ففي القصاص قولان، فإن لم نوجبه، ففي ضرب الدية على العاقلة قولان، فإن ضربنا عليهم، فلا شك في تأجيلها.
والرأي الظاهر أنها مغلّظة كدية شبه العمد. ومن أصحابنما من ألحقه بالخطأ المحض.
وهذا بعينه -يجري حيث انتهى التفريع إليه- في قتل [العادلِ الباغيَ] (١).
ولا خلاف في أن ما حصل بأيديهم من أعيان أموال البغاة مردود عليهم.
ومما يجب الاعتناء به أن أصل التردد في الضمان مختص (٢) بما يجري إتلافه بالقتال، حتى لو فرض إتلافٌ في القتال ليس من ضرورة القتال، فهو ملتحق بما يجري إتلافه قبل القتال.
فهذا بيان جملة من مقاتلة أهل البغي وأحكام ما يجري حالة القتال من إتلافٍ وقتلٍ.
١١٠٠٠ - وقد ضمِنّا أن نذكر وجوه قتال الإمام مع طوائف المسلمين، فنذكر مقاتلة أبي بكر ﵁ مع أهل الردة بعد رسول الله ﷺ ، قال الشافعي: " أهل الردة بعد رسول الله ﷺ ضربان: قسمُ (٣) مانعي الزكلاة أهل ردّة، لا من جهة ارتدادهم عن الدين، ولكن من جهة ارتدادهم عن الطاعة " (٤) وتأسى في إطلاق لفظ الردة بما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت:
стр. 8962
" مات رسول الله ﷺ وارتدت العرب واشرأب النفاق ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات، لهاضها " (١)
ولقد كان الذين سُموا أهلَ الردة قسمين: قسم كفروا بالله بعد إيمانهم، مثل طليحة، والعنسي، ومسيلمة، وأصحابهم، وقسم ارتدوا عما لزمهم من حق أداء الزكاة، والردة لفظة عربية، وأطلقها المتقدمون على مانعي الزكاة. ثم الذين منعوا الزكاة ما كانوا خارجين عن الإيمان، وقاتلهم أبو بكر، والمناظرة التي جرت بينه وبين عمر ﵄ مشهورة، إذ قال عمر: كيف تقاتل أقواماً يقولون: لا إله إلا الله، وقد قال رسول الله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم " فقال أبو بكر: " أليس قال رسول الله ﷺ : " إلا بحقها " والزكاة من حقها، والله لا أفرق بين ما جمع الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ والله لو منعوني عقالاً وفي بعض الروايات عَناقاً مما أدوا إلى رسول الله، لقاتلتهم عليه " (٢).
ثم استدَّ أصحاب رسول الله ﷺ على رأي أبي بكر، وتبين أنه قاتلهم، وهم مؤمنون، وقال بعض من وقع في الأسر منهم: والله ما كفرنا بعد إيماننا، ولكن شححنا على أموالنا، وأشعارهم وأراجيزهم في هذه المعاني (٣).
وكان يقول بعضهم: أدينا الزكاة إلى رسول الله ﷺ وكانت (٤) صلاته سكناً لنا، وليست صلاة غيره سكناً لنا.
стр. 8963
وترتب على هذا الأصل أن كل من امتنع عن أداء حقٍّ إلى الإمام استيفاؤه، فالإمام يستوفيه منه، وإن لم يكن فيه امتناع (١)، حبسه وأرهقه إلى أداء الحق. وإن تجمع قوم وامتنعوا عن أداء ما إلى الإمام استيفاؤه، فالحال يُفضي إلى دعائهم إلى الطاعة، فإن أصروا، فليس إلا القتال؛ إذ لا سبيل إلى تركهم على تمردهم وتفردهم وخروجهم عن الطاعة.
وكذلك إذا توجهت تبعات وغرامات، ففُرض الامتناع.
١١٠٠١ - فالقول الضابط: أن من يمتنع عن بذل الطاعة فإن لم يكن ذا منعة، قهره السلطان وحَمَله على توفية ما عليه، فإن تجمعوا وصاروا أصحاب شوكة ومَنَعة، فلا سبيل إلى الترك. ولا طريق إلى تحصيل الطاعة إلا بالقتال، وإنما يُقاتَل أهل البغي لهذا؛ من حيث إنهم امتنعوا عن الانقياد، وأبدَوْا الاستقلال والاستبداد.
ثم لو فرض: الامتناع من أقوام، وأفضى الأمر إلى القتال، نُظر: فإن لم يكونوا أصحاب امتناع، ولكنهم استجرؤوا، واستقتلوا بلا تأويل، أو تمسكوا بتأويل، فما أتلفوه في القتال مضمون عليهم، والقصاص (٢) واجب إذا [استدّت] (٣) الطاعة، فعلى من يقتل منهم القصاص، وهذا مقطوع به في قاعدة المذهب؛ قال الشافعي ﵁: قتل ابنُ ملجم عليّاً متأولاً، فاقتُص منه، وقيل: تأويله أن امرأةً ذكرت له- تسمّى قطام- أن علياً قتل طائفة من أقربائها، ووكّلته بالاقتصاص منه وبنى عبد الرحمن [ابنُ ملجم] (٤) على مذهب مشهورٍ لأهل المدينة في أن طلب القصاص
لا يتوقف على رضا جميع الأولياء- هذا معنى تأويله.
وإن كان في الفئة الممتنعة مَنَعة، فما يتلفونه في القتال، إن كان عن تأويل، فهم بغاة، وقد مضى التفصيل فيهم، وذكرنا أن الأصح أنا نكتفي بالتأويل والمنعة، ثم من
стр. 8964
ضرورة المنعة [اتباع] (١) مُقدّم، فأما نصب الإمام، فالرأي الظاهر عندنا أنه ليس من شرائط البغاة.
وإن لم يكونوا متمسكين بتأويل به مبالاة، ولكن كانوا أصحاب شوكة، [ففيما] (٢) يتلفونه في القتال على أهل القتال طريقان: من أصحابنا من قطع بأنهم يضمنون، إذ لا تأويل معهم، ومن أجرى القولين، وهو ظاهر النص، فإن المعتمد من جهة المعنى في إسقاط الضمان عنهم تسهيلُ الأمر عليهم، وتيسيرُ طريق الدعوة (٣) بقطع التبعات، وهذا متحقق في أهل المنعة دون شرذمة لا منعة لهم.
١١٠٠٢ - وأجرى الشافعي ﵀ ترديد القول في أهل الردة إذا اجتمعوا واستمسكوا بعُدة، فأتلفوا في القتال ما أتلفوا، فإذا أسلموا واستكانوا، ففي تضمينهم ما أتلفوه قولان.
ثم قال قائلون: هم أولى بنفي الضمان عنهم لمضاهاتهم أهل الحرب، وهذا وإن ذكره طوائف من الأئمة غيرُ مرضيّ؛ فإن المرتد في التزام الأحكام كالمسلم، ولم يوجد منهم إلا المنعة، ولو صح التعويل على ما ذكرناه، لوجب أن يقال: ما يتلفونه في غير حالة القتال لا يضمنونه كأهل الحرب، وليس الأمر كذلك، فلا خلاف أنهم يضمنون ما يتلفون في غير حالة القتال، فالوجه تلقي هذا من عُدّة أهل الردة، لا من كفرهم.
ثم ينقدح طريقان: أحدهما - القطع بأنهم يضمنونه. [والثانية - إجراء القولين، ومانعوا الزكاة لم يكونوا على تأويل، ولا حاصل لما نقل عن بعضهم] (٤) أنه لا سكن في صلاة أبي بكر؛ فإن أخْذ الزكاة لا يعتمد سكون قلب المؤدِّي إلى صلاة الآخذ.
١١٠٠٣ - ونحن الآن ننظم قولاً وجيزاً، فنقول: القتالُ يتبع (٥) الامتناعَ عن الطاعة.
стр. 8965
وتنفيذُ القضاء، والأحكامِ التي قدمنا ذكرها يتبع الشوكةَ والتأويلَ.
وإجراءُ الخلاف في ضمان ما يُتلَف في حالة القتل يتبع الشوكة المحضة، فإذا لم تكن شوكة، قطعنا بالضمان مع التأويل، وعليه استشهدنا بقتل ابن ملجم علياً.
ومن أبدى من آحاد الناس طعناً في الإمام، عُزِّر على قدر سوء أدبه، وإن شبب بذلك ولم يَبُح، فهل يعزّر؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: للإمام أن يعزره إذا أدى اجتهاده إليه، حسماً للمادة وردّاً لأوائل الأمور، والدليل عليه أنه يحرم عليه أن يشبب، وإذا حرم عليه، ساغ منعه (١).
ومن أصحابنا من قال: لا يعزره ما لم يصرح، واستدل بما روي " أن رجلاً قال وعليٌّ في الصلاة: لا حكم إلا لله ولرسوله " (٢) وشبب بإسقاط طاعة عليّ ﵁، فلما تحلل عن صلاته، قال: " كلمة حق أريد بها باطل " ولم يعزره.
وأما الخوارج إذا أظهروا آراءهم، وأكفروا الإمام وأتباعَه، فإن لم يكن لهم منعة، فالكلام فيهم، وفي أهل الأهواء ليس بالهيّن، وهو من أعظم [أركان] (٣) الإيالة الكبيرة، ولعلنا نجمع فيها قولاً، وإن نابذوا الإمام، فقد اختلف أصحابنا فيهم: فمنهم من جعلهم كأهل الردة، ومعناه أنا لا نقيم لما استمسكوا به من عقدهم وزناً، ولا نقول: إنهم متعلقون بتأويل حتى تَنفُذَ أحكامُهم، كما تنفُذ أحكامُ البغاة، وهذا هو الأصح.
ومنهم من جعل ما تعلقوا به بمثابة تأويل البغاة، وهذا ساقطٌ لا أصل له؛ فإن فساد عقدهم كفساد عقود أهل الردة، وإن كنا لا نكفرهم على الرأي الظاهر.
وقد انتجز ما أردنا أن نصدّر الكتاب به من التوطئة وتمهيد الأصول.
