← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9856

بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز

الفيروزآبادي

Полный текст (2 804 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

قيل: يُتجوّز بالعَدِّ على أَوجه: يقال: شىءٌ معدود ومحصور للقليل مقابّلة لما لا يُحصى كثرة، نحو المشار إِليه بقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وعلى ذلك قوله: ﴿لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ ، أَى قليلة لأَنهم قالوا: نعذَّب بعدد الأَيّام التى عبدْنا فيها العجْل. ويقال على الضدّ من ذلك: نحو جيش عديد أَى كثير. وإِنَّهم لذوو عَدَد، أَى هم بحيث [يجب] أَن يُعَدوّا كثرة. ويقال فى القليل: هم شىءٌ غير معدود. وقوله: ﴿فِي الكهف سِنِينَ عَدَداً﴾ يحتمل الأَمرين. ومنه هذا غير معتدّ به. وله، عُدّة أَى شىءٌ / كثير من مال وسلاح وغيرهِما. والعُدّة أَيضاً: الاستعداد، يقال: كونوا على عُدّة. وأَخذ للأَمر عُدّته وعَتَاده بمعنىً وماءٌ عِدٌّ. والعِدّةُ: هى الشىءُ المعدود، وقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أَى عَدَد ما قد فاته. وقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ العدة﴾ أَى عدّة الشهر.

стр. 1752

بصيرة فى عدل العَدْل والعِدْل واحد فى معنى المِثْل، قاله الزَّجَّاج. قال: والمعنى واحد، كان المثلُ من الجنس أَو من غير الجنس، قال: ولم يقولوا إِن العرب غَلِطَتْ، وليس إِذا أَخطأَ مخطئٌ وجب أَن تقول: إِن بعض العرب غَلِطَ. وقال ابن الأَعرابىِّ: عَدْل الشىءِ وعِدْله سواءٌ أَى مثله. وقال الفرّاءُ: العَدْل - بالفتح -: ما عادل الشىء من غير جنسه، والعِدْل - بالكسر - المِثْل، تقول: عندى عِدْل غلامك وعِدْل شاتك: إِذا كان غلامًا يعدل غلامًا أَو شاة تعدل شاة، فإِذا أَردت قيمته من غير جنسه نصبت العين. وربّما كسرها بعض العرب فكأَنَّه منهم غلط. وقد أَجمعوا على واحد الأَعدال أَنّه عِدْل بالكسر. والعَدْل: خلاف الجَوْرِ. يقال: عدل عليه فى القضيّة فهو عادل، وبسط الوالى عَدله ومَعْدِلته ومَعدَلته، وفلان من أَهل المعدَِلة أَى من أَهل العَدْل. ورجل عَدْلٌ، أَى رِضًا ومَقْنع فى الشهَّادة؛ وهو فى الأَصل مصدر. وهو عادل من قوم عُدُول وعَدْلِ، الأَخيرة اسم للجمع كتَجْر وشَرْب. ورجل عَدْل، وصف بالمصدر وعلى هذا لا يثنَّى ولا يجمع ولا يؤَنَّث. فإِن رأَيته مجموعاً أَو مثنى أَو مؤَنّثًا فعلى أَنَّه قد أُجرى مُجرى الوصف الذِّى ليس بمصدر. وقد حكى ابن جنىّ: امرأَة عَدْلة، أَنَّثوا المصدر لمّا جرى وصفا على المؤَنَّث وإن لم يكن على صورة اسم الفاعل ولا هو الفاعل فى الحقيقة.

стр. 1753

وقيل: العَدّل يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأَحكام، كقوله تعالى: ﴿أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً﴾ . والعِدل - بالكسر - والعَدِيل فيما يدرك بالحاسّة كالموزونات والمعدودات والمكِيلات. والعَدْل: هو التقسيط على سواء، وعلى هذا رُوى: بالعَدْلِ قامت السّماوات والأَرض، تنبيهاً أَنَّه لو كان ركن من الأَركان الأَربعة فى العالم زائدا على الآخر أَو ناقصاً عنه على مقتضى الحكمة لم يكن العالَمُ منتظمًا. والعَدل ضربان: مطلق يقتضى العقلُ حسنه، ولا يكون فى شىءٍ من الأَزمنة منسوخاً، ولا يوصف بالاعتداءِ بوجه، نحو الإِحسان إِلى من أَحسن إِليك، وكفّ الأَذى عَمّن كَفَّ أَذاه عنك. وعَدْل يعرف كونه عدلا بالشرع، ويمكن أَن يكون منسوخاً فى بعض الأَزمنة كالقصاص وأَرش الجنايات وأَخذ مال المرتدّ، ولذلك قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ﴾ ، قال: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ فسمّى ذلك سيّئة واعتداء. وهذا النحو هو المعنىّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ ، فإِنَّ العدل هو المساواة فى المكافأَة إِنْ خيرا فخير وإِن شرًّا فشرّ، والإِحسان أَن يقابل الخير بأَكثر منه والشر بأَقلّ منه. وقوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ أَى ذَوَىْ عدالة. وقوله: ﴿وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النسآء﴾ [فإِشَارةٌ] إِلى ما عليه جِبِلّة الإِنسان من الميل؛ فإِن الإِنسان لا يقدر على أَن يسوّى بينهنَّ

стр. 1754

فى المحبة ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً﴾ إِشارة إِلى العدل الذى هو القَسْم والنفقة. وقوله: ﴿أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً﴾ أَى ما يعادل من / الصّيام الطعام. ويقال للفِداء إِذا اعتبر فيه معنى المساواة. وفى الحديث: "لا يُقبل منه صَرْف ولا عَدْل". قيل: الصرف: التوبة، وقيل: النافلة. والعدل: الفِدْية، وقيل: الفريضة. وقيل: الصّواب أَنَّ الصرف بمعنى التصرّف والتدّبير والحيلة، والعدل بمعنى الفدية. قال تعالى: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً﴾ أَى تصرّفاً وتدبيراً. وقال تعالى: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ﴾ وكأَن المعنى: ما يقبل منه ما تصرَّف فيه بحيلة وكَدَح له وتعب ونصِب، ولا فداء ولو افتدى به. وقيل: العدل السويّة، وقيل العدل: التطوّع، والصرف: الفريضة. ومعنى: (لا يقبل منه) أَى لا يكون له خير يقبل منه. وقوله: ﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أَى يجعلون له عديلا، فصار كقوله: ﴿والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ، وقيل: يعدلون بأفعاله عنه وينسُبونها إِلى غيره. وقيل: يعدلون بعبادتهم عنه تعالى، وقيل: الباءُ بمعنى عن. وقوله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ يصحُّ أَن يكون من قولهم: عدل عن الحقِّ: إِذا جار. وفلان يعادل هذا الأَمر: إِذا ارتبك فيه ولم يُمضِه. قال: إِذا الهَمُّ أَمسى وهْو داء فأمضِه ... فلستَ بممضيه وأَنت تعادلُه

стр. 1755

بصيرة فى عدن وعدو عَدَن بالبلد يعدِن ويعدُن: أَقام به. ومنه جنَّاتُ عَدْنٍ. وعَدَنَت الإِبل فى الحَمْض استَمْرَتْه ونَمَتْ عليه ولزِمَتْهُ، فهى عادن. والمعدِن: منِبت الجواهر من ذهب ونحوه؛ لإِقامة أَهله فيه دائماً، أَو لإِنبات الله تعالى الجوهر فيه. ومكان كلّ شىءٍ فيه أَصله معدن. والمعدِّن - كمحدِّث -: مُخْرج الصّخر من المعدن يبتغى فيه الذَّهب ونحوه. العَدْو والعُدُوّ والتَعْداءُ والعَدَوان محرّكة بمعنى، وهو التجاوز ومنافاة الالتئَام. فتارة يعتبر بالقلب فيُسمّى المعاداة والعداوة، وتارة بالمشى فيقال له العَدْو، وتارة فى الإِخلال بالعدالة فيقال له العُدْوان والعَدْو. قال الله تعالى: ﴿فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أَى عُدْوَانًا، وتارة بأَجزاءِ المقَرّ فيقال له: العُدَواءُ، يقال: مكان ذو عُدَواء أَى غير متلائم الأَجزاءِ، والتعادى أَيضاً: الأَمكنة الغير المتساوية. فمن المعاداة: رجل عَدُوّ، وعادٍ. ويستوى فى العَدُوّ الواحد والجمع والذكر والأُنثى. وقد يثنَّى ويجمع ويؤنث فى بعض اللغات. والجمع: أَعداء، وجمع الجمع أَعادٍ. واسم الجمع: عِدًى وعُدًى. وجمع العادى: عُدَاة، وقد عاداه والاسم العداوة. وتعادَى ما بينهم: اختلف، والقومُ عادى بعضهم بعضاً.

