← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9856

بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز

الفيروزآبادي

Полный текст (2 804 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

استحبوا الكفر عَلَى الإيمان﴾ أَى آثروه عليه. وحقيقة الاستحباب أَن يتحرّى الإِنسانُ فى الشئ أَن يحبّه. واقتضى تعديتُه بعَلى معنى الإِيثار، وفى الحديث الصّحيح "إِذا أَحبّ الله عبداً دعا جَبْرئيلَ فقال: إِنى أُحِبُّ فلاناً فأَحِبَّه فيحبّه جبرئيل، ثم ينادى فى السّماءِ فيقول: إِنَّ الله يحبّ فلاناً فأَحِبُّوه فيحبّه أَهْلُ السّماءِ، ثمّ يوضَع له القَبولُ فى الأَرض" وفى البُغْض ذُكِر مثل ذلك. وفى الصّحيح أَيضاً: "ثلاث مَن كُنَّ فيه وَجَد بهنّ حلاوة الإِيمان: أَن يكون الله ورسولُه أَحبَّ إِليه مِمَّا سواهما، وأَن يحبّ المرءُ لا يحبّه إِلاَّ لله"، وفى صحيح البخارىّ: "يقول الله تعالى: مَن عادى لى وليّاً فقد آذَنْتُهُ بالحرب، وما تقرب إِلىّ عبدى بشىءٍ أَحبَّ إشلىَّ من أَداءِ ما افترضته عليه، ولا يزال عبدى يتقرب إِلىّ بالنَّوافل حتَّى أُحبّه. فَإِذَا أَحببته كنت سمعَه الَّّذى يسمع به، وبصرَه الَّذى يبصر به، ويدَه الَّتى يبطِش بها ورجلَه التى يمشى بها. وإِن سأَلنى أَعطيته ولئن استعاذنى لأُعيذنَّه". وفى الصّحيحين من حديث أَمير السّريَّة الذى كان يقرأُ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ لأَصحابه فى كلِّ صلاة وقال: لأَنَّها صفة الرّحمن وأَنا أُحبّ أَن أَقرأَ بها فقال النبىّ ﷺ : "أَخبروه أَنَّ الله يحبّه" وعن التِّرمذى عن

стр. 982

أَبى الدَرداءِ يرفعه: "كان مِن دعاءِ داود ﵇: اللهمّ إِنِّى أَسأَلك حبّك وحبّ من يحبّك، والعملَ الَّذى يبلِّغنى حبَّك. اللَّهم اجعل حُبّك أَحبّ إِلىّ من نفسى وأَهلى، ومن الماء البارد". وفيه أَيضاً من حديث عبد الله بن يزيد الخَطْمِىِّ أَنَّ النبىّ ﷺ كان يقول فى دعائه: "اللهمّ ارزقنى حبّك وحبّ من يحبّك وحبّ مَن ينفعنى حبُّه عندك. اللهمّ ما رزقتنى ممّا أُحبّ فاجعله قوّة لى فيما تحبّ، وما زَوَيت عنِّى ممّا أُحبّ فاجعله فراغاً لى فيما يحبّ". والقرآن والسنَّة مملوءَان بذكر مَن يحبّ اللهُ سبحانه من عباده، وذكر ما يحبّه من أَعمالهم وأَقوالهم وأَخلاقهم. فلا يلتفت إِلى مَن أَوَّل محبّته تعالى لعباده بإِحسانه إِليهم وإِعطائهم الثواب، ومحبّةَ العباد له تعالى بمحبّته طاعته والازدياد من الأَعمال لينالوا به الثواب، فإِن هذا التأْويل يؤدّى إِلى إِنكار المحبّة، ومتى بطلت مسأَلة المحبّة بطلت جميع مقامات الإِيمان والإِحسان، وتعطَّلت منازلُ السَّيْر، فإِنَّها رُوح كلِّ مَقَام ومنزلةٍ وعمل، فإِذا خلا منها فهو ميّت، ونسبتها إِلى الأَعمال كنسبة الإِخلاص إِليها، بل هى حقيقة الإِخلاص، بل هى نفس الإِسلام، فإِنَّه الاستسلام بالذُّل والحُبّ والطَّاعة لله. فمن لا محبَّة له لا إِسلام له البتَّة. ومراتب المحبّة عشرة: الأَوّل العلاقة والإِرادة والصبابة، والغرام

стр. 983

وهو الحبّ اللاَّزم للقلب ملازمةَ الغريم لغريمه، ثمّ الوُدّ وهو صفو المحبّة وخالصها ولُبّها، ثمّ الشغَف، شُغِفَ بكذا فهو مشغوف أَى وَصَل الحُبّ شَغَاف قلبه وهو جِلدة رقيقة على القلب، ثمّ العشق وهو الحبّ المفرط الَّذى يُخاف على صاحبه منه، وبه فسّر ﴿وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ثمّ التَتَيُّم وهو المحبّة والتذلُّل، تَيَّمه الحُبّ أَى عَبَّده وذَلَّله وتَيْم الله عَبْد الله، ثمَّ التعبّد وهو فوق التتيُّم فإِنَّ العبد الذى مَلَك المحبوبُ رِقَّه فلم يبق له شئ من نفسه البتَّة، بل كلُّه لمحبوبه ظاهراً وباطناً. ولمَّا كَمّل سيّد ولد آدم هذه المرتبة وصفه الله بها فى أَشرف مقاماته بقوله ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ وفى مقام الدّعوة ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ﴾ وفى مقام التحدّى ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا﴾ وبذلك استحقّ التقدّم على الخلائق فى الدّنيا والآخرة. العاشر: مرتبة الخُلَّة الَّتى استحقّ التقدّم على الخلائق فى الدّنيا والآخرة. العاشر: مرتبة الخُلَّة الَّتى انفرد بها الخيلان إِبراهيم ومحمّد عليهما الصّلاة والسّلام؛ كما صحّ عنه "إِنَّ اللهَ اتَّخذنى خليلاً كما اتَّخَذَ إِبراهيم خليلاً" وقال "لو كنت متَّخِذاً من أَهل الأَرض خليلاً لاتَّخذتُ أَبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الرّحمن" والخلَّة هى المحبّة الَّتى تخلَّلْت روح [المحب] وقلبه حتى لم يبق فيه موضع لغير محبوبه. والأَسبابُ الجالبة للمحبة عشرة: الأَول: قراءَة القرآن بالتَّدبّر والتفهُّم لمعانيه وتفطُّن مراد الله منه. الثانى: التَّقَرّب إِلى الله تعالى بالنَّوافل بعد

