Полный текст (2 804 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
وللسّالك نظران: نظر إِلى نفسه وعيوبه وآفات عمله يفتح عليه بابَ الخوف، ونظر إِلى سعة فضل ربّه وكرمه وبرِّه يفتح عليه بابَ الرّجاءِ، "وهما كجناحى الطائر إِذا استويا استوى الطَّائر وتمَّ طيرانه".
واختلفوا أَىّ الرّجاءَين أَكمل، رجاء المحسن ثواب إِحسانه، أَو رجاء المذنب التائب عفو ربِّه وعظيم غفرانه؟ فطائفة رَجَّحت رجاءَ المحسن لقوّة أَسباب الرّجاء معه. وطائفة رجَّحت رجاءَ المذنب، لأَنَّ رجاءَه مجرّد عن علَّة رؤية العمل، مقرون برؤية ذِلَّة الذَّنب. قال يحيى بن مُعاذَ: "إِلهى أَحلى العطايا فى قلبى رجاؤُك، وأَعذب الكلام على لسانى ثناؤُك، وأَحبُّ السّاعات إِلىَّ ساعةٌ يكون فيها لقاؤُك". وقال أَيضاً: "يكاد رجائى لك مع الذُّنُوب يغلب على رجائى لك مع الأعمال، لأَنى أَجدنى أَعتمد فى الأَعمال على الإِخلاص، وكيف أُحرزها وأَنا بالآفات معروف. وأَجدنى في الذنب أَعتمد على عفوك. وكيف لا تغفرها وأَنت بالجود موصوف".
فإِن قلت: ما تقول فى قول من جعل الرّجاء من أَضعف [منازل] المريدين؟ قلت: إِنما أَرادوا بالنسبة إِلى ما فوقه من المنازل، كمنزلة المحبَّة والمعرفة والإِخلاص والصِّدق والتَّوكُّل والرِّضا، لا أَن مرادهم ضَعف هذه المنزلة فى نفسها وأَنها منزلة ناقصة. فافهم، فقد أَوضحنا لك أَنَّها من أَجلِّ المنازل وأَعلاها وأَشرفها. والله أَعلم.
стр. 1227
وقال بعض المفسِّرين: ورد الرّجاءُ في القرآن على ستَّة أَوجه:
أَوّلها: بمعنى الخوف: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ ، أَى ما لكم لا تخافون. قال:
إِذا لسعته النَّحل لم يَرْجُ لسعها ... وخالفها فى بيت نُوب عوامل
ومنه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾ ، وقوله: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ الله﴾ .
الثانى: بمعنى الطمع: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ ، ﴿أولاائك يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله﴾ .
الثالث: بمعنى توقُّع الثواب: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ .
الرَّابع: الرّجا المقصور بمعنى الطَّرَف: ﴿والملك على أَرْجَآئِهَآ﴾ .
الخامس: الرّجاء المهموز: ﴿قالوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ أَى احبسه.
السَّادس: بمعنى التَّرك والتأْخير: ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ : تؤَخّره، ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ .
стр. 1228
بصيرة فى الرحب والرحق والرحل
رَحُب المكانُ ورَحِب، ككَرُم وسَمِعَ، رُحْبًا ورَحَابة، فهو رَحْبٌ ورَحِيبٌ ورُحاب: اتَّسعَ، كأَرحَبَ. ومَرْحَبًا وسهلاً، أَى صادفتَ سعة وسهولة. ومَرْحَبك اللهُ ومَسْهلك، ومرحباً بك الله ومَسْهَلاً.
ورحّب به: دعاه إِلى الرُّحب.
والرَّحِيق: الخمر، وقيل: أَطيب الخمور وأَفضلها /، وقيل: الخمر الصّافى، وقيل: الخالص، والشُهْد. والرُّحاقُ: لغة فى الكلِّ. والرّحيق أَيضاً: ضرب من الطِّيب.
والرّحْل: ما يوضع على البعير المركوب، ثم يعبَّر به تارة عن البعير، وتارة عمّا يُجْلَس عليه في المنزل، وجمعه: رِحَالٌ، وأَرْحُلٌ. والراحُول: لغة في الرّحْلِ. والرّحل أَيضًا: مسكنك وما تستصحبه من الأَثاثِ.
والرِّحالة: السَرْج، وقيل: سَرج من جلود لا خشب فيه، يتَّخذ للرَّكض الشديد.
стр. 1229
رَحَل البعيرَ وارتحله: حَطَّ عليه الرَحْل، فهو مرحول ورحيل. والمُرَحَّلة: إِبلٌ عليها رِحالها، والَّتى وُضعت عنها رحالُها، ضدّ.
وارتحل البعيرُ: سار فمضى. والقومُ عن المكان: انتقلوا كترحَّلوا. والاسم الرِّحلة والرُّحْلة، وقيل: بالكسر: الارتحال، وبالضمِّ: الوجه الذي يأَخذه.
والرَّاحلة: البعير الذى يصلح للارتحال.
وراحَلَهُ: عاونه [على رحلته] .
стр. 1230
بصيرة فى الرحمة والرحمان والرحيم
الرّحمة: رِقَّةٌ تقتضى الإِحسان للمرحوم وقد تُستعمل تارة فى الرقّة المجرّدة، وتارة فى الإِحسان المجرّد عن الرقَّة، نحو: رحم الله فلانًا. وإِذا وُصف به البارىءُ تعالى فليس يراد به إِلاَّ الإِحسان المجرّد دون الرقَّة. وعلى هذا رُوى أَنَّ الرحمة من الله إِنعام وإِفضال، ومن الآدميِّين. رقَّة وتعطُّف.
وقوله صلىَّ الله [عليه وسلم] مخبرًا عن ربِّه - سبحانه: "لمّا خلق الرّحم قال تعالى: أَنا الرحمان وأَنت الرّحِم، شققت اسمك من اسمى، فمن وصلك وصلتُه، ومن قطعكِ قطعته" ويروى بتتُّه. وذلك إِشارة إِلى ما تقدم، وهو أَنَّ الرَّحمة منطوية على معنيين: الرقة والإِحسان، فركَّب تعالى فى طباع النَّاسِ الرِّقَه، وتفرّد بالإِحسان.