стр. 8966
١١٠٠٤ - ثم إنا نعود إلى ترتيب (السواد) (١) قال الشافعي ﵁ في فصل المرتدين: " وسار إليهم أبو بكر بنفسه حتى لقي أخا بني بدر الفزاري، فقاتله ومعه عمر، وعامة أصحاب رسول الله ﷺ " (٢)
وإنما أراد عيينةَ بنَ حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، واختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: كان هو من جملة الموافقين لأبي بكر، ولما سار أبو بكر يريد قتال أهل الردة، التقى به، فقال له: أنت إمام المسلمين، فإن صدرت (٣) فلا إمام بعدك، فارجع أنت لنقاتلهم دونك، فمن قال [بهذا قرأ (٤): فقاتل ومعه عمر: أي قاتلهم عيينة مع عمر، ومنهم من قال: كان عيينة من المخالفين المانعين الزكاة، ومن قال بهذا، قرأ: فقاتله ومعه عمر: أي قاتل أبو بكر عيينة ومعه عمر (٥)] (٦).
فصل
قال الشافعي: " والفيئة الرجوع عن القتال ... إلى آخره " (٧).
١١٠٠٥ - وهذا مما قدمناه، فالقتال مع الفئة الباغية مردود إلى رجوعهم إلى أمر الله، واستمساكهم بالطاعة، والغرض من عقد هذا الفصل الكلامُ في كيفية
стр. 8967
مقاتلتهم، وقد تمهد أن قتالهم مبنيٌّ على الدفع.
ومن آثار هذا الأصل أن من انهزم منهم، لم يتبع، ومن أثخن بالجراح، لم يذفّف عليه، وقال أبو حنيفة (١): يتبع مدبرهم ويذفف جريحهم وقد قال رسول الله ﷺ لابن مسعود يوماً: " يا ابن أم عبد! أتدري ما حكم الله تعالى فيمن [بغى من] (٢) هذه الأمة؟ فقال: الله ورسوله أعلم. فقال ﵇: ألا يتبع مدبرهم ولا يذفف على جريحهم ولا يقتل أسيرهم " (٣). ودخل حسين بن علي على مروان فقال له ما رأيتُ أكرم من أبيك: [ما ولَّينا] (٤) ظهورنا يوم الجمل حتى نادى مناديه: " ألا لا يتبع مدبر، ولا يذفّف على جريح ".
ومعتمد المذهب أن القتال للامتناع، ولا امتناع في منهزم، ولم يصدر منه ما يوجب القتل، ولذلك لا امتناع في مثخن.
ولو انهزم البغاة في ظاهر الأمر، وقصدُهم التحرّف للقتال، فإن القتال قائم، وحكمه دائم، وإن قصدوا التحيّز إلى فئة، فهذا مما يجب إنعام النظر فيه: فنقول: ما قدمناه من أنه لا يتبع منهزم أردنا به الأفراد إذا تبدّدوا مفلولين، فأما إذا ولّى الجند تحت الراية، وما انفلّوا، ولكنهم ولّوْا ظهورهم، فلا ينكف الإمام عنهم، [ولكن لا ينكأ فيهم] (٥) بالسلاح، بل يطلبهم إلى أن يؤوبوا إلى الطاعة، والواحد إذا انفلّ، فقد سقطت منعته وشوكته، واعتضاده بالجمع، وكذلك [لو تشتّتوا] (٦) بدداً،
стр. 8968
وارفضّ (١) الجمع حتى لا يتوقع اجتماعهم، فلا يتبعهم.
فانتظم مما ذكرناه أن التعويل على ردّهم إلى الطاعة، أو فلّ شوكتهم وإبطال عُدتهم.
ولو ولّوْا متحيزين إلى فئة، فإن كانت قريبةً منهم، اتبعناهم، وإن كانوا أفراداً وأسرناهم، فلا يتعرض لهم بالأسلحة، كما ذكرناه، وإذا كنا نتبعهم وهم متحيزون إلى فئة قريبة، فلأن نتبعهم وهم مجتمعون تحت رايةٍ أولى، فإنا جعلنا تفرقهم في الانهزام وصوبُهم فئة يتحيزون إليها بمثابة استمرارهم على القتال.
ولو بعدت الفئة التي إليها التحيز، فقد ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنهم يتبعون (٢ كما لو قربت الفئة، والثاني - لا يتبعون ٢)، والوجهان يجريان فيه إذا تفرقوا مفلولين. وإذا كانت الصورة كذلك، فلا يكادون يلتامون (٣) إذا بعد المُعَرِّي (٤).
١١٠٠٦ - ونحن من هذا المنتهى نذكر كيفية المقاتلة، فقد يظن من لا يطلب حقائق الأشياء أنا نصطف في مقابلتهم، فإذا قصدونا، ندفعهم، وقد رأيتُ هذا لطائفة من المعتبرين، وهذا زلل منهم، لم أذكره لبعده من المذهب، وذلك أنا وإن أطلقنا أن قتالهم دفعٌ، فالمراد دفعهم عن العصيان، والاستعدادُ له؛ فإذا رأيناهم مُعدِّين، سرنا إليهم (٥ وزحفنا إليهم، ومن ضرورة هذا مفاجأتهم.
ومما يتصل به أنا لو اصطففنا حتى يلْقَوْناْ)، فقد يُفضي [هذا] (٦) إلى أن
стр. 8969
يتغشَّوْنا، [وقد ذكرنا أن القتال ليس على] (١) صورة قتال رجل ودفعه، وربما يكون تارك البداية معرِّضاً نفسه [للهلاك] (٢)، وإليه أشار عليّ ﵁ إذ قال: " حدِّدوا سيوفكم، وقاربوا بين الخطى، ولاحظوا شذراً، وعليكم بالرواق والمقيت " (٣).
والذي يجب مراعاته أنه إن أمكن الأسر، فلا قتل، وإن أمكن الاقتصار على الإثخان، فلا تذفيف، وهذا الفن من التدريج تجب مراعاته، وإذا التحمت الفئتان، فلا ضبط، وهذا المعنى يتحقق في تساوي الصائل والمصول عليه، فما الظن بالتحام فئتين عظيمتين.
وخرج مما ذكرناه أن المنهزم ينقسم إلى من يُتبع وإلى من لا يُتبع، وهم مستوون [في] (٤) أنهم لا يقصدون بالأسلحة، وترتيبُ القتال على ما بيّناه.
فإن قيل: [كيف قتل عليّ أهل النهروان؟] (٥) قلنا: " كانوا خوارج نابذوه وانسلّوا عن طاعته وتوثبوا على [واليه] (٦)، وقتلوه، فبعث إليهم أن يسلموا قاتله، فقالوا: كلنا قتلة، فبعث إليهم، فقال استسلموا، نحكم عليكم، [فأبَوْا] (٧)، فسار إليهم بنفسه، وقتل أكثرهم " (٨) قيل: لم يفلت منهم أكثر من اثنين، وبلغ القتلى أربعة آلاف وقتل ذا الثُّدَيَّة، وصدق الله وعد رسوله ﷺ ، إذ قال في القصّة المشهورة: " سيخرج من ضِئْضِئ هذا الرّجل (٩) أقوام ...
стр. 8970
الحديث " (١) إلى أن قال: " وأنت قاتلهم يا عليّ وآياتهم أن فيهم رجلاً ذا ثُدَيّة عليها شعيرات تتدَرْدر (٢) فلما [صُرع القتلى] (٣) أمر عليّ بطلبه، فطلبوه، فلم يجدوه، فنزل عليّ بنفسه، وكان يفتش القتلى، فوجد ذا الثديّة على طرف وادٍ، فكبّر وكبّر المسلمون معه ".
١١٠٠٧ - ومما يتصل بذلك أن طائفة إذا خرجوا عن طاعة الإمام وقتلوا [واليه] (٤) فالقاتل مقتول، والذي ذهب إليه الجماهير أنه يقتل قصاصاً، وذكر العراقيون وجهاً أنه يقتل حدّاً، لأنه لم يجن على رجل واحدٍ، بل خرق حجاب الهيبة، ومقامه هذا فوق مقام من يقتل في المحاربة.
وتمام البيان في هذا أن من قاتل الوالي، ولم يقصد استبداداً بالنفس ورجوعاً إلى [عُدَّة] (٥) المخالفة، فسبيل مثله سبيل القصاص، وإن انضم إلى ذلك الخروج عن الطاعة والرجوع إلى استعداد المخالفة، ففيه الخلاف، والأصح القطع بأن القتل الواجب قصاصٌ.
стр. 8971
فصل
في أَسْر البغاة
١١٠٠٨ - إذا أسرنا منهم أسيراً، لم نقتله صبراً، خلافاً لأبي حنيفة (١)، ولكنه يحبس حتى تضع الحرب أوزارها، فإن بايع الإمامَ خُلِّي، وإن أصر على غُلَوائه، فرجعت الفئة الباغية إلى الطاعة، خلّينا سبيل هذا الأسير؛ فإنه لا يتأتى منه الاستقلال بالمخالفة بعد تفرق كلمة الفئة الباغية، ولو أسرنا منهم أسيراً، فانجلى ذلك القتال، وما زالت شوكتهم، وكنا على اتباعهم، وعلى انتظار الكرّة منهم، فلا يُخلَّى الأسير والحالة هذه.
ولو ظفرنا بنسائهم، لم نتعرض لهن بالأسر، وإن وقعن في ضبط (٢) الجند، خلّينا سبيلهن، هذا هو المذهب الظاهر.
وذهب أبو إسحاق المروزي فيما نقله العراقيون إلى أنّا نحبسهن؛ فإن في حبسهن كسر قلوبهم، وحملهم على الطاعة.
ولو انهزم البغاة متحيزين إلى فئة، فإن كانت كلمتهم واحدة، وكان مسيرهم تحت الراية الجامعة، فقد ذكرنا أنا لا نخلّي الأسرى، وإن تحيّزوا إلى فئة قريبة، فكذلك، وإن تفللوا أفراداً وتحيزوا إلى فئة بعيدة، ففي وجوب تخلية الأسرى وجهان، وذكر العراقيون وجهاً عن بعض الأصحاب أنه مهما انقضى القتال خُلِّي الأسرى من غير فرق، وهذا بعيدٌ، لا أصل له، ولا بد من التفصيل الذي ذكرناه.
ولو وقعت بأيدينا أموال، لم تكن من قِبَل الأسلحة، فهي مردودة عليهم، وإن ظفرنا بخيلهم وسلاحهم، لم نردها حتى ينقضي القتال، كما ذكرناه في تخلية الأسرى، والعبيدُ من أقوى العُدد، فسبيلهم كسبيل الأسرى والأسلحة.
