Полный текст (2 804 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قوله ﴿وَلاَ يَقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ قدَّم الشَّفاعة فى هذه الآية، وأَخَّر العَدْل، وقدَّم العدل فى الآية الأُخرى من هذه السورة وأَخر الشفاعة. وإنِما قدم الشفاعة قطعَا لطمع من زعم أَن آباءَهم تشفع لهم، وأَن الأَصنام شفعاؤُهم عند الله، وأَخرها فى الآية الأُخرى لأَنَّ التقدير فى الآيتين معاً لا يقبل منها شفاعة فتنفعها تلك الشفاعة؛ لأَنَّ النفع بعد القبول. وقدَّم العدل فى الآية الأُخرى ليكون لفظ القبول مقدَّما فيها.
قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بغير واو هنا على البدل من ﴿يَسُوْمُوْنَكُمْ﴾ ومثله فى الأَعراف ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ وفى إِبراهيم ﴿وَيُذَبِّحُوْنَ﴾ بالواو لأَن ما فى هذه السورة والأَعراف من كلام الله تعالى، فلم يرد تعداد المِحَن عليهم، والَّذى فى إِبراهيم من كلام موسى، فعدّد المِحَن عليهم، وكان مأْموراً بذلك فى قوله ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله﴾ .
قوله ﴿ولاكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ هاهنا وفى الأعراف، وقال فى آل عمران ﴿ولاكن أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لأَنَّ ما فى السّورتين إِخبار عن قوم فَاتوا وانقرضوا [وما فى آل عمران] حكاية حال.
قوله ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هاذه القرية فَكُلُواْ﴾ بالفاء، وفى الأَعراف ﴿وَكُلُوْا﴾ بالواو؛ لأَن الدّخول سريع الانقضاء فيعقبه الأَكل، وفى
стр. 142
(الأَعراف) ﴿اسْكُنُوا﴾ والمعنى: أَقيموا فيها، وذلك ممتدّ، فذكر بالواو، أَى اجمعوا بين السكنى والأَكل، وزاد فى البقرة ﴿رَغَداً﴾ لأَنه تعالى أَسنده إِلى ذاته بلفظ التعظيم، بخلاف الأَعراف؛ فإِنَّ فيه ﴿وَإِذْ قِيْلَ﴾ وقدّم ﴿ادْخُلُوْا البَابَ سُجَّدًا﴾ فى هذه السّورة وأَخرها فى الأَعراف لأَن السابق فى هذه السورة ﴿ادْخُلُوْا﴾ فبيّن كيفيّة الدّخول، وفى هذه السّورة ﴿خَطَايَاكُمْ﴾ بالإِجماع وفى الأَعراف ﴿خَطِيئَاتِكُمْ﴾ لأَن خطايا صيغة الجمع الكثير، ومغفرتها أَليق فى الآية بإِسناد الفعل إِلى نفسه سبحانه، وقال هنا (وسنزيد) (بواو، وفى الأَعراف سنزيد) بغير واوٍ؛ لأَنَّ اتصالهما فى هذه السّورة أَشدّ؛ لاتّفاق الَّلفظين، واختلفا فى الأعراف؛ لأَنّ اللائِق به (سنزيد) بحذف الواو؛ ليكون استئنافاً للكلام [وفى هذه السورة ﴿الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً﴾ وفى الأَعراف ﴿ظَلَمُوْا مِنْهُم﴾ موافقة لقوله ﴿ومِنْ قَوْمِ مُوْسَى﴾ ولقوله ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُوْنَ ومِنْهُم دُوْنَ ذَلِكَ﴾ ] .
وفى هذه السّورة ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِين ظَلَمُوْا﴾ وفى الأَعراف ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾ لأَن لفظ الرّسول والرسالة كثرت فى الأَعراف، فجاءَ ذلك على طِبق ما قبله، وليس كذلك فى سورة البقرة.
стр. 143
قوله ﴿فَانْفَجَرَت﴾ وفى الأَعراف ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ لأَن الانفجار انصباب الماء بكثرة، والانبجاس ظهورُ الماء. وكان فى هذه السورة ﴿وَاشْرَبُوا﴾ فذكر بلفظ بليغ؛ وفى الأَعراف ﴿كُلُوا﴾ وليس فيه ﴿وَاشْرَبُوا﴾ فلم يبالغ فيه.
قوله ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق﴾ فى هذه السّورة؛ وفى آل عمران ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ؛ وفيها وفى النساءِ ﴿وَقَتْلِهِمُ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ لأَن ما فى البقرة إِشارة إِلى الحقّ الذى أَذِن الله أَن يُقتل النفسُ فيه وهو قوله ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ؛ وكان الأَولى بالذكر؛ لأَنه من الله تعالى؛ وما فى آل عمران والنساءِ نكرة أَى بغير حَقّ فى معتقَدهم ودينهم؛ فكان بالتنكير أَولى. وجمع ﴿النَّبِيِّينَ﴾ فى البقرة جمع السّلامة لموافقة ما بعده من جمعَى السلامة وهو ﴿الَّذِينَ﴾ ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ . وكذلك فى آل عمران ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ و ﴿نَاصِرِين﴾ و ﴿مُعْرِضُون﴾ بخلاف الأَنبياء فى السّورتين.
قوله ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والنصارى والصابئين﴾ وقال فى الحج ﴿والصابئين والنصارى﴾ وقال فى المائدة ﴿والصابئون والنصارى﴾ لأَن النصَّارى مقدَّمون على الصَّابئين فى الرُتْبة؛ لأَنهم أَهل الكتاب؛
стр. 144
فقدَّمهم فى البقرة؛ والصَّابئون مقدَّمون على النصارى فى الزمان؛ لأَنهم كانوا قبلهم فقدَّمهم فى الحج، وراعى فى المائدة المعنيين؛ فقدَّمهم فى اللفظ، وأَخرهم فى التقدير؛ لأَن تقديره: والصّابئون كذلك؛ قال الشاعر:
فمن كان أَمسى بالمدينة رَحْلُه ... فإِنى وقَيَّارٌ بها لغرِيب
أَراد: إِنى لغريب بها وقيَّارٌ كذلك. فتأَمّل فيها وفى أَمثالها يظهر لك إِعجاز القرآن.
قوله ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ وفى آلِ عمران ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَات﴾ لأَنَّ الأَصل فى الجمع إِذا كان واحده مذكَّرا أَن يُقتصَر فى الوصف على التأنيث؛ نحو: سرر مرفوعة وأَكواب موضوعة. وقد يأتى سُرُر مرفوعات (على تقدير ثلاث سرر مرفوعة) وتسع سرر مرفوعات؛ إِلا أَنه ليس بالأَصل. فجاءَ فى البقرة على الأَصل، وفى آل عمران على الفرع.
وقوله: ﴿فِي أَيَّاماً مَّعْدُودَات﴾ أَى فى ساعات أَيام معدودات. وكذلك ﴿فِي أَيَّاماً مَعْلُوْمَاتٍ﴾ .
قوله ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ وفى الجُمُعة ﴿وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ لأَن دعواهم فى هذه السّورة بالغة قاطعة، وهى كون الجَنَّة لهم بصفة الخلوص، فبالغ
стр. 145
فى الردّ عليهم بلَنْ، وهو أَبلغ أَلفاظ النفى، ودعواهم فى الجمعة قاصرة مترددة، وهى زعمهم أَنهم أَولياءُ الله، فاقتصر على (لا) .
