← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9856

بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز

الفيروزآبادي

Полный текст (2 804 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

قالوا: و [من] الفرق بينهما أَنَّ إِرادة الإِنسان قد تحصل من غير أَن تَتقدّم إِرادة الله؛ فإِنَّ الإِنسان قد يريد أَلاَّ يموت ويأبى الله ذلك، ومشيئته لا تكون إِلاَّ بعد مشيئته، كقوله: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ . وروُى أَنه لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ قال الكفّار: الاَمر إِلينا، إِن شئنا استقمنا، وإِن شئنا لم نستقم، فأَنزل الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ . وقال بعضهم: لولا أَنَّ الأُمور كلّها موقوفة على مشيئة الله، وأَن أَفعالنا متعلِّقة بها، وموقوفة عليها، لما أَجمع النَّاس على تعليق الاستثناءِ به فى جميع أَفعالنا؛ نحو: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين﴾ ونحوه من الآيات. والشىء تصغيره شُيَىْءٌ وشِيَىْء بكسر الشين. لا تقل: شُوَىْء. والجمع: أَشياء غير مصروفة. قال الخليل: إِنَّما تُرك صرفها لأَنَّ أَصلها فَعْلاء [جمعت] على غير واحدها؛ كما أَنَّ الشُّعَرَاءَ جمعت على غير واحدها؛ لأَنَّ الفاعل لا يجمع على فُعَلاء، ثمّ استثقلوا الهمزتين فى آخرها، فنقلوا الأُولى إِلى أَوّل الكلمة، فقالوا: أَشياء، كما قالوا: عُقاب بَعَنقاة، وأَيْنُق، وقِسِىّ، فصار تقديرها: لَفْعاءَ. يدل على صحّة ذلك أنها لا تُصرف، وأَنَّها تصغّر على أُشَيّاء، وأَنَّها تجمع على أَشَاوَى وأَصلها أَشاييىءُ،

стр. 1542

فقلبوا الهمزة ياء، فاجتمعت ثلاث ياءَات، فحذفت الوسطى، وقلبت الأَخيرة أَلفا، فأُبدلت من الأُولى كما قالوا: أَتيته أَتوْةً. وحكى الأَصمعىّ أَنَّه سَمع رجلا من فصحاءِ العرب يقول لخَلَف الأَحمر: إِنَّ عندك لأَشاوَى، مثال الصّحارَى. ويجمع أَيضًا على أَشايا وأَشْياوات. قال الأَخفش: هى أَفعِلاءُ، فلهذا لم تصرف؛ لأَنَّ أَصلها أَشْيِئاء، حذف الهمزة الَّتى بين الياءِ والأَلف للتخفيف. قال له المازنىّ: كيف تصغّر العرب أَشْياءَ؟ فقال: أُشَيّاء. فقال له: تركت قولك؛ لأَنَّ كلّ جمع كُسِّر على غير واحده وهو من أَبنية الجمع فإِنَّه يُردّ فى التصغير إِلى واحده؛ كما قالوا: شويعرون فى تصغير الشُعَراءِ. وهذا القول لا يلزم الخليل؛ لأَنَّ فَعْلاءَ ليس من أَبنية الجمع. وقال الكِسَائىّ: أَشياء أَفعال؛ مثل فَرْخ وأَفراخ، وإِنَّما تركوا صرفها، لكثرة استعمالهم إِيّاها لأَنَّها شُبّهت بفعلاء. وهذا القول يدخُل عليه أَلاَّ يُصرف أَبناء وأَسماء. وقال الفرّاءُ: أَصل شىء شَيْىءٌ مثل شَيّع، فجمع على أَفعِلاءَ؛ مثل هيّن وأَهوناءَ، وليِّن وأَلْيِناء، ثمّ خُفف فقيل شَىْء، كما قالوا: هَيْن ولَيْن. وقالوا: أَشْيَاء، فحذفوا الهمزة الأُولى. وهذا القول يدخل عليه أَلاَّ يجمع على أَشَاوَى. والشِّيئة: الإِرادة. وكلّ شىء بشيئة الله، مثال شِيعة، أَى بمشيئته. وقد شئت الشىءَ أَشاؤه. وأَشاءَه: أَلجأه.

стр. 1543

الباب الخامس عشر - فى بصائر الكلمات المفتتحة بحرف الصاد

стр. 1544

بصيرة فى الصاد وهى ترد فى لغة العرب وفى القرآن على أَوجه: الأَوّل: حرف هجاء، يظهر من طرف اللسان جِوازَ مخرج السّين، يذكَّر ويؤنّث. ويجمع على أَصواد وصادات. الثَّانى: اسم لعدد التِّسعين. الثالث: الصّاد الكافِية الَّتى يختصر عليها من الكلمة، كقوله: الَمص كهيعصَ، والصّاد من صمد، ومن صانع، وصادق. الرابع: الصّاد المكرّرة؛ مثل قصّ وقصص. الخامس: المدغمة فى مثل قصّ. السّادس: صاد الضرورة؛ فبعض النَّاس يجعلها ثاء لعجزه عن النطق بها. السّابع: صاد أَصل الكلمة؛ صدق، ونصر، وحرص. الثَّامن: المبدلة من السّين؛ مثل السَّوِيق والصّويق لغتان.

стр. 1545

التَّاسع: صادَ، فعل ماض من الصّيد. العاشر: الصّاد اللغوى. قال الخليل: الصّاد عندهم: الدّيك، وقِدْر النّحاس. وأَنشد على الدّيك قول ابن قَيْس الرقيّات: وإِنِّى إِذا ما غبتِ عَنِّى متيَّمٌ ... كأَنِّىَ صادٌ فى النَّقا أَتمرّغُ وقال حَسّان فى القِدْر: رأَيت قُدورَ الصّادِ حول بيوتِنا ... قَنابلَ دُهْما فى المباءَة صُيَّما أَى قدور النحاس.