والمراهقون إن كانوا يقاتلوننا، فسبيلهم كسبيل العبيد، وإذا لم يبلغ الصبيان مبلغ
стр. 8972
القتال، فهم ملتحقون بالنسوان، وقد سبق القول فيهن، ولا يطلب من الصبيان بيعةٌ؛ إذ لا قول لهم، وليس على النسوان بيعة إلا بيعة الإسلام.
فصل
قال: " ولو استعان أهل البغي بأهل الحرب ... إلى آخره " (١).
١١٠٠٩ - مضمون الفصل مسألتان: إحداهما- استعانة أهل البغي على أهل العدل بأهل الحرب، واستعانتهم بأهل الذمة على أهل العدل.
فأما إذا استعانوا بأهل الحرب علينا، فلا أمان لأهل الحرب في حقوقنا؛ فإنا وإن كنا ننفذ أحكام البغاة، فشرط تنفيذها أن تكون موافقة لموجب الشرع والدين، ولا أمان مع القتال، فيستحيل أن ينفُذ أمانهم علينا.
ثم ما يتلفه أهل الحرب لا تضمين به؛ لأنهم في حقوقنا أهل حرب، ثم قال الأئمة المراوزة: يُتبع منهزمهم يعني أهل الحرب، ويذفّف على جريحهم، وتُغنم أموالهم، وحكي عن القاضي أنه قال: لا يتبع مدبرُهم ولا يذفّف على جريحهم، لأنهم صاروا من أهل البغي بالأمان، فيثبت لهم حكمُ أهل البغي، وهو عندنا زلل ولا يثبت لأهل الحرب في حقوق أهل العدل أمان، ولا عُلْقة أمان، وهم بمثابتهم لو انفردوا بمقاتلة المسلمين.
واشتهر اختلاف الأصحاب في أنه هل ينعقد لهم أمان في حق أهل البغي: فمنهم من قال: ينعقد لهم الأمان؛ فإنهم أمّنوهم، ومنهم من قال: لا ينعقد الأمان على الصحة في حقوق البغاة أيضاً؟ فإنه معقود على الفساد، والأمان لا يتبعّض، ثم إن صحّحنا الأمان لهم، فلا كلام، وإن لم نصحّحه، فليس للبغاة أن يغتالوهم؛ فإن ما جرى منهم أمان فاسد، والأمان الفاسد يمنع الاغتيال لهم، فهم مردودون إلى مأمنهم.
ولو قال أهل الحرب -وقد وقعوا في الأسر-: ظننّا أنه يحل لنا مقاتلتكم والاستعانةُ
стр. 8973
بنا، وهؤلاء حسبنا أنهم الفئة المحقة، وقالوا: ظننا أنهم استعانوا بنا في مقاتلة الكفار، وما حسبناكم مسلمين، فهذا موضع الخلاف المشهور: قال قائلون من أئمتنا: نصدّقهم إذا احتمل ما قالوه، ونعاملهم معاملة البغاة، فنقتلهم مقبلين ولا نقتلهم مدبرين، ونُبلغهم المأمن، وهذا هو الظاهر.
ومن أصحابنا من قال: نقتلهم حيث ثقفناهم، ومجرد ظنون الكفار لا يؤمّنهم، وقد ذكرنا أنه لا أمان على أهل العدل.
هذا كلامنا (١) في استعانة أهل البغاة بالكفار الحربيين.
١١٠١٠ - فأما إذا استعانوا بجماعة من أهل الذمة، فإن قالوا: قد علمنا حقيقة الحال، ولم نرد بالقتال إلا أن ننال منكم [ونستأصلَ] (٢) شأفتكم، فينتقض العهد بهذا، ويُقتلون مدبرين ومقبلين، وتُغنم أموالهم، ولا يُبْلَغون المأمن، ولا يضمّنون ما أصابوا؛ فإنهم أهل حربٍ.
وإن قالوا: ظننا أنه يحل لنا مقاتلتكم، وذكروا حالةً يمكن صدقهم فيها، فللأصحاب في هذا تردد: أولاً - قالوا: إن ادّعَوْا أنهم كانوا مكرهين على حضور المعركة، فلا نحكم بانتقاض عهدهم، ونقاتلهم مقاتلةَ البغاة: مقبلين غير مدبرين، وإن لم يدَّعوا الإكراه، وزعموا أنا اتبعنا هذه الفئة على علم، ولم نخرج عن متابعة المسلمين كلهم، فحاصل ما ذكره الأئمة في ذلك يستدعي تقديم أصولٍ.
وهذا فصل ألحقه معظم الأصحاب بالظواهر، وفيه تشعيث (٣) وغوص في أعماق الفقه، لا يتأتى الانتهاء إليه من غير تمهيد أصول، وتفصيل فصول، [فنقول] (٤): الكلام فيما يوجب نقض عهود أهل الذمة يأتي مستقصىً في كتاب الجزية، إن شاء الله تعالى، ونحن نذكر من ذلك المقدارَ الذي تَمَس إليه حاجتنا في بيان ما يختص بهذا الكتاب:
стр. 8974
فما يصدر منهم ينقسم أولاً (١) قسمين: أحدهما - أن يؤثروا الالتحاقَ بدار الحرب، ونبذَ العهد إلينا، فلهم ذلك ولا نجبرهم على الوفاء بالذمة، هذا متفق عليه، وكان من الممكن من طريق المعنى أن نقول: الذمة إذا انعقدت فكما يلزمنا إدامتها لهم واستدامتها عليهم، فيلزمهم الوفاء بها، حتى إن حاوبوا نقضها، لم يُمكَّنوا، ولكن اتفق الأئمة على أنه لا مُعتَرض عليهم إذا نبذوا العهود، وسنذكر شرّ ذلك في الجزية، إن شاء الله .
ثم من أثر رفع الحجر عنهم ألا نغتالَهم، ولا نتعرضَ لأموالهم وذراريهم، ونبلغهَم في حكم الأمان مأمنهم، فإذا انتهَوْا إلى مكانٍ يقطنه ذوو نجدة من الكفار فتنقطع آثار الأمان حينئذ. هذا قسم.
١١٠١١ - والقسم الثاني - ألا ينقضوا العهود، ولكن يأتوا بأمرٍ يخالف العهد، وهذا ينقسم قسمين:
أحدهما - أن يخرجوا عن الطاعة، ويُبدوا صفحة الخلاف، وذلك بأن يمتنعوا عن إجراء الأحكام عليهم، ونهايتُهم في هذا أن يجتمعوا وينصبوا علينا قتالاً، ويلتحق بهذا القسم امتناعُهم عن أداء الجزية، وليس هذا من غرضنا الآن.
والطرف الذي هو مقصودنا من هذا القسم خروجُهم عن المؤالفة والاستسلام لما يجري عليهم من الأحكام، والمشاقّةُ نهايتها أن يبدوا القتال، فلا خلاف أن هذا ينقض العهد.
والقسم الثاني - جنايات عظيمة تصدر منهم متعلقةً بأهل الإسلام، كالزنا بالمسلمة، أو قتل مسلم، أو جرحه، ففي انتقاض عهدهم بصدور هذه أوجه، وغرضنا أن نذكر ما يضبطها، فإذا أتَوْا بجرائم عظيمة، ولما ينتهوا بسببها إلى سلّ اليد عن ربقة الطاعة، ولم يُبدوا امتناعاً عن إجراء الأحكام عليهم، [فهذا محل] (٢) التردد في انتقاض العهد، وما لا يبلغ هذا المبلغ من سوء أدب، وإظهار خمر، وتظاهر
стр. 8975
بإبداء شعار، فلا ينتقض العهد به على تفاصيلَ ستأتي، إن شاء الله.
فإن كان انتقاض العهد بالجهاد والخروج عن الطاعة، ونصب القتال، فالمذهب الذي عليه التعويل أنا نقاتلهم على أماكنهم، ونغنم أموالهم ونقتلهم، ولا نبلغهم مأمناً، ولا خلاف أنهم إذا استشعروا ظلال السيوف، ووقعَ الحتوف، [فطلبوا] (١) ذمةً مبتدأة، عقدناها لهم، وسنعطف على هذا القسم.
١١٠١٢ - ولو انتقض عهدهم بسبب لا يمكن نسبتهم فيه إلى قصد الهتك والتهجم على حريم الإسلام، كما سنصفه من بعدُ، إن شاء الله ولكنهم على الجملة أوصلوا أذى إلى المسلمين عن جهل؛ فإذا نفذ الحكم بانتقاض الذمة، فهل نغتالهم أو نبلغهم مأمنهم؟ فعلى قولين سيأتي ذكرهما في الجزية إن شاء الله.
ولو انتقض عهدهم -على مذهبٍ - بسببِ عظائمَ صدرت منهم في آحاد المسلمين، فلا خلاف أن موجب تلك القضية يجري عليهم، حتى إن قَتلوا، اقتصصنا منهم، وإن أتلفوا، غرّمناهم.
وكان لا يبعد من طريق القياس أن يقال: إذا حكمنا بانتقاض عهدهم، صاروا حرباً لنا، ولا حُكم على الحربي وقد حصل نقض العهد مع موجِب القصاص، ولكن أجمع الأصحاب على استيفاء حقوق المسلمين منهم، ولو لم نسلك هذا المسلك، وفرعنا على المذهب الذي انتهينا إليه، للزم ألا يستوجب ذمي قصاصاً بقتل مسلم، فإذاً إجراء الموجبات والقضايا في الجرائم من أحكام الذمة السابقة، وإن كان لا يبعد أن نبلغهم المأمن -وقد نبذوا العهد- لآثار الأمان السابق، وإجراء الأحكام -وإن انتقض العهد- من بقاء الذمة السابقة، وهذا مما يلزم، فلا سبيل إلى دفعه. نعم، لو نبذوا العهد وأظهروا الخلاف ونصبوا القتال، فصاروا (٢) حرباً لنا، ثم قتلوا، فلا قصاص حينئذ ولكن نتبعهم ونقتلهم حيث نثقفهم.
стр. 8976
ثم إذا حصل انتقاض العهد، [بهذه] (١) الأمور الخاصة، فهل [نغتالهم] (٢) أو نبلغهم المأمن؟ فعلى قولين مرتبين على القولين فيه إذا انتقض عهدهم بسبب أبدَوْا فيه جهلهم عذراً كما سنصفه إن شاء الله، وهذه الصورة أولى بألا يُبلغوا فيها المأمن لما ارتكبوه من الجرائم، وإن كانت في وقائع خاصة.
