← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9856

بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز

الفيروزآبادي

Полный текст (2 804 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

العالِم بما كان وبما يكون. وأَخبرت أَعلمت بما حصل لى من الخُبْر. وقيل الخِبْرة: المعرفة ببواطن الأُمور. وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ أَى من أَحوالكم الَّتى يُخبر عنها. وقوله تعالى: ﴿والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَى عالم بأَخباركم وأَعمالكم. وقيل: أَى عالم ببواطن أُموركم. وقيل: خبير بمعنى مُخْبِر كقوله تعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وتخبّرته أَى سأَلته عن الخبر. وقد جاءَ يتفعّل بمعنى يستفعل كتكبّر واستكبر وتضعّفه واستضعفه. وفى الحديث: بَعَث بين يديه عيناً من خُزَاعة يتخبّر له خَبَر كفَّار قريش. والمخابرة: المزارعة على الخُبْرة وهى النَّصيب كالثُّلث والرّبع ونحوه. وقيل أَصل الكلمة من خَيْبَرِ لأَنَّ النبىّ ﷺ كان أَقرّها فى أَيدى أَهلها على النصف؛ فقيل: خابرهم أَى عاملهم فى خَيْبَر.

стр. 1087

بصيرة فى الخبط والخبل والخبء واالختر الخَبْط: الضَّرب على غير استواءِ كخبط البعير الأَرض بيده. وخَبَطه وتخبّطه واختبطه بمعنىً، أَى ضربه ضرباً شديداً. وخبطه الشيطانُ وتخبّطه: مسّه بأَذًى. قال تعالى: ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس﴾ يجوز أَن يكون من خَبْط الشجر، وأَن يكون من الاختباط الَّذى هو طلب المعروف، خبطه واختبطه: سأَل معروفهُ. وفى دعاءِ النبىّ ﷺ "وأَعوذُ بك أَن يتخبّطنى الشَّيطانُ عند الموت". والخَبَال: الفساد يلحق الحيوان فيورثه إِضراباً كالجنون والمرض المؤثر فى العقل والفكر، قال تعالى: ﴿مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً﴾ والخبال: النقصان، والخبال: الهلاك، والخبال: العَنَاءُ. والخبال السمّ القاتل. والخَبْل: فساد الأَعضاءِ، وقطع الأَيدى والأَرجل، والجنون. ويضمّ خاؤه. والخَبَل - بالتحريك - والخابل: الجنّ. واختبله. جَنَّنهُ. وقول زهير: هنالك إِن يُسْتَخْبَلوا المالَ يَخْبلوا

стр. 1088

أَى إِن طلب منهم إِفساد شئ من إِبلهم أَفسدوه. والْخَبْءِ كلّ مدّخر مستور، وقال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الخبء﴾ ومنه جاريَة مخبَّأَةٌ. الخُبَأَة. الجارية التى تظهر مرّة وتخبأ أُخرى. والخَتْر الغدر. بصيرة فى الختم الخَتْم والطَّبْع: مصدرَا ختَمت وطبعت. وهو تأْثير الشئ كنقش الخاتَم والطَّابع، والثانى الأَثر الحاصل عن الشئ. وتُجوّز بذلك تارة فى الاستيثاق من الشئ والمنع منه اعتباراً بما يحصل من المنع بالخَتْمِ على الكُتُب والأَبواب؛ نحو قوله تعالى: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ﴾ وتارة فى تحصيل أَثر شئ اعتباراً بالنَّقش الحاصل، وتارة يعتبر منه بلوغ الآخِرِ. ومنه قيل: ختمت القرآن أَى انتَهيت إِلى آخره. وقوله تعالى: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهم﴾ إِِشارة إِلى ما أَجرى الله به العادة: أَن الإِنسان إِذا تناهى فى اعتقاد باطل أَو ارتكاب محظور ولا

стр. 1089

يكون منه تلفُّت بوجه إِلى الحقّ. يورثه ذلك هيئة تمرِّنُه على استحسان المعاصى كأَنما يُختم بذلك على قلبه. وعلى ذلك ﴿أولائك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ﴾ وعلى هذا النحو استعارة الإِغفال فى قوله: ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ ، واستعارة الكِنّ فى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ ، واستعارة القساوة فى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ . قال الجُبَّائىّ: يجعل الله ختماً على قلوب الكفَّار ليكون دلالةً للملائكة على كفرهم فلا يَدْعُون لهم، وليس ذلك بشئ لأَنّ هذه الكتابة إِن كانت محسوسة فمن حقِّها أَن يدركها أَصحاب التشريح، وإِن كانت معقولة غير محسوسة فالملائكة باطِّلاعهم على اعتقاداتهم مستغنية عن الاستدلال. وقال بعضهم: ختمه شهادته تعالى عليه أَنَّه لا يؤمن، وقوله تعالى: ﴿اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ﴾ أَى نمنعهم من الكلام. ﴿وَخَاتَمَ النبيين﴾ لأَنَّه ختم النبوّة أَى تممها بمجيئه. وقوله تعالى: ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾ يريد به ختم الحِفظ والحِياطة فى صدره ﷺ . وقوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [قيل] أَى ما يختم به أَى يطبع، وإِنما معناه منقَطَعهُ وخاتمة شربه أَى سُؤره [فى] الطّيب مسك. وقول من قال

стр. 1090

يُختم بالمسك أَى يصبع فليس بشئ لأَنَّ الشَّراب يجب أَن يطيب فى نفسه. فأَمّا ختمه بالطِّيب فليس ممّا يفيده ولا ينفعه طيب خاتمه ما لم يطب فى نفسه. وقال المتنبىّ. أَروح وقد ختمتُ على فؤادى ... فليس يحلُّها أَحد سواها وقال آخر: لا يكتم السّرّ إِلاَّ كُلُّ ذى كرم ... والسرُّ عند كرام الناس مكتوم والسِرُّ عندى فى بيت له غلَقٌ ... قد ضاع مفتاحُه والبابُ مختوم

стр. 1091

بصيرة فى الخداع وهو إِنزال الغير عمّا هو بِصَدَده بأَمر يبديه على خلاف ما يخفيه. والخداع ورد فى القرآن على أَربعة أَوجه: الأَوّل: خداع الكفار رسول الله ﷺ بأَن يعقدوا معه عهداً فى الظَّاهر وينقضوه فى الباطن ﴿وَإِن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله﴾ . الثَّانى: خداع اليهود مع أَهل الإِيمان يصالحونهم فى الظَّاهر ويتهيّئون لحربهم فى الباطن ﴿يُخَادِعُونَ الله والذين آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم﴾ . الثالث: خداع المنافقين مع المؤمنين بإِظهار الإِيمان وإِبطان الكفر ﴿إِنَّ المنافقين يُخَادِعُونَ الله﴾ . الرّابع: خداع الله الكفَّار والمنافقينَ بإِسبال النِّعمة عليهم فى الدّنيا. وادّخار أَنواع العقوبة لهم فى العُقْبَى ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ وقيل فى قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُون اللهَ﴾ أَى يخادعون رسول الله وأَولياءَه. ونُسب ذلك إِلى الله من حيث إِنَّ معاملة الرّسول ﷺ كمعاملته، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ وجُعل ذلك خداعاً تفظيعاً لفعلهم، وتنبيهاً على عظم الرَّسول ﷺ وعظم أَوليائه.