стр. 1756

والعَدُوّ ضربان: أَحدهما بقصدٍ من المعادِى نحو: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾ . والثانى لا بقصده، بل بأَن تعرِض له حالة يتأَذَّى بها كما يتأَذَّى بما يكون من العِدَا، نحو قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إِلاَّ رَبَّ العالمين﴾ . وقد وردت العداوة على أَوجه: ١- عداوة اليهود للمؤمنين: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ اليهود﴾ . ٢- عداوة بين شاربى الخمر من وسوسة الشيطان: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة﴾ . ٣- عداوة بين أَصناف النَّصارى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء﴾ . ٤- عداوة بين المؤْمنين والكفَّار من قوم إبراهيم: ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العداوة﴾ . ٥- عداوة / بين بنى هاشم وبنى أُمَيَّة: ﴿عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾ . ٦- عداوة تزول بكرم الكرماءِ: ﴿فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ . وورد ذكر العَدُوّ على وجوه:

стр. 1757

١- إِبليس لآدم وحوَّاء: ﴿إِنَّ الشيطآن لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ﴾ ، ﴿إِنَّ هاذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة﴾ . ٢- آدم وإِبليس والحيّة وطاووس أَعداء: ﴿اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ . ٣- إِبليس وذرّيته أَعداء بنى آدم: ﴿إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً﴾ . ٤- الكافر الحربىُّ عدوّ للمسلم: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾ . ٥- آزر عدوّ الحقّ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ﴾ . ٦- موسى عدوّ فرعون: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً﴾ . ٧- كفَّار مكة أَعداءُ نبىّ الله ﷺ : ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ . ٨- مؤْمنو بنى إِسرائيل عدوّ الكفَّار: ﴿فَأَيَّدْنَا الذين آمَنُواْ على عَدُوِّهِمْ﴾ . ٩- الأَولاد والأَزواج منهم أَعداءُ الوالدين: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ﴾ . ١٠- الكفَّار أَعداءُ الله: ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ الله﴾ ، ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ الله﴾ .

стр. 1758

١١- عداوة الخُلاَّن لغير الله: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ . والعُدوان ورد على وجهين: الأَوّل بمعنى السّبيل: ﴿فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين﴾ . الثانى بمعنى الظلم: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان﴾ ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بالإثم والعدوان﴾ . أَى بالظلم والمعصية. ومن العَدْو قال: وعادى عِداءً بين ثور ونعجة أَى أَعدى أَحدهما إِثر الآخر. وتعدَّوا: وجدوا لبنًا فأَغناهم عن الخمر، ووجدوا مرعى فأَغناهم عن شراءِ العلف؛ والمكانَ: جاوزوه وتركوه. والعُدْوة والعِدْوةُ والعَدْوة: شاطىءُ الوادى. وبالضمّ والكسر: المكان المرتفع، قال تعالى: ﴿إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدنيا وَهُم بالعدوة القصوى﴾ والسلطَانُ ذو عَدَوات وبَدَوات، وعَدَوَان وبَدَوَان.

стр. 1759

بصيرة فى عذب وعذر العَذْب: الماءُ الطيِّب. والجمع عِذَابٌ. وعَذُب الماءُ عُذُوبة. قال تعالى: ﴿هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ . وأَعْذَبوا: صار لهم ماءٌ عذْب. والعَذَاب: (الإِيجاع الشديد. وعذَّبه تعذيباً: أَكثر حَبْسه فى العذاب. وعذَّبته: كدَّرت عِيشته ورَنَّقت حياته) . وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب﴾ أَى بالمجاعة. وأَصابه منىّ عَذَابُ عِذَبِينَ. وأَصابه منىّ العِذَبُونَ، أَى لا يُرفع عنه العذاب. وعذَّبته تعذيباً: عاقبته أَو أَطلت حبسه فى العذاب. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ أَى ما كان الله يعذبهمَ عذاب الاستئصال. وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾ أَى أَلاَّ يعذِّبهم بالسّيف. واختُلِفَ فى أَصلِه، فقيل: هو من العاذب وهو الذى لا يأكل ولا يشرب من الدّواب وغيرها؛ وبات عَذُوباً: إذا لم يأكل شيئاً ولم يشرب. فالتعذيب حمل الإِنسان على أَن يَعْذِب أَى يجوع ويعطَش ويسهر. وقيل: أَصله من العَذْب، عذَّبته: أَزلت عَذْب حياته كمرّضته وقَذَّيته. وقيل: أَصله إِكثار الضرب بعَذَبة السّوط أَى طرَفها. وقيل: التعذيب هو الضرب. وقيل: هو من قولهم: ماءٌ عَذِب: إِذا كان فيه قَذًى وكَدَر. والعُذْرُ تحرِّى الإِنسان ما يمحو به ذنوبه. يقال: عُذْر وعُذُر. وذلك

стр. 1760

ثلاثة أَضرب: أَن يقول لم أَفعل، أَو يقول: فعلت لأَجل كذا فيذكر ما يخرجه عن كونه مذنباً، أَو يقول: فعلت ولا أَعود، ونحو ذلك. وهذا الثالث هو التوبة، وكلّ توبة عُذر، وليس / كلّ عذر توبة. وأَعذَر مَنْ أَنْذَر أَى بالغ فى العذر، أَى فى كونه معذورا. ومَنْ عَذِيرِى مِن فلان. وعَذِيرَك من فلان. قال عمْرو بن معدى كرب: أُريد حياتَه ويريد قتلى ... عذيرَك مِن خليلك من مُراد ومعناه: هلمَّ مَن يعذِرك منه إِن أَوقعت به، يعنى أَنَّه أَهل للإِيقاع به، فإِن أَوْقعتَ به كنت معذورا. ومنه قوله ﷺ : "لن يَهْلِكَ الناسُ حتىَّ يُعذَروا من أَنفسهم"، واستعذر النبىّ ﷺ من عبد الله بن أُبىّ، أَى قال: [من] عذيرى من عبد الله، وطلب من الناس العذْر إِن بَطَش به. والمعذِّر: من يظن أَن له عذرًا ولا عذر له، قال تعالى: ﴿وَجَآءَ المعذرون﴾ ، وقرئَ ﴿المعذرون﴾ أَى الَّذِين يأْتون بالعُذر. وقال ابن عبّاس: رحم الله المُعْذِرِين ولعَن الله المُعَذِّرين. وقوله: ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ مصدر عذرت كأَنه قيل: اطلبْ منه أَن يعذرنى. وأعذَر: أَتى بما صار به معذورًا. وواللهِ ما استعذرتَ إِلىَّ وما استنذرت إِلىَّ، أَى لم تقدّم الإِعذار ولا الإِنذار. وفلان أَلقى معاذِيرَه.

