← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9856

بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز

الفيروزآبادي

Полный текст (2 804 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

بصيرة فى الحرام وهو الممنوع منه، إِمّا بتَسْخير إِلهى، وإِمَّا بمنع بَشَرىّ، وإِما بمنع من جهة العقل أَو من جهة الشرع أَو من جهة من يُرْتَسم أَمره. أَما قوله تعالى ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع﴾ فذلك تحريم بتسخير، وقد حُمِل على ذلك قوله تعالى ﴿وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ﴾ وقوله تعالى ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ وقيل بل كان حراماً عليهم من جهة القهر [لا] بالتخسير الإِلهى. وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة﴾ فهذا من جهة القهر. والمحرم من جهة الشرع ما أُشِير إليه بقوله ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ هذا كان محرَّماً عليهم بحكم شرعهم. وقوله تعالى ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية. وقيل: ورد الحرام فى القرآن على عشرة أَوجه: الأَول: حرام الصّحبة والمناكحة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية. الثانى: حرام الفسق والمعصية ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش﴾ ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ .

стр. 1017

الثالث: حرام العجائب والمعجزة ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع مِن قَبْلُ﴾ . الرابع: حرام العذاب والعقوبة ﴿إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين﴾ ﴿فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة﴾ . الخامس: حرام فسخ الشريعة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ إِلى قوله: ﴿ذَلكُمْ فِسْقٌ﴾ . السادس: حرام الحرمان والهلكة ﴿وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ﴾ . السابع: حرام الهوى والشهوة ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ ﴿وَمُحَرَّمٌ على أَزْوَاجِنَا﴾ . الثامن: حرام النذر والمصلحة ﴿ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ أَى لِمَ تحكم بتحريم ذلك ﴿إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ﴾ . التاسع: حرام الحظْر والإِباحة ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر﴾ . العاشر: حرام التوقير والْحُرْمَة ﴿رَبَّ هَذِهِ البلدة الذي حَرَّمَهَا﴾ وهذا النوع يأْتى على وجوه: الأَول: وصف المسجد بالحرام ﴿لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام﴾ الثانى: نعت الأَشهر بالحرام ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾

стр. 1018

الثالث: دعاءُ البيت بالحرام ﴿جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام﴾ . وسُمِّىَ الحَرَم حَرَماً لتحريم الله تعالى فيه كثيراً مما ليس بمحرَّم فى غيره من المواضع. ورجلٌ حرام وحلال ومُحِلٌّ ومُحْرِم. وكلّ تحريم ليس من قِبَل الله تعالى فليس بشئ. وقوله تعالى ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَى ممنوعون من جهة الجَدِّ. وقوله تعالى ﴿لَّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ أَى الذى لم يوسَّع عليه فى الرِّزق كما وُسِّع على غيره. ومن قال: (أَراد به) الْكَلْب، فلم يَعْنِ اَن ذلك اسمٌ للكلب كما ظنه بعض من رَدّ عليه، وإِنما ذلك منه مثال لشئ كثيرا ما يَحْرِمُه الناس أَى يمنعونه.

стр. 1019

بصيرة فى الحزب وهو جماعة فيها غِلظ، وقيل: الحزب الأَصحاب، والحزب الطائفة، وهُذيل تسمى السلاح الحِزْب تشبيهاً وسعةً. والأَحزاب: الطوائف التى تجتمع على محاربة الأَنبياء ﵈. وقوله تعالى ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله﴾ يعنى أَنصار الله. قال بلال عند وفاته: "غداً نلقى الأَحبَّهْ، محمداً وحزْبَهْ". وفى الحديث أَنّ النبىَّ ﷺ حَزَّب أَصحَابه فى بعض الغزاوت حزبين، أَى جعلهم فرقتين: فرقة تقابل العدوَّ، وفرقة تصلِّى معه. وورد فى القرآن على وجوه: الأَول: بمعنى أَصناف الخلائق فى اختلاف المذاهب والمِلَل والأَديان ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ . الثانى: بمعنى عسكر الشيطان ﴿أولائك حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ . الثالث: بمعنى جُنْد الرحمن ﴿أولائك حِزْبُ الله﴾ وهم فى الدنيا غالبون مصلحون ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون﴾ وفى العُقْبى فائزون مفلحون ﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ .

стр. 1020

بصيرة فى الحزن والحُزْن والحَزَنُ خشونة فى الأَرض وخشونة فى النفْس لما يحصل فيه من الغمّ، ويضادّه الفرح. ولاعتبار الخشونة بالغمّ قيل خشَّنتُ بصدره إِذا حَزَنته. يقال: حَزِنَ يحزن كعلم يعلم، وحَزَنته. وقوله ﴿وَلاَ تَحْزَنْ﴾ ليس بنهىٍ عن تحصيل الحزن، لأَن الحزن ليس يدخل باختيار الإِنسان. ولكن النهى فى الحقيقة إِنما هو عن تعاطى ما يورث الحزن واكتسابِه. وإِلى هذا المعنى أَشار الشاعر بقوله: ومَن سَرّه أَلاَّ يرى ما يسوءُه ... فلا يتخِذْ شيئاً يخاف له فقداً وأَيضاً يحُث على أَن يتصوّر الإِنسان ما عليه جِبِلَّة الدّنيا، حتى إِذا غافصته نائبةٌ لم يكترث لها لمعرفته إِيّاها، وحث على أَن يروض نفسه على تحمل صِغَار النُّوَب حتى يتوصّل بها إِلى تحمّل كبارها.

стр. 1021

بصيرة فى الحس وهو القتل، ومنه قوله تعالى ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أَى تقتلونهم وتستأْصلونهم، وحَسّ البرْدُ الجرادَ: قتله. والحَسِيس: القتيل، فعيل بمعنى مفعول. وقوله تعالى ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ أَى حِسّها وحركة تلهُّبها. قال إِبراهيم الحربى: الحِسّ والحَسِيس أَن يمرَّ بك قريبا فتسمعَه ولا تراه. والحاسة: القوّة التى بها تدرَك الأَعراض الجسمِيّة. والحواسّ: المشاعر الخمس، يقال: حَسَسْت وَحَسيت وأَحسست وأَحسيت. فحَسْست على وجهين: أَحدهما يقال أَصبته بحسّى، نحو: عِنْته ورمحته. والثانى أَصبت حاسته، نحو كبدته. ولمّا كان ذلك قد يتولد منه القتلُ عبّر به عن القتل فقيل حسَسته أَى قتلته. وأَما حسِست فنحو علمت وفهمت، ولكن لا يقال ذلك إِلا فيما كان من جهة الحاسّة. وأَمّا حَسَيت فقلبت إِحدى السّينين ياء. وأَمّا أَحسسته فحقيقته أَدركته بحاستى، وأَحَسْت مثله، لكن حذف إِحدى السينين تخفيفاً نحو ظِلَت. وقوله تعالى ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر﴾ تنبيه أَنَّه ظهر منهم الكفر ظهوراً بانَ للحسّ فضلاً عن التفهّم. وكذلك قوله تعالى ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾ وقوله تعالى ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾ أَى هل تجد بحاسّتك أَحداً منهم. وقد يعبر عن الحركة بالحسيس والحِس، قال تعالى ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ .

стр. 1022

بصيرة فى الحساب وهو استعمال العدد. يقال حَسَبت أَحْسُب ككتبت أَكتب حِسَاباً وحُسْبَاناً وحِسَابَه وَحِسْبَةً وَحَسْباً. قال عمر رضى الله عنه: حاسبوا أَنفسكم قبل أَن تحاسبوا، وزِنُوها قبل أَن توزنوا. قال: وكنت حسبت فلما حَسِبْـ ... تُ زاد الحساب على المحسبَهْ وقد خِلتُها مَرْتَعا مُمْرِعا ... فصادفتها دِمْنَةً مُعْشبه وقال: فإِن تَزُرْنِى أَزُورْكَ أَوْ إِنْ ... تقفْ ببابى أَقفْ ببابكْ والله لا كنتَ فى حسابى ... إِلا إِذ كنتُ فى حسابك وقد ورد الحساب فى التنزيل على عشرة أَوجهٍ: الأَوّل: بمعنى الكثرة ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾ أَى كثِيراً. الثانى: بمعنى الأَجر والثواب ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبِّي﴾ أَى أَجرهم. الثالث: بمعنى العقوبة والعذاب ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾ أَى لا يخافون عذاباً. الرّابع: الحَسِيب بمعنى الحفيظ ﴿إِنَّ الله كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ أَى حفيظاً.

стр. 1023

الخامس: الحسِيب بمعنى الشاهد الحاضر ﴿كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ أَى شهيداً. السّادس: الحساب بمعنى العَرْض على الملِك الأَكبر ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحساب﴾ أَى الْعَرْض على الرّحمن. السّابع: بمعنى العدد ﴿لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب﴾ أَى عدد الأَيام. الثامن: بمعنى المنَّة ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَى بغير مِنَّة عليهم ولا تقتير. التَّاسع: الحُسْبان بمعنى دوران الكواكب فى الفَلَك ﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ﴾ أَى يدوران حول القُطْب كدوران الرّحى. العاشر: الحِسْبان بالكسر بمعنى الظن ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً﴾ ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً﴾ وله نظائر. وأَمّا قوله تعالى ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السمآء﴾ فقيل معناه ناراً وعذاباً، وإِنما هو فى الحقيقة ما يحاسب عليه فيجازى بحَسَبه. وفى الحديث أَنَّه قال فى الريح: "اللهمّ لا تجعلها عذاباً ولا حسَاباً". وذكر بعضهم فى قوله تعالى ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَوجها: الأَول: يعطيه أَكثر مما يستَحِقه. الثانى: يعطيه ولا يأْخذ منه.

стр. 1024

الثالث: يعطيه عَطاءَ لا يمكنُ إِحصاؤه كَثْرةً. الرابع: يعطيه بلا مضايقة، من قولهم: حاسبته إِذا ضايقته. الخامس: أَكثر ممّا يحسُبُه. السّادس: أَنه يعطيه بحسب ما يعرفه من مصلحة لا على حَسَب حسابهم. وذلك نحو ما نبّه عليه بقوله ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمان﴾ الآية. السابع: يعطى المؤمن ولا يحاسبه عليه. ووجه ذلك أَن المؤمن لا يأْخذ من الدّنيا إِلاَّ قدر ما يجب وكما يجب فى وقت ما يجب، ولا ينفق إِلاَّ كذلك، ويحاسب نفسه فلا يحاسبه الله تعالى حسابا يضرّه، كما روى: مَنْ حاسب نفسه لم يحاسبه الله يوم القيامة. الثامن: يقابل المؤمنين يوم القامة لا بقدر استحقاقهم بل بأَكثر منه كما قال ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ﴾ ، وعلى هذه الأَوجه قوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿فامنن أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . قيل: تصرّفْ فيه تصرفَ من لا يحاسَب، أَو تناولْ كما يجب فى وقت ما يجب وعلى ما يجب وأَنفقه كذلك. و"حَسْب" يستعمل فى معنى الكفاية ﴿حَسْبُنَا الله﴾ أَى كافينا ﴿وكفى

стр. 1025

بالله حَسِيباً﴾ أَى رقيباً يحاسبهم عليه. وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ نحو قوله: ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم﴾ وقيل معناه: ما كفايتهم عليك بل الله يكفيهم وإِيّاك، من قوله تعالى: ﴿عَطَاءً حساباً﴾ أَى كافياً، من قولهم حسبى كذا. وقيل: أَراد من عملهم فسمّاه بالحساب الَّذى هو منتهى الأَعمال. وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ مصدره الحِسْبَان، وهو أَن يحكم لأَحد النقيضين من غير أَن يَخْطِر الآخر بباله فيحسبه ويعقد عليه الإِصبع ويكون فى معرِض أَن يعتريه فيه شكٌّ. ويقارب ذلك الظنّ، لكن الظنّ أَن يخطِر النَّقيضُ بباله فيغلبَ أَحدهما على الآخر.

стр. 1026

بصيرة فى الحسن وهو عبارة عن كلّ مُبْهِج مرغوب فيه. وذلك ثلاثة أَضرب: مستحسن من جهة العقل، ومستحسن من جهة الهَوَى، ومستحسن من جهة الحِسّ. والحَسَنة يعبّر بها عن كلّ ما يَسُرّ من نعمة تنال الإِنسان فى نفسه وبدنه وأَحواله، والسيئة تضادّها، وهما من الأَلفاظ المشتركة كالحيوان الواقع على أَنواع مختلفة. وقوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هاذه مِنْ عِندِ الله﴾ أَى خِصْب وسعة وظفر، ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أَى جَدْب وضِيق وخَيْبَة. وقوله: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ أَى ثواب ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ أَى عذاب. والفرق بين الحَسَنة والحسَن والحُسْنَى أَنَّ الحَسَن يقال فى الأَعيان والأَحداث، وكذلك الحَسَنة إِذا كانت وصفا. فإِذا كانت اسماً فمتعارَف فى الأَحداث، والحُسْنى لا يقال إِلا فى الأَحداث دون الأَعيان، والحَسَن أَكثر ما يقال فى تعارف العامّة فى المستحسَن بالبصر، يقال رجل حسن وحُسَان وحسّان وامْرَأَةٌ حسناءُ أَو حُسَانة وحُسّانة. وأَكثر ما جاءَ فى القرآن من الحَسَن فللمسْتَحسن من جهة البصيرة، وقوله تعالى: ﴿الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أَى الأَبعد عن الشُّبهة. وقوله تعالى:

стр. 1027

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ إِن قيل: حكمه تعالى حَسَن لمن يوقن ولمن لا يوقن فَلِمَ خصّ؟ قيل: القصد إِلى ظهور حسنه والاطِّلاَع عليه؛ وذلك يظهر لمن تزكَّى واطَّلع على حكمة الله تعالى، دون الجَهَلة. والإِحسان يقال على وجهين: أَحدهما الإِنعام على الغير، وقد أَحسن إِلى فلان. والثَّانى إِحسان فى فعله. وذلك إِذا علم علماً حَسَناً، أَو عمل عملاً حَسَناً. وعلى هذا قول أَمير المؤمنين علىّ رضى الله عنه: "النَّاس أَبناءُ ما يحسنون" أَى منسوبون إِلى ما يعملونه من الأَفعال الحسنة. والإِحسان أَعمّ من الإِِنعام. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ فالإِحسان فوق العدل. وذلك أَنَّ العدل هو أَن يعطِى ما عليه ويأْخذ ما له، والإِحسان أَن يعطى أَكثر ممّا عليه ويأْخذ أَقلّ ممّا له. فالإِحسان زائد عليه. فتحرِّى العدل واجب، وتحرى الإِحسان نَدْب وتطوع، ولذلك عظم الله ثواب أَهل الإِحسان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين﴾ . والإِحسان من أَفضل منازل العبوديّة؛ لأَنه لبّ الإِيمان ورُوحُه وكمالُه. وجميع المنازل منطوية فيها. قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان﴾ وقال رسول الله ﷺ "الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّك تَرَاهُ"

стр. 1028

وَأَمّا الآيَة فقال ابن عباس والمفسّرون: هل جزاءُ مَنْ قال لا إِله إِلا الله وعمل بما جاءَ به محمّد ﷺ إِلاَّ الجَنَّة، وقد رُوِى عن النبىّ ﷺ أَنه قرأ ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحسانِ إِلاَّ الإِحسانُ﴾ ثمَّ قال: هل تدرون ما قال ربّكم؟ قالوا: الله ورسوله أَعلم. قال: يقول: هل جزاءُ مَن أَنعمتُ عليه بالتَّوحيد إِلاَّ الجنَّة؟!. فالحديث إِشارة إِلى كمال الحضور مع الله تعالى ومراقبته، الجامع لخشيته ومحبّته ومعرفته والإِنابة إِليه والإِخلاص له ولجمع مقامات الإِيمان. والإِحسان يكون فى القصد بتنقيته من شوائب الحظوظ، وتقويته بعزم لا يصحبه فتور، وبتصفيته من الأَكدار الدالَّة على كَدَر قصدِهِ. ويكون الإِحسان فى الأَحوال بمراعاتها وصونها غيرة عليها أَن تحُول، فإِنَّها تمرّ مرّ السّحاب، فإِن لم يَرْع حقوقها حالت. ومراعاتها بدوام الوفاءِ، وتجنُّب الجفاءِ، وبإِكرام نُزُلها؛ فإِنَّه ضيف، والضَّيف إِن لم يكن له نُزُل ارتحل. ويراعيها بسترها عن النَّاس ما أَمكن لئلاَّ يعلموا بها إِلاَّ لحاجة أَو مصحلة راجحة، فإِن فى إظهارها بدون ذلك آفات. وإِظهار الحال عند الصادقين من حظوظ النفس والشيطان، وأَهلُ الصّدق أَكتم وأَسْتر لها من أَرباب الكنوز لأَموالهم، حتى إِنَّ منهم مَنْ يُظهر أَضدادها كأَصحاب المَلاَمة. ويكون الإِحسان فى الوقت، وهو أَلاَّ يفارق حال الشُّهود، وهذا إِنَّمَا يقدر

стр. 1029

عليها أَهل التمكُّن الَّذين قطعوا المسافات الَّتى بين النَّفس وبين القلب، والمسافات الَّتى بين القلب وبين الله تعالى، وأَن تُعلِّق همّتك بالحقّ وحده، ولا تُعَلَّق بأَحد غيره، فإِنَّ ذلك شرك فى طريق الصّادقين، وأَن تجعل هجرتك إلى الحقّ سَرْمداً. ولله على كلّ قلب هجرتان فرضاً لازماً: هجرة إِلى الله بالتَّوحيد والإِخلاص والتَّوبة والحبّ والخوف والرّجاءِ والعبوديّة، وهجرة إِلى رسوله بالتسليم له والتَّفويض والانقياد لحكمه، وتلقِّى أَحكام الظَّاهر والباطن من مِشْكَاته. ومن لم يكن لقلبه هاتَان الهجرتان فليحْثُ على رأْسه الترابَ، وليراجع الإِيمان من أَصله.

стр. 1030

بصيرة فى الحشر وهو إِخراج الجماعة عن مَقَرّهم وإِزعاجُهم عنه إِلى الحرب وغيرها. ورُوى عن النبىّ ﷺ أَنَّه قال فى حجّة الوداع: "النِّسَاءُ لا يُعْشَرن ولا يُحشرن". وذُكِر له معنيان، أَحدهما: أَنَّهنّ لا يُحشرن إِلى المصدّق ولكن يؤخذ منهنّ الصّدقة بمواضعهنَّ. والثَّانى: أَنَّهنّ لا يُحشَرْن إِلى المغازى ولا يضرب عليهنّ البُعُوث. وهذا هو القول، لأَن القول الأَوّل يستوى فيه الرّجال والنِّسَاءُ. وأَصل الحشر الجمع، حشرت الناس أَحشُرهم وأَحشِرهم أَى جمعتهم، ومنه يوم الحشر. وقوله تعالى: ﴿لأَوَّلِ الحشر﴾ قيل هو الجلاءُ. وذلك [أَن] بنى النَّضير أَوّل مَن أُخرِج من ديارهم وأُجْلوا. وقيل: هو أَوّل حشرٍ إِلى الشام، ثمّ يحشر النَّاس إِليها يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ﴾ قال عكرمة: حَشْرها موتها. الأَزهرى وأَكثر المفسرين قالوا: تحشر الوحوش كلّها، والدّوابّ حتى الذُّباب تحشر للقِصَاص. والمَحْشَر والمَحْشِر - بفتح الشِّين وكسرها - موضع الحشر، والكسر أَفصح، كذا فى العباب. وقد ورد الحشر فى القرآن على وجهين: الأَوّل: الجمع ﴿وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ﴾ أَى جُمعت ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ أَى جمعناهم.

