← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

بعسير، والأملاك لا مستند لها من [يقين] (١)، وغاية المتعلّق بها مخايل وعلامات. ثم الرأي الظاهر أن مجرد اليد لا يسلّط على تحمل الشهادة على الملك، ما لم ينضم إليها تصرف المُلاك. هذا ما أردناه في ذلك. ١٠٩٧٢ - ولو ادعى موضِحة وأقام [شاهدين] (٢) على أنه أوضحه، فقد قال الأصحاب: لا يثبت [الغرض] (٣) حتى يصف الموضحة، ويشير إليها من رأس المجني عليه، فإن الشجاج أقسام، وقد يشتبه على الناس في الغالب تفاصيلُ مراتبها، ويختلط عليهم ألقابها، فلا بد من المباحثة. وتحقيق هذا يرجع إلى أن الموضِحة إن كانت تجري على لفظها في اللغة، فهي من الإيضاح، وليس فيها تعرض لإيضاح العظم، والمطلوب إثبات إيضاح العظم، وإن كانت تُحمل على تعارف الفقهاء، فلا يمكن حمل لفظ الشاهد على ألقابٍ تواضع الفقهاء عليها، [واللفظ] (٤) متردد في نفسه، والذي يخطر للفطن في هذا المقام أن الشاهد لو كان فقيهاً، وقد علم القاضي منه ذلك، وتبين له أنه لا يطلق الموضحة إلا على ما يوضح العظم، وفهم القاضي ذلك منه، فهذا موضع التردد: يجوز أن يقال: لا بد من كشف الأمر لفظاً؛ فإن للشرع تعبدات في ألفاظ الشهادات، وإن كان العلم يحصل بغيرها. ولو صرح الشاهد بإيضاح العظم، ولم يُبق إشكالاً، وقَرُب العهد، فعاينَّا رأس المشجوج، فلم نجد عليه أثراً، فالشهادة مردودة؛ فإن الاندمال إن كان يفرض على قربٍ، فانقطاع الأثر غير ممكن. وإن وقعت الشهادة وعسر على الشاهد تعيين محل الجراحة، فالوجه إثبات

стр. 8927

الموضحة، وإمضاء الحكم بها، ثم يعسر إجراء القصاص، إذا لم يدرك المحل، وهذا يظهر تصويره فيه إذا كان برأس المدعي المشجوج شجات، والشهود يزعمون أن ما شهدوا عليه واحدة منها، وعسر عليهم تعيينها، (١ فهذا موضع النظر. والوجه عندي أن الموضحة المدعاة إن كانت خطأ، فلا يضرّ عُسْرُ ١) تعيينها في الصورة التي ذكرناها، ويثبت أرشها. وإن كانت الموضحة المدعاة بحيث توجب القصاص لو ثبتت، فإذا عجز الشهود عن تعيين محلها والتبست بشجاج على الرأس، فهذا محل التردد؛ فإن المقصود من هذه الجراحة -لو ثبتت على صفتها- القصاصُ، وإثبات القصاص عسرٌ، فلا يبعد ألا تثبت الجناية أصلاً، كما لو شهد رجل وامرأتان على موضحة معيّنة موجبها القصاص، فإن أرش الموضحة لا يثبت لامتناع ثبوت القصاص، وهذا الذي ذكرناه اختيار القاضي، ويجوز أن يقال: يثبت أرش الموضحة؛ فإن الشهود رجال عُدول، أو رجلان عدلان، وهم من أهل إثبات القصاص، فلم يأت العُسر من نقصان البينة، وإنما أتى من خللٍ آيلٍ إلى الالتباس، وكان شيخي يميل إلى هذا، والمسألة فقيهة حسنة. فصل قال: " ولو شهدا على رجلين أنهما قتلاه ... إلى آخره " (٢). ١٠٩٧٣ - يجب الاهتمام في مضمون هذا المفصل بتفضيل الصور، وتمييز البعض منها عن البعض، وتوفير حظ كل مسألة من وجوه البيان: نقلاً، وتعليلاً، وبحثاً. والمسألة الأولى مفروضة فيه إذا شهد شاهدان على رجلين بالقتل، فشهد المشهود عليهما على الشاهدين بأنهما قتلا ذلك الشخص المعيّن، فلا يخلو إما أن يكون المدعي هو الذي تولى الدعوى بنفسه أو وكل وكيلاً لينوب عنه في الدعوى، فإن كان قد تولى الدعوى بنفسه، فإن ادعى على والآخرَيْن وشهد الأوّلان عليهما على وفق الدعوى،

стр. 8928

استحق دعواه عليهما، ولم يتعلق بشهادة الآخرين حكم. ولو ابتدر الأولان، فشهدا من غير دعوى من المدعي، ثم شهد المشهود عليهما على الأولين من غير دعوى، فالذي ذهب إليه المحققون أن شهادة الكل مردودة؛ لأنها مشروطة بتقدم الدعوى، وإنما تقبل الشهادة ابتداء على طريق الحسبة فيما يغلب فيه حق الله تعالى، كما سيأتي، مواضع شهادة الحسبة في موضعها، إن شاء الله تعالى. وقال قائلون: شهادة الحسبة مقبولة في حُقوق الآدميين من غير تقدم دعوى، وهي مجراة مجرى الإعانة والإرشاد والتنبيه على استحقاق الحقوق، ثم من سلك هذا المسلك افترقوا: فمنهم من قال: شهادة الحسبة إنما (١) تقبل إذا لم يكن ذو الحق عالماً بحقه، فتجري الشهادة مجرى الإعلام والإثباتِ لحقٍّ مُشرفٍ على الضياع. فأما إذا كان ربُّ الحق عالماً بحقه، فشهادة الحسبة مردودة. ومن أصحابنا من قال: إذا لم نشترط تقدم الدعوى، وقبلنا شهادة الحسبة، لم نفرق بين أن يكون صاحب الحق عالماً بحقه، وبين ألا يكون عالماً به، وهذا الوجه أقرب في التفريع على هذا الوجه الضعيف. والمذهب المعتمد ردُّ الشهادة التي لا تتقدمها الدعوى. وكان شيخي يقرّب الخلاف في شهادة الحسبة من أصلٍ في المغصُوب، وهو أن من رأى مالاً مغصوباً في يد الغاصب، فهل له أن يأخذه من يده ويحفظه على مالكه، من غير إذنٍ من المالك، ولا نصبٍ من الوالي؟ فيه اختلافٌ. ووجه المناظرة بيّنٌ. ثم ما ذكرناه لا يختص بالقصاص، بل يجري في الأموال، ولو قال قائل: هذا الخلاف يختص جريانه بالمال دون القصاص، لم يُبعد، والوجه التسوية؛ فإن القصاص مع تعرضه للسقوط بالشبهات خُصّ بمزيد في الإثبات لا يثبُت مثله في الأموال، وهو أيمان القسامة. فهذا منتهى ما أردناه.

стр. 8929

١٠٩٧٤ - ثم فرع صاحب التقريب على الوجه الضعيف في أن الشهادة تقبل قبل الدعوى، فقال: إذا ابتدرك أربعة إلى مجلس القاضي، وشهد اثنان منهم على الباقيَيْن، أنهما قتلا فلاناً، وشهد الباقيان أن الأولين قتلا ذلك الشخص، ولم يسبق من الولي دعوى، فما حكم ما جرى والتفريع على قبول شهادة الحسبة؟ قال: في المسألة وجهان: أحدهما - أن الشهادتين باطلتين، وليست إحداهما أولى بالقبول من الثانية، وقد تصادمتا. والوجه الثاني - أنا نراجع مستحقَّ الدم، فإن لم يصدقهم، بطلت شهاداتهم، وإن صدق اثنين منهم وقع القضاء بشهادتهما، وتبطل شهادة الآخَرَيْن؛ وذلك أنا وإن كنا نقبل الشهادة قبل الدعوى، فإذا تأيدت إحدى الشهادتين بتصديق المدعي، سقطت الأخرى، كما لو ادعى، فشهد اثنان على وفق الدعوى، ثم شهد آخران على هذين الشاهدين من غير دعوى، فالشهادة الثانية مردودة، لتأكد الشهادة الأولى بالدعوى، وإن كنا نقبل الشهادة من غير دعوى. هذا منتهى كلام صاحب التقريب في هذا التفريع. وقال قائلون من أصحابنا: إذا شهد اثنان من الأربعة على الباقيَيْن منهم أنهما قتلا فلاناً، فشهد الباقيان على الأولين أنهما قتلاه، فشهادة الباقيَيْن مردودة لعلتين: إحداهما- لأنهما يدفعان عن أنفسهما ما قرب ثبوته عليهما، وإذا تضمنت الشهادة دفعا، رُدت. والمعنى الثاني - أنهما صارا عدوين للشاهدين الأولين لما جرى لهما، وشهادةُ العدو على عدوه مردودة، وهذا الوجه حسنٌ فقيه، والأولى الاكتفاء بتعليل ردّ شهادة الباقيين لكونهما دافعين؛ فإن العداوة التي تردّ بها الشهادة لا تثبت بهذا المقدار، والقولُ فيها من غوامض أحكام الشهادات، وسنذكر بتوفيق الله تعالى في تلك القواعد المنتشرة ما يقربها من الضبط، ويسهل مأخذَها على الطالب، إن شاء الله تعالى. ١٠٩٧٥ - ومما نرى تقديمه على الاتصال في المسألة والخوضِ فيها اختلافٌ مشهور للأصحاب في أنا إذا فرّعنا على الأصح، وقلنا: لا تُقبل الشهادة في حقوق الآدميين

