Полный текст (2 804 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
وقولُه: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أَى يسمعون منك لأَجل أَن يكذِبوا، ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أَى يسمعون لمكانهم.
والاستماع: الإِصغاء. وقوله: ﴿أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار﴾ أَى مَن الموجِد لأَسماعهم وأَبصارهم، والمتولِّى بحفظها. والمسْمَع والمِسْمع: خَرْق الأُذُن. وفى دعاءِ النبىّ ﷺ : يامن لا يشغله سمعٌ عن سمع، ويامَن لا تغلِّطه المسائل، ويامن لا يُبرمه إِلحاح الملحّين، ارزقنى بَرْد عفوك، وحلاوة رحمتك، ورَوْح قربك. وقال الشاعر:
لو يسمعون كما سمعتُ كلامها ... خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وسجودًا
وقد ورد السّمع فى التنزيل على وجوه:
الأَوّل: بمعنى الإِفهام: ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى﴾ أَى لا تفهمهم.
الثانى: بمعنى إِجابة الدّعاءِ: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدعآء﴾ .
الثالث: بمعنى فهم القلب: ﴿أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ، ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ﴾ أَى سَمْعِ الفؤاد، ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أَى سمعنا بقلوبنا، وأَطعنا بجوارحنا.
стр. 1437
الرّابع: بمعنى سماع جارحة الأُذُن: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ ، ﴿نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ ، ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أَى سمعنا بالآذان، وعصينا بالجَنَان.
الخامس: بمعنى سَمْع الحقّ تعالى المنزّه عن الجارحة والآلة، المقدّس عن الصِّماخ والمَحارة: ﴿وَكَانَ الله سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ، ﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ، ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ .
وقد يكون السميع بمعنى المُسمِع، قال عمرو بن مَعْدِ يكَرِبَ رضى الله عنه:
أَمِن رَيْحانَةَ الداعى السميعُ ... يؤرِّقنى وأَصاحبى هُجُوعُ
стр. 1438
بصيرة فى سمك وسمن
السَّمْك: سَمْك البيت. وقد سَمَكه أَى رَفَعَهُ، وقيل للسّماوات: المسموكاتُ. وفى حديث علىّ رضى الله عنه: "وبارىء المسموكات" أَى السماوات السّبع. والسّامِك: العالى المرتفع.
وفى حديث ابن عمر "أَنَّه نظر فإِذا هو بالسِّماك، فقال: قد دنا طلوعُ الفجر، فأَوْتَرَ بركعة". السِّمَاك: نجم فى السّماء معروف: وهما سماكان: رامح وأَعزل. والرّامح لا نوء له، وهو إِلى جهة الشَّمال. والأَعزل من كواكب الأَنواءِ، وهو إِلى جهة الجنوب، وهما فى بُرْج الميزان. وطلوع السِّمَاك الأَعزل مع الفجر يكون فى التشرين الأَوّل.
والسِّمَن: ضدّ الهُزَال. وهو سَمِينٌ من سِمَان. وأَسْمَنْتُه وسمَّنته: جعلته سَمِينًا. وأَسمنته: اشتريته سمينًا أَو أَعطيته كذا. واسْتَسْمَنْتُه: وجدته سَمِينًا.
السُّمْنة: دواءُ السِّمَن.
стр. 1439
بصيرة فى السماء
وهو/ أَعلى كلّ شىء، وكلُّ سماء بالإِضافة إِلى ما دونها فسماءٌ، وبالإِضافة إِلى ما فوقها فأَرض، إِلاَّ السّماء العُلْيا، فإِنَّها سماءٌ بلا أَرض. وحُمل على هذا قوله تعالى: ﴿الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ﴾ وسُمّى المَطَر سماء لخروجه منها. وقيل: إِنَّما سمّى سماءً ما لم يقع بالأَرض اعتبارًا بما تقدّم. وسُمّى النَّبَات سماءً إِمّا لكونه من المطر الَّذِى هو سماءِ، وإِمّا لارتفاعه عن الأَرض.
والسّماءُ المقابلة للأَرض مؤنث، وقد يذكَّر. ويستعمل للواحد والجمع كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء فَسَوَّاهُنَّ﴾ . وقد يقال فى جمعها: سماوات. وقال: ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ ، وقال: ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ ، ووجه ذلك أَنَّه كالنَّخل والشَّجر وما يجرى مجراهما من أَسماءِ الأَجناس الَّتى تذكّر وتؤنَّث وبخبر عنه بلفظ الواحد والجمع. والسّماء الَّذِى هو المطر مذكّر، ويجمع على أَسْمِيَة وسُمِىَ. وفى الحديث: "صلَّى بنا فى
стр. 1440
إِثْر سماءِ من الليل أَى مطر". ويقال: ما زلنا نطأُ السّماءَ حتى أَتيناكم، أَى المطر. قال:
فإِنّ سماءَنا لمّا تجلّت ... خلالَ نجومها حتى الصباحِ
رياض بَنَفْسَجٍ خَضِلٍ نَداه ... تفتَّح بينها نَوْر الأَقاحى
وقال:
أَردّد عينى فى النجوم كأَنَّها ... دنانير لكنَّ السّماءَ زبرجد
وخِلْتُ بها والصّبح ما حان وردُه ... قناديل والخضراء صرْح ممرّد
وهو من مسمَّى قومِه: خيارهم. وتسامَوا على الخيل، ركبوا. وأَسميته من بلد: أَشخصته. وهم يَسْمُون على المائةِ: يزيدون. ما سمَوت لكم: لم أَنهض لقتالكم.
وقد ورد السّماء فى القرآن على وجوه:
الأَوّل: بمعنى سقْف البيت: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السمآء﴾ : إِلى السّقف.
الثَّانى: بمعنى السّحاب: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً﴾ أَى من السّحاب.
الثالث: بمعنى المطر: ﴿يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾ أَى المطر.
стр. 1441
الرابع: بمعنى سماءِ الجَنَّة وأَرضها: ﴿وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِي الجنة خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ ، وفى الحديث: "أَرض الجنة من ذهب وسماؤها عرش الرّحمن".
الخامس: بمعنى سماءِ جهنَّم: ﴿فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار﴾ إِلى قوله ﴿مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ .
السادس: بمعنى المقابل للأَرض: ﴿والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ﴾ ، ﴿أَفَلَمْ ينظروا إِلَى السمآء فَوْقَهُمْ﴾ ، ﴿لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ ، ﴿فَاطِرِ السماوات﴾ ، ونظائرها كثيرة.
والسَّماوة: الشَّخص العالى. وسَما لى شخصٌ؛ وسما الفحل على الشُّوَّل سماوة لتجلّلها.
والاسم: ما يعرف به ذات الأَصل. وأَصله سُِمْوٌ بدليل قولهم: أَسماءٌ وسُمِىّ. وأَصله من السّمُوّ، وهو الَّذِى به رَفْع ذكر المسمّى فيُعرف به.
стр. 1442
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَءَادَمَ الأسمآء كُلَّهَا﴾ أَى الأَلفاظ والمعانى، مفرداتِها ومركّباتها. وبيان أَنَّ الاسم يستعمل على ضربين:
أَحدهما: بحسب الوضع الاصطلاحىّ، وذلك هو فى المخبَر عنه، نحو: رجل، وفرس.
والثانى: بحسب الوضع الأَوّلىّ، ويقال ذلك للأَنواع الثلاثة: المخبَر عنه، والمخبَر به، والرّابط بينهما المسمّى بالحرف، وهذا هو المراد بالآية؛ لأَنَّ آدم ﵇ كما عُلِّم الاسم عُلّم الفعل والحرف. ولا يعرف الإِنسان الاسم فيكون عارفًا مسمّاه إِذا عُرض عليه المسمّى إِلاَّ إِذا عَرَف ذاته، أَلا ترى أَنَّا لو علمنا أَسامى أَشياء بالهنديّة أَو الرّوميّة لم نعرف صورة ما له تلك الأَسماءُ المجرّدة، بل كنَّا عارفين بأَصواتٍ مجرَّدة. / فثبت أَنَّ معرفة الأَسماء لا تحصل إِلاَّ بمعرفة المسمّى، وحصول صورته فى الضمير. فإِذًا المراد بقوله: ﴿وَعَلَّمَءَادَمَ الأسمآء كُلَّهَا﴾ الأَنواع الثلاثة من الكلام وصورة المسّميات فى ذواتها.
وقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ﴾ معناه: أَن الأَسماءَ التى تذكرونها ليس لها مسمّيات، وإِنَّما هى أَسماء على غير مسمَّى، إِذ كان حقيقة ما يعتقدون فى الأَسماءِ بحسب تلك الأَسماء غير موجود فيها.
стр. 1443
وقولُه: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ ، فليس المراد أَن يذكروا أَساميها نحو الَّلات والعزَّى، وإِنما أَظْهِروا تحقيق ما تدْعونه آلهة، وأَنه هل يوجد معانى تلك الأَسماء فيها. ولهذا قال بعد: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأرض أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول﴾ .
وقولُه: ﴿تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ﴾ أَى البركة والنعمة الفائضة فى صفاته إِذا اعتبرت، وذلك نحو الكريم، العليم، البارىء، الرحمان، الرحيم.
وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أَى نظيرًا له يستحقّ اسمَه، وموصوفاً يستحقّ صفته، على التحقيق. وليس المعنى: هل تجد من يتسمّى باسمه؛ إِذ كان كثير من أَسمائه قد يُطلق على غيره، لكن ليس معناه إِذا استعمل فيه كان معناه إِذا استعمل فى غيره. والله أَعلم.
стр. 1444
بصيرة فى السنن
قد تكرّر فى التنزيل وفى الحديث ذكرُ السُنَّة وما يتصرّف منها. والأَصل فيها الطريقة والسيرة، ومنه قوله ﷺ : "مَنْ سَنَّ سُنَّة حَسَنَة" أَى طَرَّق طريقة حَسَنة. وإِذا أُطلقت فى الشرع فإِنما يراد بها ما أَمر النبى ﷺ به أَو نهى عنه أَو نَدَبَ إِليه، قولا وفعلا، ممّا لم ينطق به الكلامُ العزيز. ولهذا يقال: أَدلَّة الشرع الكتاب والسنَّة، أَى القرآن والحديث. وفلان متسنِّن، أَى عامل بالسنَّة.
وسُنَّة النبىّ ﷺ : طريقته التى كان يتحرّاها. وسنَّة الله قد يقال لطريقة حكمته، وطريق طاعته. وقوله تعالى: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلاً﴾ ، تنبيه أَنَّ فروع الشرائع وإِن اختلفت صُوَرها، فالغرض المقصود منها لا يختلف ولا يتبدّل، وهو تطهير النفس وترشيحها للوصول إِلى ثواب الله تعالى ومرضاته وجِواره.
وفى الحديث: "إِنَّما أُنَسَّى لأَِسُنّ"، أَى إِنَّما أُدفع إِلى النسيان لأَسوق النَّاس بالهداية إِلى الطَّريق المستقيم، وأُبيّن لهم ما يحتاجون إِليه أَن يفعلوا
стр. 1445
إِذا عَرَضَ لهم النسيان. ويجوز أَن يكون من سنَنْت الإِبلَ إِذا أَحسنتَ رِعْيتها والقيامَ عليها. وفى حديث المجوس: "سُنّوا بهم سُنَّة أَهل الكتاب" أَى خذوهم على طريقتهم، وأَجروهم فى قبول الجزية مُجراهم.
واستنَّ الفرسُ، وهو عَدْوه إِقبالا وإِدبارًا فى نشاطٍ وزَعَل.