стр. 1546

بصيرة فى صب وصبح صبَبْتُ الماءَ: سكبتُه. وماءٌ صَبٌّ وسَكْب. وقوله تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ ، أَى عَذَّبهم. ورجلٌ صَبّ، أَى عاشق مشتاق. وقد صَبِبْتَ يا رجل تَصَبّ. قال الكُمَيت: وأَنت تَصَبّ إِلى العاشقينَ ... إِذا ما خليلك لم يَصْبَبِ والصَّبابة: رِقَّة الشوق وحرارته. والصُّبُّ - بالضمّ -: كلّ ما صببته من طعام أَو غيره مجتمعًا. والصُبّة - بهاء -: مثل الصُّبَابة من الماءِ. وصُبّة من الليل: طائفة. والصَّبَب: ما انحدر من الأَرض، والجمع: أَصباب. والصُّبح والصَّباح: أَوّل النَّهار، وهو وقت ما احمرّ الأُفُقُ بحاجب الشمس. والتصبُّح: النوم بالغَدَاة، وكذا الصُّبْحة. والصَّبُوح: شُرْبُ الصّباح. يقال: صَبَحْته: سقيته صَبُوحًا. والصَّبْحان: المصطبِح. والمِصباح: ما يُسْقَى منه، من الإِبل: ما يَبْرُك فلا ينهض حتى يُصبح، وما يجعل فيه المصباح، قال تعالى: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ . ويقال للسّراج

стр. 1547

مصباح. والمصباح: مَقَرّ السّراج أَيضًا. والمصابيح: أَعلام الكواكب؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ﴾ . وصبّحتهم ماء كذا: أَتيتهم به صباحًا. والصَبَح - محرّكة -: شدّة حُمرة فى الشعر، تشبيهًا بالصُّبْح أَو المصباح.

стр. 1548

بصيرة فى صبر الصَّبر فى اللغة: الحَبْس والكفّ فى ضيق، ومنه قيل: فلانٌ صُبِرَ: إِذا أُمسك وحُبِس للقتل. قال تعالى: ﴿واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي﴾ ، أَى احبس نفسك معهم. فالصَّبر: حبس النَّفس عن الجزع والسّخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش. قال الإِمام أَحمد ﵀: ذَكر الله تعالى الصّبرَ فى القرآن فى نحوٍ من تسعين موضعًا، وهو واجب بإِجماع الأُمّة. وهو نصف الإِيمان؛ فإِنَّ الإِيمان نصفان: نصفٌ صبر، ونصف شُكر. وهو فى القرآن على ستَّة عشر نوعا: الأَوّل: الأَمر به نحو قوله تعالى: ﴿يَآأَيُّهَا الذين آمَنُواْ استعينوا بالصبر والصلاة﴾ ، وقوله تعالى: ﴿اصبروا وَصَابِرُواْ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ ، ﴿واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله﴾ .

стр. 1549

الثاني: النَّهى عن ضدّه كقوله: ﴿فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ ، وقولهِ: ﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار﴾ ، فإِن تَوْلية الأَدبار ترك الصّبر والمصابرة. الثالث: الثَّناء على أَهله كقوله: ﴿الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾ ، وقوله: ﴿والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس أولائك الذين صَدَقُواْ وأولائك هُمُ المتقون﴾ . وهو كثير النَّظائر فى التنزيل. الرّابع: إِيجاب معيّتة لهم المعيّةَ التى تتضَمّن حفظهم ونصرهم وتأْييدهم، ليست معيَّة عامّة، أَعنى مَعيَّة العِلْم والإِحاطة، كقوله: ﴿واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ . الخامس: إِيجاب محبّته لهم، كقوله: ﴿والله يُحِبُّ الصابرين﴾ وقوله: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ . السّادس: إِخباره بأَنَّ الصبر خير لهم، كقوله: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ ، وقوله: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ .

стр. 1550

السّابع: إِيجابه الجزاء لهم بأَحسن ما كانوا يعملون. الثامن: إِيجابه الجزاء لهم بغير حساب، كقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . التاسع: إِطلاق البُشرَى لأَهل الصّبر، كقوله: ﴿وَبَشِّرِ الصابرين﴾ .

стр. 1551

والصّبر على ثلاثة أَنواع: صَبْرٌ على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على امتحان الله. فالأَولان: الصّبر على ما يتعلق بالكسب. والثالث: الصّبر على مالا كسب للعبد فيه. وقال بعض المشايخ: كان صبر يوسف عن طاعة امرأَة العزيز أَكمل من صبره على إِلقاءِ إِخْوته إِيّاه فى الجُبّ، وبيعهم [إِيّاه] ، وتفريقهم بينه وبين أَبيه، فإِنَّ هذه أُمور جرَت عليه بغير اختياره، لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلة غير الصّبر. وأَمّا صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضا،

стр. 1552

ومحاربةٌ للنَّفس، ولا سيّما مع أَسبابٍ تقوّى معها داعية الموافقة؛ فإِنّه كان شابًّا، وداعية الشابّ إِليها قوَّته؛ وكان عَزَبًا ليس له ما يعوّضه ويَرُدّ شهوته؛ وغريبًا، والغريب لا يستحى فى بلدِ غُربته ممّا يستحى منه بين أَصحابه وأَهلِه؛ ويحسبونه مملوكًا، والمملوك ليس وازعهُ كوازع الحرّ؛ والمرأَة جميلة وذات مَنْصِب، وقد غاب الرّقيب، وهى الدّاعية له إِلى نفسها، والحريصة على ذلك أَشدّ الحرص، ومع ذلك توعّدته بالسجن إِن لم يفعل. فمع هذه الدّواعى كلّها صبر اختيارًا، وإِيثارًا لما عند الله. وأَين هذا من صبره فى الجُبّ على ما ليس من كسبه؟! والصّبر على أَداءِ الطَّاعات أَكمل من الصّبر على اجْتِنَاب المحرّمات؛ فإِنَّ مصلحة فعل الطَّاعة أَحَبُّ إِلى الشَّارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدة عدم الطاعة أَبغض وأَكره من مفسدة وجود المعصية. ثمّ الصّبر ينقسم بنوع آخر من القسمة على ثلاثة أَنواع: صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله. فالأَوّل: الاستعانة به، ورؤية أَنَّه هو المصبِّر، وأَنَّ صبر العبد بربّه لا بنفسه، كما قال تعالى: ﴿واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله﴾ ، يعنى إِنْ لم يُصَبِّرك هو لم تصبر.