стр. 8930

من غير تقدّم (١) الدعوى، فلو ابتدر الشاهد وشهد، ورددنا شهادته لوقوعها قبل الدعوى، فإذا ادعى المدعي، فلا شك أنه لا نكتفي بالشهادة المتقدمة، ولكن لو استعادها فأقامها الشاهد مرة أخرى، أو أعادها، فهل تقبل الشهادة المعادة منه؟ فعلى وجهين مشهورين، ولأصحابنا في إيرادهما مسلكان: أحدهما - وهو الذي ذهب إليه الجمهور أنا إن قبلناها -وهو القياس- فقد لغا ما تقدم، وإن لم نقبلها معادةً، فالسبب فيه ما ظهر من تشوّف الشاهد إلى الشهادة، وهذا يُلحق به تهمةً في مقصود الواقعة. ثم استتم هؤلاء التفريع وقالوا: إذا رددنا الشهادة المعادة، فالمخلِّص من هذا التعذر أن يتوب الشاهد عما جرى له، ويذكر أنه لا يعاود مثله، ولا يبادر الشهادة قبل الاستشهاد، ثم الفاسق إذا تاب، لم تقبل شهادته حتى يُستبرأ شهراً (٢). قال الأصحاب: هذا المبتدر يُستبرأ أيضاً، ولا يبلغ استبراؤه مبلغ استبراء الفاسق يتوب؛ فإن الغرض يحصل بأن يتبين لنا [تنبهه] (٣) لإقامة الشهادة في حقها ووقتها [وترك] (٤) ما يدل على (٥) غرضه من التشوّف والابتدار. وهذا المسلك وإن كان ظاهراً، فليس على ما أوثره وأحبه. (٦) وقال قائلون من أئمتنا: سبيل (٧) ردّ الشهادة المعادة أنها جرت، فرُدَّت ممن كان على الجملة متمكناً من شهادة مقبولة، ومن رُدّت له شهادة مقبولة على هذا النعت، فإذا أعادها، لم تُقبل منه، كما لو شهد الفاسق في حالة فسقه، فرُدت شهادته، فلو تاب وظهرت عدالته، فأدى تلك الشهادة، لم تُقبل منه، فكذلك القول

стр. 8931

في ابتدار الشهادة قبل الدعوى مع إعادتها بعد الدعوى، وهؤلاء يقولون: لا تقبل منه تلك الشهادة أبداً، فلا ينفع قبول (١) توبته، ولا استبراؤه، وهذا تباين عظيم بين المسلكين. فإن قيل: هذا الذي ذكرتموه ظاهر، و [قد قلتم] (٢) الأظهر قبول الشهادة المعادة من غير توبة ولا استبراء؟ قلنا: الفرق ظاهر بين ما نحن فيه وبين الفاسق ترد شهادته، وذلك أن الفاسق إذا ردت شهادته يلحقه غضاضة تبلغ [به] (٣) الأنفة، فقد يتهم في إعادة تلك الشهادة (٤)، وسيأتي تقرير هذا في موضعه، إن شاء الله. وأما من ردَّت شهادته المقامة قبل الدعوى، فلا غضاضة عليه، بل يقال له: ابتدرت الشهادة وأنت من أهلها، فاصبر حتى يدخل وقت إقامة الشهادة، فإذا دخل بصدور الدعوى من المدعي، فأقمها، وليس هذا كما لو ردت شهادة الفاسق لاتصافه [بنقيصة] (٥) الفسق، والفسق مما يكتم ولا يتظاهر به، وإذا نسب الشخص إليه حرص [على] (٦) إظهار نقيضه. ومما يتعلق بذلك أن صاحب الحق إذا تولى الدعوى بنفسه بعد تقدم شهادة الأولَيْن على الآخَرَيْن، وشهادة والآخرين على الأولَيْن وقلنا: تقبل [شهادة الحسبة] (٧) قبل الدعوى والاستشهاد، فإن صدّق الأولَيْن، ثبت الحق على والآخرَيْن، من غير حاجة إلى استعادة الشهادة، وإن صدق والآخرَيْن، تفرع ذلك على ما قدمناه من أن شهادتهما هل تقبل مع اشتمالها على الدفع، وتعرضهما للعداوة؟ فإن قبلناها، ثبت الحق على

стр. 8932

الأولَيْن من غير استعادة شهادة، وإن رددناها، وقد رد (١) المدعي شهادة الأولين، فيخرج من ذلك بطلان شهاداتهم. ولو كان قد قدم الدعوى على والآخرَيْن، فلما شهد الآخران قَبْل الاستشهاد، صدقهما، فقد أبطل دعواه الأولى بهذا التصديق، وهذه الدعوى الجديدة باطلة [بتقرّر] (٢) الدعوى الأولى، فإنه إذا سبق منه قول، فهو مؤاخذ بمقتضاه، ومقتضى قوله الأول بطلانُ قولهِ الثاني، وهذا واضح. وأما الغرض المطلوب في هذا ما قدمناه في هذا الفصل. هذا كله إذا تولى المدعي الدعوى بنفسه قبل الشهادات أو بعدها. ١٠٩٧٦ - ولو كان قد وكل المدعي وكيلاً في الدم، وما كان قد عين المدَّعى عليهما، فادعى الوكيل على رجلين قَتْلَ الشخص المطلوب، وأقام شاهدين عليهما، ثم شهد المشهود عليهما على الشاهدين أنهما قتلا ذلك الشخص، فلم يوجد ممن له الحق بعدُ دعوى. فإن صدق الوكيلَ والشاهدين الأولين، فقد استمرت الخصومة، وإن صدق والآخرين، فله الدعوى على الشاهدين الأولين، وبطلت الدعوى على الآخرين، ويبقى في شهادة الآخرين التفصيلُ الطويل المترتب على أصولٍ: منها شهادة الحسبة، ومنها تعرضهما للدفع عن أنفسهما، ومنها أن من ابتدر الشهادة قبل الاستشهاد، فردت شهادته، فإذا أعادها بعد الدعوى هل تقبل؟ فإن قلنا: شهادة الحسبة مقبولة، فقد شهد الآخران قبل الدعوى، ولكن يبقى النظر في أنهما دفعا عن أنفسهما، فإن لم نُقم لذلك وزناً في المسألة المتقدمة، يقع القضاء بشهادة والآخرين إذا اتصل بها تصديق صاحب الحق، من غير حاجة إلى الإعادة، وإن قلنا: الشهادة مردودة لتضمنها الدفعَ فيه إذا تولى المدعي الدعوى بنفسه، فترد الشهادة في هذه الصورة، لأن دعوى الوكيل في ظاهر الحال مسموعة،

стр. 8933

وقد ادعى عليهما وشهد شاهدان على حسب الدعوى، فتضمنت شهادتهما دفعاً. ومن أحاط بما قدمناه، لم يخف عليه تفريع المسائل عليه، وإن رددنا شهادة الحسبة، فشهادة والآخرين مردودة ابتداء، فلو أعادا الشهادةَ لمّا ادعى صاحب الحق حقّه على وفق شهادتهما، فهل يقبل ذلك الآن؟ فيه التفصيل المقدم. واختلاف الطرق. وقد أضربت عن استيعاب التفاصيل لعلمي بوضوح الغرض، وظهور ابتناء الفروع على ما مهدناه من الأصول. ١٠٩٧٧ - ومن مسائل الفصل: إن شهد شاهدان على رجلين بأنهما قتلا الشخص المطلوب، وشهد المشهود عليهما على أجنبي أنه القاتل، [ولم يشهدا على الشاهدين] (١)، فإن كان صاحب الحق يتولى الدعوى بنفسه، فإن صدّق الأوّلَيْن، تفصّل الكلام، وقيل: شهادتهما لا تخلو إما أن تكون حسبةً، أو بعد الدعوى على وفق الشهادة الأولى [فإن كانت بعد الدعوى، وأصرّ على تصديق الأولَيْن، ترتب الحكم عليه، فإن عاد، فصدق المشهود عليهما، فقد] (٢) تناقض قوله (٣)، وإن

стр. 8934

جرت شهادة والآخرَيْن حسبةً ثم جرى تصديق أو تكذيب، لم يخْفَ [دركُ] (١) التناقض وما يقبل وما لا (٢) يقبل. ولو كان [وكل] (٣) وكيلاً ولم يعيّن المدّعى عليه، ثم صدق الأولَيْن ووافق الوكيلَ في دعواه، فقد ثبت الغرض، وإن صدق الآخرين واستعاد الشهادة -[إن] (٤) لم نقبل شهادة الحسبة- ففي قبول شهادة الآخرين تردد مبني على ما تمهد، فإن لم نردّ (٥) الشهادة لما تخيلناه من قصد الدفع، فشهادة الآخَرَيْن مقبولة، وإن رأينا القبولَ، وقد ابتدر الشهادة في واقعة الوكيل، ففي قبول شهادتهما الكلام المقدم إلى تمام التفريع. ١٠٩٧٨ - ومن مسائل الفصل: إن شهد شاهدان على رجلين، كما ذكرنا، [فشهد] (٦) أجنبيان على الشاهدين بأنهما قاتلان، فإن كان صاحب الحق هو المتولي للخصومة، فإن صدق شاهدَيه الأولَيْن، بطلت شهادة الأجنبيين، وإن صدق الأجنبيين، بطلت شهادة الكلّ لتناقض الدعوى. وإن أردنا فرضاً في شهادة الحسبة من الأوليين ثم من الآخرين، لم يخف التفريع. ولو (٧) فرضت المسألة في الوكيل، هان مُدرك الكلام، والأجنبيان غير متعرضين للدفع عن أنفسهما، ولكنهما شهدا قبل الاستشهاد، فيتفرع عليه ما يليق به. ومما نختتم به أن الشافعي ﵁ صور شهادة شاهدين على شخصين، ثم شهادة المشهود عليهما على الأولين، ثم قال: يُراجَعُ صاحبُ الحق في التصديق والتكذيب، فاختلف أئمتنا: فمنهم من قال: هذا دليل من كلام الشافعي على قبول شهادة الحسبة، فإنهما لو كانت مردودة، فالشهادتان باطلتان، فلا معنى للمراجعة،