ولا يطلق الرّحمان إِلاَّ على الله تعالى مطلقاً ولا مضافاً، وقولهم: رَحْمان اليمامة لمسيلمة الكذَّاب فبَابٌ مِن تعنُّتهم فى كفرهم. ولا يصحّ الرّحمان إِلاَّ له تعالى؛ إِذ هو الَّذى وَسِعَ كلَّ شىءٍ رحمة وعلماً. والرّحيم يستعمل فى غيره، وهو الَّذى كثرت رحمته. وقيل: الرَّحمان عامّ والرّحيم خاصّ، فالرحمان العاطف بالرِّزق للمؤمنين والكافرين، والرّحيم
стр. 1231
خاصّ بالمؤمنين. وقيل: رحمان الدنيا ورحيم الآخرة، وقيل رحمان المعاش ورحيم المعاد، وقيل: رحمان الأَغنياءِ ورحيم الفقراءِ، وقيل: رحمان الأَصحَّاءِ ورحيم المرضى. وقيل: رحمان المصطفَيْنَ ورحيم العاصِين. وقيل: رحمان الأَشباح ورحيم الأَرواح. وقيل: رحمان بالنعماءِ ورحيم بالآلآء. وقيل: الرّحمان: الذى الرّحمة وصفه، والرّحيم: الرّاحم لعباده، ولهذا يقول تعالى: ﴿وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً﴾ ، ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ، ولم يجىء رحمان بعباده ولا رحمان بالمؤمنين، مع ما فى اسم الرّحمان الذى هو على زنة فعلان، أَلا ترى أَنهم يقولون: غضبان للممتلىءِ غَضَبًا، وندمان وحَيران وسكران ولهفان لمن ملىءَ بذلك، فبناءُ فعلان للسّعة والشمول، ولهذا يقرن استواؤه على عرشه بهذا الاسم كثيرا، كقوله تعالى: ﴿الرحمان عَلَى العرش استوى﴾ ، ﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ ، فاسْتوى على عرشِه باسم الرّحمان؛ لأَنَّ العرش محيط بالمخلوقات قد وسِعها / والرّحمة محيطة بالخلق واسعة لهم، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ، وفي الصّحيح عن أَبى هريرة يرفعه: "لما قضى الله الخَلْق كتب في كتاب، فهو موضوع على العرش: رحمتى تغلب على غضبى" وفى لفظٍ: "سبقت رحمتى على غضبى" وفى لفظةٍ: "فهو عنده وضعه على العرش".
стр. 1232
فتأَمّل اختصاص هذا الكتاب بذكر الرّحمة ووضعه عنده على العرش، وطابِق بين ذلك وبين قوله: ﴿الرحمان عَلَى العرش استوى﴾ ، وقوله: ﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش الرحمان فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ينفتح لك بابٌ عظيم من معرفة الرّب ﵎، لا يغلقُه عنك التعطيل والتَّجسيم.
واعلم أَنَّ صفات الجلال أَخصّ باسم الله، وصفات الإِحسان والجُود والبِرِّ والحَنَان والرّأْفة واللّطف أَخصُّ باسم الرَّحمان. وكرَّره فى الفاتحة إِيذانًا بثبوت الوصف. وحصول أَثره، وتعلُّقه بمتعلّقاته.
والرَّحمة سبب واصل بين الله وبين عباده، بها أَرسل إِليهم رُسُله، وأَنزل عليهم كُتُبه، وبها هداهم، وبها أَسكنهم دار ثوابِه، وبها رزقهم وعافاهم.
وقد ورد الرّحمة فى القرآن على عشرين وجهاً:
الأَوّل: بمعنى منشور القرآن: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
الثانى: بمعنى سيّد الرُسُل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ، وقال ﷺ : "إِنَّما أَنَا رَحْمَة مُهْدَاة".
الثالث: بمعنى توفيق الطَّاعة والإِحسان: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ﴾ .
стр. 1233
الرَّابع: بمعنى نبوّة المرسلين: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ .
الخامس: بمعنى الإِسلام والإِيمان: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ .
السّادس: بمعنى نعمة العِرفان: ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ﴾ أَى معرفة.
السّابع: بمعنى العصمة من العصيان: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ﴾ .
الثامن: بمعنى أَرزاق الإِنسان والحيوان: ﴿لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ .
التاسع: بمعنى قَطَرَات ماءِ الغِيثان: ﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ .
العاشر: بمعنى العافية من الابتلاءِ والامتحان: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ .
الحادى عشر: بمعنى النجاة من عذاب النيران: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ .
الثانى عشر: بمعنى النُصْرَةِ على أهل العدوان: ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ .
стр. 1234
الثالث عشر: بمعنى اللأُلْفة والموافقة بين أَهل الإِيمان: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ .
الرابع عشر: بمعنى الكتاب المنزل على موسى بن عمران: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إِمَاماً وَرَحْمَةً﴾ .
الخامس عشر: بمعنى الثناء على إِبراهيم والوِلدان: ﴿رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت﴾ .
السّادس عشر: بمعنى إِجابة دعوة زكريا مبتهلا إِلى الله المَنَّان: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ .
السّابع عشر: بمعنى العفو عن ذوى العصيان: ﴿لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ .
الثامن عشر: بمعنى فتح أَبواب الرَّوْحِ والرَّيْحان: ﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ .
التاسع عشر: بمعنى الجنَّةِ دار السّلام والأَمان: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين﴾ .
стр. 1235
العشرون: بمعنى / صفة الرّحيم الرحمان: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة﴾ . وفي الخبر: "إِنَّّ الله تعالى خلق الأَرواح قبل الأَجساد بأَربعة آلاف سنة، وقدَّر الأَرزاق قبل الأَرواح بأَربعة آلاف سنة، وكَتب الرَّحمة على نفسه قبل الأَرزاق بأَربعة آلاف سنة. ولهذا قال: سبقت رحمتى غضبى، وعفوى عقابى".
والرَّحِم: رَحِم المرأة. وامرأَةُ رَحُومٌ: تشتكى رحمها. ومنه استعير الرّحم للقرابة لكونهم خارجين من رحم واحدة، ويقال: رَحِمٌ ورُحْم، قال تعالى: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ ، وقال: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ .
стр. 1236
بصيرة فى الرخاء والرد
شىءٌ رِخْوٌ - بالكسر - أَى لَيِّن. ومنه اشتقَّت الرُّخاءُ، وهى الريح اللَّيِّنة، يقال: نُقيم فى رَخَاءٍ ونسيمٍ رُخاء.
والردّ: صرف الشىءِ بذاته أَو بحالة من حالاته، يقال: رددته فارتدّ. فمن الرَدّ بالذَّات قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ . ومن الرَدَّ إِلى حالة كان عليها قوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمْ على أَعْقَابِكُمْ﴾ ، وقولُه: ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ﴾ ، أَى لا دافع ولا مانع له. والرد كالرَجْع. ومنهم من من قال: في الردِّ قولان: أَحدهما: ردّهم إِلى ما أشار إِليه بقوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ ، والثَّانى: رَدّهم إِلى الحياة المشار إِليها بقوله: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى﴾ ، فذلك نظر منهم إِلى حالتين كلتاهما داخلة فى عموم اللفظ.
