الآخر، فإن حكمنا ببطلان القسامة بالتكاذب، حلفا على زيد خمسين يميناً، واستحقا عليه نصف الدية، ثم القول قول زيد مع من ادعى انفراده بالقتل أنه لا يلزمه النصف الآخر من الدية، فيحلف، ولا يخفى جريان الخصومة على نظمهما. فأما عبد الله، فلا يقسم عليه من ادعى مشاركته تفريعاً على أن التكاذب يُبطل القسامة، ولكن القول قول عبد الله مع يمينه، ولا يخفى سوْقُ الخصومة. وإن قلنا: لا تبطل القسامة بالتكاذب، حلف الذي ادعى انفراد زيد خمسين يميناً، واستَحق عليه نصفُ الدية، وحلف أخوه على زيد خمسة وعشرين، واستحق ربع الدية، ويحلف على عبد الله إن أراد خمسين يميناً، ويستحق عليه ربع الدية،

стр. 8902

فيحصل لكل واحد منهما نصف الدية: ثلاثة أرباع الدية مأخوذة من زيد، وربعها مأخوذ من عبد الله. وإن أراد الذي ادعى المشاركة [التقليل] (١) في الأيمان، أمكنه أن يقتصر على خمسين يميناً، وذلك بأن يجمع بين زيد وعبد الله في خمسة وعشرين يميناً، ويفرد عبد الله في خمس وعشرين يميناً. ١٠٩٥١ - ولو كانت المسألة بحالها، وكان عبد الله غائباً، فمن ادعى الاشتراك يحلف على زيد، [ولا بدّ أن يكون] (٢) في يمينه [قَتَله] (٣) مع آخر، هذا لا بد منه؛ لأن اليمين على حسب الدعوى، وهو لم يدّع انفراد زيد بالقتل، وإنما يدّعي عليه نصف الدم، فليحلف على القدر الذي يدعيه. ثم إذا حلف كما ذكرناه، وحضر عبد الله، فيحتاج إلى [أن يحلف] (٤) عليه خمسين يميناً، ولا يقع الاعتداد بما قدمه من الأيمان. هكذا حكى من يوثق به عن القاضي، وجرى في كلامه ما يدل على أن المدعي لا يقسم على الغائب، حتى لو اتحد المدعي والمدعى عليه (٥)، وكان المدعى عليه غائباً، ولا بينة للمدعي، فلا تسمع دعواه إذا قال: لا بينة لي؛ فإنه لا يحلف. وهذا فيه نظر، ومن مسالك الأقيسة الجلية، الحكمُ بأن أيمان المدعي (٦) مسموعة على الغائب إذا ثبت حضوره وقت القتل؛ فإن الأيمان من المدعي بمثابة البينة في سائر الخصومات، والبينة مسموعة على الغائب، والقضاء مرتبط به إن استدعاه المدعي. وما حُكي عن القاضي فليس ينقدح فيه وجه جلي، ولكن الممكن [فيه] (٧) أن

стр. 8903

اليمين إذا تجردت ينبغي أن تكون موقوفة على مستحلِفٍ قياساً على اليمين في جانب المدعى عليه، فإذا لم يحضر من يستحلِف، والمعتمد اللوث المجرد، فتقيُّدُ القضاء على الغائب باعتماد لوث مجرد وأيمان لا مستحلِف فيها بعيد، والتعويل على ضعف الحجة وضعف مستندها. هذا هو الممكن، وكأن اللوث إنما يستقر إذا سلم عن القدح فيه. ومن يجوّز الإقسام على الغائب يقول في الجواب عن الاستحلاف: لا حاجة إلى الاستحلاف في أيمان القسامة، فإنها تجري والمدعى عليه يأباها بخلاف يمين المدعي. ولا ينبغي أن يكون في جواز القضاء بالشاهد واليمين على الغائب خلاف بين الأصحاب؛ فإن مستند اليمين شهادة عدل، والقاضي يستفرغ الوسع في البحث عن الشاهد، واللوثُ أمر منتشر. والوجه مع ذلك كلِّه القضاءُ على الغائب بأيمان القسامة، ثم إن [أبدى مطعناً] (١) في حضوره، فليس القضاء أمراً لا يتبع، وكل ذي حجة على حجته، وقد قال الشافعي على الاتصال بهذا: " لو أقسم المدعي على الخصم الحاضر، فقامت بينة أن المدعى عليه كان غائباً، فالدية مستودة والقضاء منقوض " (٢). فصل قال: " ولو قال المدعي ظلمتُه في هذه الخصومة ... إلى آخره " (٣). ١٠٩٥٢ - إذا أقسم المدعي على الشرط المعلوم، وجرى القضاء له بالدية، ثم قال المدعي: ظلمتُه، فإن سئل عن معنى قوله، فإن قال: كذبت عليه، وكان القاتلُ غيرَه، استرددت الدية منه، فإن فسر قوله بأن قال: صدقت في دعواي،

стр. 8904

[ولكن] (١) لست أعتقد البداية بالمدعي؟ قلنا له: لا تعويل على عقدك، وقد جرى الحكم لك واستحقاقُك الديةَ باطناً لا يتوقف على قيام حجة، ولو قضى قاضٍ حنفي لشافعي بشفعة الجوار، وكان المقضي له مصرّاً على عقده، ففي ثبوت الشفعة له ظاهراً وباطناً أو ظاهراً خلاف بين الأصحاب. ونستجمع في هذه الأصناف ونستاقها في نظام من التقسيم يحوي أطراف الكلام في كتاب الدعاوى، إن شاء الله . ...

стр. 8905

باب كيف يمين مدعي الدم قال الشافعي ﵁: " فإذا وجبت لرجل قسامة ... إلى آخره " (١). ١٠٩٥٣ - غرض الباب مقصور على كيفية اليمين وعلى ذكر احتياط في ذكر المحلوف به وعليه. فأما القول في أعداد الأيمان، فقد سبق. وأما لفظ كل يمين، فإن غلّظ القاضي، قال: قل: " بالله الذي لا إله إلا هو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور " أو ما يراه من الصيغ المعظِّمة، وهذا لا اختصاص له بأيمان القسامة، بل كل يمين في أمر مخطرٍ يغلّظ بالمكان، والزمان، والألفاظ، على ما يراه القاضي، ثم إن الكلام في أن هذه التغليظات مستحقة أو مستحبّة يأتي في باب مفرد في كتاب الدعاوى، وقد قدمنا صدراً منها في كتاب اللعان. والغرض من ذلك هاهنا أن تعدد الأيمان لا يُسقط التغليظَ في ألفاظ كل يمين، ثم القول في تغليظ كل يمين كالقول في تغليظ سائر الأيمان، فلو قال له القاضي: قل: والله، فقال: والرحمن، لم يكن حالفاً، ولو قال القاضي: قل: بالله العظيم الطالب، فقال: بالله، واقتصر عليه، ففي الاعتداد باليمين خلاف مبني على أن التغليظ مستحق أم لا؟ وهذه الأحكام على ظهورها فيها أسرار وغوامض، ستأتي في موضعها، إن شاء الله. وإذا لم يكن هذا مختصاً بالباب، فلا معنى للإطناب فيه. ثم يحلفه القاضي ويحتاط في التصريح بالمدَّعى، وقد وصفنا الدعوى، فليقع اليمين بحسبها.