стр. 1553

والثَّانى: أَن يكون الباعث على الصّبر محبّة الله وإِرادة وجهه، والتقرّب إِليه، لا إِظهار قوّة النفْس، والاستحماد إِلى الخلق، وغير ذلك من الأَغراض. والثالث: دوران العبد الذى (مُنى مع) الأَحكام الدينيّة صابرًا نفسه معها، سائرًا بسَيرها، مقيمًا بإِقامتها، يتوجّه معها أَينما توجّهت ركائبها، وينزل حيث استقلَّت مضاربُها. فهذا معنى كونه صابرًا مع الله، قد جعل نفسه وَقْفا على أَوامره ومحابّه. وهو أَشدّ أَنواع الصّبر وأَصعبها. وهو صب الصدّيقين. قال ذو النُّون: الصبر: التباعد من المخالفات، والسّكون عند تجرّع غُصص البليّات، وإِظهار الغنى مع طول الفقر بساحات المعيشة. وقيل: الصبر: الوقوف مع البلاءِ بحسن الأَدب. وقيل: هو الفناءُ فى البلوَى، بلا ظهور شكوَى. وقيل: إِلزام النَّفْس الهجومَ على المكاره. وقيل: المُقام مع البلاءِ بحسن الصّحبة كالمقام مع العافية. وقال عمرو بن عثمان: هو الثبات مع الله، وتلقِّى بلائه بالرُّحْب والسّعة. وقال الخوّاص: هو الثبات على أَحكام الكتاب والسنة.

стр. 1554

وقال يحيى بن مُعَاذ: صبر المحبّين أَشدّ من صبر الزاهدين. واعجبا كيف يصبرون! وأَنشد. والصّبر يُحْمَدُ فى المواطن كلِّها ... إِلاَّ عليك فإِنَّه مذمومُ وقيل: الصّبر هو الاستعانة بالله. وقيل: هو ترك الشكوَى. وقيل: الصّبر مثلُ اسمه مُرٌّ مَذاقته ... لكنْ عواقبه أَحلَى من العسلِ وقيل: الصّبر أَن ترضى بتلَف نفسك فى رضا مَن تحبّه، كما قيل: سأَصبر كى ترضَى وأَتْلَفُ حسرةً ... وحَسْبِىَ أَن ترضى ويقتلنى صبرى وقيل: مراتب الصّبر خمسة: صابر، ومصطبر، ومتصبّر، وصَبُور، وصبّار. فالصّابر أَعمّها. والمصطبر: المكتسِب للصبر، والمبتلَى به. والمتصبرّ: متكلِّف الصّبر حاملُ نفسِه عليه. والصّبور: العظيم الصّبر الَّذى صَبْره أَشدّ من صبر غيره. والصّبَار: الشديد الصّبر، فهذا فى القَدْر والكمّ، والَّذى قبله فى الوصف والكيف. وقال علىّ بن أَبى طالب: الصّبر مطيَّة لا تَكْبُو. وقف رجل على الشِّبْلِىّ فقال: أَىّ الصّبر أَشدّ على الصّابرين؟ فقال: الصّبر فى الله. فقال السّائل: لا. قال: مع الله. قال: لا. قال: فأَيش؟

стр. 1555

قال: الصّبر عن الله. فصرخ الشِّبلىّ صَرخةً كادت نفسه تتلف. وقال الجَريرىّ: الصّبر أَلاَّ تفرق بين حال النعمة وحال المحنة، مع سكون الخاطر فيهما. والتصبّر: السّكون مع البلاءِ، مع وِجدان أَثقال المحْنَة. وقال أَبو على الدّقَّاق: فاز الصّابرون بعز الدّاريَين؛ لأَنهم نالوا مع الله معيَّته؛ فإِنَّ اللهَ مَعَ الصّابرين. وقيل فى قوله: ﴿اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ ، انتقال من الأَدنى إِلى الأَعلى. فالصبر دون المصابرة، والمصابرة دون المرابطة: مفاعلة من الرّبط وهو الشدّ. وسمّى المرابِط مرابطًا لأَنَّ المرابِطين يربِطون خيولهم ينتظرون الفَزَع. ثمّ قيل لكلّ منتظر، قد ربط نفسه لطاعة ينتظرها: مرابِط. وقيل فى تفسيره: اصبروا بنفوسكم، وصابروا بقلوبكم على البَلْوَى فى الله، ورابطوا بأَسراركم على الشوق إِلى الله. وقيل: اصبروا فى الله، وصابروا بالله، ورابطوا مع الله لعلكم تفلحون فى دار البقاءِ. فالصبر مع نفسك، والمصابرة بينك وبين عدوّك، والمرابطة: الثبات وإِعداد العدّة؛ كما أَن الرّباط ملازمة الثغر لئلاً يهجُمه العدوّ. فكذلك المرابَطة أَيضًا: لزوم ثَغْر القلب؛ لئلاَّ يهجُم عليه الشيطان فيملكَه. أَو يُخربه أَو يشعِّثه.

стр. 1556

وقيل: تَجَرَّعِ الصّبرَ، فإِنّْ قَتَلَك قتلك شهيدًا، وإِن أَحياك أَحياك عزيزًا حميدًا. وقيل: الصّبر لله عَناء، وبالله بقاء، وفى الله بلاء، ومع الله وفاء، وعن الله جفاء. والصّبر على الطَّلب عنوان الظَّفر، وفى المِحَن عنوان الفَرَج. وفى كتاب الأَدب للبخارىّ: سئل رسول الله ﷺ عن الإِيمان فقال: "الصّبر والسّماحة". وهذا من أَجمع الكلام، وأَعظمه برهانًا، وأَوعاه لمقامات الإِيمان من أَوّلها إِلى آخرها؛ فإِن النَّفس يراد منها شيئان: بذل ما أُمِرَت به وإِعطاؤه، فالحامل عليه السّماحة؛ وتركُ ما نُهيَتْ عنه والبعد عنه، فالحامل عليه الصّبر. وقد أضمر الله سبحانه فى كتابه بالصّبر الجميل الذى لا شكوى معه، والصّفح الجميل الَّذى لا عِتاب معه، والهجرِ الجميل الذى لا أَذى معه. وقال ابن عُيَيْنَة فى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ﴾ : أَخذوا برأْس الأَمر فجعلهم رُءُوسًا. واعلم أَنَّ الشكوى إِلى الله لا تُنافى الصّبر؛ فإِنَّ يعقوب ﵇ وَعَد بالصّبر الجميل، والنبىّ إِذا وَعَدَ لا يُخلف، ثمّ قال: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله﴾ ، وكذلك أَيّوب ﵇ أَخبر الله عنه أَنه وجده صابرًا مع قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ ، وإِنَّمَا ينافى