стр. 984

الفرائض؛ فإِنَّها توصِّل إِلى درجة المحبوبيَّة بعد المحبّة. الثالث: دوام ذكره على كلِّ حال باللٍّسان والقلب والعلم والحال فنصيبه من المحبّة على قدر نصيبه من هذا الذكر. الرابع: ايثار مَحَابِّه على محابّك عند غلبات الهوى. الخامس: مطالعة القلب لأَسمائه وصفاته ومشاهدتها وتقلُّبه فى رياض هذه المعرفة ومباديها فمن عرَف الله بأَسمائه وصفاته وأَفعاله أَحبّه لا محالة. السادس مشاهدة بِرّه وإِحسانه ونِعمه الظَّاهرة والباطنة. السابع: وهو من أَعجبها - انكسار القلب بكلِّيَّته بيْن يديه. الثامن: الخَلْوة به وقت النُّزول الإِلهىّ لمناجاته وتلاوة كلامه، والوقوف بالقالب والقلب بين يديه، ثم خَتْم ذلك بالاستغفار والتَّوبة. التَّاسع: مجالسة المحبّين والصّادقين والتقاطُ أُطايب ثمرات كلامهم وأَلاَّ يتكلم إِلاَّ إِذا ترجّحت مصلحةُ الكلام وعَلِم أَنَّ فيه مزيداً لحالِهِ. العاشر: مباعدة كلِّ سبب يحول بين القلب وبين الله . فمن هذه الأَسباب وصل المحبّون إِلى منازل المحبّة، ودخلوا على الحبيب وفى ذلك أَقول: تِلاوةُ فهمٍ معْ لزوم نوافل ... وذكرٌ دواماً وانكسارٌ بقلبه وإِيثار ما يُرْضِى شهودَ عطائه ... ووقت نزول الحقّ يخلو بربّه مطالعة الأَسما مجالسة القُدَى ... مجانبة الأَهوا جوالب حُبه

стр. 985

بصيرة فى الحبر وهو الأَثر المستحسن. وبالكسر والفتح: الرّجل العالم؛ لما يبقى من أثر علومه فى قلوب النَّاس، ومن آثار أَفعاله الحسنة المقتدى بها، وجمعه أَحبار. قال تعالى ﴿والربانيون والأحبار﴾ وقال ﴿إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأحبار﴾ وإِلى المعنى المذكور أَشار المرتضى رضى الله عنه بقوله: العلماءُ باقون ما بقى الدَّهر، أَعيانهم مفقودة، وآثارهم فى القلوب موجودة، وقول النبىّ ﷺ "يخرجُ من النَّار رجل قد ذهب حِبْره وسِبْره" أَى جماله وبهاؤه. ومنه شاعر محبِّر وشعر محبّر وثوب حَبِير: محسّن. والحَبْرة: السّرور والبهجة لظهور أَثره على صاحبه، قال تعالى: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ أَى يفرحون حتَّى يظهر عليهم حَبَار نعيمهم.

стр. 986

بصيرة فى الحبط قال تعالى ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فأولاائك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ وقال تعالى ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ . حَبِط عملُه - بكسر الباءِ وفتحها - حَبْطاً وحُبُوطاً: بطل. وأَحبطه الله: أَبطله. وهو من قولهم: حَبِطَ ماءُ الرَّكيَّة إِذا ذهب ذهاباً لا يعود أَبداً. وحَبْط العمل على أَضرب: أَحدها: أَن تكون الأَعمال دنيويّة فلا تُغنى فى القيامة غَنَاء؛ كما أَشار إِليه تعالى ﴿وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ . والثانى: أَن تكون أَعمالاً أُخرويّة لكن لم يقصِد صاحبها بها وجهَ الله؛ كا رُوى أَنَّه يؤتى يوم القيامة برجل فيقال له: بم كان اشتغالك؟ فيقول: بقراءَة القرآن. فيقال: كنتَ تقرأُ القرآن ليقال: هو قارئ وقد قيل، فيؤمَر به إِلى النَّار. والثالث: أَن تكون أَعمالاً صالحة يكون بإِزائها سيّئات تزيد عليها، وذلك هو المشار إِليه بخِفَّة الميزان. وقيل: أَصل الحَبْط من الحَبَط، وهو أَن تكثر الدّابّة أَكلا ينفخ

стр. 987

بطنَها. وقال ﷺ "إِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ ما يَقْتُل حَبَطاً أَو يُلمّ". والحَبِط - بكسر الباءِ وفتحها - لقب الحارث بن عمرو لحَبَط أَصابه فى سفرٍ، والحَبِطات أَبناؤه. بصيرة فى الحبك وهو الشَّدّ والإِحكام. وبعير محبوك القراءِ أَى مُحْكمُهُ. والاحتباك: شدّ الإِزار. والحُبُك - بضمّتين -: الطَّرائق، قال تعالى ﴿والسمآء ذَاتِ الحبك﴾ أَى: الطَّرائق. فمن النَّاس مَنْ تصوّر منها الطَّرائق المحسوسة بالنُّجوم والمَجرّة، ومنهم من اعتبر ذلك بما فيه من الطَّرائق المعقولة المدركة بالبصيرة، وإِلى ذلك أَشار بقوله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض﴾ إِلى قوله ﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ .

стр. 988

بصيرة فى الحبل وقد ورد فى القرآن على ستَّة معان. الأَوّل بمعنى: العهد ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله﴾ أَى بعهد منه. الثانى بمعنى: الأَمانة ﴿وَحَبْلٍ مِّنَ الناس﴾ أَى أَمانٍ منهم. الثالث بمعنى: الإِسلام والإِيمان وبه فَسَّرَ ابن عبّاسٍ قوله تعالى ﴿إِلاَّ بحبلٍ من اللهِ﴾ . الرّابع بمعنى: الرَّسَين ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ الخامس بمعنى: القرآن المجيد ﴿واعتصموا بِحَبْلِ الله﴾ . السادس بمعنى: عِرْق فى البدن ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد﴾ شُبّه بالحبل المعروف من حيث الهيئة. وكذلك الحبل المستطيل من الرّمل ثمّ استعير للوصل ولكلِّ ما يتوصّل به إِلى شئ.. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ﴾ قال المحقِّقُون: حبلُه هو الَّذى يمكن معه التَّوصّلُ به إِليه: من القرآن والنبى والعقل والإِسلام وغير ذلك، ممَّا إِذا اعتصمتَ به أَدّاك إِلى جِواره. وقوله تعالى ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس﴾ فيه تنبيه على أَنَّ الكافر يحتاج إِلى عهدين: عهد من الله وهو أَن يكون من أَهل كتاب أَنزله الله، وإِلاَّ لَمْ يُقَرّ على دينه ولم يُجعل على ذمّة، وإِلى عهدٍ من النَّاس يبذلونه.

