أسر، أو محفوفاً بجمع من الكفار [يظهر] (١) الاستقصاء (٢) منهم، فإذا كان الأمر كذلك؛ فالقول قول المشهود عليه مع يمينه، وإنما نصدقه لظهور الأحوال، ثم نحلّفه؛ لأنه لا يبعد اختياره للتلفظ بكلمة الردة مع ما وصفناه من الأسباب التي تغلّب على الظنون الإكراه، وإن لم يُظهر المشهود عليه الأحوالَ الدالة على الإكراه؛ فظاهر المذهب أن دعوى الإكراه لا تُسمع منه.
وهذا يستدعي مزيد كشف سيأتي في كتاب الشهادات، إن شاء الله ؛ إذ الشهادة المطلقة على العقوبة (٣) مسموعة محمولة على الصحة كالشهادة على البيع ونحوه، وذكر بعض الأصحاب قولاً مخرجاً ضعيفاً: أن الشهادة لا تقبل ما لم تشتمل على ذكر الشرائط المرعية في الصحة، فالشهادة على الردة تخرج على هذا، فإن ما تحصل الردة به عَسِر المُدرك، لا يستقل به إلا خواص العلماء، فإذا أطلق الشاهد لفظ الشهادة في الردة، فهل يقع القضاء بها؟
الظاهر أنه يقع القضاء بها، ويخرج في المسألة القول الذي ذكرناه، وخروجه في هذا المقام أوضح وأولى؛ لما في التكفير وأسبابه من اضطراب العلماء، فإذا لم تُقبل الشهادة، لم نحكم بالردة، والوجه قبولها، والحكم بالردة. وسيأتي استقصاء ذلك في كتاب الشهادات، إن شاء الله .
١١٠٣٥ - فلو قال الشاهدان: نشهد بأنه تلفظ بالردة، ولم يطلقا الشهادة بأنه ارتد، فلو قال المشهود عليه: صدقا، ولكني كنت مكرَهاً، قال شيخي أبو محمد: قوله مقبول؛ فإنه ليس يناقض الشهادة، ولا يتضمن تكذيبها؛ فإن المكره يتلفظ، والذي يشهد عليه الشاهدان التلفّظ بالردة، ثم قال: الحزم أن يجدد الشهادتين.
فإن قتله قاتل والحال كما وصفناها قبل أن يجدد الشهادتين، فهل يضمنه؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه لا يضمنه؛ لأن لفظ الردة قد ثبت، ولم يتعرض الشاهدان للإكراه ولا للاختيار، والأصل في أحوال الناس الاختيار، فكل لافظ فهو في إنشاء
стр. 8997
لفظه مختار، والأصل براءة ذمة القاتل، وقد وجدنا مستنداً للإهدار. والقول الثاني - أنه يضمنه بالقصاص أو الدية؛ فإن الردة لم تثبت، والأصل حكم الإسلام. وهذا يقرب من القاعدة المسماة تقابُل الأصلين.
وفي هذا فضل نظر؛ فإن ادعى المشهود عليه أنه كان مكرهاً، وحلف على ذلك، فالوجه عندنا: القطع بأنه مضمون؛ فإن اللفظ وإن ثبت- فقد ثبت الإكراه بالحجة، وإن لم يحلف أو لم يدّع، وجرت الشهادة على اللفظ، ثم فُرض القتل قبل تجديد كلمة الإسلام، فهذا فيه احتمال، والذي أراه: تنزيل القولين على هذه الصورة.
فصل
١١٠٣٦ - لو مات رجل كنا عهدناه مسلماً، وخلف ابنين مسلمين، فقال أحدهما: مات أبي كافراً، وقال الثاني: مات مسلماً، ولا بينة، فالذي قال: مات مسلماً، تسلم إليه حصتُه من الميراث، والذي قال: مات أبي كافراً، نظر فيه: فإذا ذكر لفظاً في الكفر لا يُتمارى فيه، وزعم أنه سمعه في آخر العهد يذكره، فلا شك أنه يكون محروماً من الميراث، وتكون حصته مصروفة إلى الفيء؛ فإنه مؤاخذ بإقراره، ولو أنه قال: مات كافراً ولم يذكر تفصيلَ كفره، فما حكم حصته؟
ذكر الصيدلاني والإمام والدي قولين في المسألة: أحدهما - أنه تصرف حصته إلى جهة الفيء؛ فإنه أقر بكفره، فيؤاخذ بإقراره، فأشبه ما لو فَصَّل الكفر. والقول الثاني - أنا لا نحرمه الميراث، بل نصرف حصته إليه، هكذا ذكر شيخنا هذا القول، وهو فحوى كلام الصيدلاني، ووجهه: أنه لم يفصل الكفر، ولم تثبت الردة بقوله، إذ لو ثبتت، لصرفت حصته إلى أهل الفيء؛ فإذا لم تصرف، فلا وجه إلا التوريث، وإلغاء اللفظ الذي جاء به [ومن] (١) ورث مالاً، لم يمكنه إسقاط حقه مما ورثه بالامتناع عن قبوله.
وذكر صاحب التقريب هذين القولين على وجه آخر، فقال: أحد القولين - أن
стр. 8998
حصته تصرف مصرف الفيء، والقول الثاني - إنه لا يصرف إلى الفيء، وقد أطلق الكفر ولم يفصله، ثم قال: كما لا نصرفه إلى الفيء لا نصرفه إليه، بل نقِفه، فإن فصّل وذكر كفراً محقَّقاً، صرفنا الحصة إلى أهل الفيء، فإن لم يتعرض للتفصيل، فيبقى المال موقوفاً إلى أن نتبين. وهذا الذي ذكره صاحب التقريب أقيس، وأشبه بالأصول، وهو الذي ذكره العراقيون.
فرع:
١١٠٣٧ - قال صاحب التقريب إذا أسر الكفار مسلماً، وأكرهوه على التلفظ بالكفر، فتلفظ به، فلا نحكم بكفره. فلو ثبت ذلك عندنا من حاله، ثم بلغنا أنه مات ولم يتجدد علمٌ آخر؛ فحكمه حكم المسلمين، يرثه المسلمون ويرثهم.
فلو عاد إلى بلاد الإسلام -وقد وضح منه ما قدمناه- فإن الوجه: أن نعرض عليه الدينَ وإظهار الإسلام، فإن أتى بما نطلبه، فلا كلام، وإن أبى، ولم يظهره، قال: فنحكم بردته، فإنه قد انضم امتناعه الآن إلى ما سبق منه من لفظ الكفر، فيدل ذلك على أنه كان مختاراً في ابتداء لفظه. ومن أكره على شيء، فخطر له أن يأتي به مختاراً، فلا حكم للإكراه، فإذا سبق منه اللفظ ولحق الامتناع عن التلفظ بالإسلام، كان ذلك آية بينة في أنه كان مختاراً عند اللفظ، قطع به صاحب التقريب، وهو الذي ذكره العراقيون.
وفيه احتمال عندي ظاهر، فإنه لم يسبق منه اختيار، والأمر محمول على ظاهر الإكراه، ويلزم منه دوام حكم الإسلام، ومن كان حكم الإسلام له مستمراً، فامتناعه عن تجديد الإسلام لا يغير الحكم بالإسلام.
فرع:
١١٠٣٨ - قال العراقيون: إذا أسر الكفار مسلماً، فارتد فيهم مختاراً، وتحقق ذلك عندنا، ثم صح عندنا أنه كان يصلي صلاة المسلمين في دار الحرب، قالوا: نجعل ذلك إسلاماً منه، بخلاف ما لو صلى كافر في ديار الإسلام؛ فإن ذلك لا يكون إسلاماً؛ إذ الصلاة في دار الإسلام قد تشوبها مراعاة المراءاة بخلاف دار الحرب، وهذا الذي ذكروه غير صحيح.
والوجه في قياس المراوزة القطع بأنا لا نحكم له بالإسلام كما لو صلى في دار الإسلام. ثم ما ذكروه يقتضي أن يقولوا: إذا رأينا كافراً أصليّاً في دار الحرب يصلي
стр. 8999
على هيئة صلاة الإسلام، فنحكم بإسلامه، لما ذكروه في حق المرتد. ولو قال قائل بهذا، لكان صائراً إلى مذهب أبي حنيفة (١)، فإنه يجعل الصلاة من الكافر إسلاماً، وهذا ما لا سبيل إلى القول به.
وتلك المسألة فيها غموض، وإن تناهينا في تقرير حقيقتها، فإنا ذكرنا أن من الأفعال ما يوجب الكفر، كالتقرب إلى الصنم، فالذي ذكره العراقيون في أن الصلاة تكون إيماناً في الصورة التي ذكروها في البعد كما حكيناه عن شيخنا في أن التقرب إلى الصنم لا يكون كفراً، ولا تعويل على الأمرين جميعاً.
فصل
قال: " ولا يُسبى للمرتدين ذرية ... إلى آخره " (٢).
١١٠٣٩ - مضمون هذا الفصل الكلام في أولاد المرتدين. فنقول أولاً: إذا التحق المرتدون رجالاً أو نساء بدار الحرب، لم نثبت لهم حكمَ أهل الحرب بوجه، ومهما (٣) ظفرنا بهم ولم يُسلموا، ضربنا رقابهم، ولا نسترقهم، ولا نسبي النساء منهم.
فأما أولادهم، فالولد الذي حصل العلوق به في الإسلام، فالردة الطارئة لا تغير حكمه، سواء فرض ارتداد الأبوين بعد الانفصال، أو قدر ذلك والجنين مجتن، فحكم الإسلام لا يزول؛ إذ الإسلام يستتبع الولد لقوته وسلطانه، والردة لا تستتبع المولود.
ولو حصل العلوق بالولد في حالة الردة -وذلك بأن تعلق مرتدة من مرتد، فحاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أقوال: أحدها - أن للولد حكم الردة، نظراً إلى الأبوين، والقول الثاني - أن الولد في حكم الكافر الأصلي، فإنه لم يباشر الردة ولا الإسلام،
стр. 9000
وأبواه ليسا مسلمين. والثالث - أن حكمه حكم الإسلام لما في أبويه من عُلقة الإسلام، ولذلك يجبران على العَوْد إلى الإسلام، وما أتلفه المرتد في حالة الردة، فهو مطالب به، والصلوات التي تمر عليه مواقيتُها- مقضيةٌ، وكل ذلك من آثار علائق الإسلام، والمغلّب في المولود حكم الأصل.
