Полный текст (2 804 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قوله: ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ فى قصّة نوح وهود بلفظ المستقبل وفى قصّة صالح وشعيب ﴿أَبْلَغْتُكُمْ﴾ بلفظ الماضى، لأَنَّ [ما] فى قصّة نوح وهود وقع فى ابتداءِ الرّسالة، و [ما] فى قصّة صالح وشُعَيب وقع فى آخر الرّسالة، ودُنوّ العذاب.
قوله: ﴿رِسَالاَتُ رَبِّي﴾ فى القِصَصِ إِلاَّ فى قصّة صالح؛ فإِنَّ فيها (رسالة) على الواحدة لأَنَّه سبحانه حَكَى عنهم بعد الإِيمان بالله والتقوى أَشياءَ أُمِروا بها إِلاَّ فى قصّة صالح؛ فإِنَّ فيها ذكر الناقة فقط، فصار كأَنَّه رسالة واحدة. وقوله: ﴿بِرِسَالاَتِي وبِكَلاَمِي﴾ مختلف فيهما.
قوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ والذين مَعَهُ فِي الفلك وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ﴾ وفى يونس ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفلك﴾ لأَنَّ أَنجينا ونجّينا للتَّعدّى، لكنَّ التشديد يدلّ على الكثرة والمبالغة، وكان فى يونس ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ ولفظ (من) يقع على أَكثر ممّا يقع عليه (الَّذين) لأَنَّ (مَن) يصلح للواحد والاثنين، والجماعة، والمذكر، والمؤَنَّث، بخلاف الذين فإِنَّه لجمع المذكر فحسب، وكان التَّشديد مع (مَن) أَليق.
стр. 212
قوله: ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وفى هود، ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ وفى الشعراءِ ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لأَنَّ فى هذه السّورة بالغ فى الوعظ، فبالغ فى الوعيد، فقال: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، وفى هود لمّا اتَّصل بقوله ﴿تَمَتَّعُوْا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ وصفه بالقرب فقال: ﴿عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ وزاد فية الشعراءِ ذكر اليوم لأَنَّ قبله: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ والتقدير: لها شرب يوم معلوم، فختم الآية بذكر اليوم، فقال: عذاب يوم عظيم.
قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ﴾ على الواحدة وقال: ﴿وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ حيث ذكرَ الرّجفة وَهى الزلزلة وَحّد الدّار، وحيث ذكر الصّيحة جَمَعَ؛ لأَنَّ الصّيحة كانت من السّماءِ، فبلوغها أَكثر وأَبلغ من الزلزلة، فاتَّصل كلُّ واحد بما هو لائق به.
قوله: ﴿مَّا نَزَّلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ وفى غيره ﴿أَنْزَلَ﴾ لأَنَّ أَفعل كما ذكرنا آنفاً للتعدّى، وفَعَّل للتعدّى والتَّكثير، فذكر فى الموضع الأَوّل بلفظ المبالغة؛ ليجرى مجرى ذكر الجملة والتفصيل، أَو ذكر الجنس والنَّوع، فيكون الأَوّل كالجنس، وما سواه كالنَّوع.
стр. 213
قوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ الجبال بُيُوتاً﴾ فى هذه السّورة، وفى غيرها ﴿مِنَ الْجِبَال﴾ لأَنَّ [ما] فى هذه السّورة تقدّمه ﴿مِنْ سُهُوْلِهَا قُصُورًا﴾ فاكتفى بذلك.
قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المجرمين﴾ وفى غيرها ﴿فَسَآءَ مَطَرُ المنذرين﴾ لأَنَّ ما فى هذه وافق ما بعده وهو قوله ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ .
قوله: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة﴾ بالاستفهام، وهو استفهام تقريعٍ وتوبيخ وإِنكار، وقال بعده: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُوْنَ﴾ فزاد مع الاستفهام (إِنَّ) لأَن التقريع والتَّوبيخ والإِنكار فى الثانى أَكثر. ومثله فى النَّمل: ﴿أَتَأْتُوْنَ﴾ وبعده أَئِنكم وخالف فى العنكبوت فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة﴾ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال﴾ فجمع بين أَئِنَّ وأَئن وذلك لموافقة آخِر القصّة، فإِنَّ فى الآخر ﴿إِنَّا مُنَجُّوْكَ﴾ و ﴿إِنَّا مُنْزِلُوْنَ﴾ فتأَمّل فيه؛ فإِنَّه صعب المستخرج.
قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ هنا بلفظ الاسم، وفى النَّمل ﴿قَوْمٌ تَجْهَلُوْنَ﴾ بلفظ الفعل. أَو لأَنَّ كلّ إِسراف جهل وكلَّ جهل إِسراف، ثمّ ختم الآية بلفظ الاسم؛ موافقة لرءُوس الآيات المتقدّمة، وكلها أَسماءُ:
стр. 214
للعالمين، الناصحين، المرسلين، جاثمين، كافرون، مؤْمنون، مفسدون. وفى النَّمل وافق ما قبلها من الآيات، وكلها أَفعال: تبصرون، يتَّقون، يعملون.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ بالواو فى هذه السّورة. وفى سائر السّور (فما) بالفاءِ؛ لأَنَّ ما قبله اسم، والفاء للتعقيب، والتعقيب يكون مع الأَفعال. فقال فى النَّمل ﴿تَجْهَلُوْنَ فَمَا كَانَ﴾ وكذلك فى العنكبوت ﴿وَتَأْتُوْنَ فِي نَادِيْكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ﴾ وفى هذه السّورة ﴿مُسْرِفُوْنَ وَمَا كَانَ﴾ .
قوله: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ فى هذه السّورة وفى النَّمل ﴿أخرجوا آلَ لُوطٍ﴾ ما فى هذه السّورة كناية فسّرها ما فى السورة الَّتى بعدها، وهى النَّمل ويقال: نزلت النَّمل أَوّلاً، فصرّح فى الأُولى، وكَنَّى فى الثانية.
قوله: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (هاهنا، وفى النمل: ﴿قَدَّرْنَاهَا مِنَ الغابرين﴾ أَى كانت فى علم الله من الغابرين) .
قوله: ﴿بَمِا كَذَّبُوْا مِنْ قَبْل﴾ هنا وفى يونس ﴿بِمَا كَذَّبُوْا بِهِ﴾ لأَنَّ أَوّل القصّة هنا ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا﴾ وفى الآية ﴿ولاكن كَذَّبُواْ﴾ وليس بعدها الباء، فخَتَم القصّة بمثل ما بدأَ به، فقال: كذَّبوا من قبل. وكذلك فى يونس وافق ما قبله وهو ﴿كَذَّبُوْهُ﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ ثمّ
стр. 215
﴿كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ فخَتَم بمثل ذلك، فقال: ﴿بِمَا كَذَّبُوْا بِهِ﴾ . وذهب بعض أَهل العلم إِلى أَنَّ ما فى حقِّ العقلاءِ من التكذيب فبغير الباء؛ نحو قوله: كذَّبوا رسلى، وكذَّبوه، وغيره؛ وما فى حقِّ غيرهم بالباءِ؛ نحو كَّذبوا بآياتنا وغيرها. وعند المحقِّقين تقديره: فكذَّبوا رسلنا بردِّ آياتنا، حيث وقع.
قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله﴾ ، وفى يونس ﴿نَطْبَعُ﴾ بالنون؛ لأَنَّ فى هذه السّورة قد تقدّم ذكر الله سبحانه بالتَّصريح، والكناية، فجمع بينهما فقال: ﴿وَنَطْبَعُ على قُلوبِهِم﴾ بالنّون، وختم الآية بالتَّصريح فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله﴾ وأَمّا فى يونس فمبنىّ على ما قبله: من قوله: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ بلفظ الجمع، فختم بمثله، فقال: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوْبِ الْمُعْتَدِين﴾ .
قوله: ﴿قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هاذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وفى الشعراءِ ﴿قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ﴾ ؛ لأَنَّ التقدير فى هذه الآية: قال الملأُ من قوم فرعون وفرعونُ بعضُهم لبعض، فحذف (فرعون) لاشتمال الملأ من قوم فرعون على اسمه؛ كما قال: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أَى آل فرعون وفرعون، فحذف (فرعون) ، لأَنَّ آل فرعون اشتمل على اسمه. فالقائل هو فرعون نفسه
стр. 216
بدليل الجواب، وهو (أَرْجِه) بلفظ التوحيد، والملأ هم المقول لهم؛ إِذ ليس فى الآية مخاطبون بقوله: ﴿يُخْرِجُكُمْ مِنْ أَرَْضِكُمْ﴾ غيرهم. فتأَمّل فيه فإِنَّه برهان للقرآن شاف.
قوله: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ وفى الشعراءِ ﴿مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ لأَنَّ الآية (الأُولى فى هذه السورة بنيت على الاقتصار [وليس] كذلك الآية) الثانية، ولأَنَّ لفظ السّاحر يدل على السّحر.
قوله: ﴿وَأَرْسِلْ﴾ ، وفى الشعراءِ: ﴿وَابْعَثْ﴾ لأَنَّ الإِرسال يفيد معنى البعث، ويتضمّن نوعاً من العُلُوّ؛ لأَنه يكون من فوق؛ فخُصّت هذه السّورة به، لمّا التبس؛ ليعلم أَنَّ المخاطَب به فرعون دون غيره.
قوله: ﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيْمٍ﴾ وفى الشُّعراءِ بكلِّ ﴿سَحَّارٍ﴾ لأَنَّه راعى ما قبله فى هذه السّورة وهو قوله: ﴿إِنَّ هاذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وراعى فى الشُّعراءِ الإِمامَ فإِنَّ فيه (بكلِّ سَحّار بالأَلف) وقرئَ فى هذه السّورة ﴿بِكُلِّ سَحَّارٍ﴾ أَيضاً طلباً للمبالغة وموافقةً لما فى الشعراءِ.
قوله: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ﴾ وفى الشعراءِ ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ﴾ لأَنَّ القياس فى هذه السّورة وجاءَ السّحرة فرعون وقالوا، أَو فقالوا، لا بدّ من ذلك؛ لكن أَضمر فيه (فلمّا) فحسُن حذف الواو.
стр. 217
وخصّ هذه السّورة بإِضمار (فلمّا) لأَنَّ ما فى هذه السّورة وقع على الاختصار والاقتصار على ما سبق. وأَمّا تقديم فرعون وتأْخيره فى الشعراءِ لأَنَّ التَّقدير فيهما: فلمّا جاءَ السّحرة فرعون قالوا لفرعون، فأَظهر الأَول فى هذه السّورة لأَنَّها الأُولى، وأَظهر الثَّانى فى الشَّعراءِ؛ لأَنَّها الثانية.
قوله: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ وفى الشُّعراءِ ﴿إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِيْنَ﴾ (إِذاً) فى هذه السّورةِ مضمرة مقدّرة؛ لأنَ (إِذاً) جزاء، ومعناه: إِن غَلبتم قرّبتكم، ورفعتُ منزلتكم. وخصّ هذه السّورة بالإِضمار اختصاراً.
قوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وإِمَّا أَنْ نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ وفى طه ﴿وَإِمَّا أَنْ نَّكُوْنَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ راعى فى السّورتين أَواخر الآى. ومثله ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينْ﴾ فى السّورتين، وفى طه ﴿سُجَّدًا﴾ وفى (السّورتين) أَيضاً ﴿ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وليس فى طه ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وفى السّورتين ﴿رَبِّ مُوْسَى وَهَارُوْنَ﴾ وفى طه ﴿رَبِّ هَارُوْنَ وَمُوْسَى﴾ (وفى هذه السورة: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ﴾ [وفى الشعراءِ: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُوْنَ لأُقَطِّعَنَّ﴾ ] وفى طه ﴿فلأُقَطِّعَنَّ﴾ وفى السّورتين [ ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ، وفى طه] : ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِيْ جُذُوْعِ النَّخْلِ﴾ . وهذا كلّه لمراعاة فواصل الآى؛ لأَنَّها مرعيّة يبتنى عليها مسائل كثيرة.
стр. 218
قوله: ﴿ءَامَنْتُمْ بِهِ﴾ (وفى السّورتين: آمنتم) له) لأَنَّ هنا يعود إِلى ربّ العالمين وهو المؤْمن (به) سبحانه وفى السورتين يعود إِلى موسى؛ لقوله ﴿إِنَّهُ لَكَبِيْرُكُمْ﴾ وقيل آمنتم به وآمنتم له واحد.
قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ (وفى السورتين: قال آمنتم، لأَن هذه السورة مقدّمة على السّورتين فصرّح فى الأُولى، وكَنَى فى الأخريَيْن، وهو القياس: وقال الإِمام: لأَنَّ [ما] هنا بَعُد عن ذكر فرعون فصرّح وقرُب فى السّورتين ذكرُه فكَنَى.
قوله: ﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ وفى السّورتين ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ ؛ لأَنَّ (ثمّ) يدلُّ على أَنَّ الصَّلْب يقع بعد التقطيع، وإِذا دَلَّ فى الأُولى عُلِمَ فى غيرها، ولأَنَّ الواو يصلح لما يصلح له (ثمّ) .
قوله: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُوْنَ﴾ وفى الشعراءِ ﴿لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُوْنَ﴾ بزيادة (لا ضير) لأَنَّ هذه السّورة اختُصِرَتْ فيها القِصَّة، وأُشبعت فى الشعراءِ، وذكر فيها أَوّل أَحوال موسى مع فرعون، إِلى آخرها، فبدأَ بقوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ وخَتَمَ بقوله ثمّ ﴿أَغْرَقْنَا الآخرين﴾ فلهذا وقع زوائد لم تقع فى الأَعراف وطه، فتأَمّل تعرف إِعجاز التنزيل.
قوله ﴿يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُقَتِّلُونَ﴾ بغير واو على البدل. وقد سبق.