стр. 989

والحابُول: حَبْل يُصْعَد به على النخل. والحِبَالة خُصّت بحَبْل الصّائد والجمع حبائل وحِبَالات. وفى الحديث: "النساءُ حبائل الشيطان". قال الشاعر: مطالبُ العالمينَ أَشتاتُ ... وكلُّهم معناهمُ هاتوا وإِنما العلمُ وما دونَه ... من الصناعاتِ حِبالاتُ وفى الحديث: "القرآن حَبْل ممدود بين الله وبين خَلْقه، فمن تعلَّق به نجا، ومن فاته الحبلُ هلك وهَوَى". قال: أَصْلِى وفرعى فارَقانى معاً ... واجتُثَّ مِنْ حَبْلَيْهما حَبْلى فما بقاءُ الغصن فى ساقه ... بعد ذهاب الفرع والأَصل

стр. 990

بصيرة فى حتى وهى حرف يجرّ به تارة كإِلى، لكن يدخل الحدُّ المذكور بعده فى حكم ما قبله، ويعطف به تارة، ويستأنف به تارةً؛ نحو أَكلت السّمكة حتَّى رأَسِها ورأَسَها ورأَسُها. ويدخل على الفعل المضارع فيرفع ويُنصب. وفى كلِّ واحد وجهان، فأَحد وجهى النَّصب إِلى أَن، والثَّانى كى. وأَحد وجهى الرّفع أَن يكون الفعل قبله ماضيا نحو: مشيت حتَّى أَدخلُ البصرة، أَى مشيت فدخلت. والثَّانى أَن يكون ما بعده حالاً نحو: مرض حتى لا يرجونه، وقد قُرِئ ﴿حتى يَقُولَ الرسول﴾ بالرّفع والنَّصب، حُمل كلُّ واحدة من القراءَتين على الوجهين. وقيل: إِنَّ ما بعد حتَّى يقتضى أَن يكون بخلاف ما قبله نحو ﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حتى تَغْتَسِلُواْ﴾ وقد يجئ ولا يكون كذلك نحو ما فى الحديث: "إِنَّ الله لا يَمَلُّ حتَّى تَمِلُّوا" ولم يُرِدْ أَن يُثبت ملالاً لله بعد ملالهم.

стр. 991

وقد ورد فى القرآن على ثلاثة أوجه: الأَوّل بمعنى: إِلى ﴿تَمَتَّعُواْ حتى حِينٍ﴾ أَى إِلى أَجلهم ﴿حتى مَطْلَعِ الفجر﴾ أَى إِلى طلوع الصّبح. الثانى بمعنى: فَلَمَّا ﴿حتى إِذَا استيأس الرسل﴾ ﴿حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ﴿حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً﴾ أَى فلَمّا. الثالث بمعنى إِلى كنايةً عن وقت معيَّن ﴿حتى يُعْطُواْ الجزية﴾ ﴿حتى تفياء إلى أَمْرِ الله﴾ ﴿حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أَى إِلى حال يتحقَّقُ [فيه] ذلك. والأَصل فى حتَّى حتّ لكن أَلحقوا أَلِفا فى اللفظ وياءً في الخطِّ لئلاَّ يلتبس باسمٍ أَو فعل. وقد يُحذف ما بعده لحصول العلم به، قال: حَضَرْتُ الباب مرَّاتٍ وغبتم ... فإِنَّ نوائب الأَيّام شتَّى فلمّا لم أَجدك - فدتك نفسى - ... رجعت بحسرة وصبرت حتَّى وقد يبدّل حاؤها عيناً، وقرئ فى الشَّاذ ﴿عتى حِينٍ﴾ قرأَ بها ابن مسعود رضى الله عنه، فلمّا بلغ ذلك عمرَ - رَضى الله عنه - قال: إِنَّ القرآن لم ينزل على لغة هُذَيل فأَقرئ النَّاس بلغة قريش. قال الفرّاءُ:

стр. 992

حتَّى لغة قريش وجميعِ العرب إِلاَّ هذيلاً وثَقِيفاً فإِنَّهم يقولون: عتَّى. وأَنشدنى بعض أَهل اليمامة: لا أَضع الدّلو ولا أُصلِّى عتَّى أَرى جِلَّتها تولِّى صَوادراً مثل قِباب التَلِّ وقال الفرَّاءُ: حتَّاهُ أَى حتَّى هو، وحتَّام أَصله حتاما فحذفت أَلِف (ما) للاستفهام. وكذلك كلُّ حرف من حروف الجرّ يضاف فى الاستفهام إِلى (ما) كقوله تعالى ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ و ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾ و ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾ .

стр. 993

بصيرة فى الحجة وهى اسم مضعَّف على زنة (فُعْلة، لبرهان) أَهل الحقِّ والدّلالة البيّنة للمحجَّة أَى المقصد المستقيم الذى يقتضى صحّة أَحد النقيضين. وقد وردت الحجّة فى القرآن بمعنى المنافرة والمخاصمة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم﴾ ﴿ياأهل الكتاب لِمَ تُحَآجُّونَ في إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿هاأنتم هؤلاء حَاجَجْتُمْ﴾ . وورد بمعنى البرهان تارة من المؤمنين مع الكفَّار ﴿لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ وتارة من الكفَّار بحسب اعتقادهم الباطل ﴿مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بِآبَآئِنَآ﴾ وتارة من إِبراهيم ﵇ فى تمهيد قواعد الإِيمان ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ على قَوْمِهِ﴾ وتارة من الحقّ إِلى الخلق بآيات القرآن وإِظهار البرهان ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة﴾ و ﴿لِئَلاَّ

стр. 994

يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ﴾ جعل ما يَحتجّ بها الَّذين ظلموا مستثنًى من الحجّة وإِن لم يكن حجّة، كذلك قول الشاعر: ولا عَيبَ فيهم غيرَ أَنَّ سيوفَهُمْ ... بهنّ فُلُولٌ من قِراعِ الكتائبِ ويجوز أَنَّه سمّى ما يحتجّون به حجّة كقوله ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فسمّى الداحضة حجّة، والمحاجّة: أَن يطلب كلُّ واحد أَن يردّ الآخر عن حجّته ومحجّتِه. وأَصل الحجّ القصد للزِّيارة. وخُصّ فى تعارف الشَّرع بقصد بيت الله إِقامة للنُّسُك. فقيل الحَجّ والحِجّ، فالحَج مصدر والحِجّ اسم. ويوم الحَجّ الأَكبر يومُ النحر أَو يوم عرفة. وورى: "العُمْرة الحجّ الأَصغر" وقيل غير ذلك. وفى الحديث "من مات ولم يحجّ حجّة الإِسلام لقى الله وفيه شُعبة من النِّفاق" وفيه "الحَجّ المبرور ليس له جَزَاءٌ إِلاَّ الجنَّة" قال: إِذا حَجَجْتَ بمالٍ أَصلُه دنسٌ ... فما حججتَ ولكنْ حجَّتِ العيرُ لا يقبل الله إِلا كلَّ صافية ... ما كلّ مَن حجّ بيتَ الله مبرور