فإن قلنا: أولاد المرتدين بمثابتهم، لهم حكم الردة؛ فلا يُسبَوْن كما لا يسبى آباؤهم، وإن حكمنا لهم بالإسلام، فلا شك أنهم لا يُسبَوْن، وإن قلنا: هم بمثابة الكفار الأصليين، فلا يمتنع أن يُسبَوْا ويُسترقوا، أو تقبل منهم الجزية إذا بلغوا، وأحكامهم أحكام الكفار الأصليين في كل معنى، ولا فرق عندنا بين أولاد المرتدين وبين أولاد أولادهم، خلافاً لأبي حنيفة (١)؛ فإنه قال: أولاد أولاد المرتدين يُسبَوْن، وأولادهم لا يُسبَوْن.
١١٠٤٠ - ومما ذكره الأصحاب على الاتصال بهذا أن المعاهدين والذميين إذا نقضوا العهود، والتحقوا بدار الحرب، ولهم أولاد في دار الإسلام، فحكم العهد مستدام فيهم؛ فإن الآباء لما عوهدوا أو عقدت لهم الذمة، ثبت حكم الذمة للأولاد. ثم لا تنتقض حرمة العهد والذمة في حقهم، وإن نقضه الآباء. فإذا بلغوا، فإن قبلوا الجزية، أقررناهم بها في دار الإسلام، وإن أبَوْا أن يقبلوا، لم نقتلهم، وألحقناهم بمأمنهم، ولا نُلزمهم الجزية [بهذا] (٢)، خلافاً لأبي حنيفة (٣).
وهذا الفصل سيعود مستقصى في كتاب السير، وفيها نذكر أحكام ما يخلّفون عندنا من الأموال، والتفصيلَ فيه إذا صاروا حرباً لنا، فأرققناهم كما (٤) وقعوا في الأسر، وهو من الفصول المعروفة، والقدرُ الذي ذكرناه في أحكام أولادهم رمزٌ هاهنا، واستقصاؤه بين أيدينا، والله المستعان.
...
стр. 9001
كتاب الحدود
١١٠٤١ - الحد في اللغة: المنع، ومنه سُمي البواب حداداً، وحدود الأشكال أطرافها؛ لأنها فواصل يُمنع بها اختلاط المحدود بغيره، ولما نزل قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] أبدى المنكرون هراء، وقالوا: لم نسمع بهذه العِدّة في الحدَّادين، أي في البوابين. فقال رسول الله ﷺ : " لا تقاس الملائكة بالحدَّادين "، فأرسله مثلاً (١). ومنه سميت العبارات عن الحقائق حدوداً، وبه يسمى الحديد حديداً لامتناعه عن تولّج شيء فيه، والحدّ مصدر حدّ يحُد ولا يجمع، وهو اسم للعقوبة المقامة على مستوجبها، فإن جُعل اسماً جُمع حدوداً، وهي مأخوذة من المنع، فإنها زواجر عن ارتكاب الموبقات.
١١٠٤٢ - ثم الحدود في قواعدها ثلاثة أصناف؛ الجلد، والقطع، والقتل.
وأما الجلد؛ فيقع حداً في الزنا، والشرب، والقذف. فحد الزنا مائة جلدة مع التغريب، كما سيأتي الوصف عليه، وحد الشرب على أصل المذهب أربعون جلدة، وحد القذف ثمانون. وحد الزنا والشرب لله ، وحد القذف للمقذوف.
والعبد في الحدود الواقعة في الجلد على النصف من الحر.
وأما القطع فحد السرقة، وحد قطع الطريق، وهما لله تعالى، والعبد والحر فيهما بمثابة.
وأما القتل فينقسم إلى الرجم والقتل، فأما الرجم، فحد المحصن في الزنا.
стр. 9002
والقتل يقع في قطع الطريق حداً على من قَتل، وهو واجب على المصرّ على الردة.
ثم وَضْعُ الحدود على التنكيل، والمعاقبةُ على ما سبق، والزجر عن احتقاب أمثال تيك الكبائر في المستقبل. فإن لم يكن قتلاً، أفاد زجر المحدود وزجرَ غيره، وإن كان قتلاً، فهو عقوبة على المحدود وزجرٌ لغيره، وقيل: المرتد وإن لحق بالحدود، فليس في معناها؛ فإنه دعاء بالسيف إلى الإسلام، وهو بمثابة دعاء الكفار إلى الإسلام، إلا أنهم قد تقبل منهم الجزية، والمرتد مدعو إلى الإسلام، فإن التزمه، فذاك، وإلا فالسيف واقع به.
١١٠٤٣ - ثم إن الشافعي أفرد لكل صنف من أصناف الحدود كتاباً، وافتتح الكلام في حد الزنا، وقد ورد في حد الزنا آيتان، إحداهما: قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] والأخرى قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] فظاهر الآية الأولى يدل على اكتفاء النساء بالنساء، وظاهر الآية الثانية يدل على اكتفاء الرجال بالرجال، وقد قيل: الآيتان في الجنسين جميعاً، ولكن المراد بمضمون الآية الأولى التعرض للثُّيَّبِ، فجرى فيها تخصيص النساء بالذكر، لأنهن أحرص على الزنا من الثيب من الرجال، والآية الثانية في الأبكار، والأبكار من الذكور أحرص على الزنا من الأبكار من النساء.
وبالجملة الآيتان ليستا مشتملتين على بيان حكم الزنا افي الجنسين جميعاً، الأولى تضمنت الأمر بالحبس وانتظار حكم الله تعالى. والثانية اقتضت الإيذاء مطلقاً من غير تفصيل.
ثم قال رسول الله ﷺ فيما رواه عبادة بن الصامت: " خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجمٌ بالحجارة " (١) وظاهر الحديث الجمع بين الجلد والرجم، في حق الثيب، وقد صار إلى ذلك أصحاب الظاهر، واتفق العلماء المعتبرون من الصحابة ﵃
стр. 9003
وغيرهم على أن المحصن لا يجلد ويقتصر على رجمه.
ثم اختلف هؤلاء، فذهب الاكثرون إلى أن هذا كان فنُسِخ. وقال بعض أصحابنا: الحديث فيمن زنى بكراً، فلم يُجلد حتى ثاب وزنى ثيباً، فنجمع عليه بين الجلد والرجم، وهذا وجه سيأتي ذكره، إن شاء الله، فإن الزنا إذا تكرر من الشخص، ولم يتخلل بينهما استيفاء الحد، اقتصرنا على حد واحدٍ.
وإن اختلف جنس الحد باختلاف الحالتين في زنيتين، فزنى بكراً ثم زنى ثيباً، ففي التداخل وجهان: أصحهما - الاكتفاء بالرجم. فإن جرينا على الوجه الآخر، لم يصح حمل الحديث عليه من وجهين: أحدهما - أن حمل الألفاظ العامة المنقولة عن الرسول ﷺ في تأسيس الأصول لا يسوغ حمله على الشواذ، هذا وجه.
والثاني - أنه ذكر البكر صنفاً وذكر الثيب صنفاً، وما ذكره هؤلاء جمع حالتين لشخص واحد، وهذا استكراه في التأويل، لا يسوغ مثله. وقال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
والأصل في الرجم ما روي عن عمر أنه قال: " لولا أني أخشى أن يقال: زاد عمر في كتاب الله لأثبتُّ على حاشية المصحف ما كنا نقرؤه على عهد رسول الله ﷺ : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله، إن الله كان عزيزاً حكيماً " (١).
ورُوي أن رجلين كانا يتساوقان إلى رسول الله ﷺ ومع كل واحد منهما فئام (٢) من الناس، فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله تعالى وأذن لي في أن أتكلم، فأذن له في الكلام، وقال: إن ابني كان عسيفاً لهذا، فزنا بامرأته، فسألت من لا يعلم، وقال: على ابنك الرجم، ففديته بمائة شاة ووليدةٍ، ثم سألت رجالاً من
стр. 9004
أهل العلم فقالوا: على ابنك جلد مائة وتغريب عام. فقال ﷺ : " لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى: أما الشاء والوليدة فرَدٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها " (١). وقصة ماعز مشهورة، وكذلك قصة الغامدية.
وأجمع المسلمون على أصل حدّ الزنا، وإن اختلفوا في التفاصيل.
١١٠٤٤ - نبتدىء فنقول: الزنا قسمان: زنا البكر وزناً الثيب. فزنا البكر موجَبه الجلد والتغريب، والجلد مائة والتغريب عام. وإنما يستوجب المائةَ وتغريبَ العام البالغُ العاقل الحر الذي لم يُصِب في نكاح صحيح. والتغريب من الحد، والأصل فيه الأخبار والنصوص، وليس في القرآن باتفاق علماء المعاني ما يثبت استقلالاً في بيان الحد، وإذا كان كذلك، لا يظهر منه الحكم بالاقتصار على المذكور، ويتعين الرجوع إلى بيان الرسول ﷺ .
ونحن نذكر التغريب، وما يتعلق به. فالحر يُغرّب، وفي تغريب العبد قولان: أحدهما - أنه يغرب كالحر، والثاني - لا يغرب. فإن في تغريبه رفعُ يد السيد عنه، أو اضطرارُه إلى أن يتغرب معه، والعبد جليب (٢) لا يؤثر فيه التغريب.
التفريع:
١١٠٤٥ - إن حكمنا بأنه لا يغرب، فنقتصر على جلده خمسين، وإن قلنا: إنه يغرب، فللتغريب مسافة نذكرها وزمان، فأما المسافة، فالعبد فيها كالحر، وأما الزمان، فمدة تغريب الحر سنة، وفي العبد قولان: أصحهما - أنه على النصف من الحر، فنغرّبه ستة أشهر، كما أنه على النصف منه في الجلد. والقول الثاني - أنه يغرب سنة؛ فإن ما يتعلق بالمدد والطباع لا يُفرَّقُ فيه بين العبد والحر كمدة العنة والإيلاء.
стр. 9005
وهذا كلام سخيف؛ فإن امتحان العُنة ودركَ الضرار يتعلق بالجبلات، وهي لا تختلف بالرق والحرية، والتغريب تعذيبٌ، والعبد في الجلد على النصف من الحر، وإن كانت جبلّته في استدعاء الزجر كجبلة الحر، [فليكن في التغريب] (١) بهذه المثابة. هذا قولنا في العبد والحر (٢).
١١٠٤٦ - فأما الحرة، فإنها تغرب كالرجل إذا زنت بكراً، فإن ساعدها الزوج أو واحد من محارمها، أُخرجت، وإن لم يساعدها زوج ولا محرم، فهل نغربها وحدها مع ظهور الأمن؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نغربها؛ لأن هذه سَفْرة واجبة، فكانت كسفرة الهجرة إذا أسلمت حربية، وخافت أن تفتتن عن دينها؛ فإنها تخرج وحدها، كما سيأتي في كتاب السير، إن شاء الله. والثاني - أنها لا تغرب وحدها؛ فإن الغرض من التغريب تأديبها بأدب الله تعالى، وإذا خرجت وحدها، تهتكت، وكشفت جلباب الحياء عن وجهها (٣)، فإن أمكن استئجار واحد من محارمها ليخرج معها، فعل ذلك.