стр. 1031

والثانى: بمعنى السَّوْق والطَّرد ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ﴾ ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ . والحشر بهذا المعنى يختلف لمعانٍ: حَشْر الطُّيور لداود وطيب أَلحانهِ ﴿والطير مَحْشُورَةً﴾ . وحَشْر الجنّ وغيره لسليمان ﵇ ﴿وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾ . وحَشْر السّحرة لفرعون وهامان ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي المدآئن حَاشِرِينَ﴾ وحَشْر الخلائق للملِك الدّيّان ﴿واتقوا الله الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ . وحَشْر لأَهل الظُّلم والعدوان لعقوبتهم بالنِّيران ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ . وحشر للمتَّقين إِلى نعيم الجِنَان والرّضوان ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمان وَفْداً﴾ .

стр. 1032

بصيرة فى الحصر حَصَرَهُ يحصُره حَصْراً: ضيّق عليه. وقوله تعالى ﴿واحصروهم﴾ أَى ضيِّقوا عليهم. وحصرنى الشئ: حبسنى. والحَصِير البارِىُّ. وفى المثل: أَسِيرٌ على حَصِير، قال: فأَضحى كالأَمير على سرير ... وأَمسى كالأَسير على حصير وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ أَى حابسا. قال فى العباب: الحَصِير السِّجن. ومنه الآية (حَصِيراً) أَى مَحْبِساً. قال الحسن: معناه: مِهاداً، كأَنَّهُ جعله الحصير المَرْمول؛ كقوله ﴿لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ ففى الأَوّل بمعنى: الحاصر، وفى الثانى بمعنى: المحصور، فإِنَّ الحصير سُمّى بذلك لحِصْر بعض طاقاته على بعض. وقال لَبيد: وقَمَاقمٍ غُلْب الرّقاب كأَنهم ... جِنٌّ لدى باب الحصير قيام دافعت خُطَّتها وكنت ولَّيها ... إِذ عَىّ قصد جوابها الحكَّام سُمّى المَلِك حَصِيراً لأَنَّه محجوب، وإِمّا لكونه حاصراً أَى مانعاً لمَن أَراد الوصول إِليه. والحَصِير أَيضاً: البخيل، والرّجل الَّذى لا يشرب الشراب

стр. 1033

بخلا. والحَصِير عِرْق يَمتدّ معترضاً على جَنْب الدَّابة إِلى ناحية بطنها. وقول النبىّ ﷺ "تُعرض الفتنُ على القلوب عَرْض الحصير" فسّره أَهلُ الحديث فقالوا: الحصير كلّ ما نسج من جميع الأَشياءِ لأَنَّ بعضه نسج ببعض، سَدَاه بلُحمته. وقالوا: المراد من هذا أَنَّ الحَصِيرَ ثوب مزخرف مَوْشِىّ حَسَن إِذا نُشر أَخذتِ القلوبَ مآخِذُه لحسن وشْيه وصنعته، وكذلك الفتنة تزيّن للناس وتزخرف، وعاقبة ذلك إِلى غرور. قال: فليت الدّهر عاد لنا جديداً ... وعُدْنا مثلنا زمن الحصير أَى زمنا كان بعضنا يُزخرف القول لبعض فيتوادّ عليه. والحصير: الجنب، والحصيران الجنبان. وقوله تعالى: ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ قيل: الحصور: الَّذى لا يأْتى النِّساءَ، إِمّا من العُنَّةِ، وإِمَّا من العِفَّة والاجتهاد فى إِزالة الشهوة، والثانى أَظهر فى الآية لأَن بذلك يستحق الرّجلُ المحْمِدة. والحَصُور أَيضاً: المجبوب. والحصُور أَيضاً الضَّيّق البخيل كالحَصِر. والحصْر والإِحصار: المنع عن طريق البيت. والإِحصارُ يقال فى المنع الظَّاهر كالعدوّ، والمنعِ الباطن كالمرض، والحصْر لا يقال إِلاَّ فى المنع الباطن. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ محمول على الأَمرين، وكذلك قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الذين أُحصِرُواْ﴾ وقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أَى ضاقت بالبخل والجُبْن، وعبّر عنه بذلك كما عُبّر [عنه] بضيق الصدر، وعن ضدّه بالبرّ والسّعة.

стр. 1034

بصيرة فى الحصن وهو واحد الحُصُون. وقوله تعالى: ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾ أَى مجعولة بالإِحكام كالحصون. وحَصَّن القَرْيَة: بنى جولها، وتحصّن: اتَّخذ الحصْن مسكناً. ثمّ يتجوّز به فى كل تحرز. ومنه دِرْع حصينة لكونها حصناً للبدن، وفَرس حِصان لكونه حصْناً لراكبه، وإِلى هذا أَشار الشاعر: أَنَّ الحُصون الخيلُ لا مدَرُ القُرى وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ أَى تُحرِزون فى المواضع الحصينة الجارية مجرى الحِصْن. وامرأَة حَصَان وحاصن: عفيفة. وقد حَصُنت بالضمّ حُِصْناً فهى حَصْناءُ بيِّنة الحصانة، وأَحصنت. وقوله تعالى ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ﴾ أَى تزوّجن و (أُحْصِنّ) أَى زُوِّجن. والحَصَان فى الجملة المحصنة إِمّا بعفَّتها أَو بزوجها أَو بمانع آخر. ويقال: امرأَة مُحصِن إِذا تُصوّر حُصْنها من نفسها، ومُحْصَن إِذا تُصوّر حصنها من غيرها. وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بالمعروف مُحْصَنَاتٍ﴾ إِلى قوله:

стр. 1035

﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب﴾ قيل: المحصنات: المزوّجات تصوّر أَن زوجها هو الَّذى أَحصنها. ﴿والمحصنات﴾ بعد قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ﴾ بالفتح لا غير، وفى سائر المواضع بالفتح والكسر لأَنَّ الَّتى حرّم التزوّج بها المزوّجات دون العفيفات، وفى سائر المواضع يحتمل الوجهين. بصيرة فى الحصى أُخِذ من لفظه الإِحصاءُ وهو التَّحصيل بالعدد يقال: أَحصيت كذا. واستعمال ذلك فيه من حيث إِنَّهم كانوا يعتمدونه بالعدد كاعتمادنا فيه على الأَصابع. قوله تعالى: ﴿وأحصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ أَى حصّله وأَحاط به. وقال ﷺ : "إِنَّ للهَ تعالى تسعة وتسعين اسماً مَنْ أَحصاها دخل الجنَّة" وقال "استقيموا ولن تُحْصُوا" أَى لن تحصّلوا ذلك. ووجه تعذُّر إِحصائه وتحصيله هو أَنَّ الحقّ واحد والباطل كثير بل الحقّ بالإِضافة إِلى الباطل كالنقطة بالإِضافة إِلى سائر أَجزاءِ الدائرة وكالمَرْمَى من الهَدَف، وإِصابة ذلك شديد، وإِلى هذا أَشار ما روى أَنَّ النبىّ ﷺ قال: "شيَّبتنى سورة هود وأَخواته" فسئل من الذى شيبك منه، فقال قوله تعالى: ﴿فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ﴾ وقال أَهل اللُّغة: لن تحصوه أَى لن تحصوا ثوابه.

