← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9856

بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز

الفيروزآبادي

Полный текст (2 804 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بعده اقتصر من الاتِّصال على العائد وهو ضمير المستفتين و [ليس] فى الآية متَّصل بقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ لأَنَّ ذلك يستدعى: قل الله يفتيكم فيها أَى فى الكلالة، والذى يتَّصل بيستفتونك محذوف، يحتمل أَن يكون (فى الكلالة) ، ويحتمل أَن يكون فيما بدالهم من الوقائع. فضل السّورة رُوى عن النبى ﷺ : مَنْ قرأَ سورة النِّساءِ فكأَنَّما تصدّق على كلِّ مَن ورثَ ميراثاً، وأُعطى من الأَجر كمن اشترى محرَّراً، وبرئ من الشرك، وكان فى مشيئة الله مِن الَّذين يتجاوز عنهم. وعنه ﷺ منْ قرأَ هذه السّورة كان له بعدد كلِّ امرأَة خلقها الله قنطاراً من الأَجر، وبعددهنَّ حسناتٍ ودرجات، وتزوّج بكلِّ حرف منها زوجةً من الحُور العين. ويروى: يا علىّ، مَنْ قرأَ سورة النِّساءِ كُتب له مثلُ ثواب حملة العرش، وله بكلِّ آية قرأَها مثلُ ثواب مَن يموت فى طريق الجهاد. هذه الأَحاديث ضعيفة جدًّا وبالموضوعات أَشبه والله أَعلم.

стр. 177

بصيرة فى.. يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود اعلم أَنَّ هذه السّورة مَدَنيَّة بالإِجماع سوى آية واحدة ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فإِنَّها نزلت يوم عَرَفة فى الموقف، ورسولُ الله ﷺ راكب على ناقته العضباءِ، فسقطت الناقةُ على ركبتيها من ثِقَل الْوَحْى، وشرف الآية. عدد آياتها مائة وعشرون فى عدّ الكوفىّ، واثنتان وعشرون فى عَد الحجاز والشأْم، وثلاث وعشرون فى عَدِّ البصرىّ. وكلماتها أَلفان وثمان مائة وأَربع، وحروفها أَحَدَ عشر أَلفاً، وتسع مائة وثلاثة وثلاثون حرفاً. المختلف فيها ثلاث: العقود، ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ ، ﴿فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ . وفواصل آياتها (ل م ن د ب ر) يجمعها (لم ندبّر) اللام فى ثلاث كلّها سبيل. واسمها سورة المائدة، لاشتمالها على قِصّة نزول المائدة من السّماءِ، وسورةُ

стр. 178

الأَحبار؛ لاشتمالها على ذكرهم فى قوله: ﴿والربانيون والأحبار﴾ وقوله: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الربانيون والأحبار﴾ . وجملة مقاصد السّورة المشتملة عليها: الأَمرُ بوفاءِ العهود، وبيان ما أَحلَّه الله تعالى من البهائم، وذكر تحريم المحرّمات، وبيان إِكمال الدِّين، وذكر الصيد، والجوارح، وحِلّ طعام أَهل الكتاب، وجوازُ نكاح المحصنات منهن، وتفصيل الغُسْل، والطَّهارة، والصّلاَة، وحكم الشهادات، والبيّنات وخيانة أَهل الكتاب القرآنَ، ومن أُنزل عليه، وذكر المنكرَات من مقالات النصارى، وقصّة بنى إِسرائيل مع العمالقة، وحبس الله تعالى إِيَّاهم فى التِّيه بدعاءِ بلْعَام، وحديث قتل قابيل أَخاه هابيل، وحكم قُطَّاع الطريق، وحكم السّرقة، وحَدّ السُّرَّاق، وذمّ أَهل الكتاب، وبيان نفاقهم، وتجسسهم وبيان الحكم بينهم، وبيان القِصاص فى الجراحات، وغيرها، والنَّهى عن موالاة اليهود والنَّصارى، والرّدّ على أَهل الرّدّة، وفضل الجهاد، وإِثبات ولاية الله ورسوله للمؤْمنين، وذمِّ اليهود (فى) قبائح أَقوالهم، وذمّ النّصارى بفاسد اعتقادهم، وبيان كمال عداوة الطَّائفتين للمسلمين، ومدح أَهل الكِتاب الَّذين قدِموا من الحبشة، وحكم اليمين، وكفَّارتها، وتحريم الخمر، وتحريم الصّيد على المُحْرم، والنهى عن السؤالات الفاسدة،

стр. 179

وحكم شهادات أَهل الكتاب، وفَصل الخصومات، ومحاورة الأُمم رسلَهم فى القيامة، وذكر معجزات عيسى، ونزول المائدة، وسؤال الحقِّ تعالى إِيّاه فى القيامة تقريعاً للنصارى، وبيان نفع الصدق يوم القيامة للصّادقين. الناسخ والمنسوخ: فى هذه السّورة تسع آيات ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾ م [ ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ ن ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ م] ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ﴾ ن للعموم ﴿فَإِن جَآءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ م ﴿وَأَنِ احكم بَيْنَهُم﴾ ن للتخيير: وقيل: هى محكمة ﴿مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ﴾ م آية السّيف ن ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ م آخر الآية ن جُمع فيها الناسخ [والمنسوخ] وهى من نوادر آيات القرآن ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ فى السّفر من الدين م ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ ن نسخت لشهاداتهم فى السّفر والحضر ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ م ذَوَىْ عدل منكم ن ﴿ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة﴾ م شهادة أَهل الإِسلام ن. المتشابهات: قوله ﴿واخشون اليوم﴾ بحذف الياءِ، وكذلك ﴿واخشون وَلاَ

стр. 180

تَشْتَرُواْ﴾ وفى البقرة وغيرها ﴿وَاخْشَوْنِى﴾ بإِثبات الياءِ، لأَنَّ الإِثبات هو الأَصل، وحذف و ﴿واخشون اليوم﴾ من الخطِّ لمَّا حذف من اللفظ، وحذف ﴿واخشون﴾ و (لا) موافقة لما قبها. قوله: ﴿واتقوا الله إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ ثمّ أَعاد فقال: ﴿واتقوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لأَنَّ الأَوّل وقع على النِّيَّة، وهى ذات الصّدور، والثانى على العمل. وعن ابن كَثير أَنَّ الثانية نزلت فى اليهود، وليس بتكرار. قوله: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وقال فى الفتح ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ وقع ما فى هذه السّورة موافقة لفواصل الآى، ونصب ما فى الفتح موافقة للفواصل أَيضاً، ولأَنَّه مفعول (وعد) ، وفى مفعول (وعد) فى هذه السّورة أَقوال: أَحدها محذوف دلَّ عليه (وَعَد) ، خلاف ما دل عليه أَوْعَدَ أَى خيراً. وقيل: محذوف، وقوله: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ تفسيره. وقيل: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ جملة وقعت مَوْقع المفرد، ومحلَّها نصب، كقول الشَّاعر: وجدنا الصَّالحين لهم جزاءٌ ... وجنَّات وعينا سلسبيلاً فعطف (جنَّات) على (لهم جزاءٌ) . وقيل: رفع على الحكاية، لأَنَّ الوعد قول؛ وتقديره قال الله: لهم مغفرة. وقيل: تقديره: أَن لهم مغفرة، فحذف (أَنَّ) فارتفع ما بعده.