ثم اختلف أصحابنا، فقال بعضهم: الأجرة مأخوذة من مالها، وقال آخرون: هو من بيت المال (٤). والوجهان في ذلك كالوجهين في أن أجرة الجلاّد على المحدود أم هي في بيت المال؟ وسيأتي ذكر ذلك، إن شاء الله تعالى.
ولو لم يرغب واحد من محارمها في الخروج معها، وقلنا: إنها لا تخرج
وحدها، فهل للسلطان أن يجبر واحداً من محارمها على الخروج بأجرة معها؟ فعلى وجهين ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - أنه ليس له ذلك (٥)، فإنه في الحقيقة تغريبُ مَحْرَمٍ غيرِ مجرم، والتغريب عذاب على الزانية.
стр. 9006
والثاني - أن له أن يُجبره؛ وذلك استعانة منه فيما لا بد منه. والإمام إذا استعان بأحد من المسلمين، لزم الانقياد له.
وقد نجز القول في أصناف من يغرب.
١١٠٤٧ - ويلتحق بما ذكرناه أن الغريب يغرّب إذا زنا، قطعاً لوهم من يتوهم أن التغريب في حقه غير مؤثر، فإنه إذا لم يكن في وطنه، فالبلاد كلها في حقه بمثابة واحدة؛ وذلك أن قواعد الحدود لا تنقض بما يفرض في آحاد الأشخاص؛ على أن الغريب قد يألف بقعةً، ويشق عليه مفارقتُها، والغرض الأظهر من التغريب التنكيل، وهذا المعنى يستوي فيه المتوطن والغريب.
١١٠٤٨ - ثم نتكلم الآن في مسافة التغريب. اتفق الأئمة على أنها تبلغ مسافةَ القصر؛ إذ لو قصرت عن هذا المبلغ، لتردد عليه أخبار الأهلين والمخلَّفين، ولم يحصل به إيحاش الغربة، ولا ضبطَ وراء المرحلتين.
ثم وراء ذلك تردّد: [ففي] (١) بعض التصانيف أن الإمام إذا عيّن تغريبه إلى بلد، لم يسيبه فيها حتى ينفلت حيث يشاء، وهذا تصريح بأنه [يمنع] (٢) من الانتقال عن البلدة التي عُيّنت له، ولم يذكر ذلك أحد من أئمة المذهب. وإنه عندي باطل؛ فإنه جَمْعُ حبسٍ إلى تغريب، ولم يشهد لهذا سُنَّةٌ ولا قياس، وإذا غُرِّب في جهة وأظهر التنكيل به، فلا مانع من أن يتطوح في البلاد.
ثم في كلام الأصحاب تردد من وجه آخر، وهو أن الإمام لو عين لتغريبه صوب الشرق، فقال المغرّب: غرِّبوني في صوب الغرب، فمن أئمتنا من قال: إذا عيّن الإمام صوباً، فلا معدل عن الجهة التي يعينها، وهذا غير سديد (٣). والغرض أن يبعد عن الموضع الذي غربناه فيه مرحلتين، فليأخذ أيَّ صوب شاء.
وإذا زنا الغريب، غربناه من موضع الزنا، فإن فرعنا على أن الإمام لا يعيِّن
стр. 9007
صوباً، وأبطلنا حبسه في الموضع الذي يُغرَّب إليه، وهو مارٌّ على وجهه، فلا يكاد يظهر أثر التغريب، ولا يكاد [يظهر] (١) -والحالة هذه- إلا إظهار التغريب والإرهاق (٢) إليه.
وقد قال الأصحاب: لو كان بينه وبين وطنه مرحلتان لا نغرّبه إلى وطنه؛ فإن هذا ضد التغريب، ولكن نغرّبه إلى جهة أخرى، [فإن غربناه إلى بلدةٍ، فانتقل إلى وطنه] (٣) فهذا موضع وقوف الناظر، ولا وجه إلا ما ذكرناه (٤)، وإن كان يؤدي إلى تغربه من الوطن سنة ووجهه إلى الوطن (٥).
١١٠٤٩ - وفيما يعترض في الفكر أن المُغرَّب لو عاد إلى مكان التغريب قبل انقضاء السنة ومكث مدة من حيث لا يُشعر به، فإذا اطلع الوالي عليه غربه، وفي بطلان ما مضى من زمان التغريب قبل العود نظرٌ للمفكر؛ فإن الغرض الأظهر من التغريب الإيحاش بالغربة، وهذا إنما يحصل إذا تواصل الإيحاش والتغرب، يحققه أن الجلاد لو جلد الزاني مائة جلدة في عشرة أيام، لم يُعتدّ بما تقدم من الجلدات؛ فإن الإيلام الحاصل بالمائة المتواترة لا يحصل إذا فرقت الجلدات، وتخللت الفترات المريحة، وسنذكر هذا عند ذكرنا كيفية الجلد ونعت السياط، إن شاء الله. والمسألة في التغريب محتملة على الجملة (٦)، والعلم عند الله تعالى، وقد نجز بيان حد الأبكار إذا زنَوْا على الجملة، وستأتي مسائل على ترتيب الكتاب، إن شاء الله .
стр. 9008
١١٠٥٠ - وأما زنا الثيب، فموجبه الرجم بالحجارة، والثيب هو الذي أصاب في نكاح صحيح، فإذ ذاك يلتزم الرجم إذا زنا.
والإسلام ليس من شرائط الإحصان عندنا، فالذمي إذا استجمع الصفات التي ذكرناها ورضي بحكمنا رجمناه، وقصة اليهوديين ورجم رسول الله ﷺ إياهم مشهورة.
ثم لا يحصل الإحصان بالوطء في ملك اليمين وفاقاً، أما الوطء في نكاح فاسد، أو على وجه الشبهة، ففي حصول الإحصان قولان: أصحهما - أنه لا يحصل. ثم الصفات الثلاث -البلوغ، والعقل، والحرية- لا ترتب فيها، والمقصود اجتماعها.
فأما الإصابة، فقد اختلف أصحابنا فيها: فمنهم من قال: يشترط أن تحصل ممن تجمعت فيه الصفات الثلاث حتى لو حصلت الإصابة في الصغر أو في حالة الجنون، أو في حالة الرق، فلا اعتداد بها، ولا تحصل الثيوبة بها. وكما نشترط وطئاً كاملاً في جهةٍ كاملة نشترط حصول الوطء من كاملٍ لاستجماع الصفات الثلاث.
ومنهم من قال: لا ترتيب فيه كما لا ترتيب في سائر الصفات. (١ وإذا اجتمعت الصفات ١) الثلاث في أحد الزوجين وعُدِمت في الثاني، فالتحصين يحصل. وهذا كما إذا كان الزوج حراً بالغاً عاقلاً، وقد أصاب زوجته الرقيقة، فيحصل التحصين فيه.
وذكر صاحب التقريب في إصابة الصغير وجهين، وكذلك في تمكين المرأة الزوج الصغير، وهذا ليس بشيء إذا تم الوطء؛ [فإن المراهِقة] (٢) مطلوبة بالوطء، [وإذا] (٣) وطئت في نكاحٍ، عدّ ذلك من أكمل الوطء في أكمل الجهات. فإن أراد من يظهر الخلاف وطءَ صغيرةٍ لا يُشتهى مثلُها، أو صغيرٍ لا تشتهيه النساء، فهذا فيه احتمال، وقد ذكرت في باب التحليل من كتاب النكاح طرفاً صالحاً في هذا.
стр. 9009
ولا خلاف بين أصحابنا أن الثيب إذا زنا ببكر رُجم، وإن كانت تيك تجلد، وكذلك لو كان الأمر على العكس من هذا.
وقد نجز توطئة حد الزنا في الثيب والبكر.
١١٠٥١ - ثم قال الشافعي: " إذا رجم الزاني غُسل وصُلي عليه ودفن في مقابر المسلمين؛ فإنه مسلم، فكان كالمقتول قصاصاً " ثم قال: " ويجوز للإمام أن يحضر رجمه، ويتركَ ... إلى آخره " (١).
الوالي بالخيار، إن شاء حضر موضع الحد، رجماً كان أو جلداً، وإن شاء لم يحضر. وكذلك إذا ثبت الزنا بالشهود، لم يلزمهم أن يحضروا (٢). وقال أبو حنيفة (٣): إن ثبت الزنا بالإقرار، فعلى الوالي أن يحضر، وإن ثبت بشهادة الشهود، فعليهم أن يحضروا.
ثم اشترط إذا حضر الوالي أن يبدأ بالرجم، وإذا حضر الشهود أن يبدؤوا، ونحن نستحب الحضورَ من الشهود لنفي التهمة، ولا نوجبه، وقد ثبت الحد على ماعز، فلم يحضر رسول الله ﷺ رجْمَه، وذلك بيّن في قصته إذ روي أنه لما مسه ألم الأحجار، قال: " ردوني إلى محمد، فإن قومي غرّوني وقالوا: إن محمداً ليس بقاتلك، وولّى هارباً، فأدركه رجل بلَحْي جمل، فأثبته، فأخبر به النبي ﷺ ، فقال: " هلا تركتموه يفر من عذاب الله تعالى "، وفي رواية: هلاّ رددتموه إليّ لعله يتوب " (٤).
стр. 9010
فصل
قال: " وإن أقر مرة حُدّ ... إلى آخره " (١).
١١٠٥٢ - إذا أقرّ بالزنا مرة واحدة -كما سيأتي وصف الإقرار، إن شاء الله تعالى- ثبت الحد، ولا يشترط التكرار في الإقرار، خلافاً لأبي حنيفة (٢).
ثم أجمع أصحابنا على أنه مهما (٣) رجع عن الإقرار، لم نحده. وإن رجع في أثناء الحد، انكففنا عنه، ورجوعه أن يقول: كذبت فيما قلت، أو رجعت، وهو يريد تكذيب نفسه. ولا يشترط في قبول رجوعه عن الإقرار أن يذكر سبباً في الإقرار والرجوع. وقال مالك (٤): لا يُقبل الرجوع المطلق عن الإقرار، فإن ذكر شيئاً ممكناً، قُبل حينئذ، وذلك مثل أن يقول: حسبت الإتيان دون المأتى زنا، ثم تبين لي. ونحن لا نشترط هذا.