وقوله تعالى: ﴿فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ﴾ قيل: عَضُّوا الأَنامِلَ غيظاً، وقيل: أَوْمَئوا إِلى السّكوت، فأَشاروا باليد إِلى الفم، وقيل: ردّوا أَيديهم
стр. 1237
فى أَفواه الأَنبياء فأَسكتوهم. واستعمال الردَّ فى ذلك تنبيه أَنَّهم فعلوا ذلك مرّة بعد مرَّة أُخرى. وقوله: ﴿يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ ، أَى يرجعونكم إِلى حال الكفر بعد أن فارقتموه.
والارتداد والرِدّة: الرّجوع فى الطريق الَّذى جاءَ منه، لكن الرِدّة تختصّ بالكفر، والارتداد فيه وفى غيره، قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ﴾ ، وقال: ﴿فارتدا على آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ . وقوله: ﴿وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ﴾ ، أَى إِذا تحققتم أَمرًا وعرفتم خبرًا فلا ترجعوا عنه. وقوله: ﴿فارتد بَصِيراً﴾ ، أَى عاد إِليه البصر.
ويقال: رددت الحكم فى كذا إِلى فلان: فوّضته إِليه. وفى الحديث الصّحيح: "يقول الله تعالى ما تردّدت فى شىءٍ أَنا فاعله ما تردَّدت فى قبض روح عبدى المؤمن، يكره الموت، وأَنا أَكره مساءَته". وعن النبىِّ ﷺ : "مَنْ ردَّ سائلا خائباً لم تَرِد الملائكة ذلك البيت سبعة أَيَّام"، وقال: "لَوْلا أَنَّ السّؤَّال يكذبون ما قُدِّس مَن ردّهم". وقال:
стр. 1238
"إِذا أَتاكُمُ السُّؤّال فأَعطوهم يسيرًا أَو ردّوهم ردّا جميلاً، فإِنَّه يأتيكم مَنْ ليس بإِنس ولا جانّ يختبرونكم فيما خُوّلتم من الدُّنيا". قال الشاعر:
إِلى كم ذا التخلّف والتوانى ... وكمْ هذا التمَّادى فى التَّمادى
فما ماضى الشَّباب بمسْتَردّ ... ولا يومٌ يمر بمستعاد
وفي الحديث: "البَيّعان يترادَّان"، أَى / يرُدُّ كلّ واحد منهما ما أَخَذَ.
стр. 1239
بصيرة فى الردف
قال تعالى: ﴿قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم﴾ ، قال ابن عرفة: أَى دنا لكم، وقال غيره: جاءَ بعدكم. وقيل معناه: رَدِفكم وهو الأَكثر. وقال الفرّاءُ: دخلت اللام لأَنَّه بمعنى [قرب] لكم، واللام صلة كقوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ . وقال الأَعرج: (رَدَف لكم) فتح الدال.
والرِّدْف - بالكسر -: المرتَدَف، وهو الذى يركب خلف الراكب. وكلّ ما تبع شيئاً فهو رِدْفه. والرِّدْف أَيضاً: الكَفَل.
لها خصور وأَرْداف تنوء بها ... رمل النقا وأَعالى متنِها رُودُ
وأَرداف النجوم: تواليها. والرِّدْفان: اللِّيل والنهار.
ورِدْف الملِك: الَّذى يجلس عن يمينه، فإِذا شرب الملك شرب الرِّدْف قبل النَّاس، وإِذا غزا الملِك قعد الرِّدف موضعه. والرّديف: المرتدَف كالرِّدْف. والرَّدَافة: فعل رِدْف الملك كالخِلافة. وكانت الرِّدفة لبنى يربوع فى الجاهليّة، لأَنَّه لم يكن فى العرب أَحد أَكثر غارة على ملوك الحيرة من بنى يربوع
стр. 1240
فصالحوهم على أَن جعلوا لهم الرِّدافة ويكفُّوا عن أَهل العراق.
ورَدِفه - بالكسر - أَى تبعة. والرَّادفة فى قوله تعالى: ﴿تَتْبَعُهَا الرادفة﴾ : النفخة الثانية. وأَردفته معه أَى أَركتبه معه. وأَردفه أَمرٌ: لغة فى رَدِفَه، مثال تبعه وأَتبعه.
وقوله تعالى: ﴿مِّنَ الملائكة مُرْدِفِينَ﴾ ، قال الفرّاءُ: أَى متتابعين. وقال غيره: أَى جائين بعد. وقال بعضهم: معناه مُرْدِفِين ملائكة أُخرى، فعلى هذا يكونون ممَدّين بأَلْفين من الملائكة. وقيل: عنى بالمردفِين المتقدِّمين للعسكر يُلْقُونَ فى قلوب العِدَا الرُّعْب. وقال أَبو جعفر ونافع، ويعقوب، وسهل: (مُرْدَفين) بفتح الدّال، أَى فُعل ذلك بهم، أَى أَردفهم الله بغيرهم. وقيل: مردَفين أَى أُردِف كلُّ إِنسان مَلَكًا. قال خزيمة (من بنى) نهد:
إِذا الجوزاءُ أَرْدَفَتْ الثريَّا ... ظننتُ بآل فاطمةَ الظُّنونا
ظننت بها وظَنُّ المرْء حُوبٌ ... وإِن أَوفَى وإِن سَكَن الحَجُونا
وحالت دون ذلك من همومى ... همومٌ تُخرج الداءُ الدّفينا
стр. 1241
قال الخليل: سمعت رجلاً بمكَّة، يزعمون أَنه من القُرَّاء، وهو يقرأ (مُرُدِّفِينَ) بضمّ الميم والرّاءِ وكسر الدَّال المشدّدة، وعنه فى هذا الوجه كسر الرّاء. فالأُولى أَصلها مُرْتدفِين، لكن بعد الإِدغام حركت الرّاءُ بحركة الميم. وفى الثانية حرّكت الرّاءُ السّاكنة بالكسر. وعنه فى هذا الوجه [و] عن غيره فتح الراء، كأَن حركة التاءِ ألْقِيت عليها. وعن الجَحْدرىّ: بسكون الراءِ وتشديد الدّال جمعاً بين الساكنين.