стр. 1092

وقول أَهل اللُّغة إِنَّ هذا على حذف المضاف وإِقامة المضاف إِليه مُقامه فيجب أَن يعلم أَنَّ المقصود بمثله فى الحذف لا يحصل لو أَتى بالمضاف المحذوف لِمَا ذكرنا من التنبيه على أَمرين: أَحدهما: فظاعة فعلهم فيما تحرّوه من الخديعة، وأَنَّهم بمخادعتهم إِيّاه يخادعون الله. والثانى: التنبيه على عظم المقصود بالخداع وأَنَّ معاملته كمعاملة الله. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ قيل: معناه: مجازيهم بالخداع. وخَدَع الضبُّ أَى استتر فى جُحره. واستعمال ذلك فى الضبّ لِمَا اعتقدوا فى الضبّ أَنَّه يُعِدّ عقرباً تلدغ من يُدخل يده فى جُحْرِه حتَّى قيل: العقرب بوّاب الضَّبِّ وحاجبُه. ولاعتقاد الخديعة فيه قيل: أَخدع من ضبّ. وطريق خادع وخَيْدَعٌ: مُضِلّ كأَنَّه يخدع سالكه. وقيل: المؤمن يُخدع عن درهمه ولا يُخدع عن دينه، والمنافق يُخدع عن دينه ولا يُخدع عن درهمه. وفى الحديث "إِنَّ بين يدى السّاعة سنين خَدَّاعة" قيل معناه أَنَّ النَّاس فيها خُدّاع. وقيل: من قولهم سنة خادعة إِذا مضت سريعة، أَى سنون تمرّ سريعة لقربها من القيامة، ولغفلة النَّاس فيها عن مرور الأَيّام. قال: أَلا إِنَّ دنياك مثل الوديعه ... جميعُ أَمانيك فيها خديعهْ فلا تغتررْ بالَّذى نِلْته ... فما هى إِلاَّ سراب بِقِيعهْ

стр. 1093

وقول الشَّاعر: أَبيضَ اللَّون لذيذا طعمه ... طيِّبَ الرّيق إِذا الرّيقُ خَدَع أَى فسد، أَى خفى طِيبُه. بصيرة فى الخدن والخذل والخرور الخِدْن والخَدِين: الصّاحب المُحَدِّث. ومن يخادنك فى كلّ أَمر ظاهرٍ وباطن. وأَكثر ما يستعمل الخِدْن فيمن يصاحب بشهوة. قال ﴿وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ . الخَذْل ترك النُّصرة. خَذَله خَذْلاً وخِذْلاناً: ترك نُصْرته وكان يَظنّ به أَن ينصره. لذلك قيل خَذَلت الظَّبْية وغيرها إِذا تخلَّفت عن صواحبها أَو تخلَّفت فلم تَلْحَق، وتخاذلت رجلاه: ضعفتا. والخُرُور: السّقوط. خرّ الرجل يَخُرّ بالضمّ خَرّاً وخُروراً: سقط. وخرّ الماء يخِرّ بالكسر خَرِيراً إِذا صَوّت. والخرير يقال لصوت الماءِ والرّيح وغير ذلك ممّا يسقط من علوٍّ. وقوله تعالى: ﴿وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فيه تنبيه على اجتماع أَمرين: السّقوط من علوٍّ، وحصول الصّوت بالتسبيح. وقوله من بعد: ﴿وَسَبَّحُوا بحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ تنبيهٌ على أَنَّ ذلك الخرير كان تسبيحاً بحمد الله لا بشئ آخر.

стр. 1094

بصيرة فى الخرب والخروج خَرِب المكانُ خراباً ضِدّ عَمَر. وقد أَخربه غيره وخَرَّبه. قال تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ فتخريبهم بأَيديهم إِنما كان لئلا تبقى للنَّبىّ ﷺ وأَصحابه، وقيل: بل بإِجلائهم عنها. والخروج: البُرُوز. يقال: خرج إِذا برز من مقرّه وحاله، سواء كان مقرّه دارا أَو بلدا أَو ثوبا، وسواءٌ كان حاله حالاً فى نفسه أَو فى أَسبابه الخارجة. والإِخراج أَكثر ما يقال فى الأَعيان. ويقال فى التكوين الَّذى هو من فعل الله تعالى نحو ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شتى﴾ والتخريج أَكثر ما يقال فى العلوم والصّناعات. وقيل لِمَا يخرج من الأَرض ومن كراءِ الحيوان ونحو ذلك: خَرْج وخَرَاج. قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ فإِضافته إِلى الله تنبيه أَنَّه هو الذى أَلزمه وأَوجبه. والخَرْج أَعمّ من الخراج. وجُعِل الخَرْج بإِزاءِ الدَّخْل. والخَرَاج مختصّ فى الغالب بالضَّريبة على الأَرض. وقيل: العبد يؤدّى خَرْجه أَى غَلَّته، والرّعِيَّةُ تؤدّى إِلى الأَمير الخَرَاج. وقيل: الخراج بالضَّمان، أَى

стр. 1095

ما يخرجُ من مال البائع فهو بإِزاءِ ما سقط عنه من الضمان. والخارجىّ: الذى يَخْرج بذاته عن أَحوال أقرانه. والخوارج سُمّوا به لكونهم خارجين عن طاعة الإِمام. بصيرة فى الخرص والخرق الخَرْص: حَرْزُ الثمرة، والاسم الخِرْص بالكسر. والخَرْصُ أَيضاً: الكذب وكلّ قول قيل بالظَّنّ. والخِرص - بالكسر - بمعنى المخروص كالنِّقْض بمعنى المنقوض. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ قيل: معناه يكذبون. وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الخراصون﴾ قيل: لُعن الكذَّابون. وحقيقة ذلك أَنَّ كُلَّ قول عن ظنٍّ وتخمين يقال له خَرْص، سواءٌ كان ذلك مطابقاً للشئ أَو مخالفاً له، من حيث إِنَّ صاحبه لم يقُله عن علمٍ ولا غلبة ظن ولا سماعٍ، بل اعتَمَد فيه على الظنّ والتخمين كفعل الخارص فى خَرْصه. وكلُّ من قال قولاً على هذا النَّحو يسمّى كاذباً وإِن كان مطابقاً للقول المخبَر به

стр. 1096

كما حكى عن المنافقين فى قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله﴾ إِلى قوله ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ . والخَرْق: قطع الشَّئ على سبيل الفساد من غير تفكّر ولا تدبّر. وهو ضدّ الخَلْق فإِنَّ الخلق هو فعل الشئ بتقدير ورِفق، والخَرْق بغير تقدير. قال تعالى: ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أَى حكموا بذلك على سبيل الخَرْق. وباعتبار القطع قيل: خَرْق الثوب وتخريقه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض﴾ فيه قولان: أَحدهما لن تقطع، والآخر لن تَنْقُب الأَرض إِلى الجانب الآخر اعتباراً بالخرق فى الأُذن، وباعتبار ترك التقدير قيل: رجل أَخرق وخَرِق وامرأَة خرقاءُ. وشُبّه بها الرّيح فى تعسّف مرورها فقيل: رِيح خرقاءُ. وفى الحديث "ما كان الخُرْق فى شئ قَطّ إِلاَّ شانه، وما كان الرّفق فى شئ قطٍّ إِلاَّ زانه".