واختلف القولُ في أن من أقر بسرقة توجب القطع، ثم رجع عن إقراره، فهل يسقط القطع عنه بالرجوع عن الإقرار أم لا؟ والأصح أنه يسقط قياساً على حد الزنا.
ووجه القول الثاني أن السرقة متعلقة بحق الآدمي، والرجوع فيه غير مقبول، ونحن قد نتبع [الحدَّ الحقَّ] (٥) في موجَب الإقرار، والدليل عليه: أن العبد إذا أقر بسرقة مال،
стр. 9011
فإقراره مقبول في إيجاب القطع عليه، وقد يقبل إقراره في المال المسروق على أحد القولين، وسيأتي شرح ذلك، إن شاء الله تعالى.
ولو أقر بالزنا ثم لم يرجع عن إقراره مصرحاً بتكذيب نفسه، بل قال: دعوني، لا تحدّوني، فهل يجعل ذلك بمثابة الرجوع عن الإقرار؟ فعلى وجهين ذكرهما صاحب التقريب، والأظهر أن هذا لا أثر له؛ فإنه صرح بالإقرار، ولم يصرح بالرجوع عنه. هذا إذا ثبت الحد بالإقرار.
فأما إذا ثبت بشهادة الشهود فالحد يقام على المشهود عليه.
١١٠٥٣ - ولو تاب (١)، ففي سقوط الحد عنه بالتوبة قولان للشافعي: أصحهما - أنه لا يسقط؛ إذ لو أسقطناه، لصار ذلك ذريعة إلى إبطال حكم الحد؛ إذ الغرض منه الردع، ولا يعجز مرتكب ما يوجب الحد عن إظهار التوبة، ثم الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر. والقول الثاني - أن الحد يسقط بالتوبة؛ فإنه عقوبة تثبت حقاً لله، وحقوق الله تعالى تبنى على أن تسقط بالتوبة.
ولا خلاف في سقوط الحدود عن قطاع الطريق إذا تابوا قبل الظفر بهم، وفي قبول توبتهم بعد الظفر بهم قولان، كما سيأتي ذكره في سائر الحدود. وهذا [يذكره الفقيه أخذاً] (٢) من نص القرآن عظيم الوقع؛ فإنه عز من قائل قيّد توبة أهل المحاربة بما قبل الظفر، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤].
ولو وجب الحد، وثبت وجوبه، فهرب من تقرر الحد عليه؛ فقد ذكر أصحابنا في سقوط الحد وجهين. واستشهدوا في نصرة أحد الوجهين بقصة ماعز، وأن النبي ﷺ أنكر على من اتبعه وأثبته، وأحَبَّ أن لو كان تُرِك.
فإن قيل: في الحديث " هلا تركتموه يرجع إليّ لعله يتوب " وقد زيّفتم قول من يقول التوبة تُسقط الحد؟ قلنا: نعم، ذلك القول في نهاية الضعف، وإن كان مشهوراً، وليس يليق بمذهب الشافعي مع محافظته على حفظ القواعد أن يثبت إظهارَ
стр. 9012
التوبة ذريعة إلى إسقاط الحدود كلها، وقول رسول الله ﷺ في قصة ماعز " لعله يتوب " حمله بعض الحذاق على الرجوع عن الإقرار، وأصل التوبة في اللسان الرجوع، وكان قد ثبت الحد على ماعز بإقراره.
فإن قيل: أليس قال رسول الله ﷺ : " من أتى من هذه القاذورات شيئاً، فليستتر بستر الله " (١). ولو كان الحد لا يسقط بالتوبة، لكان فيما ذكره رسول الله ﷺ تحريض على كتمان حقٍّ واجبٍ لله تعالى. قلنا: لا يمتنع أن تكون توبة المستتر الذي لا يبدي صفحته بمثابة توبة قاطع الطريق قبل الظفر به.
وفيما ذكرناه احتمال؛ فإنّ سبب قبول توبة المحاربين عطفُهم على الطاعة، وردُّهم بالاستمالة إليها. وهذا المعنى لا يتحقق فيما ذكرناه، والمسألة محتملة.
وتمام الحديث يدل على أن التوبة بعد ظهور وجوب الحد لا تنجع، فإنه ﷺ قال في تمام الحديث: " فإنه من يبدي لنا صفحته نقيم عليه حد الله تعالى " (٢). وهذا نص في أن التوبة لا تنفع.
١١٠٥٤ - وقد عاد بنا الكلام إلى تفصيل القول في الهرب، وقد ذكرنا فيه اختلافاً، واضطرب أئمتنا في تنزيله: فقال قائلون: الخلاف في الهرب إنما يجري إذا كان الحد ثابتاً بالإقرار، فأما إذا ثبت بالبينة، لم ينفع الهرب.
وقال قائلون: الخلافُ جارٍ سواء ثبت الحد بالبينة [أو بالإقرار] (٣).
وذكر بعض الأئمة مسلكاً حسناً في ذلك، فقال: الخلاف في أن الهارب هل يتبع؟ فأما المصير إلى أن الحد يسقط به، فلا، ولو امتنع من عليه الحد عن
стр. 9013
الاستسلام لإقامة الحد عليه، فقد ألحقه الأصحاب بالهرب؛ فإن كل واحد منهما امتناع، وقد قيل: " رفع إلى رسول الله ﷺ شارب خمر، فهمّ بإقامة الحد عليه، فولى ولاذ بدار العباس، فلم يتعرض له رسول الله ﷺ " (١). وحكاية الأحوال عرضةُ الاحتمال، فلا يبعد أن يقال: كان ثبت عليه الحد بإقراره، ثم رجع وولى.
فرع:
١١٠٥٥ - إقرار الأخرس بالزنا مقبول، وإشارته كعبارة الناطق. وقد ذكرنا تحقيق ذلك في كتاب اللعان، ولو قامت عليه البينة بالزنا، حُدّ عندنا، خلافاً لأبي حنيفة (٢). وله بدائع في الأخرس يقضِّي اللبيب منه العجب؛ فإنه قال: لو زنى وهو ناطق، ثم خرس، سقط الحد. ولو زنى بخرساء وهو ناطق لا يحدّ، وسنجمع في آخر الكتاب، إن شاء الله مسائل الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة. وغرضنا بذكرها إذا انتهينا إليها أن نضبط ما يؤثّر في إسقاط الحد وما لا يؤثّر، وعندها نتبين مجامع الشبهات، ومحلَّ الوفاق والخلاف، إن شاء الله تعالى.
فصل
قال: " وصفة الرجم أن يضرب بالحجارة والمدر ... إلى آخره " (٣).
١١٠٥٦ - الرجم بيّن المعنى (٤)، ولو ضُربت رقبة من يستحق الرجم، وقع ما جرى حداً، ولكن فعل (٥) ما فيه ترك الواجب؛ فإنّ غرض الشارع المَثُلةَ بالزاني بالجهة التي نص عليها، وقتله بالسيف تخفيف عنه، وعلى هذا لو قُصد بصخرة عظيمة من فوقه،
стр. 9014
فالواحدة تذفِّف عليه، ولا يجوز ذلك، ولو كان يُرمى بحصى الخذف؛ فيطول الأمر عليه، وهذا أيضاً غير جائز؛ فإنه زيادة في عذابه، فلْنرْمه بالأحجار التي [يُرمى] (١) بأمثالها للقتل.
ثم يختلف الأمر في هذا؛ فقد تصيب الأحجار مقاتله، فيموت في قرب من الزمان، وقد يتمادى، وذلك لا يدخل تحت الضبط.
ثم الرجم يقام في الحر الشديد، والبردِ المفرط، والمرضِ المدنف؛ فإن الرجم إهلاكٌ؛ فلا وجه للإبقاء على مرجوم. وإنما يَرعَى الإمامُ التحرز عن أسباب الهلاك، إذا كان الحد جلداً.
قال الأئمة: إذا ثبت الزنا بالإقرار، فينبغي أن يؤخر رجمه عن شدة الحر والبرد، والسبب فيه [أنه] (٢) ربما يرجع عن إقراره إذا (٣) مسه حر الحجارة. ولو اتفق هذا، فقد يهلك [ببوادر] (٤) الأحجار التي أخذت منه مأخذها؛ فيتحتم رعاية هذا.
وهذا لا يتحقق إذا ثبت الزنا بالبينة؛ فإنا لا نبني الأمرَ على رجوع الشهود.
١١٠٥٧ - ولو كان الحد جلداً، فحقٌّ على الإمام أن يرعى جهةَ المحدود، والزمانَ الذي يقام الحد فيه، فلا يقيمه في شدة حر، ولا في شدة برد، ويحبسه إلى أن يعتدل الزمان.
وأما مراعاة المحدود في نفسه؛ فلو كان مريضاً مرضاً يُرجى برؤه، أُخّر إقامة الحد حتى يبرأ، ويستبلّ (٥)، وإن كان لا يرجى برؤه، وقد يكون مُخدَجاً ضعيف الخَلق، لا يحتمل الجلد أصلاً، فكيف السبيل فيه؟ اعتمد الأئمة في ذلك حديثاً نرويه، ثم نتبعه تفصيل المذهب، روي: " أن رجلاً مُخدَجاً رُئي على امرأة، وكان يخبُث بها،
стр. 9015
فأمر رسول الله ﷺ بأن يجلد مائة. فقالوا: يا رسول الله هذا لو جُلد مات. قال ﷺ : " خذوا عِثْكالاً عليه مائة شِمْراخ، فاضربوه به " (١).
وقد اضطرب كلام الأئمة في هذا الفصل، ونحن نذكر ما ذكروه، ثم ننبه على غامضة المذهب، ثم نوضح ما عندنا، إن شاء الله.
١١٠٥٨ - قال الصيدلاني: نأخذ غصناً عليه مائة فرع، ونضربه به. ولا يشترط أن تمسه الفروع كلُّها، بل يكفيه أن ينكبس بعضها على بعض بحيث يثقل بسببها الغصن على المضروب، ويناله بهذا السبب أدنى التثقيل، ولو كان على الغصن خمسون فرعاً، ضربناه مرتين، فاقتضى كلامه رعاية إلحاق الأذى به، كما ذكرناه.
وفي بعض التصانيف أنه لا يؤلم بالضرب، واتفقت الطرق على أن الوضع عليه ليس كافياً، ولا بد من المقدار الذي يسمى ضرباً. هذا ما وجدناه من كلام الأئمة.
ومما نُقضِّي العجب منه مجاوزتهم أمثال ذلك من غير مباحثة، مع ظهور الإشكال فيه.