يقال: أَتينا فلانا فارتدفناه، أَى أَخذناه من ورائه أَخْذًا. واستردفه: سأَله أَن يُردفه. وترادفَا: تعاونَا.
стр. 1242
بصيرة فى الردم والردء والرذالة والرزق
الرَّدْم: ما يسقط من الجدار المتهدِّم. والرَّدْم أَيضاً: السّد الذى بيننا وبين يأجوج ومأجوج. ورَدَم البابَ والثُلْمَة وردَّمه: سدَّه كلَّه، وقيل: سدّ ثُلُثَه أَو هو أَكثر من السدّ. والاسم الرَّدَم بالتَّحريك.
وتردَّم ثوبَه: رَقَعَه. والمتردَّم: الموضع الَّذى يُرْقَع من / الثَّوب.
والرِّدءُ - بالكسر -: العَوْن، ورَدأه به: جعله له رِدْءًا وقوَّة وعماداً. والرّدِىءُ فى الأَصل مثله، لكن تعورف فى المتأَخِّر المذموم والفاسد، وقد رَدُؤ - ككرم - رَداءَة، فهو ردىء من أَرْدئاء.
والرَّذْل والرَّذِيل والرُّذَال والأَرذل: الدُّون المرغوب عنه لرداءته. والجمع: أَرذالٌ ورُذلاءُ ورُذُول ورُذَالٌ والأَرذلون، وقد رَذُل ورَذِل - ككرُم وعلِمَ - رَذَالة ورُذُولة. وَرَذَله غيرُه وأَرْذله. والرُّذَال والرُّذالة: ما انتُقِىَ جَيِّده.
والرّزق - بالكسر -: ما ينتفع به. ويقال للعطاءِ الجارى تارة، دنيويّا كان أَو أخرويًّا، وللنصيب تارة، ولما يصل إِلى الجوف ويُتغذَّى به تارة. والجمع: أَرزاق.
стр. 1243
والرَّزْقُ - بالفتح المصدر الحقيقى، والمرَّة الواحدة رَزْقه، والجمع رَزَقات، وهى أَطماع، يقال: أَعطى السّلطان رِزقَ الجند، ورُزِقْت علما. قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أَى من المال والجاه والعلم.
وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أَى أَتجعلون نصيبكم من النِّعمة تحرّى الكذب. وقوله: ﴿وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ﴾ قيل: عنى به المطر الَّذى به حياة الحيوان، وقيل: هو كقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً﴾ ، وقيل: تنبيه أَنَّ الحُظوظ بالمقادير. وقوله: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ أَى بطعامٍ يُتَغَذَّى به. وقوله: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ ، قيل عنى به الأَغذية، ويمكن أَن يحمل على العموم فيما يؤكل ويلبس ويستعمل. وقال فى العطاء الأخروىِّ: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ﴾ أَى يفيض عليهم النّعم الأُخروية. وقوله: ﴿إِنَّ الله هُوَ الرزاق﴾ محمول على العموم.
стр. 1244
والرازق يقال لخالق الرِّزق ومعطيه والمسبِّب له، وهو الله تعالى، ويقال للإِنسان الَّذى يصير سببًا فى وصول الرّزق. والرزَّاق لا يقال إِلاَّ للهِ تعالى. وقوله: ﴿وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ أَى بسبب فى رزقه ولا مدخل لكم فيه. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً﴾ الآية أَى ليسوا بسبب فى رزقهم بوجه من الوجوه، وبسبب من الأَسباب.
وارتزق الجندُ: أَخَذوا أَرزاقهم. والرَّزقة: ما يُعطَوْنه دفعة واحدة.
стр. 1245
بصيرة فى الرسخ والرس والرسل
رَسَخ رَسُوخًا: ثبت. ورسَخ الغديرُ: نَشَّ ماؤُه ونَضَب فذهَب، والمطرُ: نَضَبَ نداهُ فى الأَرض فالتقى الثَرَيان. وأَرسخه: أَثبته. والرّاسخ فى العِلْم: المتحقِّق به الَّذى لا يعترضه شبهة. والراسخون في العلم: هم الموصوفون بقوله: ﴿الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾ .
والرَّسّ: وادٍ بأَذْرَبِيجان فيه أَربعة آلاف نهر جارٍ، قال:
فهو لوادى الرسّ كاليَدِ لِلْفَمِ
وأَصل الرسّ: الأَثر القليل الموجود فى الشىءِ، يقال: سمعت رَسًّا من خَبَر. وَرَسَّ الحديثَ في نفْسه. ووجد رَسًّا من الحُمَّى. ورُسَّ
стр. 1246
الميْتُ: دُفِن وجُعل أَثرًا بعد عين.
والرِّسْلُ - بالكسر - والرِّسْلَةُ: الرِفْق والتُؤَدة، والانبعاث على مَهَل. والرَّسْل /- بالفتح -: السَّهْل من السّيرِ، وقد رَسِل - بالكسر - رسَلاً ورَسَالةً. والإِرسال: التَّسليط، والإِطلاق، والإِهمال، والتَّوجيه. والاسم الرِّسالة، والرَّسالة، والرّسول، والرّسيل. والرسول: المرسَل أَيضاً، والجمع: أَرْسُلٌ ورُسُلٌ ورُسَلاءُ. والرّسول أَيضاً: الموافق لك من النِّضال ونحوه. وإِبل مَراسيل: منبعثة انبعاثاً سهلا، ومنه الرَّسول: المنبعِث. وتُصُوِّر منه تارة الرّفق فقيل: على رِسْلك: إِذا أَمرته بالرِّفق. وتارة الانبعاث فاشتُقَّ منه الرّسول.
والرَّسول تارة يقال للقول المتحمَّل كقوله:
أَلا أَبلِغْ أَبا حفصٍ رسولاً
стр. 1247
وتارة لمتحمِّل القول. الرَّسول يقال للواحد والجمع، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ ، وقال: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ ، ولم يقل رُسُل لأَنَّ فعولا وفعيلاً يستوى فيهما المذكَّر والمؤَنَّث والواحد والجمع؛ مثل عَدُوٍّ وصديق. وقيل: معناه: إِنَّا ذَوُو رسالة ربٍّ العالمين، لأَنَّ الرّسول يذكر ويراد به الرِّسالة كما تقدّم، قال كُثَيِّر:
لقد كذب الواشون ما بُحتُ عندهم ... بليلَى ولا أَرسلتهم برسول
أَى برسالة. وأَمَّا الرّسول بمعنى الرُّسُل فكقول أَبى ذُؤَيب:
أَلِكْنى إِليها وخَيْرُ الرسُو ... لِ أَعْلَمهُم بنواحِى الخَبَر
أَى وخير الرُّسُل.