стр. 1557

الصبر شكوى الله لا الشكوى إِلى الله؛ كما رأَى بعضهم رجلاً يشكو إِلى آخر فاقةً وضرورة، فقال: يا هذا، تشكو من يَرْحَمُكَ إِلى مَنْ لا يرحمك! ثمّ أَنشده: وإِذا اعْتَرَتْكَ بليّةٌ فاصبِر لها ... صَبْرَ الكريمِ فإِنَّه بك أَرحمُ وإِذا شكوتَ إِلى ابن آدم إِنّما ... تشكو الرّحيم إِلى الَّذى لا يرحم وقال الشيخ عبد الله الأَنصارىّ: الصّبر حبس النفْس على المكروه، وعقل اللِّسان عن الشكوى. وهو على ثلاث درجات: الأُولى: الصّبر عن المعصية بمطالعة الوعيد. وأَحسن منها الصّبر عن المعصية حياءً. الثانية: الصّبر على الطاعة بالمحافظة عليها دوامًا، وبرعايتها إِخلاَصًا، وبتحسينها عِلمًا. الثالثة: الصّبر فى البلاءِ بملاحظة حسن الجزاءِ، وانتظار رَوْح الفَرَج، وتهوِين البليّة بِعَدّ أَيادى المِنَن، وتذكُّر سوالف النِّعم.

стр. 1558

وأَضعف الصّبر، الصَّبْرُ لله وهو صبر العامة. وفوقه الصبر بالله وهو صبر المريدين. وفوقه الصبر على الله وهو صبر السّالكين. ومعنى كلامه أَنّ صبر العامّة لله، أَى رجاءَ ثوابه وخوف عقابه، وصبر المريدين بالله، أَى بقوّة الله ومعونته، فهم لا يرون لأَنفسهم صبرًا ولا قوّة عليه، بل حالهم التَّحقُّق بلا حول ولا قوّة إِلاَّ بالله عِلمًا ومعرفة وحالاً. وفوقها الصّبر على الله، أَى على أَحكامه. هذا تقرير كلامه ﵀. والصّواب أَنَّ الصّبر لله فوق الصّبر بالله، وأَعلى درجة، وأَجلّ شأْنًا؛ فإِنَّ الصّبر لله متعلق بالإِلَهية، والصّبر به متعلق بربوبيّته، وما تعلق بالإِلَهية أَكمل وأَعلى مما تعلق بربوبيّته، ولأَنَّ الصّبر له عبادة، والصّبر به استعانة، والاستعانة وسيلة، والعبادة غاية، والغاية مرادة لنفسها، والوسيلة مرادة لغيرها؛ ولأَنَّ الصّبر به مشترك، بين المؤمن والكافر، والبرّ والفاجر، فكلّ من شهد الحقيقة الكونيّة صَبَر به، وأَمّا الصّبر له فمنزلة الرُّسُل والأَنبياءِ والصّدِّيقين؛ ولأَن الصّبر له صبر فيما هو حقّ له، محبوب له، مرضىّ له، والصّبر [به] قد يكون فى ذلك، وقد يكون فيما هو مسخوط له، وقد يكون فى مكروه أَو مباح. فأَين هذا من هذا؟! وأَمّا تسمية الصّبر على أحكامه صبرًا عليه فلا مشاحّة فى العبارة بعد معرفة المعنى. والله أَعلم. وقد يعبّر عن الانتظار بالصبر لمّا كان حق الانتظار أَلاَّ ينفكّ عن

стр. 1559

الصّبر، بل هو نوع من الصّبر؛ قال تعالى: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أَى انتظر حكمه لك على الكافرين. وقيل: الصّبر لفظ عامّ، وربّما خُولِفَ بين أَسمائه بسبب اختلاف مواقعه. فإِن كان حَبْسُ النَّفس لمصيبة سُمِّىَ صبرًا لا غَيْر، ويضادّه الجزع. وإِن كان فى محاربة سمّى شجاعة، ويضادّه الجُبْن. وإِن كان فى نائبة مُضجرة سمّى رُحْب الصّدر، ويضادّه الضَّجْر. وإِن كان فى إِمساك الكلام سُمِّىَ كتمانًا، ويضادّه المَذْل. وقد سمّى الله تعالى كلّ ذلك صبرًا لقوله: ﴿والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس﴾ ، ﴿والصابرين على مَآ أَصَابَهُمْ﴾ .

стр. 1560

بصيرة فى صبع وصبى الصِّبغْ، والصِّبَغ - مثال شِبْع وشِبَع، والصِّبْغة: ما يُصبغ به. قال عُذافِر الكِنْدِىّ: واصبغُ ثيابى صِبَغًا تحقيقا ... من جيّد العُصْفُر لا تشريقا والصِّبْغ أَيضا: ما يُصطبَغ به، أَى يُؤْتَدَمُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ . والجمعُ: صِبَاغ؛ قال: تَزَجَّ من دنياك بالبلاغِ ... وباكِرِ المِعْدة بالدّباغِ بِكِسَر ليّنة المِضاغِ ... بالمِلْحِ أَو ما خَفَّ من صِبَاغِ ويقال: الصِّبْغ والصِّبَاغ واحد، كدِبْغ ودِبَاغ. ولِبْس ولِبَاس. وصبغت الثوب أصبُغه وأَصبَغهُ وأَصبِغُه - الكسر عن الفرّاءِ - صَبْغًا، وصِبَغًا كعنب عن الأَصمعى. وقوله: ﴿صِبْغَةَ الله﴾ ، أَى فطرة الله، أَى قل يا محمّد:

стр. 1561

بل نتَّبع صِبْغة الله، ردًّا على قوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ ونتَّبع صبغة الله. وقيل: اتَّبِعوا صبغة الله. وإِنَّما سمّيت المِلّة صِبْغة لأَنَّ النَّصارى امتنعوا من تطهير أَولادهم [إِلا بصَبغهم] بالماءِ الأَصفر، من قولهم: صَبَغَتِ النَّاقةُ مَشافرَها فى الماءِ: إِذا غمستها فيه صَبغًا. وقال أَبو عمرو: الصِّبْغة: الدِّين. وقيل: صبغة الله هى الَّتى أَمر الله بها محمّدا ﷺ ، وهى الختانة، اختتن إِبراهيم ﵇، فهى الصِّبغة، فجرت الصّبعة على الختِانة. والصَّبِىُّ: من لم يُفْطم بعد. وقيل: من لم يبلغ الحُلُم. والجمع: أَصْبية وأَصْبٍ، وصِبْوة، وصِبْية، وصِبوانُ، وصِبيانٌ، ويضمّ الثلاثة الأَخيرة. وصَبِىَ كرضى: فعل فعله. وصَبا إِليه صَبْوة وصُبُوًّا وصِبًا: حَنَّ. أَصْبته المرأَةُ وتَصَبَّته: شاقته ودعته إِلى الصِّبَا فحنّ إِليها. وتصبَّاها وتصاباها: خَدَعَها وفتنها. والصَّبَا: ريح مَهَبُّها من مطلع الثريَّا إِلى بَنات نَعْش. وتُثَنَّى صبَوَان أَو صَبَيان. والجمع: صَبَوَات وأَصباء. وصَبَت صَبَاءً وصُبُوًّا: هبّت. وصُبِىَ القوم - كعُنى -: أَصابتهم الصَّبا. وأَصْبَوا: دخلوا فيها.