стр. 219
قوله: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ هنا وفى يونس: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ لأَنَّ أَكثر ما جاءَ فى القرآن من لفظ الضرّ والنفع معاً جاء بتقديم لفظ الضّرّ؛ لأَنَّ العابد يعبد معبوده خوفاً من عقابه أَوَّلاً، ثمَّ طمعاً فى ثوابه ثانياً. يقوّيه قوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ ، وحيث تقدم النفع تقدّم لسابقة لفظ تضمّن نفعاً. وذلك فى ثمانية مواضع: ثلاثة منها بلفظ الاسم، وهى هاهنا والرّعد وسبأ. وخمسة بلفظ الفعل وهى فى الأَنعام ﴿مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا﴾ وفى آخر يونس ﴿مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ﴾ وفى الأَنبياءِ ﴿مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾ وفى الفرقان ﴿مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ﴾ وفى الشعراءِ ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ أَمّا فى هذه السورة فقد تقدّمه ﴿مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدي وَمَن يُضْلِلْ﴾ فقدّم الهداية على الضَّلالة. وبعد ذلك ﴿لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير وَمَا مَسَّنِيَ السواء﴾ فقدّم الخير على السّوءِ، فكذلك قدّم النَّفع على الضرّ وفى الرّعد ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ فقدّم الطَّوع وفى سبأ ﴿يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ فقدّم البسط. وفى يونس قدّم الضّرّ على الأَصلِ ولموافقته ما قبلها ﴿لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ﴾ وفيها ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر﴾ فتكرّر فى الآية ثلاث مرّات. وكذلك ما جاءَ
стр. 220
بلفظ الفعل فلسابقة معنى يتضمّن فعلاً. أَمّا سورة الأَنعام ففيها ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُوْنِ اللهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيْعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا﴾ ، ثمّ وصلها بقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِنْ دُوْنِ اللهِ مَالاَ يَنْفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا﴾ وفى يونس تقدّمه قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ المؤمنين﴾ ثمّ قال: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ﴾ وفى الأَنبياءِ تقدّمه قول الكفار لإِبراهيم فى المجادلة ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هاؤلاء يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾ وفى الفرقان تقدّمه قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ وعَدَّ نِعَماً جَمّة فى الآيات ثمّ قال: ﴿وَيَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُهُمْ﴾ تأَمّل؛ فإِنه برهان ساطع للقرآن.
فضل السّورة
ثم يُرْو سوى هذه الأَخبار الضَّعيفة (مَن قرأَ سورة الأَعراف جعل الله بينه وبين إِبليس سِتْراً يحرس منه، ويكون ممّن يزوره فى الجنَّة آدمُ. وله بكلِّ يهودىّ ونصرانىّ درجةٌ فى الجنَّة) وعنه ﷺ : يا علىّ مَنْ قرأَ سورة الأَعراف قام من قبره وعليه ثمانون حُلَّة، وبيده براءَة من النار، وجوازٌ على الصّراط، وله بكل آية قرأَها ثوابُ مَنْ بَرّ والديه، وحَسُن خُلُقه. وعن جعفر الصَّادق رضى الله عنه: مَنْ قرأَ سورة الأَعراف فى كل شهر كان يوم القيامة من الآمنين. ومن قرأَها فى كل جمعة لا يحاسَب معه يوم القيامة، وإِنَّها تشهد لكلّ من قرأَها.
стр. 221
بصيرة فى.. يسألونك عن الأنفال
اعلم أَنَّ هذه السّورة مدَنيّة بالإِجماع وعدد آياتها سبع وسبعون عند الشَّاميّين، وخمس عند الكوفيّين، وست عند الحجازيّين، والبصريّين. وعدد كلماتها أَلف ومائة وخمس وتسعون كلمة. وحروفها خمسةُ آلاف ومائتان وثمانون.
الآيات المختلف فيها ثلاث ﴿يَغْلِبُوْنَ﴾ ، ﴿بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِيْنَ﴾ ، ﴿أَمْرًا كَانَ مَفْعُوْلاً﴾ .
فواصل آياته (ن د م ق ط ر ب) يجمعها نَدِمَ قُطْرُب، أَو نطق مدبر. على الدّال منها آية واحدة ﴿عَبِيْدِ﴾ . وعلى القاف آية واحدة ﴿حَرِيْق﴾ وعلى الباءِ أَربع آيات آخرها ﴿عِقَابْ﴾ .
ولهذه السّورة اسمان: سورة الأَنفال؛ لكونها مفتَتَحة بها، ومكرّرة فيها، وسورة بدر، لأَنَّ معظمها فى ذكر حرب بَدْر، وما جرى فيها.
مقصود السّورة مجملاً: قطع الأَطماع الفاسدة من الغنيمة الَّتى هى حق الله ولرسوله، ومدح الخائفين الخاشعين وقت سماع القرآن، وبعث المؤمنين
стр. 222
حَقّاً، والإِشارة إِلى ابتداءِ حَرْب بدر، وإِمداد الله تعالى صحابة نبيّه بالملائكة المقرّبين، والنّهى عن الفِرار من صفّ الكفّار، وأَمر المؤمنين بإِجابة الله ورسوله، والتحذير عن الفتنة، والنَّهى عن خيانة الله ورَسُوله، وذكر مكر كُفَّار مكَّة فى حقِّ النبىّ ﷺ ، وتجاسر قوم منهم باستعجال العذاب، وذكر إِضاعة نفقاتهم فى الضَّلال والباطل، وبيان قَسْم الغنائم، وتلاقى عساكر الإِسلام وعساكر المشركين، ووصيَّة الله المؤمنين بالثبات فى صفّ القتال، وغرور إِبليس طائفة من الكفار، وذمّ المنافقين فى خذلانهم لأَهل الإيمان، ونكال ناقضى العهدِ ليعتبر بهم آخرون، وتهيئة عُذْر المقاتلة والمحاربة، والميل إِلى الصّلح عند استدعائهم الصّلح، والمَنّ على المؤمنين بتأليف قلوبهم، وبيان عدد عسكر الإِسلام، وعسكر الشرك، وحكم أَسرى بدر، ونُصرة المعاهدين لأَهل الاسلام، وتخصيص الأَقارب، وذوى الأَرحام بالميراث فى قوله ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ إِلى آخر السّورة.
النَّاسخ والمنسوخ:
الآيات المنسوخة فى السّورة ستّ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ م ﴿مَا غَنِمْتُمْ﴾ ن ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ م ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ
стр. 223
الله﴾ ن ﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ﴾ م ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ن ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ﴾ م ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ ن ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ م ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ﴾ ن ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ م ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ ن.
المتشابهات: قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى﴾ وقوله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ﴾ وقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ قد سبق.
قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ ثمّ قال بعد آية ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أَجاب عن هذا بعضُ أَهل النظر وقال: ذكر فى الآية الأُولى عقوبته إِيّاهم عند الموت؛ كما فعله بآل فرعون ومَن قبلهم من الكفَّار، وذكر فى الثانية ما يفعله بهم بعد موتهم. قال الخطيب: الجواب عندى: أَنَّ الأَوّل إِخبار عن عذاب لم يمكِّن الله أَحداً من فعله، وهو ضرب الملائكة وجوهَهم وأَدبارهم عند نزع أَرواحهم، والثانى إِخبار عن عذاب مكَّن النَّاس من فعل مثلِه، وهو الإِهلاك والإِغراق.
стр. 224
قال تاج القراء: وله وجهان [آخران] محتملان. أَحدهما: كدأب آل فرعون فيما فعلوا، والثانى: كدأب فرعون فيما فُعِل بهم. فهم فاعلون فى الأَوّل، ومفعولون فى الثَّانى. والوجه الآخر: أَنَّ المراد بالأَوّل كفرهم بالله، وبالثَّانى تكذيبهم بالأَنبياءِ؛ لأَنَّ تقدير الآية: كذَّبوا الرّسل بردّهم آيات الله. وله وجه آخر. وهو أَن يجعل الضَّمير فى (كفروا) لكفَّار قريش على تقدير: كفروا بآيات ربّهم كدأْب آل فرعون والذين من قبلهم، وكذلك الثانى: كذَّبوا بآيات ربهم كدأب آل فرعون.