وقوله: ﴿مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ﴾ أَى على أَلسنة رُسُلِك.
والمراسيل: الإِبل الخِفاف التى تعطيك ما عندها عَفْوًا، الواحدة رَسْلة. قال كعب بن زهير:
أَمْسَت سعاد بأرضٍ لا تبلِّغها ... إِلاَّ العِتاقُ النَّجيبات المراسيلُ
стр. 1248
وقوله تعالى: ﴿والمرسلات عُرْفاً﴾ [أَى الرياح] أُرسلت كعُرْف الفَرَسِ، وقيل: الملائكة. وقيل: الخيل.
والرَّسَل - بالتَّحريك - من الإِبل والغنم ما بين عشر إِلى خمس وعشرين، وقيل: القطيع من الإِبل والغنم.
والرِّسْل - بالكسر - الّلبَن لنزوله على تؤدة، وهو من القول: الليِّنُ الخَفِيضُ، قال الأَعشى:
فقال للمَلْك سرِّح منهم مائةً ... رِسْلاً من القول مخفوضًا وما رَفَعا
ورُسُل الله تارة يراد بها الملائكة، وتارة يراد بها الأَنبياءُ، فمن الملائكة قوله تعالى: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ ، ومن الأَنبياءِ قوله تعالى: ﴿جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ﴾ . وقوله تعالى: ﴿ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات﴾ ، قيل: عنى به الرّسول وصَفوةَ أَصحابه، فسمّاهم رُسُلا لضمّهم إِليه، كتسميتهم المُهَلَّب وأَولاده المهالبة.
والإِرسال يقال فى الإِنسان وفى الأَشياء المحبوبة والمكروهة. وقد يكون ذلك بالتسخير كإِرسال الريح والمطر. وقد يكون ببعث مَن يكون له اختيار، نحو إِرسال الرّسل، وقد يكون ذلك بالتخلية وترك المنع نحو: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين﴾ .
стр. 1249
والإِرسال يقابل بالإِمساك قال تعالى: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ . قال:
ياحبيبى وخليلى ... ومُنَى قَلْبِى ورسُولِى
فتبيّنْ وتَيقَّن ... أَنا فى إِثْرِ الرسولِ
والرسول فى القرآن ورد على اثنى عشر وجهًا:
الأَوّل: بمعنى جبريل وميكائيل والمصطَفَين منهم: ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً﴾ .
الثاني: بمعنى الأَنبياء: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ .
الثَّالث: بمعنى صالحٍ النبى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله نَاقَةَ الله﴾ .
الرَّابع: بمعنى نوح: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي﴾ .
الخامس: بمعنى هود: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ﴾ .
السادس: بمعنى موسى الكليم: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ .
السَّابع: بمعنى شُعَيب: ﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بالذي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ ، ﴿ياقوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي﴾ .
стр. 1250
الثامن: بمعنى يوسف الصّدِّيق: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ﴾ إِلى قوله: ﴿مِن بَعْدِهِ رَسُولاً﴾ .
التَّاسع: بمعنى رُسُل بِلْقِيس إِلى سليمان: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون﴾ .
العاشر: بمعنى شخص غير معيَّن: ﴿أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ .
الحادى عشر: بمعنى عيسى: ﴿إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم﴾ .
الثاني عشر: بمعنى سيِّد المرسلين: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ﴾ ، ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ ، ﴿والرسول يَدْعُوكُمْ﴾ ، ﴿مَالِ هاذا الرسول﴾ . وله نظائر.
стр. 1251
بصيرة فى الرسو والرشد والرص
رَسَا رَسْوًا وَرُسُوًّا، وأَرْسَى: ثَبَتَ. والسَّفِينةُ: وقفت على البحر، وأَرسيته أَنا.
قوله تعالى: ﴿رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ أَى جبالاً ثابتاتِ. وقوله: ﴿والجبال أَرْسَاهَا﴾ إِشارة إِلى قوله: ﴿والجبال أَوْتَاداً﴾ .
قال:
وَلاَ جبال إِذا لم تُرْسَ أَوتادُ
وأَلقت السّحاب مراسيَها: استقرَّت وجادت، وقيل: أَلقت طُنُبها.
وقوله تعالى: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ : متى وقوعها ومتى زمان ثبوتها. وقوله: ﴿بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا﴾ بضم ميميهما وفتحهما من أَجريت وأَرسيت
стр. 1252
أَو من جَرَت ورَسَت. وقرىءَ: مُجرِيها ومُرْسيها على النَّعت لله . ورَسَوت بين القوم، أَى أَثْبَتَ بينهم الصّلح.
والرُّشد - بالضمّ - والرَّشَد - بالتَّحريك -: خلاف الغىِّ. ويستعمل استعمال الهداية، رَشِدَ كعَلِمَ ورَشَد كنصر. وقيل: المحرّك أَخصّ من المضموم؛ فإنَّ المضموم يقال فى الأُمور الدّنيوية والأُخروية، والمتحرِّك يقال فى الأُمور الأُخرويّة لا غير.
ورَصُّ الشىءِ: إِلصاق بعضِه ببعضٍ وضمُّه. ومنه قيل للبخيل: الرَّصَّاصة.
والمرصوصة: البئر المطويّة بالرّصاص.
وتراصُّوا: تلاصقوا. قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ أَى محكَم متقَن كأَنما بُنى بالرَّصاص.
стр. 1253
بصيرة فى الرصد والرضاع
وهو اسم للرّاصد وللمرصود، وللرّاصدين والمرصودين، يستوى فيهما الواحد والجمع. وقوله تعالى: ﴿يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ يحتمل كلّ ذلك.
والمادّة موضوعة للتَّرقّب أَو لاستعدادٍ لِلتَّرقّب، (رَصَد له وتَرَصَّد) وأَرصدته أَنا. وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ : إِنَّه لا ملجأ ولا مهرب من الله إِلا إِليه. والمِرصاد والمَرْصَد: موضع الرّصْد. وقوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾ تنبيه أَنَّ عليها مَجَاز النَّاسِ.
رضِع الصّبىُّ أُمّه، ورَضَع - كسمع وضرب - رَضاعًا ورَضْعًا ورَضَاعة، وأَرضعته أُمُّه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تسترضعوا أَوْلاَدَكُمْ﴾ أَى تسوموهنَّ إِرضاع أَولادكم.