стр. 1562

بصيرة فى صحب صَحِبَهُ يَصْحَبه، صُحْبة - بالضمّ - وصَحَابة بالفتح، وصِحَابة بالكسر عن الفرّاءِ. وجمع الصّاحب: صَحْب، كراكب ورَكْب، وصُحْبة كفارِهٍ وفُرْهة، وصِحَاب كجائع وجِياع، وصُحْبانٌ - بالضمّ - كشابّ وشُبَّان. والأَصحاب: جمع صَحْب، كفرخ وأَفراخ. الصّحابة: الأصحاب. وهو فى الأَصل مصدر. وجمع الأَصحاب: أَصاحيبُ. /وقولهم فى النداءِ: يا صاحِ، معناه يا صاحبى. ولا يجوز ترخيم المضاف إِلاَّ فى هذا وحده. سُمع من العرب مرخّمًا. والصاحب: الملازِم، إِنسانًا كان أَو حيوانًا أَو مكانًا أَو زمانًا. ولا فرق بين أَن يكون مصاحبتُه بالبدن - وهو الأَكثر - أَو بالعناية والهمَّة. ولا يقال فى العُرْف إِلاَّ لمن كثرت ملازمته. ويقال لمالكِ الشىء: هو صاحبه. وكذلك لمن يملك التصرّف فيه. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً﴾ ، أَى الموَكَّلين بها لا المعَذَّبين بها.

стр. 1563

وقد يضاف الصّاحب إِلى مَسُوسه؛ نحو ص الجيش، وإِلى سائسه حب: نحو صاحب الأَمير. والمصاحبة والاصطحاب أَبلغ من الاجتماع؛ لأَنَّ المصاحبة تقتضى طول لبثه. وكلّ اصطحابٍ اجتماعٌ دون العكس. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ﴾ سمّى النبىّ ﷺ صاحبهم تنبيهًا [أَنكم صحبتموه] وجَرّبتموه، وعرفتم ظاهره وباطنه، فلم تجدوا به خَبَلاً ولا جِنَّة. والإِصحاب للشىء: الانقياد له. وأَصله أَن يصير له صاحبًا. ويقال: أَصحب فلانٌ: إِذا كبِر ابنُه فصار له صاحبًا. وأُصْحِبَ فلان فلانًا: جُعل صاحبًا له. قال تعالى: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ .

стр. 1564

بصيرة فى صحف وصخ الصّحيفة: الكتاب. والجمع: صُحُفٌ وصحائفٌ. وقال الليث: الصُّحُف جماعة الصّحيفة، وهذا من النَّوادر أَن يجمع فعيلة على [فُعُل] ، مثل صحيفة وصحف، وسفينة وسُفُنٌ، وكان قياسه صحائف وسفائن. وقوله الله تعالى: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى﴾ ، يعنى الكتب المنزلة عليهما. وصحيفة الوجه بَشَرته قال: إِذا بَدا من وَجْهه الصَّحِيف والصحيفة: المبسوطة من كلّ شىء. وقوله تعالى: ﴿صُحُفاً مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ، [قيل: أُريد بها القرآن. وجعله صحفا فيها كتب] من أَجل تضمّنه زيادة ممّا فى كتب الله المتقدّمة. والمصحف - بتثليث الميم - ما جُعل جامعا للصحف المكتوبة. والتصحيف: قراءَة المُصْحف وروايته على غير ما هو، لاشتباه حروفه.

стр. 1565

والصَّحْفة كالقَصْعة. وقال الكسائىّ: أَعظم القِصاع الجَفْنة، ثمّ القَصعة تليها تُشبع العشرة، ثمّ الصَّحْفة تُشبع الخمسة، ثمّ المِئْكلة تُشبع الرّجُلين والثلاثة، ثمّ الصُّحَيفة تُشبع الرّجُل. والصّاخَّة: شدّة صوت ذى النُّطق. صخَّ يصُخُّ صَخًّا. قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة﴾ ، وهى عبارة عن القيامة، حسب المشار إِليه بقوله: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور﴾ .

стр. 1566

بصيرة فى صد الصُّدود: الإِعراض، وقد صدّ عنه، يَصُدّ صَدًّا وصُدودًا. قال تعالى: ﴿يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً﴾ . وصدَّه عن الأَمر صدًّا: صَرَفَه ومنعه. قال تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله﴾ ، أَى صَدّ بِلقيسَ عن الإِيمان العادةُ الَّتى كانت عليها من عبادة الشمس. وصدّ يصُدّ ويصِدّ، أَى ضَجّ. وقرأ ابن كثير وأَبو عمرو، وعاصم غير الأَعشى، والبرجمىّ، ويعقوب، وسهل وحمزة: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ بكسر الصاد. ويقال لكلّ جبل: صَدٌّ وصُدّ، وسَدٌّ وسُدّ. والصَّدّان، الصُدَّان: ناحيتا الوادى. الصّديد: الحَمِيم أُغْلِىَ حتى خَثر. وصديد الجرح: ماؤه الرّقيق المختلط بالدّم قبل أَن يغلظ المدّة. الصّديد فى قوله تعالى: ﴿ويسقى

стр. 1567

مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ : ما يسيل من أَهل النار من الدّم والقيح. والصّديد: ما حال بين اللَّحم والجلد من القيح. والتصديد: التَّصفيق. والتصدُّد: التعرّض هذا هو الأَصل، ثمّ يُبدل من الدّال الثانية ياء فيقال: التَّصدية والتَّصدّى، قال تعالى: ﴿إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾ ، وقال عزَّ مِن قائل: ﴿فَأَنتَ لَهُ تصدى﴾ .