وأنا أقول: الأسواط التي تقام الحدود بها سيأتي وصفها، إن شاء الله، في باب مفرد في آخر الأشربة، فإن كان مستوجب الحد مستقلاً بالضرب بها، فلا كلام.
стр. 9016
وإن كان لا يستقل بالضرب بها، وكان قد يستقل بأسواط خفيفة- (١ دون ما سنصفه من سوط الحد- فليت شعري أنوجب الضرب بالأسواط الخفيفة ١)؛ فإنها أقرب إلى صورة إقامة الحد من الضرب بالعِثكال أو الغصن ذي الفروع؟ وهذا محل النظر، والذي أراه أنه يجب الضرب بالأسواط الخفيفة (٢).
وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنه إذا ضعف عن احتمال سياط الحد، فليس يجب إلا الضرب بالعِثكال، كما تقدم وصفه.
ومما يجب التنبيه له أن المقدار الذي ذكروه من الضرب بالعثكال ما أراه زاجراً إذا لم يكن فيه إيلام يتوقع مثله من بدن المُخدَج، كموقع السياط الموصوفة من بدن الأيِّد المحتمِل، هذا لا بد منه، وإلا يبطل حكم الحد.
وقد قال الأئمة: من حلف ليضربن فلاناً مائة سوط، فضربه بعِثكال عليه مائة شمراخ، كفاه ذلك، وبرّ في يمينه. وهذا ذكروه والمحلوفُ عليه قوي، واتبعوا فيه سنة الله تعالى في قصة أيوب ﵇، إذ قال عز من قائل: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].
ولا يمكن أن يُتَلقَّى ما نحن فيه من ذلك الأصل، مع ما ذكرناه من جريانه على الصحيح ذي المِرّة، فالوجه أن نعتبر الأسواطَ وما ينال القويَّ من الضرب (٣) بها، ثم نعتبر في كل شخص ما يحتمله، مع رعاية النسبة التي فهمناها في الأصل.
وأما الحديث الوارد في المُخْدَج في الحد؛ ففي آخره ما يدل على أنه كان في نهاية الضعف، [إذ قالوا: لو ضربناه] (٤) لتفتّت، فجرى كلام رسول الله ﷺ على هذا المقتضى.
وقد نجز ما أردناه نقلاً وتنبيهاً.
أما الاكتفاء بانكباس بعض الأغصان على بعض مع ما فيه من التثقيل، فالأمر
стр. 9017
بالضرب بالعكثال مصرِّح بالاكتفاء بما ذكره الأصحاب؛ فإن انبساط الشماريخ والغصون يبعد وقوعاً ويندر كوناً، فالأمر الظاهر يقتضي ما ذكروه.
ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن المريض لو كان بحيث يحتمل مائة جلدة ولكن لو فرقت عليه في أيام، فلا يصير أحد إلى إيجاب ذلك، ولكن يجب إقامة الممكن وتخليةُ سبيله وإراحتُه عن انتظار العقوبة.
هذا منتهى القول في ذلك، وتمام البيان سيأتي في باب صفات [سياط] (١) الحدود، إن شاء الله .
١١٠٥٩ - ثم إن كان به مرض مرجو الزوال؛ فالوجه ارتقاب زواله، ثم لا سبيل إلى تخليته.
وهذا فيه فضلُ نظر، فإن ثبت الحد بالبينة، فيتجه حبسُه، كما تحبس الزانية الحامل. وإن ثبت الحد بالإقرار، فالحبس محتمل عندي؛ لأنه إن كان لا يستسلم لحد الله، يهون عليه الرجوع عن الإقرار، ويشهد لذلك حديث الغامدية، فإنها لما أقرت بالزنا وكانت حاملاً، لم يحبسها رسول الله ﷺ ولكن خلاّها حتى تضع ... الحديث. [و] (٢) هذا يقوى جداً إذا قلنا: من هرب عن حد الله تعالى، لم نتبعه.
ويجوز أن يقال: يُحبس المقِرُّ حتى يستقلَّ باحتمال الحد، فإن رجع عن إقراره، خلّينا سبيله.
ولا خلاف أن القصاص لو ثبت، واقتضت الحالةُ تأخيرَ الاستيفاء، فإنا نحبس من عليه القصاص، (٣ كالذي ثبت عليه بالبينة ٣)، والذي تلقيته من كلام الأئمة أن المشهود عليه يحبس، والعلم عند الله تعالى.
ثم إن ظهر لنا أن المرض لازم يبعد زواله، وانتقلنا إلى الضرب بالعِثكال، كما
стр. 9018
وصفنا، فلو اتفق البرء من ذلك المرض على الندور، [فالذي] (١) قطع به الأصحاب أن ما مضى كافٍ، ولا نعيد الحد بعد البرء والاستقلال، وقد ذكرنا تردداً في أن المعضوب إذا برأ على الندور بعدما استأجر أجيراً، وحج عنه، فهل يسقط فرض الإسلام عنه أم لا؟ وليس الحد كذلك؛ فإن مبناه على الاندفاع بالشبهة، والمُقام منه كافٍ معتد به، لا يتغير موجَب الاعتداد به.
١١٠٦٠ - ثم قال الشافعي وأصحابه: إذا كان الحد جلداً، فينبغي ألا يقيمَه الإمام في شدة الحر والبرد، [ولكن] (٢) يرعى في ذلك زمانَ الاعتدال، وهذا مما يجب صرف الاهتمام إليه، ولا وصول إلى الغرض منه إلا بذكر ما قاله الأصحاب على وجهه، ثم الرجوع بالمباحثة.
قالوا: إذا أقام الحدَّ في شدة الحر والبرد، فهلك المحدود، فلا ضمان على الإمام، هكذا نص الشافعي هاهنا، وقال فيمن امتنع من الاختتان: " لو ختنه الإمام، فأفضى إلى هلاكه، يجب الضمان " فاختلف أئمتنا على طريقين: منهم من قال: في المسألتين قولان، نقلاً وتخريجاً: أحدهما - أن الضمان يجب؛ فإن الإمام ترك ما أُمر به من تأخر الحد، وارتقاب اعتدال الهواء، فكان ذلك تقصيراً منه.
والثاني - أنه لا يجب الضمان؛ فإن الهالك قتيلُ الحد، والحقُّ قتله.
ومن أصحابنا من أقر النصين قرارهما، وفرّق بينهما، فقال: استيفاء الحدود إلى الأئمة، فإذا أقاموها، لم يؤاخذوا بمواقعها، والختان لا يتولاه الولاة، وإنما يتعاطاه المرء من نفسه، أو يقوم به في صباه وليّه (٣)، فإذا خاض الإمام فيه، فهذا كان على شرط سلامة العاقبة، هذا ما ذكروه.
١١٠٦١ - وطريق المباحثة فيه أنا إذا قلنا: لا يجب الضمان إذا مات المحدود، فلا شك أنا لا نوجب على الإمام تأخير إقامة الحد إلى اعتدال الهواء؛ فإنا لو أوجبنا
стр. 9019
ذلك، لكان معتدياً إذا لم يؤخر، وكان الضمان يجب، فإن أوجبنا الضمان، فينقدح وجهان: أحدهما - لا يجوز إقامة الحد فى الحر والبرد، ولأجل هذا يضمن إذا أفضى التعجيلُ إلى الهلاك.
ويجوز أن يقال: إذا أوجبنا الضمان لم (١) يُمنع الإمام من التعجيل، ولكنا نكره ذلك، ونقول: إن فعلته، تعرضت [لفَرْض] (٢) الضمان، كما نطلق ذلك في التعزيرات، وتأديبِ الأبِ ولدَه، والأستاذِ تلميذَه، والفقهُ ربط الضمان بالمنع عن الفعل، وقد ذكرنا أن الموجب للضمان في التعزير أنا نتبيّن أن التعزير المهلك لم يكن على الاقتصاد المأمور به؛ إذ لو كان كذلك، لما أهلك.
ومما يجب الاعتناء به -وهو سر الفصل- (٣ أن التعزير ٣) هو على قدرٍ يغلب على الظن أنه لا يُهلك، فأما جلد مائة، فلا يمكن إطلاق هذا الاعتبار فيه، فإن من ضرب إنساناً مائة جلدة على الحد الواجب فى الحد، فقد نقول: إنه مما (٤) يُقصد به القتل، فإذا وقع عمداً، وأفضى إلى الهلاك، لم ينقص عن قطع أنملة، وهذا مقام يجب التثبت فيه.
ويحتمل أن أقول: الحد هو الذي لا يغلِّب على الظن إهلاكَ المحدود، وإن كان لا يغلِّب السلامةَ منه، وكأن المقصودَ من الحد إيقاعُ عذاب بالمحدود: إن كان (٥) يسلم منه، فذاك، وإن هلك، فالحق قتله؛ ولهذا نص الشافعي على تجويز إقامة الحد في شدة الحر والبرد.
فالضعيف هو الذي يقتله الجلد لا محالة، والقوي هو الذي لا تندر سلامته، وليس الشرط أن يندر هلاكُه.
ويجوز أن يقال: ينبغي أن يكون الحد بحيث لو صدر من جانٍ عامد، لما
стр. 9020
استوجب القودَ به؛ من حيث إنه لا يقصد به القتل غالباً، والتردد في الضمان بسبب إقامة الحدّ في الحر والبرد جاء من هذه الجهة، ومن لم يحط بذلك، فليس على بصيرة من فقه الفصل.
وينتظم مما ذكرناه من العقوبات: منها قتلٌ، ولا نظر فيه، ومنها تعزير ويجب فيه نهاية التوقّي مما يتوقى منه الهلاك، ومنها الحد بالجلد، وهو على التردد الذي ذكرناه في أنه هل نشترط أن تغلب السلامة منه أو لا نشترط ذلك. ولا بُعْد لو قُدِّر حدٌّ ليس قتلاً، ومثله لو فرض من جانٍ، وأفضى إلى الهلاك، لكان قتلاً موجباً للقود، وهذا كقطع اليد والرجل في السرقة. وقد انتهى المقصود من الفصل موضَّحاً مستوفىً، والله ولي التوفيق.
فصل:
قال: " ولا يجوز على الزنا واللواط وإتيان البهائم إلا أربعة ... آخره " (١).
١١٠٦٢ - مقصود الفصل بيان حكم اللواط وإتيان البهائم، فنقول: ظاهر النصوص على أن الحد يجب على من يأتي الذكور.
وذكر الأئمة قولاً مخرجاً أنه لا يجب الحد باللواط، وإنما الواجب فيه التعزير.
ومن أوجب الحد، احتج بمذاهب أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فإنه اشتهر عنهم التغليظَ على اللائط، حتى لو ادعى مدعٍ انتشار ذلك في أكثرهم، لم يكن مجازفاً، وإنما خلافهم في كيفية العقوبة- على ما سنذكر ما تمس الحاجة إليه في التفريع.