стр. 181

قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ وبعده ﴿يُحَرِّفُونَ الكلم مِنْ بَعْدِ مَّوَاضِعِهِ﴾ لأَنَّ الأُولى فى أَوائل اليهود، والثَّانية فيمن كانوا فى زمن النَّبىّ ﷺ ، أَى حرّفوها بعد أَن وضعها الله مواضعها، وعرفوها وعملوا بها زماناً. قوله: ﴿وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ كرّر لأَنَّ الأُولى [فى اليهود] والثانية فى حَقِّ النَّصارى. والمعنى: لن ينالوا منه نصيباً. وقيل: معناه: تركوا بعض ما أُمروا به. قوله: ﴿يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ ثمّ كرّرها، فقال: ﴿يَا أَهْلَ الكتاب﴾ لأَنَّ الأُولى نزلت فى اليهود حين كتموا (صفات النبى ﷺ ، وآية الرجم من التوراة، والنصارى حين كتموا) بشارة عيسى بمحمّد ﷺ فى الإِنجيل، وهو قوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب﴾ ثمّ كرّر فقال: ﴿وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ فكرّر ﴿يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ أَى شرائعكم فإِنكم على ضلال لا يرضاه الله، ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أَى على انقطاع منهم ودُرُوس ممّا جاءُوا به. قوله: ﴿وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ ،

стр. 182

ثم كرّر فقال: ﴿وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المصير﴾ لأَنَّ الأُولى نزلت فى النَّصارى حين قالوا: إِنَّ الله هو المسيح بن مريم، فقال: ولله ملك السّماوات والأَرض وما بينهما ليس فيهما معه شريك، ولو كان عيسى إلهاً لاقتضى أَن يكون معه شريكاً، ثمّ من يذُبّ عن المسيح وأُمِّه وعَمّن فى الأَرض جميعاً إِن أَراد إِهلاكَهم، فإِنَّهم مخلوقون له، وإِنَّ قدرته شاملة عليهم، وعلى كل ما يريد بهم. والثانية نزلت فى اليهود والنصارى حين قالوا: نحن أَبناءُ الله وأَحبّاؤُه فقال: ولله ملك السّماوات والأَرض وما بينهما، والأَب لا يملك ابنه ولا يعذِّبه، وأَنتم مصيركم إِليه، فيعذِّب من يشاءُ منكم، ويغفر لمن يشاءُ. قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذكروا﴾ وقال فى سورة إِبراهيم ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ اذكروا﴾ لأَنَّ تصريح اسم المخاطب مع حرف الخطاب يدُلُّ على تعظيم المخاطب به و [لمَّا] كان ما فى هذه السّورة نِعماً جساماً ما عليها من مزيد وهو قوله ﴿جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن العالمين﴾ صرّح، فقال: يا قوم، ولموافقة ما قبله وما بعده من النداءِ وهو ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا﴾ ﴿ياموسى إِنَّ فِيهَا﴾ ﴿ياموسى إِنَّا﴾ ولم يكن ما فى إِبراهيم بهذه المنزلة فاقتصر على حرف الخطاب.

стр. 183

قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله﴾ كرّره ثلاث مرّات، وختم الأُولى بقوله: الكافرون، والثانية بقوله: الظَّالمون، والثالثة بقوله: الفاسقون، قيل: لأَنَّ الأُولى نزلت فى حكَّام المسلمين، والثانية فى اليهود، والثالثة فى النَّصارى. وقيل: الكافر والظَّالم والفاسق كلَّها بمعنى واحد، وهو الكفر، عُبِّر عنه بأَلفاظ مختلفة؛ لزيادة الفائدة، واجتناب صورة التكرار. وقيل: ومن لم يحكم بما أَنزل الله إِنكاراً له فهو كافر، ومن لم يحكم بالحقِّ جهلاً وحَكمَ بضدّه فهو فاسق، ومن لم يحكم بالحق مع اعتقاده وحكم بضدّه فهو ظالم، وقيل: ومن لم يحكم بما أَنزل الله فهو كافر بنعمة الله، ظالم فى حكمه، فاسق فى فعله. قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ﴾ ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ كرّر لأَنَّ النَّصارى اختلفت أَقوالهم، فقالت اليعقوبيّة: الله تعالى ربّما تجلَّى فى بعض الأَزمان فى شخص، فتجلَّى يومئذ فى شخص عيسى، فظهرت منه المعجزات، وقالت الملكانيّة الله اسم يجمع أباً وابنا وروح القدس، اختلف بالأَقانيم والذاتُ واحدة. فأَخبر الله أَنَّهم كلَّهم كفَّار. قوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً

стр. 184

رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذلك الفوز العظيم﴾ ذكر فى هذه السّورة هذه الخلال جملة؛ لأَنها أَوّل ما ذكِرت، ثمّ فُصِّلت. فضل السّورة عن ابن عمر أَنَّه قال: نزلت هذه السّورة على رسول الله ﷺ ، وهو على راحلته، فلم يستطع أَن تحمله، حتى نزل عنها. ويروى بسند ضعيف: من قرأَ هذه السّورة أُعطى من الأَجر بعَدَد كلِّ يهودىّ ونَصرانىّ فى دار الدّنيا عشر حسنات، ومُحى عنه عشرُ سيّئات، ورُفع له عشرُ درجات. وفى رواية: مَنْ قرأَ هذه السّورة أُعطى بكل يهودىّ ونصرانىّ على وجه الأَرض ذَرّات، بكلِّ ذرّة منها حسنةٌ، ودرجات كلُّ درجة منها أَوسع من المشرق إِلى المغرب سبعمائة أَلف أَلف؛ ضعيف. ويروى أَنَّه قال: يا علىّ مَن قرأَ سورة المائدة شَفَع له عيسى، وله من الأَجر مثل أُجور حَوَاريىّ عيسى، ويُكتب له بكلِّ آية قرأَها مثلُ ثواب عُمَّار بيت المَقْدِس.

стр. 185

بصيرة فى.. الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض هذه السورة مكّيّة، سوى ستّ آيات منها: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إِلى آخر ثلاث آيات ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ إلى آخر ثلاث آيات. هذه الآيات السّت نزلت بالمدينة فى مرّتين، وباقى السّورة نزلت بمكة دفعة واحدة. عدد آياتها مائة وخمس وستون آية عند الكوفيّين، وستّ عند البصريّين والشَّأْميّين، وسبع عند الحجازىّ. وعدد كلماتها ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة وعدد حروفها اثنا عشر أَلفاً ومائتان وأَربعون. والمختلف فيها أَربع آيات ﴿الظلمات والنور﴾ ﴿بِوَكِيلٍ﴾ ﴿كُنْ فَيَكُوْن﴾ ﴿إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ . فواصل آياتها (ل م ن ظ ر) يجمعها (لمَ نظر) .

стр. 186

ولهذه السّورة اسمان: سورة الأَنعام، لما فيه من ذكر الأَنعام مكرّراً ﴿وَقَالُواْ هاذه أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ﴾ ﴿وَمِنَ الأنعام حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ ﴿وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا﴾ ، وسورة الحُجّة؛ لأَنَّها مقصورة على ذكر حُجّة النبوّة. وأَيضاً تكرّرت فيه الحجّة ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة﴾ . مقصود السّورة على سبيل الإِجمال، ما اشتمل على ذكره: من تخليق السّماوات والأَرض، وتقدير النُّور والظلمة، وقضاءِ آجال الخَلْق، والرّد على منكِرى النبوّة، وذكر إِنكار الكفَّار فى القيامة، وتمنّيهم الرّجوع إِلى الدّنيا، وذكر تسلية الرسول ﷺ عن تكذيب المكذِّبين، وإِلزام الحجّة على الكفار، والنَّهى عن إِيذاءِ الفقراءِ، واستعجال الكفَّار بالعذاب، واختصاص الحقّ تعالى بالعلم المغيّب، وقهره، وغلبته على المخلوقات، والنَّهى عن مجالسة النَّاقضين ومؤانستِهم، وإِثبات البعث والقيامة، وولادة الخليل ﵇، وعرْض الملَكوت عليه، واستدلاله، حال خروجه من الغار، ووقوع نظره على الكواكب، والشمس، والقمر، ومناظرة قومه، وشكاية أَهل الكتاب، وذكرهم حالة النزع، وفى القيامة، وإِظهار بُرْهان التَّوحيد ببيان البدائع والصّنَائع،