стр. 1036

بصيرة فى الحضر الحاضر خلاف البادى. ومنه الحديث "لا يبعْ حاضر لبادٍ، دَعُوا النَّاس يرزقِ اللهُ بعضَهم من بعض" والحاضرة خلاف البادية. والحاضِر: الحَىُّ العظيم وهو جمع كما يقال سامر للسُّمّار، وحاجّ للحُجَّاج. والحَضَارة والحِضَارة: الكَوْن بالحَضر كالبَدَاوة والبِدَاوة. وقوله تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ من باب الكناية أَى أَن يحضُرنى الجِنّ: وفى العباب: أَى أَن يصيبنى الشَّياطين بسُوءٍ، وكُنِّى عن المجنون بالمحتضَر وعمّن حضره الموت كذلك. وقوله: ﴿مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ أَى مشاهَداً معايَناً فى حكم الحاضر عنده. وقوله ﴿حَاضِرَةَ البحر﴾ أَى قُرْبه. وقوله ﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ أَى نَقْدا. وقوله: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾ أَى يحضُره أَصحابُه. وحَضَر الرّجل يَحْضُر حُضُوراً، وحضِر بكسر الضَّاد، ورجل حَضِر ككتف: لا يريد السّفر، وكلَّمته بحضرة فلان مثلثة الحاءِ، وبمحضَرٍ من فلان وبحضَر فلان بالتَّحريك. والحُضْر بالضمّ العَدْو وخصّ بما (يُحضر به)

стр. 1037

الفرس إِذا طُلِب جَرْيه. يقال أَحضَر الفرَسُ [واستحضرته] : طلبت ما عنده من الحُضْر. وحاضرته محاضرة وحِضاراً إِذا حاججته من الحضور كأَنَّه يُحضر كلُّ واحدٍ حُجَّته، أَو من الحُضْر كقولك جاريته. والحَضِيرة الأَربعة والخمسة يغزون أَى تحضر بهم الغزو، وقالت سُعْدى الْجُهَنِيَّة: يرِد المياه حَضِيرة ونَفِيضة ... وِرْدَ القطاة إِذا اسمأَلَّ التُّبَّع واللبن محضور ومحتضَر أَى كثير الآفة وأَنَّ الجنّ تحضره. وفى الحديث "إِنَّ هذه الحُشُوش مُحْضَرة محتضَرة".

стр. 1038

بصيرة فى الحطب وهو ما يُعدّ للإِيقاد. وقد حَطَبت حَطْباً واحتطبتُ أَى جمعته. وحطبنى فلان إِذا أَتاك بالحَطَب، قال الجُلَيح الجحاشىّ: تسأَلنى عن بعلها أَىُّ فتى خَبٌّ جَرُوز وإِذا جاع بكى لا حطَبَ القومَ ولا القومَ سَقَى ولا رِكَابَ القوم إِن ضَلَّت بَغَى ولا يوارى فَرْجَه إِذا اصطلى ويأكل التَّمر ولا يُلْقى النَّوى كأَنه غِرَارة مَلأْى حَثى وقوله تعالى: ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ نزل فى أُم جَمِيل امرأَة أَبى لهب، وكانت تمشى بالنَّميمة، فكُنى عنها بالنَّميمة. وإِذا نَصَر الرّجُل القَوْمَ قيل: حَطَب فى حَبْلِهم. والحطباء: المرأَة المشئومة. والحَطِب ككتف والأَحطب: الشديد الهُزَال. ويقال لمن يتكلَّم بالغَثِّ والسّمين: حاطب ليل، لأَنَّه لا يبصر ما يَجْمع فى حَبْله. وحَطَب به إِذا سعى به. والمحتطِب: المطر الَّذى يَقْلَع أَصولَ الشَّجر. وناقة محاطِبة: تأكل الشَّوك اليابس. والحِطاب ككتاب: ما يُقطع من أَعالى شجر العنب كلَّ عام، واستحطَب العنبُ: حان أَنْ يقطع حِطَابه.

стр. 1039

بصيرة فى الحلف حَفَّهُ بالشَّئ يَحُفَّه: أَحاط كما يُحَفُّ الهودجُ بالثوب. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ أَى محدِقين بأَحِفَّتِهِ أَى جوانبه. وحِفَافَا الشئ جانباه. قال: كأَن جناحَىْ مَضْرَحِىّ تكنَّفا ... حِفَافيْه شُكَّا فى العَسِيب بمِسْرَد وقوله تعالى: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ أَى جعلْنا النخل مطِيفة بأَحِفَّتهما أَى جوانبهما. وفى الحديث أَنَّه ﷺ لم يشبع من طعام إِلا على حَفَف أَو شَظَف أَو ضَفَف. والرّوايات الثلاثة فى معنى ضِيق العيش وقلَّتهِ وغلظه. ومن أَمثالهم: "مَنْ حَفَّنا أَو رَفَّتا فليقتصِد" أَى مَن طاف بنا واعتنى بأَمرنا وأَكرمنا وَخَدَمَنَا وحاطنا وتعَطَّف علينا بالمدح ونحوه فلا يَغلُونَّ فى ذلك، ولكن ليتكلَّم بالحقّ منه. والحُفُوف: اليُبْس. وحَفتهم الحاجةُ إِذا كانوا محاويج؛ وهم قوم محفوفون. وحَفِيف الشجر والأَفعى والطَّائر والسّهم النَّافِذِ: صوتُه.