стр. 8935

ومنهم من قال: شهادة الحسبة باطلة، وإنما ذكر الشافعي مراجعة صاحب الحق لرجاء أن تبطل دَعْوَاهُ الأولى بتصديق الأخرى. وهذا نجاز الفصل وأطرافه واضحة إذا فهمت الأصول. فلم أر استقصاءها لعلمي بوضوحها، وتبرم الفطن بتكثيرها وتكريرها. فصل ١٠٩٧٩ - ذكر الشافعي ﵁ أنه لو ادعى القتل على واحدٍ وأقام شاهدين، فشهد أحدهما على إقراره بأنه قتله عمداً، وشهد الآخر على إقراره بأنه قتله، ولم يقل عمداً، وجرت الشهادتان من الشاهدين على ما وصفناه، فشهد أحدهما على العمد، وشهد الثاني على القتل المطلق، فأصل القتل يثبت، ويبقى توجيه الدعوى بكونه (١) عمداً، فإن لم يكن لوث، فالقول قول المدعى عليه أنه ما قتله عمداً مع يمينه، فإن حلف، فذاك، وإن نكل، حلف المدعي يمين الرَّد، وثبت القود، وإن أقمنا شهادة أحد الشاهدين لوثاً -على ما تقدم تفصيل القول في اللوث- فيقسم المدعي على إثبات العمد. ولو ادعى القتلَ العمدَ أولاً، فشهد أحد شاهديه على وفق دَعْواه، وشهد الثاني على أنه قتله خطأ، فقد اختلف جواب القفال في ذلك، فقال في أحد جوابيه: لا يثبت القتل بشهادتهما لاختلافهما في صفته على حكم التصادق؛ فهما متكاذبان، وإذا تكاذب الشاهدان، فالوجه سقوط الشهادتين، وقال في الجواب الثاني: يثبت أصل القتل؛ فإنهما تصادقا عليه، ورجع اختلافهما إلى الصفة، فصار كما لو شهد أحدهما على القتل عمداً، وشهد الآخر على القتل مطلقاً. ولو شهد أحد الشاهدين أنه قتله غُدوةً، وشهد الآخر أنه قتله عشية، أو قال أحدهما: قتله بالسيف، وقال الآخر: قتله بالعصا؛ فلا خلاف أن القتل لا يثبت بشهادتهما؛ لأنهما شهدا على فعلين مختلفين، وهذا يؤكد أحدَ الجوابين في ذكر

стр. 8936

أحدهما العمد والآخر الخطأ، فإن الشاهدين إذا اختلفا في الوقت أو الآلة، فأصل القتل متفق عليه، والتردد راجع إلى شيء آخر، فكان هذا بمثابة ما لو اختلفا في العمد والخطأ. فإن قيل: لا فصل بين المسألتين، فما وجه قول من يقول بثبوت أصل القتل إذا ذكر الشاهدان العمد والخطأ؟ قلنا: شهادتهما إذا اختلفا في الزمان أو الآلة متكاذبتان في أمر محسوس، وإذا تعرضتا لذكر العمد والخطأ، فهما مطلقان، فقد يحسب أحدهما العمد خطأ، وقد يحسب الثاني الخطأ عمداً، وهذا تكلف، والأصح أن أصل القتل لا يثبت في تلك المسألة، ولو شهد أحدهما أنه قتله بمكان كذا، وشهد الثاني أنه قتله بمكانٍ آخر، فلا يثبت القتل، كالاختلاف في الزمان، والآلة، والمكان. ثم قال المزني: " ومثل هذا يوجب القسامة " (١)، نقل ذلك بعد ذكر الاختلاف في الزمان والآلة والمكان. وقد ذهب المراوزة إلى تغليطه؛ إذ قال (٢): هذا يوجب القسامة؛ من جهة أن الشاهدين متكاذبين، وشهادتهما متعارضتان، ولا يثبت بالشهادتين المتناقضتين لوث. وحكى العراقيون نصين في ذلك عن الشافعي ﵁ منقولين في الكتب: أحدهما - أن اللوث يثبت على ما نقله المزني، فلا وجه إذاً لتغليطه وقد صح النقل، ووجهه أنهما اتفقا على أصل القتل، ولا يبعُد أن يغلط أحدهما لا بعينه في الوقت، وقد تقع واقعة لا يُشك في وقوعها، [ويتمارى] (٣) الناس في الوقت، واختلافهما إن أثر في القضاء [حتى] (٤) لا يقطع بثبوت القتل، فلا ينحط أثرهما عن [تغليب] (٥) الظن في وقوع القتل.

стр. 8937

ومن قال: لا يحصل اللوث، فوجهه ما قدمناه. فالوجه إجراء القولين على ما نقله العراقيون. ١٠٩٨٠ - ولو شهد شاهد على أن فلاناً قتله على حسب ما ادَّعَاه المدعي، وشهد شاهد آخر أنه أقرّ بقتله، فالقتل لا يثبت [في هذه الصورة] (١)، [فلا تتفق] (٢) الشهادة على الإقرار والشهادة على نفس القتل لاختلاف المشهود به، واللوث يثبت في هذه الصورة وفاقاً، فإن الشاهدين ليسا متكاذبين، ولا تناقض بينهما، واللوث يثبت بشهادة أحدهما على الإقرار أو على القتل، فإذا اجتمعا قوي اللوث. ولو شهد شاهدان أن هذا قتله زيد أو عمرو، فلا شك أن القتل لا يثبت مع التردد في المشهود عليه، ولو أراد المدعي أن يقسم [مسنداً إقسامه إلى اللوث المترتب على شهادتهما، فالذي ذهب إليه أئمة العراق وغيرهم] (٣) أن اللوث شامل لهما، ثم إذا شملهما اللوث، فهذا القدر كافٍ في حق القاضي، وللمدعي أن يدعي على أحدهما، وهو مؤاخذ في حكم الله تعالى بأن لا يدعي إلا على ثَبَت، وليس عليه بعد شمول اللوث للرجلين أن يحقق لوثاً خاصاً في حق من يعينه منهما. وقد مهدنا هذا فيما تقدم. وقد يعترض في هذه المسألة شيء يوجب التردد في اللوث، وهو أن اللوث الذي يعم طائفةً تصويره ظهور العداوة بين القتيل وبينهم، مع وقوع القتل في موضع مختص [بهم] (٤) فهذا لوث شامل على التحقيق. فأما إذا قال الشاهدان: قتله هذا أو هذا، فالشهادة تعلقت بهما على التردد، وموجب التردد يخصص الأمر بأحدهما، فهذا إشكال شامل، وليس لوثاً شاملاً، ويناظر هذا ما لو ظهر عند القاضي أن أحد الرجلين عدو القتيل، ولم يتبيّن العدوَّ منهما، ولو كان كذلك، لم يقطع بحصول اللوث، فالوجه ألا يقطع بحصول اللوث

стр. 8938

في مسألة الشهادة (المقامة على التردد، والذي نقلته عن أئمة العراق ثبوت اللوث في مسألة الشهادة على التردد) (١)، فلا يبعد أن يرتكبوا حصول العداوة على الإبهام. والله أعلم. فصل قال: " ولو شهد أنه ضربه ملفَّفاً ... إلى آخره " (٢). ١٠٩٨١ - إذا ادعى على واحد قَتْلَ أبيه، وأقام شاهدين على أنه كان ملفوفاً في ثوب، فقدّه المدعى عليه بنصفين، ولم يثبتا كونه حياً حالة القد، فالقتل لا يثبت بهذا؛ فإن الشهادة [شرطها] (٣) أن يَجزم وُيشعر بالمقصود على قطع، والشاهدان لم يتعرضا إلا للقد (٤)، ولكن إذا ثبت القدّ المشهود به، فلو قال الولي: كان حياً، وقال المشهود عليه بالقدّ: كان ميتاً، فهذا ملتحق بتقابل الأصلين؛ فإن الأصل حياةُ الملفوف المقدود من وجهٍ، والأصل براءة ذمة القادّ من وجهٍ، فجرى القولان فيه. فإن قلنا: القول قول القادّ، فلا يكون المدعي مستفيداً شيئاً من الشهادة المقامة، وإن قلنا: القول قول المدعي فقد أفادته الشهادة قوة أوجبت تصديقه مع يمينه، ويتنزل هذا منزلة ما لو شهدت البينةُ للمدعي باليد، فقد تفيده الشهادة أن نجعل القولَ قوله مع يمينه. وذكر بعض أصحابنا قولاً ثالثاً: أن الملفوف إن كان على رباط على هيئة الأكفان، لم يصدق المدعي، وإن كان المقدود ملفوفاً في ثياب الأحياء، فيصدق حينئذ مع يمينه، وهذا ضعيف لا أصل له. ومما يتعلق بتمام البيان في المسألة أن رجلين عدلين لو رأيا رجلاً ملفوفاً بثوب،

стр. 8939

فقدّه إنسان على القرب، فهل لهما أن يشهدا على أنه قده حياً حالة التلفف؟ هذا محل التردد وفي كلام الأصحاب ما يدل عليه. والذي ذكره القاضي أن لهما أن يشهدا على الحياة، بناء على ظاهر الأمر، كما يشهدان على الملك المبتوت؛ بناء على ظاهر اليد والتصرف، ويجوز أن يقال: ليس لهما أن يشهدا، (١ فإن الموت١) بعد التلفف ممكن، والاطلاع على الحياة بعد التلفف بالثياب ممكن، وليس كالأملاك؛ فإنه لا مستند لها إلا الظواهر. ولم يختلف الأصحاب في أنهما لو قالا: رأيناه تلفّف بالثوب ثم قدّه فلانٌ، فالقاضي لا يقضي بالحياة، كما لو شهدا على اليد والتصرف، ولم يتعرضا للملك، فالقاضي لا يقضي بالملك، كما سيأتي ذلك مفصلاً، إن شاء الله تعالى. فصل قال: " ولو شهد أحد الورثة أن أحدهم عفا ... إلى آخره " (٢). ١٠٩٨٢ - إذا قُتل رجل وثبت القصاص على قاتله، وكان له طائفة من الورثة، فقد ذكرنا في كتاب الجراح أنه إذا عفا واحد منهم عن القصاص (٣ سقط حقوقُ الباقين في القصاص، وآلت حقوقهم إلى الدية، ثم القول في العفو عن القصاص ٣) دون المال، وفي العفو عن المال قد تقدم مستقصىً. وغرضنا الآن أمر يتعلق بالإقرار والشهادة: فإذا شهد بعض الورثة على بعض أنه عفا عن القود، حكمنا بسقوط القود، وإن اتحد الشاهد أو كان فاسقاً مردود الشهادة، فلم يثبت العفو بطريق الشهادة، ولكن قوله: عفا بعضُ الورثة إقرار منه بأن القصاص ساقط في حقه، وإن اعترف بعض الأولياء بسقوط القصاص في حقه، نفذ القضاء بسقوطه في حق الكافة. وهذا يناظر ما لو قال أحد الشريكين في العبد لصاحبه: قد أعتقت نصيبك من