فانتظم من ذلك أنهم لو نبذوا (٣) إلينا العهد من غير أذى، فنقطع بتبليغهم مأمنهم، ولو نقضوا العهد وآذنوا بقتالٍ وأمرٍ (٤) يشعر بالخروج عن الطاعة الكلية، فالمذهب أنا لا نبلغهم مأمنهم ونغتالهم وأموالهم. وأبعد بعض أصحابنا فذكر هاهنا قولاً أنا نبلغهم إذا انكفوا عن الأذى، وهذا [أخذوه] (٥) من أنهم لو طلبوا الذمة (٦) نجيب إليها.
وإن حكمنا بانتقاض عهدهم بسبب أظهروا فيه عذراً ممكناً، ففي تبليغهم مأمنهم قولان، (٧ وإن نقضنا عهدهم لجرائمَ خاصة فأحكام تلك الجرائم مجراة عليهم في حقوق المسلمين، وفي تبليغهم مأمنهم قولان ٧). هذه مقدمات مست الحاجة إليها.
١١٠١٣ - ونحن نعود بعدها إلى استعانة البغاة بأهل الذمة في مقاتلة أهل العدل، ولا بد من ذكر الأقسام وباستيعابها يحصل استيفاء الأحكام، فنقول: إن كانوا مكرهين، فالذمة لا تزول، ولكنا نقاتلهم مقاتلةَ البغاة، وينقدح في هذا القسم غامضةٌ لا يتأتى شرحها الآن.
وإن قالوا: علمنا بأن الذين استعانوا بنا بغاة، وما كنا مكرهين، فلا شك أنه ينتقض عهدهم لِما أظهروا من القتال على علم من غير عذر.
стр. 8977
وإن قالوا: ظننا أن الفئة المستعينة بنا هي العادلة، وقدّرنا أنهم المحقون -ومن الممكن أن يخطر ذلك لهم؛ فإن الفئة العظيمة من بغاة المسلمين على هذا العقد- فهل ينتقض عهدهم وهم على جهلهم؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه ينتقض بصورة القتال، وهذا هو الذي وعدنا أن نذكره؛ إذ أجرينا في المقدمات إمكانَ انتقاض العهد مع التمسك بعذر، وكذلك لو قالوا: ظننا أنهم استنجدوا بنا على الكفار، وما حسبناكم مسلمين -وأمكن صدقهم- ففي انتقاض عهدهم قولان: فإن قلنا: ينتقض العهد لصورة القتال، فلو كان الإمام شرط عليهم ألا يقاتلوه، فإذا قاتلوه عن جهلٍ، فهل ينتقض عهدهم؟ فعلى وجهين: أحدهما - ينتقض؛ لأن العهد كان مشروطاً بشرط؛ فلا يبقى مع تخلف الشرط. والثاني - لا ينتقض؛ فإنّ شرطَ الانكفاف عن القتل محمول على الإقدام عليه عمداً على علم.
ولو قالوا: ظننا أن المسلمين إذا تفرقوا واستعان بنا فئة منهم على فئة، فعلينا أن نذب عن الناحية التي نحن قاطنوها، ولم نعتقدهم (١) مبطلين، فهذا الاحتمال أبعدُ؛ فإن في النفوس التمييزَ بين المحق والمبطل.
وإن [كان فئة]، (٢) لا يقاتلون، وإنما يقاتل البعض دون البعض، فإذا ذكروا مثل هذا، فالأوجه انتقاض العهد، وأجرى بعض أصحابنا القولين في الانتقاض على التفصيل الذي ذكرناه.
١١٠١٤ - ونعود الآن إلى أوائل الكلام، فنقول: إن انتقض عهدهم على علم من غير عذر، فلا خلاف أنا نقتلهم مقبلين ومدبرين، وقد ذكرنا أن القول (٣) الذي عليه التفريع أن هؤلاء يُبلغون المأمن، ثم ما أتلفوا بعد إظهار القتال لا يضمنونه، لأنهم أهل حربٍ، وقد انتقض عهدهم قبل صدور الإتلاف منهم، وإن حكمنا بانتقاض العهد في صور الجهل -حيث يقيمون عذراً- فقد ذكرنا قولين في أنهم هل يُبلغون المأمن؟
стр. 8978
فإن قلنا: لا يبلغون المأمن على أحد القولين، فنقتلهم مقبلين ومدبرين، ونذفِّف على جرحاهم، فإنه يُفعل ذلك بهم بعد انقضاء القتال.
وإن قلنا: نبلغهم مأمنهم، فهل نقتلهم منهزمين؟ اختلف أصحابنا في المسألة؛ فمنهم من قال: لا نقتلهم منهزمين، كما لو انقضى القتال، والتفريع على أنا لا نغتالهم، ومن انهزم، فقد ترك القتال، ومن أصحابنا من قال: نقتلهم منهزمين، ونذفّف؛ فإن هذا من بقايا القتال، وكأنه عقوبة لهم في مقاتلتهم، وقد ذكرنا أن العقوبات تقام عليهم، وما أتلفوه في القتال -والتفريع على أنهم يبلغون المأمن- فهل يضمنونه؟ الظاهر عندنا أنهم يضمنونه؛ فإنهم في بقية من الأمان؛ ولهذا نبلغهم مأمنهم؛ ويستحيل أن نلتزم أمانهم، ولا نلزمهم ما يتلفون، فيخرج من ذلك أنهم ما صاروا أهل حرب على الإطلاق، وقد نرى في بعض المجموعات أنا إذا حكمنا بانتقاض عهدهم لا يضمنون ما يتلفون، وهذا لا يعد من المذهب، ويحمل على هفوة صادرة عن قلة الفكر.
وإن قلنا: إن عهود أهل الذمة لا تنتقض في صورة الجهل، فهم على ذمتهم إذا انقضى القتال، والكلام في أنهم هل يلتزمون ما يتلفون في حالة القتال؟ قال الأئمة ﵃: يلزمهم ضمان ما يتلفونه حالة القتال ولا يخرج فيهم القولان المذكوران في أهل البغي، فإنا حططنا الغرم عنهم في قولٍ؛ استعطافاً لقلوبهم؛ وقَطْعاً للتبعات الثقيلة التي تمنع من الرجوع إلى الطاعة، وهذا المعنى لا يتحقق فيهم، وبالجملة ليسوا من المؤمنين، والله أمرنا بالإصلاح بين المؤمنين، ولم يذكر تَباعةً بدمٍ ولا مال، فيختص هذا التخفيف بهم، ولكنا لا نقتلهم مدبرين؛ فإنا نفرّع على أن ذمتهم باقية، والذمة حاقنة للدم، فسبيلهم في القتل كسبيل أهل البغي لا نتبع مدبرهم ولا نذفف على جريحهم، ولكنا نضمّنهم ما يتلفون.
ثم إن أوجبنا القصاص على أهل البغي، ففي إيجابه على أهل الذمة -والتفريع على أن ذمتهم غير منتقضة- وجهان: أحدهما -[أنا نوجب القصاص عليهم، كما قطعنا بإيجاب الغرم فيما أتلفوه. والثاني - أنه لا يجب القصاص عليهم لمكان الشبهة المقترنة بأحوالهم.
стр. 8979
فهذا نجاز الفصل في أحكام أهل الذمة] (١) إذا أعانوا البغاة على أهل العدل.
وقد انتهى بانتهاء هذا الفصل مقصود الكتاب، ونقل المزني فصولاً سهلة المُدرك قريبة المأخذ نجمعها في فصل واحد.
فصل
قال الشافعي ﵀: " ولو أتى واحد منهم تائباً، لم يقتص منه ... إلى آخره" (٢).
١١٠١٥ - هذا عَطَفه على أهل الذمة، وأراد المسلمين من أهل البغي، والدليل عليه أنه علّل فقال: " لأنه مسلم محرم الدم "، ثم ذكر سؤالاً وناظر به مناظرةً، وليس فيه أمر يتعلق بمقصودنا، وذكر طرفاً من الكلام في كيفية دفع الواحد يصول على الإنسان في نفسه أو ماله، هذا يأتي في باب الصيال، إن شاء الله.
١١٠١٦ - ثم قال: " لا ينبغي أن يستعين الإمام على أهل البغي بمن يرى قتلهم مدبرين " (٣) -كأصحاب أبي حنيفة (٤) ومن يوافق مذهبه مذهبهم-.
إذا كان الإمام يرى رأينا ويذهب إلى ما نذهب إليه، فلا ينبغي أن يستعين بمن يخالفه في كيفية مقاتلة أهل البغي، فإنهم لا يتحاشَوْن إذا احمرّ البأس أن يتجرؤوا على ما يستحلون، وكذلك لا يستعين الإمام بالكفار عليهم، لأنهم يستحلون قتلهم على الوجوه كلها، ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] ولهذا لا يجوز للإمام أن يتخذ جلاّداً مشركاً لإقامة الحدود على المسلمين.
وأما الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين، فهي جائزة على الجملة، وفي تفصيلها كلام سيأتي في السِّيَر، إن شاء الله.
стр. 8980
ثم قال ﵁: " لا يُرمَوْن بالمنجنيق ولا بالنار ... إلى آخره " (١)
١١٠١٧ - منع الشافعي مقاتلتهم بالأسباب العظيمة الفاحشة (٢) التي تصطلمهم، وتأتي عليهم من غير بُقيا، وإنما يجوز نصب المنجنيق وما في معناه والمقاتلة بالنيران مع الكفار؛ فإنا نستحل قتل الكفار جرياً على موجب قوله عز من قائل: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] والمقاتلة مع أهل البغي ينبغي أن تكون مع الإبقاء عليهم.
وهذا مما يجب التنبه له، فإنا ذكرنا فيما تقدم أنا إذا اصطففنا في مقاتلتهم، لم يكن القتال على حد دفع صائل على مصول عليه، حتى لا نبدأ بهم، وإن بدؤوا بنا، اقتصرنا على حد الدفع، هذا مما لا يمكن، ولو فرضنا افتتاح ذلك، كان استقتالاً، وتعرّضاً للهلاك، ولكن للقتال مع محاولة الاستيلاء والإبقاء عليهم مبلغاً يُنْتَهى إليه، ويوقف، فلا يزاد عليه. ولقصد الاستئصال والاصطلام حد يعرفه أهله، فرأى الشافعي ﵁ نصبَ المنجنيق وإرسالَ السيل على معسكرهم يبعد أن يقاتلوا به، وإضرامُ النيران فيهم من قصد الاصطلام.