стр. 1761

ودُرّة عذراء: لم تُثقب. ورملة عذراء: لم توطأ. وعِذَار الرّمل: حَبْل مستطيل منه. وغرسوا عِذَارًا من النخل: سَطرا متَّسِقاً منه. وعذارا الطريقِ: جانباه. وهو شديد العذار: شديد العزيمة. قال أَبو ذؤيب: فإِنِّى إِذا ما خُلَّةٌ رثَّ وَصْلُهَا ... وجَدَّتْ بصُرْمٍ واستمرّ عذارُها وعذر الصبىَّ: أَزال عُذْرته أَى قُلْفته. وأَعذر فلاناً: أَزال نجاسة ذنْبهِ بالعفو عنه، والفرسَ: جعل له عِذَاراً. وهو طويل المُعَذَّر، أَى موضع العذار. العَرُّ: الجَرَبُ ويضمُّ؛ لأَنَّه يعُرّ البدن أَى يعترضه. والمعرّة: المضرَّة. والاعترار: الاعتراض، قال تعالى: ﴿وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر﴾ ، أَى المعترِض بسؤاله، وقد عَرّه واعترّه. ونزلْتُ بين المجرّة والمعرّة، أَى حيّين كثيرَىِ العدد، شبَّههما بهما لكثرة نجومهما. والمَعَرَّة: مكان من السَّماءِ فى الجهة الشاميّة نجومه تعْترّ وتشتبك. وتعارَّ من الليل: هبَّ من النوم فى غمغمة. وكلام مثل عِرَار الظلِيم، وهو صياحه.

стр. 1762

بصيرة فى عرب العَرَب - بالتَّحْرِيك - والعُرْب - بالضمّ -: جِيل من النَّاس. والنِّسْبة عَرَبىّ بيّن العُرُوبة، وهم أَهل الأَمصار. والعرب اسم جنس. والعرب العاربة: هم الخلَّص منهم. وأَخذت من لفظها فأَكدّت بها كليل لائل. وربّما قالوا: العرب العَرْباءُ. والعربيّة هى هذه اللُّغة. وتصغير العَرب عُرَيب بلا هاء. قال عبد المؤمن بن عبد القدّوس: ومَكْن الضَّبَابِ طعام العُرَيب ... ولا تشتهيه نفوس العَجَمْ وإِنما صغَّرهم تعظيما لهم كقول الحُبَاب: أَنَا جُذَيلها المحكَّك. وقيل: سمّيت العرب بها لأَنَّه نَشأَ أَولاد إِسماعيل - صلوات الله عليه - بَعَربة وهى من تِهامة، فنُسبوا إِلى بلدهم. ورُوى أَنَّ خمسة من الأَنبياءِ - صلوات الله عليهم - من العرب، وهم: إِسماعيل، ومحمّد، وشعيب، وصالح، وهود. وهذا يدلُّ على أَنَّ لسان العرب قديم. وأَن هؤلاءِ الأَنبياءَ - صلوات الله عليهم - كلّهم كانوا يسكنون بلاد العَرَب. وكان شُعيب وقومه بأَرض مَدْين، وكان صالح وقومه ثمود بناحية الحِجْر، وكان هود وقومه ينزلون الأَحقاف من رمال اليمن، وكانوا أَهل عَمَد، وكان إِسماعيل / ومحمّد المصطفى ﷺ من سكَّان الحرم. وكل مَن سكن بلاد العرب وجزيرتها ونطق بلسان أَهلها فهم عَرَب.

стр. 1763

وقال الأَزهرىّ: الأقرب عندى أَنهم يسمَّون عرباً باسم بلدهم العَرَباتِ. وقال إِسحاق بن الفرج: عَرَبَةُ باحة العرب. وباحة دار أَبى الفصاحة إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما. قال: وفيها يقول قائلهم: وَعرْبة أَرضٌ ما يُحِلّ حرامَها ... من الناس إِلاَّّ اللوذعى الحُلاَحلُ يعنى النبىّ ﷺ "أُحِلَّت لنا مكَّة ساعة من نهار ثم هى حرام إِلى يوم القيامة". قال: واضطُرّ الشَّاعر إِلى تسكين الراءِ من عَرَبة فسكَّنها. وأَنشد قول الشاعر: ورُجّت باحةُ العربات رَجًّا ... ترقرقُ فى مناكبها الدّماءُ قال: وأَقامت قريش بعَرَبة فتنَخَتْ بها. وانتشر سائر العرب فى جزيرتها فنُسبوا كلّهم إِلى عَربة؛ لأَن أَباهم إِسماعيل - صلوات الله وسلامه عليه - بها نشأَ، ورَبَل أَولاده فيها فكثروا، فلمّا لم تحملهم البلاد انتشروا، وأَقامت قريش بها. وقال ابن عبّاس رضى الله عنهما فى قوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج﴾ : هو العِرابَة فى كلام العرب. والعِرَابة كأَنَّها اسم من التعريب وهو ما قَبُح من الكلام. وفى حديث عطاء: لا تحلّ العِرَابة للمحرم، ويروى أَنَّه كره الإِعراب للمحرم، وهو بمعنى العِرابة.

стр. 1764

والأعراب: سكَّان البادية خاصّة، ويجمع على الأعاريب. ولا واحد للأعراب؛ ولهذا نسب إِليها ينسب للجمع. وليست الأعراب جمعاً للعرب كما أَن الأَنباط. جمع للنّبَط، وإِنما العرب اسم جنس. وأَعرب بحُجَّته: أَفصح بها ولم يَتَّق أَحدا، والرّجلُ: وُلد له وَلَدٌ عربىٌّ، والثور البقرةَ شهَّاها، وفلان: تكلَّم بالفُحْشِ. وإِنما سمّى الإِعراب إِعراباً لتبيينه وإِيضاحه. وأَعرب الحروف وعرّبها بمعنى. الفرّاءُ: عّرب أَجود من أَعرب، وقيل: هما سواءُ. وقوله تعالى: ﴿وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً﴾ ، قيل أَى مفصحاً، نحو ﴿لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل﴾ ، وقيل: أَى شريفاً كريماً، وقيل: ناسخاً لما قبله من الأَحكام، وقيل: منسوباً إِلى النبىّ ﷺ . والعربىُّ إِذا نُسِبَ إِليه قيل: عربىٌّ فيكون لفظه كلفظ المنسوب إِليه. وخير النساء اللَّعُوب العَرُوب. وقد تعرّبت لزوجها: تغزَّلت له وتحبَّبت إِليه.

стр. 1765

بصيرة فى عرج وعرش عُرِجَ برَوح الشمس: إِذا غربت لأِنها تذهب تسجد تحت العرش. والمعارج: المصاعد. وليلة المعراج سمِّيت لصعود الدُّعاءِ فيها إِشارة إِلى قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب﴾ ، ولعِرُوج النبىّ ﷺ فيها. ويقال: الشرف بعيد المدارج، رفيع المعارج. ومررتُ به فما عرَّجت عليه: ما أَلممت. ومالى عليه عُِرْجة. وانعرج بنا الطريقُ، ومنه العُرْجُون وهو أَصل الكِبَاسة سمّى لانعراجه، قال تعالى: ﴿حتى عَادَ كالعرجون القديم﴾ . ولَتلقَيَّن من هذا الأَعرج الأُعَيْرجَ وهو حيّة ممّا لا يقبل الرُقى. والعُرُش والعُرُوش والعرائش واحد. والعُرُوش أَيضاًً: السّقوف، قال تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾ . وعَرَش الكَرْمَ يَعْرِشه، وعرّشه تعريشاً: إِذا جعل له كهيئة السقف. وما عَرَشوه وما عَرّشوه، قال تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ وقرئَ ﴿يَعْرُشُونَ﴾ .