قوله: ﴿الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ هنا بتقديم أَموالهم وأَنفسهم وفى براءَة بتقديم ﴿فِي سَبِيْلِ اللهِ﴾ لأَنَّ فى هذه السّورة تقدّم ذكرُ المال والفداءِ والغنيمة فى قوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا﴾ و ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ﴾ أَى من الفداءِ، ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ فقدّم ذكر المال، وفى براءَة تقدّم ذكر الجهاد، وهو قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ﴾ وقوله: ﴿كَمَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ الله﴾ فقدّم ذكر الجهاد، وذكر هذه الآى فى هذه السّورة ثلاث مرّات. فأَورد فى الأُولى ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾ وحذف من الثانية ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ اكتفاءً
стр. 225
بما فى الأُولى، وحَذف من الثالثة ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ وزاد ﴿فِي سَبِيْلِ اللهِ﴾ اكتفاءً بما فى الآيتين.
فضل السّورة
يروى بسند ساقط أَنَّه قال ﷺ : "مَن قرأَ سورة الأَنفال وترًا فأَنا شفيع له، وشاهد يوم القيام أَنَّه برىءٌ من النفاق، وأُعطِىَ من الأَجر بعدد كلِّ منافق فى دار الدنيا عشر حسنات، ومُحى عنه عشرُ سيئات، ورُفع له عشرُ درجات، وكان العَرْش وحَمَلته يصلُّون عليه أَيّام حياته فى الدّنيا" وعنه ﷺ أَنَّه قال: يا علىّ، مَن قرأَ سورة الأَنفال أَعطاه الله مثل ثواب الصّائم القائم.
стр. 226
بصيرة فى.. براءة من الله ورسوله
هذه السورة مَدَنيّة بالاتِّفاق. وعدد آياتها مائة وتسع وعشرون عند الكوفيّين، وثلاثون عند الباقين. عدد كلماتها أَلفان وأَربعمائة وسبع وتسعون كلمة. وحروفها عشرة آلاف وسبعمائة وسبع وثمانون حرفاً.
والآيات المختلف فيها ثلاث ﴿برياء مِّنَ المشركين﴾ ﴿عَادٍ وَثَمُوْدَ﴾ ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ .
مجموع فواصل آياته (ل م ن ر ب) يجمها (لم نربّ) على اللاَّم منها آية واحدة ﴿إِلاَّ قَلِيل﴾ وعلى الباءِ آية ﴿وَأَنَّ الله عَلاَّمُ الغيوب﴾ وكلّ آية منها آخرها راء فما قبل الرّاءِ ياء.
ولهذه السّورة ثمانية أَسماء: الأَوّل براءَة؛ لافتتاحها بها، الثانى سورة التَّوبة؛ لكثرة ذكر التَّوبة فيها ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوْبُواْ﴾ ﴿لَقَدْ تَّابَ اللهُ عَلَى النَّبِىِّ﴾ الثالث الفاضحة؛ لأَنَّ المنافقين افتَضَحوا عند نزولها. الرّابع المبعثِرة؛ لأَنَّها تبعثِر عن أَسرار المنافقين. وهذان الاسمان رُويا عن ابن
стр. 227
عباس. الخامس المُقَشْقِشَة؛ لأَنَّها تبرىءُ المؤمن، فتنظِّفه من النفاق وهذا عن ابن عمر. السّادس البَحُوث؛ لأَنَّها تَبْحَث عن نفاق المنافقين. وهذا عن أَبى أَيُّوب الأَنصارى. السابع سورة العذاب؛ لما فيها من انعقاد الكفَّار بالعذاب مرّة بعد أُخرَى ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ الثَّامن الحافرة؛ لأَنَّها تحفر قلوب أَهل النِّفاق بمثل قوله: ﴿إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ ، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ .
مقصود السّورة إِجمالاً: وَسْم قلوب الكُفَّار بالبراءَة، ورَدّ العهد عليهم، وأَمان مستمع القرآن، وقهر أَئمة الكفر وقتلهم، ومنع الأَجانب من عمارة المسجد الحرام، وتخصيصها بأَهل الإِسلام، والنَّهى عن موالاة الكفَّار، والإِشارة إِلى وقعة حرب حُنَيْن ومنع المشركين من دخول الكعبة، والحَرَم، وحضور الموسم، والأَمر بقتل كَفَرَة أَهل الكتاب وضرب الجزية عليهم، وتقبيح قول اليهود والنَّصارى فى حقِّ عُزَير وعيسى ﵉، وتأْكيد رسالة الرّسول الصّادق المحقّ، وعيب أَحبار اليهود فى أَكلهم الأَموال بالباطل، وعذاب مانعى الزكاة، وتخصيص الأَشهر الحرم من أَشهر السنة، وتقديم الكفار شهر المحرم، وتأخيرهم إِيَّاه، والأَمر بغزوة تَبُوك، وشكاية المتخلِّفين عن الغَزْو، وخروج النَّبى
стр. 228
صلَّى الله عليه وسلَّم مع الصّديق رضى الله عنه من مَكَّة إِلى الغار بجبل ثَوْر، واحتراز المنافقين من غزوة تبوك، وترصُّدهم وانتظارهم نكبة المسلمين، وردّ نفقاتهم عليهم، وقَسْم الصّدقات على المستحقِّين، واستهزاء المنافقين بالنَّبى ﷺ ، وبالقرآن، وموافقة المؤمنين بعضهم بعضاً، ونيلهم الرّضوان الأَكثر بسبب موافقتهم، وتكذيب الحقِّ للمنافقين فى إِيمانهم، ونهى النَّبى عن الاستغفار لأَحْيائهم، وعن الصلاة على أَمواتهم، وعَيْب المقصّرين على اعتذارهم بالأَعذار الباطلة، وذمّ الأَعراب فى صلابتهم، وتمسكهم بالدّين الباطل، ومدح بعضهم بصلابتهم فى دين الحقِّ، وذكر السّابقين من المهاجرين والأَنصار، وذكر المعترفين بتقصيرهم، وقبول الصّدقات من الفقراءِ، ودعائهم على ذلك، وقبول توبة التَّائبين، وذكر بناءِ مسجد ضِرار للغرض الفاسد، وبناءِ مسجد قُباء على الطَّاعة والتقوى، ومبَايعة الحقِّ تعالى عبيدَه باشتراءِ أَنفسهم وأَموالهم، ومعاوضتهم عن ذلك بالجنَّة، ونهى إِبراهيم الخليل من استغفار المشركين، وقبول توبة المتخلِّفين المخلِّص من غزوة تَبوك، وأَمر ناسٍ بطلب العلم والفقه فى الدِّين، وفضيحة المنافقين، وفتنتهم فى كلِّ وقت، ورأْفة الرّسول ﷺ ، ورحمته لأُمته وأَمر الله نبيّه بالتوكُّل
стр. 229
عليه فى جميع أَحواله بقوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ الله لا إلاه إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الآية.
النَّاسخ والمنسوخ:
الآيات المنسوخة ثمان آيات ﴿فَسِيْحُواْ فِيْ الأَرْضِ﴾ م ﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم﴾ ن ﴿يَكْنِزُونَ الذهب والفضة﴾ م (آية الزكاة) ن ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ وقوله: ﴿انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ م ﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ﴾ ن ﴿عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ م ﴿فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ ن ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ م ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ ن ﴿الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً﴾ إلى تمام الآيتين م ﴿وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ ن.
المتشابهات:
قوله: ﴿واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله﴾ وبعده ﴿واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله﴾ ليس بتكرار؛ لأَنَّ الأَول للمكان، والثانى للزَّمان. وتقدّم ذكرهما فى قوله: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ .
стр. 230
قوله: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة﴾ وبعده ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة﴾ ليس بتكرار؛ لأَنَّ الأَول فى المشركين، والثَّانى فى اليهود، فيمن حمل قوله: ﴿اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيْلاً﴾ على التوراة. وقيل: هما فى الكفار وجزاءُ الأَوّل تخلية سبيلهم، وجزاءُ الثانى إِثبات الأُخُوّة لهم ومعنى ﴿بآَيَاتِ اللهِ﴾ القرآن.
قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ﴾ ثم ذكر بعده ﴿كَيْفَ﴾ واقتصر عليه، فذهب بعضهم إِلى أَنَّه تكرار للتأكيد، واكتفى بذكر (كيف) عن الجملة بعد؛ لدلالة الأُولى عليه. وقيل تقديره: كيف لا تقتلونهم، (ولا) يكون من التكرار فى شىء.
قوله: ﴿لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ وقوله: ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ الأَول للكفار والثانى لليهود. وقيل: ذكر الأَوّل، وجعله جزاءً للشرط، ثم أَعاد ذلك؛ تقبيحاً لهم، فقال: ساءَ ما يعملون لا يرقبون فى مؤمن إِلاَّ ولا ذمّة. فلا يكون تكرارً محضاً.
قوله: ﴿الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ إِنَّما قدّم ﴿فِي سَبِيلِ الله﴾ لموافقة قوله قبله ﴿وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ وقد سبق ذكره فى الأَنفال. وقد جاءَ بعده فى موضعين ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
стр. 231
فِي سَبِيلِ الله﴾ ليعلم أَنَّ الأَصل ذلك، وإِنَّما قدّم هنا لموافقة ما قبله فحسْبُ.
قوله: ﴿كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ﴾ بزيادة باء، وبعده ﴿كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ و ﴿كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ بغير باء فيهما؛ لأَنَّ الكلام فى الآية الأُولى إِيجاب بعد نفى، وهو الغاية فى باب التَّأْكيد، وهو قوله: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله﴾ فأَكَّد المعطوف أَيضاً بالباءِ؛ ليكون الكل فى التأْكيد على منهاج واحد، وليس كذلك الآيتان بعده؛ فإِنَّهما خَلَتا من التأْكيد.
قوله: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ بالفاءِ، وقال فى الآية الأُخرى: ﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ﴾ بالواو؛ لأَنَّ الفاءَ يتضمّن معنى (الجزاء، والفعل الذى قبله مستقبل يتضمّن معنى) الشرط، وهو قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ الصلاة إِلاَّ وَهُمْ كسالى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ﴾ اى إِن يكن منهم ما ذكر فجزاؤهم. وكان الفاءُ هاهنا أَحسن موقعاً من الواو [و] التى بعدها قبلها ﴿كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ وَمَاتُواْ﴾ بلفظ الماضى وبمعناه، والماضى لا يتضمّن معنى الشرط، ولا يقع من الميت فعل، (وكان) الواو أَحسن.
قوله: ﴿وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ﴾ بزيادة (لا) وقال: فى الأُخرى ﴿وَأَوْلاَدهُمْ﴾ بغير (لا) لأَنَّه لمّا أَكَّد الكلام الأَوّل بالإِيجاب بعد النفى وهو الغاية، وعلَّق
стр. 232
الثَّانى بالأَوّل تعليق الجزاء بالشرط، اقتضى الكلامُ الثانى من التوكيد ما اقتضاه الأَوّلُ، فأَكَّد معنى النَّهى بتكرار (لا) فى المعطوف.
قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ ، وقال: فى الأُخرى: ﴿أَنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ لأَنَّ (أَن) فى هذه الآية مقدّرة، وهى النَّاصبة للفعل، وصار اللام هاهنا زيادة كزيادة الباءِ، و (لا) فى الآية. وجواب آخر: وهو أَنَّ المفعول فى هذه الآية محذوف، أَى يريد الله أَن يزيد فى نعمائهم بالأَموال والأَولاد؛ ليعذِّبهم بها فى الحياة الدّنيا. والآية الأُخرى إِخبار عن قوم ماتوا على الكفر فتعلَّق الإِرادة بما هم فيه، وهو العذاب.
قوله: ﴿فِي الحياة الدنيا﴾ وفى الآية الأُخرى ﴿فِي الدنيا﴾ لأَنَّ (الدنيا) صفة للحياة فى الآيتين فأَثبت الموصوف (والصفة فى الأُولى، وحذف الموصوف) فى الثانية اكتفاءً بذكره فى الأُولى، وليست الآيتان مكرّرتين؛ لأَنَّ الأُولى فى قوم، والثانية فى آخرين، وقيل: الأُولى فى المنافقين والثانية فى اليهود.
قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾ وفى الصف ﴿ليُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾ هذه الآية تشبه قوله: ﴿يُرِيْدُ الله أَنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ و ﴿ليُعَذِّبَهُمْ﴾ حذف اللام من الآية الأُولى، لأَنَّ مرادهم إِطفاء نور الله بأَفواههم، وهو
стр. 233
المفعول به، والتقدير: ذلك قولهم بأَفواههم، ومرادهم إِطفاء نور الله بأَفواههم. والمراد الذى هو المفعول به فى الصفِّ مضمر تقديره: ومن أَظلم ممّن افترى على الله الكذب [يريدون ذلك] ليطفئوا نور الله فالَّلام لام العِلَّة. وذهب بعض النحاة إِلى أَن الفعل محمول على المصدر. أَى إِرادتهم لإِطفاءِ نور الله.
قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ ذلك هُوَ الفوز العظيم﴾ هذه الكلمات تقع على وجهين: أَحدهما: ذلك الفوز بغير (هو) . وهو فى القرآن فى ستَّة مواضع: فى براءَة موضعان، وفى النساءِ، والمائدة، والصّف، والتَّغابن؛ وما فى النِّساءِ (وذلك) بزيادة واو. والثَّانى ذلك هو الفوز بزيادة (هو) وذلك فى القرآن فى ستَّة مواضع أيضاً: فى براءَة موضعان، وفى يونس، والمؤمن، والدّخان، والحديد، وما فى براءَة أَحدهما بزيادة الواو. وهو قوله: ﴿فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم﴾ وكذلك ما فى المؤمن بزيادة واو. والجملة إِذا جاءَت بعد جملة من غير تراخ بنزول جاءَت مربوطة بما قبلها إِمّا بواو العطف وإِمّا بكناية تعود من الثانية إِلى الأُولى، وإِمَّا
стр. 234
بإِشارة فيها إِليها. وربّما يُجمع بين اثنين منها، والثلاثة؛ للدّلالة على مبالغة فيها. ففى السّورة ﴿خَالِدًا فِيْهَا ذلك﴾ و ﴿خَالِدِيْنَ فِيْهَا ذلك﴾ وفيها أَيضاً ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ ذلك هُوَ﴾ فجمع بين اثنين. وبعدهما ﴿فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ﴾ فجمع بين الثلاثة، تنبيهاً على أَنَّ الاستبشار من الله يتضمّنُ رضوانَه، والرضوان يتضمّن الخلود فى الجنَان قال تاج القُرَّاءِ: ويحتمل أَنَّ ذلك لما تقدّمه من قوله: ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التوراة والإنجيل والقرآن﴾ فيكون كلّ واحد منهما فى مقابلة (واحد، وكذلك فى المؤمن تقدمه "فاغفر وقهم وأَدخلهم"، فوقعت فى مقابلة) الثَّلاثة.