وسَنّ الماءَ على وجهه: صبّه صبًّا سهلا. وسنّ الحدِيدة: حدّدها. وسِنَانٌ مسنونٌ وسَنِينٌ. وسَنَّ سِكِّينَه بالمِسَنّ [والسِّنان] قال:
وزُرْقٍ كسَتهنّ الأَسِنَّةُ هَبْوةً ... أَرَقُّ من الماءِ الزُلاَل كليلُها
وأَسْنَنْت الرمحَ: جعلت له سِناناً.
وقوله تعالى: ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ قيل: متغيّر/. ومسنون الوجه: مخروطه. و ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ : لم يتغيّر، والهاء للاستراحة.
والسِّنّ معروف، وجمعه: أَسنانٌ. وسانّ البعيرُ النَّاقة: عارضها حتى أَبركها.
والسَّنّ أَيضاً الرَّعْى. وفى الحديث: "أَعطوا السِنّ - أَى أعطُوا ذوات السنّ - حَظَّها من السَنّ" وهو الرّعى.
стр. 1446
بصيرة فى سنم وسنا وسنه وسهر وسهل وسهم وسهو
التَّسْنيم: عين فى الجنّة، قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ، وفسّر بقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا المقربون﴾ .
والسَّنا: الضوء السّاطع. والسَّناء - بالمد -: الرِّفعة. والسانِيَة: الَّتى يُستقَى بها، وهى الغَرْب مع أَداته، والبعير الَّذِى يُسْنَى عليه: سانية أيضًا. وسَنَوْت الماءَ سِنَاية.
والسَّنَةُ [فى] أَصلها طريقان: أَحدهما: أَنَّ أَصلها سَنَهة لقولهم: سانَهْتُه مسانهة، أَى عاملته سنة فسنة، [قيل: ومنه ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أَى لم يتغيّر بمرّ السنين عليه ولم تذهب طراوته] ، وقيل: أَصله من الواو لقولهم فى الجمع: سَنَوات. ومنه سانيت والهاءُ للوقف.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بالسنين﴾ عبارة عن الجَذْب. وأَكثر ما يستعمل السَّنة فى الحول الَّذى فيه الجدْب. وأَسنتوا: أَصابتهم السَّنة.
والسِّنة يذكر فى محله من وَسن.
стр. 1447
والسّاهِرَة: وجه الأَرض. وقيل: أَرض بيتِ المقدس. وقيل: أَرض القيامة. وحقيقتها: الَّتى يَكثر الوطءُ بها؛ كأَنَّها سَهرَت من ذلك.
والسَّهل: ضِدّ الحَزْن. وأَسْهَلَ: دخله.
والسّهم: ما يُرْمَى به، وما يُضرب من القِداح، قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المدحضين﴾ . واسْتَهَمُوا: اقترعوا.
وبُرْدٌ مُسَهَّم: مخطَّط بصورة السِّهَام.
والسّهو: خطأ عن غفلة. وهو ضربان:
أَحدهما: أَلاَّ يكون من الإِنسان جوالبُه ومولِّداته؛ كمجنونٍ سَبّ إِنسانًَا.
والثَّانى: أَن يكون منه مولِّداته؛ كمن شرب خمرًا ثم ظهر منه منكَر، لا عن قصد إِلى فعله. والأَوّل معفوّ عنه، والثَّانى مأْخوذ به. وعلى نحو الثانى ذمّ [الله] تعالى [فقال] : ﴿فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ ، وقال: ﴿هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ .
وهو يُساهى أَصحابَه: يخالِفُهم ويُحْسن عشرتهم.
وبَغْلَةٌ سَهْوة: سهلة السَّير.
стр. 1448
بصيرة فى سيب وسيح وسير وسود وسور
السّائبة: الَّتى تُسيِّب فى المَرْعَى، فلا تُرَدّ عن حَوْضٍ ولا عَلَف، وذلك إِذا وَلَدَت خمسة أَبطن. وانسابت الحَيّة انسيابًا. والسَّائِبة أَيضًا: العبد يَعْتِق، ولا يكون وَلاؤه لمُعتِقه، ويضع مالَه حيث شاءَ، وهو الَّذى ورد النهى عنه.
وساب الماءُ يَسِيب سَيْبًا: جرى. وهذا سَيْبه: مَجراه، أَصله من سيَّبته فساب. وساب فى منطقه: أَفاض فيه بغير رَوِيَّةٍ. وفاض سَيْبُه على النَّاس: عطاؤه.
والسّاحة: المكان المتَّسع: والسّائح: الماءُ الدّائم الجَرْى، وساح سَيْحًا. وساح الرّجلُ سِيَاحة، ورجل سائح وسَيَّاح، قال تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأرض﴾ . وشُبّه الصّائم به فقيل له: سائِح. قال أَبو طالب:
وبالسائحين لا يَذُوقون قَطْرَةً ... لربِّهمُ والراتِكاتِ/ العواملِ
وقوله: و ﴿السائحون﴾ ، أَى الصائمون، وقوله: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ ، أَى صائمات.
стр. 1449
وقال بعضهم: الصّوم ضربان: حقيقىٌّ وهو ترك المَطْعَم والمنكح؛ وصوم حكمىّ. وهو حفظ الجوارح من المعاصى، كالسمع والبصر واللسان. والسّائِح: الَّذى يصوم هذا الصّومَ دون الأَوّل. وقيل: السّائحون: هم الَّذين يتحَرّون ما اقتضاه قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ﴾ .
والسَّواد: ضدّ البياض. وقد اسودّ واسوادّ، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ . وابيضاض الوجوه عبارة عن المسرّة، واسودادُها عن المساءَة. وحَمَل بعضهم كليهما على المحسوس، والأَوّل أَوْلَى؛ لأَن ذلك حالهم سودًا كانوا أَو بيضاً، (وعلى ذلك) قوله تعالى فى البياض: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ ، وفى السّواد: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً﴾ ، وعلى هذا النحو: "أُمّتى الغُرّ المحجَّلون من آثار الوضوءِ يوم القيامة".