فإذن ليتخيل الفقيه مراتب: إحداها - الاصطلام، وهو مع الكفار، [والأخرى -] (٣) الاقتصار قدر الحاجة في الدفع، وترك الابتداء (٤)، هذا بين الصائل والمصول عليه، كما سيأتي، إن شاء الله. والآخر - القتال مع أهل البغي، وفيه الإبقاء، وفيه (٥) قصد كسر شوكتهم لردهم إلى الطاعة، ولو ابتدؤوا فنصبوا علينا مثل ذلك، قاتلناهم، ولو أحاطوا بنا وعلمنا أنهم يقعون بنا إن لم ندفعهم، فندفعهم، فإنا نبيح هذا في دفع الصائل الواحد إذا كان لا يندفع إلا به.
стр. 8981
ومما يتعلق بهذا أنهم لو تحصنوا ببلدة مسوّرة (١) وكان لا يتأتى الاستيلاء عليها إلا بالأسباب التي ذكرناها، فنقول: إن كان في البلدة رعايا والأسباب التي [ذكرناها] (٢) تأتي عليهم، فلا نستحل إقامةَ الأسباب المصطلمة.
وإن لم يكن في البلدة إلا المقاتلة، فإن تمكن الإمام من هدم السور، فليفعل، وإن (٣) كان لا يتأتى ذلك -وهم يدافعون على السور- إلا بأن يقتلوا بأسباب [تنافي] (٤) المعنى الذي ذكرناه من الإبقاء، فالذي أراه أنه لا يجوز قتلهم بهذه الأسباب العظيمة، كالإحراق ونصب المنجنيق، وفتح السيول الجارفة؛ فإن الإمام إنما ينظر للمسلمين فيما يفعل، وتركُ بلدة في أيدي طائفة من المسلمين -وقد يستمكن من حيل في محاصرتهم، والتضييق عليهم- أقربُ إلى الإصلاح العام من اصطلام أمم.
فإن قيل: كان عليّ ﵁ يقاتل البغاة مقاتلة من يصطلم، فلا يُبقي، وقيل: إنه قتل ليلة الهرير بنفسه ألفاً وخمسمائة. قلنا: كان البغاة على حد من الجد في القتال لو لم [يقابلوا] (٥) بما كان يفعله علي ﵁ لاصطُلم وأتباعه، ولهذا قال الشافعي ﵁: ومعاوية جاد في القتال منتصفاً أو مستعلياً.
١١٠١٨ - ثم ذكر الشافعي ﵁ تنفيذ أقضيتهم، وقد قدمنا هذا، والقولُ الجامع فيه أن ما وافق من قضائهم إجماعاً، أو مذهباً مجتهداً فيه مظنوناً، فهو منفّذ غيرُ مردود.
والذي نزيده تفصيلُ القول في كتب قُضاتهم، والذي يعتمد في ذلك أنهم إذا أبرموا قضاء، وكتبوا إلى قاضينا باستيفاء ما ثبت عندهم، فإنا نقبل الكتاب، ونعمل بموجَبه على وفق الشرع.
وإن سمع قاضيهم بينةً وكتب إلينا يلتمس تنفيذ الحكم بها، ففي قبول كتابهم على
стр. 8982
هذا الوجه قولان: أحدهما - أن قاضينا يقبل، ويحكم على حسب ما يعمله القاضي من أهل العدل إذا كتب إليه قاضٍ من أهل قضاة بلاد أهل العدل، وهذا هو القياس؛ فإنا إذا (١) نفّذنا أقضيتهم، فلا معنى بعد ذلك [للتلوّم] (٢) والتردد (٣) والامتناع في التفاصيل.
والذي يوضح ذلك أن الكتب إنما ترد في الذين يتصلون بديارنا، فإذا كنا ننفّذ أقضيتهم حتى لا تتعطل أحكام الرعايا في ديار البغاة، فلو رددنا كتب قضاتهم، لتعطلت أحكام المتصلين بنا.
والقول الثاني - أنا لا نقبل كتب قضاتهم إذا لم يكونوا قد أبرموا الأحكام، فإنا لو قبلناها، لكنا معهم متعاونين، وليس لأهل العدل أن يعاونوا أهل البغي فيما يقيم مناصب قضاتهم وولاتهم، والأقيس الأول.
وذهب بعض أصحابنا إلى طرد القولين فيما أبرموه واستعانوا فيه بالاستيفاء، وهذا ذكره شيخنا وصاحب التقريب
[وكنت أودّ] (٤) لو فصل فاصلون بين الأحكام التي تتعلق بالبغاة وأصحاب النجدة والامتناع، وبين ما يتعلق بالرعايا.
١١٠١٩ - ثم ذكر الشافعي أن شهادة أهل البغي مقبولة، فإنهم يعتقدون بتأويل، كما تقدم ذكره، واستثنى الخطّابية، ولا تعلق لهذا بأحكام البغاة، والخطابية يرون الكذب كفراً، ويعتقدون أن من أخبرهم من أهل دينهم باستحقاق شيء، فلهم أن يشهدوا له جزماً، والقول في ذلك يأتي في كتاب الشهادات، إن شاء الله، وفيه نتكلم في أهل البدع والأهواء.
١١٠٢٠ - ثم قال الشافعي: " وإن قُتل باغ في المعترك غُسّل وصُلِّي عليه " والأمر
стр. 8983
على ما ذَكر، أنا إذا ظفرنا بقتيل من البغاة، غسلناه وصلينا عليه ودفناه، ولا نُثبت له رتبة الشهادة. وأبو حنيفة (١) لا يرى غسلَهم والصلاةَ عليهم؛ تغليظاً عليهم، وأما القتيل من أهل العدل، ففيه قولان: أحدهما - أنه تثبت له مرتبة الشهادة كقتيل المشركين. والثاني - لا تثبت له مرتبة الشهادة المسقطة للغسل والصلاة. وقد ذكرنا [هذا] (٢) في كتاب الجنائز عند ذكرنا الشهداء ومراتبهم.
١١٠٢١ - ثم قال: " يكره لأهل العدل أن يتعمدوا قتل ذوي الأرحام " والأمر على ما ذكر، فحقّ على الإنسان أن يجتنب قتل ذوي الأرحام ما وجد إليه سبيلاً، ولا فرق بين أن يكونوا من المحارم، أو لا يكونوا منهم، ونحن نكره ذلك في الكفار، فلا نرى للمسلم أن يختار قتل من هو من ذوي أرحامه، " وقد نهى رسول الله ﷺ أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه عتبة، ونهى أبا بكر عن قتل ابنه يوم أحد " (٣).
وما ذكرناه كراهية متأكدة. قال رسول الله ﷺ : " يقول الله تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته " (٤)، وروي أنه ﵇ كان يقول يوم دخل المدينة على بعير: " يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام. فسمع عبد الله بن سلام ذلك فأسلم، وقال: هو نبي حق " (٥).
стр. 8984
فإن قيل: خصصتم تغليظ الدية بقتل ذي الرحم المحرم، وهاهنا علقتم الكراهية بقتل ذي الرحم؟ قلنا: ما قدمناه في التغليظ تفصيل المذهب، ثم ذلك أمرٌ محتوم مخالف للقياس، اتبعنا فيه آثاراً، وهذا بيان كراهية في [التوقي] (١)، ربطناه بالأخبار الواردة في صلة الأرحام. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]
ثم ذكر التوارث بين من يقتل من إحدى الفئتين قتيلاً من الفئة الأخرى، وقد استقصينا هذا في الفرائض فلا نعيده.
ثم ذكر فصولاً تتعلق بالأمان، وهذا يأتي في كتاب السير على أبلغ وجه، إن شاء الله عزوجل.
...
стр. 8985
باب حكم المرتد
قال الشافعي ﵁: " من ارتد عن الإسلام إلى أي كفر كان ... إلى آخره " (١).
١١٠٢٢ - [كلمة] (٢) الردة إذا صدرت ممن ليس بمكلَّف كالصبيان والمجانين، فلا حكم لها، وسبيلها كسبيل صدور الإسلام منهم على ما تقدم ذكرهم (٣) في كتاب اللقيط.
فأما المكلف من المسلمين إذا صدرت منه الردة، أُجبر على الإسلام بالسيف، فإن امتنع، ضربت رقبته، ولا فرق بين الرجل والمرأة، والحر والعبد. وخلاف أبي حنيفة (٤) في ردة المرأة مشهور.
١١٠٢٣ - والسكران إذا ارتد، فردته مُجراة على قياس أقواله في العقود والحلول، وقد ذكرنا طرق الأصحاب فيها.
والحاصل المتعلق بغرضنا قولان على طريقة مشهورة: أحدهما - أن ردته كردة الصاحي. والثاني - أن ردته ملغاة. والقولان جاريان في جميع أقواله.
ومن أصحابنا من رأى التغليظ [عليه] (٥)، وخصص القولين بما لا يتعلق بالتشديد والتغليظ، فعلى هذا تثبت الردة منه إذا تلفظ بكلمة الردة، ثم الصحيح إجراء القولين
стр. 8986
في عوده إلى الإسلام. ومن أصحابنا من قال: لا يصح منه ما لَه، ويصح منه ما عليه، فلم يصحّح إسلامه وصحّح ردته.
ثم قال الشافعي ﵀: إذا حكمنا بردته، فينبغي ألا نقتله (١) حتى يُفيق، ونعرض الإسلام عليه، فعساه يرجع، فلو تاب ورجع في السكر، فإن قلنا: لا تصح توبته، فوجودها كعدمها. وإن قلنا: تصح توبته، فلو أفاق، عرضنا عليه التوبةَ مرة أخرى حتى يأتي بها على ذُكر وخُبْر وبصيرة.
فلو ابتدره إنسان وقتله؛ فقد ذكر بعض الأصحاب خلافاً في أنه هل يضمنه كما يضمن به المسلم إذا قتله؟ فالذي ذهب إليه المحققون: أنه يضمنه؛ فإنه قتله بعد التوبة المحكوم بصحتها، وذكر بعض الأصحاب قولاً في إهداره، وزعم أنه مأخوذ من مسألة، وهي إذا حكمنا بإسلام مولود، وكان علوقه على الكفر، ولكن أسلم أحد الأبوين أو كلاهما، فإذا بلغ فقتله إنسان قبل أن يعرب عن نفسه بالإسلام، ففي وجوب الضمان، خلاف ذكرناه في كتاب اللقيط، ووجه التقريب عند هذا القائل أن الإسلام الحاصل بالتبعية إسلام حُكميّ، وكذلك الإسلام الحاصل في السكران إسلام
حُكميّ، لم يصدر عن ثَبَتٍ في الاعتقاد.