стр. 8906

ومما أجراه الشافعي أنه إذا حلف أن فلاناً انفرد بقتل [أبي وأتى بالدعوى] (١) على شرطها، فيقول: " ما شركه في القتل غيره " (٢). وهذا بالاتفاق احتياط غير مستحَق؛ فإنه إذا حلّفه على انفراده بالقتل، [فقد] (٣) نفى الاشتراكَ، وإذا كانت اليمين معروضة على المدَّعى عليه، فيحلف بالله ما قتله ولا تسبب إلى قتله، ويصرح بما ينفي عنه جهات الضمان؛ [لأن] (٤) معظم الناس لا يرون المتسبب في حكم القاتل، ولو فرض الاقتصار على نفي القتل، ففي هذا فضل نظر، فإن ادعى [على] (٥) المدعى عليه القتل، فَنَفَى القتلَ، جاز الاكتفاء بهذا، وإن ادعى عليه سبباً مضمّناً كحفر بئر، فلا يكفيه نفي القتل؛ فإن نَفْي القتل صريح في نفي المباشرة. ومعظم هذه الأصناف تأتي في كتاب الدعاوى، إن شاء الله . ...

стр. 8907

باب دعوى الدم [في الموضع الذي ليس فيه قسامة] (١) ١٠٩٥٤ - مقصود الباب أن القتل إذا لم يكن قتلَ لوث، فالبداية بالمدعى عليه، وهو المحلَّف، وفي تعدد اليمين القولان المشهوران، والغرض الآن أنا إذا رأينا تعدد اليمين على المدعى عليه، فإن كان واحداً، حلفناه الخمسين، وإن ادعى على اثنين الاشتراك في القتل، فهل توزّع الأيمان عليهما أم يحلف كل واحد منهما خمسين يميناً؟ فعلى القولين المذكورين في جانب المدعي؛ فإنه إذا تعدد المدعي فكل واحد يدعي مقداراً من الدم لنفسه، ثم في توزيع الأيمان الخلافُ المقدم. فإذا تعدد المدعى عليهم، فكل واحد منهم يُدّعى عليه مقدارٌ من الدم فتبعُّض الدم في حق المدعي كتبعّضه في حق المدعى عليه، غير أن المدعين قد تتفاوت حصصهم، فتتفرع المسائل في تقسيط الأيمان عليهم، والمشتركون في القتل لا يتفاوتون في الالتزام؛ فيجري التفريع على قول القسمة [والفضِّ] (٢) على حكم التسوية. ١٠٩٥٥ - ثم ذكر الشافعي ﵁ طرفاً من إقرار العبد بالجناية الموجبة للقصاص، والموجبة للمال، وقد مضى جميع ذلك مستقصىً مفرّعاً على أن موجب العمد ماذا؟ وذكر إقرار العبد، وهذا سيأتي في كتاب السرقة، إن شاء الله، وشرْطُنا في هذا المجموع أن نجتنب الإعادات، إذا لم تمس إليها حاجة. ١٠٩٥٥/م- وذكر الشافعي السكران وأنه لا يحلف حتى يفيق، وهذا يخرّج على أن السكران هل له قول؟ فإن لم نجعل له قولاً، لم يدّع ولم يحلف، وإن جعلناه كالصاحي في عقوده وحلوله، فقد قال الشافعي: لا يحلفه القاضي حتى يُفيق؛ فإن الغرض من الأيمان الزجر عن التمادي في الكذب، والأيمان لا تزجر السكران، وهذا

стр. 8908

لا يختص بأيمان القسامة، بل يجري في كل يمين. ثم اضطرب أئمتنا في أن القاضي لو حلفه هل يقع الاعتداد بحلفه؟ منهم من قال: يُعتد به، ولكن أساء القاضي، وحاد عن المسلك المرتضى، لأنه من [أهل] (١) الأقوال جُمَع، ْ ولذلك صحّحنا رجوعه عن الردّة في السكر، كما صححنا ردته. ومن أئمتنا من قال: لا يعتد باليمين؛ فإنه ليس يحصل باستحلافه المقصودُ المنوطُ بالحلف، والقائل الأول يقول: الزنديق يحلف وإن كان يستهين باليمين، ويجوز أن يجاب عنه بأن السكر إلى انقضاء، وارتقابُ زواله ليس أمراً بعيداً، بخلاف الزندقة والعقود (٢) الفاسدة. فصل قال: " وهكذا الدعوى فيما دون النفس ... إلى آخره " (٣). ١٠٩٥٦ - قد أجمع الأصحاب على أن القسامة لا تجري في الأطراف، والمعنيّ بالقسامة في النفي والإثبات البداية بالمدعي، ولا فرق بين أن يفرض قطعها (٤) مع اللوث، أو منْ غير لوث، وهذا مما يغمض فيه مُدرك التعليل؛ فإن الأطراف مصونة بالقصاص صَوْن النفوس، وكان لا يبعد من طريق المعنى أن تُتْبَعَ القسامةُ محالَّ القصاص، ثم كان لا يفرق بين ما يقع خطأ وبين ما يقع عمداً، ولكن الإجماع كما ذكرنا. فإذا نفينا القسامة لم يبق [تحالف] (٥)، وأقصى ما ذكر في الفصل بين الأطراف والنفوس أن الكفارة لا تتعلق بالأطراف، وتتعلق بالنفوس، وهذا لا يقع الاكتفاء به مع الاستواء في القصاص، ومع الاتفاق على أن العاقلة تحمل أروش الأطراف. هذا هو الذي عليه التعويل.

стр. 8909

١٠٩٥٧ - ثم إذا تبين أن البداية في الأطراف بالمدعى عليه، فقد اختلف القول في أن الأيمان هل تتعدد؟ ويمكن أن يُرتَّب الطرف على القتل الذي لا لوث فيه؛ فإن الطرف تقاعد عن النفس في وضع الباب في ثبوت القسامة وانتفائها، ثم إذا فرعنا على أن اليمين تتعدد في أرش الطرف، فإن كان الأرش كالدية، فقولان: أحدهما - الاكتفاء بيمين واحدة. والثاني - أن المدعى عليه يحلف خمسين يميناً. فإن كان الأرش أقلَّ من الدية وقلنا: يكفي يمينٌ في مقدار الدية، فلا كلام، وإن [قلنا] (١): خمسين يميناً، ففيما ينقص عن مقدار الدية قولان: أحدهما - أنا نوزع الخمسين على مقدار الدية، وفي نصف الدية خمس وعشرون، وفي ثلثها ثلث الخمسين، وهكذا إلى حيث تنتهي المقادير. والقول الثاني - أنه لا بد من خمسين يميناً، وإن قل الأرش، وكذلك لو كان حكومة غير متقدرة. ولو بلغت الأروش مقدار ديتين أو أكثر، فهل تزيد أقدار الأيمان بزيادة مقدار الأروش؟ فعلى قولين. وهذا قريب المأخذ من الخلاف المذكور في أنا هل نزيد على ثلاث سنين في مدة الضرب على العاقلة إذا زادت الأروش. ١٠٩٥٨ - ومما يجب رد النظر إليه أن الأئمة اختلفوا في أن دية المرأة تضرب في ثلاث سنين أو في سنتين، ثم تردد الأصحاب في أن الاعتبار بالنفس أو بالمقدار؟ فهل يجري هذا التردد [في النفوس] (٢) الناقصة (٣) إذا كان المستحلَف المدعى عليه؟ هذا فيه احتمال، والأشبه تعظيم النفوس في باب الأيمان والتسوية بين ما يكمل بدله وبين ما ينقص بدله، ولا يبعد إجراء الخلاف. أما إذا فرضنا الإقسام على النفوس والبداية بالمدعي، فلا شك أنا لا نفرق بين نفس ونفس؛ فإن حجة المدعى خمسون يميناً، ولو كانت القسامة تجرى في الأطراف تقديراً، لما اختلفنا في تعدد الأيمان. وإن قلّت الأروش.