стр. 187

والأَمر بالإِعراض عن المشركين، والنَّهى عن سبِّ الأَصنام، وعُبّادها، ومبالغة الكفَّار فى الطّغيان، والنَّهى عن أَكل ذبائح الكفَّار، ومناظرة الكفار، ومحاورتهم فى القيامة، وبيان شَرْع عَمْرو بن لُحىّ فى الأَنعام بالحلال والحرام، وتفصيل محرّمات الشريعة الإِسلامية، ومُحْكَمَات آيات القرآن، والأَوامر والنَّواهى من قوله تعالى ﴿قُلْ تَعَالُوْا﴾ إِلى آخر ثلاث آيات، وظهور أَمارات القيامة، وعلاماتها فى الزَّمن الأَخير، وذكر جزاءِ الإِحسان الواحد بعشرة، وشكر الرّسول على تبرّيه من الشرك، والمشركين، ورجوعه إِلى الحق فى مَحياه ومَمَاته، وذكر خلافة الخلائق، وتفاوت درجاتهم، وختم السّورة بذكر سرعة عقوبة الله لمستحِقِّيها، ورحمته، ومغفرته لمستوجبيها، بقوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيْمٌ﴾ . النَّاسخ والمنسوخ الآيات المنسوخة فى السّورة أَربعَ عشرة آية ﴿إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ م ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله﴾ ن ﴿قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ م آية السّيف ن ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ﴾ إِلى قوله ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُوْنَ﴾ م ﴿فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ﴾ ن ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ﴾ م ﴿قَاتِلُواْ

стр. 188

الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر﴾ ن ﴿قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ م آية السّيف ن ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ م آية السّيف ن ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ م آية السّيف ن ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ م آية السّيف ن ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَليه﴾ م ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات﴾ ن ﴿اعملوا على مَكَانَتِكُمْ﴾ م آية السّيف ن ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾ م آية السّيف ن. المتشابهات قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ﴾ وفى الشعراءِ ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ لأَنَّ سورة الأَنعام متقدّمة فقيّد التكذيب بقوله: ﴿بالحق لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ ثمّ قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ على التمام، وذكر فى الشعراءِ ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ﴾ مطلقا؛ لأَن تقييده فى هذه السّورة يدلّ عليه، ثمّ اقتصر على السّين هناك بد (فسوف) ليتَّفق اللفظان فيه على الاختصار. قوله ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ فى بعض المواضع بغير واو؛ كما فى هذه السّورة، وفى بعضها بالواو، وفى بعضها بالفاءِ؛ هذه الكلمة تأتى فى القرآن على وجهين: أَحدهما متَّصل بما كان الاعتبار فيه بالمشاهدة، فذكره بالأَلف

стр. 189

والواو، ليدلّ الألف على الاستفهام، والواو على عطف جملة على جملة قبلها، وكذا الفاءُ، ولكنَّها أَشدّ اتِّصالاً بما قبلها، والثانى متَّصل بما الاعتبارُ فيها بالاستدلال، فاقتُصِر على الأَلف دون الواو والفاءِ، ليجرى مَجْرَى الاستئناف؛ ولا يَنْقُصُ هذا الأَصلَ قوله ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير﴾ فى النَّحل؛ لاتِّصالها بقوله ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ وسبيله الاعتبار بالاستدلال، فبنى عليه ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير﴾ . قوله ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض [ثُمَّ انظروا﴾ فى هذه السورة فحسب. وفى غيرها: ﴿سِيرُواْ فِي الأرض] فَاْنظُرُواْ﴾ لأَنَّ ثُمَّ للتراخى، والفاءَ للتعقيب، وفى هذه السّورة تقدّم ذكرُ القرون فى قوله ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ ثمّ قال ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًاءَاخَرِيْنَ﴾ فأُمِرُوا باستقراءِ الدِّيار، وتأَمُّل الآثار، وفيها كثرة فيقع ذلك (فى) سير بعد سير، وزمان بعد زمان، فخصّت بثمّ الدّالة على التَّراخى بعد الفعلين، ليُعلَم أَنَّ السّير مأمور به على حِدَة؛ ولم يتقدّم فى سائر السّور مثلُها، فخُضّت بالفاءِ الدَّالة على التعقيب. قوله ﴿الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ليس بتكرار لأَنَّ الأَوّل فى حقِّ الكفَّار، (والثانى) فى حقِّ أَهل الكتاب.

стр. 190

قوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ [لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ وقال فى يونس (فمن) بالفاءِ، وخَتم الآية بقوله ﴿إِنَّهُ] لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُوْنَ﴾ لأَنَّ الآيات الَّتى تقدّمت فى هذه السّورة عُطِف بعضها على بعض بالواو، وهو قوله ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هاذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ ... وَإِنَّنِي بَرِيءٌ﴾ ثمّ قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ وخَتَم الآية بقوله: ﴿الظالمون﴾ ليكون آخر الآية [موافقا للأَول. وأَما فى سورة يونس فالآيات التى تقدمت عطف بعضها على بعض بالفاءِ وهو قوله: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ثم قال: فمن أَظلم (بالفاءِ وختم الآية] بقوله: ﴿المجرمون﴾ أَيضاً موافقة لما قبلها وهو قوله: ﴿كذلك نَجْزِي القوم المجرمين﴾ فوصفهم بأَنَّهم مجرمون، وقال بعده ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرض مِن بَعْدِهِم﴾ فختم الآية بقوله: المجرمون ليعلم أَنَّ سبيل (هؤُلاءِ سبيل) مَن تقدّمهم. قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ وفى يونس ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ لأَنَّ ما فى هذه السّورة نَزَل فى أَبى سفيان، والنَّضْر بن الحارث، وعُتْبَة، وشَيْبَةَ، وأُمَيَّةُ، وأُبىّ بن خَلَفَ، فلم يكثروا ككثرة قوله (مَن) فى يونس لأَنَّ المراد بهم جميع الكفَّار، فحمل هاهنا مرَّة على لفظ (مَنْ) فوُحِّدَ؛

стр. 191

لقلًَّتهم، ومرَّة على المعنى، فجمع؛ لأَنَّهم وإِن قَلُّوا جماعةٌ. وجُمع ما فى يونس ليوافق اللَّفظ المعنى. وأَمَّا قوله فى يونس: ﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾ فسيأْتى فى موضعه إِن شاءَ الله تعالى. قوله: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار﴾ ثمّ أَعاد فقال: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ لأَنَّهم أَنكروا النَّار فى القيامة، وأَنكروا الجزاءَ والنَّكال، فقال فى الأُولى: ﴿إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار﴾ ، وفى الثَّانية ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أَى جزاءِ ربِّهم ونكالِه فى النار، وختم بقوله: ﴿فَذُوْقُوْا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُوْنَ﴾ . قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ليس غيره. وفى غيرها بزيادة (نموت ونحيا) لأَنَّ ما فى هذه السّورة عند كثير من المفسرين متَّصل بقوله ولو رُدُّوا لعادوا لما نُهوا عنه وقالوا إِن هى إِلاَّ حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ولم يقولوا ذلك، بخلاف ما فى سائر السُّوَر؛ فإِنهم قالوا ذلك؛ فحكى الله تعالى عنهم. قوله: ﴿وَمَا الحياة الدنيآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ قدّم اللَّعب على اللَّهو فى موضعين هنا، وكذلك فى القتال، والحديد، وقدّم اللَّهو على اللَّعب فى الأَعراف، والعنكبوت، وإِنما قدّم اللَّعب فى الأَكثر لأَنَّ