قوله ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ وفى غيرها ﴿لاَ يَعْقِلُوْنَ﴾ ﴿لاَ يَعْلَمُوْنَ﴾ لأَن هذه نزلت فيمَن نقض العهد من اليهود، ثم قال ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ لأَن اليهود بين ناقض عهد، وجاحد حق، إِلا القليلَ، منهم عبدُ الله بن سَلاَم وأَصحابُه، ولم يأت هذان المعنيان معا فى غير هذه السُّورة.
قوله: ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ الذي جَآءَكَ مِنَ العلم﴾ وفيها أَيضاً ﴿مِنْ بَعْدَ الذي جَآءَكَ مِنَ العلم﴾ فجعل مكان قوله: (الَّذى) (ما) وزاد (من) ؛ لأَنَّ العلم فى الآية الأُولى عِلْم بالكمال، وليس وراءَه علم؛ لأَنَّ معناه: بعد الذى جاءَك من العلم بالله، وصفاته، وبأَنّ الهدى هدى اللهِ، ومعناه: بأَنَّ دين الله الإِسلام؛ وأَنَّ الْقرآن كلام الله، (وكان) لفظ (الذى) أَليق به من لفظ (ما) لأَنه فى التعريف أَبلغ؛ وفى الوصف أَقعد؛ لأَن (الذى) تعرِّفه صلتُه، فلا ينكَّر قطٌّ، ويتقدَّمه أَسماء الإِشارة؛ نحو قوله ﴿أَمَّنْ هاذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ﴾ ﴿أَمَّنْ هاذا الذي يَرْزُقُكُمْ﴾ فيكتنف (الَّذى) بيانان: الإِشارةُ، والصلة، ويلزمُه الأَلِف واللاَّم، ويثنَّى ويُجمع. وأَمَّا (ما) فليس له شىء من ذلك؛ لأَنه يتنكَّر مَرّة، ويتعرّف أُخرى، ولا يقع وصفاً لأَسماءِ الإِشارة، ولا يدخله الأَلِف
стр. 146
واللام، ولا يثنَّى ولا يجمع. وخُصَّ الثَّانى بـ (ما) لأَنَّ المعنى: من بعد ما جاءَك من الْعلم بأَن قِبلة الله هى الكعبة، وذلك قليل من كثير من الْعلم. وزيدت معه (من) الَّتى لابتداءِ الْغاية؛ لأَن تقديره: من الوقت الذى جاءَك فيه الْعلم بالْقبلة؛ لأَن الْقبلة الأُولى نُسِخت بهذه الآية، وليس الأَوّل موقَّتاً بوقت. وقال فى سورة الرّعد: ﴿بَعْدَ مَا جَاءَكَ﴾ فعَبَّر بلفظ (ما) ولم يزد (من) لأَن الْعلم هاهنا هو الْحكم الْعربىّ أَى الْقرآن، وكان بعضاً من الأَوّل، ولم يزد فيه (من) لأَنه غير موقَّت. وقريب من معنى الْقبلة ما فى آل عمران ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم﴾ فلهذا جاءَ بلفظ (ما) وزيد فيه (من) .
قوله: ﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ هذه الآية والَّتى قبلها متكررتان. وإِنما كُرِّرتا لأَن كل واحدة منهما صادفت معصية تقتضى تنبيهاً ووعظاً؛ لأَن كلّ واحدة منهما وقعت فى غير وقت الأُخرى.
قوله ﴿رَبِّ اجعل هاذا بَلَداً آمِناً﴾ وفى إِبراهيم ﴿هاذا البلد آمِناً﴾ لأَن (هذا) إِشارة إِلى المذكور فى قوله ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ قبل بناء الكعبة، وفى إِبراهيم إِشارة إلى البلد بعد البناء. فيكون (بلداً) فى هذه السُّورة المفعول الثانى (و (آمِنا) صفة؛ و (البلد) فى إِبراهيم المفعول الأَول
стр. 147
و (آمنا) المفعول الثانى) و (قيل) : لأنَّ النكرة اذا تكرَّرت صارت معرفة. وقيل: تقديره فى البقرة: هذا البلد (بلدا) آمناً، فحذف اكتفاءً بالإِشارة، فتكون الآيتان سواء.
قوله ﴿وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ فى هذه السُّورة وفى آل عمران (علينا) لأَنَّ (إِلى) للانتهاء إِلى الشىء من أَىّ جهة كان، والكُتُب منتهِية إِلى الأَنبياء، وإِلى أُمّتهم جميعاً، والخطاب فى هذه السُّورة للأُمَّة، لقوله تعالى: (قولوا) فلم يصحَّ إِلاَّ (إِلى) ؛ و (على) مختصّ بجانب الفَوْق، وهو مختصّ بالأَنبياء؛ لأَنَّ الكتب منزَّلة عليهم، لا شِركة للأُمة فيها. وفى آل عمران (قل) وهو مختصّ بالنبىّ ﷺ دون أَمَّته؛ فكان الَّذى يليق به (على) وزاد فى هذه السُّورة (وما أُوتى) وحُذف من آل عمران (لأَنَّ) فى آل عمران قد تقدَّم ذكر الأَنبياء حيث قال ﴿لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ .
قوله ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ كُرِّرت هذه الآية لأَن المراد بالأَول الأَنبياء، وبالثانى أَسلاف اليهود والنَّصارى. قال القَفَّال: الأَول لإِثبات مِلَّة إِبراهيم لهم جميعاً؛ والثانى لنفى اليهوديَّة والنصرانية عنهم.
стр. 148
قوله ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ﴾ هذه الآية مكرَّرة ثلاث مرات. قيل: إِنَّ الأَولى لنسخ القبلة (والثانية للسبب، وهو قوله: ﴿وَإِنَّهُ لِلْحَقِّ مِنْ رَبِّكَ﴾ والثالثة للعلَّة، وهو قوله: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ . وقيل: الأُولى فى مسجد المدينة، والثانية (خارج المسجد، والثالثة) خارج البلد. وقيل فى الآيات خروجان: خروج إِلى مكان تُرى فيه القبلة، وخروج إِلى مكان لا تُرى، أَىِ الحالتان فيه سواءَ. وقيل: إِنما كُرر لأَن المراد بذلك الحالُ والزمان والمكان. وفى الآية الأَولى [ ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ وليس فيها] ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ [وفى الآية الثانية ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ ] وليس فيها ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ فجمع فى الآية الثالثة بين قوله ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ وبين قوله ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ ليُعلم أَن النبى والمؤْمنين سواء.
قوله ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾ ليس فى هذه السورة ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وفى غيرها ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ لأَن قبله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَاهُ﴾ فلو أَعاد أَلْبَس.
стр. 149
قوله ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ خص العقل بالذكر؛ لأَنه به يُتوصَّل إِلى معرفة الآيات. ومثله فى الرعد والنحل والنور والروم.
قوله ﴿مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ﴾ فى هذه السورة وفى المائدة ولقمان (ما وجدنا) لأَن أَلْفيت يتعدى إِلى مفعولين، تقول: أَلفيت زيداً قائماً، ووجدت يتعدى مرة إِلى مفعول واحد: وجدت الضالة؛ ومرة إِلى مفعولين: وجدت زيداً قائماً؛ فهو مشترك. وكان الموضع الأَول باللفظ الأَخصّ أَولى؛ لأَن غيره إّذا وقع موقعه فى الثانى والثالث عُلم أَنه بمعناه.