стр. 8910

١٠٩٥٩ - ثم ذكرت الأئمة فرعاً مقتضباً من أصول جامعة لا غموض فيه، ولكنه يذكرها ويهذبها، فنقول: إذا ادعى على شخصين قطع يد فيخرّج فيه أربعة أقوال: أحدها- أنهما يحلفان يميناً يميناً، وهذا يخرّج على أن الأيمان لا تتعدد في الأطراف. والقول الثاني - أنه يحلف كل واحد منهما خمسين خمسين، وهذا على قول التعدد، وعلى نفي التوزيع على الرؤوس وعلى قدر الدية. والقول الثالث - أنه يحلف كل واحد خمسة وعشرين، وهذا على قول التعدد، وعلى أن لا توزيع على مقدار الدية وعلى أن الأيمان موزعة على الرؤوس. والقول الرابع - أنه يحلف كل واحد منهما ثلاثة عشر يميناً، وهذا على أصل التعدد، وعلى التوزيع على المقدار، والتوزيع على الرؤوس. فنقدّر لنصف الدية خمساً وعشرين، ثم نوزعها على اثنين مع جبر الكسر، فيحلف كل واحد منهما ثلاث عشرة يميناً، ولا يخفى على من أحاط بالأصول ما ذكرناه وأمثاله، إذا ألقاها السائل. ***

стр. 8911

باب كفارة القتل قال الشافعي ﵁: " قال الله تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية ... إلى آخرها [النساء: ٩٢] (١). ١٠٩٦٠ - القتل إذا صادف آدمياً محترماً لعينه، ولم يكن مباحاً، اقتضى الكفارة على من هو من [أهل] (٢) التزامها، ثم إن كان القتل مضموناً بالقود والدية، فتجب الكفارة به، وتمسك الشافعي ﵁ بآية الكفارة وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ ورأى التقييد بالخطأ [دالاً] (٣) من طريق الفحوى على أن القاتل عمداً بالتزام الكفارة أَوْلى، وخلاف أبي حنيفة (٤) في ذلك مشهور. ثم لا فرق بين أن يكون القتل عمداً أو خطأ، أو شبه عمد. ولا فرق بين أن يكون القاتل مكلَّفاً أو غير مكلف. ولا فصل بين أن يحصل القتل بالمباشرة أو بالسبب. والذمّي من أهل التزام الكفارة كالمسلم. ولم يختلف الأئمة في إيجاب الكفارة [في] (٥) مال الصبي والمجنون، إذا قَتَلا أو تَسبَّبا، وإن اختلفوا في إيجاب كفارات محظورات الإحرام. والسبب فيه أن تيك الكفارات متعلقة بالعبادات، ولا يتحقق في حق الصبيان تأكدُ العبادات على مبلغ التأكد في حق المكلف. وكان شيخي أبو محمد يقول: إذا جامع

стр. 8912

الصبي الصائم في نهار رمضان، لم يلتزم الكفارة وجها واحداً، بخلاف كفارات الإحرام؛ فإن كفارات الإحرام إنما تثبت على مذهبٍ لتأكد الإحرام، ثم إذا أثبتنا الكفارة في حق الصبي، فالإعتاق عنه في صباه سائغ. وأما الصوم، فهل يصح من الصبي؟ وإذا جاء به هل يقع موقع الإجزاء في الكفارة؟ هذا فيه تردد مأخوذ من قول الأصحاب، مبني على أنه إذا أفسد الحجَّ هل يصح منه قضاؤه في الصبا؛ فإن قيل: إذا كان متعبداً بصوم رمضان ووظائف الصلوات الخمس، فما وجه التردد في صوم الكفارة؟ قلنا: الوظائف الشرعية لا تقع منه فرضاً، والكفارة لا تقع قط إلا فرضاً، وإنما تردد الأصحاب في قضاء الحج؛ لأن وجوبه يدوم بعد البلوغ، ولو أفسد الصبي الصلوات وصيام أيام رمضان، ثم بلغ، لم يخاطب بقضائها. وما ذكرناه كله في القتل المضمون بالقصاص أو الدية. ١٠٩٦١ - فأما إذا لم يكن القتل مضموناً، فهو ينقسم إلى محظور وإلى غير محظور، فأما ما لا يوصف بالحظر، فلا نوجب الكفارة مثل قتل المرتد، والزاني المحصن، والقاتل في الحرابة، والقتل قصاصاً، والقتل الواقع في الدفع. وأما القتل المحظور، فإنه ينقسم إلى محظور بالإيمان كدم العبد في حق السيد، فإذا قتل السيد عبدَ نفسه، التزم الكفارة، وكأن الدم مضمون للآدمي ولله تعالى، وبدل الدم للسيد لو قتل العبدَ، فإذا كان هو القاتل، امتنع ثبوت [القيمة] (١)، وبقي محل حق الله تعالى مضموناً عليه بالكفارة. وأما [نساء الكفار] (٢) وأطفالهم، فإنا نحرم قتلهم، كما سيأتي في السِّير، ولا كفارة على من قَتَل منهم، والسبب فيه أن الكفارة إنما تتعلق [بقتل يصادف آدمياً] (٣) محترماً في عينه، والامتناع عن قتل الذراري والنسوان ليس على حرمة ثابتة،

стр. 8913

وإنما هو مأخوذ من [استصواب] (١) الشرع في استبقائهم خَوَلاً والاشتغال برجال القتال، فآل أمر [الكفارة] (٢) إلى ما ذكرناه. وقال بعض المحققين في حدّ القتل الموجب للكفارة إذا صادف القتلُ مَنْ دمه محقون بأمانٍ أو إيمان، ولم يكن مباحاً، فنقْضُ بِنْيةِ مَنْ هذا وصفُه يوجب الكفارة، وفيما ذكرناه احتراز عن الذراري والنسوان من أهل الحرب. ولا حاجة إلى هذه التقييدات والتعويل على ما قدمناه من ثبوت الحرمة، ويخرّج عليه العبد في حق السيد، وعبدُ الذمي في أمان الذمي، فهو محترم وإن كان كافراً كالذمّي نفسه. ١٠٩٦٢ - ثم تكلم الأصحاب على الآية المشتملة على الكفارة فقالوا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ إنما تقيّد [للتنبيه] (٣) على أن الكفارة تجب وإن وقع القتل من غير مأثم، والكفارات كاسمها ممحّصات، قال الشافعي ﵁: " هذا التقييد يدل على أن القاتل عمداً بالتزام الكفارة أولى " وتقرير هذا في الخلاف. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢] والمراد الذمّي أو المعاهد إذا قُتل. وقال: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ٩٢] وفي ذلك مسائل: إحداها - أن يرمي إلى صف الكفار، ويقصد كافراً بعينه، ولا يعلم [بمكان] (٤) مسلم في الدار، فمال السهم وضاف (٥)، وأصاب مسلماً جهل الرامي مكانه، فلا قود [عليه ولا دية] (٦)، وتجب الكفارة، وهذا هو الذي سماه الفقهاء: قتيل سهم الغَرْب. [وشرط] (٧) التصوير في هذه المسألة أن يكون المسلم في القطر الذي فيه موقف