ويعبّر بالسّواد عن الشخص المترائى من بُعْد، وعن الجماع الكثيرة. [والسيّد: المتولىِّ للسواد، أَى الجماعة الكثيرة] ، وينسب إِلى ذلك
стр. 1450
فيقال: سيّد القوم، ولا يقال: سيّد النبات، وسيّد الخيل. وساد القومَ يَسُودهم. ولمّا كان من شرط المتوَلِّى للجماعة أَن يكون مهذَّب النَّفْس قيل لكل من كان فاضلا فى نفسه: سيّد، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ . وسُمّى الزَّوج سيّدًا لسياسة زوجته. وقوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ ، أَى وُلاتنا وسائسينا.
والسَّوْر: الوثوب، سار عليه: وثب. وساوره. وله سَوْرة فى الحرب، و [هو] ذو سَوْرة فيها. وتسوّرت إِليه الحائط. وسُرْته إِليه، قال:
سُرْتُ إِليه فى أَعالى السُور
وجلسوا على المساور، أَى الوسائد. وهو سَوَّار فى الشَّراب: مُعَربدِ. وله، سُوْرة فى المجد: رِفعة. وله سُوْرة عليك: فَضْلٌ ومنزلة. قال:
فما من فتًى إِلا له فضل سُوْرةٍ ... عليك وإِلا أَنت فى اللؤم غالبهُ
وعنده سُورٌ من الإِبل: كِرام فاضلة. ومَلِكٌ مُسَوَّر: مملَّك، قال:
وإِنِّىَ من قيسٍ وقيسٌ هم الذُرَا ... إِذا ركبت فُرْسانُها فى السّنَوَّرِ
جيوش أَمير المؤمنين التى بها ... يُقوَّم رأْسُ المَرْزُبان المسوَّرِ
стр. 1451
وهو إَِسوارٌ من الأَساورة، أَى رَامٍ حاذق، وأَصله أَساوِرة الْفُرْس: قُوّادها، وكانوا رُمَاة الحَدَق، وقيل: فارسىّ معرّب.
وسِوار المرأَة أَصله دِسْتِواره، وكيفما كان فقد استعملته العرب. واشتقّ منه سوَّرت الجاريَةَ. وجارية مُسوَّرة ومُخَلْخَلَة.
وسُور المدينة: حائطها المشتمل عليه، قال تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ . وسُورة القرآن تشبيهًا به، لكونها محيطة بآيات وأَحكام إِحاطة السّور بالمدينة قال:
ولو نَزَلَتْ بعد النبيِّين سُورةٌ ... إِذًا نزلت فى مدحكم سُوَرات
ومن قال: سؤرة بالهمز فمِن أَسأَرت الشراب، أَى أَبقيت منها بقِيَّة، كأَنَّها قطعة مفردة من جملة القرآن.
وقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ ، أَى جملة من الحُكْم والحِكَم.
стр. 1452
بصيرة فى سوط وسوع
ضَرَبَهُ سَوْطًا وأَسواطًا. وسُطْت الدّابّة / وسِيطَت تُساط، [قال] :
فصَوَّبْتُه كأَنّه صَوْبُ غَبْيةٍ ... على الأَمعز الضاحى إِذا سِيطَ أَحْضَرا
قوله: وساط الهَرِيسةَ بالمِسْوَط والمِسواط وسوَّطها. فالسّوط أَصله الخَلْط لكونه مخلوطاً بِطاقات بعضُها من بعض.
وقوله تعالى: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ تشبيهًا بما يكون فى الدّنيا من العذاب بالسّوط، أَو إِشارةً إِلى ما خُلِط لهم من العذاب المشار إِليه بقوله: ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ .
стр. 1453
السّاعة جزءٌ من أَجزاءِ الزَّمان والأَيّام. وناقةٌ مِسْياع - كمصباح _: تدع ولدها حتى تأْكله السّباع. وساعةٌ سَوْعاءُ، كليلة ليلاء. وعاملتُه مُساوَعة. وضائعٌ سائع إِتباع.
ويعبّر بالسّاعة عن القيامة تشبيهًا بذلك لسرعة حسابه، كما قال: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين﴾ . أَو لما نبّه عليه بقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ، فالأَولَى: القيامة، والثانية: الوقت اليسير، وقيل: السّاعات التى هى القيامة ثلاث ساعات: الكبرى وهى البَعْث للحساب، ومنه الحديث: "لا تقوم السّاعة حتى يظهر الفحش، وحتى يُعبد الدّرهم والدينار"، وذكر أُمورا لم تحدث فى زمانه ولا بعده. والسّاعة الوُسْطَى، وهى موت أَهل القَرْن الواحد، وذلك نحو ما رُوِىَ أَنَّه رأَى ﷺ عبد الله بن أُنَيْسٍ فقال: "إِنْ يَطُلْ عمرُ هذا الغلام لم يمت حتى تقوم السّاعة"، فقيل إِنَّه كان آخر من مات من الصّحابة، رضى الله عنهم. والسّاعة الصّغرى، وهى موت الإِنسان، فساعةُ كلّ إِنسان موته، وهى المشار إِليها بقوله: ﴿حتى إِذَا جَآءَتْهُمُ الساعة بَغْتَةً قَالُواْ ياحسرتنا﴾
стр. 1454
ومعلوم أَنَّ هذه الحسرة تنال الإِنسان عند موته، كقوله: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ إِلى قوله: ﴿لولا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ . وروى: [أَنه] كان إِذا هبّت ريحٌ شديدة تغيّر لَوْنُهُ ﷺ وقال تخوّفت السّاعة. وقال: "ما أمُدّ طَرْفى ولا أغضُّها إِلاَّ وأَظنّ السّاعة قد قامت" يعنى موته ﷺ .