стр. 995

بصيرة فى الحجاب [هو] اسم على زنة فِعالٍ وجمعه حُجُب ككتاب وكتبٍ. وهو ما يَمنع عن الوصول. وحجاب الجَوف: ما يحجب عن الفؤاد. وفى الحديث: إِنَّ لله بين العرش والكرسىّ سبعين أَلف حجاب غِلَظ كلَّ حجاب كغلظ سبع سماوات وسبع أَرضين، من الحجاب إِلى الحجاب كما بين السّماءِ السّابعة إِلى الأَرض السّابعة فسبحان مَن هو بالمنظر الأَعلى. وقد ورد الحجاب فى القرآن على خمسة أَوجه: الأَوَّل: بمعنى الجَبَل الَّذى تحتجب به الشمس آخر النَّهار ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ أَى الجبل. الثَّانى بمعنى: السِّتر الشِّرعى ﴿فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ . الثالث بمعنى: قصور درجة النبوّة عن درجة الرّسالة بالإِضافة إِلى حضرة الرّبوبية ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ . الرَّابع بمعنى: الأَعراف للسّور الَّذى بين الجنَّة والنَّار ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ﴾ قيل: ليس المراد بالحَجْب ما يحجب النَّظر وإِنَّما المراد ما يمنع وصول لذَّة الجنَّة إِلى أَهل النَّار وأَذيَّة أَهل النار إِلى أهل الجنَّة كقوله تعالى ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ﴾ الآية.

стр. 996

والحاجب: المانع عن السلطان، قال: وكم حاجب غضبان كاسر حاجب ... يقابلنى بالزهْو والتِيه والكِبْر ومن شِيَمِ الحُجَّاب أَن قلوبَهم ... قلوبٌ على الأَحرار أَقسى من الصخر والحاجبان فى الرّأس لكونهما كالحاجبين للعين فى الدّرْءِ عنهما، وحاجب الشمس لتقدّمه عليها تقدّمَ الحاجب للسّلطان. بصيرة فى الحجر بالكسر وقد ورد فى القرآن واللغة على وجوه: الأَوّل العقل، قال الله تعالى ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ . الثَّانى: حِجْر الكعبة المعظَّمة زادها الله تعظيماً وهو ما حواه الحَطِيم المُدَار بالبيت من جانب الشَمَال. الثالث: الحِجْر ديار ثمود ومنازلهم ناحية الشام عند وادى القُرى، قال الله تعالى ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الحجر المرسلين﴾ . الرّابع: الحِجْر البيت وبه فسِّر قوله تعالى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتي فِي حُجُورِكُمْ﴾ . الخامس: الحِجْر الأُنثى من الخيل والجمع حُجُور وحُجُورة وأَحجار. وقول العراقيّين: حِجْرة، ليس من كلام العرب. السادس: الحِجْر القرابة، قال: يريدون أَن يُقصوه عنِّى وإِنه ... لذو حَسَب دَانٍ إِلىّ وذو حِجر

стр. 997

السّابع: الحِجْرُ والحَجْر بالكسر والفتح: حجر الإِنسان، والجمع الحجور. الثَّامن: الحجْر بالكسر والفتح والضمّ - والكسر أَفصح - الحرام، قال تعالى ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً﴾ أَى حراماً محرَّماً، يظنُّون أَنَّ ذلك ينفعهم كما كانوا يقولونه لمن كانوا يخافونه فى الشهر الحرام. وقال ابن عبّاس: هذا من قول الملائكة، يقولوه لهم: حجراً محجوراً: حجرتْ عليهم البُشَر فلا يبشرون بخير. بصيرة فى الحجارة وقد وردت فى القرآن على خمسة أَوجهٍ: الأَول بمعنى: حَجَر الكبريت ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ وقيل: بل هى الحجارة بعينها، ونبّه بذلك على عظم تلك النَّار وأَنَّها ممّا توقد بالنَّاس والحجارة بخلاف نار الدّنيا إِذ هى لا يمكن أَن توقد بالحجارة. وقيل: أَراد بالحجارة الَّذِين [هم] فى امتناعهم وصلابتهم عن قبول الحقّ كالحجارة، كمن وصفهم بقوله ﴿فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ . الثَّانى بمعنى: الجبال ﴿وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار﴾ . الثَّالث: حَجَر موسى ﵇ ﴿فَقُلْنَا اضرب بِّعَصَاكَ الحجر﴾ . الرّابع: حجر العذاب لقوم لوط ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ . الخامس: حَجَر الكعبة على أَصحاب الفيل ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾ .

стр. 998

والحَجَر: الجوهر الصّلب وجمعه أَحجار فى القلَّة، وفى الكثرة حِجَار وحِجَارَة. ويقال للحَجَر. أُحْجُرّ، قال: يرمينىَ الضعيفُ بالأُحْجُرِّ ومثله أُكبُرُّهم أَى أَكْبَرهم. والحُجْرَةُ - بالضمّ -: حَظِيرة الإِبل. ومنه حجرة الدّار. والجمع الحُجر والحُجُرات بضمتين والحُجْرَات. والحُجْرة: الرُّقْعة من الأَرض المحجورة بحائط يحوَّط عليها، فُعْلة بمعنى مفعول كالغُرفة والقُبْضة. بصيرة فى الحجز وهو المنع بين الشيئين بفاصل بينهما ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين حَاجِزاً﴾ وسُمّى الحِجَاز حجازاً لكونه حاجزا بين الشأم والبادية. وقال تعالى ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ فقوله: (حاجزين) صفة لأَحدٍ فى موضع الجمع. والحِجَاز: حَبْل يُشَدّ من حَقْو البعير إِلى رُسْغِه. وتُصوّر منه معنى المنع فقيل: احتَجَزَ فلان عن كذا، واحتجز بإِزاره. ومنه حُجْزة السّراويل. وقيل: إِن أَردتم المحاجزة، فقبل المناجزة. وقيل: حَجَازيك أَى احْجِزْ بينهم.