стр. 8914

الكفار، وقد يكون أسيراً فيهم، أو تاجراً من المسلمين، عَسُر عليه الالتحاق بالمسلمين؛ فإن السهم لو مال إلى بعض من في صف المسلمين في ازورار الصفوف والتحام الفئتين وقتله، كان مضموناً بالدية. ولو علم أن في الدار مسلماً، فقصد كافراً، فأخطأ السهمُ وأصاب المسلم، فلا قود، وتجب الدية والكفارة، ولو لم يعلم مسلماً في الدار، وقصد شخصاً قدّره كافراً، [بأن] (١) كان في صفهم أو على زيّهم، فبان مسلماً، لم يلتزم القود، ولزمت الكفارة، وفي الدية قولان، وكان شيخي يطرد القولين في الدية إذا مال السهم إلى أسير مسلم، وكان يعلم أن فيهم مسلماً، ونزّل هذا منزلة ما لو قصد شخصاً ظنه كافراً، فكان مسلماً، وهذا منقاس حسن. وإذا قتل في دار الإسلام شخصاً علمه كافراً من قبلُ مباحَ الدم، فتبين أنه كان أسلم -والقاتل نجهل ذلك من حاله- فالدية تلزم، وفي وجوب القود قولان، وذلك لأن دار الإسلام دار حقْنٍ، فيجب أن يكون [القتل فيه] (٢) على تثبت بخلاف دار الحرب، وإذا جرى قتلٌ على الصورة التي قدمناها في دار الحرب فلا ينسب القاتل -بترك التعرف- إلى تفريط. هذا مجامع القول فيما يوجب الكفارة، وفيمن يلتزمها. ١٠٩٦٣ - ثم نختتم الباب بأوجه غريبة في مسائل: [منها] (٣) ما ذهب إليه أئمة المذهب أن من قتل عمداً، واقتُصّ منه، فالكفارة تجب في تركته، وحكى صاحب التقريب وجهاً غريباً نقله وزيّفه أن القصاص يُسقط الكفارة، وتقع النفس في مقابلة النفس، والسيفُ محّاء الذنوب. وهذا غير معتد به. ومما ذكر غريباً في الباب أن جماعة من أهل الالتزام إذا اشتركوا في قتل إنسان مضمونٍ بالكفارة، فيجب على كل واحد منهم كفارةٌ بكمالها؛ فإن تعطيل الكفارة

стр. 8915

لا سبيل إليها، وهي لا تتبعض، وحكى بعض الأئمة قولاً غريباً أن الكفارة الواحدة تُفَضُّ على المشتركين، حكاه شيخي والعراقيون، وتوجيهه على بعده قياسُه على جزاء الصيد، فإن جماعة من المحرمين إذا اشتركوا في قتل صيد، لزمهم جزاءٌ واحد، وهو غير سديد؛ فإن بعض الجزاء يجب في بعض الصيد، فلا يمتنع تبعيض الجزاء بالقسمة، بخلاف كفارة القتل. ومما ذُكر غريباً أن كفارة القتل في الأصل مرتّبة ترتب كفارة الظهار: أصلها الإعتاق، فإن فرض العجز عنه، فصوم شهرين متتابعين، ثم صيام الشهرين المتتابعين في كفارة الظهار إذا فرض عجزٌ عنه، فإطعام ستين مسكيناً بدلاً عن الصيام، دل عليه نص القرآن، ولم يذكر الله [الإطعامَ] (١) في كفارة [القتل] (٢) [بدلاً] (٣). هذا هو المذهب. وحكى بعض الأئمة قولاً غريباً: أن الإطعام يَبْدُل (٤) الصيام ويخلُفه، عند فرض العجز عنه قياساً، على كفارة الظهار. وهذا غريب حكاه صاحب التقريب، وهو غير معتد به (٥). ثم مما يجب التثبت فيه أن من لزمه صوم شهرين في كفارة القتل، ثم مات، فإنا نوجب في تركته ستين مُدّاً، وليس هذا كفارة، ولكنه بدل كل صومٍ واجب، ونحن نثُبتها بدلاً عن صوم شهر رمضان، وعن الصوم المنذور، كما تقدم شرحه في كتاب الصوم. ومن انتهى إلى هَرَمٍ وكان لا يطيق الصوم، فقد نقول [يفدي] (٦) الصوم الواجب

стр. 8916

عليه قضاء، أو نذراً بأمداد الطعام، ولو أثبتنا [الأمداد بدلاً] (١)، لم يتوقف الانتقال إليها على الانتهاء إلى الهرم، وقد ذكرنا الحدّ المعتبر في العجز عن الصيام الذي يجوز لأجله الانتقال إلى الإطعام. فرع: ١٠٩٦٤ - إذا قتل الرجل نفسه، ففي وجوب الكفارة في تركته وجهان مشهوران: أحدهما - أنه يجب وهو الأصح لمصادفة القتل بِنْيةً محترمة في عينها، والكفارة لله تعالى، فصار كما لو قتل السيد عبد نفسه. ومن أصحابنا من قال: لا تجب الكفارة أصلاً، لأن الكفارة لو وجبت، لوجبت بالموت، وهو بالموت يخرج عن أن يكون من أهل الالتزام. ونحن الآن نمهد أصلاً، فنقول: إذا جرى في الحياة سببٌ كحفر بئر أو نصب شبكة، ومات المتسبب، وحصل القتل بذلك السبب بعد موته، فالضمان يجب في تركته إن كان المتردي بهيمة، وإن كان آدمياً، فالديةُ على عاقلته، وفي الكفارة تأمل؛ من جهة أنها عبادة، والعبادات يبعد إيجابها بعد الموت، وهذا يخرّج على قولٍ حكيناه في أن من لم يوصِ بأن يُكفَّر عنه هل تسقط الكفارة بموته؟ فإذا قلنا: [إنها تسقط] (٢)، فلا شك أنها لا تجب بعد الموت. وأما غرامات الأموال، فإنها تتعلق بالتركة، وإن حصل الهلاك بعد الموت إذا جرت الأسباب المضمِّنة في الحياة، وليس ما ذكرناه بمثابة قتل الإنسانِ نفسَه، فالأصح وجوب الكفارة. ثم إذا اصطدم رجلان، وماتا، فقد ذكرنا حكم الدية في باب الاصطدام، فأما الكفارة، فإن أوجبنا الكفارة على من يقتل نفسه، فيجب على كل واحد منهما كفارتان؛ لأنه مشارك في قتل نفسه وقتل صاحبه. وإن فرعنا على أن الكفارة لا تجب على من قتل نفسه، فتجب على كل واحد منهما كفارة لمشاركته في قتل صاحبه، وإن

стр. 8917

قلنا: يجب على الشريك بعض الكفارة، ولا يجب على من قتل نفسه كفارة، فيجب على كل واحد منهما نصف كفارة، وهذا يتفرّع على قولٍ بعيد ووجه ضعيف. وإذا اصطدمت امرأتان حاملتان وأجهضتا جنينيهما، وماتتا، وفرعنا على الأصح، وقلنا: على من يقتل نفسه كفارة، فيجب على كل واحدة منهما أربع كفارات، لسعيها في قتل نفسها، وقتل جنينها [وقتل صاحبتها وقتل جنينها] (١) ولا يخفى التفريع على الوجوه الفاسدة. ثم ذكر الشافعي باباً في أن القاتل خطأ لا يرث، وقد استقصينا ما يوجب حرمان الميراث في كتاب الفرائض (٢). ...