стр. 1455
بصيرة فى ساغ وسوف وسوق
ساغ الشَّرابُ يَسُوغُ سَوْغًا وسَوَاغًا: سَهُل مَدْخلُه فى الحَلْق، قال تعالى: ﴿سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ . قال:
فساغَ لِىَ الشرابُ وكنت قَبْلاً ... أَكاد أَغَصُّ بالماءِ الحميمِ
الحميم: الماءُ البارد. ويقال أَيضًا: سُغْته أَسُوغه، وسِغْته أَسِيغة، يتعدّى ولا يتعدّى. والسِّواغ بالكسر: ما أَسَغْتَ به غُصّتك، قال الكُمَيْت:
وكانت سِوَاغًا إِن جَئزْتُ بغُصَّةٍ ... يضيق بها ذرعًا سِواهم طبيبها
يَقول: إِن كنت غصِصتُ بشىء أَو همَّنى شىء كانوا هم الَّذين يدفعونه فقد أُتيتُ من قِبَلهم. وأَسِغْ لى غُصّتى، أَى أَمهلنى ولا تُعجلنى. قال: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ . وسوَّغت له كذا: أَعطيته إِيّاه.
وسوف: كلمة تنفيس فيما لم يكن بعد؛ أَلا ترى أَنَّك تقول: سوّفته إِذا قلت له: مرّة بعد مرّة: سوف أَفعل. ولا يُفصل بينها وبين الفعل؛ لأَنَّها
стр. 1456
بمنزلة السّين من سيفعل. وسَفْ أَفعل، وسَوْ أَفعل لغتان فى سوف أَفعل.
وقال ابن دريد: سوف كلمة تستعمل فى التَّهويل، والوعيد، والوعد. فإِذا شئت أَن تجعلها اسما أَدخلتها التنوين، وأَنشد:
إِنّ سَوْفًا وإِنّ لَيْتًا عناءُ
ويروى/:
إِنّ لوَّا وإِن ليتًا عناءُ
فنوّن إِذ جعلهما اسمين. انتهى. والشِّعر لحَرْملة بن المنذر الطَّائىّ، وسياقه:
ليت شعرى وأَين مِنِّىَ ليتٌ ... إِنّ لَيْتًا وإِنَّ لوًّا عناء
وليس فى روايةٍ إِن سَوْفاً.
وقيل لأَبى الدُّقَيش: هل لك فى الرُّطَب؟ قال: أَسْرَعُ هَلٍّ، فجعله اسما ونوّنه.
وساق النَعَمَ سَوْقًا فانساقت. وأَساقه إِبلاً: أَعطاها إِيّاه، قال الكُمَيْت:
ومُقِلّ أَسَقْتموهُ فأَثْرَى ... مائةً من عطائكم جُرْجورا
وهو من السُّوقة والسُّوَق، وهم غير الملوك.
стр. 1457
وسُقْت مَهْرَ المرأَة إِليها. وذلك أَنَّ مهرهم كانت الإِبل.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ المساق﴾ ، نحو قوله: ﴿وَأَنَّ إلى رَبِّكَ المنتهى﴾ . ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ، أَى مَلَك يسوقه وآخر يشهد له أَو عليه، وقيل: هو كقوله: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت﴾ .
﴿والتفت الساق بالساق﴾ ، قيل: عنى التفاف السّاقين عند الموت وخروج الرّوح، وقيل: التفافهما عندما يُلفَّان فى الكَفَن، وقيل: هو أَن يموت فلا يحملانه، بعد أَن كانتا تَقِلاَّنه، وقيل: أَراد التفاف البليّة بالبليّة.
[وقال بعضهم فى] : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ : إِنه إشارة إِلى شدّة. وهو أَن يموت الولد فى بطن النَّاقة فيُدخل المذمِّر يده فى رَحِمها فيأْخذ بساقه فيخرجه يَتَنًا، فهذا هو الكشف عن الساق، فجُعل لكلّ أَمر فظيع.
стр. 1458
وقوله تعالى: ﴿فاستوى على سُوقِهِ﴾ ، قيل: هو جمع ساق، نحو لابة ولُوب، وقارة وقُور. ورجل أَسْوَقُ، وامرأَة سَوْقاء: بيِّن السَّوَق: عظيم السّاق. والسُوق م والجمع: أَسواقٌ.
والوَسِيقة والسَّيِّقة: الطريدة الَّتى يطرُدها من إِبل الحىّ. قال:
وما النَّاس إِلاَّ مثلُ سَيِّقة العِدا ... إِن استقدمَت نَحْرٌ وإِن جَبأْت عَقْر
جَبأَت: خَنَست، وجَبأَت: توارت، وجَبأَت عينى عنه: نَبَت. والمرءُ سيِّقة القَدَر: يسوقه إِلى ما قُدّر له. قال:
وما النَّاس فى شىء من الدّهر والمُنَى ... وما الناس إِلاَّ سَيِّقات المقادرِ
стр. 1459
بصيرة فى سول وسيل وسوم
السُّول: الحاجة الَّتى تحرص عليها النَّفس، قال تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى﴾ .
والتَّسويل: تزيين النَّفْس لما تحرص عليه، وتصوير القبيح منه بصورة الحَسَن، ﴿الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ﴾ . وقيل: السُّول فى معنى الأُمنيّة، غير أَنَّ الأُمنيّة فيما قُدّرَ، والسول فيما طُلِب.
وسال الشىء يَسِيلُ: جَرَى. وأَساله: أَجراه، قال تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر﴾ : أَذبناه له. والإِسالة فى الحقيقة حالة فى القِطْر تحصل بعد الإِذابة.
والسَّيْل: أَصله مصدر، وجُعل اسما للماءِ الذى يأْتيك ولم يُصبك مَطره.