стр. 1097

بصيرة فى الخزن والخزى الخَزْن: حفظ الشَّئ فى الخِزَانة، ثمّ يعبّر به عن كلِّ حِفظٍ كحِفظ السِّرِّ ونحوه. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السماوات والأرض﴾ إِشارة منه إِلى قدرته تعالى على ما يريد إِيجاده، أَو إِلى الحالة الَّتى أَشار إِليها بقوله ﷺ "فرغ ربّكم من الخَلْق والخُلُق والأَجَلِ والرّزق" وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ قيل معناه: حافظين له بالشُّكر، وقيل: هو إِشارة إِلى ما أَنبَأَ عنه قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ. أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون﴾ . والخَزَنة جمع الخازن. وقوله تعالى: ﴿وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله﴾ أَى مَقْدوراته الَّتى مُنِعَ النَّاسُ عنها، لأَنَّ الخَزْن ضرب فى المنع. وقيل: جوده الوسيعُ وقدرته. وقيل هو قوله: كن. والخَزْن فى اللَّحم: الادّخار فكُنى به عن نَتْنِهِ. الخِزْى: الانكسارُ من الوقوع فى بَلِيّةٍ وشُهْرة. وقد خزِىَ كرضى خِزْياً - بالكسر - وخَزىً، واخْزَوَى: بمعناهُ. وأَخزاه الله: فَضَحَهُ. والخَزْية والخِزْية

стр. 1098

بالفتح والكسر: البلية. وقيل الخِزْى: انكسار يلحق الإِنسان إِمّا من نفسه وإِمَّا من غيره. فالَّذى يلحقه من نفسه هو الحياءُ المفرِط ومصدره الخَزاية، ورجل خَزْيان وامرأَة خَزْيا. وفى الحديث: "اللَّهمّ احشُرنا غير خَزَايَا ولا نادمين" والَّذى يلحقه من غيره يقال هو ضرب من الاستخفاف ومصدره الخِزْى ورجل خَز. وأَخْزَى يقال من الخَزَاية والخِزْى جميعاً. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي والذين آمَنُواْ﴾ هو من الخِزْى أَقربُ، وإِن جاز أَن يكون منهما جميعاً. وقوله: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ فمن الخِزاية. ويجوز أَن يكون من الخِزْى. وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا﴾ أَى قتل وإِهلاك لهم. قوله: ﴿فَأَذَاقَهُمُ الله الخزي﴾ أَى العذاب ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ من عذابه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الخزي اليوم والسواء عَلَى الكافرين﴾ أَى الرّدّ والطَّرد. ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزي﴾ أَى الطَّرد. وقوله: ﴿فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أَى لا تفضحون. ﴿مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى﴾ أَى نفتضح. ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي﴾ أَى لا يهينه. ﴿وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة﴾ أَى لا تُهِنَّا. ومنه: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وقوله ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ .

стр. 1099

بصيرة فى الخسر والخُسْر والخُسْران فى البيع: انتقاص رأْس المال، خَسِر يَخْسَرُ خسْراً بالضمّ، وخُسُرا بضمَّتين، وخَسَراً بالتَّحريك وخَسَارا وخسارة وخَسْراً - بفتحهنّ - وخُسْرَاناً. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ أَى خَسِرت أَعمالها، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ أَى لفى عقوبة بذنوبه، قاله الفراءُ. وقرأَ الأَعرج وعيسى بن عُمَر وأَبو بكر بن عيّاش ﴿لَفِى خُسُر﴾ بضمّتين. وفيه لغة شاذَّة: خَسَر يَخْسِر مثال ضرب يضرب. ومنه قراءَة الحسن البصرىّ ﴿وَلاَ تَخْسِرُواْ الميزان﴾ وقرأَ بلال بن أَبى بُرْدة ﴿ولا تَخْسَروا﴾ بفتح التاءِ والسّين. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالاً﴾ قال الأَخفش: واحِدهم الأَخسر مثل الأَكثر، وقوله ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الأخسرين﴾ لأَنه خسر سعيُهم فى جمعهم الحَطب. والخسران ينسب إِلى الإِنسان فيقال: خسِر فلان، وإِلى الفعل فيقال: خسِرت تجارتُه. ويستعمل ذلك فى المقتنيات النَّفسيّة كالصّحّة والسّلامة

стр. 1100

والعقل والإِيمان والثَّواب. وهو الَّذى جعله الله الخسرانَ المبين. وقوله: ﴿وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان﴾ يجوز أَن يكون إِشارة إِلى تحرّى العدالة فى الوزن وترك الحَيْف فيما يتعاطاه من الوزن، ويجوز أَن يكون إِشارة إِلى تعاطى مالا يكون ميزانه فى القيامة خاسراً فيكون ممّن قال فيه ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ وكلا المعنيين يتلازمان. وكلّ خسران ذكره الله تعالى فى القرآن فهو على هذا المعنى الأَخير دون الخسران المتعلِّق بالمقتنيات الدّنيويّة والتجارات الماليّة. وقيل: ورد الخاسر فى القرآن على سبعة أَوجه: الأَوّل: بمعنى العجز والعاجز ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾ أَى لعاجزون. الثَّانى: بمعنى الغَبْن والخاسر المغبون ﴿إِنَّ الخاسرين الذين خسروا أَنفُسَهُمْ﴾ أَى غَبَنُوها. الثالث الخسران بمعنى: الضلالة ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ أَى ضلّ ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ أَى فى ضلال. الرّابع: بمعنى نقصان الكيل والميزان ﴿ولا تُخْسِروا الميزَانَ﴾ ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ أَى ينقصون.