قوله ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً﴾ وفى المائدة ﴿لاَ يَعْلَمُوْنَ﴾ لأَنَّ العِلم أَبلغ درجةً من العقل، ولهذا يوصف تعالى بالعلم، لا بالعقل؛ وكانت دعواهم فى المائدة أبلغ؛ لقولهم ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِءَابَآءَنَا﴾ فادَّعَوا النهاية بلفظ (حَسْبنا) فنفى ذلك بالعلم وهو النِّهاية، وقال فى البقرة: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ﴾ ولم يكن النِّهايةَ، فنفى بما هو دون العلم؛ ليكون كلُّ دعوَى منفيّة بما يلائمها.
قوله ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله﴾ قدَّم (به) فى هذه السورة، وأَخّرها فى المائدة، والأَنعام، والنحل؛ لأَن تقديم الباءِ الأَصلُ؛ فإِنها
стр. 150
تجرى مَجْرى الأَلِف والتشديدِ فى التَّعدِّى، وكان كحرف من الفعل، وكان الموضع الأَول أَوْلى بما هو الأَصل؛ ليُعلم ما يقتضيه اللفظُ، ثم قدم فيما سواها ما هو المُسْتنكر، وهو الذبح لغير الله، وتقديمُ ما هو الغرض أَولى. ولهذا جاز تقديم المفعول على الفاعل، والحال على ذى الحال، والظرف على العامل فيه؛ إِذا كان (أَكثر فى) الغرض فى الإِخبار.
قوله ﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (بالفاءِ وفى السور الثلاث بغير فاء) لأَنه لمّا قال فى الموضع الأَوّل: ﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ صريحاً كان النفى فى غيره تضميناً؛ لأَنّ قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يدلّ على أَنه لا إِثم عليه.
قوله ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، وفى الأَنعام ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لأَن لفظ الرب تكرر فى الأَنعام (مرات ولأَن فى الأَنعام) قولَه ﴿وَهُوَ الذي أَنشَأَ جَنَّاتٍ﴾ الآية وفيها ذكر الحُبُوب والثمار وأَتبعها بذكر الحيوان من الضأْن والمَعْز والإِبل والبقر وبها تربية الأَجسام (وكان) ذكر الرب بها أَليق.
стр. 151
قوله ﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أولائك مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار﴾ الآية هنا على هذا النسق، وفى آل عمران ﴿أولائك لاَ خَلاَقَ لَهُمْ﴾ لأَنَّ المنْكَر فى هذه السّورة أَكثر، فالتوعد فيها أَكثر: وإِن شئت قلت: زاد فى آل عمران ﴿وَلاَ يُنْظَرُ إِلَيْهِمْ﴾ فى مقابلة ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ .
قوله فى آية الوصيَّة ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيْعٌ عَلِيْمٌ﴾ خُصَّ السَّمع بالذكر لما فى الآية من قوله ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ ؛ ليكون مطابقاً. وقال فى الآية الأُخرى بعدها ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لقوله ﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فهو مطابق معنًى.
قوله ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ (قيد) بقوله (منكم) وكذلك ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ ولم يقيَّد فى قوله ﴿وَمَنْ كَانَ مَّرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ﴾ اكتفى بقوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ﴾ ؛ لاتَّصاله "به".
قوله ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ ؛ وقال بعدها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوْهَا﴾ لأَن (حدود) الأَول نَهْى، وهو قوله: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوْهُنَّ﴾ وما كان من الحدود نهياً أَمر بترك المقاربة، والحدّ الثَّانى أَمْر وهو بيان
стр. 152
عدد الطلاق، بخلاف ما كان عليه العرب: من المراجعة بعد الطلاق من غير عدد، وما كان أَمراً أَمر بترك المجاوزة وهو الاعتداء.
قوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة﴾ جميع ما فى القرآن من السؤال وقع الجوابُ عنه بغير فاء إِلاَّ فى قوله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا﴾ فَإِنَّه بالفاء؛ لأَن الأَجوبة فى الجميع كانت بعد السّؤال؛ وفى طه قبل السّؤال؛ فكأَنه قيل: إِن سُئِلْت عن الجبال فقل.
قوله ﴿وَيَكُونَ الدين للَّهِ﴾ فى هذه السّورة، وفى الأَنفال ﴿كُلَُهُ للهِ﴾ ؛ لأَن القتال فى هذه السُّورة مع أَهل مكَّة، وفى الأَنفال مع جميع الكفار، فقيّده بقوله (كلّه) .
قوله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ وفى آل عمران ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ﴾ الآية وفى التوبة ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ﴾ الآية الأُولى للنبى والمؤمنين، والثانى للمؤمنين، والثالث للمجاهدين. قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدنيا والآخرة﴾ وفى آخر السّورة ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ومثله فى الأَنعام، لأَنّه لمَّا بيّن فى الأوّل مفعول التفكّر
стр. 153
وهو قوله ﴿فِي الدنيا والآخرة﴾ حذفه ممّا بعده للعلم. وقيل (فى) متعلقه بقوله ﴿يُبَيِّنُ الله﴾ .
قوله ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ بفتح التاء والثّانى بضمّها، لأَن الأَول من (نكحت) والثانى مِن (أنكحت) ، وهو يتعدّى إِلى مفعولين والمفعول الأَول فى الآية (المشركين) والثانى محذوف وهو (المؤمنات) أَى لا تُنكحوا المشركين النسّاء المؤمنات حتى يؤمنوا.
قوله ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ﴾ أَجمعوا على تخفيفه إِلاَّ شاذّاً. وما فى غير هذه السورة فرئ بالوجهين، لأَن قبله ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ وقَبْل ذلك (فإِمساك) يقتضى ذلك التخفيف.
قوله ﴿ذلك يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ﴾ وفى الطَّلاق ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ﴾ الكاف فى ذلك لمجرّد الخطاب، لا محلّ له من الإِعراب فجاز الاقتصار على التَّوحيد، وجاز إِجراؤه على عدد المخاطبين. ومثله ﴿عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ . وقيل: حيث جاء مُوَحَّدا فالخطاب للنبىّ ﷺ . وخُصَّ بالتَّوحيد فى هذه الآية لقوله: ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ ، وجُمع فى الطَّلاق لمّا لم يكن بعدُ (منكم) .
قوله ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ بالمعروف﴾ وقال فى
стр. 154
الأُخرى ﴿مِنْ مَعْرُوْفٍ﴾ ؛ لأَن تقدير الأَوَّل فيما فعلن فى أَنفسهنّ (بأَمر الله وهو المعروف والثانى فيما فعلن فى أَنفسهنّ) من فعل من أَفعالهنَّ معروف، أَى جاز فعله شرعاً.
وقوله ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم﴾ ثمّ قال ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوْا﴾ فكرّر تأْكيداً. وقيل ليس بتكرار؛ لأَن الأَوّل للجماعة، والثانى للمؤمنين. وقيل: كَرّره تكذيبا لمن زعم أَنَّ ذلك لم يكن بمشيئة الله.
قوله ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ بزيادة (من) موافقة لما بعدها؛ لأَن بعدها ثلاث آيات فيها (مِن) على التوالى؛ وهو قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوْا مِنْ خَيْرٍ﴾ ثلاث مرات.