стр. 8940

العبد وأنت موسر، فإذا فرعنا على تعجيل السراية، حكمنا بنفوذ العتق في حصة هذا المدعي القائل، فإنه يؤاخذ بحكم قوله، وله دعوى المال على شرطه والقول قول الشريك مع يمينه، ثم يعتق نصيب هذا القائل المدعي في ظاهر الحكم بطريق السراية، ولا يقع الحكم بعتق نصيب المدعى عليه؛ فإنا إنما حكمنا بالسراية في نصيب المدعي مؤاخذةً له بقوله في حق نفسه، والسراية لا تسري، قال الأصحاب: قد يتضرر الإنسان بدعواه على غيره، وإن كان الضرر لا ينال المدعى عليه. ولو قال واحد من الورثة: عفا واحد من شركائي عن القصاص، ولم يبين العافي، حكمنا بسقوط القصاص، جرياً على إقرار هذا القائل؛ فإن موجب قوله سقوط القصاص في حقه، وإذا سقط في حقه استحال بقاؤه في حقوق الباقين. ولو ادعى الجاني على واحدٍ منهم العفوَ عن القصاص، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف، فذاك، وإن نكل، ردت اليمين على الجاني، وثبت العفو بيمين الرد. ولو أقام بيّنة على عفوه، ثبت العفو، ولا بد من رجلين عدلين؛ فإن القصاص ليس مالاً، وما لا يثبت إلا بعدلين لا يثبت سقوطه إلا بعدلين. ولو آل الأمر إلى المال، فادعى الجاني على بعض الورثة العفو عن حصته من المال، فهذا يثبت بشاهد وامرأتين؛ فإن الجناية الموجبة للمال تثبت بشاهد وامرأتين، فيثبت سقوط أرشها بما يثبت به أرشها، وكل ذلك يأتي مفصلاً في موضعه، إن شاء الله . فصل قال: " ولو شهد وارث أنه [جَرَحه] عمداً أو خطأ ... إلى آخره " (١). ١٠٩٨٣ - إذا جُرح رجل وكان [مهلكاً له] (٢) أو أمكن أن يسري ويُفضي إلى

стр. 8941

الهلاك، فلو شهد اثنان من وَرَثة المجروح أن فلاناً هو الذي جرحه، فلا يثبت الجرح بشهادتهما، فإنهما تعرّضا لإثبات ما يؤول إليهما، وأثبتا السبب المفضي إلى توريثهما، وهو الجرح، وكانت شهادتهما متضمنة جرّاً، والشافعي ﵁ ذكر في هذا الفصل الشهادة التي تُرد لتهمة الجرّ، والتي ترد لتهمة الدفع، ونحن [الآن] (١) [نأخذ] (٢) قي تفصيل الشهادة الجارّة. فلو مرض الموروث مرض الموت، وشهد له باستحقاق عينٍ أو دينٍ اثنان من الورثة، فقد اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: يثبت المشهود به إذا لم يكن بين الشاهد وبين المشهود له بعضية بخلاف ما ذكرناه في الجرح، والفرق أن الجرح المشهود به سببٌ لموت الموروث، ولا يتحقق مثل ذلك في الشهادة بحقٍّ للمريض. ومن أصحابنا من قال: شهادة الورثة للمريض مردودة، فإن المرض ملتحق بالموت في حكمه، ولهذا حُصرت تبرعات المريض في الثلث ضماً إلى وصاياه الموقعة بعد الموت. ولو (٣) شهد اثنان على الجرح، ولم يكونا من الورثة حالة الشهادة، ثم صارا من الورثة بموت من يحجبهما -قبل موت المجروح- قال الأصحاب: الشهادة في أصلها مقبولة، فإذا التحقا بالورثة، نظر: فإن كان بعد نفوذ القضاء، (٤ لم ينقض الحكم، وإن كان قبل نفوذ القضاء ٤) لم يقض القاضي بشهادتهما، وشبهوا هذا بما لو فسق الشاهدان قبل (٥) نفوذ الحكم، أو فسقاً بعد النفوذ، فالفسق (٦) لا يوجب نقضَ القضاء، وهو قبل القضاء [يمنع] (٧) تنفيذ الحكم، ولو عمي الشاهدان أو جُنّا قبل نفوذ

стр. 8942

القضاء، لم يمتنع التنفيذ بشهادتهما، بخلاف الفسق؛ فإن ظهوره يورث [ريباً] (١) في الاستناد إلى ما تقدم، وانطواء الضمير على الاجتراء على مخالفة الله تعالى، ولكن إذا ظهر هذا بعد القضاء، لم ينقض؛ فإن القضاء لا ينقض بالظنون، وإذا ظهر قبل القضاء، امتنع القاضي من تنفيذ الحكم، فإن اعتراض الظنون يمنع تنفيذ الحكم، وإن كان لا يوجب نقض الحكم، وليس هذا كطريان العمى والجنون؛ فإنهما [لا يُسندان] (٢) إلى ما تقدم تهمة، فكان طريانهما في معنى طريان الموت بعد الشهادة، وقبل القضاء، فإذا شهد اثنان محجوبان، ثم صارا من الورثة قبل القضاء، فلا يُنكر أنهما أضمرا جواز مصيرهما وارثين، فإذا تحقق مظنونهما، جَرّ ذلك تهمة تمنع القضاء، ولم توجب النقض. وفي بعض التصانيف أنهما إذا شهدا وهما محجوبان، ثم صارا [وارثين] (٣) قبل القضاء، خرج ردّ شهادتهما على قولين: أحدهما - ما قدمناه، والثاني - الاعتبار بحالة إقامة الشهادة ولا حكم لما يطرى، وهذا وإن كان غريباً، فتوجيهه ممكن؛ فإن تقدير الإرث فيهما محمول على موت الحاجب، والموت مستبعد لا تتلقى من توقعه التهمُ، ثم من يقول: الاعتبار في شهادته بالمآل، فلو صار وارثاً بعد نفوذ القضاء، فالوجه عندي القطع بأن الحكم لا ينقض، وفي هذا التصنيف ما يدل على أن شهادته موقوفة، والقضاء به كذلك إلى ما يتبين، وهذا بعيد لا أصل له. ١٠٩٨٤ - ولو شهدا، وهما وارثان في ظاهر الحال، ثم حدث للمجروح المشهود له ولد يحجب الشاهدين، فالذي ذكره جماهير الأصحاب أن الشهادة مردودة، ولا حكم لما يطرى من بَعْد، وفيما نقله بعض المصنفين ما يدل على أن الشهادة موقوفة، وهذا في هذا الطرف على نهاية السقوط مع اقتران التهمة بالشهادة، ومبنى الشهادات على اعتبار حالة الإقامة، وأما الإقرار للورثة، فلا يتجه فيه من اعتبار التهمة ما يتجه في الشهادة ردّاً وقبولاً فإذا ثبت هذا، فالوجه القطع بأن شهادتهما مردودة.

стр. 8943

فإذا صارا محجوبين، فإذا أعادا تلك الشهادة -وقد رددناها أولاً- فنردها معادة، كما لو شهد رجل، فردت شهادته للفسق، ثم تاب، وظهرت عدالته، فأعاد الشهادة فالشهادة المعادة مردودة. وقد يخطر للفقيه في هذا المقام أن الفاسق إذا تاب، لم نتحقق تغير حاله باطناً، وقد تحققنا أن الوارث صار محجوباً. ولكن لا حكم لهذا والأصحابُ مجمعون على ما قدمناه؛ لأن الذي رُدّت شهادته يُتهم بترويج الشهادة بعد طريان الحجب. هذا بيان الغرض في ذلك. ومن تمامه أنه لو شهد وارثان على جرح بالموروث، فبرىء المجروح [واستبلّ] (١)، فهل يثبت الجرح؟ ما صار إليه معظم الأصحاب أن الجرح لا يثبت لاقتران التهمة بالشهادة حالة الإقامة. ومن أصحابنا من قال: لا ترد الشهادة؛ فإنها لم تكن شهادة على سبب الموت، وهذا التردد يشهد (٢) بما حكيناه في طريان الحجب واعتبار المآل، ولكنه يؤدي إلى إلزامه، فإن القياس الحق [أن] (٣) من كان متهماً في شهادته عند إقامتها، فلا أثر لما يطرى من بعدُ. هذا مقدار غرضنا في الشهادة التي تجرّ نفعاً. ١٠٩٨٥ - فأما الشهادة التي تتضمن دفعاً، فمسائلها كثيرة ستأتي في مواضعها، إن شاء الله تعالى. والمقدارُ الذي أراده الشافعي هاهنا ما نصفه، قال ﵁ (٤): " إذا ادعى رجل قتلَ خطأ، وأقام شاهدين على ما يدعيه، فلو شهد اثنان من عاقلة المشهود عليه بالقتل على جرح الشاهدين، فلا شك أن شهادتهما مردودة، فإنهما يدفعان عن أنفسهما تحمّل العقل، والشهادة الدافعة مردودة " ولو شهد اثنان من فقراء عاقلة المشهود عليه، فقد نص الشافعي ﵁ على أنه لا تقبل شهادتهما، وإن كانت الدية لا تضرب على الفقراء، ونص على أن اثنين من أباعد العصبات الذين

стр. 8944

لا يخلص التحمل إليهم لكثرة الأدْنَيْن لو شهدا على جَرْح الشاهدين على القتل، قبلت شهادتهما. واختلف أصحابنا في المسألتين على طريقين: فمنهم من جعل في المسألتين قولين نقلاً وتخريجاً: أحدهما - أن الشهادة على الجَرْح مقبولة من الفقير والبعيد؛ لأنه ليس من أهل (١ التحمل حالة الشهادة. والثاني - أن ١) الشهادة مردودة؛ فإنهما متعلقان بسببٍ يُفضي إلى تحمل العقل، والإنسان [ينظر لحاله ومآله] (٢). ومن أصحابنا من أقر النصين قرارهما، وفرق بين الفقير والبعيد، فقال: تهمة الفقير متلقاة من توقع الغنى، وليس طريان الغنى، أو التوسط الذي يقتضي تحمل نصف أو ربع (٣) بعيداً عن الإمكان، فتظهر التهمة في الحال (٤) وأما تهمة البعيد، فمأخوذة من موت الأقربين وخلوص العقل إليهم، والموت مستبعد في العرف، فلا تُتلقى التهم منه. وهذا المعنى استعملناه (٥) في مواضع، وفيه إشكال؛ فإن العقل يتوهم خلوصه إلى البعيد بموت الأقربين، ويتوهم خلوصه إليه بافتقار الأقربين، فإن القريب إذا افتقر، ضُرب العقل على البعيد، فإن كان لا يبعد غنى الفقير في النص الأول، لم يبعد افتقار الغنيّ (٦) في النص الثاني، فالوجه طريقة القولين. ثم ذكر الشافعي ﵁ الوكالة في إثبات القصاص وفي استيفائه وطرفاً من أحكام الإكراه، وأَمْر السلطان، وكل ذلك مستقصىً في موضعه. ...