стр. 192

اللعب زمانه الصبا واللهو زمانه الشباب، وزمان الصبا مقدّم على زمان الشباب. يُبَيِّنه ما ذكر فى الحديد ﴿اعْلَمُوْا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ﴾ كلعب الصبيان ﴿وَلَهْوٌ﴾ كلهو الشبَّان ﴿وَزِيْنَةٌ﴾ كزينة النِّسوان ﴿وَتَفَاخُرٌ﴾ كتفاخر الإِخوان ﴿وَتَكَاثُرٌ﴾ كتكاثر السُّلطان. وقريب من هذا فى تقديم لفظ اللعب على اللَّهو قوله ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ وقدّم اللَّهو فى الأَعراف لأَنَّ ذلك فى القيامة، فذكر على ترتيب ما انقضى، وبدأَ بما به الإِنسان انتهى من الحالتين. وأَما العنكبوت فالمراد بذكرها زمانُ الدُّنيا، وأَنَّه سريع الانقضاءِ، قليل البقاءِ، وإِنَّ الدَّار الآخرة لهى الحيوان أَى الحياة الَّتى لا بداية لها، ولا نهاية لها، فبدأَ بذكر اللهو؛ لأَنَّه فى زمان الشَّباب، وهو أَكثر من زمان اللعب، وهو زمان الصِّبا. قوله: ﴿أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة﴾ ثمّ قال: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ وليس لهما ثالث. وقال: فيما بينهما ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وكذلك فى غيرها، ليس لهذه الجملة فى العربيّة نظير، لأَنَّه جمْع بين علامَتَى خطاب، وهما التاءُ والكاف، والتَّاءُ اسم بالإِجماع، والكاف حرف عند البصريين يفيد الخطاب فحسْبُ، والجمع بينهما يدلُّ على أَن ذلك تنبيه على شىء، ما عليه من مزيد، وهو ذكر

стр. 193

الاستئصال بالهلاك، وليس فيما سواهما ما يدلّ على ذلك، فاكتُفِىَ بخطاب واحد والله أَعلم. قوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُوْنَ﴾ فى هذه السورة، وفى الأَعراف: ﴿يَضَّرَّعُوْنَ﴾ بالإِدغام لأَنَّ هاهنا وافق ما بعده وهو قوله: ﴿جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوْا﴾ ومستقبل تضرَّعوا يتضرَّعون لا غير. قوله: ﴿انظر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيات﴾ مكرّر؛ لأَنَّ التقدير: انظر كيف نصرّف الآيات ثمّ هم يصْدِفُونَ عنها؛ فلا نُعرض عنهم بل نكرّرها لعلهم يفقهون. قوله: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ولا أَعْلَمُ الغيب ولا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ فكرّر ﴿لَكُمْ﴾ وقال فى هود ﴿وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ فلم يكرّر ﴿لَكُمْ﴾ لأَنَّ فى هود تقدّم ﴿إِنِّيْ لَكُمْ نّذِيْرٌ﴾ وعَقِبه ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ﴾ وبعده ﴿أَنْ أَنْصَحُ لَكُمْ﴾ فلمّا تكرّر ﴿لَكُمْ﴾ فى القصّة أَربع مرَّات اكتفى بذلك. قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذكرى لِلْعَالَمِينَ﴾ فى هذه السّورة، وفى سورة يوسف: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ منوَّناً؛ لأَنَّ فى هذه السّورة تقدّم ﴿بَعْدَ﴾ ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ فكان ﴿الذِّكْرَى﴾ أَليقَ بها. قوله: ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ فى هذه السّورة؛ وفى آل عمران: ﴿وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾

стр. 194

وكذلك فى الرّوم، ويونس ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ لأَنَّ [ما] فى هذه السّورة وقعت بين أَسماءِ الفاعلين وهو فالق الحبّ، فالق الإِصباح وجاعل اللَّيل سكناً، واسم الفاعل يُشْبه الاسم من وجه، فيدخله الأَلفُ واللاَّم، والتنوينُ، والجرُّ (من وجه) وغير ذلك، ويشبه الفعل من وجه، فيعمل عمل الفعل، ولا يثنى و (لا) يجمع إِذا عمل، وغير ذلك. ولهذا جاز العطف عليه بالاسم نحو قوله: الصّابرين والصّادقين، وجاز العطف عليه بالفعل نحو قوله: ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ ، ونحو قوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ فلمّا وقع بينهما ذكر ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت﴾ بلفظ الفعل و ﴿وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ بلفظ الاسم؛ عملاً بالشّبَهَين وأُخِّر لفظ الاسم؛ لأَنَّ الواقع بعده اسمان، والمتقدّم اسم واحد، بخلاف ما فى آل عمران؛ لأَنَّ ما قبله وما بعده أَفعال. وكذلك فى يونس والرّوم قبله وبعده أَفعال. فتأَمّل فيه؛ فإِنّه من معجزاتِ القرآن. قوله ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ثمّ قال: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيات

стр. 195

لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ وقال بعدهما ﴿إِنَّ فِي ذلكم لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأَنَّ مَن أَحاط علماً بما فى الآية الأُولى صار عالِماً، لأَنَّه أَشرف العلوم، فختم بقوله: يعلمون؛ والآية الثانية مشتملة على ما يَستدعى تأمُّلاً وتدبُّراً، والفقه علم يحصل بالتفكُّر والتدبُّر، ولهذا لا يوصف به الله ، فختم الآية بقوله: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ ومَنْ أَقَرَّ بما فى الآية الثالثة صار مؤمناً حَقّاً، فختم الآية بقوله ﴿يُؤْمِنُوْنَ﴾ وقوله ﴿ذلكم لآيَاتٍ﴾ فى هذه السّورة، لظهور الجماعات وظهور الآيات (عمّ جميع) الخطاب وجُمع الآيات. قوله: ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾ ، وفى غيرها ﴿خَلَقَكُمْ﴾ لموافقة ما قبلها، وهو ﴿أَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ﴾ وما بعدها ﴿وَهُوَ الذي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ﴾ . قوله: ﴿مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ ، وفى الآية الأُخرى ﴿مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ لأَنَّ أَكثر ما جاءَ فى القرآن من هاتين الكلمتين جاءَ بلفظ التَّشابه، نحو قوله: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ ﴿إِنَّ البقر تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فجاءَ ﴿مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ فى الآية الأُولى و ﴿مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ فى الآية الأُخرى على تلك القاعدة. ثمّ كان لقوله "تشابه" معنيان: أَحدهما الْتَبس، والثانى تساوى، وما فى

стр. 196

البقرة معناه: الْتبس فحَسْب، فبيّن بقوله: ﴿مُشْتَبِهاً﴾ ومعناه: ملتبساً أَنَّ ما بعده من باب الالتباس أَيضاً، لا من باب التساوى والله أَعلم. قوله: ﴿ذلكم الله رَبُّكُمْ لا إلاه إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فى هذه السورة، وفى المؤمن ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إلاه إِلاَّ هُوَ﴾ ؛ لأَنَّ فيها قبله ذكر الشركاء، والبنين، والبنات، فدفع قول قائله بقوله: لا إِله إِلاَّ هو، ثمّ قال ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وفى المؤْمن قبله ذكر الخَلْق وهو ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ لا على نفى الشَّريك، فقدم فى كل سورة ما يقتضيه ما قبله من الآيات. قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ وقال فى الآية الأُخرى من هذه السّورة: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ لأَنَّ قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ﴾ وقع عقِيب آيات فيها ذِكر الرّب مرّات وهى ﴿جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾ الآيات ... فختمها بذكر الرّب؛ ليوافق ﴿أُخْرَاهَا أُوْلاَهَا﴾ . قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا فَعَلُوهُ﴾ وقع بعد قوله ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾ فختم بما بدأَ. قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ﴾ وفى ن: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ بزيادة الباء، ولفظ الماضى؛ لأَنَّ