وروي أن رسول الله ﷺ قال في اللائط والمأتي: " اقتلوا الفاعل والمفعول به " (٢).
стр. 9021
ومن أراد توجيه قول التعزير تمسك بطريقٍ من الشبه، وهو مذكور في مسائل الخلاف، وإن قلنا: واجب اللواط التعزير، [فسنفصل] (١) التعزيرات في باب الأشربة، إن شاء الله .
وإن قلنا: واجب اللواط الحد، فعلى هذا القول قولان: أحدهما - أن سبيله كسبيل الزنا، يرجم فيه الثيب المحصن، ويجلد البكر، وقيل هذا مذهب ابن الزبير، ووجه القياس فيه لائح. والقول الثاني - أن اللواط يوجب القتل على البكر والثيب؛ إذ لم يفصل الرسول ﷺ ، حيث قال: " اقتلوا الفاعل والمفعول به " وكذلك أصحاب الرسول ﷺ الأقدمون ﵃ لم يفصلوا، وأوجبوا القتل. واختلف في كيفيته، فروي عن علي أنه قال في اللائط: " يُردَّى من شاهق، ويُعلى بالأصخار " (٢)، ولم يفصل. وروي قريب من ذلك عن أبي بكر ﵁.
فإن قلنا بالفرق بين المحصن وغيره، فالوجه اعتبار ذلك في الفاعل، ولا معنى لاعتباره في المفعول به، ولعل الوجه قتْلُه على كل حال، هذا تنبيه (٣)، وقد يخطر أنه لا يقتل، ويُجلد ويغرب، ويجوز أن يشبه جانبه (٤) بجانب اللائط في الفرق بين الثيب والبكر.
стр. 9022
فإن قلنا: يقتل صاحب هذه الفاحشة فاعلاً كان أو مفعولاً به، ففي كيفية القتل قولان: أحدهما - أنه يرجم [كالمحصن] (١) إذا زنى. والثاني - أنه تضرب رقبته.
وهذا الاختلاف يوجه (٢) بتردد أصحاب الرسول ﷺ ، فقد صار إلى كل مذهب مما ذكرناه صائرون من الصحابة ﵃، إلا التعزير، فلم يكتف به أحد منهم.
فقد انتظم في اللواط أربعة أقوال: أحدها - الرجم في كل حال. والثاني - ضرب الرقبة. والثالث - الفصل بين المحصن وغيره. والرابع - الاقتصار على التعزير.
١١٠٦٣ - وإتيان المرأة الأجنبية في دبرها بمثابة اللواط، وقال قائلون: هو بمثابة الزنا والإتيان في المأتى.
١١٠٦٤ - وإذا أتى الرجل غلامه المملوك؛ فالمذهب: القطع بأنه بمثابة اللواط بغير المملوك، في التزام ما تقدم تفصيله، وأبعد بعض أصحابنا فجعل إتيان الرجل غلامه المملوك بمثابة وطئه أخته المملوكة، وفي وجوب الحد قولان سيأتي ذكرهما، إن شاء الله تعالى.
وهذا غير سديد؛ فإن الملك على الجملة يؤئر في إباحة الإتيان في المأتى؛ فإذا حرم بسببٍ، جاز أن ينتهض الملكُ شبهة في إسقاط الحد، وأما إتيان العبد المملوك، فليس فيه تخيل الإباحة على جهةٍ، فلا أثر للملك فيه.
١١٠٦٥ - وإذا أتى الزوج زوجته في دبرها، فالمذهب أنه لا يلتزم الحد. وأبعد بعض أصحابنا، فألزمه ما ألزم اللائط. وهذا لا أصل له.
١١٠٦٦ - فأما إتيان البهائم؛ فالمنصوص عليه أن واجبه التعزير، واستنبط بعض أصحابنا قولاً من نص الشافعي نذكره: أن الحد يجب على آتي البهيمة، وذلك النص أن الشافعي قال: " لا أقبل على إتيان البهيمة إلا أربعة من العدول "، [وقرن] (٣) بينه
стр. 9023
وبين اللواط والزنا في الذكر في اشتراط العدد الأقصى، فنظم الأصحاب قولين، وقالوا: أصحهما - وجوب التعزير. والقول الثاني - أنه كاللواط. وقد تفصل القول فيه.
فإن قلنا: إنه كاللواط، ففي قتل البهيمة وجهان: أحدهما - أنه لا تقتل من جهة أنها لا تنسب إلى ارتكاب جريمة، ولا يفرض الزجر في جنسها، والثانى- أنها مقتولة، وقد روى بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال: " اقتلوا الفاعل والمفعول به. فقيل للراوي: ما ذنب البهيمة؟ فقال: إنما تقتل حتى لا تذكر " (١). وذكر العراقيون وجهاً ثالثاً - أنها إن كانت مأكولة اللحم، ذبحت، وإن لم تكن مأكولة اللحم، لم يجز قتلها، وهذا التفصيل لا بأس به.
فإن قلنا: تقتل البهيمة، نُظر: فإن كانت محرمة اللحم، فهل يجب قيمتها؟
فعلى وجهين: أحدهما - لا يجب؛ لأنها مستحقةُ القتل شرعاً، وهذا ضعيف؛ فإنها ما أجرمت، وإبطال مالية مالكها منها بعيد عن قياس الأصول. فإن قلنا: يجب قيمتها لمالكها، ففيمن عليه القيمة وجهان: أحدهما - أنها على الذي أتى البهيمة؛ فإنه الساعي في إهلاكها. والثاني - أنها في بيت المال. وهذا يقرب من التردد المذكور في أجرة الجلاد.
وإن كانت البهيمة مأكولة اللحم، فهل يحرم أكلها إذا ذبحت؟ فعلى وجهين:
стр. 9024
أصحهما - أنها لا تحرم، والثاني - أنه يحرم أكلها؛ فإن من أصول الأطعمة أن كل حيوان وجب قتله، حرم أكله، (١ كما أن كل حيوان حرم قتله حرم أكله ١)، فإن حرمنا أكلها، فقتْلُها تفويتها، والكلام فيها كالكلام في قتل البهيمة المحرمة اللحم، (٢ فإن قلنا: لا يحرم أكلها، فلا يجب إلا ما ينقصه القتل إن أوجبنا القيمة في البهيمة المحرمة ٢)، ثم الخلاف فيمن يجب عليه أرش النقصان على ما تقدم.
ثم كل إتيان يوجب الحد، فلا يثبت إلا بأربعة من الشهود، وإن حكمنا أنه لا يوجب الحد بعضُ ما ذكرناه كإتيان البهيمة واللواط على القول البعيد المخرّج، فهل يثبت بشهادة عدلين حتى يصير المشهود عليه مستوجباً للتعزير أم لا بد من أربعة من العدول؟ فعلى وجهين. ونص الشافعي على أنه لا بد من أربعة من الشهود، هكذا ذكر هاهنا، وقد صرح في كتاب الشهادات بأن إتيان البهيمة ليس بزنا، وقال: إذا شهد الشهود بالزنا استفسرهم الحاكم، لأنهم قد يعُدّون إتيان البهيمة زناً، هذا تمام القول في هذا الفن.
فصل
قال: " فإن شهدوا متفرقين قبلتهم ... إلى آخره " (٣).
١١٠٦٧ - الكلام الوافي البالغ في تحمل الشهادة على الزنا، وعدد الشهود، وكيفية إقامة الشهادة، والرجوع عن الشهادة قبل استيفاء العقوبة وبعدها، وما على الراجع كله يأتي مستقصىً [مجموعاً] (٤) في باب الرجوع عن الشهادة، في كتاب الشهادات إن شاء الله .
والذي نذكره هاهنا في شهود الزنا إذا لم يتمّوا أربعاً، أو تموا، ثم رجع بعضهم، أو كانوا فسقة، أو عبيداً، أو كفاراً، فإنا لم نذكر هذا في كتاب اللعان؛ فنقول
стр. 9025
هاهنا: إذا شهد ثلاثة على الزنا [ولم يساعدهم رابع، أو شهد واحد على الزنا] (١) وجاء مجيءَ الشهود، ففي وجوب الحد قولان: أحدهما - أنه لا يجب حدّ القذف؛ فإنهم جاؤوا مجيء الشهود، والذي يعضد ذلك أن لكل واحد منهم أن يُقدم على إقامة الشهادة، والحد عقوبة جريمة، وإذا أقدم ثلاثة على الشهادة، فكيف ينقلبون قَذَفَة بامتناع الرابع؟
والقول الثاني - أنهم قذفة والشاهد فيه حديث عمر وقصة أبي بَكْرة (٢) وهي مشهورة مذكورة في الخلاف.
ومسلك المعنى أنا لو لم نقم الحد على الشهود إذا لم يكمل عددهم، لاتخذوا صيغ الشهاداتِ ذريعةً في القذف والوقيعة في الأعراض.
ولو شهد أربعة من العدول ثم رجع واحد منهِم عن الشهادة أو رجع ثلاثة من الشهود وأصرّ واحد، فالراجعون إذا كذّبوا أنفسهم قَذفة يُحدّون، والمستقر على الشهادة لا يُحدّ عند المراوزة؛ فإن العدد كمل والبينة تمت، ثم رجع [من رجع] (٣)، فعليهم وبال الأمر، واختصوا به دون المستقر على الشهادة.
وذكر العراقيون طريقين: أحدهما - ما ذكرناه، والآخر - أن المسألة على قولين في المصرّين على الشهادة، كما [لو لم يكمل] (٤) العدد ابتداء. وهذا بعيد جداً، ثم إن لم يكن من هذه الطريقة البعيدة بُدٌّ، فيجب ذكرها إذا فرض الرجوع قبل نفوذ القضاء، أما إذا نفذ الحكم، ورجع من رجع، فلا يجوز أن يكون في المستقرين على الشهادة خلاف؛ فإنا في الغرامات التي سيأتي تفصيلها لا نوجب على المستقرين على شهاداتهم
стр. 9026
شيئاً، وإنما نخصص ما نوجبه بالراجعين، وإذا فرض الرجوع قبل نفوذ القضاء، فقد يظن ظان أن البينة لم تكمل، [إذا] (١) عدمت قبل جريان القضاء بها.
ولو شهد شهود على الزنا في ظاهر الحال، ثم بانوا عبيداً أو كفاراً، فقد قطع المحققون بأنهم قذفة يُحدون؛ لأنهم ليسوا من أهل الشهادة، وإذا بطل منصب الشهادة، لم يبق إلا ذكر الزنا، وذكر الزنا من غير شهادة قذف.