стр. 1568

بصيرة فى صدر الصّدْر: الجارحة. والجمع: صُدُور. ثم استعير لمقدّم الشىء؛ مثل صدر القناة، وصدر السّهم، وهو ما وفق نصفه إِلى المراش. وسهمٌ مُصَدَّر: غليظ الصّدر. وأَخَذَ الأَمر بصدّره: بأَوّله. والأُمورُ بصدورها. وهؤلاءِ صُدْرة القوم: مقدَّموهم: وصُدِّر فلان فتصدّر: قُدِّم فتقدّم. وصَدَرَه: أَصاب صدْرَه، أَو قصد قصدَهُ؛ نحو ظَهَره وكَتَفَه. ومنه رجل مصدور: يشتكى صَدْره. فإِذا عُدّى صَدَّ بعن اقتضى الانصراف؛ نحو صَدَرَت الإِبلُ عن الماءِ صَدَرًا. والمصدر يقال فى مصدر صدر عن الماءِ، ولمَوضع الصّدَر، ولزَمانه. وقد يقال فى عرف النّحاة للفظ الذى رُوعِىَ فيه صدورُ الفعل الماضى والمستقبل عنه. وقال بعض العلماءِ: حيثما ذكر اللهُ القلب فإِشارة إِلى العقل والعلم؛ نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ، وحيثما ذكر الصّدْر فإِشارة إِلى ذلك وإِلى سائر القوى: من الشهوة، والهوى، والغضب ونحوها.

стр. 1569

وقولُه: ﴿رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي﴾ سؤال لإِصلاح قُواه، وكذا قوله: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ إِشارة إِلى اشتفائهم، وقولُه: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولاكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ ، أَى العقول التى هى مُندسّة فيما بين سائر القوى، وليست بمهتدية. والله أَعلم.

стр. 1570

بصيرة فى صدع اللَّيث: الصَّدع: الشَقّ فى شىء له صَلابة. قال حسّان رضى الله عنه يهجو الحارث بن عَوف المُرّىّ. وأَمانَةُ المُرّىّ حيث لَقِيته ... مثلُ الزجاجة صدعُها لم يُجْبرِ وقوله تعالى: ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أَى شُقّ جماعاتهم بالتَّوحيد. وقيل: اجهر بالقرآن. وقيل: أَظهِر، وقيل: احكم بالحقّ، وافصل بالأَمر. قال ثعلب: قال أَعرابىّ ممّن كان يحضر مجلس أَبى عبدِ الله. وكان أَبو عبد الله ربّما يأْخذ عنه: ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أَى اقصد بما تؤمر. قال والعرب تقول: صدعت فلانا، أَى قصدته لأَنَّه كريم. وقال ابن عرفة: أَراد افرُق به بين الحقّ والباطل. قال جرير يمدح يزيد بن عبد الملك: هو الخليفة فارضَوا ما قَضَى لَكْمُ ... بالحقّ يَصْدعُ ما فى قوله جَنَفُ ومنه اشتُقَّ الصُّدَاع لأَنَّه شِبْه انشقاق فى الرّأْس. وقيل فى قول أَبى ذُؤيب الهُذَلىّ يصف الحمار والأُتن:

стр. 1571

وكأَنَّهُنَّ رِبَابَةٌ وكأَنَّه ... يَسَرٌ يُفيضُ على القِداح ويَصْدَعُ أَى يفرق ويُبَيِّن بالحكم، ويخبر بما يجىء. وقال الخليل: يصدع أَى يقول بأَعلى صوته: هذا قِدْح فلان. وقال معمر: يصدع، أَى يفرق، على القداح، أَى بالقداح من قوله تعالى: ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أَى افرق به بين الحق والباطل. وإِن كان (يصدع) للرجل فإِنه يقول: فاز قِدح فلان. ويقال: صدعت بالحقّ: إِذا تكلَّمت به جِهارًا. وانصدع: انشقّ: ومنه الصَدِيع للصّبح؛ لأَنَّه يصدع اللَّيل أَى يشُقَّه. والتَّصديع: التَّفريق. وتصدّعوا: تفرّقوا. واصَّدَّع بتشديد الصّاد والدّال، أَى تَصَدَّع. قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ، أَى يتفرّقون، ففريق فى الجنَّة وفريق فى النَّار. والله أَعلم.

стр. 1572

بصيرة فى صدف وصدق الصَّدَف كجَبَل، والصُّدُف كعنق، و (الصَّدْف كثَغْر) ، والصَّدُف كعَضُد: منقطَع الجبل. وقرىء بالجمِيع. صَدَف عنه يَصْدِف: أَعرض. وصَدَف فلانًا صَدْفًا: صَرَفَهُ وأَماله. وكذا أَصدفه. وصدفَ فلان صَدْفًا وصُدوفًا: انصرف. والصَّدُوف: المرأَة الَّتى تعرِض وجهها عليك، ثمّ تصدِف. والصَّديق والكذب أَصلها فى القول، ماضيًا كان أَو مستقبلاً، وعدًا كان أَو غيره. ولا يكونان بالقصد الأَوّل إِلاَّ [فى القول، ولا يكونان فى القول إِلا] فى الخبر دون غيره من أَنواع الكلام. ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد﴾ . وقد يكونان بالعَرَض فى غيره من أَنواع الكلام كالاستفهام، والأَمر، والدّعاءِ، وذلك نحو قول القائل: أَزَيْدٌ فى الدّار؛ فإِن فى ضمنه إِخبارً

стр. 1573

ابكونه جاهلاً بحال زيد، وكذا إِذا قال: واسِنى، فى ضمنه أَنَّه محتاج إِلى المواساة. وإِذا قال: لا تؤذنى، ففى ضمنه أَنَّه يؤذيه. والصّدق: مطابقة القول الضَّميرَ والمُخْبَرَ عنه معًا. ومتى انخَرم شرط من ذلك لا يكون صدقًا [تامًّا] ، بل إِمّا أَلاَّ يوصف بالصّدق، وإِمّا أَن يوصف تارة بالصّدق وتارة بالكذب، على نظرين مختلفين؛ كقول الكافر من غير اعتقاد: محمّد رسول الله، فإِن هذا يصحّ أَنْ يقال: صدقٌ لكون المخبَرِ عنه كذلك، ويصح أَن يقال: كذبٌ لمخالفة قوله ضميرَه. وبالوجه الثانى إِكذاب الله تعالى المنافقين حيث قالوا: إِنَّك لرسول الله فقال: ﴿والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ﴾ . والصِّدِّيق: الرّجل الكثير الصّدق. وقيل: الصّدِّيق: مَن لم يصدر منه الكذب أَصلاً. وقيل: مَن لا يتأَتَّى منه الكذب لتعوّده الصّدق. وقيل: مَنْ صَدَق بقوله واعتقاده، وحَقَّق صدقه، قال تعالى فى حقّ إِبراهيم. ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ ، وقال: ﴿فأولائك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين﴾ ، فالصّدّيقون: قومٌ دون الأَنبياءِ فى الفضيلة، ولكن درجتهم ثانى درجة النبيّين.