стр. 1766

واستوى على عَرْشه: إِذا مَلَك. وثُلَّ عرشُه: إِذا هلك، قال زهير: تداركتما عَبْساً وقد ثُلَّ عرشُها ... وذُبْيان إِذ زلَّت بأَقدامها النعل والعُرُش والعُرْش والعَرْش والعُرُوش والعَرِيش من أَسماءِ مكة شرفها الله تعالى. وكان مُعاوية كافراً بالعُرُش: أَى مقيما بمكَّة. وعُرُوش مكة: بيوتها. قال القطامى: وما لمثابات العُرُوش بقيّة ... إِذا استُلَّ من تحت العروش الدعائمُ ورُؤى عمر فى المنام [فقيل له: ما فعل الله بك] ؟ فقال: لولا أَن تداركنى لثُلَّ عرشى. وعَرْش الله ممّا لا يعلمه البشر على الحقيقة [إِلاَّ بالاسم] وليس كما يذهب إِليه أَوهام العامّة؛ إِذ لو كان كذلك لكان حاملاً له تعالى لا محمولا والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ﴾ ، وليس كما قال قوم أَنَّه الفَلَك الأَعلى والكرسىّ فلك الكواكب. واستَدّلُّوا بالحديث النَّبَوى: "ما السّماوات

стр. 1767

السّبع، والأَرضون السبّع فى جَنْب الكرسىّ إِلاَّ كحَلْقة ملقاة فى أَرض فلاة، والكرسىّ عند العرش كذلك". وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء﴾ تنبيه أَن عرشه لم يزَل مُذْ أُوجِد مستعلياً على الماءِ. وقوله تعالى: ﴿ذُو العرش المجيد﴾ ، ﴿رَفِيعُ الدرجات ذُو العرش﴾ وما يجرى مجراه، قيل: هو إِشارة إِلى مملكته وسلطانه لا إِلى مقرّ له، تعالى الله عن ذلك.

стр. 1768

بصيرة فى عرض العَرْض خلاف الطُّول، وأَصله فى الأَجسام ثمّ يستعمل فى غيرها. يقال: كلام له طول وعَرْض، قال تعالى: ﴿فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ﴾ . والعُرض بالضمّ خصّ بالجانب. وأَعرض الشَّىءُ: بَدَا عُرضه. ومنه عرضتُ العُودَ على الإِناءِ. وعَنِّى: وَلَّى مُبْدياً عُرْضه. واعترض الشىءُ فى حَلْقِه أَى وقف فيه بالعَرْض. وعرضت الجيشَ عَرْض عَيْن: إِذا أَمررته على بصرك لِتعرف مَن غاب ومن حضر. ونظرتُ إِليه معارضة، أَى من عُرْض. وبعير معارِض: لا يستقيم فى قِطَار. وعرضت الشىءَ على البيع وعلى فلان، قال تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة﴾ . والعارِض: البادى عُرْضُه أَى جانبه، فتارة يُخصّ بالسّحاب كقوله تعالى: ﴿هاذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ ، وتارة بما يعرض من مرض ونحوه فيقال: به عارِض من سقم، وتارة بالخدّ نحو: أَخَذَ من عارضيْه، وتارة بالسنّ: ومنه قيل للثَّنايا التى تظهر عند الضَّحك: العوارض. ويقال: فلان شديد العارضة (كناية عن جودة بيانه) . (وأَعرض:

стр. 1769

أَظهر عُرضه أَى ناحيته. وإِذا قيل: أَعرض لى كذا أَى بدا لي عُرْضه فأَمكن تناوله، وإِذا قيل: أَعرض عنى، معناه ولَّى مبدياً عُرْضه) . والعُرضة: ما يجعل مُعَرَّضًا للشىءِ قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ وبعيرى عُرْضَة للسّفر أَى مُعَرَّض له. وقوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ قيل هو العَرْض ضدّ الطُّول. وتَصَوُّر ذلك على أَحد وجوه: إِمّا أَن يريد به أَن يكون عَرْضها فى النشأَة الآخرة كعَرْض السمّاوات والأَرض فى النشأَة الأُولى، وذلك أَنَّه قال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ قال: فلا يمتنع أَن يكون السماوات والأَرض فى النشأَة الآخرة أَكبر ممّا هى الآن. وسأَل يهودىّ عمر رضى الله عنه عن الآية وقال: فأَين النار؟ فقال عمر: إِذا جاءَ الليل فأَين النَّهار؟ وقد قيل: يُعنى بعرضها سعتها، لا من حيث المساحة ولكن من حيث المسرّة؛ كقولهم فى ضدّه: الدنيا على فلان كحلْقة خاتم، وسعةُ هذه الدار كسعة الأَرض. وقيل: العَرْض ههنا عَرْض البيع من قولهم: بِيع له كذا بِعَرْض: إِذا بِيع بسِلعة، فمعنى عرضها بدلها وعوضها؛ كقولك: عَرْض هذا الثوب كذا وكذا والله أَعلم.

стр. 1770

والعَرَض / محرّكة: ما لا يكون له ثبات. ومنه استعار المتكلِّمون العَرَض لما لا ثبات له إِلاَّ بالجوهر كاللون والطَّعم. وقيل: الدنيا عَرَض حاضر تنبيهاً أَن لا ثبات لها، قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الآخرة﴾ ، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً﴾ أَى مطلبًا سهلاً. والتَّعريض فى الكلام: أَن يكون له وجهان مِن صدق وكذب، أَو ظاهر وباطن. وقوله: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء﴾ قيل: هو أَن يقول لها: أَنت جميلة، وكلّ أَحد يرغب فى مثلك، ونحو هذا.

стр. 1771

بصيرة فى عرف عرفه يعرِفه مَعْرِفة وعِرْفاناً فهو عارِف وعَرِيف وعَرُوفة: عَلِمَهُ. وقرأَ الكسائى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ مخفَّفة أَى جازى حفصَة ببعض ما فعلتْ. ومنه: أَعرِف للمحسن والمسىءِ، أَى لا يخفى علىَّ ذلك ولا مقابلته بما يوافقه. والمعرفة: إِدراك الشىءِ بتفكُّر وتدبّر لأَثره، وهو أَخَصّ من العلم. ويقال: فلان يعرف اللهَ، ولا يقال: يعلم الله متعدّياً إِلى مفعول واحد، لمَّا كان معرفة البشر لله هى بتدبّر آثاره دون إِدراك ذاته. ويقال: الله يعلم كذا ولا يقال: يعرف كذا، لمَّا كان المعرفة تستعمل فى العلم القاصر المتوصَّل إِليه بتفكُّر وتدبّر. وفد ورد فى القرآن لفظ المعرفة ولفظ العلم. فلفظ المعرفة كقوله تعالى: ﴿مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق﴾ ، ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ . وأَمّا لفظ العلم فهو أَكثر وأَوسع إِطلاقاً كقوله تعالى: ﴿فاعلم أَنَّهُ لاَ إلاه إِلاَّ الله﴾ ، ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إلاه إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط﴾ ، وقوله: ﴿والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن

стр. 1772

رَّبِّكَ بالحق﴾ ، وقوله: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ ، وقوله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى﴾ ، وقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ، وقوله: ﴿وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إلى يَوْمِ البعث فهاذا يَوْمُ البعث﴾ ﴿وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ﴾ ، وقوله: ﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون﴾ ، وقوله: ﴿قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب﴾ ، وقوله: ﴿اعلموا أَنَّ الله يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ، وقوله: ﴿واعلموا أَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، وقوله: ﴿اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ ، ﴿واتقوا الله واعلموا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ﴾ ﴿فاعلموا أَنَّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ الله﴾ وغير ذلك من الآيات. واختار الله لنفسه اسم العلم وما يتصرّف منه كالعالِم والعلِيم والعَلاَّم، وعَلِم ويَعْلم، وأَخبر أَن له عِلماً دون لفظ المعرفة، ومعلوم أَنَّ الاسم الذى اختاره لنفسه أَكمل نوعى المشارِك له فى معناه. وإِنما جاءَ لفظ المعرفة فى مؤمنى أَهل الكتاب خاصّة كقوله: ﴿ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ

стр. 1773

مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق﴾ ، وقوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ وقد تقدّمت الآيتان. وإِنَّ الطائفة المتصوّفة -نفع الله بهم- يُرجّحون المعرفة على العلم، وكثير منهم لا يرفع بالعلم رأساً، ويراه قاطعاً وحجاباً دون المعرفة، وأَهل الاستقامة منهم أَشدّ الناس وصِيّة للمريدين بالعلم. وعندهم أَنه لا يكون ولِىٌّ لله كامل الولاية من غير أولى / العلم أَبدًا، فما اتَّخذ الله ولا يتَّخذ ولِيًّا جاهلا. فالجهل رأْس كلّ بدعة وضلال ونقص، والعلم أَصل كلّ خير وهدى. والفرق بين المعرفة والعلم من وجوه لفظاً ومعنى: أَمّا اللفظ: ففعل المعرفة يقع على مفعول واحد، تقول: عرفت الدّيار وعرفت زيداً، قال تعالى: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ ، وقال: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ . وفعل العلم يقتضى مفعولين، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ، وإِذا وقع على مفعول كان بمعنى المعرفة كقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ﴾ . وأَمّا الفرق من جهة المعنى فمن وجوه: أَحدها: أَنَّ المعرفة تتعلَّق بذات الشىءِ والعلم يتعلَّق بأَحواله، فتقول: عرفت أَباك وعلِمته صالِحاً، ولذلك جاءَ الأَمر فى القرآن بالعلم دون المعرفة

стр. 1774

كقوله تعالى: ﴿فاعلم أَنَّهُ لاَ إلاه إِلاَّ الله﴾ ، وقوله: ﴿واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ ، ﴿فاعلموا أَنَّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ الله﴾ . فالمعرفة: تصوّر صورة الشىءِ ومثالِه العلمىّ فى النَّفس، والعلم: حضور أَحواله وصفاته ونسبتها إِليه. فالمعرفة: نسبة التصوّر، والعلم: نسبة التصديق. الثانى: أَنَّ المعرفة فى الغالب تكون لِمَا غاب عن القلب بعد إِدراكِه، فإِذا أَدركه قيل: عرفه، أَو تكون لِمَا وُصف له بصفات قامت فى نفسه فإِذا رآه وعلم أَنَّه الموصوف بها قيل: عرفه، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النهار يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ ، وقال: ﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ ، وفى الحديث: "إِنَّ الله سبحانه يقول لآخر أَهل الجنّة دخولا: أَتعرف الزمان الذى كنت فيه فيقول: نعم. فيقول: تمنَّ. فيتمنَّى على ربّه". وقال تعالى: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ . فالمعرفة نسبة الذِكر النفسىّ وهو حضور ما كان غائباً عن الذاكر، ولهذا كان ضدّها الإِنكار وضدّ العلم الجهل، قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ ويقال: عرف الحقَّ فأَقرّ به، وعرفه فأنكره. الوجه الثالث: أَنَّ المعرفة تفيد تمييز المعروف عن غيره، والعلم يفيد تمييز ما يوصف به عن غيره. وهذا الفرق غير الأَوّل، فإِنَّ ذلك يرجع إِلى

стр. 1775

إِدراك الذات وإِدراك صفاتها، وهذا يرجع إِلى تخليص الذات من غيرها، وتخليص صفاتها من صفات غيرها. الفرق الرابع: أَنك إِذا قلت: علمت زيداً لم تفد المخاطب شيئاً، لأَنَّه يَنتظر أَن تخبره على أَىّ حال علمته، فإِذا قلت: كريماً أَو شجاعاً حصلت له الفائدة، وإِذا قلت: عرفت زيدا استفاد المخاطب أَنك أَثبتَّه وميّزته عن غيره ولم يبق ينتظر شيئاً آخر. وهذا الفرق فى التحقيق إِيضاح الذى قبله. الفرق الخامس: أَنَّ المعرفة علم بعين الشىءِ مفصَّلاً عمّا سواه، بخلاف العلم فإِنه قد يتعلَّق بالشىءِ مُجملاً، فلا يتصوّر أَن يعرف الله البتَّة، ويستحيل هذا الباب بالكليّة؛ فإِن الله سبحانه لا يحاط به علمًا ولا معرفة ولا رؤية، فهو أَكبر من ذلك وأَعظم. قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ . والفرق بين العلم والمعرفة عند المحقِّقين أَنَّ المعرفة عندهم هى العلم الذى يقوم العالِم بموجَبه ومقتضاه، فلا يطلقون المعرفة على مدلول / العلم وحده، بل لا يصفون بالمعرفة إِلاَّ من كان عالِمًا بالله وبالطَّريق الموصِّل إِليه وبآفاتها وقواطعها وله حال مع الله يشهد له بالمعرفة. فالعارف عندهم مَن عرف الله سبحانه بأَسمائه وصفاته وأَفعاله، ثمّ صَدَق الله فى معاملاته، ثمّ أَخلص له فى قصوده ونِيَّاتِه، ثمّ انسلخ من أَخلاقه الرّديئة وآفاته، ثمّ تطهَّر من أَوساخه وأَدرانه ومخالفاته، ثم صبر على أَحكامه فى نِعمه

стр. 1776

وبليّاته، ثمّ دعا [إِلى] الله على بصيرة بدينة وإِيمانه، ثم جرّد الدّعوة إِليه وحده بما جاءَ به رسوله ﷺ ولم يَشُبْهَا بآراءِ الرِّجال وأَذواقهم ومواجيدهم ومقاييسهم ومعقولاتهم، ولم يزِنْ بها ما جاءَ به الرّسول ﷺ ، فهذا الذى يستحقُّ اسم العارف على الحقيقة، وإِذا سمّى به غيره فعلى الدّعوى والاستعارة. وقد تكلَّموا فى المعرفة بآثارها وشواهدها، فقال بعضهم: مِن أَمارات المعرفة بالله حصول الهيبة، فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته. وقال أَيضا: المعرفة توجب السكينة. وقيل: علامتها أَن يحس بقرب قلبه من الله فيجده قريباً منه. وقال الشِّبلى: ليس لعارف عَلاَقة، ولا لمحبّ شكوى، ولا لعبد دَعْوَى، ولا لخائف قرار، ولا لأَحد من الله فِرار. وهذا كلامٌ جيّد، فإِن المعرفة الصّحيحة تقطع من القلب العلائق كلَّها، وتعلّقه بمعروفه فلا يبقى فيه عَلاَقة لغيره، ولا يمرّ به العلائق إِلاَّ وهى مجْتازَة. وقال أَحمد بن عاصم: من كان بالله أَعرف كان من الله أَخوف. ويدلّ على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾ ، وقول النَّبى ﷺ : "أَنا أَعرفكم بالله وأَشدّكم له خَشْية". وقال آخر: من عرف الله ضاقت عليه الأَرضُ بسعتها؛ وقال غيره: من عرف الله اتَّسَع عليه كلُّ ضيق. ولا تنافى بين هذين الكلامين فإِنَّه يضيق عليه كلَّ مكان لاتِّساعه فيه على شأْنه ومطلوبه، ويتَّسع له ما ضاق على غيره لأَنَّه ليس فيه ولا هو مساكن له بقلبه، فقلبه غير محبوس فيه. والأَوّل فى بداية المعرفة والثانى فى غايتها التى يصل اليها العبد. وقال: من عرف الله