стр. 8945

باب الحكم في الساحر والساحرة ١٠٩٨٦ - السحر كائن، والشاهد له سورة الفلق، واشتمالها على الاستعاذة بالله من النفاثات في العقد، وقد ورد في الحديث: " أنه سحر رسول الله ﷺ في مشط ومُشاطة، تحت راعوفة في بئر ذَرْوان " (١) والقصة مشهورة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وفي بعض الألفاظ: " أن الرسول ﷺ قال: السحر حق " (٢) وروي أنه قال: " العين حق تدخل الجمل القدر والرجل القبر " (٣). ثم تكلم الفقهاء في تعلم السحر، وقالوا: إنه ليس بكفر إذا لم يعتقد المرء ما يوجب كفراً، والقول فيما يوجب الكفر وما لا يوجبه لا يليق بهذا الفن، ثم قالوا: هل يكره تعلم السحر لطلب الإحاطة به تشوّفاً إلى مدارك العلوم؟ وقد يخطر

стр. 8946

لمن يطلبه أن يميز بينه وبين المعجزات؟ (١ اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: يكره تعلمه، وفي الدين شغل يلهي عن مثل ذلك، وفي الإحاطة بحقائق المعجزات ١) ما يغني عن تعلّم السحر. ومنهم من قال: لا يكره، كما لا يكره تعلم مذاهب الكفرة للرد عليهم، وقد يبغي المتعلم بتعلم السحر درءَ ضرار عن نفسه. ثم انتهى الشافعي ﵁ في إثبات السحر، والحكم بكونه حقاً إلى تعليق القصاص به، فقال: إذا زعم زاعم أنه سحر رجلاً، وذكر أن (٢) سِحْره يقتلُ لا محالة، أو يؤدي إلى القتل غالباً، فهذا إقرار منه بما يوجب القصاص، فيتوجه القصاص عليه وإن قال: قد سحرته ومات من سحري، ولكن سحري لا يقتل غالباً، واتفق الهلاك منه، فهذا اعتراف منه بشبهة العمد، والدية لا تضرب على عاقلته، إلا أن يقروا بما أقر به. وإن زعم أنه أخطأ من اسم إلى اسم، فهذا اعتراف منه بالخطأ، والقول كما ذكرناه. والفرق بين القسمين التغليظ والتخفيف في الدية. هذا مذهب الأصحاب. وتبين مما ذكرناه أن لا سبيل إلى إثبات السحر القاتل ببينة؛ فإنه لا مُطلع عليه إلا من جهة الساحر، فلا يتلقى ثبوته إلا من إقرار الساحر. وهذا قانون المذهب. وحكى العراقيون عن أبي جعفر الإستراباذي (٣) قال: السحر تخييل لا أصل له،

стр. 8947

ولا يناط به قصاص، ولا غرم، وهذا غريب غير معدود من المذهب. ١٠٩٨٧ - والذي يجب إنعام النظر فيه الإصابة بالعين وقد توافت الحكايات فيها، حتى بلغت مبلغاً لا يقصر عن الخبر الذي ينقله المعتمدون، وصح أن الرسول ﵇ قال: " العين حق " (١) وبلغنا أن في الناس من يعتمد ذلك ولا يخطئ. ولست أرى له حكماً، بخلاف السحر؛ فإن العين إن أصابت، لم تلتحق بالأسباب التي تعد من أسباب الهلاك، وقد ذكرنا أن من صاح ببالغٍ عاقلٍ، فسقط من سطح، لم يلتزم ضماناً، وليس اتفاق هذا من المنكرات، ومن نظر وهو صائم إلى من تتوق نفسه إليه فأمنى، لم يفسد صومه، فهذا ما يجب القطع به. ١٠٩٨٨ - ثم قال الشافعي ﵁: " لو قال الساحر: أمرضه سحري، ولم يمت به، وإنما مات بسبب آخر "، قال الشافعي: " أقسم أولياؤه، وصار ما أقرّ به من المرض لوثاً في القتل " (٢)، وهذا مشكلُ يُحْوِج إلى البحث؛ فاللوث إنما يتعلق به إذا ثبت أصل القتل، هذا وجه.

стр. 8948

وقد يعترض عليه أن الذي مات وعلى بدنه أثر قد يمكن تقدير موته (١) حتف الأنف، ثم القسامة تثبت. والسؤال الذي يجب التدبر فيه أنا قدمنا في مسائل الجراح أن من جرح رجلاً ومات المجروح، ثم اختلف الجاني وولي الميت، فقال الجاني: مات بسبب آخر، وقال الولي: مات بالجراحة، فالتفصيل فيمن يصدق منهما مقرر في موضعه، ولم يجر فيه ذكر القسامة. فإن كان إقرار الساحر بترتّب المرض على سحره لوثاً في القتل، يسلِّط المدعي - وهو الولي- على الإقسام، فيجب مثله في الجرح، وادعاء سرايته لا محالة، فإن امتنع الإقسام في مسألة الجرح، فلا شك في امتناعه هاهنا. ١٠٩٨٩ - وينتظم من هذا المجموع نصّ وتخريج في أن الاعتراف بسبب القتل مع ادعاء وقوع الموت بسبب آخر هل يُثبت حقَّ القسامة للمدعي؟ النصُّ أنه يُثبت، وفي المسألة قول آخر مخرّج أنه لا يثبت حق القسامة. وهذه المسألة إنما تصفو إذا تجدد العهد بالصور المذكورة في اختلاف الجارح وَوَلي المجني عليه، والفصل بين أن يقصر (٣ الزمان، وبين أن يطول وإذا طال، فالفرق بين أن يبقى زَمِناً صاحب فراش (٢)، وبين ألا يكون كذلك، ثم في ٣) بعض الصور لجعل القول قول الولي، وعند ذلك يقوى جانبه، وإذا قوي جانبه حتى أوجب ذلك تحليفَه، فيقوى جداً أن يكون هذا قسامة؛ حتى تتعدّد الأيمان، ومن لم يجعله قسامة، فإن كانت اليمين في جانب مدعي الدم، ففائدته القطع بوجوب القصاص، وترديد الرأي في أن اليمين تتحد أم تتعدد، والظاهر أنه مظنة القسامة. ثم يؤول تحصيل هذا إلى أن اللوث إذا ثبت في أصل الجرح أو في أصل القتل من غير تصادق على سبب، فهذا موضع القسامة قطعاً، ويتحقق هذا بأن مثله لو وقع في مالٍ، لم يجر فيه البداية بالمدعي.

стр. 8949

وإذا صار السبب المفضي إلى الهلاك [متفقاً] (١) عليه، وأمكن تقدير سبب آخر، وهذا يتميز [بأن مثله] (٢) يفرض في المال، فإن من جرح بهيمة، واعترف بجرحها، وادعى أنها هلكت بسبب آخر، فقد يُصدَّق مالك البهيمة، والتفاصيل كلها كالتفاصيل في الآدمي المجني عليه، ولو كان هذا من صور القسامة، لما جرى في المال؛ فإذا ثبت مثل هذه الصورة في الدم (٣) اعترض فيه النص والتخريج، ثم على التخريج وهو القياس إذا حلف يحلف خمسين أم لا؟ فعلى الخلاف، وهذا يخرج في كل خصومة، والدليل عليه أنا حيث بدأنا بالمدعى عليه في الدم نذكر قولين في تعديد اليمين، وإن جرينا على قياس سائر الخصومات، وإذا كنا نجعل القول [قول] (٤) الجاني في بعض الصور، فهو مدعى عليه، وفي تعدد اليمين على المدعى عليه قولان. والذي يجب القطع به تنزيل الاعتراف بالإمراض بالسحر منزلة الاعتراف بالجرح. والله أعلم بالصواب. ...

стр. 8950

[كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات] (١) باب قتال أهل البغي قال الشافعي: " قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآية [الحجرات: ٩] (٢). ١٠٩٩٠ - هذه الآية تنبه على أحكام البغاة، وإن كان الكتاب في الخارجين على الإمام، ومضمون الآية في الطائفتين تبغي إحداهما على الأخرى، والإمام يرد الباغية منهما وليس بغيها على الإمام، وإذا كانت الباغية [طائفة تقاتل أخرى] (٣)، فالباغية على الإمام [أولى بذلك. ومقصود الكتاب بيان أحكام الله تعالى في فئة تفارق الجماعة، وتسل اليد عن ربقة الطاعة، وتبغي على الإمام الحق] (٤) ولا مطمع في ذكر أوصاف الأئمة وما تنعقد