قوله: ﴿وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ﴾ ثم قال بعد: ﴿وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ﴾ لأَنَّ قوله: (وطبع) محمول على رأْس الآية، وهو قوله: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُوْرَةٌ﴾ فبُنى مجهول على مجهول، والثانى محمول، على ما تقدم من ذكر الله تعالى مرّات (وكان) اللائق: وطَبَع الله، ثمّ ختم كلَّ آية بما يليق بها، فقال فى الأُولى: لا يفقهون، وفى الثانية: لا يعلمون، لأَنَّ العلم فوق الفقه، والفعل المسند إِلى الله فوق المسند إِلى المجهول.
قوله: ﴿وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ ، وقال فى الأُخرى: ﴿وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَسَتُرَدُّونَ﴾ لأَنَّ الأُولى فى المنافقين، ولا يطَّلع على ضمائرهم إِلاَّ الله تعالى، ثم رسوله بإِطْلاع الله إِيَّاه عليها؛
стр. 235
كقوله: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ والثانية فى المؤمنين، وطاعات المؤمنين وعباداتهم ظاهرة لله ولرسوله وللمؤمنين. وخَتَم آية المنافقين بقوله: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ فقطعه عن الأَول؛ لأَنه وعيد. وختم آية المؤمنين بقوله: ﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ لأَنَّه وعد، فبناه على قوله ﴿فَسَيَرَى الله﴾ .
قوله: ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ وفى الأُخرى ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ الله﴾ [لأَنَّ الآية الأُولى] مشتملة على ما هو من عملهم، وهو قوله: ﴿وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكفار وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً﴾ ، وعلى ما ليس من عملهم، وهو الظَّمأ والنَّصب والمخْمصة، والله سبحانه بفضله أَجرى ذلك مُجرى عملِهم فى الثَّواب، فقال: ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ أَى جزاءُ عمل صالح، والثَّانية مشتملة على ما هو من عملهم، وهو إِنفاق المال فى طاعته، وتحمّل المشاق فى قطع المسافات، فكُتب لهم بعينه. لذلك ختم الآية بقوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ لكون الكل من عملهم فوعدهم حسن الجزاءِ عليه وختم (الآية) بقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ حين أُلحق ما ليس من عملهم بما هو من عملهم، ثم جازاهم على الكل أَحسن الجزاء.
فضل السورة
عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه
стр. 236
وسلم: "إِنه ما نزل علىّ القرآن إِلاَّ آية آية، وحرفاً حرفا، خلا سورة براءَة، وقل هو الله أَحد؛ فإِنَّهما أُنزلتا ومعهما سبعون أَلفَ صفٍّ من الملائكة، كلّ يقول استوصوا بنسبة الله خيراً" وقال: مَنْ قرأَ سورة الأَنفال وبراءَة شهدا له يوم القيام بالبراءَة من الشرك والنفاق، وأُعطى بعَدَد كلِّ منافق ومنافقة منازل فى الجنة، ويكتب له مثلُ تسبيح العرش وَحَملتهِ إِلى يوم القيامة. وعنه: يا علىّ مَنْ قرأَ سورة التوبة يَقبل الله توبته؛ كما يقبل مِن آدم وداود، واستجاب دعاءَه، كما استجاب لزكريّا. وله بكلِّ آية قرأَها مثلُ ثواب زكريّا. الحديثان ضعيفان جدّاً.
стр. 237
بصيرة فى.. الر. تلك آيات الكتاب
اعلم أَنّ هذه السّورة مكِّيّة، بالاتِّفاق. عدد آياتها مائة وعشر آيات عند الشاميِّين، وتسع عند الباقين. وعدد كلماتها أَلف وأَربعمائة وتسع وتسعون كلمة. وحروفها سبعة آلاف وخمس وستون.
والآيات المختلَف فيها أَربعة: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ ﴿وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور﴾ و ﴿مِنَ الشَّاكِرِيْنَ﴾ .
ومجموع فواصلها (ملْن) على الَّلام منها آية واحدة ﴿وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ وكلُّ آية على الميم قبل الميم ياء.
وسُمِّيت سورة يونس لما فى آخرها من ذكر كشف العذاب عن قوم يونس ببركة الإِيمان عند اليأْس فى قوله: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ .
مقصود السّورة: إِثبات النبوّة، وبيان فساد اعتقاد الكفار فى حقِّ النَّبىّ ﷺ والقرآن، وذكر جزائهم على ذلك فى الدّار الآخرة،
стр. 238
وتقدير منازل الشَّمس والقمر لمصالح الخَلْق، وذمّ القانعين بالدّنيا الفانية عن النَّعيم الباقى، ومَدْح أَهل الإِيمان فى طلب الجنان؛ واستعجال الكفَّار بالعذاب، وامتحان الحَقِّ تعالى خلقَه باستخلافهم فى الأَرض، وذكر (عدم تعقّل) الكفار كلام الله، ونسبته إِلى الافتراءِ والاختلاف، والإِشارة إِلى إبطال الأَصنام وعُبّادها، وبيان المِنَّة على العِباد بالنَّجاة من الهلاك فى البَرِّ والبَحْر، وتمثيل الدّنيا بنزول المطر، وظهور أَلوان النبات والأَزهار، ودعوة الخَلْق إِلى دار السّلام، وبيان ذُلِّ الكفَّار فى القيامة، ومشاهدة الخَلْق فى العُقْبَى ما قدّموه من طاعة ومعصية، وبيان أَنَّ الحقّ واحد، وما سواه باطل، وإِثبات البَعْث والقيامة بالبرهان، والحجّة الواضحة، وبيان فائدة نزول القرآن، والأَمر بإِظهار السّرور والفرح بالصّلاة والقرآن، وتمييز أَهل الولاية من أَهل الجنَايَة، وتسلية النَّبىّ ﷺ بذكر شىء من قِصّة موسى، وواقعة بنى إِسرائيل مع قوم فرعون، وذكر طَمْس أَموال القِبطيّين، ونجاة الإِسرائيليين من البحر، وهلاك أَعدائهم من الفِرعونيّين، ونجاة قوم يونس بإِخلاص الإِيمان فى قوت اليَأْس، وتأْكيد نبوّة النبىّ ﷺ ، وأَمره بالصّبر على جفاءِ المشركين وأَذاهم، فى قوله: ﴿حتى يَحْكُمَ الله وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين﴾ .
стр. 239
الناسخ والمنسوخ
المنسوخ فى هذه السّورة خمس آيات ﴿إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ م ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله﴾ ن ﴿قُلْ فانتظروا﴾ م آية السّيف ن ﴿مَنِ اهْتَدَى﴾ إِلى قوله: ﴿وَكِيْل﴾ م آية السّيف ن ﴿فَقُل لِّي عَمَلِي﴾ م آية السّيف ن ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ واصبر﴾ م آية السّيف ن.
المتشابهات
قوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ [جَمِيعاً] ﴾ وفى هود ﴿إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ﴾ لأَنَّ ما فى هذه السّورة خطاب للمؤمنين والكافرين جميعاً؛ يدلّ عليه قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات بالقسط والذين كَفَرُواْ﴾ الآية. وكذلك ما فى المائدة ﴿مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ ؛ لأَنَّه خطاب للمؤمنين والكافرين بدليل قوله: ﴿فِيْهِ تَخْتَلِفُوْنَ﴾ وما فى هود خطاب للكفَّار؛ يدلّ عليه قوله: ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ فإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ .
قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر﴾ بالأَلف واللام؛ لأَنه إِشارة إِلى ما تقدّم من الشرّ فى قوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر﴾ فإِنَّ الضرّ والشَّرّ واحد. وجاءَ الضرّ فى هذه السّورة بالأَلف واللام، وبالإِضافة وبالتنوين.