стр. 1777

تعالى صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كلّ شىءٍ، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأَنِس بالله. وقال غيره: من عرف الله قرّت عينه بالله وقرّت به كلُّ عين، ومن لم يعرف الله تقطَّع قلبه على الدّنيا حَسَرَاتٍ، ومن عرف الله لم يبق له رغبة فيما سواه. وعلامة العارف أَن يكون قلبه مرآة إِذا نظر فيها رأَى فيها الغَيْب الذى دعا إِلى الإِيمان به، فعلى قَدْر جلاءِ تلك المرآة يتراءَى فيها سبحانه والدّارُ الآخرة والجنَّة والنار والملائكة والرُّسُل، كما قيل: إِذا سكن الغَديرُ على صَفاءٍ ... فيُشْبه أَن يحرّكه النسيمُ بَدَتْ فيه السماءُ بلا مِرَاءٍ ... كذلك الشمسُ تبدو والنجومُ كذلك قلوبُ أَربابِ التَجَلِّى ... يُرى فى صَفْوِهَا اللهُ العظيمُ ومن علامات المعرفة أَن يَبدو لك الشاهد وتَفْنَى الشَّواهد، وتنجلى العَلائق وتنقطع العَوائق، وتجلس بين يدى الرّب، وتقوم وتضطجع على التأَهب للقائه كما يجلس الذى قد شدّ أَحماله وأَزمع السفر على تأَهب له ويقوم على ذلك ويضطجع عليه. ومن علامات العارف أَنه لا يطاِلب ولا يخاصِم ولا يعاقب ولا يرى له على أَحد حقًّا، ولا يأْسف على فائت ولا يفرح بآت لأَنه ينظر فى الأَشياءِ الفناءَ والزَّوال، وأَنَّها فى الحقيقة كالظِّلال والخيال. وقال الجنيد: لا يكون العارف عارفاً حتىَّ يكون كالأَرض يطؤها البَرّ والفاجر، وَكالسّحاب يُظلّ كلّ شىءٍ، وكالمطر يَسقى ما يحِبُّ وما لا يحبّ.

стр. 1778

وقال يحيى بن مُعاذ: يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين: بكاؤه على نفسه، وثناؤه على ربّه. وهذا من أَحسن ما قيل، لأَنَّه يدلُّ على معرفته بنفسه وعلى معرفته بربّه وجماله وجلاله، فهو شديد الإِزراءِ على نفسه لِهجٌ بالثناءِ على ربّه. وقال أَبو يزيد: إِنَّما نالوا المعرفة بتضييع ما لَهُم، والوقوف مع ما لَه. يريد تضييع حظوظهم والوقوف مع حقوق الله تعالى. وقال آخر: لا يكون العارف عارفاً حتى لو أُعطى مُلْك سليمان لم يشغله عن الله طَرْفة عين. وهذا يحتاج إِلى شرح، فإِنَّ ما هو دون ذلك يشغل القلب، لكن إِذا كان اشتغاله بغير الله لله فذلك اشتغال بالله. وقال ابن عطاء: المعرفة على ثلاثة أَركان: الهيبة، والحَياءُ، والأُنْس. وقيل: العارف ابن وقته. وهذا من أَحسن الكلام وأَخصَره. فهو مشغول بوظيفة وقته عمّا مضى وصار فى العدم، وعمّا لم يدخل بعد فى الوجود، فهمّه عمارة وقته الذى هو مادّة حياته الباقية. ومن علاماته أَنه مستوحش ممّن يقطعه عنه. ولهذا قيل: العارف من أَنس بالله فأَوحشه من الخَلْق، وافتقر إِلى الله فأَغناه عنهم، وذلَّ لله فأَعزَّه فيهم، وتواضع لله فرفعه بينهم، واستغنى بالله فأَحوجهم إِليه. وقيل: العارف فوق ما يقول، والعالم دون ما يقول. يعنى أَنَّ العالِم علمُه أَوسع من حاله وصفته، والعارف حاله وصفته فوق كلامه وخبره. وقال أَبو سليمان الدارانى: إِن الله يفتح للعارف وهو على فراشه ما لا يفتح لغيره وهو قائم يصلىِّ. وقال ذو النون: لكل شىءٍ عقوبة، وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله

стр. 1779

وقال بعضهم: رياءُ العارفين أَفضل من إِخلاص المريدين. وهذا كلام ظاهره منكر ومحتاج إِلى شرح؛ فإِن العارف لا يرائى المخلوق طلباً لمنزلة فى قلبه، وإِنما يكون ذلك منه نصيحة وإِرشادا وتعليما، فهو يدعو إِلى الله بَعمله كما يدعو إِلى الله بقوله، وإِخلاصُ المريد مقصور على نفسه. وقال ذو النون: الزُّهَّاد ملوك الآخرة، وهم فقراءُ العارفين. وسئل الجُنَيد عن العارف فقال: لون الماءِ لون إِنائِه. وهذه كلمة رمز بها إِلى حقيقة العبوديّة، وهو أَنَّه يتلوّن فى أَقسام العبوديّة، فبينا تراه مصلِّيًا إِذْ رأَيته ذاكراً أَو قارئاً أَو متعلمًا أَو معلِّمًا أَو مجاهدًا أَو حاجّاً أَو مساعدًا للضَّيف أَو معيناً للملهوف، فيضرب فى كلِّ غنيمة بسهم. فهو مع المنتسبين منتسب، ومع المتعلِّمين متعلِّم، ومع الغُزَاة غاز، ومع المصلِّين مصلٍّ، ومع المتصدِّقين متصدّق [و] هكذا ينتقل فى منازل العبوديّة من عبوديّة إِلى عبوديّة، وهو مستقيم على معبود واحد لا ينتقل عنه إِلى غيره. وقال يحيى بن مُعاذ: العارف كائن بائن. وقد فسّر كلامه على وجوه: منها أَنه كائن مع الخَلْق بظاهره بائن عن / نفسه. ومنها أَنَّه كائِن مع أَبناءِ الآخرة بائِن عن أَبناءِ الدّنيا. ومنها أَنَّه كائن مع الله بموافقته، بائن عن النَّاسِ لمخالفته. ومنها أَنَّه داخل فى الأَشياءِ خارج عنها، يعنى [أَن] المريد لا يقدر على الدّخول فيها والعارف داخل فيها خارج منها.