стр. 8918

باب (١) الشهادة على الجناية قال الشافعي: " ولا يقبل في القتل وجراح العمد ... إلى آخره " (٢). ١٠٩٦٥ - صدر الشافعي ﵁ الباب بطرف من الكلام فيما يقبل فيه شهادة الرجل والمرأتين، وفيما لا يقبل فيه إلا شهادة عدلين، ولسنا [نلتزِم ثَمَّ ضبط] (٣) ذلك وتحرير كلام جامع فيه؛ فإن هذا يأتي مستقصىً في كتاب الشهادات -إن شاء الله والقدْر الذي نذكره هاهنا تمهيداً وتفريعاً، القول في الجراح والجنايات المتعلقة بالنفوس والأطراف. فنقول: القصاص لا يثبت إلا بشهادة عدلين في النفس والطرف، والجناية التي موجَبها القصاص لو ثبتت لا تثبت في نفسها إلا بشهادة عدلين، وليس ما ذكرناه تكريرأ؛ فإنه قد يظن ظان أن الجناية إذا كانت موجِبةً للقصاص، فإذا شهد عليها رجل وامرأتان، فالقصاص لا يثبت والمال يثبت، وليس كذلك، فإنا لا نثبت بالرجل والمرأتين القصاصَ، ولا الجنايةَ الموجبةَ للمال، وسنعلّل هذا؛ فإنا في نقل المذهب [نَعُدّ الجناية التي لا يتعلق] (٤) بها وجوبُ القصاص: إما لوقوعها خطأ، أو شبهَ عمد، أو لصدورها من صبيّ أو مجنون، أو لمصادفتها من لا يكافئ القاتل- تثبت بشاهد وامرأتين، وهذا يبتني على اتباع المقصود، والجناية التي لا يتعلق بها

стр. 8919

القصاص مقصودها المال، وما كان المقصود فيه المال، فهو يثبت بالشاهد والمرأتين. والجناية التي توجب القصاص مقصودها القصاص، وما لا يكون المال مقصوداً فيه، وهو مما يطلع عليه الرجال، فلا يثبت بشاهد وامرأتين. وهذا يرد عليه نوعان من السؤال: أحدهما - أن قائلاً لو قال: هلا خرّجتم ذلك على موجب العمد، واختلاف القول فيه حتى تقولوا: إن قلنا موجَبُ العمد القود، فالجناية لا [تثبت] (١) أصلاً، فإن قلنا: موجبها القود أو الدية، فليس أحدهما أن يكون مقصوداً أوْلى من الثاني، فلا يبعد أن يقال: تثبت الجناية مقتضية للمال، ولا يثبت القصاص؟ قلنا: نحن لا نشك أن المقصود الذي هو الأصل في جراح العمد القصاصُ؛ وليس المعنيُّ بقولنا: المالُ أحدُ الموجَبين (٢) أنه يضاهي القصاص؛ فإنّ غرض الشرع إثبات ما يزجر المعتدين، ولا يقع الزجر -فيما فهمناه من مقصود الشرع- بالغرم المالي، والدية حيث يفرض القصاص إنما تثبت حتى لا تتعطل الجناية ولا تقع هدراً، وهذان [الأمران] (٣) مفهومان من غرض الشرع، فيخرج منه أنا وإن قلنا: المال موجب، فلسنا ننكر كون القصاص مقصوداً، فهذا ما يضبط به أصل الباب. ١٠٩٦٦ - ويتصل بهذا المنتهى أن المدعي لو عفا عن القصاص أولاً، ثم أراد إقامة شاهد وامرأتين، فهل يثبت المال والجناية في أصلها موجبةٌ للقصاص؟ فعلى وجهين مذكورين في الطرق: أحدهما - أن المال يثبت؛ فإن القصاص خرج عن كونه مقصوداً بالعفو، وتعيّن المال، وإذا صار المال مقصوداً، وجب ألا يمتنع ثبوته بالشاهد والمرأتين. والوجه الثاني - أن الجناية لا تثبت إلا بشهادة عدلين، فإن الشاهد يسند شهادته إلى ما كان، والعفو جرى بعد مستند الشهادة، فكأن (٤) أحد القائلَيْن ينظر إلى أصل

стр. 8920

الشهادة (١)، وهذا فيه فقه غائص [يعضده] (٢) أن المال لا يثبت قبل العفو. وإن قلنا: المال مع القصاص متقابلان، والبدل أحدهما، والقائل الثاني يعتبر حالة قيام الشهادة ولا قصاص إذ ذاك، ويعتذر هذا القائل عما قبل العفو، بأن المال وإن كان بدلاً غير معيّن فثبوته معيناً، والجناية عمد بعيد. فهذا قاعدة الباب. ومهما (٣) قلنا تثبت الجناية بشاهد وامرأتين، فإنها تثبت بشاهد ويمين المدعي، وهذا مطرد إلا فيما ليس بمالٍ ويعسر اطلاع (٤) الرجال عليه، فإنه يثبت بالشاهد والمرأتين، ولا يثبت بالشاهد واليمين؛ والسبب فيه أن النسوة متأصلات فيما لا يطلع عليه الرجال منهن، فامرأتان مع رجل كرجل مع رجل، ولهذا تقبل شهادة أربع نسوة منفردات، لا رجل معهن، فلم يكن قبول شاهدٍ ويمين بمثابة قبول شاهد وامرأتين في الأموال بالإضافة إلى ما ليس بمال ولا يؤول إلى مال، وهو مما يطلع عليه الرجال، فإنا حططنا رتبة المال وقنعنا فيه ببيّنة منحطة عن شهادة الرجلين العدلين، وما يتعلق بأبدان النساء خطير في نفسه، وليس شهادة الرجل والمرأتين فيه لانحطاطه. فصل قال: " وإن كان الجرح هاشمة أو مأمومة ... إلى آخره " (٥). ١٠٩٦٧ - قد ذكرنا في كتاب الجراح أن القصاص لا يتعلق من شجاج الرأس إلا بالموضحة، فإذا كان المدَّعَى الموضِحةَ الواقعةَ على وجه يقتضي القصاص، فلا شك

стр. 8921

أنها لا تثبت بشاهد وامرأتين، ولو فرضت هاشمة، لم يتقدّمْها إيضاح، وكانت هي المدعاة تثبت بالشاهد والمرأتين، وكذلك القول في كل جراحة لا يتعلق بها القصاص، كالجائفة وما أشبهها. فأما إذا ادعى موضحة متصلة بالهشم، فالجناية مشتملة على ما يوجب القصاص وعلى ما لا يوجب، فإنها لو ثبتت ببيّنة كاملة، أو بإقرار المدعى عليه، جرى القصاص في الإيضاح، وثبت المال في مقابلة الهشم. فإذا تصورت المسألة، فالمنصوص عليه للشافعي أن هذه الجناية إذا شهد عليها رجل وامرأتان قبل العفو عن القصاص، لم يثبت منها شيء، لا موجَبُ الموضِحة، ولا أرشُ الهاشمة، ونص الشافعي على أن من ادعى أن فلاناً اعتمد رجلاً بالرمي وأصابه، ونفذ السهم منه إلى أبيه -يعني أب المدعي- فأصابه خطأ، فلا يثبت العمد برجل وامرأتين، ويثبت ما وراءه مما وقع خطأ، وهو نفوذ السهم إلى أب المدعي، وهذه الصورة تناظر الموضحة المؤدية إلى الهاشمة؛ من جهة أن الموضحة جرح قصاص وما وراءها جرح مال، كذلك القول في السهم المرسل عمداً النافذ من المقصود المعمود إلى من لم يُقصد. فاختلف أصحابنا في المسالتين: فمنهم من جعل فيهما قولين بالنقل والتخريج: أحدهما - أن المال يثبت فيما لا قصاص فيه في المسالتين، وهو أرش الهاشمة في مسألة الهاشمة، ودية من أصابه السهم النافذ خطأ في الأخرى. ووجه ذلك أن الدعوى اشتملت على أمرين: أحدهما - منفصل عن الثاني، فإن رُدت البينة الناقصة في أحدهما، فلا معنى لردها في الثاني، ولو أفرد الهاشمة ووقوعَ السهم خطأ بالدعوى، وأقام على ما يدعيه بينة ناقصة، لقبلت، فإذا جمع بين دعوتين، وقامت البينة عليهما، واقتضى الشرع ردَّ البينة في أحدهما، فلا معنى لردّها في الثاني. والثاني - لا يثبت أرش الهاشمة، ولا موجَب الخطأ؛ لأن الفعل واحد، وله أثران، وموجبان، فإذا كانت البينة مردودة في بعض موجَب الفعل، ردت في