стр. 1040

بصيرة فى الحفر حَفَر الأَرضَ: قلعها سُفْلا. وحفر الدَّابة: هَزَلها. يقال الحَمْل يحفِر الجَمَل ولا يحفر النَّاقة، فإِنَّها تسمن عليه. وحفر. جامَعَ، وحفر ثَرَى فلانٍ إِذا فتَّش عن أَمره ووقف عليه. وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ﴾ أَى مكان محفور. ويقال لها حَفِيرة أَيضاً. والحَفَر - محرَّكَة - التُّراب الَّذى يُخرج من الحُفْرة، وهو مثل الهَدَم والنَّقض. والحَفَر أَيضاً: المكان الَّذى حُفِر. قال الأَخطل: حتَّى إِذا هنّ وَرّكن القَصِيم وقد ... أَشرفن أَو قلن هذا الخَنْدق الحَفَر وسمّى حافر الفرس تشبيهاً لِحفْره فى عَدْوه. وقوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة﴾ أَى إِلى أَمرنا الأَوّل وهو الحياة. وقال مجاهد: أَى خَلْقاً جديداً. وقال ابن الأَعرابى: أَى إِلى الدّنيا كما كنَّا. يقال: عاد إِلى حافرته أَى رجع إِلى حالته الأُولى، وإذا رجع من الطَّريق الَّذى جاءَ منه أَيضاً. وأَنشد: أَحافرةً على صَلَع وشَيْب ... معاذَ الله من سَفَهٍ وعارِ أَىْ: أَأَرجع إِلى أَمرى الأَوّل بعد أَن شِبت؟! يعنى الغَزَل والصَبْوة إِلى النساءِ.

стр. 1041

وفى الحديث قال أُبَىّ بن كعب: سأَلتُ النبىّ ﷺ عن التَّوبة النَّصُوح فقال: هو الندم على الذنب حين يفْرُطُ منذ، وتستغفرَ الله بندامتك عند الحافر، ثمّ لا تعود إِليه أَبداً. وقال أَبو العبّاس هذه كلمة كانوا يتكلَّمون بها عند السّبْق والبرهان يقول: أَوّلَ ما يقع حافر الفرس على الحافر - أَى المحفور - أَو الحافرة - أَى المحفورة - فقد وجب النَّقد. وإِذا قيل عند الحافرة بالهاءِ أَى عند أَوّل كلمة. وقيل: فيه وجهان: أَحدهما: أَنَّه لمّا جعل الحافر فى معنى الدّابّة نفسها وكثر استعماله على ذلك من غير ذكر الذَّات فقيل: اقتنى فلان الخُفَّ والحافر أَى ذواتهما، أُلحقت به علامةُ التأنيث استعارة بتسمية الذَّات بها. والثَّانى: أَن يكون "فاعلة" من الحَفْر، لأَنَّ الفرس بشدّة الدّوس تحفر الأَرض، كما سمّى فرساً لأَنها تفْرِسها أَى تدُقّها. هذا أَصل الكلمة ثمّ كثرت حتى استعملت فى كلّ أَوّليَّة، فقيل رجع إِلى حافرتة. ويقال التقى القوم فاقتتلوا عند الحافرة أَى عند أَوّل ما التقَوْا.

стр. 1042

بصيرة فى الحفظ حفِظت الشئ حِفظاً بالكسر أَى حرسته، وقوله تعالى: ﴿فالله خَيْرٌ حَافِظاً﴾ أَى حفظُ الله خير حفظ. ومن قرأَ (حافظا) وهى قراءَة الكوفيّين غير أَبى بكر فالمراد خير الحافظين. وقوله تعالى ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ أَى ذلك الحفظ بأَمر الله. والحِفظ يقال تارة لهيئة النَّفس الَّتى بها يثبت ما يؤدِّى إِليه الفهم، وتارة لضبط الشئ فى النَّفس. ويُضادّه النِّسيان، وتارة لاستعمال تلك القوّة، فيقال: حفظت كذا حفظاً، ثمّ يستعمل فى كلّ تفقُّد وتعهُّد ورعاية. قوله تعالى: ﴿والحافظين فُرُوجَهُمْ والحافظات﴾ كناية عن العِفَّة و ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ الله﴾ أَى يحفظن عهد الأَزواج عند غيبتهم بسبب أَنَّ الله يحفظهنّ أَن يطلع عليهنّ. وقرئ بنصب الجلالة أَى بسبب رعايتهنّ حقّ الله لا (لرياءِ وتصنُّع) منهنّ. وقوله ﴿فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ أَى حافظاً؛ كقوله ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾

стр. 1043

﴿وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ أَى حافظ لأَعمالهم، أَو بمعنى مفعول أَى محفوظ لا يَضِيع، كقوله تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ . والحَفَظَة، الملائكة الَّذين يكتبون أَعمال بنى آدم، وجمع الرّجل الحافظ الحافظون والحُفَّاظ والحَفَظَة. والحفيظ: الموكِّل بالشئ يحفظه. والحفيظ فى صفات الله تعالى: الَّذى لا يَعْزُب عنه مثقالُ ذَرَّة فى الأَرض ولا فى السّماءِ، وقد حفظ على عباده ما يعملون من خير وشرّ، وقد حفظ السماوات والأَرض ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ . والحِفاظ المحافظة على العهد، والوفاء بالعَقْد، والتَّمسّك بالودّ. والحِفاظ أَيضاً أَن يحفظ كلّ واحد الآخر. وقوله تعالى: ﴿والذين هُمْ على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ فيه تنبيه أَنَّهم يحفظون الصّلاة بمراعاة أَوقاتها، ومراعاة أَركانها، والقيام بها فى غاية ما يكون من الطَّوق، وأَنَّ الصّلاة تحفظهم الحفظ الَّذى نبّه عليه فى قوله: ﴿إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر﴾ . وأَهل الحفِيظة والحفائظ هم المحامون من وراءِ إِخوانهم، المتعاهدون لعوْراتهم، الذابّون عنها. والتحفُّظ هو قلَّة الغَفْلة. وحقيقته إِنَّما هو تكلُّف الحفظ لضعف القوّة الحافظة. والحفيظةُ: الغَضَب الَّذى يَحمل على المحافظة

стр. 1044

ثمّ استعمل فى الغضب المجرّد. والمُحْفِظات: الأُمور الَّتى تُحفِظ الرّجل أَى تُغضبه إِذا وُتِر فى حَمِيمه وجارِه. قال القطامىّ: أَخوك الذى لا تملك الحِسَّ نفسُه ... وترفَضُّ عند المحفِظات الكتائفُ يقول: إِذا استوحش الرّجُلُ من ذى قرابته فاضطغَن عليه لإِساءَة بدت منه فأَوحشه ثمّ رآه يضام زال عن قلبه ما أَلمَّ به من الحِقد وغضِب له ونصره وانتقم له من ظالمه. قال قُرَيط بن أُنَيف: إِذن لقام بنصرى معشر خُشُنٌ ... عند الحَفِيظة إِن ذو لُوثة لانا وقال: وما العفو إِلاَّ لامرئ ذى حفيظة ... متى يُعْفَ عن ذنب امرئ السَّوءِ يَلْجَج

стр. 1045

بصيرة فى الحفا يقال: حَفِيت بفلان وتحفَّيت به إِذا عُنيت بكرامته. والحَفِىّ فى قوله تعالى ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ : البَرّ اللَّطيف. والحَفِىّ أَيضاً: العالمِ الَّذى يتعلَّم الشئ باستقصاء. والإِحفاء فى السّؤال: التَّترع فى الإِلحاح والمطالبة، أَو فى البحث عن تعرّف الحال. وعلى الوجه الأَوّل يقال: أَحفيتُ السؤال، وأَحفيت فلاناً فى السّؤال؛ قال تعالى: ﴿إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ﴾ وأَصل ذلك من أَحفيت الدّابة: جعلته حافياً، وأَحفيت الشَّارب: أَخذته أَخذاً متناهياً.