стр. 1574

وفى الجملة، منزلة الصّدق من أَعظم منازل القوم، الذى نشأَ منه جميع منازل السّالِكين. وهو الطريق الأَقوم الَّذى من لم يَسِرْ عليه فهو من المنقَطِعين الهالكين. وبه تميّز أَهل النفاق من أَهل الإِيمان، وسكانُ الجنان من أَهل النيران. وهو سيف الله فى أَرضه الذى ما وضع على شىء إِلاَّ قطعه، ولا واجه باطلاً إِلاَّ أَزاله وصرعه. فهو رُوح الأَعمال، ومحلّ الأَحوال، والحامل على اقتحام الأَهوال، والباب الذى دخل منه الواصلون إِلى حضرة ذى الجلال. وقد أَمر الله سبحانه أَهل الإِيمان أَن يكونوا مع الصّادقين، وخصّص المنعَم عليهم بالنَّبيِّين والصّدِّيقين والشهداء والصّالحين، فقال: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَكُونُواْ مَعَ الصادقين﴾ ، وقال: ﴿وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولائك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين﴾ ، فهم أَهل الرّفيق الأَعلى، / ﴿وَحَسُنَ أولائك رَفِيقاً﴾ ، ولا يزال الله يَمدّهم بنعمهِ وأَلطافه، ويزيد إِحسانًا منه وتوفيقًا، ولهم مزيّة المعِيّة مع الله، فإِن الله تعالى مع الصّادقين. ولهم منزلة القرب منه؛ إِذ درجتهم منه ثانى درجة النبيّين، وأَثنى عليهم بأَحسن أَعمالهم: من الإِيمان، والإِسلام، والصّدقة، والصّبر، [و] بأَنَّهم أَهل الصّدق فقال:

стр. 1575

﴿ولاكن البر مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ إِلى قوله: ﴿أولائك الذين صَدَقُواْ وأولائك هُمُ المتقون﴾ ، وهذا صريح فى أَنَّ الصّدق بالأَعمال الظاهرة والباطنة، وأَنَّ الصّدق هو مَقام الإِسلام والإِيمان. وقسّم سبحانه النَّاس إِلى صادق ومنافق، فقال: ﴿لِّيَجْزِيَ الله الصادقين بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ . والإِيمان أَساسه الصّدق، والنفاق أَساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإِيمان إِلاَّ واَحَدهما يحارب الآخر. وأَخبر سبحانه أَنَّه فى القيامة لا ينفع العبدَ وينجيه من عذابِه إِلاَّ صدقُه، فقال تعالى: ﴿هاذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذلك الفوز العظيم﴾ ، وقال: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ أولائك هُمُ المتقون لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ المحسنين لِيُكَفِّرَ الله عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فالذِى جاءَ بالصّدق هو من شأْنُه الصّدق فى قوله، وعمله، وحاله. فالصّدق فى الأَقوال: استواءُ اللسان على الأَقوال؛ كاستواءِ السُّنبلة على ساقها. والصّدقُ فى الأَعمال: استواء الأَفعال على الأَمر والمتابعة؛ كستواءِ الرّأْس على الجَسَد. والصّدق فى الأَحوال: استواءُ أَعمال القلب والجوارح على

стр. 1576

الإِخلاص، واستفراغ الوُسْع، وبذل الطاقة؛ فبذلك يكون العبد من الذين جاءُوا بالصّدق. وبحسب كمال هذه الأُمور فيه، وقيامِها به تكون صِدّيقيّته، ولذلك كان لأَبى بكر الصّدّيق ذروة الصّدّيقيّة، حتى سُمّى الصّدّيق على الإِطلاق. والصّدّيق أَبلغ من الصَّدُوق، والصَّدُوق أَبلغ من الصَّادق، فأَعلى مراتب الصدق مرتبة الصدّيقيّة، وهى كمال الانقياد للرّسول، مع كمال الإِخلاص للمرسِل. وقد أَمَر سبحانه رسوله أَن يسأَله أَن يجعل مُدْخله ومُخرجه على الصّدق، فقال: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجعل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً﴾ . وأَخبر عن خليله إِبراهيم ﵇ أَنَّه سأَله أَن يجعل له لسان صِدق فى الآخِرين. وبشَّر عباده أَنَّ لهم قَدَم صِدق، ومقعد صدق؛ فقال: ﴿وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ، وقال: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ . فهذه خمسة أَشياء: مدخل الصّدق، ومخرج الصدق، ولسان الصدق، ومقعد الصّدق، وقَدَم الصّدق. وحقيقة الصّدق فى هذا الأَشياءِ هو الحقّ الثَّابت المتَّصل بالله، الموصِّل إِلى الله، وهو ما كان به وله من الأَعمال والأَقوال. وجزاءُ ذلك فى الدّنيا والآخرة.

стр. 1577

فمُدخَل الصّدق ومُخرَج الصّدق أَن يكون دخوله وخروجه حقًّا ثابتًا لله تعالى ومرضاتِه. متَّصلا بالظَّفر ببغيته، وحصول المطلوب، ضِدّ مُخرَج الكذب ومُدخله الَّذى لا غاية له يوصّل إِليها، ولا له ساقٌ ثابتة يقوم عليها؛ كمُخرَج أَعدائه يوم بدر. ومُخرج الصّدق كمخرجه هو وأَصحابه فى ذلك الغَزْو. وكذلك مدخله المدينة كان مدخل صدق بالله والله وابتغاءَ مرضاة الله، فاتَّصل به التَّأْييدُ، والظفر، والنَّصر. وإِدراك ما طلبه فى الدّنيا والآخرة؛ بخلاف مدخل الكذب الذى رام أَعداؤه أَن يدخلوا به المدينة يوم الأَحزاب؛ فإِنَّه لم يكن بالله ولا لله بل محادّة لله وسوله، فلم يتَّصل به إِلاَّ الخِذلانُ والبوار، وكذلك مدخل مَنْ دخل من اليهود والمحاربين لرسول الله ﷺ حِصن بنى قُرَيطة؛ فإِنَّه لمّا كان مدخل كذب أَصابهم منه ما أصابهم. وكلّ مدخل ومخرج كان بالله ولله وصاحبه ضامن على الله، فهو مدخل صدق ومخرج صدق، ولذلك فُسّر مدخل الصّدق ومخرجه بخروجه من مَكة، ودخوله المدينة. ولا ريب أَنَّ هذا على سبيل التَّمثيل؛ فإِنَّ هذا المدخل والمخرج من أَجلّ مداخله ومخارجه ﷺ ، وإِلاَّ فمداخله ومخارجه كلها مداخل صدق ومخارج صدق. إذ هى بالله، ولله، وبأَمره، ولابتغاءِ مرضاته. وما خرج أَحد من بيته أَو دخل سُوقًا أَو مَدْخلا آخر إِلاَّ بصدق أَو كذِب. فمدخل كلّ أَحد ومخرجه لا يَعْدُو الصّدق والكذب والله المستعان.