стр. 8922

الجميع، بدليل أنها مردودة في الدية والجراح العمد (١) [وإن] (٢) قلنا: الموجب القود أو الدية: أحدهما لا بعينه. ١٠٩٦٨ - ومن أصحابنا من أقر النصين قرارهما، وفرق بين الموضحة المؤدية إلى الهاشمة، وبين الرمي الواقع عمداً لشخص والنافذ منه خطأ إلى غيره، وقال: الموضحة المؤدية إلى الهاشمة تعدّ جناية واحدة ومحلها متحد، وإنما تختلف الآثار، والمحلُّ متعدد متميز في الشخصين المذكورين في مسألة الرمي. وهذا يحتاج إلى بحث، ثم إلى تمهيد: أما البحث، فقد ذكرنا في مسألة الشخصين والسهم النافذ من أحدهما [أن المدعي] (٣) لو قال: سهمه الذي رماه عمداً [تخطى] (٤) مقصودَه، ثم نفذ إلى أبي، ولم يكن الرجل الأول متعلّق حق المدعي، فيجب القطع بأن الخطأ يثبت بالبينة الناقصة، وأن ما ذكره من عمده لا يتعلق بدعواه، وكأنه نقص [قضيته] (٥) ولا يدعيها، ومبتدأ الدعوى بعد نجاز ذكر العمد. نعم، لو كان الشخص الأول من المدعي بسببٍ بحيث يثبت القصاص له لو ثبت، فهذا مراد النص، وما ذكرته من كون المعمود منقطعاً عن المدعي فيه احتمال على حال؛ فإن الجناية في نفسها عمد مُفضٍ إلى خطأ، والعلم عند الله. ولو ادعى أنه أوضح الرأس، ثم عاد وهشم، وانفصل الهشم عن الإيضاح، فموجب الهاشمة يجب أن يثبت؛ فإنها لم تتصل بالموضحة، ولم تنتظم معها انتظام آثار جناية واحدة، فهذا [نتيجة] (٦) البحث. وأما التمهيد، فلو ادعى رجل قصاصاً، وادعى مع القصاص مالاً في جهة لا تعلق لها بدعوى القصاص، فالجمع بين الدعوتين سائغ، فلو أقام شاهداً وامرأتين على

стр. 8923

الدعوتين، فالمذهب المبتوت أن المال يثبت وإن لم يثبت القصاص، [واشتمال] (١) الشهادة على أمرين منفصلين غير ضائر، والرد في أحدهما لا يوجب الرد في الثاني. وأبعد بعض من لا حقيقة معه، فقال: إذا ردت الشهادة في شيء لو أفرد بالذكر، لردت فيه، فترد أيضاً [فيما] (٢) لو أفرد بالذكر، لقبل فيه، وإن لم يكن أحدهما متصلاً بالثاني ومفضياً إليه، وهذا هَوَسٌ لا يعتد بمثله، فليقع التعويل على أنهما إذا كانا منفصلين فردُّ الشهادة في أحدهما لا يوجب الردّ في الثاني إنما التردد الذي قدمناه بين النصين في أمرين يتصل أحدهما بالثاني كالسهم النافذ من شخص إلى شخص، وكالجراحة المتعدية من الإيضاح إلى الهشم. وقد نجز الغرض من تحقيق هذا الفصل. ١٠٩٦٩ - وافتتح صاحب التقريب بعد هذا تفريعاً فقال: إذا قلنا: تثبت الهاشمة وأرشها على قول، فهل يثبت القصاص في الموضحة؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يثبت ويكون في حكم التابع، كما أن الولادة إذا ثبتت في الفراش بشهادة النسوة، ترتب عليها النسب، وإن كان النسب لا يثبت مقصوداً بشهادة النسوة. وهذا الذي ذكره على نهاية الضعف، وقد حكاه الشيخ أبو علي على هذا الوجه، وهو عكس ما قدمناه في تمهيد المذهب، فإنا أتبعنا الهاشمةَ قصاصَ الموضِحة في الإسقاط؛ من حيث رأينا القصاص أولى بالاعتبار، وهذا الذي ذكره تأصيل أرش (٣) الهاشمة وإتباع القصاص إياه في الثبوت، وهو عكس الواجب، وليس من ضرورة الهاشمة تقدّم موضحة أو وجوب القصاص في موضحة، والولادة إذا ثبتت، فالولد للفراش لا محالة، قال الشيخ أبو علي: إن لم يكن من التفريع بد، فالأقرب أن نقول: إذا أثبتنا أرش الهاشمة، لم يثبت قصاصُ الموضِحة، ولكن هل يثبت أرش الموضحة من حيث وجدنا فيه متعلقاً لثبوت المال؟ فعلى وجهين، وليس كجناية موجبة القصاص، غيرِ مفضيةٍ إلى ما يوجب المال المحض؛ فإنه ازدحم القصاص

стр. 8924

والمال، ولا سبيل إلى جمعهما، فكان النظر إلى القصاص. وإذا اشتملت الجناية على الهاشمة والموضحة، فقد [يثبت مال حيث لا قصاص فقد] (١) يحتمل أن نستتبع مالية الموضحة. فأما استتباع قصاص الموضحة، فبعيد عن التحقيق، كيف والنص قاطع بأن أرش الهاشمة لا يثبت، وإن (٢) كل ما فرعه صاحب التقريب على قولٍ مُخرج من مسألة الرمي، ولم أر لما ذكره من التردد في قصاص الموضحة نظيراً إلا شيئاً حكاه من يوثق به عن القاضي في مسألةٍ نذكرها، ونصف ما نقل عنه فيها: لو شهد رجل [وامرأتان على سرقة موجبة للقطع، قال: يثبت المال، وفي القطع وجهان، وهذا على نهاية البعد، فإن إثبات القطع وهو حق لله بشهادة رجل] (٣) وامرأتين محال. ثم قال: هذا بمثابة ما لو أقر بسرقة مال، فالقطع يثبت، وفي المال قولان. ولا سواء؛ فإنا إنما قبلنا الإقرار فيما يوجب القطع لانتفاء التهمة، وهذا المعنى يشمل المال والقطع، فجرى التردد لهذا، فأما إثبات القطع تبعاً للمال، فلا سبيل إليه. نعم، الوجه إثبات المال؛ فإن ضمانه يثبت بإثبات اليد عليه، وهو في حكم التميّز عن السرقة [بماهية] (٤) مخصوصة كتصرف السارق في المال، وسيكون لنا إلى هذه المسألة عود في كتاب السرقة، إن شاء الله تعالى. فصل قال: " ولو شهدا أنه ضربه بالسيف، وَقَفْتُهما ... إلى آخره " (٥). ١٠٩٧٠ - إذا ادعى على واحد قتل أبيه، وأقام شاهدين على أنه ضربه بالسيف، لم يثبت بهذا شيء، فإن السيف قد ينبو عن الضربة، وقد يقع عرْضاً، وقد لا ينفذ.