والسَّوْم: أَصله الذهابُ فى ابتغاءِ الشىء، فهو لمعنى مركّب من الذهاب والابتغاءِ للشىء، فأُجرِى مُجرى الذهاب فى قولهم: سامت الإِبلُ فهى سائِمة، ومُجرى الابتغاء فى قولهم: سُمْته كذا، قال الله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب﴾ . وقيل: سِيم الخسفَ فهو يُسام الخسْفَ. ومنه السّوم فى
стр. 1460
البيع، فقيل: صاحب السِّلعة أَحقّ بالسَّوم. وقيل: سُمْت الإِبلَ فى المَرْعى، وأَسَمْتها وسوّمتها. قال تعالى: / ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ .
والسِّيمَى والسيماءُ والسّيمِياءُ: العلامة، وقد سوّمته أَى أَعلمته. وقوله تعالى: ﴿مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر الواو أَى مُعْلِمين لأَنفسهم أَو لخيولهم، أَو مرسِلين [لها] ، لما فى الحديث: "تَسوَّموا فإِنَّ الملائكة قد تسوّمت".
стр. 1461
بصيرة فى سام وسين وسوى
السآمة: المَلالَةُ ممّا يطول لُبثه، فِعْلا كان أَو انفعالا، قال تعالى: ﴿لاَّ يَسْأَمُ الإنسان مِن دُعَآءِ الخير﴾ .
﴿مِن طُورِ سَيْنَآءَ﴾ قرىء بفتح السّين وكسرها. والأَلف في (سَيْنَاءَ) بالفتح ليس إِلاَّ للتأْنيث، لأَنَّه ليس فى كلامهم فَعلال. وفى (سِيْنَاءَ) بالكسر يصحّ [أَن تكون] الأَلف فيه كالأَلف فى عِلباءَ وحِرْباء، [وأَن تكون الأَلف للإِلحاق بسِرواحٍ] . وقيل طور سينين.
والمساواة: المعادلة. واستوَى الشيئان، وتساويا، وساوَى أَحدهما صاحبه. وساوَى بين الشيئين، وسوَّى بينهما، وساويت هذا بهذا وسوّيته به. قال الرّاعى:
بجُرْدٍ عليهنّ الأجلَّةُ سُوِّت ... بضيف الشتاءِ والبنينَ الأَصاغرِ
стр. 1462
أَى يصونها صيانة الضيوف والأَطفال. وسوَّيتُ المعوجّ فاستوَى.
واستوى يقال على وجهين:
أَحدهما: يُسند إِلى فاعلَين فصاعدًا، نحو استوَى زيدٌ وعمرو فى كذا، أَى تساويا.
والثَّانى: أَن يقال لاعتدال الشىء فى ذاته، نحو قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فاستوى﴾ .
ومتى عُدِّى بعلى اقتضى معنى الاستيلاءِ نحو: ﴿الرحمان عَلَى العرش استوى﴾ ، وقيل: استوى له ما فى السّماوات وما فى الأَرض بتسويته تعالى إِيّاه، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء فَسَوَّاهُنَّ﴾ . وقيل معناه: استوى كلّ شىء فى النسبة إِليه، فلا شىء أَقرب إِليه من شىء؛ إِذْ كان تعالى ليس كالأَجسام الحالَّة فى مكان دون مكان. وإِذا عدّى بإِلى اقتضى معنى الانتهاء إِليه، إِمّا بالذَّات، وإِمّا فى الرّفعة، أَو فى الصّفة.
وقوله: ﴿خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ ، أَى جعل خَلْقَك على ما اقتضت الحكمةُ. وقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ إِشارة إِلى القُوَى التى جعلها مقوّية للنفْسِ فنَسب الفعل إِليه، ولا شك أَنَّ الفعل كما يصحّ أَن ينسب إِلى الفاعل يصحّ أَن ينسب إِلى الآلة وسائر ما تفتقر إِليه؛ نحو سيف قاطع.
стр. 1463
وهذا الوجه أَولَى من قول من قال: أَراد ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ يعنى الله تعالى، فإِنَّ (ما) لا يعبَّر به عن الله تعالى؛ إِذ هو موضوع للجنس ولم يَرِدْ به سَمْع يصحّ.
وقوله: ﴿الذي خَلَقَ فسوى﴾ فالفعل منسوب إِلى الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ ، فتسويتها تتضمّن بناءها وتزيينها المذكور فى قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السمآء الدنيا﴾ .
والسّوىّ يقال فيما يُصان عن الإِفراط والتَّفريط، من حيث العددُ والكيفيّة. ورجل سوِىٌّ: استوى أَخلاقُه وخَلِيقته عن الإِفراط والتفريط. وقوله: ﴿قَادِرِينَ على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ، قيل: يجعل كفّه كخُف الجَمَل لا أَصابع له، وقيل: بل يجعل أَصابعه كلها على قَدْر واحد، حتى لا ينتفع بها، وذلك أَنَّ الحكمة فى كون الأَصابع متفاوتة فى القَدْر والهيئة ظاهرة؛ إِذْ كان تعاونها على القبض أَن تكون كذلك.
وقوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ أَى سوّى بلادهم بالأَرض، نحو: ﴿خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾ . وقيل: سوّى بلادهم بهم، نحو قوله: ﴿لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض﴾ ، وذلك إِشارة إِلى ما قال عن الكفار: ﴿وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً﴾ .
стр. 1464
ومكان سُوًى وسَوَاءُ: وَسَط. وقيل: سواءٌ، وسِوًى، وسُوًى، أَى يستوى طرفاه. ويستعمل ذلك وصفًا وظرفًا، وأَصل ذلك مصدر.
وقوله: ﴿فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ ، أَى عَدْلٍ من الحُكْم. وقوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا﴾ أَى يستوى الأَمران فى أَنهما لا يُغنيان.
وقد يستعمل سِوًى وسواءٌ بمعنى غير، قال:
فلم يَبقَ منها سِوَى هامدٍ
وقال:
وما قَصَدتْ من أَهلها لِسَوائكا
وعندى رجلٌ سِواكَ، أَى مكانك وبدَلُك.