стр. 999

بصيرة فى الحدود والحديد الحَدّ: الحاجز بين الشيئين الَّذى يمنع اختلاط أَحدهما بالآخر. يقال: حدَدْت كذا: جعلت له حدّاً يميّزه. وَحدُّ الدّار: ما تتميّز به عن غيرها. وحَدّ الشئ: الوصف المحيط بمعناه المميّز له عن غيره. وحدّ الزَّانى والخمر سمّى لكونه مانعاً لمتعاطيه عن معاودة مثله ومانعاً لغيره أَن يسلك مسلكه. وقوله تعالى ﴿وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ الله﴾ أَى أَحكامه، وقيل: حقائق معانيه. وجميع حدود الله على أَربعة أَضرب: إِمّا شئ لا يجوز أَن يُتعدّى بالزيادة عليه، ولا يجوز النقصان عنه، كأَعداد ركعات صلاة الفرض؛ وإِما شئ يجوز الزيادة عليه ولا يجوز النقصان عنه؛ وإِمّا شئ يجوز النقصان عنه ولا يجوز الزِّيادة عليه؛ [وإِمّا شئ يجوز كلاهما] . والحدود جاءَت فى القرآن على سبعة أَوجهٍ: الأَوّل حَدّ الاعتكاف لإِخلاص العبادة ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المساجد تِلْكَ حُدُودُ الله﴾ الثَّانى: حد الخُلْع لبيان الفِدْية ﴿فِيمَا افتدت بِهِ تِلْكَ حُدُودُ الله﴾ . الثَّالث:

стр. 1000

حَدُّ الطَّلاق لبيان الرَّجعة ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الله يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . الرّابع: حَدّ العِدّة لمنع الضرار وبيان المدّة. الخامس: حَدّ الميراث لبيان القسمة ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ السادس: حدّ الظِّهار لبيان الكفارة ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ إِلى قوله ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ . السَّابع: حَدّ الطَّلاق لبيان مُدّة العِدّة ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ إِلى قوله ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الله﴾ . وقولُه تعالى ﴿إِنَّ الذين يُحَآدُّونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ أَى يمانعون. وذلك إِمّا اعتباراً بالممانعة، وإِمّا باستعمال الحديد. والحديد معروف، قال تعالى ﴿وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ وحدَدت السّكين: رقَّقت حَدّه، وأَحددته: جعلت له حَدّاً. ثمّ يقال لكلّ ما دَقَّ فى نفسه من حيث الخلقة أَو من حيث المعنى كالبصر والبصيرة: حديد. فيقال: هو حديد النَّظر وحديد الفهم. قال تعالى ﴿فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ﴾ ويقال: لسانٌ حديدٌ نحو لسان صارم وماض وذلك إِذا كان يؤثِّر تأثير الحديد، قال تعالى ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ ولتصوُّر المنع سُمّى البوّابُ حَدّاداً. وفى الحديث: "مَنْ أَشار إِلى أَخيه بحديدةٍ فإِنَّ الملائكة تلعنه" وفى المثل: الحديد بالحديد يُفْلَح.

стр. 1001

بصيرة فى الحديث وقد ورد فى القرآن على خمسة أَوجه: الأَوّل بمعنى: الأَخبار والآثار. ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾ أَى أَتخبرونهم. الثَّانى بمعنى: القول والكلام ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً﴾ أَى قولاً. الثَّالث بمعنى: القرآن العظيم ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ . الرّابع بمعنى: القِصَصَ ذات العِبَرِ ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث﴾ أَى أَحسن القِصَصِ. الخامس بمعنى: العِبَر فى حديث الكفَّار والفجّار ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ قال الشاعر: كلُّ العلومِ سوى القُرْآنِ مَشْغَلة ... أَو الأَحاديث من دون الدواوينِ فبالقرَانِ أُقيمت كلُّ مائلةٍ ... وبالحديث استقامتْ دولةُ الدين العلم ما كان فيه قال حدثنا ... وما سواه فوسواس الشياطين وكلُّ كلام يَبلغ الإِنسان من جهة السّمع أَو الوحى فى يقظته أَو منامه يقال له: حديث. قال تعالى ﴿وَإِذَ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً﴾ وقوله ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحاديث﴾ أَى ما يحدّث به الإِنسان فى نومه.

стр. 1002

والحديث أَيضاً: الطرىّ من الثمار. ورجل حَدُث: حسن الحديث. ويقال لكلِّ ما قرب عهده: حديث، فَعَالا كان أَو مقالاً، قال تعالى ﴿حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ . والحُدُوث: كون الشئ بعد أَن لم يكن، عَرَضاً كان أَو جوهراً، وإِحداثه: إِيجاده. وإِحداث الجوهر ليس إِلاَّ لله تعالى. والمحدَث: ما أُوجد بعد أَن لم يكن، وذلك إِمّا فى ذاته أَو إِحداثه عند من حصل عنده نحو: أَحدثت مِلكاً. ورجل حَدَث وحديث السّنِّ بمعنًى، وحِدْث النساء بالكسر أَى محادثهنَّ وتحادثوا وصاروا أحدوثة. والحادثة: النَّازلة العارضة.

стр. 1003

بصيرة فى الحذر وهو احتراز عن مُخيف. ويقال حِذْر وحَذَر، قال الفرَّاء: أَكثر الكلام الحِذْر بالكسر وهو التحرّز. ورجل حَذِر وحَذُر أَى متيقِّظ متحرّز، وقد حَذِرَ يحذَر حَذَراً وحذّرته. قال تعالى ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ وقوله تعالى ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ أَى ما فيهِ الحَذَر من السلاح وغيره. حَذَارِ أَى احذر. وقد ورد الحَذَر فى القرآن على ثلاثة أَوجه: الأَوّل بمعنى: الخوف والخطر ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ أَى يخوّفكم. الثَّانى بمعنى: الإِباءِ والامتناع ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فاحذروا﴾ أَى امتنعوا. الثالث بمعنى: كتمان السرّ ﴿إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ أَى مظهر ما تكتمون. ثمّ يختلف الحذر تارة من فتنة الأَولاد ﴿عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم﴾ وتارة حذر النبى ﷺ من مكر المنافقين ﴿هُمُ العدو فاحذرهم﴾ وتارة حذره ﷺ من فتنة اليهود ﴿واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ﴾ وتارة حذر المنافقين من فضيحتهم بنزول القرآن ﴿يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ وحذر فرعون وهامان من عسكر موسى بن عمران ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ وحذر المسلم ممَّن يخالف الرّحمن ﴿فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ .

стр. 1004

بصيرة فى الحر وما يشتق منه الحَرّ: ضدّ البَرْدِ، والحرارة: ضدّ البرودة. تقول منه: حَرَرْت يا يوم بالفتح وحرِرت بالكسر، فأَنت تَحِرُّ وتَحَرّ حَرّاً وحرارةً وحُروراً، سمع ذلك الكسائىُّ. والحرارة ضربان: حرارة عارضة فى الهواءِ من الأَجسام المُحْمِيَةِ كحرارة الشَّمس والنَّار، وحرارة عارضة فى البدن من الطَّبيعة كحرارة المحموم. وحُرّ الرّجل فهو محرور، وكذا حُرّ يومُنا وحرّ بالضمّ وبالفتح. والحَرُور: الريح الحارَّة. واستحرَّ القَيظُ: اشتدّ حرّه. والحُرّ خلاف العبد، حَرَّ العبد بالفتح يَحَرّ حَرَاراً: عَتَقَ، قالَ: فما رُدّ تَزْويج عليه شهادة ... وما رُدّ من بعد الحَرَار عَتيق ورجل حُرّ بيِّن الحَرُوريّة والْحُروريّة كالخَصُوصيّة والخُصوصية. والحُرّية ضربان: الأَوّل مَن لم يَجْرِ عليه حكم السَّبْى نحو ﴿الحر بِالْحُرِّ﴾ والثَّانى مَن لم يتملكه قواه الذميمة: من الحِرْص والشرَهِ على القُنْيات الدّنيوية.

стр. 1005

وإِلى العبوديَّةِ المضادّة لهذا أَشار النبى ﷺ "تعِس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم" وقول الشاعر: ورِقُّ ذوى الأَطماع رِقُّ مخلد وقيل عبد الشهوة أَذَلُّ من عبد الرّقِّ. والتَّحرير: جَعْلُ الإِنسانُ حُرّاً فمِن الأَول ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ومن الثانى ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ قيل: هو أَنَّه جعل ولده بحيث لا ينتفع به الانتفاع الدّنيويى المذكور فى قوله ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ بل جعله مخلصاً للعبادة. ولهذا قال الشَّعبى: مخلصاً للعبادة، وقال مجاهد: خادماً بالبِيعة، وقال جعفر: معتَقاً من أَمر الدّنيا، كلُّ ذلك إِشارة إِلى معنى واحد. وحرّ الدّار وحُرّ الرّمل: وسَطه. وحُرّ الوجه ما بدا من الوجه. والحُرّ أَيضاً: فَرْخ الحمامة وولد الظَّبية وولد الحيّة والصّقر والبازى. والحُرّ أَيضاً: رُطَب الأَزَاذ. والحُرّ من الفرس: سواد فى ظاهر أُذنَيهِ. وساقُ حُرّ: الوَرَشانُ وذكر القمارىّ. وأَحرار البُقُول: ما يؤكل غير مطبوخ. ويقال ما هذا بُحرّ أَى بحسَن ولا جميل. وطينٌ حُرّ: لارمل فيل.

стр. 1006

بصيرة فى الحرب وهو معروف يذكَّرَ ويؤنَّث. يقال: وقعت بينهم حرب. قال الخليل: تصغيرها حُرَيب روايةً عن العرب. قال المازنىّ لأَنَّه فى الأَصْلِ مصدر. قال المبرّد: الحرب قد يذكَّر. وأَنشد: وهو إِذا الحرب هَفَا عُقابه ... مِرْجَمُ حَرْب يلتظِى حرابه وأنا حَرْب لمن حاربنى أَى عدوّ. وفى الحديث "الحرب خدعة" وقال: وصالكمُ صَدُّ وحبّكمُ قِلىً ... وقُرْبكمُ بُعْدٌ وسِلْمُكُمُ حَرْبُ وأَنتم بحمد الله فيكمْ فظاظةٌ ... وكلُّ ذَلُولٍ من مَرَاكِبِكُمْ صَعْبُ وقد ورد فى القرآن على ثلاثة أَوجه: الأَوّل بمعنى: المخالفة ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله﴾ أَى بخلاف ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ يخالفون. الثَّانى بمعنى: الكفر والضلالة. يقال: دار الحَرْب أَى الكفر ﴿حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا﴾ أَى الكافر الحربىّ. الثَّالث بمعنى القتال ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب﴾ أَى فى القتال ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ﴾ أَى القتال. ورجل مِحرَب كأَنَّهُ آلة فى الحرب. والحَرْبة: آلة للحرب معروفة. والجمع حِرَاب. وسيأتى المحراب فى الميم إِن شاءَ الله تعالى.

стр. 1007

بصيرة فى الحرث وهو إِلقاءُ البَذْر فى الأَرض وتهيِئتها للزرع، ويسمى المحروث حَرْثا، قال تعالى ﴿أَنِ اغدوا على حَرْثِكُمْ﴾ وتُصُوّر منه العمارة التى تحصل عنه فى قوله تعالى ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ الآية، والدّنيا مَحْرَث للناس وهم حُرّاث فيها. وفى الحديث "أَصدق الأَسماء الحارث والهمَّام" وذلك لتَصوُّر معنى الكسب فيه. وروى "احرث لدنياك كأَنَّك تعيش أَبداً" وتُصوّر [من] معنى الحرث معنى التّهييج فقِيل: حَرَثت النَّار. ويقال احُرث القرآن أَى أَكثر تلاوته. وفى حديث ابن مسعود: احرُثوا هذا القرآن أَى فَتِّشوه وتدبَّروه. وَحَرث ناقته إِذا استعملها. وقال معاوية للأَنصار: ما فعلتْ نواضحكم قالوا حرثناها يوم بدر. قال تعالى ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ وذلك على سبيل التشبيه. فالبنّساء زَرْع مابه بقاء نوع الإِنسان، كما أَن بالأَرض زرع ما به بقاءُ أَشخاصهم. وقد ورد فى القرآن على ثلاثة أَوجه. الأَّول: بمعنى الزّرع المعهود ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ ﴿وَلاَ تَسْقِي الحرث مُسَلَّمَةٌ﴾ ﴿وَيُهْلِكَ الحرث

стр. 1008

والنسل﴾ الثانى بمعنى النساء ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ﴾ الثالث بمعنى منفعة الدّنيا وثواب الآخرة ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا﴾ أَى نفعها ﴿مَنْ كان يُريدُ حَرْثَ الآخِرةِ﴾ أَى ثوابها، قال: إِذا أَنت لم تحرث وأَبصرت حاصدا * ندمت على التفريط فى زمن الحرث وأَصل الحرث كسب المال وجمعه يقال حرث يَحْرُث مثال كتب يكتب، وحرث يحرث مثال سمع يسمع. وحَرَث عصاه براها حيث يقع اليد عليه منها وجعل لها مِقْبَضا. والحرث المحَجّة المكدودة بالحوافر.