стр. 8925

ولو قالا: ضربه بسيف وأنهر الدمَ، واقتصرا على ذلك، لم يثبت القتل بهذا، وتعليله بيّن، فإنهما لم يتعرضا للقتل، ولا لما يحصل به القتل لا محالة. ولو قالا: نشهد أنه ضربه بالسيف، فمات، أو قالا: ضربه بالسيف فمات، فالذي قطع به أهل التحقيق أنه لا يثبت بهذا شيء، فإنهما ذكرا الضرب بالسيف والموت ولم يتعرضا لحصول القتل به. وفي طريق العراقيين ما يدل على أن القتل يثبت إذا قالا: نشهد أنه ضربه بالسيف، فمات، وهذا -إن لم يكن خلل في النسخة- غلطٌ منهم ظاهرٌ، غير معتد به. ولو قالا: ضربه بالسيف وأنهر دمه ومات مكانه بتلك الجراحة، أو قالا: مات بعده من تلك الجراحة، فيثبت القتل حينئذ. ١٠٩٧١ - ومما يتعلق بهذا الموقف أنه هل يجوز تحمل الشهادة على القتل إذا نظر الناظر، فرأى سيفاً يقع بشخص، وينهر الدمَ منه، ثم يراه ميتاً على الاتصال، فهل له أن يشهد والحالة هذه على القتل؟ هذا مما يجب إنعام النظر فيه، فنقول: لا خلاف أنه لو فرضت الجناية واتصال الموت بها على الوجه الذي وصفناه، وفرض تنازع الجاني وولي المجني عليه، فقال ولي المجني عليه: حصل الموت بالجناية، وقال الجاني: بل مات فجأة بسببٍ هجم عليه، فالقول قول ولي المجني عليه. وهل يجوز تحمل الشهادة على القتل ثم نجعل فيه القولَ قولَ من يدعي القتل مع يمينه؟ الرأي أن نقول: إن انضم إلى ذلك دركٌ متلقّىً من قرائنَ تفيد العلم، فيجوز الشهادة على القتل، وإن لم يجد الشاهد إلا ظهورَ الجرح، وإنهارَ الدم واتصالَ الموت، فهذا عندي بمثابة الشهادة على الملك تعويلاً على اليد في أصل الوضع، وفي جواز الشهادة على الملك لمجرد اليد كلامٌ، سيأتي في الدعاوى، إن شاء الله . والوجه عندي -وإن كانت مسألة الجرح في الصورة كمسألة اليد- ألا يتحمل الشهادة على القتل؛ فإن معاينة القتل ممكنة وتلقِّي (١) العلم من قرائن الأحوال ليس

стр. 8926

بعسير، والأملاك لا مستند لها من [يقين] (١)، وغاية المتعلّق بها مخايل وعلامات. ثم الرأي الظاهر أن مجرد اليد لا يسلّط على تحمل الشهادة على الملك، ما لم ينضم إليها تصرف المُلاك. هذا ما أردناه في ذلك. ١٠٩٧٢ - ولو ادعى موضِحة وأقام [شاهدين] (٢) على أنه أوضحه، فقد قال الأصحاب: لا يثبت [الغرض] (٣) حتى يصف الموضحة، ويشير إليها من رأس المجني عليه، فإن الشجاج أقسام، وقد يشتبه على الناس في الغالب تفاصيلُ مراتبها، ويختلط عليهم ألقابها، فلا بد من المباحثة. وتحقيق هذا يرجع إلى أن الموضِحة إن كانت تجري على لفظها في اللغة، فهي من الإيضاح، وليس فيها تعرض لإيضاح العظم، والمطلوب إثبات إيضاح العظم، وإن كانت تُحمل على تعارف الفقهاء، فلا يمكن حمل لفظ الشاهد على ألقابٍ تواضع الفقهاء عليها، [واللفظ] (٤) متردد في نفسه، والذي يخطر للفطن في هذا المقام أن الشاهد لو كان فقيهاً، وقد علم القاضي منه ذلك، وتبين له أنه لا يطلق الموضحة إلا على ما يوضح العظم، وفهم القاضي ذلك منه، فهذا موضع التردد: يجوز أن يقال: لا بد من كشف الأمر لفظاً؛ فإن للشرع تعبدات في ألفاظ الشهادات، وإن كان العلم يحصل بغيرها. ولو صرح الشاهد بإيضاح العظم، ولم يُبق إشكالاً، وقَرُب العهد، فعاينَّا رأس المشجوج، فلم نجد عليه أثراً، فالشهادة مردودة؛ فإن الاندمال إن كان يفرض على قربٍ، فانقطاع الأثر غير ممكن. وإن وقعت الشهادة وعسر على الشاهد تعيين محل الجراحة، فالوجه إثبات

стр. 8927

الموضحة، وإمضاء الحكم بها، ثم يعسر إجراء القصاص، إذا لم يدرك المحل، وهذا يظهر تصويره فيه إذا كان برأس المدعي المشجوج شجات، والشهود يزعمون أن ما شهدوا عليه واحدة منها، وعسر عليهم تعيينها، (١ فهذا موضع النظر. والوجه عندي أن الموضحة المدعاة إن كانت خطأ، فلا يضرّ عُسْرُ ١) تعيينها في الصورة التي ذكرناها، ويثبت أرشها. وإن كانت الموضحة المدعاة بحيث توجب القصاص لو ثبتت، فإذا عجز الشهود عن تعيين محلها والتبست بشجاج على الرأس، فهذا محل التردد؛ فإن المقصود من هذه الجراحة -لو ثبتت على صفتها- القصاصُ، وإثبات القصاص عسرٌ، فلا يبعد ألا تثبت الجناية أصلاً، كما لو شهد رجل وامرأتان على موضحة معيّنة موجبها القصاص، فإن أرش الموضحة لا يثبت لامتناع ثبوت القصاص، وهذا الذي ذكرناه اختيار القاضي، ويجوز أن يقال: يثبت أرش الموضحة؛ فإن الشهود رجال عُدول، أو رجلان عدلان، وهم من أهل إثبات القصاص، فلم يأت العُسر من نقصان البينة، وإنما أتى من خللٍ آيلٍ إلى الالتباس، وكان شيخي يميل إلى هذا، والمسألة فقيهة حسنة. فصل قال: " ولو شهدا على رجلين أنهما قتلاه ... إلى آخره " (٢). ١٠٩٧٣ - يجب الاهتمام في مضمون هذا المفصل بتفضيل الصور، وتمييز البعض منها عن البعض، وتوفير حظ كل مسألة من وجوه البيان: نقلاً، وتعليلاً، وبحثاً. والمسألة الأولى مفروضة فيه إذا شهد شاهدان على رجلين بالقتل، فشهد المشهود عليهما على الشاهدين بأنهما قتلا ذلك الشخص المعيّن، فلا يخلو إما أن يكون المدعي هو الذي تولى الدعوى بنفسه أو وكل وكيلاً لينوب عنه في الدعوى، فإن كان قد تولى الدعوى بنفسه، فإن ادعى على والآخرَيْن وشهد الأوّلان عليهما على وفق الدعوى،