стр. 240
قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ بالواو؛ لأَنَّه معطوف على قوله: ﴿ظَلَمُواْ﴾ من قوله: ﴿لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ وفى غيرها بالفاءِ للتَّعقيب.
قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ بالفاءِ؛ لموافقة ما قبلها. وقد سبق فى الأَنعام. قوله: ﴿مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ سبق فى الأَعراف.
قوله: ﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وفى غيرها: ﴿فِيمَا هُمْ فِيهِ﴾ بزيادة (هم) لأَنَّ هنا تقدّم (فاختلفوا) ، فاكْتُفِى به عن إِعادة الضمير؛ وفى الآية ﴿بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض﴾ بزياة (لا) وتكرار (فى) لأَنَّ تكرار (لا) مع النفى كثير حسن، فلمّا كرّر (لا) كرّر (فى) تحسيناً للفظ. ومثله فى سبأ فى موضعين، والملائكة.
قوله ﴿فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ﴾ بالأَلف؛ لأَنه وقع فى مقابلة ﴿أَنْجَيْنَا﴾ .
قوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ وفى هود: ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ لأَن ما فى هذه السّورة تقديره: بسورة مثل سورة يونس. فالمضاف محذوف فى السّورتين، وما فى هود إِشارة إِلى ما تقدّمها: من أَوّل الفاتحة إِلى سورة هود، وهو عَشْر سُور.
стр. 241
قوله: ﴿وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ هنا، وكذلك فى هود، وفى البقرة ﴿شُهَدَآءَكُمْ﴾ ؛ لأَنَّه لمّا زاد فى هود ﴿وَادْعُواْ﴾ زاد فى المدعوّين. ولهذا قال فى سبحان: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن﴾ لأَنَّه مقترن بقوله: ﴿بِمِثْلِ هاذا القرآن﴾ والمراد به كله.
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ بلفظ الجمع وبعده: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ بلفظ المفرد؛ لأَنَّ المستمع إِلى القرآن كالمستمع إِلى النَّبىّ ﷺ ، بخلاف النَّظر (وكان) فى المستمعين كثرة فجمع ليطابق اللفظُ المعنى، ووحّد (ينظر) حملاً على اللفظ إذ لم يكثر كثرتهم.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ فى هذه الآية فحسب؛ لأَنَّ قبله قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيْعًا﴾ وقوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيْعًا﴾ يدلاَّن على ذلك فاكتُفى به.
قوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾ فى هذه السّورة فقط؛ لأَنَّ التقدير فيها: لكلِّ أُمّة أَجل، فلا يستأخرون إِذا جاءَ أَجلهم. فكان هذا فيمن قُتل ببدر والمعنى: لم يستأخروا.
قوله: ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ ذكر بلفظ ما لأَن
стр. 242
معنى ما هاهنا المال، فذكر بلفظ ما دون مَنْ ولم يكرِّر ما اكتفاءً بقوله قبله ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأرض﴾ .
قوله: ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض﴾ ذكر بلفظ (مَنْ) وكُرّرَ؛ لأَنَّ هذه الآية نزلت فى قوم آذَوْا رسول الله ﷺ ، فنزل فيهم ﴿وَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ فاقتضى لفظ مَنْ وكُرِّر؛ لأَنَّ المراد: من فى الأَرض هاهنا لكونهم فيها؛ لكن قدّم ذكر (مَن فى السّماوات) تعظيماً ثمّ عطف (من فى الأَرض) على ذلك.
قوله: ﴿مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ ذكر بلفظ (ما) فكرّر؛ لأَنَّ بعض الكفَّار قالوا: اتَّخذ الله ولداً، فقال سبحانه: له ما فى السّماوات وما فى الأرض، أَى اتخاذُ الولد إِنما يكون لدفع أَذًى، أَو جَذْب منفعة، والله مالك ما فى السّماوات وما فى الأَرض. (وكان) الموضع (موضع [ما وموضع] التكرار؛ للتَّأْكيد والتَّخصيص.
قوله: ﴿ولاكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ . ومثله فى النَّمل. وفى البقرة ويوسف والمؤْمن: ﴿ولاكن أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ . لأَنَّ
стр. 243
فى هذه السّورة تقدم ﴿ولاكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُوْنَ﴾ فوافق قوله: ﴿ولاكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ وكذلك فى النَّمل تقدم ﴿بَلْ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُوْنَ﴾ فوافقه. وفى غيرهما جاءَ بلفظ التصريح. وفيها أَيضاً قوله: ﴿فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء﴾ فقدّم الأَرض؛ لكون المخاطبين فيها. ومثله فى آل عمران، وإِبراهيم، وطه، والعنكبوت. وفيها ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ بناءً على قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُوْنَ إِلَيْكَ﴾ ومثله فى الرّوم: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ فحسْبُ.
قوله: ﴿قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً﴾ بغير واو؛ لأَنَّه اكتفى بالعائد عن الواو والعاطف. ومثله فى البقرة على قراءَة ابن عامر: ﴿قَالُواْ اتخد الله وَلَداً﴾ .
قوله: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ سبق. ومثله فى الأَنبياءِ والشعراءِ.
قوله: ﴿كَذَّبُوْا﴾ سبق.
وقوله: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى﴾ قد سبق.
قوله: ﴿مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ هنا فحسب بالجمع. وفى غيرها (وملإِيه)
стр. 244
لأَنَّ الضَّمير فى هذه السّورة يعود إلى الذرّية. وقيل: يعود إِلى القوم. وفى غيرها يعود إِلى فرعون.
قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ ، وفى النَّمل: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ﴾ ؛ لأَنَّ قبله فى هذه السورة ﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِيْنَ﴾ فوافقه، وفى النَّمل أَيضاً وافق ما قبله، وهو قوله: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُوْنَ﴾ وقد تقدّم فى يونس ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين﴾ .
فضل السورة
فيه حديث أُبىّ المتفقُ على ضعفه: مَن قرأَ سورة يونس أُعطِى من الأَجْر عشرَ حسنات، بعَدَد مَن صدّق بيونس، وكذَّب به، وبعدد مَن غرق مع فرعون. وعن جعفر الصّادق: مَن قرأَ سورة يونس كان يوم القيامة من المقرّبين: وحديث علىّ يا علىّ مَن قرأَ سورة يونس أَعطاه الله من الثَّواب مثل ثواب حمزة، وله بكلِّ آية قرأَها مثلُ ثواب خَضِر. ضعيف.
стр. 245
بصيرة فى.. الر. كتاب أحكمت
هذه السّورة مكِّيّة بالإِجماع. وعدد آياتها مائة واثتنان وعشرون عند الشَّاميّين، وإِحدى وعشرون عند المكيّين والبصريّين، وثلاث وعشرون عند الكوفيّين. وكلماتها أَلف وتسعمائة وإِحدى عشرة كلمة. وحروفها سبعة آلاف وستمائة وخمس.
والآيات المختلف فيها سبع ﴿برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ، ﴿فِيْ قَوْمِ لُوْطٍ﴾ ، ﴿مِنْ سِجِّيْلٍ﴾ ؛ ﴿مَنْضُوْدٌ﴾ ، ﴿إِنَّا عَامِلُوْنَ﴾ ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِيْنَ﴾ ، ﴿مُخْتَلِفِيْنَ﴾ .
مجموع فواصلها (ق ص د ت ل ن ظ م ط ب ر ز د) يجمعها قولك (قصدْت لنظم طبرْ زَد) .
وسمّيت سورة هود لاشتمالها على قصّة هود ﵇ وتفاصيلها.