стр. 1009

بصيرة فى الحرج وهو مصدر بزنة فَعَل، وأَصله مجتمع الشجر. وتصُوِّر منه ضيق ما بينهما فقيل للضيق حَرَج، وللإِثم حَرَج، وقد حرج صدره يَحْرَج كعلم يعلم. وقد ورد فى القرآن على ثلاثة معان. الأَول: بمعنى الشَّك والرَّيْب ﴿فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ قيل هو نهىٌ وقيل دعاءٌ وقيل حُكْم ﴿في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ أَى شكّاً. الثانى: بمعنى الضيق ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ ﴿مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ أَى ضيّقاً بكفره. الثَّالث. بمعنى الإِثم ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ﴾ ﴿وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ أَى إِثم، والمتحِّرج: المتجنِّب عن الحرج.

стр. 1010

بصيرة فى الحرد وهو المنع عن حِدّة وغضب، قال تعالى ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أَى على امتناع أَن يتناولوه قادرين على ذلك. ونزل فلان حَريداً أَى ممتنعا عن مخالطة القوم، وهو حريد المحلّ وحاردتِ السّنةُ: منعَتْ قَطْرها، والنَّاقةُ: منعت دَرّها. وحردَ كعلم: غضب وَحَرَّدَهُ تحريداً أَغضبه وبعير أَحْرَدُ: فى إِحدى يديه حَرَدٌ. والحُرْديَّة حَظيرة من قصب.

стр. 1011

بصيرة فى الحرس الحرَس والحُرّاس جمع حارسٍ وهو حافظ المكان. والحَرْسُ والحَرْز متَقَاربان معنىً تقارُبَهما لفظا، لكنَّ الحرْز يستعمل فى النَّاضِّ والأَمتعة أَكثر، والحرسَ يستعمل فى الأَمكنة أَكثر. وحَرَيسة الجبل: ما يُحْرس فى الجبل بالليل. قال أَبو عُبيدة: الحَريسة هى المحروسة. قال: والحَرَيسة: المسروقة، يقال حرس يحْرِس كضرب يضرب، والظاهر أَن ذلك تُصوّر من لفظ الحَريسة لأَنَّه جاءَ عن العرب فى معنى السرقة.

стр. 1012

بصيرة فى الحرص وهو فَرْط الشَّرَه، وأَصل ذلك من حَرَص القصّارُ الثوبَ أَى قَشَره بدَقِّه. وقد ورد فى القرآن على وجهين: الأَول: بمعنى التمنى والإِرادة ﴿إِن تَحْرِصْ على هُدَاهُمْ﴾ أَى: إِن يفرط إِرادتك فى هدايتهم. الثانى: بمعنى الشفقة والرّأْفة ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ ، قال: يا طالبَ الرزقِ فى الآفاق مجتهداً ... كَبِّحْ لجامَك إِن الرّزق مقسومُ لا تحرصَنَّ على ما لست تُدْرِكُه ... إِنّ الحريصَ على المحبوبِ محروم ومن الحِكَم: البخيل مذموم، والحسود مَرجوم، والحريص محروم. ويقال: لا تكن حريصا على الدنيا تكن حافظا، فإِن الحرص على الدنيا يورث النسيان. ومن كلامهم: قُرن الحرصُ بالحرمان.

стр. 1013

بصيرة فى الحرض رجل حَرَض كجَبَل وحَرِضٌ ككتف وحارضة، أَى فاسد مريض، واحده وجمعه سواء، قال الله تعالى ﴿حتى تَكُونَ حَرَضاً﴾ قال قتادة: حتى تهرم أَو تموت. ابن عرفة: وهو الفساد يكون فى البدن والمذهب والعقل. ورجل حَرِضٌ وحارض اذا أَشفى على الهلاك. وقيل الحرض والحارضة الذى لا خير عنده. قال: يا رُبّ بيضاءَ لها زوجٌ حَرَضْ ... حلاَّلة بين عُرَيْقٍ وحَمَضْ وفى حديث عوف بن مالك الأَشجعى رضى الله عنه قال: رأَيت محلِّم بن جَثَّامة الليثى رضى الله عنه فى المنام فقلت له [كيف] أَنت يا محلِّم؟ فقال: بخير. وجدنا ربّاً رحيماً غفر لنا، قلت لكلِّكم؟ قال: لكلنا غير الأَحراض. قلت: ومن الأَحراض؟ قال: الَّذين يُشار إِليهم بالأَصابع، أَراد الفاسدين المشتهرين بالشر، الذين لا يخفى على أحد فسادهم، شبّههم بالسَّقْمَى المشرفين على الهلاك فسمّاهم أَحراضاً. وقال: أَبُو عبيدة: الحرَض الَّذى أَذابه الحزن والعشق. وأَحرضَه الحُبّ: أَفسده.

стр. 1014

والتحريض على القتال: الحَثّ والإِحماء عليه، قال الله تعالى: ﴿ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال﴾ أَى حثَّهم عليه بالتَّزيين وتسهيل الخَطْب فيه، كأنه فى الأَصل إِزالة الحَرَض، نحو: قذَّيته أَى أَزلت عنه القَذى. بصيرة فى الحرف حرف كل شئ طَرَفه وشَفيرهُ وحَدّه. ومنه حرف الجبل وهو أَعلاه المحدَّد. قال الفرَّاء: جمع حَرْف الجبل حِرَف كعِنَبَ ومثله طَلّ وطِلَل ولم يُسمع غيرهما. وقوله تعالى ﴿وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ﴾ أَى على وجهٍ. وهو أَن يعبده فى السرَّاء دون الضراء. وقيل: على شكٍّ، وقيل على غير طُمأْنينة من أَمره، أَى يدخل فى الدين دخولَ غيرِ متمكن. وقيل: معناه ما بعده ﴿فإِن أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمأَنَّ به﴾ وفى معناه ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك﴾ . وقوله: ﷺ "نزل القرآن على سبعة أَحرف كلها شاف كاف". قال: أَبو عبيدة أَى سبع لغات من لغات العرب، وليس معناه أَن تكون فى الحرف الواحد سبعة أَوجه، ولكن يقول: هذه اللغات السبع مفرقة فى القرآن، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعض بلغة هوزان، وبعضه [بلغة] أَهل اليمن. وتحريف الشئ: إِمالته، وتحرَّف وانحرف: مال. قال الله تعالى ﴿إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ﴾ أَى مستطرداً يريد الكرَّة.