وهذا ليس بشيء. فإنا إذا صححنا إسلامه، [فهو متأصل في الإسلام ليس تابعاً لأحد، فإن قيل: لم يصدر إسلامه] (٢) عن عقد ثابت، قيل: كذلك صدرت الردة منه في سكره، فلا فرق بينها وبين التوبة عنها، وإن ذكر هذا القائلُ [هذا القولَ] (٣) البعيد فيه إذا كان قد ارتد صاحياً، ثم سكر وأسلم، فقد يتضح الكلام هاهنا بعض الاتضاح، ولكن لا معول عليه مع حكم الفقيه بتصحيح الإسلام من السكران، وتنزيل أقواله وأفعاله منزلة أقوال الصاحي وأفعاله، ولسنا نفرع على هذا القول الضعيف؛ فإنه لا مستند له من القوانين.
стр. 8987
وقد نجز الكلام فيمن تثبت الردة بقوله (١).
١١٠٢٤ - ولا حاجة إلى تفصيل القول فيما يكون ردة من الأقوال، وإنما يغمض الكلام في تكفير المتأولين من أهل البدع، وليس ذلك من فن الفقه.
ونحن نقول بعد هذا: الأفعال إذا دلت على الكفر، كانت كالأقوال، وذلك إذا رأينا من كنا نعرفه مسلماً في بيت الأصنام وهو يتواضع لها تواضع العبادة، فهذه عبادة (٢) كفر. وقد يُجري الأصوليون الأفعالَ المتضمنة استهانةً عظيمة مجرى عبادة الأصنام، كطرح المصحف في الأماكن القذرة، وما في معناه. والقول في ذلك يطول، وهو من صناعة الأصول.
وفي بعض التعاليق عن الأمام شيخي: أن الفعل المجرد لا يكون كفراً، وهذا زلل من المعلِّق، أوردته للتنبيه على الغلط فيه (٣).
١١٠٢٥ - وسبيلنا بعد ذلك أن نتكلم في التوبة على (٤) الردة، فنقول: أولاً التوبة مقبولة عن كل كفرٍ، وتقبل توبة الزنديق، ومن كان يُظهر مذهب الباطنية، وإن كان يبوح بوجوب التقيّة، وما يظهره من التوبة يمكن تنزيله على قاعدة التقية، ولكن
стр. 8988
مذهب الشافعي أن توبة الزنادقة والباطنية مقبولة، ولا يبقى بعد الحكم بإسلام الكفار تحت السيف لمفصِّل رأيٌ في التفصيل، مع أن الظاهر القريب من اليقين أن الكفار لم يحدثوا اعتقاد الحق، [إذ يغشاهم] (١) المسلمون.
وكذلك من ارتد إلى دين اليهود أو النصارى، ثم عصبناه لنضرب رقبته، فتاب، فتوبته مقبولة، والظاهر أنه جاء بها لِما استشعره من الخوف، وقد روي أن أسامة أشرف على جمع من الكفار في العُدّة التامة، فأسلم واحد منهم لما سلّ السيف عليه، فقتله أسامة؛ فاشتد نكير رسول الله ﷺ على أسامة؛ فقال: إنما قاله فرقاً مني، فقال رسول الله ﷺ : " هلا شققت عن قلبه؟ " (٢).
وقال مالك (٣): توبة الزنديق مردودة، وأضاف الأصحاب هذا إلى الأستاذ أبي إسحاق ﵄، والصحيح عندنا من مذهبه: أن الزنديق إن حُمل على التوبة، فتوبته مردودة. وإن رأيناه في استخلائه يظهر تخضُّعاً للإسلام وتعظيماً له وتندماً عما كان تقدم منه من انتحال (٤) الزندقة، وتبين بقرائن الأحوال، والأمر كذلك أنه لا غرض له، إلا الرجوع إلى المسلك الحق، فالتوبة مقبولة على هذا الوجه إذا اطلعنا عليه منه.
وهذا التفصيل حسن؛ فإنه لو رُدّ رجوع الزنديق من كل وجه، فلا يبقى له طريق إلى الرجوع. وليس يمتنع أن يظهر الحقُّ لزنديق، كما لا يمتنع أن يتزندق مسلم.
ومذهب الشافعي قبول توبة الزنديق وإن كان مجبراً عليها اعتباراً بتوبة كل مرتد، فلو ارتد المسلم، ثم عاد، ثم ارتد مرة أخرى؛ فمذهب الشافعي وأصحابه قبول
стр. 8989
توبته، وإن تكرر ذلك منه، ولا ضبط في أعداد المرات.
وحكى العراقيون عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: إنما تقبل التوبة في الكرة الأولى، فإذا ارتد مرة أخرى، لم تقبل توبته أصلاً. وهذا من هفواته الفاحشة، ولا مبالاة بها.
١١٠٢٦ - ونحن نذكر بعد ذلك استتابةَ المرتد، والتفصيلَ فيها. فنقول: الوجه مراجعتُه وعرضُ التوبة عليه، وهل نمهله ثلاثة أيام لعله يتوب؟ فعلى قولين: أحدهما - أنا لا نمهله، وهو مذهب المزني؛ فإنه محمول بالسيف على الإسلام، وإسلامه يناقض هذا المعنى، ولا حياة في لحظة في الإصرار على الردة. والقول الثاني - أنا نمهله ثلاثة أيام، وهو فيها محبوس، ولا نمنعه الشراب والطعام.
ومعتمد هذا القول مذهب عمر ﵁، روي أن رجلاً قدم عليه من الشام، فقال له: هل من مَغْرَبَةِ خبرٍ؟ (١) فقال: لا، إلا إن نصرانياً أسلم، ثم ارتد، فقتله أبو موسى الأشعري. فرفع عمر يديه نحو السماء، فقال: " اللهم إني أبرأ إليك مما فعل أبو موسى، هلا حبستموه (٢) في بيت ثلاثاً تلقون إليه كل يوم رغيفاً، لعله يتوب "؟ (٣)، ووجهه من جهة المعنى أنا نرجو عوده إلى الإسلام، وهو أقرب إلى الصلاح من ابتدار قتله.
ثم التقييد بالثلاث مأخوذ من قول عمر، ثم هي مدة ثابت بها خيار الشرط، ومال إلى التأقيت بها أقوال في مسائل: كإمهال تارك الصلاة، وكالفسخ بسبب العتق تحت
стр. 8990
الزوج المملوك، ونفي المولود، وإمهال المُولي إذا امتنع من الفيئة والطلاق، وإمهال المعسر بالنفقة. هذه المسائل يجرى فيها قول في الإمهال ثلاثاً.
١١٠٢٧ - فإذا تبين أصل القولين؛ فقد اختلف أصحابنا في تنزيلهما، ونحن نذكر ترتيباً يجمع مسالك الأصحاب، فنقول: القولان في وجوب الاستتابة، فإن أوجبناها، فلا كلام، وإن لم نوجبها، فهل نستحبها، أم لا يجوز الإمهال أصلاً؟ فعلى وجهين. وعلى الأقوال كلها لو ابتدر مبتدر وضرب رقبة المرتد، فهو هدر، وإن أنّبنا (١) المبتدر. كذلك لو قتله قاتل قبل الاستتابة. وإذا لم نر الإمهال، ففي وجوب الاستتابة تردد عندنا.
ولو حُق قتله على الطرق كلها (٢)، فقال: اعترضت لي شبهة فأزيلوها، فهل [نناظره فيها ساعين] (٣) في إزالة الشبهة وإظهار الحق؟ ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أن ذلك واجب. فإن إقامة الحجاج على كل ذي شبهة سهل. والثاني - أنا لا نفعل ذلك؛ فإن مسالك الشبهة (٤) قد تدقّ مداركها، فيطول الكلام في المرادّات، وقد يذكر شُبهاً كثيرة من أول العَقْد إلى آخره ولا يُفصل الاعتراض (٥) فيها في سنة، فلا معنى لالتزام ذلك. فإن قيل: كيف طريقه إذا اعترضت له شبهة؟ قلنا: يمكنه أن يبقى على إظهار الإسلام، ثم يستفيد الأجوبة عن الشبه من أئمة الصناعة؛ فإن ذلك معتاد في أهل الإسلام وطلبةِ العلم منهم.
وقد نجز القول في التوبة عن الردة.
стр. 8991
فصل
قال: " ويوقف مالُه إذا ارتد وله مال ... إلى آخره " (١).
١١٠٢٨ - اختلف قول الشافعي في أن من ارتد هل يزول ملكه بنفس الردة، أم كيف السبيل فيه؟ وحاصل ما تلقاه الأئمة من كلام الشافعي ثلائة أقوال: أحدها - أن الملك يزول بنفس الردة، كما يزول استحقاق النكاح قبل الدخول. والقول الثاني - أنه لا يزول ملكه إلى أن يموت، أو يقتلَ مرتداً، وليس ملك اليمين كالنكاح، فإن إدامة نكاح المرتد على المسلمة يتضمن غضاً من الحرمات، وإن فرضنا ارتداد الزوجين فالمرتدة في المعنى كالمسلمة في هذا المأخذ. والقول الثالث - أن الملك موقوف، فإن عاد إلى الإسلام، تبثنّا أنه لم يزل بالردة، وإن قتل مرتداً أو مات على الردة، تبيّنّا أن الملك زال بنفس الردة، والردة في العمر في ملك اليمين كمدة العدة إذا فرض طريان الردة بعد تقيد النكاح بالمسيس (٢).
١١٠٢٩ - فإذا ثبتت الأقوال، فالتفريع عليها: فإن حكمنا بأن الملك يزول بالردة فالتصرفات التي تستدعي ملكاً مردودة من المرتد، ولو كان التزم دَيْناً قبل الردة بجهة من الجهات، فديونه الثابتة قبل الردة مؤداة من الأموال التي ارتد عليها، وهذا متفق عليه بين الأصحاب؛ فإن الردة وإن أزالت الملك، فحقها أن تكون كالموت؛ إذ الموت مزيل للملك، ثم الديون الثابتة في حالة الحياة تتعلق بما يخلّفه الميت، وهي متقدمة على حقوق الورثة، فلتقدم على حقوق أهل الفيء (٣)، بل هذه الديون أولى
стр. 8992
بالتعلق بالمال من جهة أن الزوال بالردة [عرضة للارتفاع] (١)؛ لأن المرتد إذا أسلم عاد ملكه، والموت يزيل الملك على البتات، ويثبت حق الورثة على اللزوم. ولا خلاف [أنّا] (٢) ننفق على المرتد من ماله ما بقّيناه.