стр. 8951

الإمامة به؛ فإن القول في هذا يتعلق بفنٍّ مقصود، والقدر الذي يجب الاكتفاء به ذكرُ الإمام العادل، والخروج عن طاعته الواجبة. ثم أول ما نصدر الكتاب به نقلُ ما ذكره الأصحاب في صفة البغاة، وقد نُحْوَج (١) في هذه التوطئة إلى الخروج عن ترتيب مسائل (السَّواد) حتى إذا انتظمت القاعدة، عدنا بعدها إلى الترتيب. وقد قال الفقهاء: البغاة هم الذين يستجمعون أوصافاً: إحداها - التمسك بتأويل مظنون يزعمون أنه حاملهم على الخروج على الإمام والانسلال عن متابعته، هذا لا بد منه. والثاني - أن يرجعوا إلى شوكة ومَنعة، فهذان معتبران. وقال معظم الأئمة في الطرق: يشترط أن ينصبوا إماماً بينهم، ويُسندوا إليه أحكامَهم، ويصدر عنه نصبُ القضاة والولاة، وذكر العراقيون هذا وحكَوْه عن بعض الأصحاب، ثم زيّفوه، وزعموا أنه لا يشترط أن ينتهى بَغْيُهم إلى نصب إمام. وذكروا وصفاً آخر فقالوا: من أوصاف البغاة ألا يكونوا في قبضة الإمام، ثم فسروا ذلك بألا يكونوا بمكان يحيط بهم جند الإمام من جوانبهم، والشرط أن يكونوا على طرفٍ لا يحيط به نَجْدة الإمام. هذا ما ذكروه. ١٠٩٩١ - ولا بد من تتبع ما ذكره الأصحاب: فأما النجدة، فقد اعتبرها الكافة، ولا احتفال بفئة باغية، لا شوكة لها، فإن فرض ذلك، فهم معرضون لعقابٍ يرّدهم إلى سمت الطاعة، ولا اطلاع على ما نحاول أو نُنجز الفصلَ؛ فإنا في ذكر أوصافٍ مرسلة. [ونحن نتعرض بعدُ للأحكام] (٢) التي يتميز بها البغاة عن غيرهم، وإذا أشبعنا القول في الأوصاف أتبعناها جملاً من أحكام البغاة، فإذ ذاك يتمهد أصل الكتاب. ثم الشوكة المرعيّة عُدّةٌ يفرض مقاومة الإمام بها، ومن أحاط بالسياسات، لم يخف [عليه] (٣) أنه إذا تجمع آلاف من أهل النجدة (٤)، فإن القتال والظفر والهزيمة فيه

стр. 8952

لا تجري مجرى سياقة رجلين في صراع أو غيره من وجوه التقاوم؛ فإن ذلك في الآحاد على قدر القوى [والجرأة] (١) والنصرة، وإذا التقى الجند، لم تكن النصرة والهزيمة على قياس تقاوم الآحاد، سيّما إذا اتفقت طائفة ضخمة ذات شوكة، واتحدت كلمتها، وصحت طاعتها لمتبوعها. هذا معنى الشوكة. ثم الذي يجب القطع به أن الشوكة لا يعقل ثبوتها إذا لم يَقْدُم القوم متبوعٌ مرجوع إليه؛ فإن رجال النجدة وإن كثروا، فلا شوكة لهم إذا كانوا لا يجتمعون على رأي، فهذا معنى الشوكة. ١٠٩٩٢ - وأما التأويل فينبغي أن يكون [محتملاً] (٢)، ثم تحقق [عندنا اضطراب المحققين من أهل الأصول] (٣) في أن ذلك التأويل يجب أن يكون مظنوناً لا يتطرّق إليه قطع (٤)، ويقع في مثله اختلاف الأصوليين في تصويب المجتهدين أم يجوز أن يكون بحيث نعلم (٥) بطلانه، ولكن وجه القطع مشتبه عليهم. فقال قائلون: إذا كان التأويل باطلاً قطعاً، فليسوا بغاة، وإن كان يتوصل القطع إلى بُطلانه فهم بغاة، وقال آخرون: يثبت لهم أحكام البغاة وإن كان ما استمسكوا به من التأويل باطلاً قطعاً. وهذا يلتفت الآن إلى مقام عظيم، فيما كان معاوية وأصحابُه مستمسكين به، مع إطلاق العلماء أقوالهم بأنهم بغاة، وهذا مخاض [لا نخوض] (٦)، ولسنا للتشاغل

стр. 8953

به. فإن قلنا: يشترط أن يكون التاويل مظنوناً لا يتطرق العلم إلى درك فساده وصحته، فيلزم لا محالة الحكم بأن ما تمسك به معاوية في [سلّ اليد] (١) عن الطاعة كانت إصابته مظنونة فيه. وإن جوزنا أن يكون التأويل باطلاً قطعاً، فيشترط أن يكون البغاة المتمسكون به على اعتقاد الصحة فيه، (٢ ولا يمتنع اجتماع فئةٍ ٢) كثيرة على معتقدٍ باطل. فلو تبين لنا أن أهل البغي عالمون ببطلان ما يظهرونه، فليسوا متمسكين بالتأويل. وأما ما ذكره العراقيون من اشتراط كون البغاة على طرفٍ (٣)، فلست أرى لذلك تحصيلاً، إلا أن يحمل على وَهاء الشوكة؛ فإن إحاطة الأجناد ببلدة البغاة قد توهي شوكتهم من حيث إنهم يؤتون من جوانبهم، ولو كانوا على طرفٍ، لم يتأتَّ هذا، فيؤول ذلك إلى اعتبار الشوكة، فهي المعتبرة إذاً. ١٠٩٩٣ - ولو بلغ عددهم مبلغاً كثيراً بحيث لا يبعد مقاومتهم أجناد البلاد من جوانبهم، فيجب الحكم بثبوت الشوكة وإبطال أثر الإحاطة. وينشأ من هذا المنتهى مسألة اضطرب فيها رأي الخائضين في أحكام الإمامة والبغاة، والخارجين على الأئمة، وهي أن طائفة لو بغَوْا، وكانو في عدد لا يقاومون به أجناد الإسلام الحالّين (٤) تحت راية الإمام، ولكنهم تقوَّوْا بمكانٍ حصين يعسر استنزالهم منه، فهل يثبت لهم حكم الشوكة على قلة عددهم، لاعتضادهم بحصونهم وصياصيهم؟ فقال قائلون: يثبت لهم حكم الشوكة لتصور استقلالهم بأنفسهم، ولا فرق بين أن يعتضدوا بكثرة في العدد وبين أن يستمسكوا بمكان، وقال آخرون: لا يثبت لهم حكم البغاة؛ نظراً إلى قلّتهم. والتحقيق فيه أنهم إذا قلّوا في أنفسهم لم يعظم خطر ما يتعطل فيهم من الأحكام،

стр. 8954

وإنما غرضنا بإثبات مرتبة البغاة تنفيذ الأحكام والأقضية، على ما سيأتي في أثناء الفصل، وإنما ينفذ ذلك منهم إذا عظم العدد، واستولَوْا على قُطر (١) كبير من الخِطة يحوي أمماً، فلو تعطلت أحكامهم، لعظم الضرر، وتفاقم الخطر على من لا يتصف بالبغي من الرعايا الواقعين في قبضة المستَوْلين. والأولى عندنا أن نفصّل القولَ في ذلك: [ونقول] (٢): إن تحصنوا بحصن على فوهة الطرق، وهم [يحوون ما وراءهم من القطر المتسع] (٣)، فالحصن نجدةٌ عظيمة نازلة منزلة العدد والقوة والعدة، والنظر إلى إثبات الضرار في جمع من المسلمين، وإذا وقع ما تحصنوا به ببلدة من البلاد، وكانوا لا يستولون على خِطة بسبب الحصن [فلا] (٤) يثبت لهم حكم البغاة، وسنذكر أحكام أمثالهم (٥) إن شاء الله تعالى، ولا خلاف أنه لو [تحزّب] (٦) من رجال القتال المرموقين (٧) عدد يسير، وكانوا [يقوون] (٨) بفضل القوة على مصادمة الجموع الكثيرة، فهم على عدة تامة. هذا قولنا في التأويل والشوكة. ١٠٩٩٤ - فأما اشتراط نصبهم إماماً فهذا فيه اضطراب عظيم لأرباب الأصول، وقد حكيت اختلاف الفقهاء فيه، ولا مطمع في إنهائه إلى الحدود التي ينتهي الكلام إليها في هذا الكتاب، ولكنا نذكر مقداراً يقع الاستقلال به: فأما من شرط أن ينصبوا إماماً، فمعتمده في ذلك أن الإمام إذا لم يكن، فتولية الولاة والقضاة لا مصدر لها؛

стр. 8955

فإن القاضي لا ينتصب بنصب الرعايا، وإنما إلى الناس نصب إمام، ثم تصدر (١) التفاصيل عن رأيه، فانعقاد الإمامة بطريق التبعية، ولا يتصور [تولية] (٢) قاضٍ ببيعة، وهذا [القائل] (٣) يلتزم أمراً تثور فيه نفوس الخائضين في الإمامة، وهو أن يدعي أن معاوية كان تصدّى للإمامة في زمن علي ﵁. وقد استفاض أنه ما باح بالتصدي لإمرة المؤمنين إلا بعد قتل علي ﵁. ومن قال: لا يشترط أن ينصبوا إماماً، احتج بأنهم ربما لا يَلْقَوْن بين أظهرهم من يستجمع شرائط الإمامة، فيؤدي اشتراط نصب الإمام إلى تعطيل حقوق المسلمين، ثم هذا القائل يحمل جميع أحكامهم وقضاياهم على ما تحال عليه الأحكام عند شغور الدهر عن الإمام، وفيه كلام طويل، فيجب الانكفاف عنه، والاكتفاء بهذا المقدار. هذا قولنا في طوائف البغاة، والمقصود بعدُ منهم لا يتبين إلا بأن نذكر مجامع أحكام البغاة، ثم يتبيّن مجاري تلك الأحكام عند اختلال الشرائط المرعية في البغاة، ثم نذكر بعد ذلك تفصيلَ الكلام فيمن يقاتلهم الإمام، ثم نبين الأسباب المثبتة للقتال. ١٠٩٩٥ - فأما جوامع القول في أحكام البغاة، فمنها أنه ينفذ قضاء قاضيهم إذا وافق الشرع، وإذا استوفَوْا حدوداً وأقاموها على مستحقيها بحقها، وقع الاعتداد بها، وإذا استوفَوْا الزكوات، وقعت موقعها، وكذلك إذا استوفَوْا الجِزَى (٤) والأَخْرجة، فالحكم ما ذكرناه، وكذلك استيفاء أخماس الغنائم، والفيء. أما الحدود، فلا تثنّى بعد إقامتها، والزكوات مصروفة إلى مستحقيها، فلا كلام فيها، والأموال المرْصدة للمصالح إذا صرفت إلى وجوهها بحقها، فهي واقعة موقعها، وأما المغانم والزكوات، فأربعة الأخماس منها للغانمين، لا تعلّق لها بالولاة، والخمس منها، ومن الفيء ينقسم القول في مصارفها، فما يصرف إلى مستحقين موصوفين في كتاب الله تعالى، فسبيله سبيل الزكوات، وأما ما يصرف إلى