стр. 1046

بصيرة فى الحق أَصل الحَقّ المطابقةُ والموافقة، كمطابقة رِجْل الباب فى حُقِّه لدَوَرانه على الاستقامة. والحَقّ يقال على أَربعة أَوجه: الأَوّل: يقال لموجِد الشئ بحسب ما تقتضيه الحكمة. ولذلك قيل فى الله تعالى: هو الحقّ. الثَّانى: يقال للموجَد بحسب ما تقتضيه الحكمة. ولذلك يقال: فِعْل الله تعالى كلُّه حَقّ؛ نحو قولنا: الموت حقّ، والبعث حقّ ﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً﴾ إِلى قوله ﴿مَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق﴾ . الثالث: الاعتقاد فى الشئ المطابِقُ لما عليه ذلك الشئ فى نفسه؛ كقولنا: اعتقاد فلان فى البعث والثواب والعقاب والجنَة والنَّار حقّ. الرّابع: للفعل والقول الواقع بحسب ما يجب، وبقدر ما يجب، وفى الوقت الذى يجب، كقولنا: فعلك حق، وقولك حق. وقوله تعالى ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ﴾ يصح أَن يكون المراد به الله تعالى، ويصحّ أَن (يراد) به الحُكْم الَّذى هو بحسب مقتضى الحكمة. ويقال: أَحققت كذا

стр. 1047

أَى أَثبتُّه حقَّا، أَو حكمت بكونه حقّاً. وقوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الحق﴾ فإِحقاقُ الحقّ على ضربين: أَحدهما بإِظهار الأَدِلَّة والآيات، كما قال ﴿وأولائكم جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ أَى حجّةً قويّة. والثَّانى بإِكمال الشريعة وبَثِّها، كقوله تعالى: ﴿والله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون﴾ وقوله: ﴿الحاقة مَا الحاقة﴾ إِشارة إِلى القيامة كما فسّره بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الناس﴾ لأَنَّه يحِقّ فيه الجزاء. ويستعمل استعمال الواجب اللازم والجائز نحو ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين﴾ وقوله: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق﴾ [قيل معناه جدير] . وقرئ (حقيق علىَّ) قيل واجب. والحقيقة تستعمل تارة فى الشئ الذى له ثبات ووجود: كقول النبى ﷺ لحارثة "لكلّ حقّ حقيقة فما حقيقة إِيمانك" أَى ما الذى ينبئ عن كون ما تدّعيه حقّاً. وفلان يحمى حقيقته أَى ما يحقّ عليه أَن يحميه، وتارة تستعمل فى الاعتقاد كما تقدّم، وتارة فى العمل وفى القول فيقال: فلان لفعله حقيقةٌ إِذا لم يكن مرائياً فيه؛ ولقوله حقيقةٌ إِذا لم

стр. 1048

يكن فيه مترخِّصاً ومتزايداً. ويُستعمل فى ضدّه المتجوَّز والمتوسّع والمتفسّح. وقيل: الدّنيا باطل والآخرة حقيقة، تنبيهاً على زوال هذه وبقاءِ تلك. وأَمَّا فى تعارف الفقهاءِ والمتكلِّمين فهى اللَّفظ المستعمل فيما وضع له فى أَصل اللُّغة.

стр. 1049

بصيرة فى الحكم والحكمة الحُكْم لغة: القضاء، والجمع أَحكام. وقد حكم عليه بالأَمر حكماً وحكومة. والحاكم. منفِّذُ الحكم وكذلك الحَكَم والجمع حُكَّام. وحاكمه إِلى الحاكم: دعاه وخاصمه. وحكَّمه فى الأَمر: أَمره أَن يحكم، فاحتكم. وتحكَّم. جاز فيه حكمُه. والاسم الأُحكومة والحكومةُ. و [تحكيم الحُروريّة] قولهم لا حكم إِلاَّ لله. وحكَّام العرب فى الجاهلية أَكثم بن صَيْفِىّ وحاجب ابن زُرارة والأَقرع بن حابس وربيعة بن مُخَاشِنٍ وضَمْرة بن ضَمْرة لتميم، وعامر بن الظرِب وغَيْلان بن سَلَمة لقيس، وعبد المطَّلب (وأَبو طالب) والعاص بنُ وائل والعلاءُ بن حارثة لقريش، وربيعة بن حِذَار لأَسد، ويَعْمَر بن الشُّدّاخ وصفوان بن أُميّة وسَلْمى ابن نوفل لكنانةَ. والحِكْمَة: العدل والعلم والحِلم والنبوّة والقرآن والإِنجيل وطاعة الله والفقهُ فى الدّين والعملُ به أَو الخشية أَو الفهم أَو الورع أَو العقل أَو الإِصابة فى القول والفعل والتفكر فى أَمر الله واتِّباعه. وهو حكيم أَى عَدْل حليم. وحَكَمه وأَحْكمه: أَتْقته وَمَنَعَه من الفساد. وسُورة محكَمة: غير مسوخةٍ. والآيات المحكَمَات ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾

стр. 1050

إِلى آخر السّورة، أَو الَّتى أُحكِمت فلا يَحتاج سامِعُها إِلى تأْويلها لوضوحها كأَقاصيص الأَنبياءِ ﵈. والمُحَكِّم - بكسر الكاف -: الشيخ المجرَّب. والحَكَم محرّكة: الرّجل المُسِنّ. والحكْم وردت فى القرآن على نيّف وعشرين وجهاً: الأَول: حكم الله تعالى ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ . الثانى: حكم نوح فى شفاعة النَّبيّين ﴿وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين﴾ حكم لوط عند اشتغاثته من جَوْر المجرمين ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ وحُكم يوسف الصّدّيق عند الخلْوة بسيّدة الحِسَان ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ وحكمُه أَيضاً بتعبير الرّؤيا لأَهل الاسجان ﴿إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ وحكم إِخْوة يوسف عند توقُّف بعضهم عن الرّواح إِلى كنعان ﴿حتى يَأْذَنَ لي أبي أَوْ يَحْكُمَ الله﴾ وحكم داود لمّا ترافع إِليه الخصمان ﴿فاحكم بَيْنَنَا بالحق﴾ وحكم خلفاءِ الله بين نوع الإِنسان ﴿فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ والحكم بين الزَّارع والرَّاعى من داود وسليمان ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث﴾ وحكم اليهود بالتَّوراة وشرائعها ﴿وَعِنْدَهُمُ