١١٠٦٨ - ولو بان الشهود الأربعة فسقة، فالتفصيل فيهم أنهم إن كانوا معلِنين بالفسق غير مكاتمين فيه، ولم يكن فسقهم مما يتوصل إليه باجتهاد، ففي المسألة قولان، ذكرهما ابن سريج: أحدهما - إنهم قذفة كالعبيد والكفار، والثاني - أنه لا حد عليهم؛ فإن في العلماء من يجعل الفاسق من أهل الشهادة.
وإن كان الفسق الذي يرد القاضي به شهادتهم مجتهداً فيه، نُظر؛ فإن كان مظنوناً لا يُقطع به، وقد يرى القاضي التفسيق بما قد يرى غيره أنه لا يقع التفسيق به، فإن كان كذلك، فلا يُحدون بلا خلاف، فإنا لو حددناهم -وقد جاؤوا مجيء الشهود في ظاهر الحال/قطعاً- لكنا معارضين مقطوعاً به بمجتهد فيه، ولا يبعد أن يدرأ حد الزنا عن المشهود عليه باجتهاد، فأما إيجاب الحد عليهم [بمظنون] (٢)، ومنصبهم منصب الشهادة فلا سبيل إليه.
وإن ردت شهادتهم بفسق يكتمونه ويستخفون فيه من الناس، فهل يكونون قذفة؟ فيه وجهان مرتبان على الوجهين في المعلنين، وهاهنا [أولى] (٣) بألا يحد حد القذف، بل هو ظاهر المذهب، والدليل عليه أنهم لو شهدوا في مال أو غيره، فردت شهادتهم، ثم حسنت حالتهم، فأعادوا الشهادة رُدّت معادة، كما رُدّت ابتداء، ولو جاء عبيدٌ مجيء الشهود، فردت شهادتهم؛ ثم عَتَقوا، فأعادوها، قُبلت منهم معادة، ولو رُدت شهادة معلنين بالفسق، [لا يأنفون منه] (٤) ولا يتعيرون به، ثم
стр. 9027
حسنت حالتهم، وظهرت عدالتهم فأعادوها، ففي قبول الشهادة المعادة وجهان.
ويمكن أن نجعل هذا ضبطاً فيما نحن فيه، فيقال: كل من ردت شهادته [وإذا] (١) زايل حالتَه، ثم أعاد الشهادة لا تقبل شهادته المعادة، فإذا شهد على الزنا مع كمال العدد، ثم اطلع على تلك الصفة، وردت شهادته، فلا يكون قاذفاً، وإن كان على صفة لو شهد عليها ثم زايله فأعادها، قبلت منه، فإذا شهد على الزنى، فردت شهادته على الصفة التي ذكرناها، فهو قاذف، لأنه ليس من أهل الشهادة، [وتصدّيه لها باطل] (٢) فلو شهد على الزنى أربعة، ثم بان أن فيهم من يعادي المشهود عليه، فردت شهادته، فليس قاذفاً؛ لأن رد الشهادة بالعداوة مجتهد فيه، وقد ذكرنا أن الفسق المجتهد فيه إذا اتفق رد الشهادة به لا يصير المردود قاذفاً، مع كمال العدد. فهذا ضبط القول فيما ذكرناه.
١١٠٦٩ - ثم ذكر الشافعي على الاتصال بهذه القاعدة مسائلَ نذكرها، ونذكر ما فيها: إحداها - أنه إذا شهد أربعة أن فلاناً زنى بامرأة، فشهد اثنان منهم أنه زنى بها وهي مطاوعة، وشهد اثنان أنها كانت مكرهة، أما المرأة، فلا حد عليها، وقد تعرض لمطاوعتها، ونسبتها [إلى الزنا] (٣) شاهدان، ولم يكمل العدد على هذه الصفة، ففي حد القذف عليهما القولان المقدمان، فإن قلنا: يحدان لما خرجت شهادتهما عن أن تكون شهادة، والقاذف مردود الشهادة إلا أن يتوب، ثم يستبرأ، على تفاصيلَ ستأتي إن شاء الله، فعلى هذا لا يحد الرجل وإن شهد أربعة على زناه؛ لأن اثنين منهما قاذفان، لا تقبل شهادتهما.
فإن قلنا: لا يحدان، فقد تمت الشهادة على الرجل، فهل يلزمه حد الزنا بشهادة الأربعة؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فذهب أكثرهم إلى وجوب الحد عليه، لأنه اجتمعت شهادة أربعة من الشهود على زناه، وهو على موجب شهاداتهم زانٍ: أكره
стр. 9028
المرأة أو طاوعته، ومن أصحابنا من قال: لا يجب الحد على الرجل لاختلاف الشهادة في صفة الفعل الصادر منه، وسيأتي لهذا نظائر في كتاب الشهادات إن شاء الله .
فإن قيل: إذا قلنا: لا يحد الرجل، فهل يحد الشهود في حقه؟ قلنا: ما ذهب إليه أهل التحقيق أنهم لا يحدون في حقه؛ فإن عددهم كامل على زناه، وهم من أهل الشهادة، وإنما رددنا شهادتهم، فلم نقم الحد عليه لأمر خفيٍّ مجتهَد فيه، وقد ذكرنا أنا إذا رددنا الشهادة لأمر مجتهد فيه مع كمال العدد، فلا نجعل الشهود قذفة.
١١٠٧٠ - ثم قال الشافعي: " وإن شهد عليها بالزنا أربعة ... إلى آخره " (١).
وصورة المسألة: إن شهد أربعة على زنا امرأة، فتُشهِد أربعَ نسوة عدول على أنها عذراء، فلا حد عليها؛ لأن الحد يُدرأ بالشبهة، وقيام العذرة مما يغلِّب على الظن أن الزنا لم يجر، ولكن لا حد على الشهود؛ لأن العذرة قد تعود، ويستحيل أن يحدّوا مع هذا الإمكان، فالمرأة لا تحد؛ لأن عذرتها شبهة ظاهرة في نفي الزنا، والحد مما يسقط مع الشبهة، والشهود لا يحدون لما ذكرناه.
ولو شهد أربعة على أنه زنى بها مكرهة، وشهد أربعة أنها عذراء، دفع الحد عن الرجل المشهود عليه بالزنا والإكراه؛ لأن العذرة إذا ثبتت عارضت ظهور الزنا على المناقضة، فإن ادعت المكرهة الوطء على الإكراه، فلها المهر، وثبوت العذرة لا يدرأ المهر؛ فإن المهر لا ينتفي بالشبهة.
ولو شهد أربعة من الشهود على زنا فلان بفلانة، ولكن عيّن كل [واحد] (٢) منهم زاوية من زوايا البيت للزنا، فلا يثبت الزنا لاختلاف الشهادات، ولكن كل واحد منهم شهد على زناً لم يساعَد عليه؛ فيخرج فيهم قولان في وجوب حد القذف؛ فإن العدد لم يكمل في الشهادة على زنية واحدة.
стр. 9029
فصل
يجمع تفاصيل المذهب في الشبهات المؤثرة في درء الحد
١١٠٧١ - ونحن نجمعها في تقسيم كان يردده شيخنا أبو محمد، كان يقول: الشبهات ثلاثة أصناف: أحدها - في المحل. والثاني - في الفاعل. والثالث - في الطريق والجهة.
فأما ما يتعلق بالمحل، فالملكُ وإن لم يُبح الوطء، يدرأ الحد على القول الجديد، والرأي الظاهر، فإذا ملك الرجل أخته من الرضاع أو النسب، وألمَّ بها على علم، لم يلتزم الحدّ، وكذلك إذا وطىء أحدُ الشريكين الجارية المشتركة، فلا حد عليه؛ لمكان الملك.
وللشافعي ﵀ في القديم قولان مشهوران أن الحد يثبت في هذه [الصور] (١) التي ذكرناها، وكان شيخنا يقول: أولى الصور بجريان هذا القول فيها المملوكة التي فيها معنىً محرِّم على الأبد، بحيث لا يفرض دفعه؛ فإن الملك لا يؤثر طريانه في رفع الحظر، فوجوده كعدمه، وهذا القول في الجارية المشتركة أضعف، لأنها عرضة الاستباحة باستكمال الملك.
وطرد أصحابنا هذا القولَ في وطء المولى الجارية المزوّجة، والجارية المملوكة المعتدة عن الزوج، وهذا لا أصل له؛ فإن تحريم العدة إلى الزوال، والنكاح عرضة الارتفاع، والطوارىء على الملك مع دوامه لا يُلحقها بالمحرمات التي لا يتصور استباحتها.
ولا خلاف في أن الوطء في الحيض لا يوجب الحد، وكذلك وطء الجارية قبل استبرائها لا يلزم الحد وفاقاً. ووطء المرأة المُحْرمة والصائمة كذلك، إذا كان سبب الحلّ مستمراً عليها؛ وذلك أن الحرمة ليست مختصة بها، وإنما سبب التحريم العبادة، وهذا كما أن سبب تحريم الحائض التقذّر والأذى.
стр. 9030
والملك في الغلام على الرأي الظاهر لا يكون شبهة في درء العقوبة، كما تقدم، واستحقاق الاستمتاع بالزوجة والمملوكة يدرأ الحد إذا أتاها الزوج أو المالك في غير المأتى، وفي هذه الصورة وجه ضعيف يناظر على مضادة ما أشرنا إليه في الغلام المملوك.
وإن أردنا ضبط القول القديم، قلنا: كل مملوكة محرمة بمعنىً يخصها، لا لاحترام (١) قرابة، فيجري القول القديم، ثم تتفصّل الصور، فجريانها في بعضها أظهر، وفي بعضها أخفى، كما قدمناه.
فهذا بيان الشبهات المتعلقة بالمحل، وعلى هذا يخرّج وطء الأبِ جاريةَ الابن؛ فإن له فيها شبهة، ثم إن حكمنا بأنها تصير أمَّ ولدٍ لو علقت منه، فلا حد جديداً وقديماً، وإن حكمنا بأنها لا تصير أم ولد، فقد أجرى بعض الأصحاب القولَ القديم في إيجاب الحد، وهذا ضعيف، لا تعويل على مثله.