стр. 1578

وأَمّا لسان الصّدق فهو الثناءُ الحسن من سائر الأُمم بالصّدق ليس بِالكذب؛ كما قال عن أَنبياء: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ ، والمراد باللسان ههنا الثناءُ الحسن، فلمّا كان باللسان وهو محلّه عبّر عنه به؛ فإِنَّ اللسان يراد به ثلاثة معان: هذا، واللغة كقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ ، ﴿واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ﴾ ، ﴿وهاذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ﴾ ، ويراد به الجارحة نفسها كقوله: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ . وأَمَّا قدم الصّدق ففُسِّر بالجنة، وفسّر بمحمد ﷺ ، وفُسّر بالأَعمال الصّالحة. وحقيقة القدم: ما قدّموه، ويقدَمون عليه يوم القيامة، وهم قدّموا الأَعمال والإِيمان بمحمّد ﷺ ، ويقدَمون على الجنة؛ ومَن فسّر بالأَعمال وبالنبىّ ﷺ فلأَنَّهم قدّموها، وقدّموا الإِيمان به بين أَيديهم. وأَمّا مقعد صدق فهو الجنَّة عند ربّهم ﵎. ووصْف ذلك كلِّه بالصّدق مستلزم ثبوتَه واستقراره، وأَنَّه حقّ، ودوامَه ونفعه وكمال عائدته؛ فإِنَّه متَّصل بالحقّ سبحانه، كان به وله.

стр. 1579

فهو صدقٌ غير كذب، وحَقّ غير باطل، ودائم غير زائل، ونافع غير ضارّ، ما للباطل ومتعلقاته إِليه سبيل ولا مدخل. ومن علامات الصّدق طُمأْنينة القلب إِليه، ومن علامات الكذب حصول الرِّيبة؛ كما فى الترمذىّ مرفوعًا: "الصّدق طمأْنينة، والكذب ريبة"، وفى الصّحيحين: "إِنَّ الصّدق يَهدى إِلى البرّ، وإِنَّ البرّ يهدى إِلى الجنَّة، وإِنَّ الرّجل لَيَصْدُقُ حتى يُكتب عند الله صِدّيقًا، وإِنَّ الرّجل لَيَكْذبُ حتى يكتب عند الله كَذَّابًا"، فجعل الصّدق مفتاح الصّدّيقيّة ومبدأَها، وهى غايته، فلا يَنال درجتَها كاذبٌ البتَّة، لا فى قوله، ولا فى عمله، ولا فى حاله. ولا سيّما كاذبٍ على الله فى أَسمائه وصفاته، بنفى ما أَثبته لنفسه، أَو بإِثبات ما نفاه عن نفسه، فليس فى هؤلاءِ صِدّيق أَبدًا. وكذلك الكذب عليه فى دينه، وشَرْعه بتحليل ما حرّمه، وتحريم ما أَحلَّه، وإِسقاط ما أَوجبه، وإِيجاب ما أَسقطه، وكراهة ما أَحبّه، واستحباب مالم يحبّه، كلّ ذلك مُنافٍ للصّدّيقيّة. وكذلك الكذب معه فى الأَعمال بالتَّحلِّى بحِلْية الصّادقين المخلِصين، الزاهدين المتوكلِّين وليس منهم. وكانت الصّدّيقيّة كمال الإِخلاص، والانقياد والمتابعة فى كلّ الأُمور؛ حتى إِنّ صِدْق المتبايِعَيْن يُحلّ البركة فى بيعهما، وكذبهما يَمْحَى بركة بيعهما؛ كما فى الصّحيحين: قال رسول الله ﷺ : " البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا، فإِنْ صَدَقَا وبَيّنا بُورِكَ لهما بيعهما، وإِن كَذَبا وكتما مُحِقَت بركة بيعهما".

стр. 1580

وقد تَنوَّعَتْ كلمات السّادة فى حقيقة الصّدق. فقال عبد الواحد ابن زيد ﵀: الصّدق الوفاءُ لله بالعمل. وقيل: موافقة السرّ النطقَ. وقيل: استواءُ السرّ والعلانية، يعنى أَنَّ الكاذب علانيته خير من سريرته؛ كالمنافق الذى ظاهره خير من باطنه. وقيل: الصّدق: القول بالحقّ فى مَوَاطن الهَلَكة. وقيل: كلمة الحقّ عند من يخافه ويرجوه. وقال الجُنَيد: الصادق يتقلّب فى اليوم أَربعين مرّة. المرائى يثبت على حالة واحدة أَربعين سنة. وذلك لأَنَّ العارضات والواردات التى ترِد على الصّادق لا ترد على الكذَّاب المرائى، بل فارغ منهما لا يُعارضه الشَّيطان كما يعارض الصّادق، وهذه الواردات توجب تقلّب قلبِ الصّادق بحسب اختلافها وتنوّعها، فلا تراه إِلاَّ هاربًا مِن مكانٍ إِلى مكان، ومن عملٍ إِلى عمل، ومن حالٍ إِلى حال؛ لأَنَّه يخاف فى كلّ ما يطمئنّ إِليه أَن يقطعه عن مطلوبه. وقال بعضهم: لم يشمّ روائح الصّدق مَنْ داهن نفسه أَو غيره. وقال بعضهم: الصّادق: الَّذى يتهيّأُ له أَن يموت ولا يستحى مِن سِرّه لو كُشف. قال تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . وقال إِبراهيم الخوّاص: الصّادق لا يُرَى إِلاَّ فى فَرض يؤدّيه، أو فضل يعمل فيه.
следующие страницы →