стр. 197

إِثبات الباء هو الأَصل؛ كما فى ﴿ن والقلم﴾ وغيرها من السّور؛ لأَن المعنى لا يعمل فى المفعول به، فقُوَّى بالباءِ. وحيث حُذفت أَضِمرَ فعل يعمل فيما بعده. وخصّت هذه السّورة بالحذف موافقة لقوله: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وعُدِل إِلى لفظ المستقبل؛ لأَنَّ الباءَ لمّا حُذِفتْ الْتبس اللفظ بالإِضافة - تعالى الله عن ذلك - فنبّه بلفظ المستقبل على قطع الإِضافة؛ لأَنَّ أَكثر ما يستعمل بلفظ (أَفعل مَنْ) يستعمل مع الماضى؛ أَعلم مَن دَبّ ودَرَجَ، وأَحسن مَن قام وقعدَ، وأَفضل من حجّ واعتمر. فتنبّهْ فإِنَّه مِن أَسرار القرآن. قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُوْنَ﴾ بالفاءِ حيث وقع، وفى هود ﴿سَوْفَ تَعْلَمُوْنَ﴾ بغير فاء؛ لأَنَّه تقدّم فى هذه السورة وغيرها (قل) فَأَمرهم أَمْرَ وعيد بقوله (اعملوا) أَى اعملوا فستجزَونَ، ولم يكن فى هود (قل) فصار استئنافاً. وقيل: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُوْنَ﴾ فى سورة هود صفة لعامل، أَى إِنّى عامل سوف تعلمون، فحَذَف الفاءَ. قوله ﴿سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ ، وقال فى النحل: ﴿وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَا عَبَدْنَا

стр. 198

مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ ولا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ فزاد ﴿مِن دُونِهِ﴾ مرّتين، وزاد (نحن) لأَنَّ لفظ الإِشراك يدل على إِثبات شريك لا يجوز إِثباته، ودلَّ على تحريم أَشياءَ، وتحليل أَشياءَ من دون الله، فلم يحتج إِلى لفظ ﴿مِن دُونِهِ﴾ ؛ بخلاف لفظ العبادة؛ فإِنَّها غير مستنكرة، وإِنَّما المستنكرة عبادة شىء مع الله ولا يدل على تحريم شئ مما دلَّ عليه (أَشرك) ، فلم يكن بُدٌّ (من تقييده بقوله: "من دونه". ولَمَّا حذف "من دونه" من الآية مرَّتين حذف معه (نحن) لتطَّرد الآية فى حكم التَّخْفيف. قوله: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ وفى سبحان ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ على الضِّدّ؛ لأَنَّ التقدير: من إِملاق [بكم] نحن نرزقكم وإِياهم وفى سبحان: خشية إِملاق يقع بهم نحن نرزقهم وإِيَّاكم. قوله: ﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وفى الثانية ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وفى الثالثة ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ﴾ لأَنَّ الآية (الأُولى) مشتملة على خمسة أَشياء، كلُّها عظام جسَام، وكانت الوصيّة بها من أَبلغ الوصايا، فختم الآية بما فى الإِنسان من أَشرف السّجايا (وهو العقل) الَّذى امتاز به

стр. 199

الإِنسان عن سائر الحيوان؛ والآية الثانية مشتملة على خمسة أَشياء يقبح تعاطيها وارتكابها، وكانت الوصيّة بها تجرى مجْرَى الزَّجر والوعظ، فختم الآية بقوله: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ أَى تتَّعظون بمواعظ الله؛ والآية الثالثة مشتملة على ذكر الصّراط المستقيم، والتَّحريض على اتباعه، واجتناب مُنافيه، فختم الآية بالتَّقوى الَّتى هى مِلاك العمل وخير الزَّاد. قوله: ﴿جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرض﴾ فى هذه السّورة، وفى يونس والملائكة ﴿جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرض﴾ لأَنَّ فى هذه العشر الآيات تكرّر ذكر المخاطبين مرَّات، فعرّفهم بالإِضافة؛ وقد جاءَ فى السّورتين على الأَصل، وهو ﴿جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾ ﴿جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِيْنَ فِيْهِ﴾ . قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وقال فى الأَعراف ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لأَنَّ ما فى هذه السّورة وقع بعد قوله ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِيْ جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرض﴾ فقُيِّد قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ بالَّلام ترجيحاً للغفران على العقاب. ووقع ما فى الأَعراف بعد قوله: ﴿وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ وقوله: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فقيّد العقاب بالَّلام لما تقدّم من الكلام، وقيّد المغفرة أَيضا بها رحمةً منه للعباد؛ لئلاَّ يترجّح جانب الخوف على الرّجاءِ. وقدّم ﴿سَرِيْعُ الْعِقَابِ﴾ فى الآيتين مراعاة لفواصل الآى.

стр. 200

فضل السّورة عن النَّبىّ ﷺ أَنَّه قال: "نزلت علىَّ سورةُ الأَنعام جملةً واحدة يُشيّعها سبعون أَلفَ مَلَك، لهم زَجَل بالتسبيح، والتحميد فمن قرأَ سورة الأَنعام صلَّى عليه أَولئك السّبعون أَلف مَلَك، بعدد كل آية من الأَنعام، يوماً وليلة، وخلق الله من كلِّ حرف مَلكاً يستغفرون له إِلى يوم القيامة" وعنه ﷺ أَنَّه قال: "مَنْ قرأَ ثلاث مرّات من أَوّل سورة الأَنعام إِلى قوله: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تَكْسِبُوْنَ﴾ وَكل الله به أَربعين أَلف مَلَك، يكتبون له مثل عبادتهم إِلى يوم القيامة، ونزل مَلَك من السّماءِ السّابعة، ومعه مِرْزَبَّة من حديد، فإِذا أَراد الشيطان أَن يوسوس ويوحى فى قلبه شيئاً ضربه بها ضربة كانت بينه وبينه سبعون حجاباً، فإّذا كان يوم القيامة يقول الرّب ﵎: عِشْ فى ظلِّى وكُلْ من ثمار جنَّتى، واشرب من ماءِ الكوثر، واغتسل من ماءِ السّلسبيل، وأَنت عبدى، وأَنا ربّك". وقال ﷺ : "من قرأَ هذه السّورة كان له نور من جميع الأَنعام الَّتى خلقها الله فى الدّنيا ذَرّاً بعدد كل ذرٍّ أَلفُ حسنة ومائة أَلف درجة" ويروى أَنَّ هذه السّورة معها من كلِّ سماءِ أَلفُ أَلف مَلَك لهم زَجَل بالتَّسبيح والتَّهليل، فمن قرأَها تستغفر له تلك اللَّيلة. وعن جعفر الصّادق أَنَّه قال:

стр. 201

من قرأَ هذه السّورة كان من الآمنين يوم القيامة. وإِن فيها اسم الله [فى] تسعين موضعاً. فمن قرأَها يغفر له سبعين مرّة. وعن النَّبى ﷺ : "يا علىّ مَنْ قرأَ سورة الأَنعام كُتِب اسمه فى ديوان الشهداءِ، ويأْخذ ثواب الشُّهداءِ، وله بكلِّ آية قرأَها مثلُ ثواب الراضين بما قسم الله لهم". وقال كعب الخير فُتحت التوراة بقوله (الحمد لله الذى خلق السماوات والأَرض) وختمت بقوله ﴿الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ .

стр. 202

بصيرة فى.. ألمص هذه السّورة نزلت بمكة إِجماعاً. وعدد آياتها مائتان وستُّ آيات فى عدّ قرّاءِ كوفة والحجاز، وخمس فى عدّ الشَّام والبصرة. وكلماتها ثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمس وعشرون كلمة. وحروفها أَربعة عشر أَلفا وثلاثمائة وعشرة أَحرف. والآيات المختَلف فيها خمس: المص ﴿بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ ﴿ضِعْفاً مِّنَ النار﴾ على بنى إِسرائِيل. مجموع فواصل آياته (م ن د ل) على الدّال منها آية واحدة: المص، وعلى اللاَّم واحدة: آخرها إِسرائيل. ولهذه السّورة ثلاثة أَسماء: سورة الأَعراف، لاشتمالها على ذكر الأَعراف فى ﴿ونادى أَصْحَابُ الأعراف﴾ وهى سُور بين الجنَّة والنَّار. الثَّانى سورة الميقات؛ لاشتمالها على ذكر ميقات موسى فى قوله: ﴿وَلَمَّا جَآءَ

стр. 203

موسى لِمِيقَاتِنَا﴾ . الثالث سورة الميثاق؛ لاشتمالها على حديث الميثاق فى قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ وأشهرها الأَعراف. مقصود السّورة على سبيل الإِجمال: تسليةُ النبىّ ﷺ فى تكذيب الكفَّار إِيَّاه (و) ذكر وزن الأَعمال يوم القيامة، وذكر خَلْق آدم، وإِباءُ إِبليس من السّجدة لآدم، ووسوسته لهما لأَكل الشّجرة، وتحذير بنى آدمَ من قبول وسوسته، والأَمر باتِّخاذِ الزِّينة، وستر العورة فى وقت الصّلاة، والرّد على المكذِّبين، وتحريم الفواحش ظاهراً وباطناً، وبيان مَذَلَّة الكُفَّار فى النَّار، ومناظرة بعضهم بعضاً، ويأسهم من دخول الجنَّة، وذكر المنادِى بين الجنَّة والنَّار، ونداء أَصحاب الأَعراف لِكلا الفريقين وتمنِّيهم الرّجوع إِلى الدّنيا، وحُجّة التوحيد، والبرهان على ذات الله تعالى وصفاته، وقصة نوح والطُّوفان، وذكر هود وهلاك عاد، وحديث صالح وقهر ثمود، وخبر لوط وقومه، وخبر شُعَيْب وأَهل مَدْيَن، وتخويف الآمنين من مكر الله، وتفصيل أَحوال موسى (وفرعون والسّحرة، واستغاثة بنى إِسرائيل، وذكر الآيات المفصَّلات، وحديث خلافة هارون، وميقات موسى) ، وقصّة عِجْل السّامِرىّ فى غَيْبَةِ موسى و (رجوع موسى) إِلى قومه، ومخاطبته لأَخيه هارون، وذكر النبى الأُمِّىّ العربىّ ﷺ ، والإِشارة إِلى ذكر الأَسباط، وقصّة أَصحاب السّبْت، وأَهْل أَيْلة، وذم علماءِ أَهل الكتاب، وحديث الميثاق ومعاهدة الله تعالى الذَّرية وطرد

стр. 204

بَلْعام بسبب ميله إِلى الدنيا، [و] نصيب جهنَّم من الجنِّ والإِنس، وتخويف العباد بقرب يوم القيامة، وإِخفاء علمه على العالمين، وحديث صحبة آدم وحواء فى أَوّل الحال، وذمّ الأَصنام وعُبّادها وأَمر الرّسول بمكارم الأَخلاق، وأَمر الخلائق بالإِنصات والاستماع لقراءَة القرآن، وخُطْبة الخطباءِ يوم الجمعة، والإِخبار عن خضوع الملائكة فى الملكوت، وانقيادهم بحضرة الجلال فى قوله: ﴿يُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ . المتشابهات: قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ هنا، وفى ص ﴿ياإبليس مَا مَنَعَكَ﴾ وفى الحِجْر ﴿قَالَ ياإبليس مَالَكَ﴾ بزيادة ﴿ياإبليس﴾ فى السورتين؛ لأَن خطابه قَرُب من ذكره فى هذه السّورة وهو قوله: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ﴾ فحسن حذف النِّداءَ والمنادى، ولم يقرب فى ص قربَه منه فى هذه السّورة؛ لأَن فى ص ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ استكبر وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾ بزيادة ﴿استكبر﴾ فزاد حرف النِّداءِ والمنادى، فقال: ﴿ياإبليس مَا مَنَعَكَ﴾ وكذلك فى الحِجْر فإِنَّ فيها ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُوْنَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ بزيادة (أَبَى) فزاد حرف النِّداء والمنادى فقال ﴿ياإبليس مَالَكَ﴾ . قوله: ﴿أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ وفى ص ﴿أَنْ تَسْجُدَ﴾ وفى الحِجْر ﴿أَلاَّ تَكُونَ﴾ فزاد فى هذه السّورة (لا) . وللمفسِّرين فى (لا) أَقوال: قال بعضهم: (لا) صِلَة

стр. 205

كما فى قوله: ﴿لِئَلاَّ يَعْلَمَ﴾ . وقال بعضهم: الممنوع من الشىء مضطّر إِلى خلاف ما مُنِع منه. وقال بعضهم: معناه: مَنْ قال لك: لا تسجدْ. وقد ذكر فى مطوّلات مبسوطة. والذى يليق بهذا الموضع ذكرُ السبب الذى خَصَّ هذه السّورة بزيادة (لا) دون السّورتين. قال تاج القرّاء: لمّا حُذِف منها (يا إِبليس) واقتُصر على الخطاب جُمع بين لفظ المنع ولفظ (لا) زيادةً فى النفى، وإِعلاماً أَنَّ المخاطب به إِبليس؛ خلافاً للسّورتين؛ فإِنه صرّح فيهما باسمه. وإِن شئت قلت: جمع فى هذه السّورة بين ما فى ص والحِجْر، فقال: ما منعك أَن تسجد، مالك أَلاَّ تسجد، وحذف (مالك) لدلالة (الحال ودلالة) السّورتين عليه، فبقى: ما منعك أَلاَّ تسجد. وهذه لطيفة فاحفظها. قوله: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ، وفى ص مثله. وقال فى الحجر: ﴿لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾ فجاءَ على لفظ آخر، لأَنَّ السّؤال فى الأَعراف وص: ما منعك، فلمّا اتَّفق السّؤال اتَّفق الجواب، وهو قوله: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ، ولمّا زاد فى الحجر لفظ الكون فى السّؤال وهو قوله ﴿مَالَكَ أَلاَّ تَكُوْنَ مَعَ السَّاجِدِيْنَ﴾ زاد فى الجواب أَيضاً لفظ الكون فقال: ﴿لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾ . قوله: ﴿أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وفى الحجر وفى ص ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِّى﴾ لأَنه سبحانه لمّا اقتصر فى السّؤال على الخطاب دون صريح الاسم فى هذه