قوله ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ (يغفر) مقدَّم هنا، وفى غيرها إِلا فى المائدة؛ فإِنَّ فيها ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ لأَنها نزلت فى حقِّ السارق والسارقة، وعذابُهما يقع فى الدنيا فقُدّم لفظ العذاب، وفى غيرها قدّم لفظ المغفرة رحمة منه سبحانَه، وترغيباً للعباد فى المسارعة إِلى موجِبات المغفرة، جَعلَنا منهم آمين.
стр. 155
فضل السورة
عن أَبى بُرَيدة عن أَبيه أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "تعلَّموا البقرة؛ فإِن أَخذها بركة، وتركها حسرة، ولن يستطيعها البَطَلة". وقال ﷺ : "إِنَّ الشَّيطان لا يدخل بيتاً يُقرأُ فيه سورة البقرة" وعن عكرمة قال: أَول سورة نزلت بالمدينة سورة البقرة، مَنْ قَرأَها فى بيته نهاراً لم يدخل بيتَه شيطانٌ ثلاثة أَيّام. ومن قرأَها فى بيته ليلاً لم يدخله شيطان ثلاث ليال. ورُوى أَنَّ من قرأَها كان له بكلّ حرف أَجرُ مرابِطٍ فى سبيل الله. وعن أَنس قال [كان] الرّجل إِذا قرأَ سورة البقرة جَدّ فينا، أَى عَظُم فى أَعيننا. وعن ابن مسعود قال: كنَّا نعدّ من يقرأُ سورة البقرة مِن الفحول. وقد أَمَّرَ رسول الله ﷺ فتى على جماعة من شيوخ الصحابة كان يحسن سورة البقرة. وقال ﷺ : "اقرءُوا الزّهراوين: البقرة وآل عمران فإِنَّهما يأْتيان يوم القيامة كأَنهما غَمَامتان أَو غَيَايتان أَو فِرْقان من طير صوافّ يحاجَّان عن
стр. 156
صاحبهما" وعنه ﷺ أَنه قال: "يا علىُّ مَنْ قرأَ سورة البقرة لا تنقطع عنه الرحمة ما دام حيّا، وجعل الله البركة فى ماله: فإِن فى تعلّمها أَلفَ بركة، وفى قراءَتها عشرة آلاف بركة، ولا يتعاهدها إِلا مؤمن من أَهل الجنة، وله بكلّ آية قرأَها ثوابُ شِيث بن آدم ﵉. فمن مات من يوم قرأَها إِلى مائة يوم مات شهيداً".
стр. 157
بصيرة فى الم. الله
من أَسمائها سورة آل عمران، والسُّورة التى يذكر فيها آل عمران، والزَّهراء.
وعمران المذكور هو عمران والد موسى وهارون ﵉ وهو ابن يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب. وأَما عمران والد مريم فهو ابن ماتان بن أَسعراد بن أَبى ثور.
وهذه السّورة مَدَنية باتِّفاق جميع المفسرين. وكذلك كلُّ سورة تشتمل على ذكر أَهل الكتاب. وعدد آياتها مئتان بإِجماع القُرَّاء.
وكلماتها ثلاثة آلاف وأَربعمائة وثمانون. وحروفها أَربعة عشر أَلفاً وخمسمائة وخمسة وعشرون حرفاً.
والآيات المختلف فيها سبع: الم، ﴿الإِنْجِيل﴾ الثانى، ﴿أَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِى إِسْرَاءِيل﴾ ، ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ، ﴿مَقَامَ إِبْرَاهِيم﴾ ، والإِنجيل الأَول فى قوله بعضهم.
стр. 158
مجموع فواصل آياتها (ل ق د اط ن ب م ر) يجمعها قولى: (لقد أَطنب مُرّ) والقاف آخر آية واحدة ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ والهمز آخر ثلاث آيات ﴿لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء﴾ ﴿إِنَّكَ سَمِيْعُ الدُّعَاءِ﴾ ﴿كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ .
ومضمون السّورة مناظرة وَفْد نجران، إِلى نحو ثمانين آية من أَوّلها، وبيان المحكَم، والمتشابِه، وذمٌّ الكفَّار، وَمَذَمَّة الدنيا، وشَرَفُ العُقْبى، ومدح الصَّحابة، وشهادة التَّوحيد، والرَّد على أَهل الكتاب، وحديث ولادة مَرْيم، وحديث كَفَالة زكريا، ودعائه، وذكر ولادة عيسى، ومعجزاته، وقصة الحَوَاريّين، وخبر المباهلة، والاحتجاج على النَّصارى، ثمّ أَربعون آية فى ذكر المرتدِّين، ثم ذكر خيانة علماء يهودَ، وذكر الكعبة، ووجوب الحج، واختيار هذه الأُمّة الفُضْلى، والنَّهى عن موالاة الكفار، وأَهل الكتاب، ومخالفى المِلَّةِ الإِسلامية. ثم خمس وخمسون آية فى قصّة حَرْب أُحُدٍ، وفى التخصيص، والشكوى من أَهل المركز، وعذر المنهزِمين، ومنع الخَوض فى باطل
стр. 159
المنافقين، (وتقرير قصّة الشهداء، وتفصيل غَزْوَة بدر الصغرى، ثم رجع إِلى ذكر المنافقين) فى خمس وعشرين آية، والطَّعن على علماء اليهود، والشكوى منهم فى نقض العهد، وترك بيانهم نعتَ رسول الله ﷺ المذكور فى التَّوراة، ثم دعواتِ الصحابة، وجدهم فى حضور الغزوات، واغتنامهم درجة الشهادة. وختم السورة بآيات الصبر والمصابرة والرِّباط.
وأَمّا الناسخ والمنسوخ فى هذه السورة فخمس آيات: ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ﴾ . م بآية السّيف ن ﴿كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إِلى تمام ثلاث آيات م ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوْا﴾ ن نزلت فى الستة الذين ارتدوا ثم تابوا وأَسلموا ﴿اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ﴿وَجَاهِدُوْا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ م ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ ن.
стр. 160
وأَما المتشابهات فقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد﴾ وفى آخرها ﴿إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد﴾ فعَدَل من الخطاب إِلى لفظ الغَيبة فى أَول السورة، واستمر على الخطاب فى آخرها؛ لأَن ما فى أَول السورة لا يتصل بالكلام الأَول، كاتصال ما فى آخر السورة به؛ فإِن اتصال قوله ﴿إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد﴾ بقوله ﴿إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيْهِ﴾ معنوىّ، واتصال قوله ﴿إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد﴾ بقوله ﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾ لفظىّ ومعنوىّ جميعاً؛ لتقدم لفظ الوعد. ويجوز أَن يكون الأَول استئنافاً، والآخر من تمام الكلام.
قوله ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ الله﴾ كان القياس: فأَخذناهم لكن لما عدل فى الآية الأُولى إِلى قوله ﴿إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد﴾ عدل فى هذه الآية أَيضا لتكون الآيات على منهج واحد. قوله ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إلاه إِلاَّ هُوَ﴾ ثم كرّر فى آخر الآية، فقال: ﴿لاَ إلاه إِلاَّ هُوَ﴾ لأَن الأَول جَرَى مَجْرى الشهادة، وأَعاده ليجرى الثانى مجرى الحكم بصحّة ما شهد به الشهود.