стр. 1780

وقال ذو النون ﵀: علامة العارف ثلاثة: لا يطفئُ نور معرفته نورَ ورعه، ولا يعتقد باطنًا من العلم ينقض عليه ظاهرًا من الحكم، ولا يحمله كثرة نعم الله على هتك أَستار محارم الله. وهذا أَحسن ما قيل فى المعرفة. وقال: ليس بعارفٍ مَن وصف المعرفة عند أَبناءِ الآخرة فكيف عند أَبناءِ الدّنيا؟ يريد أَنه ليس من المعرفة وصف المعرفة لغير أَهلها سواءٌ كانوا عُبَّادًا أَو من أَبناءِ الدنيا. وسئل ذو النون عن العارف فقال: كان هاهُنا فذهب. فسئل الجنيد عن معناه فقال: لا يحصرُه حال عن حال، ولا يحجبه منزل عن التنقّل فى المنازل، فهو مع أهل كل منزل (على الَّذِى هم) فيه، يجد مثل الذى يجدون، وينطق بمعالمها ليتبلغوا. وقال بعض السّلف: نوم العارف يقظة، وأَنفاسه تسبيح، ونومه أَفضل من صلاة الغافل. إِنما كان نومه يقظة لأَنَّ قلبه حىّ فعيناه تنامان وروحه ساجدة تحت العرش بين يَدَىْ ربِّها؛ وإِنَّمَا كان نومه أَفضل من صلاة الغافل لأَنَّ بدنه فى الصلاة واقف وقلبه يَسْبح فى حُشُوش الدنيا والأَمانىِّ. وقيل: مجالسة العارف تدعوك من ستٍّ إِلى ستّ: من الشك إِلى اليقين، ومن الرياءِ إِلى الإِخلاص، ومن الغفلة إِلى الذكر، ومن الرغبة فى الدنيا إِلى الرغبة فى الآخرة، ومن الكِبْر إِلى التواضع، ومن سوءِ الطوِيّة إِلى النصيحة. وللكلام فى المعرفة تتمة نذكرها فى محلّها فى المقصد المشتمل على علوم الصوفية إِن شاءَ الله.

стр. 1781

وتعارفوا: عَرَف بعضهم بعضًا. وعرّف: جعل له عَرْفاً أَى ريحاً طيبة. قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ أَى طيَّبَهَا وزيَّنَهَا. وقيل: عّرفها لهم من المعرفة أَى وصفها وشوّقهم إِليها. وعَرَفَات: موقف الحاجّ فى تاسع ذى الحِجّة ببطن نَعْمان. سميّت لأَن آدم وحوّاءَ تعارفا بها، أَو لقول جبريل ﵇ لإِبراهيم ﵇ لمّا أَعلمه المناسك: أَعَرَفْتَ، أَو لأَنها مقدّسة معظَّمة كأَنَّها عُرّفت أَى طيِّبت، أَو لأَن النَّاس يتعارفون فيه، أَو لتعرّف العباد إِلى الله تعالى بالعبادات والأَدعية. ويوم عرفة يوم الوقوف. وهو اسم فى لفظ الجمع فلا يجمع. وهى معرفة وإِن كانت جمعاً؛ لأَن الأَماكن لا تزول فصارت كالشىءِ الواحد، مصروفة لأَنَّ التاءَ بمنزلة الياء والواو فى مسلمين ومسلمون، والنسبة إِليه عَرَفىّ. والمعروف: اسم لكلّ فعل يُعرف بالشرع والعقل حُسنُه. وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف﴾ أَى بالاقتصاد والإِحسان. وقوله: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى﴾ أَى رَدّ جميل ودعاءٌ خير من صدقة هكذا. والعُرْف: المعروف من الإِحسان. وجاءَت القَطَا عُرْفًا أَى متتابعة، قال تعالى: ﴿والمرسلات عُرْفاً﴾ . والعرّاف: الكاهن، غير أَن العَرَّاف يخصّ بمن يخبر بالأَحوال المستقبلة، والكاهن بالماضية. والعريف مَن يعرف الناس ويعرّفهم، وسيّد القوم. والاعتراف: الإِقرار بالذنب، وأَصله / إِظهار معرفة الذَّنب.

стр. 1782

بصيرة فى عرى وعرم عُرَام الجيش: حَدّهم وشدّتهم وكثرتهم، ومن الرّجل: الشراسة والأَذى. عَرَمَ يَعْرُمُ وَيَعْرِم، وعرِم وعَرُم عَرَامة وعُرامًا، فهو عارم وعرِم: اشتدّ؛ والصبىّ علينا: أَشِر ومَرِحَ وَبطِر أَو فسد. والعَرِمَة: سُدٌّ يُعْتَرَض به الوادى: والجمع عَرِم، أَو هو جمع بلا واحد، أَو هو الأَحباس تُبنى فى الأَودية؛ والجُرَذ الذكر، وبكلّ فُسّر قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العرم﴾ . وقيل: المراد سيل الأَمر العرِم، ونُسب إِلى الجُرذ فى قوله من فسّره به من حيث إِنَّه هو الَّذى ثقب المسنَّاة. والعرِم أَيضاً: المطر الشديد، واسم وَادٍ. والعَرَمْرَم: الشديد، والجيش الكثير. العُرْى -بالضمّ-: خلاف اللُبْس. عَرِىَ - كرضى - عُرْيًا وعُرْيةً بضمِّهما، وتعرّى، وهو عارٍ وعُرْيَانٌ من عُرَاة وعُرْيانين. وفرس عُرْىٌ: بلا سرج. ورأَيت عُرْيا تحت عُريان. وجارية حسنة العُِريْة - بالضمّ والكسر - والمُعَرَّى والمُعَرَّاة أَى، حسنة المُجَرَّد. والمَعَارِى حيث يُرَى كالوجه واليدين والرّجلين.

стр. 1783

والعَرَاءُ: الفضاءُ الَّذى لا يُستتر فيه بشىءٍ، والجمع أَعراء. قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بالعرآء﴾ . وأَعرى: سار فيه أَو أَقام. والعَرَا - بالقصر -: الناحية، والجناب كالعَرَاة. وأَعراه النخلة: وهبه ثمر عامها. والعَرِيَّة: النخلة المُعرْاة. والعُرْوة من الدّلو والكوز: المقْبِض، ومن الثَّوب: أخْت زِرّه كالعُرْى والعِرْى. والعُرْوة من الفرج: لحم ظاهرٌ يَدِّق فيأخذ يَمْنة ويَسْرة مع أَسفل البَظْر. والفرج مُعَرّى. والعُرْوة: الجماعة من العِضاه والحَمْض تُرعى فى الجّدْب، والأَسدُ، والنفيس من المال كالفرس الكريم، وحوال البلد. وقوله تعالى: ﴿فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى﴾ فذلك على سبيل التمثيل، لأَنَّ العُرْوَة ما يُتَعَلَّق به مِن عَرَاه أَى جانبِه.

стр. 1784

بصيرة فى عزب وعز العَزَب: الذى لا أَهل له، والأَعزاب جمعه. وهِراوَة الأعزاب: فرس رَيَّان بن خويض، وكانت لا تدرَكُ، تصدّق بها على أَعزاب قومه، فكان العَزَب منهم بغزو عليها فإِذا استفاد مالا وأَهلا دفعها [إِلى] عزب آخر من قومه فضُربت مثلا. وقيل: أَعزُّ من هِراوة الأَعزاب. قال لَبِيد: لا تسقنى بيديك إِن لم أَلتمس ... نعم الضجوع بغارةٍ أَسراب تهدى أَوائلَهنَّ كلُّ طِمرَّة ... جرداء مثلِ هراوة الأَعزاب وامرأَةٌ عَزَبَةٌ وعَزَب أَيضاً: يا من يدلُّ عَزَبًا على عزب وقال أَبو حاتم: لا يقال: أَعزب، وأَجازه غيره. وفى الحديث عند مسلم: "وما فى الجَنَّةِ أَعزب". وقالوا: رجل عَزَبٌ للذى يَعْزُب فى الأرض. وقال: عَزَب يعزُب عن أَهله، وعَزَب عنىِّ يَعْزُبُ ويَعْزِب: بَعُد وغاب. وعَزَب طُهْر المرأَة: إِذا غاب عنها زوجها، قال النابغة الذبيانىّ:

стр. 1785

شُعَبُ العِلاَفِيَّات تحت فروجهم ... والمحصَنَاتُ عوازبُ الأَطهار يقول: استبدلوا شُعَب الرِّحالِ يَتورّكونها من غشيان النساءِ فيطهرن، وهم غَيَب فيعزُب طهرهنّ عنهم. العِزَّة: حالة مانعة للإِنسان من أَن يُغلب، من قولهم: أَرضٌ عَزَاز أَى صُلبة. وتعزَّز اللحمُ: اشتدّ وعزَّ، كأَنَّهُ حصل فى عَزَاز من الأَرض يصعب الوصول إِليه. والعزيز، الذى يَقْهَر ولا يُقْهر. قال تعالى: ﴿هُوَ العزيز الحكيم﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . والعِزَّة يُمدح بها تارة، ويُذمّ بها تارة كعزِة الكفَّار: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ . ووجه ذلك أَنَّ العزَّة لله ولرسوله هى الدّائمة الباقية، وهى العِزَّة الحقيقية، والعزَّة التى هى للكافر هى التعزُّز وهى فى الحقيقة ذُلّ لأَنه تشبُّع بما لم يُعط، قال تعالى: ﴿لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً﴾ أَى ليمتنعوا به من العذاب. وقوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً﴾ معناه: من كان يريد أَن يعِزَّ فإِنَّهُ يحتاج أَن يكتسب من الله [العزَّة] فإِنَّهَا له. وقد يستعار العزَّة للحميّة والأَنفة المذمومة، وذلك في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم﴾ .

стр. 1786

ويقال: عزَّ علىَّ كذا أَى صعُب. قال تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ . وعَزَّه: غلبه، يقال: مَن عَزَّ بَزَّ، أَى من غلب سلب. قال تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الخطاب﴾ أَى غلبنى أَوصار أَعزَّ منىِّ فى المخاطبة والمحاجّة. وعزَّز المطرُ الأَرضَ: صلَّبهَا. وعزَّ الشىءُ: قلّ، اعتبارا بما قيل: كلّ موجود مملول، وكلُّ مفقود مطلوب. والعُزَّى: صنم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ أَى يصعب مِثله ووجود مثله. ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ ، أَى قوّينا. وعُزِّز عليهم أَى شُدِّد عليهم ولم يرخَّص. وأَنا معتز ببنى فلان ومستعِزّ بهم. ويقال: ما العَزُوز كالفَتُوح، ولا الجَرُور كالمَتُوح، أَى الضّيقة الإِحليل كالواسعته، والبعيدة القَعْر كالقريبته.

стр. 1787

بصيرة فى عزر وعزل وعزم التعزير من الأَضداد، يستعمل بمعنى التعظيم وبمعنى الإِذلال. يقال: زمانُنا العبدُ فيه مُعَزَّر مُوَقَّر، والحُرُّ فيه مُعَزَّر موقَّر. الأَوَّل بمعنى المنصور المعظَّم، والثانى بمعنى المضروب المهزَّم. قال الله تعالى: ﴿تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ . والتعزير دون الحَدِّ، وذلك يرجع إِلى الأَوَّل، لأَنَّ ذلك تأْديب والتأْديب نُصْرة بقهر مّا. العَزْل: التنحية. عزله يعزِله، وعزَّله فاعتزل وانعزل، وتعزَّل: نحّاه جانبا فتنَحَّى، قال تعالى: ﴿وَإِذِ اعتزلتموهم وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ الله﴾ ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ﴾ أَى ممنوعون بعد أَن كانوا يُمَكَّنُونَ. وعَزَلَ عن المرأَة واعتزلها لم: يُرد ولدها. وتعازلوا: انعزل بعضُهم عن بعض. والعُزْلة: الاعتزال. والأَعزل: من لا سلاح معه، والرّمل المنفرد، ومن الدّواب: المائل الذَنَبِ عادة. والعَزْلاءُ: الاست، ومَصبّ الماءِ من الرَّاوية. عَزَم على الأَمر: عقد قلبَه على إِمضائِهِ، يَعْزِم عَزْمًا وعُزْمًا - بالضَّم - وَمَعْزَمًا ومَعْزِمًا وَعُزْمانًا وعَزِيماً وعَزِيمة. وعَزَمه واعْتَزَمَهُ واعتزم عليه وتعزَّم: أَراد فعله وقَطع عليه، أَوجدّ فى الأَمر. وعَزَم الأَمْرُ نفسُه: عُزِمَ عَليه،

стр. 1788

وعلى الرّجل: أَقسم عليه. قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح﴾ وقال: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ ، وقال: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ . وأُولو العَزْمِ منَ الرّسل: الذين عَزَموا على أَمْر الله فيما عهد إِليهم. وقيل هم: نوح، وإِبراهيم، وموسى، ومحمد. الزمخشرى: أُولو العزم منهم أُولو الجِدّ والثبات والصبر، وقيل هم: نوح، وإِبراهيم، وإِسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأَيّوب، وموسى، وداود، وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم. وعَزَم الراقى: قرأَ العزائم أَى الرُّقَى، أَو هى آيات من القرآن تُقرأُ على ذوى الآفات رجاء البُرء. وعَزْمة من عزمات الله: حق من حقوقه أَى واجب / ممّا أَوجبه. وعزائم الله: فرائضه التى فرضها.

стр. 1789

بصيرة فى عزه وعسر وعس (وعسل) العِزَة كعِدة: العُصْبة من النَّاس، والجمع عِزُون كثُبة وثِبُون. [وعَزَاه إِلى أَبيه: نسبه إِليه] . وعزَا هو إِليه وله، واعتزى وتعزّى: انتسب، صدقاً أَو كذباً. والعُسْر ضدّ اليُسْر. والعُسْرة: تعسُّر وجودِ المال، قَال تعالَى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ . والعَسّ: الطلب فى خُِفية. وبات يَعُسّ أَى ينفُض اللَّيل عن أَهْل الرِّيبة، وهو عاسّ مِن عَسَسٍ. ويعتسُّ للآثار أَى يقُصّها. وعسعس الليلُ: اعتكرت ظلماؤهُ، وقوله تعالى: ﴿والليل إِذَا عَسْعَسَ﴾ قيل: أَى أَقبل وأَدْبَر، وذلك فى مبدإِ اللَّيل ومُنتهاه. والعَسَل: لُعاب النَحْل، وله نيّف وخمسون اسما. ومن المستعار: العُسَيلتان للعضوين لكونهما مظِنَّتى الالتذاذ. وعَسَلتهم وعَسَّلتهم: أَطعمتهم العَسَل. وهو معسول الكلام والمواعيد: حُلْوهُ صادِقهُ. وفى الحديث: "إِذا أَراد الله بعبد خيراً عسله" أَى وفَّقه للعمل الطيب.

стр. 1790

بصيرة فى عسى وعشر وعسى، قيل: فعل مطلقا، وقيل: حرف مطلقا، للترجى فى المحبوب، وللإشفاق فى المكروه. واجتمعا فى قوله تعالى: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ ، ويكون للشك، ولليقين. وقد يشبّه بكاد. وهو من الله تعالى إِيجاب، وبمنزلة كان فى المَثَل السائرِ: عَسَى الغُوَير أَبْؤُسا. قوله تعالى: ﴿هل عَسَيْتم﴾ أَى هل أَنتم قريب من الفِرار. وبالْعَسَى أَن تفعل: بالحَرَى. و ﴿عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ أَى كونوا راجين فى ذلك. العشَرَة والعَشْر والعِشرون معروفة. وعشَرتهم: أَخذت واحدا فصاروا تسعة. وعشَّرتهم تعشيرا: كانوا تسعة فجعلتهم عشرة. وهو لا يعشر فلاناً ظَرْفاً أَى لا يبلغ مِعشاره أَى عُشْره. والعُشَارِىّ: ما طُوله عشرة أَذرع من الثياب. وضرب فى أَعشاره، ولم يرض بمعشاره، أَى أَخذه كلّه.
следующие страницы →