стр. 206

السّورة، اقتصر فى الجواب أَيضاً على الخطاب، دون ذكر المنادى. وأَمَّا زيادة الفاء فى السّورتين دون هذه السّورة فلأَنَّ داعية الفاء ما تضمّنه النِّداء من أَدْعو أَو أنادى؛ نحو قوله: ﴿رَبَّنّا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ أَى أَدعوك، وكذلك داعية الواو فى قوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا﴾ فحذف المنادَى، فلمّا حذفه انحذفت الفاء. قوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ﴾ هنا، وفى السّورتين (فإِنّك) ؛ لأَنَّ الجواب يُبنى على السّؤال، ولمّا خلا السّؤال فى هذه السّورة عن الفاءِ خلا الجواب عنه، ولمّا ثبت الفاءُ فى السّؤال فى السّورتين ثبتت فى الجواب، والجواب فى السّور الثلاث إِجابة، وليس باستجابة. قوله: ﴿فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ فى هذه السّورة وفى ص ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ ، وفى الحِجْر: ﴿رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ لأَنَّ ما فى هذه السّورة موافق لما قبله فى الاقتصار على الخطاب دون النداءِ، وما فى الحِجْر موافق لما قبله من مطابقة النِّداءَ، وزاد فى هذه السّورة الفاءَ التى هى للعطف ليكون الثانى مربوطاً بالأَوّل، ولم يدخل فى الحجر، فاكتفى بمطابقة النداءِ (لامتناع النداءِ) منه؛ لأَنَّه ليس بالذى يستدعيه النداءُ؛ فإِن ذلك يقع مع

стр. 207

السّؤال والطلب، وهذا قسم عند أَكثرهم بدليل ما فى ص، وخبرٌ عند بعضهم. والَّذى فى ص على قياس ما فى الأَعراف دون الحِجْر؛ لأَنَّ موافقتهما أكثر على ما سبق، فقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ وهو قسم عند الجميع، ومعنى ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ يئول إِلى معنى ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ والله أَعلم. وهذا الفصل فى هذه السّورة برهان لامع. وسأَل الخطيبُ نفسَه عن هذه المسائل، فأَجاب عنها، وقال: إِنَّ اقتصاص ما مضى إِذا لم يُقصد به أَداءُ الأَلفاظ بعينها، كان اتِّفاقها واختلافها سواءً إِذا أَدّى المعنى المقصود، وهذا جواب حسن إِن رضِيت به كُفِيت مُؤَنة السّهر إِلى السّحر. قوله: ﴿قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً﴾ ليس فى القرآن غيره؛ لأَنَّه سبحانه لمّا بالغ فى الحكاية عنه بقوله: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ الآية بالغ فى ذمّه فقال: اخرج منها مذءُوماً مدحوراً، والذَّأْم أَشدّ الذم. قوله: (فكلا) سبق فى البقرة. قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ بالفاءِ [حيث] وقع إِلاَّ فى يونس، فإِنَّه جملة عُطفت على جملة بينهما اتِّصال وتعقيب، وكان الموضع لائقا بالفاءِ، وما فى يونس يأتى فى موضعه.

стр. 208

قوله: ﴿وَهُمْ بالآخرة كَافِرُونَ﴾ ما فى هذه السّورة جاءَ على القياس، وتقديره: وهم كافرون بالآخرة، فقدّم (بالآخرة) تصحيحاً لفواصل الآية، وفى هود لمّا تقدّم ﴿هاؤلاء الذين كَذَبُواْ على رَبِّهِمْ﴾ ثمّ قال: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ولم يقل (عليهم) والقياس ذلك التبس أَنَّهم هم أَم غيرهم، فكرّر وقال: ﴿وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ﴾ ليعلم أَنَّهم هم المذكورون لا غيرهم، وليس (هم) هنا للتَّأْكيد كما زعم بعضهم؛ لأَنَّ ذلك يزاد مع الأَلف واللاَّم، ملفوظاً أَومقدّراً. قوله: ﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح﴾ هنا، وفى الرّوم بلفظ المستقبل وفى الفرقان وفاطر بلفظ الماضى، لأَنَّ ما قبلها فى هذه السّورة ذِكر الخوف والطَّمع، وهو قوله: ﴿وَادْعُوْهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ وهما يكونان فى المستقبل لا غير، فكان (يرسل) بلفظ المستقبل أَشبه بما قبله، وفى الرّوم قبله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الفلك بِأَمْرِهِ﴾ فجاءَ بلفظ المستقبل ليوافق ما قبله. وأَمَّا فى الفرقان فإِنَّ قبله ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ الآية (وبعد الآية) (وهو

стр. 209

الَّذى جعل لكم [ومرج وخلق] وكان الماضى أَليق به. وفى فاطر مبنىّ على أَوّل السّورة ﴿الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً﴾ وهما بمعنى الماضى، فبنى على ذلك (أَرسل) بلفظ الماضى؛ ليكون الكلّ على مقتضَى اللَّفظ الَّذى خصّ به. قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً﴾ هنا بغير واو، وفى هود والمؤمنين (ولقد) بالواو؛ لأَنَّه لم يتقدّم فى هذه السّورة ذكرُ رسول فيكونَ هذا عطفاً عليه، بل هو استئناف كلام. وفى هود تقدّم ذكرُ الرُّسُل مرّات، وفى المؤمنين تقدّم ذكر نوح ضِمناً؛ لقوله ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُوْنَ﴾ ؛ لأَنَّه أَوّل مَن صَنعَ الفلك، فعطف فى السّورتين بالواو. قوله: ﴿أَرْسَلْنَا نُوْحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ﴾ بالفاءِ هنا، وكذا فى المؤمنين فى قصّة نوح، وفى هود فى قصّة نوح، ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ بغير فاء، وفى هذه السّورة فى قصّة عاد بغير فاء؛ لأَنَّ إِصبات الفاءِ هو الأَصل، وتقديره أَرسلنا نوحاً فجاءَ فقال، فكان فى هذه السّورة والمؤمنين على ما يوجبه اللَّفظ. وأَمّا فى هود فالتقدير: فقال إِنى فأَضمر ذلك قال، فأَضمر معه الفاءَ. وهذا كما قلنا فى قوله: ﴿فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ

стр. 210

أَكْفَرْتُمْ﴾ أَى فقال لهم: أَكفرتم، فأَضمر القول والفاءَ معاً وأَمّا فى قصّة عاد فالتقدير: وأَرسلنا إِلى عاد أَخاهم هوداً فقال، فأَضمر أَرسلنا، وأَضمر الفاءَ؛ لأَنَّ الفاء لفظ (أَرسلنا) . قوله: ﴿قَالَ الملأ﴾ بغير واو فى قصّة نوح وهود فى هذه السّورة، وفى هود والمؤمنين (فقال) بالفاء، لأَن ما فى هذه السورة فى القصّتين لا يليق بالجواب وهو قولهم لنوح ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ظَلاَلٍ مُبِين﴾ وقولهم لهود ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِين﴾ بخلاف السّورتين، فإِنَّهم أَجابوا فيهما بما زعموا أَنَّه جواب. قوله: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾ فى قصّة نوح وقال فى قِصّة هود ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِيْنٌ﴾ لأَنَّ ما فى هذه الآية ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ بلفظ المستقبل، فعطف عليه ﴿وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾ كما فى الآية الأُخرى ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ فعطف الماضى (على الماضى) ، فكن فى قصّة هود قابل باسم الفاعل قولهم له ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِين﴾ ليقابَل الاسم بالاسم.