قوله ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ كرّره مرتين؛ لأَنه وعيد عُطف عليه وعيد آخر فى الآية الأُولى، فإِن قوله ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيْر﴾ معناه: مَصِيركم إِليه، والعقاب مُعَدٌّ له، فاستدركه فى الآية الثانية بوعد وهو قوله ﴿وَاللهُ
стр. 161
رَءُوْفٌ بِالْعِبَادِ﴾ والرأْفة أَشد من الرحمة. قيل: ومِن رأْفته تحذيرُه.
قوله ﴿قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر وامرأتي عَاقِرٌ﴾ قدم فى السورة ذكر الكِبَر واخر ذكر المرأَة، وقال فى سورة مريم ﴿وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً﴾ فقدم ذكر المرأة لأَن فى مريم قد تقدم ذكر الكِبَر فى قوله ﴿وَهَنَ العَظْمُ مِنِي﴾ ، وتأَخر ذكر المرأَة فى قوله ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً﴾ ثم أَعاد ذكرهما، فأَخر ذكر الكِبَر ليوافق (عتيا) ما بعده من الآيات وهى (سَويّاً) و (عشيّاً) و (صبيّاً) .
قوله ﴿قَالَتْ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ وفى مريم ﴿قَالَتْ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ لأَن فى هذه السورة تقدم ذكرُ المسيح وهو ولدها، وفى مريم تقدم ذكر الغلام حيث قال ﴿لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً﴾ .
قوله ﴿فَأَنْفُخُ فِيْهِ﴾ وفى المائدة (فيها) قيل: الضمير فى هذه يعود إِلى الطير، وقيل إِلى الطين، وقيل إِلى المهيَّأ، وقيل إِلى الكاف فإِنه فى معنى مثل. وفى المائدة يعود إلى الهيئة. وهذا جواب التذكير والتأنيث، لا جواب التخصيص، وإِنما الكلام وقع فى التخصيص وهل يجوز أَن يكون كل واحد منهما مكان الآخر أَم لا. فالجواب أَن يقال: فى هذه السُّورة إِخبار قبل الفعل، فوحَّده؛ وفى المائدة خطاب من الله له
стр. 162
يوم القيامة، وقد سَبَق من عيسى ﵇ الفعلُ مرّات والطير صالح للواحد والجمع.
قوله ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ ذكره هنا مرتين، وفى المائدة ﴿بِإِذْنِي﴾ أَربعَ مرات لأَن ما فى هذه السُّورة من كلام عيسى، فما تصور أَن يكون من قِبَل البشر أَضافه إِلى نفسه، وهو الخَلْق الَّذى معناه التقدير، والنفخ الذى هو إِخراج الريح من الفم. وما [لا] يتصوّر أَضافه إِلى الله وهو قوله ﴿فَيَكُوْنُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وأُبْرِئُ الأَكْمَهُ وَالأَبْرَصَ﴾ مما [لا] يكون فى طوق البشر، فإِن الأَكمه عند بعض المفسرين الأَعمشُ، وعند بعضهم الأَعشى، وعند بعضهم من يولد أَعمى، وإِحياء الموتى من فعل الله فأَضافه إِليه. وما فى المائدة من كلام الله ، فأَضاف جميع ذلك إلى صنعه إِظهاراً لعجز البشر، وأَن فعل العبد مخلوق الله. وقيل (بإِذن الله) يعود إِلى الأَفعال الثلاثة. وكذلك الثانى يعود إِلى الثلاثة الأُخرى.
قوله ﴿إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ وكذلك فى مريم و [فى] الزخرف فى هذه القصَّة ﴿إِنَّ الله هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ بزيادة (هو) قال تاج القُراء إِذا قلت: زيد قائم فيحتمل أَن يكون تقديره: وعمرو قائم. فإذا قلت زيد هو القائم خصصت القيام به، وهو كذلك فى الآية. وهذا مثاله لأَن
стр. 163
(هو) يذكر فى هذه المواضع إِعلاماً بأَن المبتدأَ مقصور على هذا الخبر (وهذا الخبر) مقصور عليه دون غيره والذى فى آل عمران وقع بعد عشر آيات نزلت فى قصة مريم وعيسى، فاستغنت عن التأكيد بما تقدم من الآيات، والدَّلالة على أَن الله ربّه وخالقه لا أَبواه ووالده كما زعمت النصارى. وكذلك فى سورة مريم وقع بعد عشرين آية من قصتها. وليس كذلك ما فى الزخرف فإِنه ابتداء كلام منه فحسن التأكيد بقوله (هو) ليصير المبتدأ مقصوراً على الخبر المذكور فى الآية وهو إِثبات الربوبيَّة ونفى الأُبوّة، تعالى الله عند ذلك علوّاً كبيرًا.
قوله ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُوْنَ﴾ فى هذه السورة، وفى المائدة ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُوْنَ﴾ لأَن ما فى المائدة أَول كلام الحَوَاريين، فجاءَ على الأَصل، وما فى هذه السورة تكرار كلامهم فجاز فيه التخفيف (لأَن التخفيف) فرع والتكرار فرع والفرع بالفرع أَولى.
قوله ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ﴾ وفى البقرة ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ﴾ لأَن ما فى هذه السورة جاءَ على الأَصل، ولم يكن فيها ما أَوجب إِدخال نون التأكيد [فى الكلمة؛ بخلاف سورة البقرة فإن فيها فى أَول القصة ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ ] بنون التأكيد فأَوجب الازدواجُ إِدخال النون فى الكلمة فيصير التقدير: فلنولِّينَّك قبلة ترضاها فلا تكوننَّ من الممترين.
стр. 164
والخطاب فى الآيتين للنبى ﷺ والمراد (به) غيره.
قوله ﴿قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله﴾ وفى البقرة ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى﴾ [الهدى] فى هذه السورة هو الدين، وقد تقدم فى قوله ﴿لِمَنْ تَبِعَ دِيْنَكُمْ﴾ (وهدى الله الإِسلام، وكأَنه قال بعد قولهم ﴿وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ قل إِن الدين عند الله الإِسلام كما سبق فى أَول السورة. والذى فى البقرة معناه القبلة لأَن الآية نزلت فى تحويل القبلة، وتقديره أَن قبلة الله هى الكعبة.
قوله ﴿مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ ليس هاهنا (به) ولا واو العطف وفى الأَعراف ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ بزيادة (به) وواوِ العطف لأَنَّ القياس من آمن به، كما فى الأَعراف؛ لكنها حُذفت فى هذه السورة موافقة لقوله ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فإِن القياس فيه أَيضاً (كفر به) وقوله ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ هاهنا حال والواو لا يزيد مع الفعل إِذا وقع حالاً، نحو قوله ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ و ﴿دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ﴾ وغير ذلك، وفى الأَعراف عطف على الحال؛ والحال قوله (توعدون) و (تصُدون) عطف عليه؛ وكذلك ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ .
قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله العزيز الحكيم﴾ هاهنا بإِثبات (لكم) وتأخير (به) وحذف
стр. 165
(إن الله) وفى الأَنفال بحذف (لكم) وتقديم (به) وإِثبات (إِن الله) لأَن البُشْرى للمخاطبين؛ فبين وقال (لكم) وفى الأَنفال قد تقدم لكم فى قوله ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ فاكتفى بذلك؛ وقدم (قلوبكم) وأَخر (به) إِزواجاً (بين المخاطبين "فقال إِلى بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به" وقدم "به" فى الأنفال إِزدواجاً) بين الغائبين فقال ﴿ومَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ وحذف (إِن الله) هاهنا؛ لأَن ما فى الأَنفال قصةُ بدر؛ وهى سابقة على ما فى هذه السورة، فإِنها فى قصة أُحد فأَخبر هناك أَن الله عزيز حكيم، فاستقر الخبر. وجعله فى هذه السورة صفة، لأَن الخبر قد سَبَق.
قوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ بزيادة الواو لأَن الاتصال بما قبلها أَكثر من غيرها. وتقديره: ونعم أَجر العاملين المغفرةُ، والجنات، والخلودُ.
قوله ﴿رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ بزيادة الأَنفس، وفى غيرها ﴿رَسُوْلاً مِنْهُمْ﴾ لأَن الله سبحانه مَنَّ على المؤمنين به، فجعله من أَنفسهم؛ ليكون موجبُ المِنَّة أَظهر. وكذلك قوله: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ لمَّا وصفه بقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ جعله من أَنفُسهم ليكون موجب الإِجابة والإِيمان به أَظهر، وأَبين.
стр. 166
قوله ﴿جَآءُوا بالبينات والزبر والكتاب المنير﴾ هاهنا بباء واحدة، إلا فى قراءة ابن عامر، وفى فاطر ﴿بالبينات وبالزبر وبالكتاب﴾ بثلاث باءَات؛ لأَن ما فى هذه السورة وقع فى كلام مبنى على الاختصار، وهو إِقامة لفظ الماضى فى الشرط مُقام لفظِ المستقبل، ولفظُ الماضى أَخفُّ، وبناءُ الفعل بالمجهول، فلا يُحتاج إِلى ذكر الفاعل. وهو قوله: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوْكَ فَقَدْ كُذِّبَ﴾ . [ثم] حذف الباءَات ليوافق الأَوّل فى الاختصار بخلاف ما فى فاطر فإِنَّ الشَّرط فيه بلفظ المستقبل والفاعل مذكور مع الفعل وهو قوله: ﴿وَإِنْ يَكَذِّبُوْكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ثمّ ذكر بعده الباءَات؛ ليكون كله على نَسق واحد.
قوله: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ وفى غيره: ﴿ومَأْوَيهمْ جَهَنَّمُ﴾ لأَن ما قبله فى هذه السورة ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِي البلاد مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ (أَى ذلك متاع فى الدنيا قليل) ، والقليل يدل على تراخٍ وإن صغر وقل، و (ثم) للتراخى وكان موافقا. والله أَعلم.
стр. 167
فضل السّورة
عن النبىّ ﷺ : "تعلموا البقرة وآل عمران؛ فإِنَّهما الزهراوان، وإِنَّهما يأتيان يوم القيامة فى صُورة ملكين، يشفعان لصاحبهما، حتَّى يُدخِلاه الجنة" وتقدّم فى البقرةِ (يأتيان كأَنَّهما غَمامتان، أَو غيايتان، أَو فِرْقان من طير صوافّ، يُظِلاَّن قارئهما، ويشفعان) ويُروى بسند ضعيف: من قرأَ سورة آل عمران أُعطِى بكل آية منها أَماناً على جسر جهنَّم، يزوره فى كلِّ جمعة آدمُ ونوح وإِبراهيم وآل عمران، يَغْبطُونه بمنزلته من الله، وحديثُ علىٍّ (رَفعه) : من قرأَها لا يخرج من الدُّنيا حتَّى يرَى ربّه فى المنام؛ ذُكِر فى الموضوعات.
стр. 168
بصيرة فى.. يأيها الناس اتقوا ربكم
هذه السّورة مدنيّة بإِجماع القُرَّاءِ.
وعدد آياتها مائة وخمس وسبعون، فى عدّ الكوفىّ، وستّ فى عدِّ البصرىّ، وسبع فى عدّ الشَّامىّ.
وكلماتها ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأَربعون. وحروفها ستَّة عشر أَلفاً وثلاثون حرفاً.
والآيات المختلف فيها ﴿أَن تَضِلُّواْ السبيل﴾ ، ﴿عَذَابًا أَلِيْمًا﴾ .
مجموع فواصل الآيات (م ل ان) يجمعها قولك (مِلْنَا) فعلى اللاَّم آية واحدة (السّبيل) وعلى النُّون آية واحدة (مهين) وخمس آيات منها على الميم المضمومة، وسائر الآيات على الأَلف.
واسم السّورة سورة النِّساءِ الكبرى، واسم سورة الطَّلاق سورةُ النِّساءِ الصّغرى.
стр. 169
وأَمّا ما اشتملت عليه السّورة مجملاً فبيان خِلْقة آدم وحوَّاءَ، والأَمر [بصلة] الرّحم، والنَّهى عن أَكل مال اليتيم، وما يترتَّب عليه من عظم الإِثم، والعذاب لآكليه، وبيان المناكحات، وعدد النساءِ، وحكم الصَّداق، وحفظ المال من السّفهاءِ، وتَجربة اليتيم قبل دفع المال إِليه، والرِّفْق بالأَقارب وقت قسمة الميراث، وحكم ميراث أَصحاب الفرائض، وذكر ذوات المحارم، وبيان طَوْل الحُرَّةِ، وجواز التَّزَوُّج بالأَمَة، والاجتناب عن الكبائر، وفضل الرّجال على النِّساءِ، وبيان الحقوق، وحكم السّكران وقت الصلاة، وآية التيُّمم، وذمّ اليهود، وتحريفهم التوراة، وردّ الأَمانات إِلى أَهلها، وصفة المنافقين فى امتناعهم عن قبول أَوامر القرآن، والأَمر بالقتال، ووجوب رَدِّ السّلام، والنَّهى عن موالاة المشركين، وتفصيل قَتْل العمد والخطأ، وفضل الهجرةِ، ووزْر المتأَخِّرين عنها، والإِشارة إِلى صلاة الخوف حال القتال، والنَّهى عن حماية الخائنين، وإِيقاعُ الصّلح بين الأَزواج والزَّوجات، وإِقامة الشهادات، ومدح العدل، وذمّ المنافقين، وذمّ اليهود، وذكر قَصْدهم قتل عيسى ﵇، وفضل الرّاسخين فى العلم، وإِظهار فساد اعتقاد النَّصارى، وافتخار الملائكة والمسيح بمقام العبوديّة، وذكر ميراث الكلالة، والإِشارة إِلى أَنَّ الغرض من بيان الأَحكام صيانةُ الخَلْق من الضَّلالة، فى قوله ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوْا﴾ أَى كراهة أَن تضلُّوا. وأَمّا النَّاسخ والمنسوخ فى هذه السّورة ففى أَربع وعشرين آية ﴿وَإِذَا
стр. 170
حَضَرَ القسمة﴾ م ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ﴾ ن ﴿وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية م ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً﴾ ن ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً﴾ م ﴿قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ ن ﴿واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ م (الثَّيِّب بالثيب) ن ﴿واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ م ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ ن ﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله﴾ بعض الآية م ﴿وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات﴾ ن والآيتان مفسّرتان بالعموم والخصوص ﴿لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً﴾ م والاستثناء فى قوله ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفْ﴾ ن وقيل الآية مُحكمة ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ م والاستثناء فى قوله ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ ن ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ
стр. 171
النسآء﴾ م والاستثناء فى قوله: ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ن وقيل الآية محكمة ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين﴾ م والاستثناء منه ن فيما مضى ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ م ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ وقول النَّبىّ ﷺ : "أَلا وإِنى حَرَّمت المُتْعَة" ن ﴿لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل﴾ م ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ﴾ ن أَراد مؤاكلتهم ﴿والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ م ﴿وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ ن ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ م آية السّيف ن ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُوْلُ﴾ م ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِر لَهُمْ﴾ ن ﴿خُذُوْا حِذْرَكُمْ﴾ م ﴿لِيَنْفِرُوْا كآفَّة﴾ ن ﴿فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ م آية السّيف ن ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ م ﴿فَاقْتُلُوْا الْمُشْرِكِينَ﴾ ن ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ
стр. 172
عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾ م ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ الله﴾ ن ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ م ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ ن وقوله ﴿والذين لاَ يَدْعُونَ﴾ إِلى قوله ﴿وَمَنْ تَابَ﴾ ن ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ م ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ﴾ ن ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ﴾ وقوله ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ م آية السّيف ن.