والسِّىّ: المُساوِى، مثل عِدْل ومُعادل، تقول: سِيّانٍ زيدٌ وعمرو. وأَسْواءٌ: جمع سِىّ، مثل نِقْض وأَنقاض، يقال قوم أَسواءٌ، أَى مستوون. والمساواة متعارَفة فى المُثْمَنَات، يقال: هذا الثَّوب يساوى كذا، وأَصله من ساواه فى القَدْر.
стр. 1465
بصيرة فى السوء
وهو كلّ ما يَغُمّ الإِنسان من أُمور الدّارَين، ومن الأَحوال النفسيّة والبَدَنيّة والخارجة: من فوات مال، وفَقْد حميم.
وقوله تعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء﴾ أَى غير آفة بها. وفُسّر بالبَرَص، وذلك بعض الآفات التى تعرض لليد.
وعُبّر بالسُوءَى عن كلّ ما يَقْبُحُ، ولذلك قوبل بالحسنى، قال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الذين أَسَاءُواْ السواءى﴾ ، أَى عاقبة الَّذين أَشركوا النَّار، كما قال: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى﴾ .
والسّيّئة: الفِعلة القبيحة، وهى ضِدّ الحَسَنة، وأَصلها سَيْوئة، فقلبت الواو ياءً ثمّ أُدغمت فقيل سيّىء. وأَفعالٌ سَيّئة. وفلان يُحبط الحسنى بالسُوءَى، وقد ساءَ عمله.
والحَسَنَة والسّيّئة ضربان:
أَحدهما بحسب اعتبار العقل والشَّرع، نحو المذكر فى قوله: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بالسيئة فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا﴾ .
стр. 1466
والثانى: بحسب اعتبار الطبع، وذلك ما يستخفه الطبع وما يستثقله، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هاذه وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ﴾ ، وقوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة﴾ أَى مكان الجَذْب والسَنَة الخِصْبَ والحَيَا. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة﴾ ، أَى يطلبون العذاب. وقولُه: ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء﴾ قرأَ ابن كثير وأَبوا عمرو بالضّمّ، يعنى الهزيمة والشرّ. وقرأَ الباقون بالفتح، وهو من المَسَاءَة، أَى ما يسوءهم فى العاقبة.
وقوله: ﴿سَآءَ مَثَلاً القوم الذين كَذَّبُواْ﴾ ، فساءَ ههنا تجرى مَجْرَى بئْسَ. وقوله: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ﴾ ، نُسِبَ ذلك إِلى الوجه من حيث إِنَّه يبدو فى الوجه أَثَرُ السّرور والغَمّ. وقوله: ﴿سياء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ : حَلّ بهم ما يسوءُهم.
وكُنى عن الفرْج وعن العورة بالسّوءة، قال: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ ، وقال: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ .
واستاءَ من السّوءِ افتعل منه؛ كما تقول من الغم: اغْتَمّ. وفى حديث النبىّ ﷺ أَن رجلا قصّ عليه رُؤيا فاستاءَ لها، ثمَّ قال: "خلافة نبوّة، ثمّ يؤتِى الله المُلْك من يشاءُ".
стр. 1467
الباب الرابع عشر - فى الكلمات المفتتحة بحرف الشين
стр. 1468
بصيرة فى الشين
وترِد على وجوه:
الأَوّل: من حروف الهجاءِ، شَجْرىّ من مَفتح الفم جِوار مخرج الجيم، يذكّر ويؤنّث. شيَّنت شِينًا حَسَنة وحسنًا. وجمعها: أَشيان وشِيَنٌ، وشِينات.
الثَّانى: الشين فى حساب الجُمْل: اسم لعدد الثلاثمائة.
الثالث: الشين الكافية: يختصرون من الشهادة والشراب على الشِّين، كما قال:
سَعِدْتَ شهِدتَ يا مرعى المساعى ... فيا لله من سِينٍ وشِينِ
أَى من سعادة وشهادة.
الرّابع: الشين المكرّرة، نحو: عش، وعشش.
الخامس: الشين المدغمة، نحو: طشّ، ورشّ.
السّادس: شين العجز والضَّرورة؛ كما فى أَهل الهند وبعض الأَطفال يجعلون السّين شينًا، والشين سينًا.
стр. 1469
السّابع: فعلٌ مجهول من الشَّيْن، تقول: شِينّ زيدٌ.
الثامن: الشِّين الأَصلىّ، نحو شِينِ: شعر، وعشر، وعرش.
التَّاسع: الشين المبدلة من كاف خطاب المؤنث، نحو، بشِ وعَلَيْش، قال:
فعَيناشِ عيناها وجيدُشِ جِيدها ... ولكنّ عظْمَ السّاق مِنْشِ دقيقُ
العاشر: الشين اللغوىّ. قال الخليل: الشِّين: الرّجل الشبِق الكثير الوِقَاع، وأَنشد:
إِذا ما العلب ماهَ بحاجِبَيه ... فأَنت الشِّينُ تفخَر بالوِقاع
стр. 1470
بصيرة فى شبه
الشَّبَه، والشِّبْه، والشَّبيه، حقيقتها فى المماثلة من جهة الكيفيّة؛ كاللون والطَّعم، وكالعادلة والظلم. والأَصل فيه هو أَلاَّ يميّز أَحد الشيئين عن الآخر؛ لما بينهما من التشابه، عينًا كان أَو معنى. وقوله تعالى: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ أَى يُشبه بعضُه بعضًا، لونًا وطعمًا وحقيقة، وقيل: متماثلاً فى الكمال والجودة. وقوله: ﴿مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ معناهما متقاربان. قال تعالى: ﴿إِنَّ البقر تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ أَى تتشابه. ومن قرأَ (تَشابَهَ على لفظ الماضى) جعل لفظه مذكّرا، و ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أَى فى الغَىّ والجهالة.
وقوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ، المتشابه من القرآن: ما أَشكل تفسيره؛ لمشابهته غيره: إِمّا من حيث اللفظ، أَومن حيث المعنى. وقال الفقهاءُ: المتشابه: ما لا ينبىء ظاهره عن مراده. وحقيقة ذلك أَنَّ الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أَضرب: محكَم على الإِطلاق، ومتشابه على الإِطلاق، ومحكَم من وجه، ومتشابه من وجه. فالمتشابهات فى الجملة ثلاثة أَضرب:
стр. 1471
متشابه من جهة اللفظ فقط، ومتشابه من جهة المعنى فقط، ومتشابه من جهتهما.
فالمتشابه من اللَّفظ ضربان: أَحدهما يرجع إِلى الأَلفاظ المفردة، وذلك إِمّا من جهة غرابته؛ نحو: ﴿وَأَبّاً﴾ و ﴿يَزِفُّونَ﴾ ، وإِمّا من مشاركة فى اللَّفظ؛ كاليد والعين.
والثَّانى يرجع إِلى جملة الكلام المركّب؛ وذلك ثلاثة أَضرب:
ضرب لاختصار الكلام؛ نحو قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ .
وضرب لبسط الكلام، نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، لأَنَّه لو قيل: ليس مثلَه شىء كان أَظهر للسّامع.
وضرب لنظم الكلام، نحو: ﴿أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً﴾ ، تقديره: الكتاب قيِّمًا ولم يجعل له عِوَجاً.
والمتشابه من جهة المعنى أَوصاف الله ، وأَوصافُ القيامة. فإِنَّ تلك الصّفات لا تتصوّر لنا، إِذْ كان لا يحصل فى نفوسنا صورة ما لم نحسّه، أَو لم يكن من جنس ما نُحسّه.
стр. 1472
والمتشابه من جهة اللَّفظ والمعنى خمسة أَضرب:
الأَوّل: من جهة الكَمِّيّة؛ كالعموم والخصوص، نحو: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ .
والثَّانى: من جهة الكَيْفِيّة، كالوجوب والندب، نحو قوله: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ .
والثالث: من جهة الزَّمان، كالنَّاسخ والمنسوخ، نحو قوله: ﴿اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ .
والرَّابع: من جهة المكان والأُمور التى نزلت فيها، نحو قوله: ﴿وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّمَا النسياء زِيَادَةٌ فِي الكفر﴾ ، فإِنَّ من لا يعرف عادتهم فى الجاهلية يتعذَّر عليه معرفة تفسير هذه الآية.
الخامس: من جهة الشروط التى بها يصحّ الفعل أَو يَفْسد؛ كشروط الصّلاة والنكاح.
стр. 1473
وهذه الجملة إِذا تُصوّرت عُلم أَن كلّ ما ذكره المفسّرون لا يخرج عن هذه التَّقاسيم، نحو من قال: المتشابه آلم، وقول قتادة: المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ، وقول الأَصمّ: [المحكم حجة ظاهرة. وقول غيرهم:] لمحكم ما أُجمع على تأْويله، والمتشابه ما اختُلِف فيه.
ثمّ جميع المتشابهات على ثلاثة أَضرب:
ضرب لا سبيل إِلى الوقوف عليه؛ كوقت السّاعة، وخروج دابّة الأَرض، وكيفيّة الدّابّة، ونحو ذلك.
وضربٌ للإِنسان سبيل إِلى معرفته، كالأَلفاظ الغريبة والأَحكام المغلقة.
وضربٌ متردّد بين الأَمرين، نحو أَن يختصّ بمعرفة حقيقته بعض الرّاسخين فى العلم، ويخفى على [مَن] دونهم، وهو المشار إِليه بقوله ﷺ : "اللهمّ فقِّهه فى الدّين وعلّمه التَّأْويل"، وقوله لابن عبّاس مثل ذلك. فإِذا عرفت هذا الجملة عرفت أَنَّ الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله﴾ ووصلَه بقوله: ﴿والراسخون فِي العلم﴾
стр. 1474
جائزان، وأَنَّ لكلّ واحد منهما وجهًا، حَسْبما دلّ التَّفصيل المتقدّم.
وقوله: ﴿كِتَاباً مُّتَشَابِهاً﴾ يعنى ما يشبه بعضه بعضًا فى الإِحكام والحكمة، واستقامة النَّظْم.
وقولُه: ﴿ولاكن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أَى مُثِّل لهم مَن حِسبوه إِيّاه.
والشَّبَه من الجواهر: ما يُشبه لونُه لون الذَّهب.
стр. 1475
بصيرة فى الشت والشتاء والشجر
الشَتْ: تفريق الشَّعْب. يقال شتَّ جَمْعَهم شَتًّا وشَتَاتًا. وجاءُوا أَشتاتًا: أَى متفرّقين فى النظام. وقوله تعالى: ﴿مِّن نَّبَاتٍ شتى﴾ أَى مختلفة الأَنواع. وقوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى﴾ ، أَى هم بخلاف من وصفهم بقوله: ﴿ولاكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ .
شتَّانَ: اسْمُ فعل، يقال: شَتَّانَ ما هما، وشتَّان ما بينهما، إِذا أُخبرتَ عن ارتفاع الالتئام بينهما.
شَتَا وأَشْتَى، وصاف وأَصاف. والمَشْتى والمشتاة للوقت والموضع.
والشَّجَرُ من النَّبت: ما له ساقٌ، يقال: شجرة وشَجَرٌ، كثمرة وثمر. وأَرض شَجْراء، ووادٍ شَجِير: كثير الشَّجَر. وهذا الوادى أَشجر من ذلك.
والشِّجَار والمشاجرة والتشاجر: المنازعة. وشَجَرنى عنه: صرفنى. وشَجَرَه بالرُّمح: طعنه به، وفلان من شجرة مباركة: من أَصل مبارك.
وقوله تعالى: ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾ ، أَصحّ الأَقوال فيها أَنها النخلة. ومن العرب من يقول: شَجَرة وشِجَرة، فيكسر الشين ويفتح الجيم، وهى
следующие страницы →