ورضُع - ككرم - ورضَع - كمنع - رَضَاعة: لَؤُمَ، فهو راضع ورَضيع. ورَضَّاع: نهاية فى اللُّوْم. وأَصله رجل كان يرضع إِبله لئلا يُسمع صوت حلبه فيُسأَل. وسمّى الثنيّتان من الإِنسان الراضعتين لا ستعانة الطفل بهما فى المسترضع.
стр. 1254
بصيرة فى الرضا
رَضِىَ الله عنه، ورضى عليه، يَرْضى رِضًا ورِضْوانًا ورُضًا ورُضْواناً ومَرْضاة: ضد سَخِط، فهو راضٍ من رُضاةٍ، و [ورَضِىٌّ] من أَرضياء ورُّضاة، ورَضٍ من رَضِين.
وأَرضاه: أَعطاهُ ما يُرضيه. واسترضاه وترضَّاه: طلبَ رِضاهُ. ورضيته وبه، فهو مَرْضُوٌّ ومَرْضِىٌّ.
ورِضا العبدِ عن الله تعالى أَلاَّ يكره ما يجرى به قضاؤُه. ورضا الله تعالى عن العبد أَن يراه مؤتمرًا لأَمر منتهيًا عن نهيه. والرّضوان: الرّضا الكبير. / ولما كان أَعظم الرضا رضا اللهِ تعالى خُصّ لفظ الرِّضوان فى القرآن بما كان من الله تعالى.
وقوله: ﴿إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بالمعروف﴾ أَى أَظهر كلُّ واحد منهم الرِّضا بصاحبه ورضيه. قال تعالى: ﴿وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ وقال: ﴿إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ﴾ ، وقال: ﴿مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَآءُ ويرضى﴾ ، وقال: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارتضى لَهُمْ﴾
стр. 1255
وقال: ﴿واجعله رَبِّ رَضِيّاً﴾ ، وقال: ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ ، وقال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى﴾ ، وقال: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين﴾ وقال لنبيِّه: ﴿لَعَلَّكَ ترضى﴾ . قال: ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ وقال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ ، وقال: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ وقال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ أَى مرضيّة. وقال: ﴿ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ وقال: ﴿رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ .
واعلم أَنَّ العلماء قد أَجمعوا على أَنَّ الرِّضا مستَحبٌّ، مؤَكد استحبابُه. واختلفوا فى وجوبه على قولين. والأَكثر على تأَكُّد استحبابه، فإِنه لم يرد الأَمر به كما ورد فى الصبر، وإِنَّمَا جاءَ [الثناءُ] على أَصحابه. وأَمَّا ما يروى من الأَثَر: "من لم يرض بقضائى، ولم يصبر على بلائي، فلْيتَّخذ ربًّا سِوَاىَ" فهذا أَثر إِسرائيلىٌّ لم يصحّ عن النبى ﷺ ، ولا سيّما عند من يَرَى أَنَّه من جملة الأَحوال الَّتى ليست مكتسبة، وأَنه موهِبة محضة. فكيف يؤمر به وليس مقدورًا!
وهذه مسأَلة اختلف فيها السّالكون على طرق ثلاث: فقال شيوخ خُراسان: إِنَّه من جملة المقامات وهو نهاية التوكل، وقال آخرون:
стр. 1256
هو من جملة الأَحوال، يعنى هذا لا يمكن أَن يتوصّلَ إِليه العبدُ، بل هو نازلة تحُلُّ بالقلب كسائر الأَحوال. والفرق بين المقامات والأَحوال، أَن المقامات عندهم من المكاسب، والأَحوال مجرّد المواهب.
وحكمت فرقة ثالثة بين الطَّائفتين، منهم الشيخ القدوة صاحب الرِّسالة وغيره. فقالوا: يمكن الجمع بينهما بأَن يقال: مبدأُ الرّضا مكتسَب للعبد فهو من جملة المقامات، ونهايته من جملة الأَحوال، فليست مكتسبة.
واحتج شيوخ خراسان ومن قال بقولهم بأَنَّ الله تعالى مَدَح أَهله وأَثنى عليهم ونَدَبهم إِليه، فدلَّ على أَنَّه مقدور لهم. وقال النَّبى ﷺ : "ذاقَ طعم الإِيمان مَن رضى باللهِ ربًّا وبالإِسلام دينًا وبمحمد رسولاً". ورأَيت من أَصحابنا مَن نزَّل هذا الحديث على جميع معانى سورة الأَنبياءِ حرفًا حرفًا. وقال: "من قال حين يسمع النِّداءَ: رضيتُ بالله ربًّا وبالإِسلام دينًا وبمحمّد رسولاً غُفرت له ذنوبهُ". وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدِّين، وقد تضمّنا الرّضا بربوبيّته سبحانه وأُلوهيته، والرّضا برسوله والانقياد له. والرّضا بدينه والتسليم له. ومن اجتمعت له هذه الأَربعة فهو الصّدّيق حقًّا. وهى سهلة بالدَّعوى واللِّسان، ومِن أَصعب الأُمور عند الحقيقة والامتحان، ولا سيّما إِذا ما خالَفَ هَوَى النَّفس ومرادَها، فحينئذ يتبين أَنَّ الرّضا كان على رسالة لا على حالة.
стр. 1257
فَالرِّضا بإِلاهيَّته متضمّن للرّضا بمحبَّته وحده، وخوفه ورجائه والإِنابة إِليه، والتبتّل إِليه، وإِنجذاب قُوَى الإِرادة والحبّ كلّها إِليه، فِعل الرَاضى بمحبوبه كلَّ الرّضا، وذلك يتضمّن عبادته والإِخلاص له. والرضا بربوبيته / يتضمّن الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إِفراده بالتَّوكُّل عليه والاستعانة والثقة به والاعتماد عليه، وأَن يكون راضيًا بكلِّ ما يفعله. فالأَوّل يتضمن رضاه بما يأمر به، والثَّانى يتضمّن رضاه بما يُقدِّرهُ عليه.
وأَمَّا الرّضا بنبيّه رسولاً فيتضمّن كمالَ الانقياد له والتسليم المطلَق إِليه، بحيث يكون أَولى به من نفسه، فلا يتلقىَّ الهُدى إِلاَّ من مواقع كلماته، ولا يحاكِم إِلاَّ إِليه، ولا يحكِّم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره البتة، لا [فى] شىء من أَسماء الرّب وصفاته وأَفعاله، ولا فى شىءٍ من أَذواق حقائق الإِيمان ومقاماته، ولا فى شىءٍ من أَحكامه ظاهره وباطنه، ولا يرضى إِلاَّ بحكمه. فإِن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاءِ المضطرِّ إِذا لم يجد ما يُقيت إِلاَّ من الميْتة والدّم، وأَحسن أَحواله أَن يكون من باب التراب الَّذى إِنما يُتيمَّمُ به عند العجز من استعمال الماء للطُّهور.