стр. 1101

الخامس بمعنى: ضِدّ الربْح ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فأولائك هُمُ الخاسرون﴾ . السّادس بمعنى: العقوبة ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ أَى عقوبة ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ أَى من الباقين فى العقوبة. السّابع بمعنى: الهلاك ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ أَى الهالكين ﴿ذلك هُوَ الخسران المبين﴾ اى الهلاك البيِّن قال: إِذا لم يُكنْ لامْرِئ نِعْمَةٌ ... لدىّ ولا بَيْنَنَا آصِرَهْ وَلاَ لِىَ فى وُدّهِ حاصل ... ولا نَفْعُ دنْيا ولا آخره وأَفْنَيْتُ عُمْرِى على بَابِه ... فتلك إِذاً صَفْقَةٌ خاسره

стр. 1102

بصيرة فى الخسف والخسأ والخشب قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ وقرأَ حَفْص ويعقوب وسهم قوله تعالى: ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ والباقون ﴿لخُسِفَ بنا﴾ من خَسَف المكانُ يخسِف خُسوفاً أَى ذهب فى الأَرض، وخسف الله به الأَرض اى غيّبه فيها. وخسوف العين: ذهابها فى الرأْس، وخسوف القمر: كسوفه. وقال ثعلب كسفت الشمس وخسَف القمر، هذا أَجود الكلام. وقال أَبو حَاتم إِذا ذهب بعضها فهو الكسوف، وإِذا ذهب كلُّها فهو الخسوف. والخسف: النقصان. والخَسءُ الزجر مع استهانة، خَسَأت الكلب فخسأَ أَى زجرته مستهيناً به فانزجر. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ شُبّهوا بذلك لقلَّة غَنَائهم.

стр. 1103

بصيرة فى الخشع والخشوع والاختشاع: الخضوع. وقيل: قريب من الخضوع. وقيل: الخضوع فى البدن والخشوع فى الصوت والبصر. والخشوع: السّكون والتذلُّل والضراعة والسّكوت. وقيل: أَكثر ما يستعمل فيما يوجد فى الجوارح، والضَّراعة أَكثر ما يُستعمل فيما يوجد فى القلب. ورُوى: إِذا ضَرَع القلبُ خشع الجوارح. وقوله تعالى: ﴿تَرَى الأرض خَاشِعَةً﴾ كناية عنها وتنبيها على تزعزُعها. وقوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ﴾ أَى خائفين منَّا. وقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين﴾ أَى المتواضعين. وقوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أَى ذليلة. وقوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ و ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ﴾ أَى مُطْرِقة فى نظرها. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق﴾ قال ابن مسعود: ما كان بين إِسلامنا وبين أَن عاتبنا الله بهذه الآية إِلاَّ أَربع سنين. وقال ابن عباس: إِن الله استبطأَ قلوبَ المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاثَ عشرة من نزول القرآن. وقال تعالى:

стр. 1104

﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون. الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمان﴾ أَى سكنتْ وذلت وخضعت. ورأَى النبىُّ ﷺ رجلاً يَعْبَثُ بلحيته فى الصّلاة فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" وكان بعض الصّحابة يقول: أعوذ بالله من خشوع النِّفاق فقيل: ما خشوع النفاق؟ فقال: أن يرى البدن خاشعاً والقلب غير خاشعٍ. وقال حذيفة: أوّل ما تفقدون من دينكم الخشوعُ، ويوشك أَن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعاً. وقال سهل: مَنْ خشع قلبه لم يقرُبْ منه الشيطان. قال عبد الله بن المعمار: رقة فى الجَنَان فيها حياءٌ ... فيهما هَيْبَةٌ وذاك خشوعُ ليس حال ولا مقام وإِنْ فا ... ضَتْ عليه من العيونِ دموع وقيل: الخشوع الاستسلام للحُكْمين، أَعنى الحكم الدّينىّ الشَّرعىّ فيكون معناه عدم معارضته برأى أو غيره، والحُكْم القَدَرِىّ وهو عدم تلقِّيه بالتسخُّط والكراهة والاعتراض؛ والاتِّضاعُ أعنى اتِّضاع القلب والجوارح وانكسارَها لنظر الرّبّ إِليها واطِّلاعِه على تفاصيل ما فى القلب والجوارح. فخوف العبد فى هذا المقام يوجب خشوع القلب لا محالة. وكلَّما كان أَشدّ استحضاراً له كان أَشدّ خشوعاً. وإِنَّما يفارق القلبَ الخشوعُ إِذا غفل عن اطِّلاع الله تعالى ونظره إِليه.

стр. 1105

وممّا يورث الخُشَوع ترقُّبُ آفات النفس والعمل، ورؤية فضل كلّ ذى فضل عليك، وتنسّم العناءِ، يعنى انتظار ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبهما؛ فإِنَّه يجعل القلب خاشعاً لا محالة لمطالعة عيوب نفسه وأَعمالها ونقائِصها: من العجْب والكِبْر والرّياء وضعف الصّدق وقلَّة اليقين وتشتت النيّة وعدم إِيقاع العمل على الوجه الَّذى ترضاه لربّك وغير ذلك من عيوب النَّفس. وأَمّا رؤية فضل كلِّ ذى فضل عليك فهو أَن تراعى حقوق النَّاس فتؤدّيها ولا ترى أَنَّ ما فعلوه معك من حقوقك عليهم فلا تعاوضهم عليها فإِنَّ ذلك من رعونات النَّفس وحماقاتها، ولا تطالبهم بحقوق نفسك فالعارف لا يرى له على أَحد حَقّاً، ولا يشهد له على عيره فضلاً. فلذلك لا يعاقِب ولا يطالب ولا يضارب.

стр. 1106

بصيرة فى الخشية وهى خوف يشوبه تعظيم. وأَكثر [ما يكون] ذلك عن علم بما يُخْشَى منه، ولذلك خُصّ العلماءُ بها فى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾ وقوله ﴿وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ﴾ اى ليستشعروا خوفاً عن معرفة. وقولُه ﴿وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ أَى لا تقتلوهم معتقدين لمخافة أَن يلحقهم إِملاق. وقوله: ﴿لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ﴾ اى لمن خاف خوفاً اقتضاه معرفته بذلك عن نفسه. وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون﴾ . ومدح الله تعالى أهله ﴿إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ. والذين هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ. والذين هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ. والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ. أولائك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ وعند الإِمام أحمد فى مسنده، وفى جامع الترمذى "عن عائشة رضى الله عنها قالت قلت: يا رسول الله، الذين يؤتون ما آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ، أَهو الذى يسرق ويزنى ويشرب الخمر؟ قال: لا يا ابنة الصّدّيق، ولكنه الرّجل يصلِّى ويصوم ويتصدّق

стр. 1107

ويخاف أَلا يُقبل منه". قال الحسن ﵀: عمِلوا لِلهِ بالطَّاعات واجتهدوا فيها وخافوا أَن تُرَدّ عليهم. إِنَّ المؤمن جمع إِيماناً وخشية، والمنافق جمع إِساءَة وأَمْناً. والخشية والخوف والوجَل والرّهبة أَلفاظ متقاربة غير مترادفة. فالخوف: تَوقُّع العقوبة على مجارى الأَنفاس، قاله جنَيد. وقيل: اضطراب القلب وحركته من تذكُّره المَخُوف. وقيل: الخوف هَرَب القلب من حلول المكروه عند استشعاره. والخشية أَخصّ من الخوف؛ فإِنَّ الخشية للعلماءِ بالله تعالى كما تقدّم. فهى خوف مقرون بمعرفة. قال النبىّ ﷺ "إِنِّى أَتقاكم لله وأَشدُّكم له خشية" فالخوف حركة، والخشية انجماع وانقباض وسكون، فإِنَّ الَّذى يرى العدوّ والسّيل ونحو ذلك له حالتان: إِحداهما حركة الهرب منه، وهى حالة الخوف، والثانية سكونه وقراره فى مكان لا يصل إِليه وهى الخَشْية، ومنه الخَشُّ: الشئ [الأَخشن] والمضاعف والمعتل أَخوان؛ كتقضَّى البازى وتقضَّض. وأَمّا الرّهبة فهى الإِمعان فى الهرب من المكروه، وهى ضدّ الرَّغبة الَّتى هى سَفَر القلب فى طلب المرغوب فيه. وبين الرّهب والهَرَب تناسب فى اللفظ