стр. 1051

التوراة فِيهَا حُكْمُ الله﴾ وحكم النَّصَارى بالإِنجيل وأَحكامها ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَآ أَنزَلَ الله فِيهِ﴾ وحكم سيّد الأَنبياءِ بما تضمّنه القرآن ﴿وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله﴾ والحكم الجاهلىّ الَّذى طلبه الجهّال من أَهل الكفر والطُّغيان ﴿أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ﴾ والحكم الحَقّ المنصوص فى القرآن ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً﴾ والحكم الجزم البتّ فى شأْن أَهل النفاق والخذلان ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ والحكم المقبول من المؤمنين بواسطة الإِيمان، المقابَلُ بالتَّذلل والتَّواضع والإِذعان ﴿وَإِذَا دعوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ والحكم فى القيامة بين جميع الإِنس والجانّ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ والحكم بين الرّجال والنِّسوان ﴿فابعثوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ وحكم بجزاءِ الصّيد على المُحْرِم عند العُدْوان ﴿فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم يَحْكُمُ بِهِ﴾ وحكم من الله بالحقّ إِذا اختلف المختلفان ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ وحكم الكفَّار فى دعوى مساواتِهم مع أَهل الإِيمان ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وحكم بتقديم الأَرواح وتأْخيرها من الرّحمن ﴿والله

стр. 1052

يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ وحكم بتخليد الكفَّار فى النِّيران ﴿إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد﴾ وحكم بتخليد ثواب أَهل الإِيمان فى الجِنَان. وأَمَّا الحِكمة فمن الله - تَعَالى - معرفة (الأَشياءِ وإِيجادُها) على غاية الإِحكام والإِتقان، ومن الإِنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات. وقد وردت فى القرآن على ستَّة أَوجهٍ: الأَوّل: بمعنى النبوّة والرّسالة ﴿وَيُعَلِّمُهُ الكتاب والحكمة﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة﴾ ﴿وَآتَاهُ الله الملك والحكمة﴾ أَى النبوّة. الثانى: بمعنى القرآن والتَّفسير والتأْويل وإِصابة القول فيه ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ . الثالث: بمعنى فهم الدّقائق والفقه فى الدّين ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً﴾ أَى فهم الأَحكام. الرّابع: بمعنى الوعظ والتَّذكير ﴿فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الكتاب والحكمة﴾ أَى المواعظ الحسنة ﴿أولائك الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب والحكم والنبوة﴾ .

стр. 1053

الخامس: آيات القرآن وأَوامره ونواهيه ﴿ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ . السّادس: بمعنى حُجّة العقل على وَفْق أَحكام الشَّريعة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة﴾ أَى قولاً يوافق العقل والشرع. وأَصل المادّة موضوع لمنع يُقصد به إِصلاح ومنه سمّى حَكمة الدّابة فقيل: حكمته وحكمت الدّابة منعتها بالحَكَمة، وأَحكمتها: جعلت لها حَكَمةً والحُكْم بالشئ أَن تقضى بأَنه كذا أَو ليس بكذا سواء أَلْزمت ذلك غيرك أَولم تلزمه، قال الشاعر: واحكم كحكم فتاة الحىّ إِذا نظرت ... إِلى حمامٍ سِرَاعٍ واردِ الثَّمَد وإِذا وُصِفَ القرآن بالحِكْمَةِ فلتضمُّنه الحكمة نحو ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم﴾ وقيل: معنى الحكيم المحكم نحو ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ وكلا المعنيين صحيح. والحكم أَعمّ من الحِكمة فكلّ حِكْمة حُكْم وليس كلّ حكم حِكمةً. وقوله الصّمت حُكْم وقليل فاعله أى حِكْمة

стр. 1054

﴿واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله والحكمة﴾ قيل: تفسير القرآن. والمحكّمون أَصحاب الأُخدود يروى بفتح الكاف وكسرها، سُمّو الأَنَّهم خُيّروا بين أَن يُقتَلوا مُسلمين وبين أَن يرتدُّوا. ومنه الحديث "إِنَّ الجَنَّةَ للمحكَّمين" وقيل عنى المختصّصين بالحِكمة. وأَمّا الحكيم فقد ورد فى القرآن على خمسة أَوجه: الأَوّل: بمعنى الأُمور المقَّضيَّةِ على وجه الحكمة ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ . الثانى: بمعنى اللَّوح المحفوظ ﴿وَإِنَّهُ في أُمِّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ . الثالث: بمعنى الكتاب المشتمل على قبول المصالح ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم﴾ وقيل فى معناه غير ذلك وقد تقدّم. الرّابع: بمعنى القرآن العظيم المبيّن لأَحكام الشَّريعة ﴿يس والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ . الخامس: المخصوص بصفة الله تارة مقروناً بالعلوّ والعظمة ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وتارة مقروناً بالعلم والدّراية ﴿إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم﴾ وتارة مقروناً بكمال الخِبْرَة ﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ وتارة مقروناً بكمال العزَّة ﴿وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً﴾ .

стр. 1055

بصيرة فى الحل حلّ المكان وحَلّ به يحُلّ ويحِلّ حَلاًّ وحُلولاً وحَلَلاً - وهو نادرٌ - نزل به [فهو حالّ] . وكذلك احتلَّه واحتلّ به. والجمع حُلُول وحُلاَّل وحُلَّل. وأَحلَّهُ المكان وبه وحلَّله إِيّاه. وحَلّ به جعله يحلُّه. وحالَّه: حلّ معه. وحَلِيلتك: أمرأَتك وأَنت حليلها. ويقال للمؤنَّث: حليل أَيضاً. وحليلتك جارتك. وأَصل الحلّ حَلّ العُقْدة. ومنه قوله تعالى: ﴿واحلل عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾ وحللتُ: نزلتُ، من حلّ الأَحمال عند النُّزول، ثمّ جُرّد استعمالُه للنزول قال تعالى ﴿تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ﴾ ﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار﴾ ويقال: حلّ الدَّيْن أَى وجب أَداؤه. والمَحَلَّة: مكان النُّزول. وعن حَلّ العُقْدة استعير قولهم حلّ الشئُ حلالاً. ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلاَلاً طَيِّباً﴾ ومن الحلول أَحلَّت الشَّاة: نزل اللَّبنُ فى ضرعها. وقوله تعالى: ﴿حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ﴾ وأَحلّ الله كذا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ فإِحلال الأَزواج فى الوقت لكونهنّ تحته، وإِحلال بنات العم وما بعدهنّ إِحلال التَّزوج بهنّ. ورجل
следующие страницы →