стр. 8956

المرتزقة إذا فرقها والي البغاةِ على جنود أهل البغي، فقد اختلف العلماء فيه، وللفقهاء تحويمٌ على هذا التردد، فقال قائلون: لا تقع تلك الأموال موقعها؛ فإنا لو حكمنا بوقوعها الموقع، لكان ذلك إعانة على البغي، وتمهيداً للاستعداد لمخالفة الإمام. ومنهم من قال: إنها تقع الموقع؛ فإنهم جنود الإسلام، ولو ثارت طائفة من بلاد الكفر، لطاروا إليها، والرعب (١) منهم قائم في نفوس الكفار. وهذا في نهاية الاحتمال [وقرّب] (٢) بعضُ المحققين القول فيما يتلفونه (٣) على أنفسهم على ترتيب صرف المال إلى المرتزقة من القول فيما يتلفون على الإمام [وجنده] (٤) في الحروب، فإنا بإسقاط الغرم [عنهم] (٥) في حكم [من] (٦) يقرّرهم على ما هم فيه، ويخفف عنهم عناء المغارم. فهذه جمل من أحكامهم. ١٠٩٩٦ - ثم إنا نذكر بعد ذلك [بيان] (٧) ثبوت هذه الأحكام وانتفائها إذا اختل شرط من الشرائط المعتبرة، فنقول: إذا تمسك قوم بتأويل ولا نجدة لهم، فلا يثبت لهم القتال بالأمور التي ذكرناها أصلاً. نعم، لو كان منهم من يصلح لأن يحكم فحكّموه، فهذا مما اختلف القول فيه، وهو جارٍ في آحاد المسلمين الذين هم تحت الطاعة، والفقه فيه إذا لم يكن لهم نجدة، فالطاعة مستمرة عليهم، وما يبدونه إذا استخلَوْا بأنفسهم هذيان [يُعزَّرون] (٨) عليه. وغرضنا الآن أن نبين انتفاء الأحكام عنهم وسنذكر ما يتصل بهم من رأي الإمام. فأما إذا عظمت الشوكة، ولم يكن لهم تأويل أصلاً، فالذي أطلقه الفقهاء أنه

стр. 8957

لا تنفذ أحكامهم؛ فإن عماد البغي التأويل، وكأنهم إلى أن يُكشف الحق لهم معذورون [فيما] (١) أضمروه من التأويل، وليس هذا الطرف مضطرب (٢) الفقهاء، فإنا إذا فرضنا خلوّ ناحية عن نظر الإمام بسبب [استيلاء] (٣) أصحاب العُدَد، فلو عطلنا أحكامهم، لتفاقم الضرر، وهذا في القطر بمثابة ما لو خلا العصر عن صالحٍ للإمامة، وقد مهدنا أصول ذلك في المجموع الملقب (بالغياثي). فأما إذا لم ينصبوا إماماً، فقد أشرنا إلى ما فيه مقنع في هذا الطرف. فهذا بيان أحكام الذين لا يستجمعون الشرائط المعتبرة في أهل البغي. ١٠٩٩٧ - ثم نذكر بعد هذا تمهيد القول في الذين يقاتلهم الإمام من طوائف المسلمين، أما أهل البغي، فإنه يقاتلهم على تدريجٍ نَصفُه، فالوجه أن يبعث إليهم عاقلاً فطناً رقيقاً، ويقول لهم عن الإمام: ماذا ينقمون؟ فإن ذكروا مظلمةً ردّها، ولا يألوهم نصحاً، ويقول: عودوا إلى الطاعة، تكن كلمتكم وكلمة أهل الدين واحدة، فإن فاؤوا، فذاك، وإلا آذنهم بقتال، ولا يحل له أن يَبْغَتَهم به، لما سنصفه. وهذا الترتيب بيّن في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ [الحجرات: ٩] والمراد إن طلبت مزيداً بعد وضوح حجة الله، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، على ما سيأتي الشرح في دفع الصائل، في بابٍ، إن شاء الله، ومن آثار قتال الدفع (٤) الاقتصارُ على الأدنى (٥) فالأدنى، فإذا أمكن الدفع بالقول، فلا معدل عنه، وإذا أمكن الدفع باليد من غير شهر السلاح، فيجب الاقتصار على الأقل. وظاهر هذا قد يخيّل إلى المبتدي أنا لا نسير لهم، وليس كذلك؛ فإن الإمام إذا

стр. 8958

آذنهم بالحرب، سار إليهم، والسبب، فيه أنه يدفعهم عن (١) القطر الذي استولَوْا عليه. هذا وجهٌ ظاهر، فإن انكشفوا عنه -وكلمتهم واحدة بعدُ- اتبعهم بنفسه أو بجنوده، فإن قيل عن ماذا يدفعهم وقد انكشفوا؟ قلنا: الطاعة محتومة عليهم، وهم مطلوبون بها، وعليهم بذلُها للإمام، فإذا أبدَوْا صفحة الخلاف، كانوا منزَلين منزلة مانعٍ أمراً للإمام طلبه منهم، وإذا فرض الامتناع فيما هذا (٢) سبيله، فليس إلا أن يستسلموا أو يقاتلوا، وقد جعل الرب منتهى القتال مع الفئة الباغية الفيئة إلى الطاعة، فقد قال عز من قائل: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وسنعقد فصلاً مفرداً في كيفية مقاتلتهم، وإنما نحن الآن في عقد الجُمل وتوطئة الضوابط. ١٠٩٩٨ - والذي يقتضي الترتيب ذكرَه الآن القولُ فيما (٣) تتلفه الفئة العادلة في القتال على البغاة، وفيما تتلفه (٤) الفئة الباغية على أهل العدل، فنقول: لا خلاف أن ما يتلفونه على أهل العدل في غير حالة القتال، فهم ضامنون له مطالبون به بعد تقدير الفيئة والرجوع به إلى الطاعة؛ فإنهم ملتزمون للأحكام، وليسوا كأهل الحرب، وكذلك ما يتلفه أهل العدل في غير حالة القتال، فالسبيل فيه ما ذكرناه؛ فإن الطائفتين لا يرَوْن إتلاف الأموال (٥) في غير حالة القتال، وإنما تعتقد كل طائفة أنها محقة في القتال غيرُ ضامنة لما يُفضي إليه ترتيب المقاتلة، فإذ ذاك يظهر الوفاق والخلاف على ما سنفصله. فأما ما تتلفه إحدى الطائفتين على الأخرى في حالة القتال، فلا تضمن الفئة العادلة؛ فإنها مقاتلة بحق، وهل تضمن الفئة الباغية ما تتلفه على الفئة العادلة؟ فعلى قولين: أظهرهما - أنه لا ضمان عليهم، وهذا مذهب أبي حنيفة (٦)، وتعلق الشافعي

стр. 8959

بما روى ابنُ شهاب الزهري أنه قال: " كانت في تلك الفتنة دماءٌ يُعرف في بعضها القاتل والمقتول، وأتلفت فيها أموال، ثم سكنت الحرب، وجرى الحكم على الممتنعين، فما علمته اقتص من أحد، ولا غرّم أحداً ما أتلفه " (١). وهذا القول يتوجه بمصلحة كلية، وهو أن الفئة الباغية مدعوون إلى الطاعة رفقاً وعنفاً (٢)، والذي تقتضيه الإيالة تقديم الرفق وتأخير العنف، وهو ترتيب الدفع، وإذا جرت معارك واقتتال جنود، فلو (٣) علم الممتنعون أنهم مطالبون بالتبعات إذا فاؤوا واستسلموا، فقد يكون هذا داعيةً لهم إلى الاستمرار على العصيان (٤)؛ ولهذه الحكمة حُطت الطلبات عن أهل الحرب إذا أسلموا، وإذا كان جريان الكلام في الإيالات، فهذه الفنون أحرى بالتمسك [بها من] (٥) الأقيسة الجزئية، وبمثل هذا نفذنا (٦) أحكام البغاة حتى لا يعظم الضرار (٧). والقول الثاني - أنهم يضمنون ما يتلفون في حالة القتال؛ فإنهم ليسوا محقين في إقامة القتال وما أتلفوه [يوصف] (٨) بأنه متلَفٌ بغير حقّ، صَدَر إتلافُه من ملتزمِ الأحكامِ، والذي يُعارِضُ به هذا القائلُ ما قدمناه من الأمر الكلي: أن ما أتلفته الفئة الباغية [في] (٩) غير القتال في بَيَاتٍ وشن غارات من غير فرض قتال، فهم مطالبون به، وإن كان قد يؤدى هذا إلى ما ذكرناه في نصرة القول الأول. وهذا القائل يقول: إنما قبلنا شهاداتهم، لأن ردها يأتي [من] (١٠) ناحية تمكّن

стр. 8960

التهمة، والتهمة تأتي من ناحية ارتكاب محظور العقيدة (١). وأما تنفيذ قضاء قاضيهم، فليس فيه كبير متعلّق؛ فإنا في الرأي الأظهر قد نصحح التحكيم من الذين هم تحت الطاعة. والأصح القول الأول. ١٠٩٩٩ - ثم إن لم نوجب ضمان الأموال، فلا شك أنا لا نوجب القصاص لأنه أولى بالاندفاع. وهل نوجب الكفارة على الباغي بقتل من يقتله من أهل العدل؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يجب؛ طرداً للإهدار وقطْع التبعات، والوجه الثاني - أنها تجب؛ إذ هي أسرع وجوباً من القصاص والدية؛ ولذلك أوجبناها على القاتل بسهم الغرب، كما تفصّل في موضعه، وإن لم يلتزم قصاصاً ولا دية، فإن قلنا: يجب على البغاة الضمانُ فوجوب الكفارة ظاهر. وفي القَوَد وجهان: أحدهما - لا يجب لتعرضه للسقوط بالشبهات، وما تمسكوا به من التأويل شبهة. ثم إن أوجبنا القصاص وآل الأمر إلى المال، فالدية في مال القاتل. وإن لم نوجب القصاص لمكان التأويل، فلا شك في وجوب الدية على هذا القوله الذي نفرع عليه، والدية سبيلها سبيل دية العمد التي لا تتأجل وتتعلق بمال القاتل، أو سبيلها سبيل دية شبه العمد، حتى تتأجل وتضرب على العاقلة؟ هذا أصل مهّدته في كتاب الجراح والديات، وهو يناظر ما لو قتل الرجل إنساناً على زيّ (٢) الكفار رآه في دار الإسلام،