стр. 1108

والمعنى يجمعهما الاشتقاق الأَوسط الَّذى هو عَقْد تقاليب الكلمة على معنى جامع. وأَمّا الوَجَلُ فَرَجَفَانُ القلب وانصداعُه لذكْر مَنْ يُخَافُ سلطانُه وعقوبته أَو لرؤيته. وأَمّا الهيبةُ فخوفٌ مقارِنٌ للتعظيم والإِجلال. وأَكثر ما يكون مع المحبة والإِجلال. فالخوف لعامّة المؤمنين، والخشية للعلماءِ العارفين، والهيبةُ للمحبّين، والوَجَل للمقرَّبين. وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخشية، كما قال النبىّ ﷺ "إِنى لأَعلمكم بالله وأَشدّكم له خشية" وقال: "لو تعلمون ما أَعلم لضحكتم قليلاً ولَبَكَيْتُم كثيراً، ولَمَا تلذَّذتم بالنِّساءِ على الفُرُش، ولخرجتم إِلى الصّعدات تجأَرون إِلى الله تعالى" فصاحب الخوف يلتجئ إِلى الهَرَب والإِمساك، وصاحب الخشية إِلى الاعتصام بالعلم، ومَثَلهما كَمَثل مَن لا علم له بالطِّب ومثل الطَّبيب الحاذق. فالأَوّل يلتجئ إِلى الحِمْية والهرب، والطَّبيب يلتجئ إِلى معرفته بالأَدْوية والأَدواءِ. وكلّ واحد إِذا خفته هَرَبت منه، إِلا الله، فإِنك إِذا خفته هربت إِليه. فالخائف هاربٌ من ربّه إِلى ربه.

стр. 1109

بصيرة فى الخصوص والخصف والخصم الخصوص: التفرّد ببعض الشئ ممّا لا يشاركه فيه الجملةُ، وذلك خلاف العموم. خصّه بالشَّئ خَصَّا وخُصوصاً وخُصوصِيَّة وخِصِّيصَى وخِصِّيصاءَ وخَصِّيَّةً وتَخِصَّة: فضَّله به وميّزه. قال تعالى: ﴿واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ أَى بل تعمّكم. والخَصْف مصدر خَصَف الورق على بدنه خَصْفاً أَى أَلزقها وأَطبقها عليه ورقة ورقة. قال الله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة﴾ أَى يجعلان علهيما خَصَفة وهى الجُلَّة تعمل من الخُوص للتمر. والخَصْم مصدر خَصَمته أَى نازعته. والخَصْم: المخاصِم المنازع، والجمع خُصوم وخِصَام وأَخصام. وقد يكون للاثنين والجمع والمذكَّر والمؤنَّث. قال تعالى: ﴿هاذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ أَى فريقان. والخصيم: الخَصْم الكثير المخاصمة، والجمع خُصَماءُ وخُصْمان. والخُصم - بالضَّمِّ - الجانب والزاوية. وأَصل المخاصمة أَن يتعلَّق كلُّ واحد بخُصْم الآخر أَى بجانبه وان يَجْذب كلُّ واحد خُصْم الجُوَالق من جانبه.

стр. 1110

بصيرة فى الخضد والخضر الخَضْد: الكسر. وأَكثر ما يستعمل فى الشئ اللَّيّن قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أَى مكسور الشَّوك. خضدته فانخضد فهو مخضود. والخَضَد - محرّكة - المخضود، كالنَقَض والمنقوض. والخُضْرة: لون الأَخضر هى بين البياض والسّواد: قال تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً﴾ جمع أَخضر. والخضرة فى أَلوان الإِبل والخيل: غُبْرة تخالطها دُهْمة، وفى أَلوان النَّاس: السمرة. والأَخضر لقب الفضل ابن العبّاس بن عتْبة بن أَبى لهب. قال: وأَنَا الأَخْضَرُ من يعرفُنى ... أَخضر الجِلْدةِ فى بَيْتِ العَرَبْ مَنْ يُسَاجِلْنى يُسَاجِلْ ماجداً ... يملأُ الدلو إِلى عَقْد الكَرَبْ وربما سموا الأَسود أَخضر، ويسمَّى الليل أَخضر لسواده. وقول أَهل التفسير فى قوله تعالى: ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ : خضراوان؛ لأَنهما تضربان إِلى السواد من شدَّة الرىّ. وذكر علماءُ أَهل الكتاب أَن الخضِر

стр. 1111

سُمِّى خَضِراً لأَنَّه كان إِذا قعد فى موضع قام عَنْه وتحته روضة تهتزّ. قاله ابن درَيد. وكان فى غنى عن ذكر أَهل الكتاب بما صحّ عن النبىّ ﷺ أَنَّه قال: "إِنما سمّى الخضر لأَنَّه جلس على فَرْوة بيضاءَ فاهتزَّت تحته خضراءَ" ويقال فيه الخِضْر بالكسر أَيضا. وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً﴾ قال الأَخفش: يريد الأَخضر، أَى وَرَقاً أَخضر. ويقال أَخضر وخَضِر: كما يقال: أَعور وَعَوِرَ. وكلّ شئ ناعم فهو خضِر. يقال: أَخذ الشَّئ خِضْراً مِضْرا أَى غضّاً طَرِيّاً، وخذه خِضْراً مِضْراً أَى هنيئاً مريئاً.

стр. 1112

بصيرة فى الخضوع والخط والخطب الخضوع: التَّطامن والتَّواضع والسّكون والتسكين الدّعوة إِلى السّوءِ وخَضَع النجم: مال للغروب. وخضعت الإِبل جدَّت فى السّير. والخط: الكَتْب: ﴿وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ والخَطُّ: المدّ. ويقال لما له طول. والخطوط أضربٌ فيما يذكره أَهل الهندسة من مبطوح [ومسطح] ومستدير ومقوَّس وممال. ويعبّر عن كلّ أرض فيها طول بالخَطِّ كَخَطِّ اليمن، وإِليه ينسب الرّمح الخَطِّىّ. (وكلّ) مكان يخُصُّه الإِنسان لنفسه ويحْصره يقال له خِطُّ وخِطَّة. والخَطْب والمخاطبة والتخاطب: المراجعة فى الكلام. ومنه الخُطْبَة والخِطْبة، لكن بالضمّ يختصّ بالوعظة، وبالكسر يختصّ بطلب المرأة. وأصل الخِطْبة الحالة الَّتى عليها الإِنسان إِذا خَطَب، نحو الجِلْسَة والقِعدة. ويقال من الخُطبة: خاطِبٌ وخَطِيب، ومن الخِطبة: خاطب لا غير. الفعل منهما خَطَب كنصر. وفَصْل الخطاب: ما ينفصل به الأَمر من الخطاب.