المتشابهات فى هذه السورة:
﴿والله عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ ليس غيره أَى عليم بالمُضارة، حليم عن المُضارة.
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وذلك الفوز العظيم﴾ بالواو، وفى براءَة (ذلك) بغير واو، لأَنَّ الجملة إِذا وقعت بعد أَجنبيَّة لا تحسن إِلاَّ بحرف العطف. وإِن كان بالجملة الثانية ما يعود إِلى الجملة الأَولى حسن إِثبات حرف العطف، وحسن الحذف؛ اكتفاءً بالعائد. ولفظ (ذلك) فى الآيتين يعود إِلى ما قبل الجملة، فحسن الحذف والإِثبات فيهما. ولتخصيص هذه السّورة بالواو وجهان لم يكونا فى براءَة: أَحدهما موافقة
стр. 173
ما قبلها، وهى جملة مبدوءَة بالواو، وذلك قوله ﴿وَمَنْ يَطِعِ الله﴾ ؛ والثانى موافقة ما بعدها، وهو قوله: (وَلَهُ) بعد قوله: ﴿خَالِداً فِيهَا﴾ وفى براءَة [أَوعد] أَعداءَ الله بغير واو، ولذلك قال (ذلك) بغير واو.
وقوله: ﴿مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ فى أَوّل السّورة، وبعدها ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ وفى المائدة ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ متخذي أَخْدَانٍ﴾ لأَنَّ ما فى أَوّل السورة وقع فى حقِّ الأَحرار المسلمين، فاقتُصِر على لفظ ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ والثانية فى الجوارى، وما فى المائدة فى الكتابيّات فزاد ﴿وَلاَ متخذي أَخْدَانٍ﴾ حرمة للحرائر المسلمات، ولأَنهنَّ إِلى الصّيانة أَقرب، ومن الخيانة أَبعد، ولأَّنَّهنَّ لا يتعاطين ما يتعاطاه الإِماءُ والكتابيَّات من اتِّخاذ الأَخدان.
قوله: ﴿فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ فى هذه السّورة وزاد فى المائدة (منه) لأَنَّ المذكور فى هذه بعضُ أَحكام الوضوءِ والتيمّم، فحسن الحذف؛ والمذكور فى المائدة جميع أَحكامهما، فحسن الإِثبات والبيان.
قوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ ختم الآية مرة بقوله (فقد افترى) ومرّة بقوله (فقد ضلَّ) لأَنَّ الأَوّل نزل فى اليهود، وهم الَّذين افتروْا على الله ما ليس فى كتابهم، والثَّانى نزل فى الكفار، ولم يكن لهم كتاب فكان ضلالهم أَشدّ.
стр. 174
قوله ﴿يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ وفى غيرها (يأهل الكتاب) لأَنَّه سبحانه استخفَّ بهم فى هذه الآية، وبالغ، ثمّ ختم بالطمس، وردِّ الوجوه على الأَدبار، واللَّعن، وأَنَّها كلَّها واقعة بهم.
قوله ﴿دَرَجَة﴾ ثمّ فى الاية الأُخرى ﴿دَرَجَات﴾ لأَنَّ الأُولى فى الدُّنيا والثانية فى الجنة. وقيل: الأُولى بالمنزلة، والثانية بالمنزل. وهى درجات. وقيل: الأُولى على القاعدين بعُذْر، والثانية على القاعدين بغير عذر.
قوله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرسول﴾ بالإِظهار هنا وفى الأَنفال، وفى الحشر بالإِدغام، لأَنَّ الثانى من المثلين إِذا تحرّك بحركة لازمة وجب إِدغام الأَوّل فى الثانى؛ أَلا ترى أَنَّك تقول ارْدُدْ بالإِظهار، ولا يجوز ارْدُدَا وارددوا وازددى، لأَنها تحركت بحركة لازمة (والأَلف واللام فى "الله" لازمتان، فصارت حركة القاف لازمة) و (ليس) الأَلف واللاَّم فى الرّسول كذلك. وأَمَّا فى الأَنفال فلانضمام (الرّسول) إليه فى العطف لم يدغم؛ لأَنَّ التقدير فى القاف أَن قد اتَّصل بهما؛ فإِنَّ الواو يوجب ذلك.
قوله ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَآءَ للَّهِ﴾ ، وفى المائدة: ﴿قَوَّامِينَ
стр. 175
للَّهِ شُهَدَآءَ بالقسط﴾ لأَنَّ (الله) فى هذه السّورة متصل ومتعلِّق بالشَّهادة، بدليل قوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ أَى ولو تشهدون عليهم، وفى المائدة متَّصل ومتعلِّق بقوّامين، والخطاب للولاة بدليل قوله: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ﴾ الآية.
قوله: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوْهُ﴾ وفى الأَحزاب ﴿إِن تُبْدُواْ شَيْئاً﴾ لأَنَّ هنا وقع الخير فى مقابلة السّوءِ فى قوله: ﴿لاَ يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسَّوْءِ﴾ والمقابلة اقتضت أَن يكون بإِزاءِ السُّوءِ الخيرُ، وفى الأَحزاب بعد (ما فى قلوبهم) فاقتضى العموم، وأَعمُّ الأَسماءِ شىءٌ. ثم ختم الآية بقوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ .
قوله: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ وباقى ما فى هذه السّورة ﴿مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ لأَنَّ الله سبحانه ذكر أَهلَ الأَرض فى هذه الآية تبعاً لأَهل السّماوات، ولم يفردهم بالذكر لانضمام المخاطَبين إِليهم ودخولهم فى زُمْرتهم وهم كفَّارُ عبدة الأَوثان، وليسوا المؤْمنين ولا من أَهل الكتاب لقوله ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوْا﴾ فليس هذا قياساً مُطَّرِداً بل علامة.