وأَمَّا الرضا بنبيّه فإِذا قال أَو حكم أَو أَمر أَو نهى رضِىَ كلّ الرضا، أو لم يبق فى قلبه حَرَج من حكمه، وسلَّم لله تسليما ولو كان مخالفًا لمراد
стр. 1258
نفسه وهواها، وقولِ مقلَّده وشيخه وطائفته. وههنا توحشك النَّاس كلّهم إِلاَّ الغرباء فى العالم. فإِيّاك أَن تستوحش من الاغتراب والتفرّد، فإِنَّه - والله - عين العزِّ والصّحبة مع الله تعالى ورسوله، وروح الأُنس به، والرضا به ربًّا وبمحمد رسولاً وبالإِسلام دينا. بل الصّادق كلَّما وجد سرّ الاغتراب وذاق حولاته وتنسّم رَوْحه قال: اللهم زدنى اغترابًا أَو وحشةً في العالمَ وأُنْساً بك. وكلَّمَا ذاق حلاوة هذا الاغتراب والتفرّد رأَى الوحشة عين الأُنْس بالنَّاس، والذلَّ عين العِزَّ بهم، والجهل عين الوقوف مع آرائهم وزُبالة أَذهانهم، والانقطاع عين التعبُّد برسومهم وأَوضاعهم، فلم يُؤثر بنصيبه من الله أَحدًا من الخلق، ولم يَبعْ حَظَّه من الله بموافقتهم فيما لا يُجدى عليه إِلاَّ الحرمان. وغايته مودَّة بينهم فى الحياة الدُّنيا. فإِذا انقطعت الأَسباب، وحَقَّت الحقائق، وبُعْثر ما فى القبور، وحُصِّل ما فى الصُّدور، تبيَّنَ له حَدُّ مواقع الرِّبح من الخسران. والله المستعان.
والتحقيق فى المسأَلة: أَنّ الرّضا كسبىّ باعتبار سببه، وَهْبىّ باعتبار حقيقته، فيمكن أَن يقال بالكسب لأَسبابه، فإِذا تمكَّن فى أَسبابه وغَرَس شجرته اجتنى منها ثمرة الرِّضا أَخو التَّوكُّل. فمن رسخ قَدَمُه فى التوكُّل والتسليم والتفويض حصل له الرّضا ولا بدّ، ولكن لعزَّته وعدم إِجابة أَكثر النُّفوس له وصعوبته عليها لم يوجبه الله على خَلْقه رحمة
стр. 1259
بهم وتخفيفاً عنهم، لكن ندبهم إِليه وأَثنى على أَهله، وأَخبر أَنَّ ثوابه رضاه عنهم الَّذى هو أعظم وأَكبر وأَجلُّ من الجنَّاتِ وما فيها، فمن رضى عن ربه رضى الله عنه. بل رضا العبد عن الله علامة رضا الله عنه ومن نتائجه، فهو محْفوف بنوعين من رضا الله عن عبده: رضًا قَبْله أَوجب له أَن يرضى عنه، ورضا بعده وهو ثمرة رضاه عنه، ولذلك كان الرّضا بابَ الله الأَعظم، وجَنَّة الدُّنيا، ومحلَّ راحة العارفين، وحياة المحبِّين، ونعيم العابدين، وقُرَّة عين المشتاقين.
/ ومن أَعظم أَسباب حصول الرِّضا أَن يلزم ما جعل الله رضاه فيه، فإِنَّه يوصِّله إِلى مقام الرضا ولا بدَّ. قيل ليحيى بن مُعاذ ﵀: متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ قال: إِذا أَقام نفسه على أَربعة أُصول فيما يعامل به ربِّه، فيقول: إن أَعطيتنى قَبِلْت، وإِن منعتنى رضيت، وإِن تركتنى عبدت، وإِن دعوتنى أَجبت. وليس الرِّضا والمحبة كالرجاء والخوف، فإِن الرضا والمحبة حالان من أَحوال أَهل الجنة، لا يفارقان فى الدُّنيا ولا فى البَرْزَخ ولا فى الآخرة، بخلاف الخوف والرَّجاءِ فإِنهما يفارقان أَهل الجنَّة لحصول ما كانوا يرجونه، وأَمنِهم مّما كانوا يخافونه. وإِن كان رجاؤهم لما ينالون من كراماته دائماً، لكنَّه ليس رجاءً مَشُوبًا بشكٍّ، بل رجاء واثقٍ بوعدٍ صادق من حبيب قادر. فهذا لون، ورجاؤهم فى الدنيا لون.
стр. 1260
واعلم أَنه ليس من شروط الرِّضا أَلاَّ يحسَّ بالأَلم والكاره، بل أَلاَّ يعترض على الحكم ولا يسخط؛ فإن وجود التَّأَلُّم وكراهة النَّفس لا ينافى الرِّضا، كرضا المريض بشرب الدَّواءِ الكريه، ورضا الصَّائم فى اليوم الشديد الحرّ بما يناله من أَلم الجوع والظمإِ.
وطريق الرِّضا طريق مختصرة قريبة جدًّا موصلة إِلى أَجلِّ غاية، ولكنَّ فيها مشقة، ومع ذلك فليست مشقَّتها بأَصعب من مشقَّة طريق المجاهدة، ولا فيها من المفاوز والعَقَبات ما فيها، وإِنما عقبتها همّة عالية ونفس زكيّة، وتوطين النفس على كلِّ ما يَرِدُ عليها من الله، ويسهِّل ذلك على العبد علمُه بضعفه وعجزه، ورحمة ربِّه وبرّه به، فإِذا شهد هذا وهذا ولم يطرح نفسه بين يديه، ويرض به وعنه، وينْجَذِبْ دواعى حبّة ورضاه كلّها إِليه، فنفسه نفس مطرودة عن الله، بعيدة عنه، غير مؤَهَّلة لقربه وموالاته، أَو نفس ممتحنَة مبتلاة بأَصنافِ البلايا والمحن. فطريق الرضا والمحبّة تُسيِّر العبد وهو مستلْقٍ على فراشه، فيصبح أَمام الرّكب بمراحل. وثمرة الرّضا الفرح والسّرور بالله تعالى.