стр. 1113

بصيرة فى الخطف والخطأ خطِف الشئ كعلم، وضرب لغة قليلة أوْ رديئة: استلبه بسرعة. والخاطف: الذِّئب. وخاطفُ ظِلِّه: طائر إِذا رأَى ظِلَّه فى الماءِ أقبل ليَخطَفه. وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة﴾ وصف للشَّياطين المسترِقة للسّمع. وقوله: ﴿وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أَى يُقتَلون ويُسلبون. والخُطَّاف لِلطَّائر الذى كأَنه يخطف شيئا فى طيرانه، ولِمَا يُخْرَج به الدَّلوُ من البئر فإِنَّه يتخطَّفه. والْخَيْطَفُ: سرعة انجذاب السير. وأَخطفُ الحَشَى ومُخْطَفة كأَنَّه اختُطِف حَشَاه لضموره. والخطأُ: العدول عن الجهة. وذلك أَضرب: أحدها: أَن يريد غير ما يحسُن فعله وإِرادته فيفعلَه. وهذا هو الخطأُ التَّامّ المأخوذ به الإِنسان، ويقال فيه خَطِئ يخطأُ خَطَأَ وخِطْأً. والثَّانى: أَن يُريدَ ما يحسُن فعلُه، ولكن يقع منه بخلافِ ما يريد، فيقال: أَخْطَأَ إِخْطَاءً فهو مخطئ. وهذا قد أَصاب فى الإِرادة وأَخطأَ فى الفعل، وهذا هو المعْنِىُّ بقوله ﷺ : "رُفع عن أُمتى الخطأُ والنِّسيان" وبقوله: "من اجتهد فأَخطأَ فله أَجرٌ".

стр. 1114

والثالث: أَن يريدَ ما لا يَحْسُنُ فعلُه ويتفق منه خلافه، فهذا مخطئ فى الإِرادة ومُصيبٌ فى الفعل، فهو مذموم لقَصْدِه، غير محمود بفعله. وهذا المعنى هو الذى أراد الشاعر بقوله: أَردت مساتى فاجتررتَ مسرَّتى ... وقد يُحسن الإِنسان من حيث لا يدرى وجملة الأَمر [أَنَّ] من أَراد شيئاً واتفق منه غيرُه يقال: أَخطأَ، وإِن وقع منه كما أَراده يقال: أَصاب. وقد يقال لمن فعل فعلاً لا يَحْسُنُ، أَو أَراد إِرادة لا تجْمُل: إِنه أَخطأَ، ولهذا يقال: أَصاب الخطأُ، وأَخطأَ الصواب، وأَصاب الصّواب وأَخطأَ الخطأ. وهذه اللَّفظة مشتركة كما يرى، متردّدة بين معان يجب لمن يتحرّى الحقائق أَن يتأَمّلها. وقوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته﴾ فالخطيئة والسيّئة يتقاربان، لكن الخطيئة أَكثر ما يقال فيما لا يكون مقصوداً إِليه فى نفسه، بل يكون القصد شيئاً يولِّد ذلك الفعل، كمن يرمى صيداً فأَصاب إِنساناً، أَو شرب مسكراً فجنى جناية فى سكره. ثمّ السّبب سببان: سبب محظورٌ فعله كشرب المسكر، وما يتولَّد من الخطإِ عنه غير مُتجافىً عنه؛ [وسبب غير محظور، كرمى الصيد. والخطأ الحاصل عنه متجافىً عنه] . قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ ولاكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خطيائة أَوْ إِثْماً﴾ فالخطيئة (هى التى) لا تكون عن قصد إِلى فعله،

стр. 1115

والجمع الخطيئات والخطايا. وقوله: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ هى المقصود [إِليها] والخاطئ هو القاصد الذَّنب. وعلى ذلك قوله: ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ . وقد يسمّى الذَّنْب خاطئة فى قوله تعالى: ﴿والمؤتفكات بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَى الذَّنب العظيم. وذلك نحو قولهم: شعر شاعر. وأَمّا ما لم يكن مقصوداً فقد ذكر النبىّ ﷺ أَنَّه مُتَجاوَزٌ عنه. وأَمّا الخَطْو - بالواو - فهو المَشْى، خَطَا خَطْواً واختطى واختاط على القلب: مشى. والخُطْوة - بالضَّمّ وقد يفتح -: مسافة ما بين القدمين. والجمع خُطاً وخُطُوات بضمّتين. والخَطْوة بالفتح: المرّة. والجمع خَطَوَات. وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾ أَى لا تتبعوه.

стр. 1116

بصيرة فى الخفيف والخفض والخفى الخِفّ - بالكسر - والخفيف: ضدّ الثقيل. ويقال تارة باعتبار المضايفة بالوزن وقياس شيئين أَحدِهما بالآخر. نحو: درهم خفيف ودرهم ثقيل، وتارة باعتبار مضايفة الزَّمان نحو فرس خفيف وفرس ثقيل إِذا عَدَا أَحدهما أَكثر من الآخر فى زمان واحد، وتارة يقال خفيف فيما يستحليه النَّاس، وثقيل فيما يستوخمونه، فيكون الخفيف مدحاً والثَّقيل ذمّاً. ومنه قوله تعالى: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ﴾ والظَّاهر أَنَّ قوله: ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾ من هذا النَّمط. وتارة يقال: خفيف فيمن فيه طيْش، وثقيل فيمن فيه وقار، فيكون الخفيف ذمّاً والثَّقيل مدحاً. وتارةً يقال: خفيف فى الأَجسام الَّتى من شأْنها أَن ترجَحنّ إِلى أَعلى كالنار والهواء، والثَّقيل فى الأَجسام الَّتى من شأْنها أَن ترجحِن إِلى الأَسفل كالأَرض والماءِ. وقد خفَّ يخِفُّ خَفّاً وخِفَّةً، وخفَّفه تخفيفاً، وتخفَّف تخفَّفاً، واستخفَّه ضدّ استثقله. واستخفَّ فلاناً عن رأْيه حمله على الجهل والخِفَّة. وقوله تعالى: ﴿فاستخف قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ أَى حملهم على أَن يخِفُّوا معه، أَوجدهم خفافاً فى أَبدانهم وعَزائمهم. وقيل: معناه: وجدهم طائشين. وقوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ... وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ فإِشارة إِلى كثرة الأَعمال