قوله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء﴾ بواو العطف وقال فى آخر السّورة ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ بغيرواو، لأَنَّ الأَوّل لمّا اتَّصل بما بعده وهو قوله: ﴿فِي النسآء﴾ وصله بما قبله بواو العطف والعائد جميعاً، والثَّانى لَمَّا انفصل عمّا
стр. 176
بعده اقتصر من الاتِّصال على العائد وهو ضمير المستفتين و [ليس] فى الآية متَّصل بقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ لأَنَّ ذلك يستدعى: قل الله يفتيكم فيها أَى فى الكلالة، والذى يتَّصل بيستفتونك محذوف، يحتمل أَن يكون (فى الكلالة) ، ويحتمل أَن يكون فيما بدالهم من الوقائع.
فضل السّورة
رُوى عن النبى ﷺ : مَنْ قرأَ سورة النِّساءِ فكأَنَّما تصدّق على كلِّ مَن ورثَ ميراثاً، وأُعطى من الأَجر كمن اشترى محرَّراً، وبرئ من الشرك، وكان فى مشيئة الله مِن الَّذين يتجاوز عنهم. وعنه ﷺ منْ قرأَ هذه السّورة كان له بعدد كلِّ امرأَة خلقها الله قنطاراً من الأَجر، وبعددهنَّ حسناتٍ ودرجات، وتزوّج بكلِّ حرف منها زوجةً من الحُور العين. ويروى: يا علىّ، مَنْ قرأَ سورة النِّساءِ كُتب له مثلُ ثواب حملة العرش، وله بكلِّ آية قرأَها مثلُ ثواب مَن يموت فى طريق الجهاد.
هذه الأَحاديث ضعيفة جدًّا وبالموضوعات أَشبه والله أَعلم.
стр. 177
بصيرة فى.. يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود
اعلم أَنَّ هذه السّورة مَدَنيَّة بالإِجماع سوى آية واحدة ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فإِنَّها نزلت يوم عَرَفة فى الموقف، ورسولُ الله ﷺ راكب على ناقته العضباءِ، فسقطت الناقةُ على ركبتيها من ثِقَل الْوَحْى، وشرف الآية.
عدد آياتها مائة وعشرون فى عدّ الكوفىّ، واثنتان وعشرون فى عَد الحجاز والشأْم، وثلاث وعشرون فى عَدِّ البصرىّ.
وكلماتها أَلفان وثمان مائة وأَربع، وحروفها أَحَدَ عشر أَلفاً، وتسع مائة وثلاثة وثلاثون حرفاً.
المختلف فيها ثلاث: العقود، ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ ، ﴿فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ .
وفواصل آياتها (ل م ن د ب ر) يجمعها (لم ندبّر) اللام فى ثلاث كلّها سبيل.
واسمها سورة المائدة، لاشتمالها على قِصّة نزول المائدة من السّماءِ، وسورةُ
стр. 178
الأَحبار؛ لاشتمالها على ذكرهم فى قوله: ﴿والربانيون والأحبار﴾ وقوله: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الربانيون والأحبار﴾ .
وجملة مقاصد السّورة المشتملة عليها: الأَمرُ بوفاءِ العهود، وبيان ما أَحلَّه الله تعالى من البهائم، وذكر تحريم المحرّمات، وبيان إِكمال الدِّين، وذكر الصيد، والجوارح، وحِلّ طعام أَهل الكتاب، وجوازُ نكاح المحصنات منهن، وتفصيل الغُسْل، والطَّهارة، والصّلاَة، وحكم الشهادات، والبيّنات وخيانة أَهل الكتاب القرآنَ، ومن أُنزل عليه، وذكر المنكرَات من مقالات النصارى، وقصّة بنى إِسرائيل مع العمالقة، وحبس الله تعالى إِيَّاهم فى التِّيه بدعاءِ بلْعَام، وحديث قتل قابيل أَخاه هابيل، وحكم قُطَّاع الطريق، وحكم السّرقة، وحَدّ السُّرَّاق، وذمّ أَهل الكتاب، وبيان نفاقهم، وتجسسهم وبيان الحكم بينهم، وبيان القِصاص فى الجراحات، وغيرها، والنَّهى عن موالاة اليهود والنَّصارى، والرّدّ على أَهل الرّدّة، وفضل الجهاد، وإِثبات ولاية الله ورسوله للمؤْمنين، وذمِّ اليهود (فى) قبائح أَقوالهم، وذمّ النّصارى بفاسد اعتقادهم، وبيان كمال عداوة الطَّائفتين للمسلمين، ومدح أَهل الكِتاب الَّذين قدِموا من الحبشة، وحكم اليمين، وكفَّارتها، وتحريم الخمر، وتحريم الصّيد على المُحْرم، والنهى عن السؤالات الفاسدة،
стр. 179
وحكم شهادات أَهل الكتاب، وفَصل الخصومات، ومحاورة الأُمم رسلَهم فى القيامة، وذكر معجزات عيسى، ونزول المائدة، وسؤال الحقِّ تعالى إِيّاه فى القيامة تقريعاً للنصارى، وبيان نفع الصدق يوم القيامة للصّادقين.
الناسخ والمنسوخ:
فى هذه السّورة تسع آيات ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾ م [ ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ ن ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ م] ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ﴾ ن للعموم ﴿فَإِن جَآءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ م ﴿وَأَنِ احكم بَيْنَهُم﴾ ن للتخيير: وقيل: هى محكمة ﴿مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ﴾ م آية السّيف ن ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ م آخر الآية ن جُمع فيها الناسخ [والمنسوخ] وهى من نوادر آيات القرآن ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ فى السّفر من الدين م ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ ن نسخت لشهاداتهم فى السّفر والحضر ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ م ذَوَىْ عدل منكم ن ﴿ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة﴾ م شهادة أَهل الإِسلام ن.
المتشابهات:
قوله ﴿واخشون اليوم﴾ بحذف الياءِ، وكذلك ﴿واخشون وَلاَ
стр. 180
تَشْتَرُواْ﴾ وفى البقرة وغيرها ﴿وَاخْشَوْنِى﴾ بإِثبات الياءِ، لأَنَّ الإِثبات هو الأَصل، وحذف و ﴿واخشون اليوم﴾ من الخطِّ لمَّا حذف من اللفظ، وحذف ﴿واخشون﴾ و (لا) موافقة لما قبها.
قوله: ﴿واتقوا الله إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ثمّ أَعاد فقال: ﴿واتقوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لأَنَّ الأَوّل وقع على النِّيَّة، وهى ذات الصّدور، والثانى على العمل. وعن ابن كَثير أَنَّ الثانية نزلت فى اليهود، وليس بتكرار.
قوله: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وقال فى الفتح ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ وقع ما فى هذه السّورة موافقة لفواصل الآى، ونصب ما فى الفتح موافقة للفواصل أَيضاً، ولأَنَّه مفعول (وعد) ، وفى مفعول (وعد) فى هذه السّورة أَقوال: أَحدها محذوف دلَّ عليه (وَعَد) ، خلاف ما دل عليه أَوْعَدَ أَى خيراً. وقيل: محذوف، وقوله: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ تفسيره. وقيل: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ جملة وقعت مَوْقع المفرد، ومحلَّها نصب، كقول الشَّاعر:
وجدنا الصَّالحين لهم جزاءٌ ... وجنَّات وعينا سلسبيلاً
فعطف (جنَّات) على (لهم جزاءٌ) . وقيل: رفع على الحكاية، لأَنَّ الوعد قول؛ وتقديره قال الله: لهم مغفرة. وقيل: تقديره: أَن لهم مغفرة، فحذف (أَنَّ) فارتفع ما بعده.
следующие страницы →