стр. 246
المقصود الإِجمالىّ من السّورة: بيان حقيقة القرآن، واطِّلاع الحقِّ سبحانه على سرائر الخلق وضمائرهم، وضمانُه تعالى لأَرزاق الحيوانات، والإِشارة إِلى تخليق العَرْش، وابتداءِ حاله، وتفاوت أَحوال الكفَّار، وأَقوالهم وتحدّى النَّبى ﷺ العرَب بالإِتيان بمثل القرآن، وذمّ طُلاَّب الدّنيا المُعْرِضِين عن العُقْبى، ولعن الظَّّالمين، وطردهم، وقصّة أَهل الكفر والإِيمان، وتفصيل قصّة نوح، وذكر الطُّوفان، وحديث هود، وإِهلاك عاد، وقصّة صالح، وثمود، وبشارة الملائكة لإِبراهيم وسارة بإِسحاق، وحديث لوط، وإِهلاك قومه، وذكر شُعَيْب، ومناظرة قومه إِيَّاه، والإِشارة إِلى قصّة موسى وفرعون، وبيان أَن فرعون يكون مقدّم قومه إِلى جهنَّم، وذكر جميع [أَحوال] القيامة، وتفضيل الفريقين والطريقين، وأَمر الرّسول ﷺ بالاستقامة، والتَّجنُّب من أَهل الظُّلم والضَّلال، والمحافظة على الصّلوات الخمس، والطَّهارة، وذكر الرّحمة فى اختلاف الأُمّة، وبيان القصص، وأَنباءِ الرسل. لتثبيت قلب النبىّ ﷺ ، والأَمر بالتَّوكُّل على الله فى كلِّ حال.
الناسخ والمنسوخ:
المنسوخ فى هذه السّورة ثلاث آيات ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا﴾ م
стр. 247
﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة﴾ ن ﴿اعملوا على مَكَانَتِكُمْ﴾ م آية السّيف ن ﴿وانتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ م آية السّيف ن.
المتشابهات:
قوله: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فاعلموا﴾ بحذف النَّون، والجمع، وفى القصص ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فاعلم﴾ عدّت هذه الآية من المتشابه فى فصلين: أَحدهما حذف النّون من (فإِلَّم) فى هذه السّورة وإِثباتها فى غيرها. وهذا من فَصْل الخَطِّ. وذُكر فى موضعه. والثَّانى جمع الخطاب هاهنا، وتوحيده فى القصص؛ لأَنَّ ما فى هذه السّورة خطاب للكفَّار، والفعل لمن استطعتم، وما فى القصص خطاب للنَّبى ﷺ ، والفعل للكفاَّر.
قوله: ﴿وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ﴾ سبق.
قوله: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾ ، وفى النَّحل: ﴿هُمُ الخاسرون﴾ ؛ لأَنَّ هؤلاءِ صدُّوا عن سبيل الله، وصَدُّوا غيرهم، فضَلُّوا وأَضَلُّوا؛ فهم الأَخسرون يضاعف لهم العذابُ، وفى النَّحل صدُّوا، فهم الخاسرون. قال الإِمام: لأَنَّ ما قبلها فى هذه السّورة، (يبصرون، يفترون) لا يعتمدان على أَلف بينهما، وفى النحل (الكافرون
стр. 248
والغافلون) فللموافقة بين الفواصل جاءَ فى هذه السّورة: الأَخسرون وفى النَّحل: الخاسرون.
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَقَالَ﴾ بالفاءِ وبعده: ﴿فَقَالَ الملأ﴾ بالفاءِ وهو القياس. وقد سبق.
قوله: ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ﴾ وبعده ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ وبعدهما ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ ؛ لأَنَّ (عنده) وإِن كان ظرفاً فهو اسم فذكر فى الأُولى بالصّريح، والثانية والثالثة بالكناية؛ لتقدم ذكره. فلمّا كُنى عنه قدّم؛ لأَنَّ الكناية يتقدّم عليها الاسم الظَّاهر نحو ضرب زيد عمراً فإِن كنيت عن عمرو قدّمته؛ نحو عمرو ضربه زيد. وكذلك زيد أَعطانى درهماً من ماله، فإِن كنيت عن المال قلت: المالُ زيدٌ أَعطانى منه درهماً. قال الإِمام: لمّا وقع ﴿آتَانِي رَحْمَةً﴾ فى جواب كلام فيه ثلاثة أَفعال كلّها متعدّ إِلى مفعولين ليس بينهما حائل بجارّ ومجرور وهو قوله: ﴿مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مَثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ﴾ و ﴿نَظُنُّكُمْ كَاذِبِيْنَ﴾ أُجرى الجوابُ مُجراه، فجُمع بين المفعولين من غير حائل. وأَمّا الثانى فقد وقع فى جواب كلام
стр. 249
قد حِيل بينهما بجارِّ ومجرور، وهو قوله: ﴿قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً﴾ ؛ لأَنَّ خبر كان بمنزلة المفعول، لذلك حيل فى الجواب بين المفعولين بالجارّ والمجرور.
قوله: ﴿لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الله﴾ فى قِصّة نُوح، وفى غيرها ﴿أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ﴾ لأَنَّ فى قصّة نوح وقع بعدها (خزائن) ولفظ المال للخزائن أَليق.
قوله: ﴿وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ وفى الأَنعام: ﴿وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ؛ لأَنَّ [ما] فى الأَنعام آخر الكلام [بدأَ] فيه بالخطاب، وخَتَم به، وليس [ما] فى هذه السّورة آخر الكلام، بل آخره ﴿تزدري أَعْيُنُكُمْ﴾ فبدأَ بالخطاب وخَتَم به فى السّورتين.
قوله: ﴿وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً﴾ وفى التَّوبة) ﴿وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾ ذُكر هذا فى المتشابه، وليس منه؛ لأَنَّ قوله: ﴿وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً﴾ عَطْف على قوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي﴾ ، فهو مرفوع، وفى التَّوبة معطوف على ﴿يُعَذِّبْكُمْ وَيَسْتَبْدِلْ﴾ وهما مجزومان، فهو مجزوم.
قوله: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً﴾ فى قصّة هود وشعيب بالواو،
стр. 250
وفى قصّة صالح ولوط: (فلمّا) بالفاءِ؛ لأَنَّ العذاب فى قصّة هود وشعَيب تأَخَّر عن وقت الوعيد؛ فإِنَّ فى قصّة هود: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ وفى قصّة شعيب ﴿سَوْفَ تَعْلَمُوْنَ﴾ والتَّخويف قارنه التسويف، فجاءَ بالواو والمهلة، وفى قصّة صالح ولوط وقع العذاب عقِيب الوعيد؛ فإِنَّ قصّة صالح ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ﴾ ، وفى قصّة لوط: ﴿أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ﴾ فجاءَ بالفاءِ للتَّعجيل والتَّعقيب.
قوله: ﴿وَأُتْبِعُواْ فِي هاذه الدنيا لَعْنَةً﴾ وفى قصّة موسى: ﴿فِي هاذه لَعْنَةً﴾ ؛ لأَنَّه لمّا ذكر فى الآية الأُولى الصّفة والموصوف اقتصر فى الثَّانية على الموصوف؛ للعلم به والاكتفاءِ بما فيه.
قوله ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ وبعده ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ ؛ لموافقة الفواصل. ومثله ﴿لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ ، وفى التَّوبة ﴿لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ للرَّوِىّ فى السّورتين.
قوله: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [وفى إِبراهيم ﴿إِنَّا لَفِي
следующие страницы →