стр. 1117

الصّالحة وقلَّتها وقوله: ﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لاَ يُوقِنُونَ﴾ أَى لا يزعجُنَّكَ ولا يزيلُنَّك عن اعتقادك بما يوقعون من الشُّبه. وخفّوا من منازلهم: ارتحلوا عنها فى خِفَّة. والخَفْض: ضدّ الرّفع. والخَفض: الدَّعَة، ومنه عَيْش خافض. والخفض: السّير اللَّيّن. والخفض: الإِقامة، خَفَض بالمكان أَقام. وقوله تعالى: ﴿واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة﴾ حثّ على تليين الجانب والانقياد، كأَنَّه ضدّ قوله ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى الله﴾ وقوله: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ أَى ترفع أَقواماً إِلى الجنَّة وتخفض آخرين إِلى النَّارِ، وهى إِشارة إِلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ . والخُِفْية: الاستتار، وقد خَفِى خُِفْيَة وخَفَاء فهو خاف وخفِىّ. وخَفَاه هو وأَخفاه: سترُه وكتمه. والخافية: ضدّ العلانية. وخَفَاه يَخْفِيه خَفْياً وخُفِيّاً: أَظهره واستخرجه، كأَنَّه من الأَضداد. وقوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا﴾ وقال ﴿وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ﴾ .

стр. 1118

بصيرة فى الخلل وهو ضِدّ الفُرْجة بين الشَّيْئين، وجمعه خِلاَل. نحو خلل الدّار والسّحاب وغيره. وقوله تعالى: ﴿فَجَاسُواْ خِلاَلَ الديار﴾ وقوله ﴿ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ﴾ أَى سَعَوا نحوكم [و] وسطكم بالنميمة والفساد. والخَلَلُ فى الأَمر كالوَهْن تشبيهاً بخَلَل الدِّيار. والخَلَّة - بالفتح - الحاجة والخَصْلة والفقر والخَصَاصَة. خَلَّ الرّجلُ وأُخِلَّ به. احتاج. ورجل مُخلٌّ ومختلٌّ وخليل وأخَل: مُعْدِم فقير. واختلَّ إِليه: احتاج. والخُلَّة - بالضمّ -: الصّداقة المختصّة الَّتى لا خلل فيها تكون فى عفاف الحبّ ودَعَارته. والجمع خِلاَل. وهى الخلالة أَيضاً - بتثليث الخَاءِ - والخُلولة أَيضاً بالضمَّ. وقد خالَّه مُخَالَّة وخِلالاً، وإِنه لكريم الخِلِّ والخِلَّة - بكسرهما - أَى المصادقة والإِخاء. والخَلُّ - بالكسر والضَّمّ -: الصَّديق المختصّ، والجمع أَخلال. والخليل: مَن أَصفى المودّة وأَصَحّها، وهى بهاءٍ، جمعها خليلات. وقوله تعالى: ﴿واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ قيل سَمَّاه بذلك لافتقاره إِليه تعالى فى كلِّ حال، وهو الافتقار المعنىّ بقوله ﴿إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ

стр. 1119

مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وعلى هذا الوجه قيل: اللهمّ أَغْننى بالافتقار إِليك، ولا تُفقرنى بالاستغناء عنك. قال أَبو القاسم، هو من الخَلَّة لا من الخُلَّة. قال: ومَنْ قَاسَهُ بالحبيب فقد أَخطأَ لأَنَّ الله تعالى يجوز أَن يحبّ عبده فإِنَّ المحبّة منه الثناء ولا يجوز أَن يُخَالَّهْ. وهذا القول منه تَشَهٍّ ليس بشئ، والصّواب الَّذى لا محِيد عنه إِن شاءَ الله أَنَّه من الخُلَّة وهى المحبّة التى قد تخلَّلت رُوح المحبّ وقلبه حتى لم يبق فيه موضع لغير محبوبه، كما قيل: قد تخلَّلتِ مسلك الروح منى ... وبذا سمّى الخليل خليلا وهذا هو السّر الذى لأَجله - والله أَعلم - أُمر الخليلُ بذبح ولده وثمرة فؤاده وفِلْذَةَ كبده، لأَنَّه لمّا سأَل من الله الولد وأَعطاه تعلَّقت به شُعْبَة من قلبه، والخُلَّة منصب لا يقبل الشركة والقِسمة، فغار الخليلُ على خليله أَن يكون فى قلبه موضع لغيره، فأَمره بذبح الولد ليُخرج المُزاحم من قلبه، فلمّا وطَّن نفسه على ذلك وعزم عليه عزماً جازما حصل مقصود الآمر، فلم يبق فى ذبح الولد مصلحة، فحال بينه وبينه وفداه بالذِّبح العظيم، وقيل له: ﴿ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ﴾ أَى عملت عمل المصدّق ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ مَن بادر إِلى طاعتنا أَقررنا عينه كما قَرَّت عيناك بامتثال أَوامرنا وإِبقاءِ الولد وسلامته ﴿إِنَّ هاذا لَهُوَ البلاء المبين﴾ وهو اختيار المحبوب مُحبّه وامتحانه إِيَّاه ليُؤثر مَرضاته فيتمّ نعمته عليه، فهو بلاءُ مِحْنة ومنْحة معاً.

стр. 1120

والخُلَّة آخر درجات الحبّ وخاتمة أَقسامه العشرة الَّتى أَوّلها العَلاَقة، وثانيها الإِرادة، وثالثها الصبابة، ورابعها الغرام، وخامسها الوداد، وسادسها الشَّغَف، وسابعها العشق، وثامنها التتَيمّ، وتاسعها التعبّد. فحقيقة العبوديّة الحبّ التَّامّ مع الذلِّ التامّ والخضوع للمحبوب. وعاشرها الخُلَّة الَّتى انفرد بها الخليلان إِبراهيم ومحمّد ﵉ كما صحّ عن النبىّ ﷺ "إِنَّ الله تعالى اتَّخذنى خليلاً كما اتَّخذ ابراهيم خليلاً" وقال ﷺ "لو كُنت متَّخذاً خليلاً غير ربِّى لاتخذت أَبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم" والحديثان فى الصّحيحين، وهما يبطلان قول من قال: الخُلَّة لإِبراهيم والمحبّة لمحمّد ﵉ فإِبراهيم خليله ومحمّد حبيبه. وقوله تعالى: ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ﴾ أَى لا يمكن فى القيامة ابتياع حَسَنة ولا اجْتلابها بمودّة. وذلك إِِشارة إِلى قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ وقوله: ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ﴾ فقد قيل: هو مصدر من خاللت، وقيل: هو جمع. يقال خليل وأَخلَّة وخلال، والمعنى كالأَول.