стр. 8961

ففي القصاص قولان، فإن لم نوجبه، ففي ضرب الدية على العاقلة قولان، فإن ضربنا عليهم، فلا شك في تأجيلها. والرأي الظاهر أنها مغلّظة كدية شبه العمد. ومن أصحابنما من ألحقه بالخطأ المحض. وهذا بعينه -يجري حيث انتهى التفريع إليه- في قتل [العادلِ الباغيَ] (١). ولا خلاف في أن ما حصل بأيديهم من أعيان أموال البغاة مردود عليهم. ومما يجب الاعتناء به أن أصل التردد في الضمان مختص (٢) بما يجري إتلافه بالقتال، حتى لو فرض إتلافٌ في القتال ليس من ضرورة القتال، فهو ملتحق بما يجري إتلافه قبل القتال. فهذا بيان جملة من مقاتلة أهل البغي وأحكام ما يجري حالة القتال من إتلافٍ وقتلٍ. ١١٠٠٠ - وقد ضمِنّا أن نذكر وجوه قتال الإمام مع طوائف المسلمين، فنذكر مقاتلة أبي بكر ﵁ مع أهل الردة بعد رسول الله ﷺ ، قال الشافعي: " أهل الردة بعد رسول الله ﷺ ضربان: قسمُ (٣) مانعي الزكلاة أهل ردّة، لا من جهة ارتدادهم عن الدين، ولكن من جهة ارتدادهم عن الطاعة " (٤) وتأسى في إطلاق لفظ الردة بما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت:

стр. 8962

" مات رسول الله ﷺ وارتدت العرب واشرأب النفاق ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات، لهاضها " (١) ولقد كان الذين سُموا أهلَ الردة قسمين: قسم كفروا بالله بعد إيمانهم، مثل طليحة، والعنسي، ومسيلمة، وأصحابهم، وقسم ارتدوا عما لزمهم من حق أداء الزكاة، والردة لفظة عربية، وأطلقها المتقدمون على مانعي الزكاة. ثم الذين منعوا الزكاة ما كانوا خارجين عن الإيمان، وقاتلهم أبو بكر، والمناظرة التي جرت بينه وبين عمر ﵄ مشهورة، إذ قال عمر: كيف تقاتل أقواماً يقولون: لا إله إلا الله، وقد قال رسول الله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم " فقال أبو بكر: " أليس قال رسول الله ﷺ : " إلا بحقها " والزكاة من حقها، والله لا أفرق بين ما جمع الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ والله لو منعوني عقالاً وفي بعض الروايات عَناقاً مما أدوا إلى رسول الله، لقاتلتهم عليه " (٢). ثم استدَّ أصحاب رسول الله ﷺ على رأي أبي بكر، وتبين أنه قاتلهم، وهم مؤمنون، وقال بعض من وقع في الأسر منهم: والله ما كفرنا بعد إيماننا، ولكن شححنا على أموالنا، وأشعارهم وأراجيزهم في هذه المعاني (٣). وكان يقول بعضهم: أدينا الزكاة إلى رسول الله ﷺ وكانت (٤) صلاته سكناً لنا، وليست صلاة غيره سكناً لنا.

стр. 8963

وترتب على هذا الأصل أن كل من امتنع عن أداء حقٍّ إلى الإمام استيفاؤه، فالإمام يستوفيه منه، وإن لم يكن فيه امتناع (١)، حبسه وأرهقه إلى أداء الحق. وإن تجمع قوم وامتنعوا عن أداء ما إلى الإمام استيفاؤه، فالحال يُفضي إلى دعائهم إلى الطاعة، فإن أصروا، فليس إلا القتال؛ إذ لا سبيل إلى تركهم على تمردهم وتفردهم وخروجهم عن الطاعة. وكذلك إذا توجهت تبعات وغرامات، ففُرض الامتناع. ١١٠٠١ - فالقول الضابط: أن من يمتنع عن بذل الطاعة فإن لم يكن ذا منعة، قهره السلطان وحَمَله على توفية ما عليه، فإن تجمعوا وصاروا أصحاب شوكة ومَنَعة، فلا سبيل إلى الترك. ولا طريق إلى تحصيل الطاعة إلا بالقتال، وإنما يُقاتَل أهل البغي لهذا؛ من حيث إنهم امتنعوا عن الانقياد، وأبدَوْا الاستقلال والاستبداد. ثم لو فرض: الامتناع من أقوام، وأفضى الأمر إلى القتال، نُظر: فإن لم يكونوا أصحاب امتناع، ولكنهم استجرؤوا، واستقتلوا بلا تأويل، أو تمسكوا بتأويل، فما أتلفوه في القتال مضمون عليهم، والقصاص (٢) واجب إذا [استدّت] (٣) الطاعة، فعلى من يقتل منهم القصاص، وهذا مقطوع به في قاعدة المذهب؛ قال الشافعي ﵁: قتل ابنُ ملجم عليّاً متأولاً، فاقتُص منه، وقيل: تأويله أن امرأةً ذكرت له- تسمّى قطام- أن علياً قتل طائفة من أقربائها، ووكّلته بالاقتصاص منه وبنى عبد الرحمن [ابنُ ملجم] (٤) على مذهب مشهورٍ لأهل المدينة في أن طلب القصاص لا يتوقف على رضا جميع الأولياء- هذا معنى تأويله. وإن كان في الفئة الممتنعة مَنَعة، فما يتلفونه في القتال، إن كان عن تأويل، فهم بغاة، وقد مضى التفصيل فيهم، وذكرنا أن الأصح أنا نكتفي بالتأويل والمنعة، ثم من

стр. 8964

ضرورة المنعة [اتباع] (١) مُقدّم، فأما نصب الإمام، فالرأي الظاهر عندنا أنه ليس من شرائط البغاة. وإن لم يكونوا متمسكين بتأويل به مبالاة، ولكن كانوا أصحاب شوكة، [ففيما] (٢) يتلفونه في القتال على أهل القتال طريقان: من أصحابنا من قطع بأنهم يضمنون، إذ لا تأويل معهم، ومن أجرى القولين، وهو ظاهر النص، فإن المعتمد من جهة المعنى في إسقاط الضمان عنهم تسهيلُ الأمر عليهم، وتيسيرُ طريق الدعوة (٣) بقطع التبعات، وهذا متحقق في أهل المنعة دون شرذمة لا منعة لهم. ١١٠٠٢ - وأجرى الشافعي ﵀ ترديد القول في أهل الردة إذا اجتمعوا واستمسكوا بعُدة، فأتلفوا في القتال ما أتلفوا، فإذا أسلموا واستكانوا، ففي تضمينهم ما أتلفوه قولان. ثم قال قائلون: هم أولى بنفي الضمان عنهم لمضاهاتهم أهل الحرب، وهذا وإن ذكره طوائف من الأئمة غيرُ مرضيّ؛ فإن المرتد في التزام الأحكام كالمسلم، ولم يوجد منهم إلا المنعة، ولو صح التعويل على ما ذكرناه، لوجب أن يقال: ما يتلفونه في غير حالة القتال لا يضمنونه كأهل الحرب، وليس الأمر كذلك، فلا خلاف أنهم يضمنون ما يتلفون في غير حالة القتال، فالوجه تلقي هذا من عُدّة أهل الردة، لا من كفرهم. ثم ينقدح طريقان: أحدهما - القطع بأنهم يضمنونه. [والثانية - إجراء القولين، ومانعوا الزكاة لم يكونوا على تأويل، ولا حاصل لما نقل عن بعضهم] (٤) أنه لا سكن في صلاة أبي بكر؛ فإن أخْذ الزكاة لا يعتمد سكون قلب المؤدِّي إلى صلاة الآخذ. ١١٠٠٣ - ونحن الآن ننظم قولاً وجيزاً، فنقول: القتالُ يتبع (٥) الامتناعَ عن الطاعة.

стр. 8965

وتنفيذُ القضاء، والأحكامِ التي قدمنا ذكرها يتبع الشوكةَ والتأويلَ. وإجراءُ الخلاف في ضمان ما يُتلَف في حالة القتل يتبع الشوكة المحضة، فإذا لم تكن شوكة، قطعنا بالضمان مع التأويل، وعليه استشهدنا بقتل ابن ملجم علياً. ومن أبدى من آحاد الناس طعناً في الإمام، عُزِّر على قدر سوء أدبه، وإن شبب بذلك ولم يَبُح، فهل يعزّر؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: للإمام أن يعزره إذا أدى اجتهاده إليه، حسماً للمادة وردّاً لأوائل الأمور، والدليل عليه أنه يحرم عليه أن يشبب، وإذا حرم عليه، ساغ منعه (١). ومن أصحابنا من قال: لا يعزره ما لم يصرح، واستدل بما روي " أن رجلاً قال وعليٌّ في الصلاة: لا حكم إلا لله ولرسوله " (٢) وشبب بإسقاط طاعة عليّ ﵁، فلما تحلل عن صلاته، قال: " كلمة حق أريد بها باطل " ولم يعزره. وأما الخوارج إذا أظهروا آراءهم، وأكفروا الإمام وأتباعَه، فإن لم يكن لهم منعة، فالكلام فيهم، وفي أهل الأهواء ليس بالهيّن، وهو من أعظم [أركان] (٣) الإيالة الكبيرة، ولعلنا نجمع فيها قولاً، وإن نابذوا الإمام، فقد اختلف أصحابنا فيهم: فمنهم من جعلهم كأهل الردة، ومعناه أنا لا نقيم لما استمسكوا به من عقدهم وزناً، ولا نقول: إنهم متعلقون بتأويل حتى تَنفُذَ أحكامُهم، كما تنفُذ أحكامُ البغاة، وهذا هو الأصح. ومنهم من جعل ما تعلقوا به بمثابة تأويل البغاة، وهذا ساقطٌ لا أصل له؛ فإن فساد عقدهم كفساد عقود أهل الردة، وإن كنا لا نكفرهم على الرأي الظاهر. وقد انتجز ما أردنا أن نصدّر الكتاب به من التوطئة وتمهيد الأصول.
следующие страницы →