وهل يتعلق بماله نفقات أقاربه الذين يلتزم المسلم نفقاتهم؟ ما ذهب إليه جماهير الأصحاب أن نفقاتهم تؤدى من ماله في حياته، فإن مات مرتداً أو قتل، فإذ ذاك يصرف الباقي إلى أهل الفيء.
وذهب الإصطخري إلى أن نفقات الأقارب لا تتعلق بماله على هذا القول، فإن سبيلها أن تتعلق بالملك، [ولا] (٣) ملك للمرتد على القول الذي عليه التفريع، [والدليل] (٤) عليه أنها تسقط بالموت، وإن كانت علائق الديون تتعلق بالتركة، وهذا الذي ذكره هو القياس الجلي.
ولو أتلف المرتد مالاً، فهل تؤدى قيمة المتلف من ماله؟ والتفريع على زوال ملكه - قال القاضي: يجوز أن يخرج ذلك على الخلاف في أن نفقة الأقارب هل تتعلق (٥) بماله إلى اتفاق بيان أمره.
ولو اكتسب المرتد على هذا القول -بأن احتش أو احتطب- فالوجه: تثبيت الملك، ثم ظاهر القياس أن الملك يثبت لأهل الفيء ابتداءً، كالعبد يكتسب بهذه الجهات؛ فإن الملك يحصل فيما يحصل بالاحتشاش والاحتطاب والاصطياد للمولى، ويجب أن يكون القول في شرائه كالقول في شراء العبد بغير إذن المولى، وكذلك الكلام في قبول الهبة كالكلام في قبول العبد الهبة من غير إذن السيد.
ثم إذا عاد إلى الإسلام عاد ملكه، كالعصير تزول المالية بانقلابه خمراً، فإذا عاد خَلاً عاد مالاً، وكالبيضة تبطل المالية فيها بانقلابها مَذِرةً، فإذا صارت فرخاً، عادت
стр. 8993
يوماً، وجلد الشاة تبطل المالية فيه إذا ماتت الشاة، ثم إذا دُبغ، عاد مالاً.
فإذا قلنا: الدين السابق يؤدَّى من المال، فلو كان قد رهن عيناً من الأعيان، فالرهن لا ينفك بردته حتى يقضي الدين، وكل ذلك متفق عليه، هذا تفريعٌ على قول زوال الملك.
١١٠٣٠ - وإن قلنا: الملك باق مع الردة، فللسلطان أن يضرب عليه حجراً لأهل الفيء على الجملة، واختلف أصحابنا في أنه هل يصير بنفس الردة محجوراً عليه من غير احتياج إلى ضرب الحجر؟ فمنهم من قال: لا يصير محجوراً عليه ما لم يحجر عليه الوالي.
وبنى أصحابنا هذين الوجهين على أن الرجل الرشيد إذا صار سفيهاً، فطريان هذا المعنى عليه بعد الرشد هل يوجب اطراد الحجر عليه، أم هو مطلق إلى أن يحجر القاضي عليه؟ فيه خلاف مشهور في كتاب الحجر، فإن قلنا: لا يصير محجوراً بنفس الردة، فجملة تصرفاته نافذة من غير أن يُتعقب بالنقض، وإن قلنا: يصير محجوراً عليه لو ضرب السلطان عليه حجراً، فما الذي يمتنع عليه من التصرف؟ اختلف أصحابنا في منزلة الحجر في حقه؛ فمنهم من قال: سبيله إذا جرى الحجر عليه كسبيل المبذر السفيه؛ لأنه أتاه الحجر من صفة في نفسه، فالتعويل على رعاية حقه. ومنهم من قال: سبيله سبيل المحجور عليه بالفَلَس، وقد مهدنا في الكتب (١) تصرفَ السفيه وتصرفَ المفلس، [وتشبيهُه] (٢) بالمفلس موجَّهٌ، [بأن] (٣) المرعي حقوق أهل الفيء.
وتمام البيان في ذلك أنا إذا قلنا: لا يصير محجوراً عليه في الحال، فالمذهب أن تصرفاته نافذ، كما قدمناه، وقال بعض أصحابنا: تصرفاته كتصرفات المريض مرض موته؛ لأن [السيف قريب] (٤) منه.
стр. 8994
وهذا مأخوذ مما قدمناه في كتاب الوصايا، وهو أن من قُدّم للاقتصاص منه، فأعتق ووهب، فهل يكون ما صدر منه بمثابة التبرعات في مرض الوفاة؟ فيه اختلاف.
وهذا الوجه عندي باطل هاهنا، فإن دفع السيف متعلق باختيار المرتد، وهو متمكن من إظهار كلمة الإسلام، ولتمكنه من إظهارها نقتله إذا أصر، ولم يظهرها.
ثم من ألحقه بالمريض، فلا ينبغي أن يقدر له ثلثاً؛ فإن حقوق أهل الفيء كحقوق الغرماء، ولا تفريع على الوجوه الضعيفة.
١١٠٣١ - وإن فرعنا على قول الوقف؛ فالحجر على ما ذكرناه، فإنا إذا كنا [نثبت] (١) الحجر على التفاصيل المتقدمة تفريعاً على أن الردة لا تزيل الملك، فالحجر -وهو وقفٌ- بقول الوقف أليق (٢)، ولو فرض منه تصرف قبل حكمنا باطراد الحجر عليه، فكل تصرف لا يقبل الوقف، فهو غير صحيح منه على قول الوقف، وكل تصرف يقبل الوقف يصح منه موقوفاً، فإن قُتل مرتداً بان بطلانه، وإن عاد إلى الإسلام، بانت صحته، وكل تصرف يختلف القول في قبوله الوقف، فهو خارج على الخلاف في هذه المسألة، وقد نجز الكلام في أملاكه وتصرفاته.
١١٠٣٢ - والمرتد لا يرث أحداً، لا كافراً ولا مسلماً ولا مرتداً، ولا يرثه أحد فيه كفر أو عُلقة للإسلام، فيمتنع توريث المسلم منه وتوريثه من المسلم، بما فيه من الكفر، ويمتنع توريث الكافر منه وتوريثه من الكافر لما فيه من عُلقة الإسلام.
١١٠٣٣ - ثم قال الشافعي ﵀: " ويقتل الساحر إن كان ما يسحَر به كفراً "، وهذا كما قال. واستقصاء القول فيما يوجب التكفير لا يليق بهذا الفن. وعن عمر
стр. 8995
أنه قال: " اقتلوا الساحر والساحرة "، وروي أنه أمر بقتلهما (١)، وقَتلت أم سلمة جاريةً لمّا سحرتها بسُمّ (٢).
١١٠٣٤ - قال: " ومن قتل مرتداً قبل أن يستتاب ... إلى آخره " (٣) أراد أنا وإن أوجبنا الإمهال أياماً، فلو ابتدر مبتدر، فقتل المرتد، فلا قود، وعُزّر (٤).
وكذلك إذا قتله كما (٥) بدرت منه كلمة الردة قبل الاستتابة فنحكم بالإهدار، ويعزر من فعل ذلك للافتيات على الإمام، وكل هذا مما سبق تمهيده.
فصل
إذا شهد شاهدان على ردة شخص؛ فقال المشهود عليه: كَذَبا في شهادتهما، أو قال: ما ارتددت، فالشهادت مسموعة، والحكم بالردة نافذ، ولا يقبل تكذيب الشاهدين، ويقال: الخطب يسير؛ فجدد الإسلام، فإذا فعل، زال حكم الردة بعد انقضائها. وأثر ما ذكرناه أنه لو كانت له زوجة غيرُ مدخول بها، فقد بانت بالشهادة.
وتجديدُه الإسلام لا يرفع الحكم الطارئ (٦)، ولكن سبيله سبيل المرتد.
فلو شهد الشاهدان كما ذكرناه، فقال المشهود عليه: كنت مكرهاً فيما صدر مني، نُظِر؛ فإن كانت قرائن الأحوال تصدقه في دعوى الإكراه: مثل أن كان في
стр. 8996
أسر، أو محفوفاً بجمع من الكفار [يظهر] (١) الاستقصاء (٢) منهم، فإذا كان الأمر كذلك؛ فالقول قول المشهود عليه مع يمينه، وإنما نصدقه لظهور الأحوال، ثم نحلّفه؛ لأنه لا يبعد اختياره للتلفظ بكلمة الردة مع ما وصفناه من الأسباب التي تغلّب على الظنون الإكراه، وإن لم يُظهر المشهود عليه الأحوالَ الدالة على الإكراه؛ فظاهر المذهب أن دعوى الإكراه لا تُسمع منه.
وهذا يستدعي مزيد كشف سيأتي في كتاب الشهادات، إن شاء الله ؛ إذ الشهادة المطلقة على العقوبة (٣) مسموعة محمولة على الصحة كالشهادة على البيع ونحوه، وذكر بعض الأصحاب قولاً مخرجاً ضعيفاً: أن الشهادة لا تقبل ما لم تشتمل على ذكر الشرائط المرعية في الصحة، فالشهادة على الردة تخرج على هذا، فإن ما تحصل الردة به عَسِر المُدرك، لا يستقل به إلا خواص العلماء، فإذا أطلق الشاهد لفظ الشهادة في الردة، فهل يقع القضاء بها؟
الظاهر أنه يقع القضاء بها، ويخرج في المسألة القول الذي ذكرناه، وخروجه في هذا المقام أوضح وأولى؛ لما في التكفير وأسبابه من اضطراب العلماء، فإذا لم تُقبل الشهادة، لم نحكم بالردة، والوجه قبولها، والحكم بالردة. وسيأتي استقصاء ذلك في كتاب الشهادات، إن شاء الله .
١١٠٣٥ - فلو قال الشاهدان: نشهد بأنه تلفظ بالردة، ولم يطلقا الشهادة بأنه ارتد، فلو قال المشهود عليه: صدقا، ولكني كنت مكرَهاً، قال شيخي أبو محمد: قوله مقبول؛ فإنه ليس يناقض الشهادة، ولا يتضمن تكذيبها؛ فإن المكره يتلفظ، والذي يشهد عليه الشاهدان التلفّظ بالردة، ثم قال: الحزم أن يجدد الشهادتين.