١١٠٧٢ - فأما الشبهات التي تكون في الفاعل، فيجمعها عدم علمه بتحريم الوطء وذلك يحصل بجهات: منها العقود الفاسدة التي يحسبها صحيحة، ومنها أن تزف إليه غيرُ امرأته، ومنها أن يصادف امرأةً على فراشه، فيحسبها مملوكته أو زوجته، ولو حسبها الجارية المشتركة بينه وبين شريكه -والتفريعُ على الجديد في أن الشريك (٢) لا يلتزم الحد بوطء الجارية المشتركة- فهذا فيه تردد، ويظهر نفي الحد؛ لأنه ظنّ ما لو تحقق، لاندفع الحد، ويجوز أن يقال: يلزمه الحد؛ لأنه أقدم على الوطء مع العلم بالتحريم، وظنَّ اقترانَ دارىء الحد بالوطء وكان (٣) الأمر على خلاف ما ظن، ويقرب من هذا أن [يكون] (٤) الشخص ممن يعلم أن الوطء محرم، ولا يعلم وجوب الحد به.
стр. 9031
١١٠٧٣ - فأمّا الطريقُ والجهةُ؛ فالقاعدة المعتمدة في المذهب أن كل جهةٍ صار إلى تصحيحها والحكم بإفضائها إلى الإباحة صائر من أئمة الشريعة، فإذا حصل الوطء بها، فالمذهب انتفاء الحد، وإن كان المُقدِم عليها لا يرى [استحلالَ] (١) الوطء بتلك الجهة. وعلى هذا قال الأئمة: إذا نكح الرجل نكاح متعة، وأصاب، فلا حد، لمذهب ابن عباس في إباحة نكاح المتعة، وكذلك إذا نكح بغير وليٍّ، أو نكح بغير شهود، مكتفياً بالإعلام.
وحكى الأئمة قولاً عن الشافعي أن الوطء في نكاح المتعة ممن لا يستحله موجبٌّ للحد، وهذا قريب من القول القديم في الأملاك [المقترنة] (٢) بالأسباب المحرمة.
والترتيب عندنا أن كل عقد ليس فساده من المظنونات، وإن عُزي إلى بعض الأئمة، فنُجري هذا القول فيه، ونكاح المتعة منه، فإن الذي استقر عليه مذاهب العلماء أن نكاح المتعة أبيح ثم نسخ، وقد قيل: رجع ابن عباس عما ينسب إليه من إباحته.
وكل عقد لا يمكن القطع بفساده ويلحق الكلام فيه (٣) بالمظنونات، فهو شبهة في درء الحد، كمذهب أبي حنيفة في انعقاد النكاح بغير ولي، وكمذهب مالك في انعقاده بغير شهود، ولا يجري القول الذي ذكرناه في هذا الصنف.
وذهب الصيرفي من أصحابنا إلى إيجاب الحد على من وطىء في النكاح بغير ولي، ثم زعم أن الحد يجب على الحنفي فضلاً عن الشافعي، وانتحى في هذا مذهب الشافعي، حيث قال: لو شرب الحنفي النبيذ حددته، وقبلت شهادته. وسنعود إلى هذا الطرف في باب الأشربة، إن شاء الله .
فهذه معاقد مذهبنا في الشبهات وتقاسيمها، وبيان محل الوفاق والخلاف فيها.
стр. 9032
١١٠٧٤ - وأما أبو حنيفة (١)، فقد أتى بمناقضات بادية، وزعم أن كل ما يؤتى (٢) به على صيغة العقد دارىءٌ للحد، وإن أجمع المسلمون على بطلانه، فقال: نكاح الأم يدرأ الحدَّ عن الابن الذي يأتيها، وإن كان هذا على رتبة العقود الباطلة.
ولو اشترى [حرّة، ووطئها،] (٣) حُد.
ولو استأجر امرأة على الزنا، أو أباحت نفسها، أو جاريتها حُد، وأبو حنيفة (٤) قال: لا يحد، وأقام الاستئجار على الزنا دافعاً للحد، ثم اكتفى بالمعاطاة، وقال: لا حد على المرأة إذا مكنت مجنوناً (٥)، وعلى العاقل الحد إذا زنى بمجنونة، ولا حد عليه بخرساء في أمور لا يحويها ضبط، وليست من غرضنا. ثم أوجب الحد على من يأتي امرأة يحسبها زوجته (٦)، وإن كان لا يأثم، فهذا شخص غير آثم، وهو مرجوم! وقال في مسألة شهود الزّوايا (٧): يجب على المشهود [عليه] (٨) الحد، وإن اختلفت الشهادات، فليس يستقر له مذهب في الدرء، ولا في الإيجاب.
ومن الفروع اللطيفة التي انتظمت له أنه قال: إذا شهد أربعة من العدول على زنا
стр. 9033
شخص؛ فإن كذّبهم، أقيم الحد عليه، وإن صدقهم، فلا حد عليه؛ لأن التصديق إقرار، والشهادة مع الإقرار مردودة، ثم الزنا لا يثبت بإقرارٍ واحدٍ.
فصل
قال: " ويحدُ الرجل أَمَتَهُ ... إلى آخره " (١)
١١٠٧٥ - السيد عندنا يقيم الحد على مملوكه في الجملة، خلافاً لأبي حنيفة (٢)، ثم كثر اختلاف أصحابنا في جوانب المسألة وأطرافها، والذي يكاد يجمع معظم صور الخلاف أن من أئمتنا من قال: السيد يقيم الحد على مملوكه (٣) بطريق الولاية؛ فإن الملك أثبت له سلطانَ تزويج الأمة، والتزويجَ من العبد مع اختلاف الدين على الرأي الظاهر. ومن أصحابنا من قال: إقامة السيد الحدَّ على مملوكه مأخوذة من جهة استصلاح الملك، وتأديب المملوك.
وينشأ من هذا الأصل مسائل: منها اختلاف الأصحاب في أن المكاتَب هل يقيم الحد على مملوكه الذي تحت يده، فإن جعلنا ذلك ولاية، فالمكاتَب رقيق ليس من أهل الولاية، وإن جعلناه استصلاحاً، فهو من أهله، وكذلك الخلاف في المرأة إذا أرادت إقامة الحد على مملوكها، أو أمتها، فإن اعتبرنا الولاية، فليست هي من أهل الولاية، وإن اعتبرنا الاستصلاح، فهي من أهله، وهذا الاختلاف يجري في المالك الفاسق على نحو ما ذكرناه.
ثم السيد يقيم الحد إذا أقر المملوك، أو أقرت الأمة، وهل يُصغي إلى شهادة الشهود، حتى يُثبتوا الحدّ عنده؟ هذا يخرج على ما مهدناه: فإن جعلنا إقامة الحد استصلاحاً، فليس السيد من أهل سماع البينة، وإنما يقيم الحد إذا عاين الزنا أو أقر المملوك به. وإن قلنا: سبيله سبيل الولاية، فهل يسمع السيد البينة؟ فعلى وجهين:
стр. 9034
أحدهما - أنه يسمعها ويقيم الحدَّ بها. والثاني - لا يسمعها؛ فإنه لا يستقل بالنظر في أحوال الشهود، وإنما يتهيأ ذلك للقاضي؛ لمكان استمكانه لمراجعة المزكين، قال العراقيون: إذا قلنا: لا يسمع الشهادة، فلو سمعها القاضي، وقضى به، فالسيد يستوفي الحدّ حينئذ، والأمرُ على ما ذكروه، وهذا قياس طريق المراوزة أيضاً.
ثم قال الأئمة: لا يشترط أن يكون السيد مجتهداً، قال الصيدلاني: إذا قلنا: إنه يسمع الشهادة، فلا بد أن يكون عالماً، وهذا الذي قاله فيه نظر: فإن عَنَى بالعالم المتهدِّي إلى ما يختص بهذا الباب، فنعم، وإن أراد أن يكون مجتهداً، فلست أرى لذلك وجهاً.
وزاد العراقيون شيئاً متصلاً بهذا المنتهى، فقالوا: إذا قلنا: المرأة لا تقيم الحد على مملوكها في أحد الوجهين، فمن يقيمه؛ ذكروا وجهين: أحدهما - أنه يقيمه الإمام، وهو الذي قطع به المراوزة، والثاني - أنه يقيم الحد على مملوكها من يتولى تزويجها، وهذا بعيد لا أصل له.
١١٠٧٦ - ومما يتصل بتمام الفصل أن السيد هل يقطع مملوكه إذا سرق، أو قطع الطريق؟ فيه اختلاف بين الأصحاب، وهو خارج على الأصل الذي مهدناه: فإن جعلنا إقامة الحد ولاية، فلا يمتنع أن يقيمها المالك. وإن قلنا: إنها استصلاحُ ملْكٍ، فكأنا (١) ألحقناه بالتأديب، والقطعُ ليس من قبيل التأديب.
وذكر بعض الأصحاب في هذا ترتيباً حسناً، فقالوا: في القتل والقطع ثلاثة أوجه: أحدها - أن السيد لا يملكهما، والثاني - أنه يملكهما. والثالث - أنه يقطع ولا يقتل؛ لأن القطع على حالٍ فيه إبقاء مملوك، وقد ينتفع به بعدُ، والقتل بخلافه، [وابتناء] (٢) ذلك على الأصل الذي ذكرناه.
والسيد لا يحد مكاتَبه؛ لأنه ليس تحت تصرفه، ويحد مدبَّره، وأمَّ ولده، فإن رقه قائم فيهما، وسلطانه مستمر عليهما، ولا تعويل على امتناع البيع في المستولدة.
стр. 9035
ومن نصفه حر ونصفه مملوك، لا يقيم مالك الرق منه الحدَّ عليه أصلاً؛ فإنه يقع بجملته وبعضها حرٌّ، ورأيت في نسخة من [نسخ] (١) الصيدلاني إلحاقَه بالمدبر، وأمِّ الولد، وهذا خطأ صريح، وأحسبه من خلل النسخة، وسأراجع نسخة أخرى، إن شاء الله تعالى.
وذكر العراقيون: أن العبد إذا قلنا: إنه يغرّب، هل يتولى السيد تغريبَه؟ فعلى وجهين: أحدهما - ليس له ذلك؛ فإن المعوّل في إقامة الحد على المماليك الخبرُ، وإنما صح في الحديث تفويض الجلد إلى السادة؛ فإنه ﷺ قال: " إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها الحد " (٢) [وهذا وجه ضعيف إن صح] (٣) أنه ﷺ قال: " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " (٤).
١١٠٧٧ - ومما يجب الإحاطة به أن السلطان من أهل إقامة الحد على المملوكين، والسادة من أهل إقامة الحد عليهم، فلو جعلنا السيد من أهل الإقامة، فليس عليه مراجعة السلطان فيما فوّضه الشرع إليه، وإذا لم يُقم السيد في بعض الصور، أقام السلطان، (٥ وإن ثبت الحدّ، فابتدر ٥) السلطان وأقامه، وقع الموقع.
وإن فُرض اجتماع السلطان والسيد، وكل واحد يبغي أن يكون هو المقيم، فهذا