стр. 8928

استحق دعواه عليهما، ولم يتعلق بشهادة الآخرين حكم. ولو ابتدر الأولان، فشهدا من غير دعوى من المدعي، ثم شهد المشهود عليهما على الأولين من غير دعوى، فالذي ذهب إليه المحققون أن شهادة الكل مردودة؛ لأنها مشروطة بتقدم الدعوى، وإنما تقبل الشهادة ابتداء على طريق الحسبة فيما يغلب فيه حق الله تعالى، كما سيأتي، مواضع شهادة الحسبة في موضعها، إن شاء الله تعالى. وقال قائلون: شهادة الحسبة مقبولة في حُقوق الآدميين من غير تقدم دعوى، وهي مجراة مجرى الإعانة والإرشاد والتنبيه على استحقاق الحقوق، ثم من سلك هذا المسلك افترقوا: فمنهم من قال: شهادة الحسبة إنما (١) تقبل إذا لم يكن ذو الحق عالماً بحقه، فتجري الشهادة مجرى الإعلام والإثباتِ لحقٍّ مُشرفٍ على الضياع. فأما إذا كان ربُّ الحق عالماً بحقه، فشهادة الحسبة مردودة. ومن أصحابنا من قال: إذا لم نشترط تقدم الدعوى، وقبلنا شهادة الحسبة، لم نفرق بين أن يكون صاحب الحق عالماً بحقه، وبين ألا يكون عالماً به، وهذا الوجه أقرب في التفريع على هذا الوجه الضعيف. والمذهب المعتمد ردُّ الشهادة التي لا تتقدمها الدعوى. وكان شيخي يقرّب الخلاف في شهادة الحسبة من أصلٍ في المغصُوب، وهو أن من رأى مالاً مغصوباً في يد الغاصب، فهل له أن يأخذه من يده ويحفظه على مالكه، من غير إذنٍ من المالك، ولا نصبٍ من الوالي؟ فيه اختلافٌ. ووجه المناظرة بيّنٌ. ثم ما ذكرناه لا يختص بالقصاص، بل يجري في الأموال، ولو قال قائل: هذا الخلاف يختص جريانه بالمال دون القصاص، لم يُبعد، والوجه التسوية؛ فإن القصاص مع تعرضه للسقوط بالشبهات خُصّ بمزيد في الإثبات لا يثبُت مثله في الأموال، وهو أيمان القسامة. فهذا منتهى ما أردناه.

стр. 8929

١٠٩٧٤ - ثم فرع صاحب التقريب على الوجه الضعيف في أن الشهادة تقبل قبل الدعوى، فقال: إذا ابتدرك أربعة إلى مجلس القاضي، وشهد اثنان منهم على الباقيَيْن، أنهما قتلا فلاناً، وشهد الباقيان أن الأولين قتلا ذلك الشخص، ولم يسبق من الولي دعوى، فما حكم ما جرى والتفريع على قبول شهادة الحسبة؟ قال: في المسألة وجهان: أحدهما - أن الشهادتين باطلتين، وليست إحداهما أولى بالقبول من الثانية، وقد تصادمتا. والوجه الثاني - أنا نراجع مستحقَّ الدم، فإن لم يصدقهم، بطلت شهاداتهم، وإن صدق اثنين منهم وقع القضاء بشهادتهما، وتبطل شهادة الآخَرَيْن؛ وذلك أنا وإن كنا نقبل الشهادة قبل الدعوى، فإذا تأيدت إحدى الشهادتين بتصديق المدعي، سقطت الأخرى، كما لو ادعى، فشهد اثنان على وفق الدعوى، ثم شهد آخران على هذين الشاهدين من غير دعوى، فالشهادة الثانية مردودة، لتأكد الشهادة الأولى بالدعوى، وإن كنا نقبل الشهادة من غير دعوى. هذا منتهى كلام صاحب التقريب في هذا التفريع. وقال قائلون من أصحابنا: إذا شهد اثنان من الأربعة على الباقيَيْن منهم أنهما قتلا فلاناً، فشهد الباقيان على الأولين أنهما قتلاه، فشهادة الباقيَيْن مردودة لعلتين: إحداهما- لأنهما يدفعان عن أنفسهما ما قرب ثبوته عليهما، وإذا تضمنت الشهادة دفعا، رُدت. والمعنى الثاني - أنهما صارا عدوين للشاهدين الأولين لما جرى لهما، وشهادةُ العدو على عدوه مردودة، وهذا الوجه حسنٌ فقيه، والأولى الاكتفاء بتعليل ردّ شهادة الباقيين لكونهما دافعين؛ فإن العداوة التي تردّ بها الشهادة لا تثبت بهذا المقدار، والقولُ فيها من غوامض أحكام الشهادات، وسنذكر بتوفيق الله تعالى في تلك القواعد المنتشرة ما يقربها من الضبط، ويسهل مأخذَها على الطالب، إن شاء الله تعالى. ١٠٩٧٥ - ومما نرى تقديمه على الاتصال في المسألة والخوضِ فيها اختلافٌ مشهور للأصحاب في أنا إذا فرّعنا على الأصح، وقلنا: لا تُقبل الشهادة في حقوق الآدميين

стр. 8930

من غير تقدّم (١) الدعوى، فلو ابتدر الشاهد وشهد، ورددنا شهادته لوقوعها قبل الدعوى، فإذا ادعى المدعي، فلا شك أنه لا نكتفي بالشهادة المتقدمة، ولكن لو استعادها فأقامها الشاهد مرة أخرى، أو أعادها، فهل تقبل الشهادة المعادة منه؟ فعلى وجهين مشهورين، ولأصحابنا في إيرادهما مسلكان: أحدهما - وهو الذي ذهب إليه الجمهور أنا إن قبلناها -وهو القياس- فقد لغا ما تقدم، وإن لم نقبلها معادةً، فالسبب فيه ما ظهر من تشوّف الشاهد إلى الشهادة، وهذا يُلحق به تهمةً في مقصود الواقعة. ثم استتم هؤلاء التفريع وقالوا: إذا رددنا الشهادة المعادة، فالمخلِّص من هذا التعذر أن يتوب الشاهد عما جرى له، ويذكر أنه لا يعاود مثله، ولا يبادر الشهادة قبل الاستشهاد، ثم الفاسق إذا تاب، لم تقبل شهادته حتى يُستبرأ شهراً (٢). قال الأصحاب: هذا المبتدر يُستبرأ أيضاً، ولا يبلغ استبراؤه مبلغ استبراء الفاسق يتوب؛ فإن الغرض يحصل بأن يتبين لنا [تنبهه] (٣) لإقامة الشهادة في حقها ووقتها [وترك] (٤) ما يدل على (٥) غرضه من التشوّف والابتدار. وهذا المسلك وإن كان ظاهراً، فليس على ما أوثره وأحبه. (٦) وقال قائلون من أئمتنا: سبيل (٧) ردّ الشهادة المعادة أنها جرت، فرُدَّت ممن كان على الجملة متمكناً من شهادة مقبولة، ومن رُدّت له شهادة مقبولة على هذا النعت، فإذا أعادها، لم تُقبل منه، كما لو شهد الفاسق في حالة فسقه، فرُدت شهادته، فلو تاب وظهرت عدالته، فأدى تلك الشهادة، لم تُقبل منه، فكذلك القول
следующие страницы →