стр. 211

قوله: ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ فى قصّة نوح وهود بلفظ المستقبل وفى قصّة صالح وشعيب ﴿أَبْلَغْتُكُمْ﴾ بلفظ الماضى، لأَنَّ [ما] فى قصّة نوح وهود وقع فى ابتداءِ الرّسالة، و [ما] فى قصّة صالح وشُعَيب وقع فى آخر الرّسالة، ودُنوّ العذاب. قوله: ﴿رِسَالاَتُ رَبِّي﴾ فى القِصَصِ إِلاَّ فى قصّة صالح؛ فإِنَّ فيها (رسالة) على الواحدة لأَنَّه سبحانه حَكَى عنهم بعد الإِيمان بالله والتقوى أَشياءَ أُمِروا بها إِلاَّ فى قصّة صالح؛ فإِنَّ فيها ذكر الناقة فقط، فصار كأَنَّه رسالة واحدة. وقوله: ﴿بِرِسَالاَتِي وبِكَلاَمِي﴾ مختلف فيهما. قوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ والذين مَعَهُ فِي الفلك وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ﴾ وفى يونس ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفلك﴾ لأَنَّ أَنجينا ونجّينا للتَّعدّى، لكنَّ التشديد يدلّ على الكثرة والمبالغة، وكان فى يونس ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ ولفظ (من) يقع على أَكثر ممّا يقع عليه (الَّذين) لأَنَّ (مَن) يصلح للواحد والاثنين، والجماعة، والمذكر، والمؤَنَّث، بخلاف الذين فإِنَّه لجمع المذكر فحسب، وكان التَّشديد مع (مَن) أَليق.

стр. 212

قوله: ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وفى هود، ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ وفى الشعراءِ ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لأَنَّ فى هذه السّورة بالغ فى الوعظ، فبالغ فى الوعيد، فقال: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، وفى هود لمّا اتَّصل بقوله ﴿تَمَتَّعُوْا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ وصفه بالقرب فقال: ﴿عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ وزاد فية الشعراءِ ذكر اليوم لأَنَّ قبله: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ والتقدير: لها شرب يوم معلوم، فختم الآية بذكر اليوم، فقال: عذاب يوم عظيم. قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ﴾ على الواحدة وقال: ﴿وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ حيث ذكرَ الرّجفة وَهى الزلزلة وَحّد الدّار، وحيث ذكر الصّيحة جَمَعَ؛ لأَنَّ الصّيحة كانت من السّماءِ، فبلوغها أَكثر وأَبلغ من الزلزلة، فاتَّصل كلُّ واحد بما هو لائق به. قوله: ﴿مَّا نَزَّلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ وفى غيره ﴿أَنْزَلَ﴾ لأَنَّ أَفعل كما ذكرنا آنفاً للتعدّى، وفَعَّل للتعدّى والتَّكثير، فذكر فى الموضع الأَوّل بلفظ المبالغة؛ ليجرى مجرى ذكر الجملة والتفصيل، أَو ذكر الجنس والنَّوع، فيكون الأَوّل كالجنس، وما سواه كالنَّوع.

стр. 213

قوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ الجبال بُيُوتاً﴾ فى هذه السّورة، وفى غيرها ﴿مِنَ الْجِبَال﴾ لأَنَّ [ما] فى هذه السّورة تقدّمه ﴿مِنْ سُهُوْلِهَا قُصُورًا﴾ فاكتفى بذلك. قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المجرمين﴾ وفى غيرها ﴿فَسَآءَ مَطَرُ المنذرين﴾ لأَنَّ ما فى هذه وافق ما بعده وهو قوله ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ . قوله: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة﴾ بالاستفهام، وهو استفهام تقريعٍ وتوبيخ وإِنكار، وقال بعده: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُوْنَ﴾ فزاد مع الاستفهام (إِنَّ) لأَن التقريع والتَّوبيخ والإِنكار فى الثانى أَكثر. ومثله فى النَّمل: ﴿أَتَأْتُوْنَ﴾ وبعده أَئِنكم وخالف فى العنكبوت فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة﴾ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال﴾ فجمع بين أَئِنَّ وأَئن وذلك لموافقة آخِر القصّة، فإِنَّ فى الآخر ﴿إِنَّا مُنَجُّوْكَ﴾ و ﴿إِنَّا مُنْزِلُوْنَ﴾ فتأَمّل فيه؛ فإِنَّه صعب المستخرج. قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ هنا بلفظ الاسم، وفى النَّمل ﴿قَوْمٌ تَجْهَلُوْنَ﴾ بلفظ الفعل. أَو لأَنَّ كلّ إِسراف جهل وكلَّ جهل إِسراف، ثمّ ختم الآية بلفظ الاسم؛ موافقة لرءُوس الآيات المتقدّمة، وكلها أَسماءُ:

стр. 214

للعالمين، الناصحين، المرسلين، جاثمين، كافرون، مؤْمنون، مفسدون. وفى النَّمل وافق ما قبلها من الآيات، وكلها أَفعال: تبصرون، يتَّقون، يعملون. قوله: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ بالواو فى هذه السّورة. وفى سائر السّور (فما) بالفاءِ؛ لأَنَّ ما قبله اسم، والفاء للتعقيب، والتعقيب يكون مع الأَفعال. فقال فى النَّمل ﴿تَجْهَلُوْنَ فَمَا كَانَ﴾ وكذلك فى العنكبوت ﴿وَتَأْتُوْنَ فِي نَادِيْكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ﴾ وفى هذه السّورة ﴿مُسْرِفُوْنَ وَمَا كَانَ﴾ . قوله: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ فى هذه السّورة وفى النَّمل ﴿أخرجوا آلَ لُوطٍ﴾ ما فى هذه السّورة كناية فسّرها ما فى السورة الَّتى بعدها، وهى النَّمل ويقال: نزلت النَّمل أَوّلاً، فصرّح فى الأُولى، وكَنَّى فى الثانية. قوله: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (هاهنا، وفى النمل: ﴿قَدَّرْنَاهَا مِنَ الغابرين﴾ أَى كانت فى علم الله من الغابرين) . قوله: ﴿بَمِا كَذَّبُوْا مِنْ قَبْل﴾ هنا وفى يونس ﴿بِمَا كَذَّبُوْا بِهِ﴾ لأَنَّ أَوّل القصّة هنا ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا﴾ وفى الآية ﴿ولاكن كَذَّبُواْ﴾ وليس بعدها الباء، فخَتَم القصّة بمثل ما بدأَ به، فقال: كذَّبوا من قبل. وكذلك فى يونس وافق ما قبله وهو ﴿كَذَّبُوْهُ﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ ثمّ

стр. 215

﴿كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ فخَتَم بمثل ذلك، فقال: ﴿بِمَا كَذَّبُوْا بِهِ﴾ . وذهب بعض أَهل العلم إِلى أَنَّ ما فى حقِّ العقلاءِ من التكذيب فبغير الباء؛ نحو قوله: كذَّبوا رسلى، وكذَّبوه، وغيره؛ وما فى حقِّ غيرهم بالباءِ؛ نحو كَّذبوا بآياتنا وغيرها. وعند المحقِّقين تقديره: فكذَّبوا رسلنا بردِّ آياتنا، حيث وقع. قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله﴾ ، وفى يونس ﴿نَطْبَعُ﴾ بالنون؛ لأَنَّ فى هذه السّورة قد تقدّم ذكر الله سبحانه بالتَّصريح، والكناية، فجمع بينهما فقال: ﴿وَنَطْبَعُ على قُلوبِهِم﴾ بالنّون، وختم الآية بالتَّصريح فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله﴾ وأَمّا فى يونس فمبنىّ على ما قبله: من قوله: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ بلفظ الجمع، فختم بمثله، فقال: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوْبِ الْمُعْتَدِين﴾ . قوله: ﴿قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هاذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وفى الشعراءِ ﴿قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ﴾ ؛ لأَنَّ التقدير فى هذه الآية: قال الملأُ من قوم فرعون وفرعونُ بعضُهم لبعض، فحذف (فرعون) لاشتمال الملأ من قوم فرعون على اسمه؛ كما قال: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أَى آل فرعون وفرعون، فحذف (فرعون) ، لأَنَّ آل فرعون اشتمل على اسمه. فالقائل هو فرعون نفسه
следующие страницы →