وقال الواسطى: استعمل الرضا جهدك، ولا تدع الرّضا يستعملك فتكون محجوبًا بلذَّته ورؤيته عن حقيقته. وهذا الَّذى أَشار إِليه عقبة
стр. 1261
عظيمة عند القوم، ومقطع لهم، فإِن السّكون إِلى الأَحوال والوقوفَ عندها استلذَاذًا ومحبّة حجابٌ بينهم وبين ربهم، وهى عقبى لا يقطعها إِلاَّ أولو العَزائم. ومن كلامه: إِيّاكم واستحلاء الطَّاعات فإِنها سُمُوم قاتلة. فهذا معنى قوله: استعمِلْ الرّضا ولا تَدَع الرّضا يستعملك، أَى لا يكون عملك لأَجل حصول حلاوة الرّضا، بحيث تكون هى الباعثة لك عليه، بل اجعله آلةً لك وسببًا موصّلا إِلى مقصودك ومطلوبك، وهذا لا يختصّ بالرّضا، بل هو عامّ فى جميع الأَحوال والمقامات القلبيّة الَّتى يسكن إِليها القلب.
وسئل أَبو عثمان عن قول النَّبى ﷺ : "أَسأَلُك الرِّضا بعد القضاءِ": فقال: لأَن الرضاء قبل القضاء عزم على الرّضا، والرّضا بعد القضاءِ هو الرضا. وقيل: الرضا: ارتفاع الجَزَع فى أَىِّ حكم كان. وقيل: رفع / الاختيار. وقيل: استقبال الأَحكام بالفرح. وقيل: سكون القلب تحت مجارى الأَحكام. وقيل: نظر العبد إِلى قَدَم اختيار الله تعالى للعبد.
وقيل للحسين بن على رضى الله عنهما: إِن أَبا ذرٍّ يقول: الفقر أَحبُّ إِلىّ من الغنى، والسّقم أَحبُّ إِلىَّ من الصحّة. فقال: رحم الله أَبا ذرٍّ، أَمَّا أَنا فأَقول: من اتَّكل على حسن اختيار الله له لم يُحِبَّ غير ما اختَارَهُ الله له.
стр. 1262
وكتب عمر بن الخطّاب رضى الله عنه إِلى أَبى موسى الأَشعرىِّ: أَمّا بعد، فإِن الخير كلَّه فى الرضا، فإِن استطعت أَن ترضى وإِلاَّ فاصبر.
والرِّضا ثلاثة أَقسام: رضا العوامِّ بما قسمه الله، ورضا الخواصّ بما قدَّره الله وقضاه، ورضا خواصّ الخواصّ به بدلاً عن كلِّ ما سواه. والله أَعلم.
стр. 1263
بصيرة فى الرطب والرعب والرعد
الرَّطْب: ضدّ اليابس، ومن الغُصْنِ والرِّيش وغيره: النَّاعم منه. رَطُب ورَطِبَ - ككرم وسمع - رُطُوبة ورَطابة فهو رَطِيب. والرُطَب - كصُرَد -: نَضِيج البُسْر، واحدته رُطَبة، والجمع أَرطاب، قال تعالى: ﴿وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً﴾ . وأَرطب النَّخلُ: حان أَوان رُطَبه. ورَطَب القومَ ورطَّبهم: أَطعمهم الرُّطَب قال:
توكَّل على الرّحمان فى كل حالةٍ ... ولا تترك الخُلاّن فى كثرة الطَّلبْ
أَلم تر أَنَّ الله قال لمريمٍ ... وهزِّى إِليك الجذع تسَّاقط الرُّطَب
والرّعبُ - بضمّة وبضمتين -: الفزع، وقيل: الانقطاع من امتلاء الخوف. رَعَبَه كمنعه: خوّفه، فهو مرعوب ورَعِيب. وكذا رعَّبه ترعيباً وتَرْعاباً فَرَعَب هو رُعْبًا وارتعب. والتِرْعابة - بالكسر -: الفَرُوقة.
ولتصوّر الامتلاء منه قيل: رعَبت الحوضَ أَى ملأْته، وسيل راعب: يملأُ الوادى. ولتصوُّر الانقطاع قيل: رَعَب السَّنَامَ وغيره: إِذا قطعه، والتِرعيبة - بالكسر -: القطعة منه.
стр. 1264
وجاريةٌ رُعْبوبةٌ ورُعْبوب ورِعْبِيب: شَِطْبة تارَّة، أَو بيضاءُ حسنة رَطْبة حُلْوةٌ ناعمة.
والرّعد: صوت السّحاب، أَو صوت مَلَك يسوق السَّحاب. وقد رَعَدَت السماءُ وبَرَقَت، وأَرْعدت وأَبرقت. ويكنى بهما عن التهدُّد. وقولهم: صَلَفٌ تحت رَاعِدَة، يقولون ذلك لمن يقول ولا يحقِّق.
стр. 1265
بصيرة فى الرعن والرغبة والرغد والرغم
الرُّعونة: الحمق. والأَرعن: الأَهوج فى منطقه، الأَحمق المسترخى. وقد رَعَنَ - مثلثة العين - رُعُونة ورَعَانة ورَعَنًا.
وقوله تعالى: ﴿لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾ كان ذلك قولاً كانوا يقولونه للنبىِّ صلَّى الله وعليه وسلَّم تهكُّمًا، يقصدون به رميه بالرُّعونة، ويُوهمون أَنَّهم يقولون: راعنا أَى احفظنا، من قولهم: رعن رعونة: حَمُِق.
والرَّعْناءُ: المرأَة المغنِّجة فى مشيها وكلامها، واسم للبصرة لما فى هوائها من تكسّر وتغيُّر. قال:
لولا ابن عُتبة عمرو والرَّجاء له ... ما كانت البصرة الرَّعناءُ لى وَطَنَا
والرِّعْى - بالكسر -: الكلأُ، والجمع أَرْعاء. والرَّعْى المصدر. وهو فى الأصل حفظ الحيوان إِمّا بغِذائه الحافظ لحياته، أَو بذَبّ العدوّ عنه. رَعَيْتُهُ أَى حفظته. وأَرعيته: جعلت له ما يَرْعى. والمرْعَى: الرِّعْى، والمصْدر، والموضع كالمَرْعاة. والرَّاعى: كلُّ مَن وَلِىَ أَمر قوم، والجمع رُعاة ورُعْيان ورُعاء ورِعاء، قَال تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أَى ما حافظوا عليها حقَّ المحافظة، فيسمَّى كُلّ سائس لنفسه أَو لغيره راعياً.
следующие страницы →