стр. 1121

بصيرة فى الخلود والخلوص والخلط والخلع الخلود هو تبرّؤ الشئ من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة الَّتى هى عليه. وكلّ ما يتباطأُ عنه التغيير والفساد يصفه العرب بالخلود كقولهم للأَثافىّ: خوالد. وذلك لطول [مكثها] لا لدوام بقائها. يقال: خَلَد يخلُد خُلُوداً. والخَلَد - بالتَّحريك - اسم للجُزْءِ الَّذى يبقى من الإِنسان على حالته فلا يستحيل ما دام الإِنسان حيّاً استحالة سائر أَجزائه. وأَصل المخلَّد الذى يبقى مدّة طويلة. ومنه مخلَّد لمن أَبطأَ عنه الشَّيبُ ثمّ استعير للمُبْقَى دائماً. والخلود فى الجنَّة: بقاءُ الأَشياءِ على الحالة التى هى عليها من غير اعتراض الكون والفساد عليها، قال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ أَى مُبَقَّون بحالتهم لا يعتريهم استحالةٌ. وقيل: مقرَّطون بخِلَدة. والخِلَدة: ضرب من القِرَطَة. وإِخلاد الشئ: جعله مبَقّىً أَو الحكم بكونه مبَقًّى. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿ولاكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض﴾ أَى ركن إِليها ظانّاً أَنَّه يَخْلُد فيها.

стр. 1122

والخالص الصّافى الذى زال عنه شَوْبه الَّذى كان فيه. وقوله ﴿خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ أَى انفردوا خالصين من غيرهم. وقوله ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ اخلاصُ المسلمين أَنَّهم تبرَّءُوا ممّا يدَّعيه اليهود من التشبيه، والنَّصارى من التَّثليث، فحقيقة الإِخلاص التبرّى من دون الله. والخَلْط: الجَمْع بين أَجزاءِ الشيئين فصاعداً، سواء كانا مائعين أَو جامدين، أَو أَحدهما مائعاً والآخر جامداً. وهو أَعمّ من المَزْج. قال تعالى: ﴿فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ ويقال للصّدِيق والمجاور والشريك. خَلِيط. والخليطان فى الفقه مِن ذلك، وجمعه خُلَطاء. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء﴾ . وقوله تعالى ﴿خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ أَى يتعاطَون هذا مرّة وهذا مرّة. والخَلْع: النَّزع. خلع زيد ثوبه. والفرس جُلَّه وعِذَاره. وقوله ﴿فاخلع نَعْلَيْكَ﴾ قيل هو على الظَّاهر لأَنَّه كان من جِلد حمار ميّت. وقال بعض الصّوفية: هذا مَثَل، وهو أَمر بالإِقامة والتمكُّن كقولك لمن رُمتَ أَن يتمكَّن: انزع ثوبك وخُفَّك ونحو ذلك. وإِذا قيل: خلع فلان على فلان كان معناه: أَعطاه ثوباً. واستُفيد معْنى العطاءِ من هذه اللفظة بأَن وصل به لفظة (على) لا من مجرّد الخَلْع.

стр. 1123

بصيرة فى الخلف والخلق خَلْفٌ - وقد يقال بأل - نقيض قُدّام. قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وخَلَف. نقيض تقدّم وسَلَف. فالمتأَخِّر لقصور منزلته يقال له: خَلْف. ولهذا قيل: خلْف سوء. والمتأَخر لا لقصور منزلته يقال له: خَلَف، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ وقيل: "سكت أَلْفا، ونطق خَلْفاً" أَى رديئا من الكلام. وهو خَلَف صِدق من أَبيه إِذا قام مقامه. وقيل: الخَلَفُ والخَلْف سواء. وقال اللَّيث: السّاكن للأَشرار خاصّة والمتحرّك لضدّهم. وتخلَّف: تأَخَّر أَو جاءَ خَلْف آخر أَو قام مقامه. ومصدره الخِلاَفة. وخلف خَلاَفة فهو خالف أَى رَدِئ أَحمق. والْخِلْفة - بالكسر -: الاسم من الاختلاف أَى التردّد ﴿جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً﴾ أَى يجئ هذا فى إِثر هذا. ويقال: هنّ يَمشين خِلْفة أَى تذهب هذه وتجئ هذه. قال زهير ابن أَبى سُلْمَى: بها العِين والآرام يمشين خِلفة ... وأَطلاؤها ينهضن مِن كلِّ مَجْثَم ويقال أَيضاً: القوم خِلْفة، وبنو فلان خِلْفة، أَى نصفهم ذكور ونصفهم

стр. 1124

إِناث. وخلف فلاناً يخلُفه إِذا كان خليفته وقائماً بالأَمر عنه إِمّا معه وإِمّا بعده. قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي الأرض يَخْلُفُونَ﴾ . والخِلاَفَة: النِّيابة عن الغير. إِمّا لغَيْبَة المَنُوب عنه وإِمّا لموته وإِمّا لعجزه وإِمّا لتشريف المستخلَف. وعلى هذا الوجه الأَخير استخلَف اللهُ أَولياءَه فى الأَرض. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرض﴾ والخلائف جمع خليفة والخُلفاءُ جمع خليف، قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ والخليفة: السّلطان الأَعظم. وقد يؤنَّث. أَنشد الفَرَّاء. أَبوك خليفة ولدته أُخرى ... وأَنت خليفةٌ، ذاك الكمالُ زاد ابن عبّاد الخليف والجمع الخلائف، جاءوا به على الأَصل مثل كريمة وكرائم. وقالوا أَيضا: خُلَفاء من أَجل أَنَّه لا يقع إِلاَّ على مذكَّر وفيه الهاءُ، جمعوه على إِسقاط الهاءِ فصار مثل ظريف وظرفاء، لأَن فَعِيلة بالهاءِ لا يجمع على فُعَلاء. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ موسى لأَخِيهِ هَارُونَ اخلفني فِي قَوْمِي﴾ أَى كن خليفتى وقم مقامى فيهم. والاختلاف والمخالفة: أَن يأْخذ كلُّ واحد طريقاً غير طريق الآخر فى حاله أَو فعله. والخلاف أَعمّ من الضدّ، لأَنَّ كلَّ ضدّين مختلفان وليس كلّ مختلفين ضدّين. ولمّا كان الاختلاف بين النَّاس فى القول قد يقتضى

стр. 1125

التنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة، قال تعالى: ﴿فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الذين اختلفوا فِي الكتاب﴾ قيل: معناه خَلَفوا نحو كسب واكتَسَب. وقيل: أَتَوْا فيه بشئ خلاف ما أَنزل الله. وقوله: ﴿لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد﴾ من الخِلاف أَو من الخُلْف. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اختلاف الليل والنهار﴾ أَى فى مجئ كلَّ واحد منهما خَلْف الآخر وتعاقبهما. والخُلْف: الاسم من الإِخلاف. يقال: وعدنى فأَخلفنى أَى خالف الميعاد، قال تعالى: ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ﴾ . وأَخلفه: ردّه إِلى خَلْفه. وأَخلف النبتُ: أَخرج الخِلْفة، وهى ورق يخرج بعد الورق الأَوّل فى الصّيف. وأَخلف الثوب: أَصلحه. ويقال لمن ذهب له ولد أو مال أَو شئ يستعاض: أَخلف الله
следующие страницы →