стр. 1015

بصيرة فى الحرق حرَقت الشئَ أَحرُقه كنصرته أَنصره أَى بَرَدْته وحككت بعضه على بعض، ومنه قراءَة علىّ وابن عبّاس رضى الله عنهم وأَبى جعفر ﴿لَنَحْرُقَنَّه﴾ والنون مشددة. وعن أَبى جعفر ﴿لنُحْرِقَنْهُ﴾ والنَّون مخفَّفة. والحَرَق بالتَّحريك: النَّار. يقال: فى حَرَقِ الله، ومنه الحديث "الحَرَق والغَرَق والشَّرَق شهادة" ويقال حَرَقُ النَّار: لَهَبها. وفى الحديث "ضالَّة المؤمِن أَو المسلم حَرَق النَّار" يعنى إِذا أَخذها إِنسان وتملكها أَدّته إِلى النار. والحُرْقة بالضم والحَريق: اسمان من الاحتراق. وقوله تعالى ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق﴾ أَى لهم عذاب بكفرهم، وعذاب إِحراقهم المؤمنين. وحرقت الشئ حَرْقاً [و] أَحرقته. وقال الفرّاء: الحَرْقة والحُرْقة. وأَحرقه بالنار وحرّقه شُدد للكثرة، وقرئ: ﴿لَتُحَرِّقَنَّهُ﴾ يقول للسَّامِرىّ لتُحَرِّقَنَّ بيدك إلهك الذى ظَلْت عليه عاكفاً. والإِحراق إِيقاع نارٍ ذاتِ لهب فى الشئ ومنه استعير أَحرقنى بلومه إِذا بلغ فى أَذيته بلوم.

стр. 1016

بصيرة فى الحرام وهو الممنوع منه، إِمّا بتَسْخير إِلهى، وإِمَّا بمنع بَشَرىّ، وإِما بمنع من جهة العقل أَو من جهة الشرع أَو من جهة من يُرْتَسم أَمره. أَما قوله تعالى ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع﴾ فذلك تحريم بتسخير، وقد حُمِل على ذلك قوله تعالى ﴿وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ﴾ وقوله تعالى ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ وقيل بل كان حراماً عليهم من جهة القهر [لا] بالتخسير الإِلهى. وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة﴾ فهذا من جهة القهر. والمحرم من جهة الشرع ما أُشِير إليه بقوله ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ هذا كان محرَّماً عليهم بحكم شرعهم. وقوله تعالى ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية. وقيل: ورد الحرام فى القرآن على عشرة أَوجه: الأَول: حرام الصّحبة والمناكحة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية. الثانى: حرام الفسق والمعصية ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش﴾ ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ .

стр. 1017

الثالث: حرام العجائب والمعجزة ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع مِن قَبْلُ﴾ . الرابع: حرام العذاب والعقوبة ﴿إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين﴾ ﴿فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة﴾ . الخامس: حرام فسخ الشريعة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ إِلى قوله: ﴿ذَلكُمْ فِسْقٌ﴾ . السادس: حرام الحرمان والهلكة ﴿وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ﴾ . السابع: حرام الهوى والشهوة ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ ﴿وَمُحَرَّمٌ على أَزْوَاجِنَا﴾ . الثامن: حرام النذر والمصلحة ﴿ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ أَى لِمَ تحكم بتحريم ذلك ﴿إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ﴾ . التاسع: حرام الحظْر والإِباحة ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر﴾ . العاشر: حرام التوقير والْحُرْمَة ﴿رَبَّ هَذِهِ البلدة الذي حَرَّمَهَا﴾ وهذا النوع يأْتى على وجوه: الأَول: وصف المسجد بالحرام ﴿لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام﴾ الثانى: نعت الأَشهر بالحرام ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾

стр. 1018

الثالث: دعاءُ البيت بالحرام ﴿جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام﴾ . وسُمِّىَ الحَرَم حَرَماً لتحريم الله تعالى فيه كثيراً مما ليس بمحرَّم فى غيره من المواضع. ورجلٌ حرام وحلال ومُحِلٌّ ومُحْرِم. وكلّ تحريم ليس من قِبَل الله تعالى فليس بشئ. وقوله تعالى ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أَى ممنوعون من جهة الجَدِّ. وقوله تعالى ﴿لَّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ أَى الذى لم يوسَّع عليه فى الرِّزق كما وُسِّع على غيره. ومن قال: (أَراد به) الْكَلْب، فلم يَعْنِ اَن ذلك اسمٌ للكلب كما ظنه بعض من رَدّ عليه، وإِنما ذلك منه مثال لشئ كثيرا ما يَحْرِمُه الناس أَى يمنعونه.

стр. 1019

بصيرة فى الحزب وهو جماعة فيها غِلظ، وقيل: الحزب الأَصحاب، والحزب الطائفة، وهُذيل تسمى السلاح الحِزْب تشبيهاً وسعةً. والأَحزاب: الطوائف التى تجتمع على محاربة الأَنبياء ﵈. وقوله تعالى ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله﴾ يعنى أَنصار الله. قال بلال عند وفاته: "غداً نلقى الأَحبَّهْ، محمداً وحزْبَهْ". وفى الحديث أَنّ النبىَّ ﷺ حَزَّب أَصحَابه فى بعض الغزاوت حزبين، أَى جعلهم فرقتين: فرقة تقابل العدوَّ، وفرقة تصلِّى معه. وورد فى القرآن على وجوه: الأَول: بمعنى أَصناف الخلائق فى اختلاف المذاهب والمِلَل والأَديان ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ . الثانى: بمعنى عسكر الشيطان ﴿أولائك حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ . الثالث: بمعنى جُنْد الرحمن ﴿أولائك حِزْبُ الله﴾ وهم فى الدنيا غالبون مصلحون ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون﴾ وفى العُقْبى فائزون مفلحون ﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ .

стр. 1020

بصيرة فى الحزن والحُزْن والحَزَنُ خشونة فى الأَرض وخشونة فى النفْس لما يحصل فيه من الغمّ، ويضادّه الفرح. ولاعتبار الخشونة بالغمّ قيل خشَّنتُ بصدره إِذا حَزَنته. يقال: حَزِنَ يحزن كعلم يعلم، وحَزَنته. وقوله ﴿وَلاَ تَحْزَنْ﴾ ليس بنهىٍ عن تحصيل الحزن، لأَن الحزن ليس يدخل باختيار الإِنسان. ولكن النهى فى الحقيقة إِنما هو عن تعاطى ما يورث الحزن واكتسابِه. وإِلى هذا المعنى أَشار الشاعر بقوله: ومَن سَرّه أَلاَّ يرى ما يسوءُه ... فلا يتخِذْ شيئاً يخاف له فقداً وأَيضاً يحُث على أَن يتصوّر الإِنسان ما عليه جِبِلَّة الدّنيا، حتى إِذا غافصته نائبةٌ لم يكترث لها لمعرفته إِيّاها، وحث على أَن يروض نفسه على تحمل صِغَار النُّوَب حتى يتوصّل بها إِلى تحمّل كبارها.
следующие страницы →