فإن قتله قاتل والحال كما وصفناها قبل أن يجدد الشهادتين، فهل يضمنه؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه لا يضمنه؛ لأن لفظ الردة قد ثبت، ولم يتعرض الشاهدان للإكراه ولا للاختيار، والأصل في أحوال الناس الاختيار، فكل لافظ فهو في إنشاء
стр. 8997
لفظه مختار، والأصل براءة ذمة القاتل، وقد وجدنا مستنداً للإهدار. والقول الثاني - أنه يضمنه بالقصاص أو الدية؛ فإن الردة لم تثبت، والأصل حكم الإسلام. وهذا يقرب من القاعدة المسماة تقابُل الأصلين.
وفي هذا فضل نظر؛ فإن ادعى المشهود عليه أنه كان مكرهاً، وحلف على ذلك، فالوجه عندنا: القطع بأنه مضمون؛ فإن اللفظ وإن ثبت- فقد ثبت الإكراه بالحجة، وإن لم يحلف أو لم يدّع، وجرت الشهادة على اللفظ، ثم فُرض القتل قبل تجديد كلمة الإسلام، فهذا فيه احتمال، والذي أراه: تنزيل القولين على هذه الصورة.
فصل
١١٠٣٦ - لو مات رجل كنا عهدناه مسلماً، وخلف ابنين مسلمين، فقال أحدهما: مات أبي كافراً، وقال الثاني: مات مسلماً، ولا بينة، فالذي قال: مات مسلماً، تسلم إليه حصتُه من الميراث، والذي قال: مات أبي كافراً، نظر فيه: فإذا ذكر لفظاً في الكفر لا يُتمارى فيه، وزعم أنه سمعه في آخر العهد يذكره، فلا شك أنه يكون محروماً من الميراث، وتكون حصته مصروفة إلى الفيء؛ فإنه مؤاخذ بإقراره، ولو أنه قال: مات كافراً ولم يذكر تفصيلَ كفره، فما حكم حصته؟
ذكر الصيدلاني والإمام والدي قولين في المسألة: أحدهما - أنه تصرف حصته إلى جهة الفيء؛ فإنه أقر بكفره، فيؤاخذ بإقراره، فأشبه ما لو فَصَّل الكفر. والقول الثاني - أنا لا نحرمه الميراث، بل نصرف حصته إليه، هكذا ذكر شيخنا هذا القول، وهو فحوى كلام الصيدلاني، ووجهه: أنه لم يفصل الكفر، ولم تثبت الردة بقوله، إذ لو ثبتت، لصرفت حصته إلى أهل الفيء؛ فإذا لم تصرف، فلا وجه إلا التوريث، وإلغاء اللفظ الذي جاء به [ومن] (١) ورث مالاً، لم يمكنه إسقاط حقه مما ورثه بالامتناع عن قبوله.
وذكر صاحب التقريب هذين القولين على وجه آخر، فقال: أحد القولين - أن
стр. 8998
حصته تصرف مصرف الفيء، والقول الثاني - إنه لا يصرف إلى الفيء، وقد أطلق الكفر ولم يفصله، ثم قال: كما لا نصرفه إلى الفيء لا نصرفه إليه، بل نقِفه، فإن فصّل وذكر كفراً محقَّقاً، صرفنا الحصة إلى أهل الفيء، فإن لم يتعرض للتفصيل، فيبقى المال موقوفاً إلى أن نتبين. وهذا الذي ذكره صاحب التقريب أقيس، وأشبه بالأصول، وهو الذي ذكره العراقيون.
فرع:
١١٠٣٧ - قال صاحب التقريب إذا أسر الكفار مسلماً، وأكرهوه على التلفظ بالكفر، فتلفظ به، فلا نحكم بكفره. فلو ثبت ذلك عندنا من حاله، ثم بلغنا أنه مات ولم يتجدد علمٌ آخر؛ فحكمه حكم المسلمين، يرثه المسلمون ويرثهم.
فلو عاد إلى بلاد الإسلام -وقد وضح منه ما قدمناه- فإن الوجه: أن نعرض عليه الدينَ وإظهار الإسلام، فإن أتى بما نطلبه، فلا كلام، وإن أبى، ولم يظهره، قال: فنحكم بردته، فإنه قد انضم امتناعه الآن إلى ما سبق منه من لفظ الكفر، فيدل ذلك على أنه كان مختاراً في ابتداء لفظه. ومن أكره على شيء، فخطر له أن يأتي به مختاراً، فلا حكم للإكراه، فإذا سبق منه اللفظ ولحق الامتناع عن التلفظ بالإسلام، كان ذلك آية بينة في أنه كان مختاراً عند اللفظ، قطع به صاحب التقريب، وهو الذي ذكره العراقيون.
وفيه احتمال عندي ظاهر، فإنه لم يسبق منه اختيار، والأمر محمول على ظاهر الإكراه، ويلزم منه دوام حكم الإسلام، ومن كان حكم الإسلام له مستمراً، فامتناعه عن تجديد الإسلام لا يغير الحكم بالإسلام.
فرع:
١١٠٣٨ - قال العراقيون: إذا أسر الكفار مسلماً، فارتد فيهم مختاراً، وتحقق ذلك عندنا، ثم صح عندنا أنه كان يصلي صلاة المسلمين في دار الحرب، قالوا: نجعل ذلك إسلاماً منه، بخلاف ما لو صلى كافر في ديار الإسلام؛ فإن ذلك لا يكون إسلاماً؛ إذ الصلاة في دار الإسلام قد تشوبها مراعاة المراءاة بخلاف دار الحرب، وهذا الذي ذكروه غير صحيح.
والوجه في قياس المراوزة القطع بأنا لا نحكم له بالإسلام كما لو صلى في دار الإسلام. ثم ما ذكروه يقتضي أن يقولوا: إذا رأينا كافراً أصليّاً في دار الحرب يصلي
стр. 8999
على هيئة صلاة الإسلام، فنحكم بإسلامه، لما ذكروه في حق المرتد. ولو قال قائل بهذا، لكان صائراً إلى مذهب أبي حنيفة (١)، فإنه يجعل الصلاة من الكافر إسلاماً، وهذا ما لا سبيل إلى القول به.
وتلك المسألة فيها غموض، وإن تناهينا في تقرير حقيقتها، فإنا ذكرنا أن من الأفعال ما يوجب الكفر، كالتقرب إلى الصنم، فالذي ذكره العراقيون في أن الصلاة تكون إيماناً في الصورة التي ذكروها في البعد كما حكيناه عن شيخنا في أن التقرب إلى الصنم لا يكون كفراً، ولا تعويل على الأمرين جميعاً.
فصل
قال: " ولا يُسبى للمرتدين ذرية ... إلى آخره " (٢).
١١٠٣٩ - مضمون هذا الفصل الكلام في أولاد المرتدين. فنقول أولاً: إذا التحق المرتدون رجالاً أو نساء بدار الحرب، لم نثبت لهم حكمَ أهل الحرب بوجه، ومهما (٣) ظفرنا بهم ولم يُسلموا، ضربنا رقابهم، ولا نسترقهم، ولا نسبي النساء منهم.
فأما أولادهم، فالولد الذي حصل العلوق به في الإسلام، فالردة الطارئة لا تغير حكمه، سواء فرض ارتداد الأبوين بعد الانفصال، أو قدر ذلك والجنين مجتن، فحكم الإسلام لا يزول؛ إذ الإسلام يستتبع الولد لقوته وسلطانه، والردة لا تستتبع المولود.
ولو حصل العلوق بالولد في حالة الردة -وذلك بأن تعلق مرتدة من مرتد، فحاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أقوال: أحدها - أن للولد حكم الردة، نظراً إلى الأبوين، والقول الثاني - أن الولد في حكم الكافر الأصلي، فإنه لم يباشر الردة ولا الإسلام،
стр. 9000
وأبواه ليسا مسلمين. والثالث - أن حكمه حكم الإسلام لما في أبويه من عُلقة الإسلام، ولذلك يجبران على العَوْد إلى الإسلام، وما أتلفه المرتد في حالة الردة، فهو مطالب به، والصلوات التي تمر عليه مواقيتُها- مقضيةٌ، وكل ذلك من آثار علائق الإسلام، والمغلّب في المولود حكم الأصل.
فإن قلنا: أولاد المرتدين بمثابتهم، لهم حكم الردة؛ فلا يُسبَوْن كما لا يسبى آباؤهم، وإن حكمنا لهم بالإسلام، فلا شك أنهم لا يُسبَوْن، وإن قلنا: هم بمثابة الكفار الأصليين، فلا يمتنع أن يُسبَوْا ويُسترقوا، أو تقبل منهم الجزية إذا بلغوا، وأحكامهم أحكام الكفار الأصليين في كل معنى، ولا فرق عندنا بين أولاد المرتدين وبين أولاد أولادهم، خلافاً لأبي حنيفة (١)؛ فإنه قال: أولاد أولاد المرتدين يُسبَوْن، وأولادهم لا يُسبَوْن.
١١٠٤٠ - ومما ذكره الأصحاب على الاتصال بهذا أن المعاهدين والذميين إذا نقضوا العهود، والتحقوا بدار الحرب، ولهم أولاد في دار الإسلام، فحكم العهد مستدام فيهم؛ فإن الآباء لما عوهدوا أو عقدت لهم الذمة، ثبت حكم الذمة للأولاد. ثم لا تنتقض حرمة العهد والذمة في حقهم، وإن نقضه الآباء. فإذا بلغوا، فإن قبلوا الجزية، أقررناهم بها في دار الإسلام، وإن أبَوْا أن يقبلوا، لم نقتلهم، وألحقناهم بمأمنهم، ولا نُلزمهم الجزية [بهذا] (٢)، خلافاً لأبي حنيفة (٣).
وهذا الفصل سيعود مستقصى في كتاب السير، وفيها نذكر أحكام ما يخلّفون عندنا من الأموال، والتفصيلَ فيه إذا صاروا حرباً لنا، فأرققناهم كما (٤) وقعوا في الأسر، وهو من الفصول المعروفة، والقدرُ الذي ذكرناه في أحكام أولادهم رمزٌ هاهنا، واستقصاؤه بين أيدينا، والله المستعان.
...